. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والمشايخ أطبقوا على تضليل مدعيها وتكذيبه، وصنفوا في ذلك كتبًا ورسائل وقالوا: إن من ادعى ذلك لم يعرف اللَّه، وأقره الشيخ علاء الدين القونوي في شرحه على ذلك، وقال في (تفسير الكواشي): إن معتقد رؤية اللَّه تعالى هنا بالعين لغير محمد ﷺ غير مسلم.
وقال الأردبيلي في (كتاب الأنوار): ولو قال: أنا أرى اللَّه تعالى عيانًا في الدنيا ويكلمني شفاهًا كَفَرَ، وقالوا: تخصيص المؤمنين برؤية اللَّه تعالى إنما هو في ما كان في الجنة، وأما في الموقف فيراه المؤمنون والكافرون، ثم يحجب الكافرون لتبقى لهم حسرة على القول المختار، والصحيح حصول الرؤية للنساء أخذًا من عمومات النصوص الواردة في الرؤية، وقيل: ليس لهن رؤية، وقيل: إنهن يرين في مثل أيام الأعياد والجمع في الدنيا.
وفي (آكام المرجان) (١) نقلًا عن قواعد الشيخ عز الدين عبد السلام ما يقتضي: أن الرؤية خاصة بمؤمني البشر، وأن الملائكة والجن لا يرونه تعالى، ونحوه ذكر عز ابن جماعة، والمنقول عن الشيخ الأشعري أن الملائكة يرونه، وتابعه على ذلك البيهقي وابن القيم والبلقيني، قال السيوطي: وهو الأرجح بلا شك، ومقتضى كلام ابن القيم الميل إلى حصول الرؤية لمؤمني الجن أيضًا، وهو الأصوب بعموم النصوص لجميع المؤمنين، ورؤية اللَّه تعالى في المنام أيضًا جائزة، ونقل عن بعض السلف، وفي الحقيقة هو رؤية قلبية بالمثال.
стр. 5322
* الْفَصْلُ الأَوَّلُ:
٥٦٥٥ - [١] عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ عِيَانًا". وَفِي رِوَايَةٍ: قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَنَظَرَ إِلَى الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، فَقَالَ: "إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ هَذَا الْقَمَرَ، لَا تُضَامُونَ فِي رُؤْيَتِهِ، فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ لَا تُغْلَبُوا عَلَى صَلَاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا فَافْعَلُوا"، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ [طه: ١٣٠]. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٥٤، م: ٢١١].
ــ
الفصل الأول
٥٦٥٥ - [١] (جرير بن عبد اللَّه) قوله: الا تضامون) بضم التاء وتخفيف الميم من الضيم بمعنى الظلم، أي: لا تظلمون في رؤيته بأن يراه بعض دون بعض، وبفتح التاء وتشديد الميم من الضم أي: لا تزاحمون فيها، وقد سبق تحقيقه وبيان الروايات فيه في (باب الشفاعة).
وقوله: (فإن استطعتم أن لا تغلبوا) على صيغة المجهول، أي: لا تصيروا مغلوبين، أي: لا يغلبكم الكسل والدعة فتركوها، والتخصيص بهذين الصلاتين لفضلهما وإلا فحكم سائر الصلوات كذلك، والسر في ذلك أنه يحصل من الصلاة ملكة رؤية الذات كما يشير إليه الحديث: (أن تعبد ربك كأنك تراه)، ولما لم تكن الدنيا محل رؤية الذات بالبصر بل فيها مشاهدة الذات بالقلب لحُجُبٍ كانت مانعة منها قال: (كأنك تراه)، ولما سقطت الحجب في موطن الآخرة صار: (أنك تراه)، وقد ورد أن الرؤية في الآخرة تحصل غدوة وعشية، أي: أول النهار وآخره، وبهذا يحصل توجيه تخصيص صلاة الفجر والعصر، واللَّه أعلم.
قُلْتُ (١): يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَكُلُّنَا يَرَى رَبَّهُ مُخْلِيًا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ: "بَلَى". قُلْتُ: وَمَا آيَةُ ذَلِكَ؟ قَالَ: "يَا أَبَا رَزِينٍ! أَلَيْسَ كُلُّكُمْ يَرَى الْقَمَرَ لَيْلَةَ الْبَدْرِ مُخْلِيًا بِهِ؟ ". قَالَ: بَلَى. قَالَ: "فَإِنَّمَا هُوَ خَلْقٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ وَاللَّهُ أَجَلُّ وَأَعْظَمُ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٧٣١].
* الْفَصْلُ الثَّالِثُ:
٥٦٥٩ - [٥] عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : هَلْ رَأَيْتَ رَبَّكَ؟ قَالَ: "نُورٌ أَنَّى أَرَاهُ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٧٨].
ــ
وقوله: (مخليًا به) يروى على وجهين: بفتح الميم وسكون الخاء وتشديد الياء من خلا يخلو، من خلوت به، وبضم الميم وتخفيف الياء من أخليت به: إذا انفردت به، وأخلى جاء لازمًا ومتعديًا، والمعنى يراه الكل منفردًا بنفسه بحيث لا يزاحم شيء في الرؤية.
الفصل الثالث
٥٦٥٩ - [٥] (أبو ذر) قوله: (نور أنى أراه) (أنى) بفتح الهمزة والنون المشددة بمعنى كيف، قال الطيبي (٢): هكذا رواه جميع الرواة في جميع الأصول ومعناه: حجابه النور فإن كمال النور يمنع الإدراك، وقد يروى: (نوراني) بالنسبة إلى النور، انتهى. وهذا أيضًا يحتمل أن يكون لإنكار الرؤية على طريق الاستفهام بحذف أداته، أو يكون لإثباتها، وجاء في حديث آخر: (رأيت نورًا)، وهذا أيضًا يحتمل المعنيين، أي: رأيت نورًا فحسب دون الذات، ومنعني النور عن رؤيتها، أو رأيت ذاتًا منورًا، وقد جاء
стр. 5325
٥٦٦٠ - [٦] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ [النجم: ١١]، ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ [النجم: ١٣]، قَالَ: رَآهُ بِفُؤَادِهِ مَرَّتَيْنِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
إطلاق النور عليه تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [النور: ٣٥].
٥٦٦٠ - [٦] (ابن عباس) قوله: (رآه بفؤاده مرتين) بأن جعل بصره في فؤاده أو فؤاده في بصره، وعلى هذا الوجه سواء قيل: رآه بعين فؤاده أو رآه بعين رأسه يتحد المعنى، وإنما قلنا هذا؛ لأن مذهب ابن عباس أنه رآه ببصره، وأما الرؤية بالقلب فمذهب آخر مخالف لمذهبه.
وحاصل المقام أن ابن عباس ومن وافقه من الصحابة والتابعين حملوا الرواية المذكورة في قوله تعالى: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ [النجم: ١١]، وقوله: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ [النجم: ١٣]، وكذلك الدنو والتدلي، وكونه: ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ [النجم: ٩] كلها بيان لقربه ﷺ عنه تعالى وتقدس.
وأما ابن مسعود وعائشة ﵃ ومن تبعهما حملوها على رؤيته ﷺ جبرئيل، والآيات المذكورة عندهم لبيان قربه واتصاله بجبرئيل، والمفسرون فسروها بالوجهين، فلذلك اختلفت الصحابة ومن بعدهم من السلف والخلف في رؤيته ﷺ الرب تعالى ليلة المعراج، فبعضهم ينفونها وبعضهم يثبوتها وبعضهم يتوقفون فيها لعدم الدلائل الواضحة على أحد الجانبين، والحق أن المذكور في سورة (والنجم) من الدنو والتدلي، وقرب قاب قوسين من جبرئيل لدلالة سياق الآية على ذلك، وهو غير ما كان من الرب تعالى المذكور في الأحاديث، كذا في (المواهب اللدنية) (١).
وقال الشيخ محيي الدين النووي (٢): الراجح المختار عند أكثر العلماء أنه رآه
стр. 5326
وَفِي رِوَايَة التِّرْمِذِي قَالَ: رَأَى مُحَمَّدٌ رَبَّهُ. قَالَ عِكْرِمَةُ: قُلْتُ: أَلَيْسَ اللَّهُ يَقُولُ: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ [الأنعام: ١٠٣]؟ . . . . .
ــ
ببصره، وقال: إن عائشة لم ترو في إنكاره حديثًا وسماعًا منه ﷺ ، وإنما هو اجتهاد واستنباط منها ﷺ برأيها، وتمسكها في ذلك بقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الشورى: ٥١]، وقوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ [الأنعام: ١٠٣]، والجواب أن المنفي في الآية الأولى الكلام في حال الرؤية لا الرؤية نفسها، ولعل الرؤية تكون ثابتة بدون الكلام، وإن الإدراك هو الإحاطة بجوانب الشيء وحدودها، والرؤية أعم منه، وقد خالف غيرها من الصحابة، والصحابي إذا قال قولًا وخالفه غيره منهم لم يكن ذلك القول حجة بالاتفاق، انتهى كلام النووي.
لكن قال الحافظ ابن حجر (١): جزم النووي بأنّ عائشة لم تنف الرؤية بحديث مرفوع، وتبع فيه ابن خزيمة، وهو عجيب، فقد ثبت في (صحيح مسلم) عن مسروق قالت: سألت رسول اللَّه ﷺ عن هذا، فقلت يا رسول اللَّه! هل رأيت ربك؟ فقال: (لا، إنما رأيت جبرئيل منهبطًا)، واللَّه أعلم.
وقال بعض العلماء: الاعتماد في هذا الباب على قول ابن عباس فإن من المتعين أنه ما قال مثل هذا القول العظيم إلا بسماع من النبي ﷺ لا بظن واجتهاد، وقال بعضهم حين ذكر اختلاف عائشة وابن عباس ﵄: ما عائشة عندنا بأعلم من ابن عباس، واللَّه أعلم، وسيأتي الكلام فيه في (باب المعراج) إن شاء اللَّه تعالى، وأما تفسير الآيات المذكورة وتحقيق ألفاظها مفردة ومركبة فليطلب من التفاسير.
وقوله: (قلت: أليس اللَّه يقول: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾) إشكاله عليه لكون المراد بقوله: (رآه بفؤاده) أنه رآه بعينه بمساعدة قلبه كما ذكرنا، أو على قوله:
стр. 5327
قَالَ: وَيْحَكَ ذَاكَ إِذَا تَجَلَّى بِنُورِهِ الَّذِي هُوَ نُورُهُ، وَقَدْ رَأَى رَبَّهُ مَرَّتَيْنِ. [م: ١٧٦، ت: ٣٢٧٩].
٥٦٦١ - [٧] وَعَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: لَقِيَ ابْنُ عَبَّاسٍ كَعْبًا بِعَرَفَةَ، فَسَأَلَهُ عَنْ شَيْءٍ، فَكَبَّرَ حَتَّى جَاوَبَتْهُ الْجِبَالُ. فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّا بَنُو هَاشِمِ. فَقَالَ كَعْبٌ: إِنَّ اللَّهَ قَسَمَ رُؤْيَتَهُ وَكَلَامَهُ بَيْنَ مُحَمَّدٍ وَمُوسَى، فَكَلَّمَ مُوسَى مَرَّتَيْنِ، وَرَآهُ مُحَمَّدٌ مَرَّتَيْنِ. قَالَ مَسْرُوقٌ: فَدَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ فَقُلْتُ: هَل رَأَى مُحَمَّدٌ رَبَّهُ؟ فَقَالَتْ: لَقَدْ تَكَلَّمْتَ بِشَيْءٍ قَفَّ لَهُ شَعْرِيْ، قُلْتُ: رُويدًا، ثُمَّ قَرَأْتُ: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ [النجم: ١٨]، فَقَالَتْ: . . . . .
ــ
(رأى محمد ربه) كما في رواية الترمذي.
وقوله: (بنوره الذي هو نوره) أي: النور الخاص الذاتي الذي لا يطيقه البشر، وأما إذا تجلى بنوره الذي يعني بإدراكه القوة البشرية من غير تمنع وتعذر منه فلا مانع من إدراكه، والرؤية حاصلة على التقديرين.
٥٧٦١ - [٧] (الشعبي) قوله: (حتى جاوبته الجبال) كناية عن صداها.
وقوله: (أنا بنو هاشم) أي: المعروفون بالعلم والفضل فلا تسأل عما يستحيل ويتعذر فاسكن وتأمل في الجواب، فلما تأمل أجاب بما أجاب، والظاهر أنه نقل ذلك من التورية.
وقوله: (فكلم موسى مرتين) الأولى: في الواد الأيمن، والثانية: على الطور.
وقوله: (قف له شعري) أي: قام فزعًا.
وقوله: (رويدًا) أي: أمهلي وارفقي واسكني.
وقوله: (ثم قرأت: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾) [النجم: ١٨]، لا يخفى أن هذه
رَأَى جِبْرِيلَ ﵇ لَهُ سِتُّ مِئَةِ جَنَاحٍ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَفِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ قَالَ: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ [النجم: ١١]، قَالَ: رَأَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جِبْرِيلَ فِي حُلَّةٍ مِنْ رَفْرَفٍ قَدْ مَلَأَ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، وَلَهُ وَلِلْبُخَارِيِّ فِي قَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ [النجم: ١٨]، قَالَ: رَأَى رَفْرَفًا أَخْضَرَ سَدَّ أُفُقَ السَّمَاءِ. [خ: ٤٨٥٦، م: ١٧٤، ت: ٣٢٨٣].
٥٦٦٣ - [٩] وَسُئِلَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٣]، فَقِيلَ: قَوْمٌ يَقُولُونَ: إِلَى ثَوَابِهِ. . . . .
ــ
(في حلة) في (القاموس) (١): الحلة بالضم: إزار ورداء، برد أو غيره، قد عرف تحقيقه في موضعه.
وقوله: (من رفرف) بفتح الراءين بينهما فاء ساكنة له معان متعددة، قال الطيبي (٢): أي بساط، وقيل: فراش، وقيل: الرفرف في الأصل ما كان من الديباج وغيره رقيقًا حسن الصنعة ثم اتسع فيه، وقال: والمراد في حديث المعراج البساط أو يراد أجنحة جبرئيل بسطها كما يبسط الثياب، ويقال: رفرف الطائر بجناحيه: إذا بسطها للسقوط على شيء يحوم عليه ليقع فوقه، قال البيضاوي (٣) في قوله تعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ﴾ [الرحمن: ٧٦]: وسائد أو نمارق جمع رفرفة، وقيل: الرفرف: ضرب من البسط، أو ذيل الخيمة، وقد يقال لكل ثوب عريض خضر.
٥٦٦٣ - [٩] (مالك بن أنس) قوله: (يقولون إلى ثوابه) وقيل: (إلى) هنا بمعنى
стр. 5330
فَقَالَ مَالِكٌ: كَذَبُوا فَأَيْنَ هُمْ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥]؟ قَالَ مَالِكٌ: النَّاسُ يَنْظُرُونَ إِلَى اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِأَعْيُنِهِمْ، وَقَالَ: لَوْ لَمْ يَرَ الْمُؤْمِنُونَ رَبَّهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَمْ يُعَيِّرِ اللَّهُ الْكُفَّارَ بِالْحِجَابِ فَقَالَ: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥]. رَوَاهُ فِي "شَرْحِ السُّنَّةِ". [شرح السنة: ١٥/ ٢٣٠].
٥٦٦٤ - [١٠] وَعَنْ جَابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : "بَيْنَا أَهْلُ الْجَنَّةِ فِي نَعِيمِهِمْ، إِذْ سَطَعَ لَهُمْ نُورٌ، فَرَفَعُوا رُؤُوْسَهُمْ، فَإِذَا الرَّبُّ قَدْ أَشْرَفَ عَلَيْهِمْ مِنْ فَوْقِهِمْ، فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ، قَالَ: وَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس: ٥٨]، قَالَ: فَنَظَرَ إِلَيْهِمْ وَيَنْظُرُونَ إِلَيْهِ، فَلَا يَلْتَفِتُونَ إِلَى شَيْءٍ مِنَ النَّعِيمِ مَا دَامُوا يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ، حَتَّى يَحْتجِبَ عَنْهُمْ، وَيَبْقَى نُورُهُ". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. [جه: ١٨٤].
* * *
ــ
النعمة مفعول (ناظرة) قدم عليه، أي: منتظرة نعمة ربها، وتعقب بأن الانتظار عذاب فلا يكون في الجنة، فتدبر.
٥٦٦٤ - [١٠] (جابر) قوله: (ويبقى نوره) نعيم الجنة لا يكون حجابًا عن اللَّه تعالى كنعيم الدنيا ولكنها مظاهر أنوار الصفات، والصفة حجاب الذات لكنه نوراني، فتارة يشهدون نور الحق فيها، وإذا شاهدوا نور الذات نسوا ما سواه وإن كانت صفاته، والحكمة في اشتغالهم بالنعيم أن لا يضمحلوا مطلقًا في سبحات الذات، ويبقوا ويستريحوا ويستعدوا لتجلي الذات، فافهم وباللَّه التوفيق.
стр. 5331
٧ - باب صفة النار وأهلها
* الْفَصْلُ الأَوَّلُ:
٥٦٦٥ - [١] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "نَارُكُمْ جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءًا مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ". قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ كَانَتْ لَكَافِيَةً. قَالَ: "فُضِّلَتْ عَلَيْهِنَّ بِتِسْعَةٍ وَسِتِّينَ جُزْءًا كُلُّهُنَّ مِثْلُ حَرِّهَا". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ. وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: "نَارُكُمُ الَّتِي يُوقِدُ ابْنُ آدَمَ". . . . .
ــ
٧ - باب صفة النار وأهلها
اشتقاق النار والنور من مادة واحدة، قال بعضهم: النار إذا خرج دخانها وصفت عنه بقي نورًا، وجمعه أنوار ونيران ونيرة كقردة، ونور ونيار وأنيار، وغلب في لسان الشرع على نار جهنم نعوذ باللَّه منها، والنار مؤنث، وقد يذكر.
الفصل الأول
٥٦٦٥ - [١] (أبو هريرة) قوله: (جزء من سبعين جزءًا)، الظاهر أن المراد بعدد السبعين الكثرة والمبالغة فيها، لا العدد المخصوص، وقد تعارفت إرادة هذا المعنى من هذا العدد كثيرًا.
وقوله: (وإن كانت) أي: هذه النار (لكافية) في التعذيب.
وقوله: (فضلت عليهن بتسعة وستين جزءًا)، هذا المعنى هو معنى كونه جزءًا من سبعين جزءًا ذكره للتأكيد، وحقيقة المقصود أن مقتضى الحكمة أن تكون نار جهنم فاضلة وزائدة على نار الدنيا، وينبغي أن تكون كذلك حتى يتميز عذاب اللَّه من عذاب الخلق، ولا تكرار.
стр. 5332
وَفِيهَا: "عَلَيْهَا" وَ"كُلَّهَا" بَدَلَ "عَلَيْهِنَّ" وَ"كُلُّهُنَّ". [خ: ٣٢٦٥، م: ٢٨٤٣].
٥٦٦٦ - [٢] وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يُؤْتَى بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ، لَهَا سَبْعُونَ أَلْفَ زِمَامٍ، مَعَ كُلِّ زِمَامٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ يَجُرُّونَهَا". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٨٤٢].
٥٦٦٧ - [٣] وَعَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ أَهْوَنَ أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا مَنْ لَهُ نَعْلَانِ وَشِرَاكَانِ مِنْ نَارٍ، يَغْلِي مِنْهُمَا دِمَاغُهُ كَمَا يَغْلِي الْمِرْجَلُ، مَا يُرَى أَنَّ أَحَدًا أَشَدُّ مِنْهُ عَذَابًا وَإِنَّهُ لأَهْوَنُهُمْ عَذَابًا". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٥٦١، م: ٢١٣].
٥٦٦٨ - [٤] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَهْوَنُ أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا أَبُو طَالِبٍ،
ــ
وقوله: (وفيها) أي: في هذه الرواية لمسلم.
٥٦٦٦ - [٢] (ابن مسعود) قوله: (سبعون ألف زمام) في (القاموس) (١): زمه فانزمّ: شده، وككتاب: ما يزم به البعير، وفي (الصراح) (٢): زمام بالكسر: مهار، ولعل جهنم يؤتى بها في الموقف ليراها الناس ترهيبًا لهم، واللَّه أعلم.
٥٦٦٧ - [٣] (النعمان بن بشير) قوله: (ما يرى) بضم الياء، أي: ما يظن، و (المرجل) كمنبر: القدر من الحجارة أو النحاس.
٥٦٦٨ - [٤] (ابن عباس) قوله: (أهون أهل النار عذابًا) الهوان إضافي بالنسبة
стр. 5333
وَهُوَ مُنْتَعِلٌ بِنَعْلَيْنِ يَغْلِي مِنْهُمَا دِمَاغُهُ". رَوَاهُ البُخَارِيُّ (١).
٥٦٦٩ - [٥] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يُؤْتَى بِأَنْعَمِ أَهْلِ الدُّنْيَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيُصْبَغُ فِي النَّارِ صَبْغَةً، ثُمَّ يُقَالُ: يَا ابْنَ آدَمَ! هَلْ رَأَيْتَ خَيْرًا قَطُّ؟ هَلْ مَرَّ بِكَ نَعِيمٌ قَطُّ؟ فَيَقُولُ: لَا وَاللَّهِ يَا رَبِّ! وَيُؤْتَى بِأَشَدِّ النَّاسِ بُؤْسًا فِي الدُّنْيَا مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَيُصْبَغُ صَبْغَةً فِي الْجَنَّةِ، فَيُقَالُ لَهُ: يَا ابْنَ آدَمَ! هَلْ رَأَيْتَ بُؤْسًا قَطُّ؟ وَهَلْ مَرَّ بِكَ شِدَّةٌ قَطُّ؟ فَيَقُولُ: لَا وَاللَّهِ يَا رَبِّ مَا مَرَّ بِي بُؤْسٌ قَطُّ، وَلَا رَأَيْتُ شِدَّةً قطُّ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٨٠٧].
ــ
إلى ما فوقه من العذاب، ويشترك فيه أبو طالب وغيره كما هو ظاهر الحديث السابق، ويحتمل أن يكون هوان عذابه بالنسبة إلى كل من عداه، وهذا على ما هو مذهب أهل السنة والجماعة، وقد يروى حديث في خلافه، وهو ضعيف، واللَّه أعلم.
٥٦٦٩ - [٥] (أنس) قوله: (فيقول: لا واللَّه يا رب! ما مرّ بي بؤس قط، ولا رأيت شدة قط) فإن قلت: ما النكتة في نفي مرور البؤس ورؤية الشدة، وذكرهما صريحًا من أهل الجنة لا من أهل النار، بل اكتفى بقولهم: (لا واللَّه يا رب)؟ قلت: لعل النكتة في ذلك أن أهل الجنة لحصول غاية الراحة والسرور لهم نسوا البؤس والشدة مطلقًا، فصرحوا بنفيها وبالغوا فيه بخلاف أهل النار فإنهم إن فرض تذكرهم للخير والسرور في الدنيا كان ذلك غاية في عذابهم وحسرتهم، فافهم.
стр. 5334
٥٦٧٠ - [٦] وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "يَقُولُ اللَّهُ لِأَهْوَنِ أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ: لَوْ أَنَّ لَكَ مَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَيْءٍ أَكُنْتَ تَفْتَدِي بِهِ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ. فَيَقُولُ: أَرَدْتُ مِنْكَ أَهْوَنَ مِنْ هَذَا وَأَنْتَ فِي صُلْبِ آدَمَ، أَنْ لَا تُشْرِكَ بِي شَيْئًا، فَأَبَيْتَ إِلَّا أَنْ تُشْرِكَ بِي". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٣٣٤، م: ٢٩٠٥].
٥٦٧١ - [٧] وَعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "مِنْهُمْ مَنْ تَأْخُذُهُ النَّارُ إِلَى كَعْبَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ تَأْخُذُهُ النَّارُ إِلَى رُكْبَتَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ تَأْخُذُهُ النَّارُ إِلَى حُجْزَتِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ تَأْخُذُهُ النَّارُ إِلَى تَرْقُوَتِهِ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٨٤٥].
ــ
٥٦٧٠ - [٦] (وعنه) قوله: (أردت منك) المراد بالإرادة هنا الأمر والنهي، فإنه قد يقال في العرف فيمن أمر ونهى أحدًا: إنه أراد منه ذلك، وقد جاء في روايات لمسلم: (وقد سألت)، والسؤال والطلب هو الأمر، والمراد بكونه في صلب آدم أخذ الميثاق في يوم ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾؛ فإن بني آدم أخرجوا يومئذ من صلبه، ثم أدخلوا فيه، والأمر والنهي متفرع على ذلك.
وقوله: (إلا أن تشرك بي) أي: نقضت العهد.
٥٦٧١ - [٧] (سمرة بن جندب) قوله: (إلى حجزته) الحجزة بضم الحاء المهملة وسكون الجيم وبالزاي: معقد الإزار، ومن السروايل: موضع التِّكَّةِ.
وقوله: (إلى ترقوته) الترقوة: بفتح التاء وضم القاف: العظم الذي بين ثغرة النحر والعاتق، وفي (الصراح) (١): ترقوة: جنبر كَردن.
٥٦٨٢ - [١٨] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَوْ أَنَّ دَلْوًا مِنْ غَسَّاقٍ يُهْرَاقُ فِي الدُّنْيَا لأَنْتَنَ أَهْلُ الدُّنْيَا". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٤/ ٧٠٦].
٥٦٨٣ - [١٩] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَرَأَ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢]، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَوْ أَنَّ قَطْرَةً مِنَ الزَّقُّوْمِ قَطَرَتْ فِي دَارِ الدُّنْيَا لأَفْسَدَتْ عَلَى أَهْلِ الأَرْضِ مَعَايِشَهُمْ، فَكَيْفَ بِمَنْ يَكُونُ طَعَامَهُ؟ ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صحِيحٌ. [ت: ٢٥٨٥].
ــ
معرب سرا برده.
٥٦٨٢ - [١٨] (أبو سعيد الخدري) قوله: (لو أن دلوًا من غساق) هو بتشديد السين وتخفيفها: ما يغسق، أي: يسيل من صديدهم أو من دموعهم، وقد يفسر في ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا (٢٤) إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا﴾ [النبأ: ٢٤ - ٢٥] بالزمهرير أيضًا، ويستثنى من البرد، ويوافق ذلك ما ذكر في (القاموس) (١) حيث قال: الغساق كسحاب وشداد: البارد المنتن إلا أنه أخر ليوافق رؤوس الآي.
٥٦٨٣ - [١٩] (ابن عباس) قوله: (لو أن قطرة. . . إلخ)، لما جرى ذكر التقوى الذي هو سبب النجاة من عذاب النار ذكر شيئًا من عذابها، منه الزقوم شجرة تخرج من أصل الجحيم، في (القاموس) (٢): الزقم هو اللقم، أزقمه فازدقمه: أبلعه فابتلعه، والزقوم كتنور: الزبد بالتمر، وشجرة بجهنم، وفي (الصحاح) (٣): قال ابن عباس:
стр. 5340
٥٦٨٤ - [٢٠] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ﴿وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٤]، قَالَ: "تَشْوِيهِ النَّارُ فتَقَلَّصُ شَفَتُهُ الْعُلْيَا حَتَّى تَبْلُغَ وَسْطَ رَأْسِهِ، وَتَسْتَرْخِي شَفَتُهُ السُّفْلَى حَتَّى تَضْرِبَ سُرَّتَهُ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٥٨٧].
٥٦٨٥ - [٢١] وَعَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ! ابْكُوا فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِيعُوا فَتَبَاكَوْا، فَإِنَّ أَهْلَ النَّارِ يَبْكُونَ فِي النَّارِ حَتَّى تَسِيلَ دُمُوعُهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ كَأَنَّهَا جَدَاوِلُ، حَتَّى تَنْقَطِعَ الدُّمُوعُ،
ــ
لما نزل قوله تعالى: ﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ (٤٣) طَعَامُ الْأَثِيمِ﴾ [الدخان: ٤٣ - ٤٤]، قال أبو جهل: التمر بالزبد، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ﴾ الآية [الصافات: ٦٤].
٥٦٨٤ - [٢٠] (أبو سعيد) قوله: (كالحون) أي: عابسون حين تحرق وجوههم، وفي (الصراح) (١): كلوح: روئى ترش كردن، كلاح بالضم كذلك، فقال: ما أقبح كَلَحَتَهُ محركة يراد به الفم وما حواليه.
وقوله: (فتقلص شفته) أي: تتقلص، يقال: قلصت شفته: انزوت وشمّرت، والظل عني: انقبض، والثوب بعد الغسل: انكمش.
٥٦٨٥ - [٢١] (أنس) قوله: (ابكوا) أمر من بكى يبكي (فإن لم تستطيعوا فتباكوا) بفتح الكاف أيضًا أمر من التباكي، والمراد اخشوا واتقوا حتى تنجوا من عذاب النار يوم الآخرة المفضي إلى البكاء أشد البكاء.
стр. 5341
فَتَسِيلَ الدِّمَاءُ، فَتَقَرَّحُ الْعُيُونُ، فَلَوْ أَنَّ سُفُنًا أُزْجِيَتْ فِيهَا لجَرَتْ". رَوَاهُ فِي "شَرْحِ السُّنَّةِ". [شرح السنة: ٤٤١٨].
٥٦٨٦ - [٢٢] وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يُلْقَى عَلَى أَهْلِ النَّارِ الْجُوعُ، فَيَعْدِلُ مَا هُمْ فِيهِ مِنَ الْعَذَابِ، فَيَسْتَغِيثُونَ فَيُغَاثُونَ بِطَعَامٍ ﴿مِنْ ضَرِيعٍ (٦) لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ﴾ [الغاشية: ٦ - ٧]، فَيَسْتَغِيثُونَ بِالطَّعَامِ، فَيُغَاثُونَ بِطَعَامٍ ذِي غُصَّةٍ، فَيَذْكُرُونَ أَنَّهُمْ كَانُوا يُجِيزُونَ الْغُصَصَ فِي الدُّنْيَا بِالشَّرَابِ، فَيَسْتَغِيثُونَ بِالشَّرَابِ فَيُرْفَعُ إِلَيْهِمُ الْحَمِيمُ. . . . .
ــ
وقوله: (أزجيت) في (القاموس) (١): زجاه: ساقه ودفعه، كأزجاه.
٥٦٨٦ - [٢٢] (أبو الدرداء) قوله: (فيعدل) أي: يماثل ويساوي ألم الجوع وعذاب النار الذي فيه.
وقوله: (من ضريع) في (القاموس) (٢): الضريع كأمير: الشبرق، أو رطبه يسمى شبرقًا، ويابسه ضريعًا، لا تقربه دابة لخبثه، أو شيء في جهنم أمرّ من الصبِر وأنتن من الجيفة، وأحر من النار. وقال البيضاوي (٣): وهي يبيس الشبرق، وهو شوك ترعاه الإبل ما دام رطبًا. وقال صاحب (الكشاف) (٤): إذا يبس تحامته [الإبل]، وفي الحواشي: فهو سم قاتل للإبل.
وقوله: (بطعام ذي غصة) ولعله أيضًا من هذا الجنس من الأطعمة، ولهذا قال
стр. 5342
بِكَلَالِيبِ الْحَدِيدِ، فَإِذَا دَنَتْ مِنْ وُجُوهِهِمْ شَوَتْ وُجُوهَهُمْ، فَإِذَا دَخَلَتْ بُطُونَهُمْ قَطَعَتْ مَا فِي بُطُوْنِهِمْ، فَيَقُولُوْنَ: ادْعُوا خَزَنَةَ جَهَنَّمَ فَيَقُولُونَ: ﴿قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾ [غافر: ٥٠] " قَالَ: "فَيَقُوْلُوْنَ: ادْعُوا مَالِكًا فَيَقُولُوْنَ: ﴿يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف: ٧٧] " قَالَ: "فيُجيبُهم: ﴿إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ [الزخرف: ٧٧] ". قَالَ الأَعْمَشُ: نُبُّئْتُ أَنَّ بَيْنَ دُعَائِهِمْ وَإِجَابَةِ مَالِكٍ إِيَّاهُمْ. . . . .
ــ
البيضاوي (١) في تفسير قوله: ﴿وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ﴾ [المزمل: ١٣]: طعامًا ينشب في الحلق كالضريع والزقوم.
وقوله: (بكلاليب الحديد) جمع كلوب بالتشديد: حديدة معوجة الرأس، كذا في (شرح الشفا)، وفي (مجمع البحار) (٢) نقلًا عن الكرماني: هو بفتح كاف وتشديد اللام مضمومة: حديدة له شعب يعلق بها اللحم، وفي (الصراح) (٣): بالفتح والضم: أرّه، كلاليب جماعت.
وقوله: (ادعوا خزنة جهنم) أي: ادعوا اللَّه فينا يا خزنة جهنم! (فخزنة جهنم) منادى بحذف حرف النداء، كذا قالوا، ويمكن أن يكون (ادعوا) خطابًا لمن معهم، و (خزنة جهنم) مفعو له، والتقدير: فدعوهم فيقول الخزنة: ﴿قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ﴾ الآية [غافر: ٥٠].
وقوله: (إلا في ضلال) أي: في ضياع وخسار وباطل؛ لأنهم إن دعوا اللَّه لم
стр. 5343
أَلْفَ عَامٍ. قَالَ: "فَيَقُولُونَ: ادْعُوا رَبَّكُّمْ، فَلَا أَحَدَ خَيْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ، فَيَقُولُونَ: ﴿رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ (١٠٦) رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٦ - ١٠٧] " قَالَ: "فيُجيبُهم: اخْسَؤُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ" قَالَ: "فَعِنْدَ ذَلِكَ يَئِسُوا مِنْ كُلِّ خَيْرٍ، وَعِنْدَ ذَلِكَ يَأْخُذُونَ فِي الزَّفِيرِ وَالْحَسْرَةِ وَالْوَيْلِ". قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: وَالنَّاسُ لَا يَرْفَعُونَ هَذَا الْحَدِيْثَ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٥٨٦].
٥٦٨٧ - [٢٣] وَعَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "أَنْذَرْتُكُمُ النَّارَ، أَنْذَرْتُكُمُ النَّارَ" فَمَا زَالَ يَقُولُهَا حَتَّى لَوْ كَانَ فِي مَقَامِي هَذَا سَمِعَهُ أَهْلُ السُّوقِ، وَحَتَّى سَقَطَتْ خَمِيصَة كَانَتْ عَلَيْهِ. . . . .
ــ
يجبهم، وإن دعوا الآلهة لم تستطع إجابتهم، كذا في (الكشاف) (١).
وقوله: (اخسؤوا فيها) خسأ الكلب: طرده.
وقوله: (في الزفير) وهو أول صوت الحمار، والشهيق آخره، وقد ورد الشهيق أيضًا في قوله تعالى: ﴿لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ﴾ [هود: ١٠٦] (والويل) حلول الشر والهلاك والتفجع، واسم واد بجهنم.
وقوله: (الناس لا يرفعون هذا الحديث) بل يجعلونه موقوفًا على أبي الدرداء، ولا يخفى أنه إن كان موقوفًا فهو في حكم المرفوع؛ لأنه لا يعلم إلا بإخبار من الرسول ﷺ .
٥٦٨٧ - [٢٣] (النعمان بن بشير) قوله: (خميصة كانت عليه) وهي كساء أسود
стр. 5344
عِنْدَ رِجْلَيْهِ. رَوَاهُ الدَّارمِيُّ. [دي: ٢٨٥٤].
٥٦٨٨ - [٢٤] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَوْ أَنَّ رَصَاصَةً مِثْلَ هَذِهِ -وَأَشَارَ إِلَى مِثْلِ الْجُمْجُمَةِ- أُرْسِلَتْ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ وَهِيَ مَسِيرَةُ خَمْسِ مِئَةِ سَنَةٍ لَبَلَغَتِ الأَرْضَ قَبْلَ اللَّيْلِ، وَلَوْ أَنَّهَا أُرْسِلَتْ مِنْ رَأْسِ السِّلْسِلَةِ لَسَارَتْ أَرْبَعِينَ خَرِيفًا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ قَبْلَ أنْ تَبْلُغَ أَصْلَهَا أَوْ قَعْرَهَا". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٥٨٨].
ــ
مربع في طرفيه علم.
٥٦٨٨ - [٢٤] (عبد اللَّه بن عمرو) قوله: (لو أن رصاصة) أي: قطعة من الرصاص، وهي معنى الوحدة، و (الجمجمة) بضم الجيمين: القِحْفُ أو العظم فيه الدماغ، وقد يجيء بمعنى القدح من خشب، وهذه هي الرواية الصحيحة المشهورة، وقد يروى بالخائين المعجمتين، وقال في (مجمع البحار) (١): هي حبة صغيرة.
وقوله: (لبلغت الأرض قبل الليل) لعل المراد به مدة قليلة، لا التعيين والتحديد.
وقوله: (من رأس السلسلة) قال الطيبي (٢): هي السلسلة المذكورة في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ﴾ [الحاقة: ٣٢]، والمراد بالعدد الكثرة، انتهى. وأشار بهذا إلى دفع توهم أنه لما كان ذرع السلسلة سبعين ذراعًا كيف يبلغ مسيره أربعين خريفًا يعني أن المراد بالعدد الكثرة فيصح رجع الضمير في أصلها إلى
стр. 5345
٥٦٨٩ - [٢٥] وَعَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ (١) النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "إِنَّ فِي جَهَنَّمَ لَوَادِيًا يُقَالُ لَهُ: هَبْهَبُ يَسْكُنُهُ كُلُّ جَبَّارٍ". رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ. [دي: ٢٨٥٨].
* الْفَصْلُ الثَّالِثُ:
٥٦٩٠ - [٢٦] عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "يَعْظُمُ أَهْلُ النَّارِ فِي النَّارِ حَتَّى إِنَّ بَيْنَ شَحْمَةِ أُذُنِ أَحَدِهِمْ إِلَى عَاتِقِهِ مَسِيرَةَ سَبع مِئَةِ عامٍ، وإِنَّ غِلَظَ جِلْدِهِ سَبْعُونَ ذِرَاعًا، وَإِنَّ ضِرْسَهُ مِثْلُ أُحُدٍ".
ــ
السلسلة، ويحتمل أن يكون الضمير لجهنم؛ لأن الكافرين الذين هم في السلسلة في جهنم بل هذا أولى وأظهر في المعنى. ويقال: إن ذرع ذلك العالم لا يقاس على ذرع الدنيا، كما ورد: أن القيراط مثل أحد، وأيضًا إذا كان عظم جثة الجهنميين كما ورد في الأحاديث، فالسلسلة التي تكون في أعناقهم وفي أرجلهم نكون على حسب ذلك.
٥٦٨٩ - [٢٥] (أبو بردة) قوله: (يقال له: هبهب) في (القاموس) (٢): الهبهبة: السعرة، وترقرق السراب، ولعله سمي به لسرعة وقوع المجرمين فيه للعذاب، أو لسرعة النهاب النار فيه.
الفصل الثالث
٥٦٩٠ - [٢٦] (ابن عمر) قوله: (مسيرة سبع مئة عام) هذا أبلغ من الأحاديث السابقة في بيان عظم جسد أهل النار، ويعلم من هذا المبالغة بتفاوت حال الكافرين، كما ذكرنا.
فَقَالَ: أُحَدِّثُكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَسَكَتَ الْحَسَنُ. رَوَاهُ البَيْهَقِيُّ فِي "كِتَابِ الْبَعْثِ وَالنُّشُوْرِ".
٥٦٩٣ - [٢٩] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا يَدْخُلُ النَّارَ إِلَّا شَقِيٌّ". قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَمَنِ الشَّقِيُّ؟ قَالَ: "مَنْ لَمْ يَعْمَلْ لِلَّهِ بِطَاعَةٍ وَلَمْ يَتْرُكْ لَهُ بِمَعْصِيَةٍ". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. [جه: ٤٢٩٨].
* * *
٨ - باب خلق الجنة والنار
ــ
أي: ملقيان في النار.
وقوله: (أحدثك عن رسول اللَّه ﷺ ) وأنت تقول هذا؟ فكأنه صدر السؤال عن الحسن بطريق الاستغراب والاستبعاد.
٥٦٩٣ - [٢٩] (أبو هريرة) قوله: (من لم يعمل للَّه) أي: لوجه اللَّه وخالصًا له.
٨ - باب خلق الجنة والنار
أي: بيان أنهما مخلوقتان الآن، لا أنهما سيخلقان يوم الجزاء، كما ذهب إليه بعض المبتدعة، وقالوا: إنهما يخلقان يوم الجزاء، وهذا باطل بالكتاب والسنة، وأقوى حجة عليه قصة آدم وحواء، قالوا: تلك كانت بستانًا في بعض أعالي الأرض، ويبطله ما وقع في تلك القصة من صفات الجنة التي هي دار الخلد، فتدبر.
стр. 5348
* الْفَصْلُ الأَوَّلُ:
٥٦٩٤ - [١] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "تَحَاجَّتِ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ، فَقَالَتِ النَّارُ: أُوْثِرْتُ بِالْمُتَكَبِّرِينَ وَالْمُتَجَبِّرِينَ، وَقَالَتِ الْجَنَّةُ: فَمَا لِي لَا يَدْخُلُنِي إِلَّا ضُعَفَاءُ النَّاسِ وَسَقَطُهُمْ وَغِرَّتُهُمْ. . . . .
ــ
الفصل الأول
٥٦٩٤ - [١] (أبو هريرة) قوله: (تحاجت الجنة والنار) أي: تكلمتا فيما بينهما كشفًا عن حالهما مع إظهار نوع شكاية منهما، وليس المراد محاجتهما بمعنى مغالبتهما بالحجة، كما في (حج آدم موسى ﵉، كذا قال الطيبي (١)، فتدبر (٢).
وقوله: (إلا ضعفاء الناس وسقطهم) أي: أراذلهم وأدوانهم، كذا في (مجمع البحار) (٣) عن (النهاية)، وقال الكرماني (٤): (وسقطهم) هو بفتحتين، أي: الساقطون عن أعين الناس.
وقوله: (وغرتهم) الغر بالكسر: الغافل لا تجربة له كما في قوله: (المؤمن غر كريم)، والتاء على وصف الجماعة، والغرة أيضًا اسم من اغتر فيكون من قبيل الوصف بالمصدر؛ فإن قيل: يدخل فيها من الأنبياء والملوك العادلة والعلماء المشهورين؟ قلت: يريد أن أكثرهم الفقراء والبله، وأما غيرهم من الأكابر فهم قليلون، وهم
стр. 5349
قَالَ اللَّهُ لِلْجَنَّةِ: إِنَّمَا أَنْتِ رَحْمَتِي أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ مِنْ عِبَادِي، وَقَالَ لِلنَّارِ: إِنَّمَا أَنْتِ عَذَابِي أُعَذِّبُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ مِنْ عِبَادِي، وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْكُمَا مِلْؤُهَا، فَأَمَّا النَّارُ فَلَا تَمْتَلِئُ حَتَّى يَضَعَ اللَّهُ رِجْلَهُ تَقُولُ: قَطْ قَطْ قَطْ، فَهُنَالِكَ (١) تَمْتَلِئُ وَيُزْوَى بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ، فَلَا يَظْلِمُ اللَّهُ مِنْ خَلْقِهِ أَحَدًا، وَأَمَّا الْجَنَّةُ فإِنَّ اللَّهَ يُنْشِئُ لَهَا خَلْقًا". . . . .
ــ
أصحاب الدرجات العلى، وقيل: معنى الضعيف: الخاضع للَّه المذل نفسه له، المتواضع للخلق.
وقوله: (إنما أنت رحمتي) بلفظ خطاب المؤنث، أي: محلها ومكانها، وقد سميت الجنة رحمة في قوله تعالى: ﴿فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٠٧]، وهذا إفحام وإسكات لهما بأن ذلك من مشيئتي وفي اختياري أفعل ما أشاء، جعلت إحداكما رحمة للضعفاء والمساكين، والأخرى عذابًا للجبابرة والمتكبرين، أفعل ما أشاء، ولا علة لفعلي.
وقوله: (حتى يضع اللَّه رجله) هذا من المتشابهات كاليد والأصبع والعين والوجه، وقد علم حكمها إما الوقف وإما التأويل.
وقوله: (قط قط قط) مكرر ثلاثًا، وهو بسكون الطاء بمعنى حسب، وقد يلحقها نون الوقاية، وقد تكسر الطاء منونة وغير منونة، وقد يدخلها الفاء، وأما بضم الطاء مشددة، فهو الذي يكون للنفي في الماضي.
وقوله: (ويزوى) على صيغة المجهول، أي: يضم ويجمع فتضيق.
وقوله: (ينشئ لها خلقًا) أي: لم يعملوا عملًا، وهذا فضل من اللَّه لا يدخل
стр. 5350
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٤٨٥٠، م: ٢٨٤٦].
٥٦٩٥ - [٢] وَعَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لَا تَزَالُ جَهَنَّمُ يُلْقَى فِيهَا وَتَقُولُ: هَلْ مِنْ مَزِيدٍ؟ حَتَّى يَضَعَ رَبُّ العزَّةِ فِيهَا قَدَمَهُ فَيَنْزَوِيْ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ فَتَقُولُ: قَطْ قَطْ، بِعِزَّتِكَ وَكَرَمِكَ، وَلَا يَزَالُ فِي الْجَنَّةِ فَضْلٌ حَتَّى يُنْشِئَ اللَّهُ لَهَا خَلْقًا فَيُسْكِنُهُمْ فَضْلَ الْجَنَّةِ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٤٨٤٨، م: ٢٨٤٨].
وَذُكِرَ حَدِيثُ أَنَسٍ: "حُفَّتِ الجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ" فِي "كِتَاب الرِّقَاقِ".
* الْفَصْلُ الثَّانِي:
٥٦٩٦ - [٣] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ الْجَنَّةَ قَالَ لِجبْرِيلَ: اذْهَبْ فَانْظُرْ إِلَيْهَا، فَذَهَبَ فَنَظَرَ إِلَيْهَا وَإِلَى مَا أَعَدَّ اللَّهُ لأَهْلِهَا فِيهَا، ثُمَّ جَاءَ فَقَالَ: أَيْ رَبِّ! وَعِزَّتِكَ لَا يَسْمَعُ بِهَا أَحَدٌ إِلَّا دَخَلَهَا،
ــ
النار بغير معصية، ويدخل الجنة بلا طاعة، ولو شاء أدخل النار بالطاعة، ولكنه لا يفعل فضلًا ولا ظلم، لأن الكل ملكه، والمالك يتصرف في ملكه كيف يشاء، لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ، وهذا مذهب أهل السنة والجماعة، وقد حقق في علم الكلام.
٥٦٩٥ - [٢] (أنس) قوله: (قط قط) مكرر ثنتين.
الفصل الثاني
٥٦٩٦ - [٣] (أبو هريرة) قوله: (لا يسمع بها أحد إلا دخلها) أي: طمع في دخولها ولا يهتم إلا بشأنها.
стр. 5351
ثُمَّ حَفَّهَا بِالْمَكَارِهِ ثُمَّ قَالَ: يَا جِبْرِيلُ! اذْهَبْ فَانْظُرْ إِلَيْهَا، قَالَ: فَذَهَبَ فَنَظَرَ إِلَيْهَا، ثُمَّ جَاءَ فَقَالَ: أَيْ رَبِّ! وَعِزَّتِكَ لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ لَا يَدْخُلَهَا أَحَدٌ". قَالَ: "فَلَمَّا خَلَقَ اللَّهُ النَّارَ قَالَ: يَا جِبْرِيلُ! اذْهَبْ فَانْظُرْ إِلَيْهَا فَذَهَبَ فَنَظَرَ إِلَيْهَا فَقَالَ: أَيْ رَبِّ! وَعِزَّتِكَ لَا يَسْمَعُ بِهَا أَحَدٌ فَيَدْخُلُهَا، فَحَفَّهَا بِالشَّهَوَاتِ، ثُمَّ قَالَ: يَا جِبْرِيلُ اذْهَبْ فَانْظُرْ إِلَيْهَا، قَالَ: فَذَهَبَ فَنَظَرَ إِلَيْهَا فَقَالَ: أَيْ رَبِّ! وَعِزَّتِكَ لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ لَا يَبْقَى أَحَدٌ إِلَّا دَخَلَهَا". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. [ت: ٢٥٦٠، د: ٤٧٤٤، ن: ٣٧٦٣].
* الْفَصْلُ الثَّالِثُ:
٥٦٩٧ - [٤] عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى لَنَا يَوْمًا الصَّلَاةَ، ثُمَّ رَقِيَ الْمِنْبَرَ فَأَشَارَ بِيَدِهِ قِبَلَ قِبْلَةِ الْمَسْجِدِ، فَقَالَ: "قَدْ أُرِيتُ الآنَ مُذْ صَلَّيْتُ لَكُمُ الصَّلَاةَ الْجَنَّةَ وَالنَّارَ مُمَثَّلَتَيْنِ فِي قِبَلِ هَذَا الْجِدَارِ، فَلَمْ أَرَ كَالْيَوْمِ. . . . .
ــ
وقوله: (ثم حفها بالمكاره) أي: جعل المكاره محيطًا بها.
الفصل الثالث
٥٦٩٧ - [٤] (أنس) قوله: (رقي) من الرقي بضم الراء وكسر القاف وتشديد الياء على وزن سمع يسمع، ومن الرقية على ضرب يضرب.
وقوله: (في قبل هذا الجدار) (قبل) بضمتين وبكسر القاف، وقد يسكن: ما يستقبلك من شيء.
وقوله: (فل أر) أي: مرئيًا، (كاليوم) فالجنة خير المرئيات، والنار شرها، وقد جاء في بعض الروايات: (رأيت الجنة والنار في عرض هذا الحائط)، ثم إنهم يوردون
стр. 5352
فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٧٤٩].
* * *
٩ - باب بدء الخلق وذكر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام
ــ
هنا إشكالًا، وهو أن الجنة والنار كيف يمثلان في الجدار، ويجيبون كما أن البستان والدار الوسيع يمثل في المرآة، فمثال الشيء لا يجب أن يكون مثله في المقدار، وقد يجاب بأن قوله: (في قبل) أو (في عرض) ليس حالًا من المفعول بل من الفاعل، أي: رأيتهما وأنا في ذلك المكان، انتهى. وأقول: إنه لا يلزم من الحديث كونهما ممثلين في نفس الجدار، بل في جانبه وناحيته، فيكون رؤية المثال في تلك الناحية، ووجود المثال في مكان آخر وعالم آخر، واللَّه أعلم بحقيقة الحال.
٩ - باب بدء الخلق وذكر الأنبياء
البدء بفتح الباء وسكون الدال مهموز: الابتداء، في (القاموس) (١): بَدَأ بِهِ كمنع: ابتدأ، والشيء: فعله ابتداء، كأبدأه ابتدأه، وجمع معه ذكر الأنبياء صلوات اللَّه وسلامه عليهم أجمعين لتقدمهم وابتداء أمر الدين والأحكام، وانتظام العالم وصلاحه بهم، وقد ابتدأ خلق نوع الإنسان بآدم ﵇.
ثم اعلم أن أهل الملل كلهم بل المجوس أيضًا أطبقوا على أن العالم حادث بمعنى أنه لم يكن شيئًا، فأوجده اللَّه سبحانه، والعمدة في ذلك خبر: (كان اللَّه ولم يكن معه شيء)، فخلق اللوح والقلم، وقد كتب كتابًا قبل أن يخلق الخلق، ثم خلق
стр. 5353
* الْفَصْلُ الأَوَّلُ:
٥٦٩٨ - [١] عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: إِنِّي كُنْتُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِذْ جَاءَهُ قومٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ فَقَالَ: "اقْبَلُوا الْبُشْرَى يَا بَنِي تَمِيمٍ! ". . . . .
ــ
العرش والكرسي والسموات والأرضين والملائكة والجن والإنس، كما نطقت به الأحاديث.
واتفقوا على أن الأجسام محدثة ذواتها وصفاتها، فقال بعضهم: أول ما خلق من الأجسام الماء؛ لأنه قابل لكل الصور، فإن الماء إذا لطف صار هواء، وتكونت النار من صفوة الماء، والسماء تكونت من دخان النار، وينسب هذا القول إلى بعض الحكماء، يقال له: تالس الملطي (١)، لكنهم قالوا: إنه أخذه من مشكاة النبوة، إذ جاء في السفر الأول من (التوراة): إن اللَّه خلق جوهرًا فنظر إليه نظر الهيبة فذابت أجزاؤه، فصارت ماء، ثم ارتفع منه بخار كدخان، فخلق منه السموات، فظهر على وجه الماء زبد فخلق منه الأرض، ثم أرساها الجبال، وقد اختلفت في ذلك أقوال عن الناس، وهذه الأمور مما لا يدرى بالعقل والقياس إلا بالوحي السماوي والاستنباط مما ورد به الوحي، واللَّه أعلم بحقائق الأمور.
الفصل الأول
٥٦٩٨ - [١] (عمران بن حصين) قوله: (قوم من بني تميم) وفي رواية: (نفر)، وفي أخرى: (ناس من بني تميم).
وقوله: (اقبلوا البشرى) أي: ما يوجب بشارتكم بالجنة، والفوز بسعادة الدين
стр. 5354
قَالُوا: بَشَّرْتَنَا فَأَعْطِنَا، فَدَخَلَ نَاسٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ فَقَالَ: "اقْبَلُوا الْبُشْرَى يَا أَهْلَ الْيَمَنِ! إِذْ لَمْ يَقْبَلْهَا بَنُو تَمِيمِ". قَالُوا: قَبِلْنَا، جِئْنَاكَ لِنَتَفَقَّهَ فِي الدِّينِ، وَلِنَسْأَلَكَ عَنْ أَوَّلِ هَذَا الأَمْرِ مَا كَانَ؛ قَالَ: "كَانَ اللَّهُ وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ قَبْلَهُ، وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ،
ــ
من تعلم الشرائع وعقائد الدين، ولما كان أكبر همهم الدنيا لم يهتموا بالسؤال والاستكشاف عن ذلك واستعجلوا الاعطاء من عرض الدنيا، فكأنهم لم يقبلوا البشرى.
وقوله: (فجاء ناس من اليمن) وهم الأشعريون، أبو موسى الأشعري وقومه، فإنه ﵁ هاجر من اليمن مع أخويه في بضع وخمسين من قومه، وإليه ينتهي نسب أبي الحسن الأشعري رئيس أهل السنة والجماعة، قال البيهقي في رسالة عملها في مناقبه: إن الكلام في أصول الدين وحدوث العالم ميراث لأبي الحسن الأشعري عن أجداده الذين قدموا على رسول اللَّه ﷺ ، والمراد بهذا (الأمر) الخلق، و (ما) في (ما كان) استفهامية.
وقوله: (ولم يكن شيء قبله) يعني بل بعده.
وقوله: (وكان عرشه على الماء) جملة مستقلة معطوفة على الأولى، لا حالية، حتى يتوهم المعية في الكونين، والمقصود حصول الجملتين في الوجود، أو الواو بمعنى (ثم)، ف (كان) لما مضى من الزمان سواء كان أزليًا أو غيره في الأزل، أو فيما لا يزال، ودل الحديث على أن العرش والماء كانا مخلوقين قبل السموات والأرض، قالوا: وذلك بمعنى أنه لم يكن حائل بينهما لا أنه كان موضوعًا على متن الماء، وقال
стр. 5355
ثُمَّ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ، وَكَتَبَ فِي الذِّكْرِ كُلَّ شَيْءٍ"، ثُمَّ أَتَانِي رَجُلٌ فَقَالَ: يَا عِمْرَانُ! أَدْرِكْ ناقَتَكَ فَقَدْ ذَهَبَتْ، فَانْطَلَقْتُ أَطْلُبُهَا، وَأَيْمُ اللَّهِ لَوَدِدْتُ أَنَّهَا قَدْ ذَهَبَتْ وَلَمْ أَقُمْ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٣١٩٠].
٥٦٩٩ - [٢] وَعَنْ عُمَرَ قَالَ: قَامَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَقَامًا، فَأَخْبَرَنَا عَنْ بَدْءِ الْخَلْقِ حَتَّى دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ مَنَازِلَهُمْ، وَأَهْلُ النَّارِ مَنَازِلَهُمْ، حَفِظَ ذَلِكَ مَنْ حَفِظَهُ، وَنَسِيَهُ مَنْ نَسِيَهُ". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٣١٩٢].
ــ
الشيخ ابن حجر (١): ليس المراد بالماء ماء البحر، بل هو ماء تحت العرش كما شاء اللَّه تعالى، هذا وقد سبق ذكره في أول الكتاب في (باب الإيمان بالقدر).
وقوله: (وكتب في الذكر) أي: في اللوح المحفوظ، والظاهر أن هذا قبل خلق العرش وما ذكر، فهذا أيضًا جملة مستقلة من غير رعاية الترتيب مع أن المذكور فيها الواو ولا ترتيب فيها، ووقع في بعض روايات البخاري هذه الجملة بين قوله: (كان عرشه على الماء).
وقوله: (وخلق السماوات والأرض)، وبناؤه على عدم الترتيب.
وقوله: (ثم أتاني رجل فقال: يا عمران! أدرك ناقتك) فإنه ﵁ كان عقل ناقته بالباب، ثم دخل عليه ﷺ ففلتت ناقته، فجاء رجل يخبره به فخرج بطلبها، فكان ﵁ يندم على خروجه من مجلسه الشريف على فوات سماعه كلام رسول اللَّه ﷺ مع أهل اليمن.
٥٦٩٩ - [٢] (عمر) قوله: (حتى دخل) أي: أخبرنا في مجلس واحد بجميع أحوال المخلوقات من المبدأ إلى المعاد.
стр. 5356
٥٧٠٠ - [٣] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى كَتَبَ كِتَابًا قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ الْخَلْقَ: إِنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي، فَهُوَ مَكْتُوبٌ عِنْدَهُ فَوْقَ الْعَرْشِ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣١٩٤، م: ٢٧٥١].
٥٧٠١ - [٤] وَعَنْ عَائِشَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "خُلِقَتِ الْمَلَائِكَةُ مِنْ نورٍ، وَخُلِقَ الْجَانُّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ، وَخُلِقَ آدَمُ مِمَّا وُصِفَ لَكُمْ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٩٩٦].
ــ
٥٧٠٠ - [٣] (أبو هريرة) قوله: (إن اللَّه تعالى كتب كتابًا) قال التُّورِبِشْتِي (١): يحتمل أن يكون المراد به اللوح المحفوظ أو القضاء، ومعنى سبق الرحمة كثرة ظهور آثارها، وشيوعها وشمولها المخلوقات كلها بالنسبة إلى الغضب كما يرى، كما قال سبحانه: ﴿عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٥٦].
٥٧٠١ - [٤] (عائشة) قوله: (خلقت الملائكة من نور) في (القاموس) (٢): النور: الضوء أو شعاعه، أو المراد في الحديث جوهر مضيء، وتحقيق معنى النور يطلب مما ذكروا في تفسير قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [النور: ٣٥]، وذكره الغزالي، ونحن ترجمنا كلامه في تفسيرها.
وقوله: (وخلق الجان من مارج من النار) الجان: الجن، وقيل: أبو الجن، كآدم للبشر، والمارج: الصاف من الدخان، و (من نار) بيان لـ (مارج)؛ فإنه في الأصل للمضطرب، من مرج: إذا اضطرب، كذا قال البيضاوي (٣)، ويوافقه ما قال في
стр. 5357
٥٧٠٢ - [٥] وَعَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لَمَّا صَوَّرَ اللَّهُ آدَمَ فِي الْجَنَّةِ تَرَكَهُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَتْرُكَهُ،
ــ
(القاموس) (١): مارج من نار؛ أي: نار بلا دخان، وقال في (النهاية) (٢): مارج النار: لهبها المختلط بسوادها، وهذا أيضًا يناسب ما في معنى المرج من الاختلاط، وقال البيضاوي (٣): المراد بالنور الجوهر المضيء والنار كذلك، غير أن ضوءها مكدر مغمور بالدخان محذور عنه بسبب ما يصحبه من فرط الحرارة والإحراق، فإذا صارت مهذبة مصفاة كانت محض نور، ومتى نكصت عادت الحالة الأولى جذعة ولا تتزال تتزايد حتى ينطفئ نورها، ويبقى الدخان الصرف.
٥٧٠٢ - [٥] (أنس) قوله: (لما صور اللَّه آدم في الجنة) استشكل هذا الحديث، فإن الأخبار متظاهرة في أن آدم خلق في الأرض، وكان ملقى بين مكة والطائف، ثم أدخل الجنة وأمر بالسكون فيها؛ وأجيب بأنه يمكن أنه خمّر تراب من وجه الأرض حتى صار طينًا، ثم ترك حتى صار صلصالًا، وكان ملقى بين مكة والطائف حتى مضت أطوارها، واستعدت لقبول الصورة الإنسانية فحملت إلى الجنة فصورت، ونفخ فيها الروح، ولا يحسم هذا مادة الإشكال، فإن ظاهر الأخبار تدل صريحًا على أنه أدخل الجنة، وهو بشر حي كما يدل عليه قوله: ﴿وَقُلْنَا يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ [البقرة: ٣٥]، ويقال: المراد بـ (اسكن): استقر على السكون بقرينة (وزوجك)، فإنها خلقت في الجنة، فالمراد بأمرها بالسكون: أمرها بالاستقرار عليه قطعًا، وقال
стр. 5358
فَجَعَلَ إِبْلِيسُ يُطِيفُ بِهِ يَنْظُرُ مَا هُوَ، فَلَمَّا رَآهُ أَجْوَفَ عَرَفَ أَنَّهُ خُلِقَ خَلْقًا لَا يَتَمَالَكُ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٦١١].
٥٧٠٣ - [٦] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "اخْتَتَنَ إِبْرَاهِيمُ النَّبِيُّ وَهُوَ ابْنُ ثَمَانِينَ سَنَةً بِالْقَدُومِ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٣٥٦، م: ٢٣٧٠].
ــ
التُّورِبِشْتِي (١): لا أرى الوجه في هذا الحديث إِلَّا احتمال أن تكون هذه الكلمة أعني: (في الجنة) سهوًا من بعض الرواة أخطأ سمعه، واللَّه أعلم.
وقوله: (يطيف به) بضم الياء: طاف بالشيء يطوف، وأطاف به يطيف بمعنى استدار حوله، وفي (القاموس) (٢): أطاف به: ألمّ به وقاربه، وفي (الصراح) (٣): أطافه: فرود آمدن بجيزي، ونزديك شدن.
وقوله: (لا يتمالك) أي: لا يملك نفسه عن الشهوات.
٥٧٠٣ - [٦] (أبو هريرة) قوله: (ابن ثمانين) وفي (شرح الأكمل) عن (الموطأ): ابن مئة وعشرين، قيل: والأول هو الصحيح.
وقوله: (بالقدوم) في (القاموس) (٤): القدوم: آلة للنجر مؤنثة، وموضع اختتن به إبراهيم ﵇، وقد يشدد، وفي (مختصر النهاية) (٥): مشدد ومخفف، اسم موضع،
стр. 5359
٥٧٠٤ - [٧] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَمْ يَكْذِبْ إِبْرَاهِيمُ إِلَّا ثَلَاثَ كَذَبَاتٍ: ثِنْتَيْنِ مِنْهُنَّ فِي ذَاتِ اللَّهِ قَوْلُهُ: . . . . . .
ــ
ومنه: (اختتن إبراهيم بالقدوم): قرية بالشام، وقيل: القدوم بالتشديد والتخفيف: قدوم النجار، انتهى. وقيل: هو في آلة النجار بالتخفيف، وفي اسم الموضع بهما، فبالتخفيف يحتملهما، وبالتشديد يتعين المكان، والأكثرون على التخفيف، وقال التُّورِبِشْتِي (١): القدوم بتخفيف الدال: موضع بالشام، ومن المحدثين من يشدّد وهو خطأ، ومن الناس من يظنّ أنه اختتن بالقدوم الذي ينحت به، وهو غلط، وبالمدينة جبل يقال له: القدوم، وأكثر ظني أن هذا بالتشديد.
٥٧٠٤ - [٧] (وعنه) قوله: (إلا ثلاث كذبات) في (المشارق) (٢): هي بفتح الكاف والذال جمع كذبة بفتح الكاف، الواحد الكذب، وفي (مجمع البحار) (٣): (كذبات) بفتح ذال جمع كذبة بسكونها، وفي بعض الحواشي: قال أبو البقاء: الجيد أن يقال: بفتح الذال في الجمع لأنه جمع كذبة، وهو اسم لا صفة، لأنك تقول: كذب كذبة، كما يقول: ركع ركعة، وإن كان صفة يسكن في الجمع، وتسميتها كذبات باعتبار الظاهر، وإنها لصدق باعتبار ما هو المقصود منها.
وقوله: (ثنتين منهن في ذات اللَّه) قيل: أي لأجل اللَّه وأمره وطلب رضاه، ويتوجه عليه أن الثالثة أيضًا كذلك لما فيها أمن، دفع كافر ظالم عن التعرض بما لا يرضى اللَّه تعالى، وقد جاء في رواية: (كلهن في اللَّه)، وأجيب نعم، لكن كان فيها جر نفع
стр. 5360
﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩]، وقولُهُ: ﴿قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ [الأنبياء: ٦٣] وَقَالَ: "بَيْنَا هُوَ ذَاتَ يَوْمٍ وَسَارَةُ، إِذْ أَتَى عَلَى جَبَّارٍ مِنَ الْجَبَابِرَةِ،
ــ
إلى نفسه. وقيل: المراد بكونهما في ذات اللَّه، أي: فيما يتعلق بتنزيه ذاته عن الشرك، ودفع الشريك فلا يشمل الثالثة، وقد يقال: المراد بكونهما في ذات اللَّه ذكرهما في القرآن، عبر به عنه لما لا ينفك الكلام عن المتكلم كما هو رأي الأشعري، ولا يخفى ما فيه من البعد والتكلف.
وتأويل قوله: (إني سقيم) إني متصف بالسقم، في الجملة في زمان من الأزمنة، فأوهم بلفظ ظاهر في ثبوته في الحال، وقيل: أوهمهم بأنه استدل بأمارة علم النجوم على أنه سيسقم ليتركوه كما يدل عليه قوله تعالى: ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ (٨٨) فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٨، ٨٩]، قيل: أراد إني سقيم القلب بكفركم، وأقول: قد فسر الصحة بسلامة جميع القوى، وصدور أفعالها سليمة، والسقم بعدمها بمعنى رفع الإيجاب الكلي، فلا يخلو أحد عن سقم إلا من اعتدل مزاجه من كل الوجوه، وهو نادر الوجود، نعم لو فسر بالسلب الكلي يثبت الواسطة، فافهم. وكان غرضه ﵊ أن يتركوه فيكسر أصنامهم ويفعل ما أراد.
وقوله: (بل فعله كبيرهم) باعتبار السببية، والمقصود التعريض بأن من لم يقدر على دفع المضرة عن نفسه كيف يليق بأن يعبد، كما أشار إليه بقوله: ﴿قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ﴾ [الصافات: ٩٥]، وقد يوقف على قوله: ﴿قَالَ بَلْ فَعَلَهُ﴾، والضمير لأحد ممن يصلح أن يكون فاعلًا، وإن كان لإبراهيم، فليس فيه تصريح مثل ما في: بل فعلته، فافهم.
وقوله: (وقال) أي: رسول اللَّه ﷺ : (بينا هو) أي: إبراهيم، بيان للثالثة من الكذبات، و (سارة) زوجة إبراهيم بنت عمه ﵇، لما أهلك اللَّه تعالى عدوه نمرود،