"إِنَّهُ الضَّغَابِيسُ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٥٥٨، م: ١٩١].
٥٦١١ - [٤٦] وَعَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يَشْفَعُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثَلَاثَةٌ: الأَنْبِيَاءُ، ثُمَّ الْعُلَمَاءُ، ثُمَّ الشُّهَدَاءُ". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. [جه: ٣٢٦٨].
* * *
٥ - باب صفة الجنة وأهلها
ــ
جمع ثعرور وهو القثاء الصغير، و (الضغابيس) جمع ضغبوس بضاد وغين معجمتين وموحدة: قثّاء صغير، كذا في (القاموس) (١)، وفي (الحواشي) (٢): ثبت في أصول الثمام كالقطن ينبت بالرمل يبسط عليه ويطول.
٥٦١١ - [٤٦] (عثمان بن عفان) قوله: (يشفع يوم القيامة ثلاثة: الأنبياء ثم العلماء ثم الشهداء) تخصيص بالعظماء من أهل الشفاعة، وليست الشفاعة منحصرة في هؤلاء، بل كل أهل الخير من الرسل والأنبياء والأولياء والأخيار والعلماء والشهداء يرجى منهم الشفاعة لأهل الكبائر، ويجب الإيمان به، واشتهرت أحاديثه، وأنكره الخوارج وبعض المعتزلة، وأوَّلوا الأحاديث الواردة فيها بكونها مختصةً برفع الدرجات، وهو باطل لكون الأحاديث نصًّا في كونها لرفع العذاب.
٥ - باب صفة الجنة وأهلها
الجنة: الحديقة ذات النخل والشجر، كذا في (القاموس) (٣)، قال
стр. 5287
* الْفَصْلُ الأَوَّلُ:
٥٦١٢ - [١] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: أَعْدَدْتُ لِعِبَادِيَ الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ. واقْرَؤُوْا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧]. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٢٤٤، م: ٢٨٢٤].
ــ
البيضاوي (١): الجنة: المرة من الجن، وهو مصدر جنه: إذا ستره، ومدار التركيب على الستر، سمي به الشجر المظلل لالتفاف أغصانه للمبالغة، كأنه يستر ما تحته سترة واحدة، ثم البستان لما فيه من الأشجار المتكاثفة المظللة، ثم دار الثواب لما فيها من الجنان.
الفصل الأول
٥٦١٢ - [١] (أبو هريرة) قوله: (ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر) أي: لم يبصر ذاته عين، ولا سمعت وصفه أذن، ولا خطر ماهيته على قلب، ويحتمل أن يكون المراد بالأولى الصور الحسنة، وبالثانية الأصوات الطيبة، وبالثالثة الخواطر المفرحة.
وقوله: (من قرة عين) قرة العين كناية عن الفرح والسرور، والفوز بالبغية، إما من القر بفتح القاف بمعنى القرار والثبات؛ لأن العين بالنظر إلى المحبوب تقر وتطمئن، ولا تلتفت إلى جانب آخر، وكذلك في حال الفرح والسرور تسكن في مكانها، وبالنظر إلى غير المحبوب تتفرق وتلتفت إلى الجوانب، وكذلك في حال الحزن والخوف تتحرك
стр. 5288
٥٦١٣ - [٢] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَوْضِعُ سَوْطٍ فِي الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١).
٥٦١٤ - [٣] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "غَدْوَةٌ فِي سَبِيْلِ اللَّهِ أَوْ رَوْحَةٌ. . . . .
ــ
وتضطرب كقوله تعالى: ﴿تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾ [الأحزاب: ١٩]، وإما من القر بالضم أخذًا من قوله تعالى: ﴿هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾ [الفرقان: ٧٤]، بمعنى البرد، وبرد العين ولذتها في مشاهدة المحبوب والفوز بالبغية، وحرها واحتراقها في رؤية الأعداء وحال الاستشراف والانتظار، ولهذا يقال: قرة العين للولد، وقيل: إما من القر بمعنى البرد فهو كناية عن السرور، وحقيقته: أقر اللَّه دمعتك فإن دمعة الفرح باردة، أو من القرار فكناية عن الفوز بالبغية؛ فإن من فاز بها قرّ نفسه، فافهم، وبالوجهين فسر قوله ﷺ : (وجعلت قرة عيني في الصلاة).
٥٦١٣ - [٢] (وعنه) قوله: (موضع سوط في الجنة) أي: أدنى مكان وأقله، وقد جرت العادة بإلقاء الراكب سوطه في موضع يريد النزول، ويجعله علامة اتخاذه منزلًا.
٥٦١٤ - [٣] (أنس) قوله: (غدوة في سبيل اللَّه أو روحة) الغدوة بالفتح: المرة من الغدو وهو السير أول النهار من غدا يغدو غدوًا، أو بالضم: البكرة، أو ما بين
стр. 5289
خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، وَلَوْ أَنَّ امْرَأَةً مِنْ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ اطَّلَعَتْ إِلَى الأَرْضِ لأَضَاءَتْ مَا بَيْنَهُمَا، وَلَمَلأَتْ مَا بَيْنَهُمَا رِيحًا، وَلَنَصِيفُهَا عَلَى رَأْسِهَا خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٢٧٩٦].
ــ
صلاة الغداة وطلوع الشمس، وكذلك الروحة: المرة من الرواح، وهو العشي أو من الزوال إلى الليل، رحنا رواحا وتروحنا: سرنا فيه أو عملنا، والتخصيص بالغدوة والروحة على سبيل العادة، والمراد وقت وساعة مطلقًا لا مقيدًا بالغدوة والرواح، و (في سبيل اللَّه) أعم من الجهاد، ويشمل كل ما يبتغى لوجه اللَّه تعالى كالحج، وطلب العلم، والرزق الحلال للعيال.
وقوله: (خير من الدنيا) أي: إنفاقها في سبيل اللَّه لو ملكها أو من نفسها لو ملكها وتصور تعميرها لأنه زائل لا محالة.
وقوله: (ولو أن امرأة. . . إلخ)، لما كان لثواب الغدوة والروحة في سبيل اللَّه الجنة ذكر من نعيمها شيئًا.
وقوله: (لأضاءت ما بينهما) أي: بين الأرض والجنة أو بين المشرق والمغرب، والظاهر أن (أضاءت) هنا استعمل متعديًا، والضمير لـ (امرأة) كما في قوله: (ولملأت ما بينهما ريحًا)، ويحتمل أن يكون لازمًا، و (ما بينهما) فاعل، والتأنيث باعتبار أن (ما) عبارة عن الأمكنة كما ذكر في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ﴾ [البقرة: ١٧].
وقوله: (ولنصيفها على رأسها) في (القاموس) (١): النصيف كأمير: الخمار والعمامة، وكل ما غطى الرأس، ومن البُرْد: ما له لونان.
стр. 5290
٥٦١٥ - [٤] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظِلِّهَا مِئَةَ عَامٍ لَا يَقْطَعُهَا، وَلَقَابُ قَوْسِ أَحَدِكُمْ فِي الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ. . . . .
ــ
٥٦١٥ - [٤] (أبو هريرة) قوله: (يسير الراكب في ظلها) أي: في كنفها، في (القاموس) (١): هو في ظله، أي: كنفه، وإلا فالظل في العرف: ما يبقى من حر الشمس وليس في الجنة، وبالجملة المقصود السير تحتها كظل العرس. وقال الشيخ ابن حجر (٢): قال ابن الجوزي: ويقال لهذه الشجرة: طوبى، قلت (٣): وشاهد ذلك عند أحمد والطبراني وابن حبان، انتهى.
(ولقاب قوس أحدكم في الجنة) وفي (القاموس) (٤): القاب: المقدار كالقيب، كالقاد والقيب، انتهى. وفي (الصراح) (٥): يقال: قاب قوس أي: قدر قوس، وفي (المشارق) (٦): قوله: (قاب قوس أحدكم من الجنة) أي: قدر طولها، ويحتمل قدر رميتها، يقال: هو قاب رمح، وقاد رمح، وقدى رمح، وقد رمح، وقدة رمح، كله بمعنى، وقيل في قوله تعالى: ﴿قَابَ قَوْسَيْنِ﴾ [النجم: ٩]: القاب: ما بين المقبض والسِّية، وهو موضع رأس الوتر، ولكل قوس قابان، ولذا قيل: فيه قلب، أي: قابي قوس، وقيل: القوس هنا الذراع بلغة أزد شنوءة، قيل: قدر قوسين، وقيل: القاب: ظفر
стр. 5291
أَوْ تَغْرُبُ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٢٥٢، م: ٢٨٢٦].
٥٦١٦ - [٥] وَعَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ لِلْمُؤْمِنِ فِي الْجَنَّةِ لَخَيْمَةً مِنْ لُؤْلُؤَةٍ وَاحِدَةٍ مُجَوَّفَةٍ، عَرْضُهَا -وَفِي رِوَايَةٍ: طُولُهَا- سِتُّونَ مِيلًا، فِي كُلِّ زَاوِيَةٍ مِنْهَا أَهْلٌ مَا يَرَوْنَ الآخَرِينَ، يَطُوفُ عَلَيْهِم الْمُؤْمِنُونَ، وَجَنَّتَانِ مِنْ فِضَّةٍ آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا، وَجَنَّتَانِ مِنْ ذَهَبٍ آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا، وَمَا بَيْنَ الْقَوْمِ وَبَيْنَ أَنْ يَنْظُرُوا إِلَى رَبِّهِمْ إِلَّا رِدَاءُ الْكِبْرِيَاءِ عَلَى وَجْهِهِ فِي جنَّةِ عَدْنٍ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٢٤٣، م: ٢٨٣٨].
ــ
القوس وهو ما وراء معقد الوتر إلى طرفها، وهذا كقوله في الحديث السابق: (موضع سوط في الجنة)، فإن الرجل يلقي قوسه لتعيين المنزل كالراكب سوطه.
وقوله: (أو تغرب) بكلمة (أو) للتعميم.
٥٦١٦ - [٥] (أبو موسى) قوله: (يطوف عليهم المؤمنون) وفي بعض الروايات: (المؤمن)، والمراد الجنس.
وقوله: (وجنتان) الظاهر أن التقدير: وللمؤمن أو للمؤمنين جنتان، كما في قوله سبحانه: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن: ٤٦].
وقوله: (إلا رداء الكبرياء) أي: لم تبق الحجب المكدرة الجسمانية بل ارتفعت كلها إلا سبحات الجلال والكبرياء، فإذا ارتفعت تلك أيضًا أحيانًا رأوه جهارًا، و (العدن) بمعنى الإقامة، والمراد هنا: الخلود، وفي (القاموس) (١): عدن بالبلد يعدن: أقام بها، ومنه ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ [التوبة: ٧٢].
стр. 5292
٥٦١٧ - [٦] وَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "فِي الْجَنَّةِ مِئَةُ دَرَجَةٍ مَا بَيْنَ كُلِّ دَرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، وَالْفِرْدَوْسُ أَعْلَاهَا دَرَجَةً، مِنْهَا تُفَجَّرُ أَنْهَارُ الْجَنَّةِ الأَرْبَعَةُ، وَمِنْ فَوْقِهَا يَكُونُ الْعَرْشُ، فَإِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ فَاسْأَلُوهُ الْفِرْدَوْسَ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَلَمْ أَجِدْهُ فِي "الصَّحِيحَيْنِ" وَلَا فِي كِتَابِ الْحُمَيْدِيِّ. [ت: ٢٥٣١].
٥٦١٨ - [٧] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ فِي الْجَنَّةِ لَسُوقًا يَأْتُونَهَا كُلَّ جُمُعَةٍ، فَتَهُبُّ رِيحُ الشَّمَالِ فَتَحْثُو فِي وُجُوهِهِمْ وَثِيَابِهِمْ، فَيَزْدَادُوْنَ حُسْنًا وَجَمَالًا،
ــ
٥٦١٧ - [٦] (عبادة بن الصامت) قوله: (مئة درجة) حسية أو معنوية.
وقوله: (والفردوس أعلاها) في (القاموس) (١): الفردوس: البستان يجمع كُلَّ ما يكون في البساتين، تكون فيه الكروم، وقد تؤنث، عربية، أو رومية، أو سريانية، و (أنهار الجنة) هي أنهار اللبن والماء والخمر والعسل.
وقوله: (ولم أجده في الصحيحين) وقد قيل: إنه موجود في (صحيح البخاري) في موضعين؛ الأول: في (كتاب الجهاد) عن أبي هريرة (٢) ﵁، وفيه تفاوت يسير، والثاني: في باب: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾، وكذا في (صحيح مسلم) في (باب فضل الجهاد في سبيل اللَّه).
٥٧١٨ - [٧] (أنس) قوله: (فتهب ريح الشمال) هو بالفتح: ضد الجنوب،
стр. 5293
فَيَرْجِعُوْنَ إِلى أَهْلِيْهِمْ وَقَدِ ازْدَادُوا حُسُنًا وَجَمَالًا، فَيَقُولُ لَهُمْ أَهْلُوهُمْ: وَاللَّهِ لَقَدِ ازْدَدْتُمْ بَعْدَنَا حُسْنًا وَجَمَالًا، فَيَقُولُونَ: وَأَنْتُمْ وَاللَّهِ لَقَدِ ازْدَدْتُمْ حُسْنًا وَجَمَالًا". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٨٣٣].
٥٦١٩ - [٨] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ أَوَّلَ زُمْرَةٍ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ. . . . .
ــ
وفي (القاموس): هو بالفتح وتكسر: الريح التي تهب من قبل الحِجْر، أو ما استقبلك عن يمينك وأنت مستقبل، والصحيح أن ما مهبُّهُ بين مطلع الشمس، وبنات النعش، أو من مطلع الشمس إلى مسقط النسر الطائر، ويكون اسمًا وصفة، ولا تكاد تهب (١) إلا ليلًا، انتهى. وكان المراد هنا ريح تكون كريح الشمال.
وقوله: (أنتم واللَّه لقد ازددتم بعدنا حسنًا وجمالًا) يعني أن الحسن والجمال يشملهم وأهاليهم يصل إليهن في بيوتهن، أو يصل من أنوارهم وأضوائهم إليهن بعلامة المصاحبة والمباشرة والمخالطة، أو أن اللَّه تعالى لما جعل في أبصارهم وبصائرهم من نور المعرفة والشهود يرون كل من وراءهم حسنًا وجميلًا، ويشاهدون أنوار صفات اللَّه وذاته في كل شيء، واللَّه أعلم.
وقوله: (فتحثو) أي: تنتشر المسك وأنواع الطيب.
٥٦١٩ - [٨] (أبو هريرة) قوله: (على صورة القمر ليلة البدر) في الحسن والنورانية والهيئة.
стр. 5294
كَأَشَدِّ كَوْكَبٍ دُرِّيِّ فِي السَّمَاءِ إِضَاءَةً، قُلُوبُهُمْ عَلَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ، لَا اخْتِلَافَ بَيْنَهُمْ وَلَا تَبَاغُضَ، لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ زَوْجَتَانِ مِنَ الْحُورِ الْعِينِ، يُرَى مُخُّ سُوقِهِنَّ مِنْ وَرَاءِ الْعَظْمِ وَاللَّحْم مِنَ الْحُسْنِ، يُسَبِّحُونَ اللَّهَ بُكْرَةً وَعَشِيًّا، لَا يَسْقَمُونُ، وَلَا يَبُولُونَ، وَلَا يَتَغَوَّطُونَ، وَلَا يَتْفُلُونَ، وَلَا يَمْتَخِطُونَ، آنِيَتُهُمُ الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ،
ــ
وقوله: (كأشد كوكب دري) أي: في الضوء كما بينه بقوله: (إضاءة)، و (كوكب دري): مضيء، ويثلَّثُ، والدرة: اللؤلؤة العظيمة، والجمع: دُرَرٌ ودُرَّاتٌ، كذا في (القاموس) (١)، وفي (النهاية) (٢): الكوكب الدري: الشديد الإنارة، وكأنه نسب إلى الدر تشبيهًا به لصفاته الغراء، هو عند العرب العظيم المقدار، وقيل: هو أحد الكواكب الخمسة السيارة، وقال البيضاوي (٣): هو منسوب إلى الدرء، وفعيل من الدرء، فإنه يدفع الظلام بضوئه، أو بعض ضوئه بعضًا من لمعانه إلا أنه قلبت همزته ياء، ويدل عليه قراءة حمزة وأبي بكر على الأصل.
وقوله: (زوجتان من الحور العين) الحور: جمع حوراء، وهي الشديد بياض العين، شديد سوادها، و (العين) بكسر العين جمع عيناء، وهي الواسعة العين، والإضافة من إضافة الموصوف إلى الصفة، يدل عليه وقوع حور عين في القرآن بالوصف، والمراد لكل امرئ زوجتان بهذه الصفة، ولا ينافي ذلك أن يكون له زوجات أخر، نعم لو ثبت أن لكل واحد من أهل الجنة أو لبعضهم زوجات كثيرة من الحور العين لأشكل ولكنه
стр. 5295
وَأَمْشَاطُهُمُ الذَّهَبُ، وَوَقُودُ مَجَامِرِهِمُ الأَلُوَّةُ،
ــ
لم يثبت، فافهم، واللَّه أعلم. وقيل: المراد من التشبيه التكرير.
وقوله: (وأمشاطهم الذهب) الأمشاط لا يلزم أن يكون لتلبد الشعور ووسخها، بل فيه تزيين ورفاهية، وكذا التبخر لا يلزم أن يكون لدفع النتن وخبث الرائحة، بل يكون لزيادة التطيب والتنعم، فلا يرد أنه لا حاجة لأهل الجنة إلى الامتشاط والتبخر لعدم تلبد شعورهم ولا وسخ فيها، وريحهم أطيب من المسك.
وقوله: (ووقود مجامرهم الألوة) الوقود بالضم بمعنى المصدر كالوقد بمعنى إيقاد النار، وبالفتح اسم ما يوقد به النار، وقد جاء المصدر بالفتح والاسم بالضم، ذكره البيضاوي (١)، ففي الحديث بالفتح كذا الرواية والمصحح في النسخ المعتمدة، وقد صحح في بعض النسخ بالضم، ولو اعتمد عليه كان مبنيًا على ما ذكره البيضاوي من مجيء استعمال الاسم بالضم، وفي (المشارق) (٢): (وقود مجامرهم) بفتح الواو معناه ما يوقد به، أي: حطبها، قال اللَّه تعالى: ﴿وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [البقرة: ٢٤]، وبضم الواو: اسم للفعل من وقدت ومصدره، والمجامر: جمع مجمر، وهو كمنبر: الذي يوضع فيه الجمر بالدخنة ويؤنث كالمجمرة، والعود نفسه كالمجمر بالضم فيهما، كذا في (القاموس) (٣)، وقيل: المجمر بالفتح: ما يوضع فيه الجمر، وبكسرها: الآلة، وعلى كل تقدير المراد هنا موضع وضع النار، لا ما يتبخر على ما ذكر في بعض الشروح، ولعله سهو من قائله.
стр. 5296
وَرَشْحُهُمُ الْمِسْكُ، عَلَى خُلُقِ رَجُلٍ وَاحِدٍ، عَلَى صُورَةِ أَبِيهِمْ آدَمَ سِتُّونَ ذِرَاعًا فِي السَّمَاءِ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٢٤٥، م: ٢٨٣٤].
ــ
و(الألوة) بفتح الهمزة وضمها وضم اللام وتشديد الواو: عود يتبخر به، وهذا بخلاف مجامر الدنيا فإن وقودها قطع الحطب، ومجامر الجنة وقودها العود الذي يتبخر به، وقد جاء في بعض الأحاديث: (ومجامرهم الألوة) بحذف وقود، وأريد بالمجمر: هو اسم للآلة التي يتبخر بها البخور الذي هو العود، كذا في (المشارق) (١).
و(الرشح) العرق، رشح كمنع: عرق، والمراد أن عرقهم كالمسك في طيب الرائحة، أو المراد أن عرقهم المسك المذاب، والمصحح في النسخ وهو المعلوم من كتب اللغة أنها بفتح الراء وسكون الشين، وفي (مجمع البحار) (٢) عن الكرماني: هو بفتحتين، وكذا في حديث: (بلغ الرشح آذانهم). وقال في (المشارق) (٣): في حديث: (يقوم أحدهم في رشحه) أي: عرقه، وبكسرها للأصيلي وهو الاسم، والفتح هنا أوجه، انتهى.
وقوله: (على خلق رجل واحد) قال في (المشارق) (٤): كذا هو بفتح الخاء وسكون اللام لجماعتهم عن البخاري، وفي رواية النسفي: (على خلق) بضمهما، وقد ذكر مسلم الروايتين بالضم عن ابن أبي شيبة، وبالسكون عن أبي كريب، وكلاهما صحيح، لكن الرواية بضم اللام [أصح] لقوله قبلها: (أخلاقهم) أي: أنهم على خلق
стр. 5297
٥٦٢٠ - [٩] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ يَأْكُلُونَ فِيهَا وَيَشْرَبُونَ، وَلَا يَتْفُلُونَ وَلَا يَبُولُونَ وَلَا يَتَغَوَّطُونَ وَلَا يَمتَخِطُونَ". قَالُوا: فَمَا بَالُ الطَّعَامِ؟ قَالَ: "جُشَاءٌ وَرَشْحٌ كَرَشْحِ الْمِسْكِ، يُلْهَمُونَ التَّسْبِيحَ وَالتَّحْمِيدَ كَمَا تُلْهَمُونَ النَّفَسَ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٨٣٥].
٥٦٢١ - [١٠] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ يَنْعَمُ، وَلَا يَبْأَسُ، وَلَا يَبْلَى ثِيَابُهُ،
ــ
رجل واحد من التودد وحسن الخلق والموافقة ليس في أحد منهم خلق مذموم كما قال في الحديث الآخر: (لا اختلاف بينهم ولا تباغض، قلوبهم قلب واحد)، ويكون قوله بعد: (على صورة أبيهم آدم) ابتداء كلام آخر، انتهى.
قال العبد الضعيف -عفا اللَّه عنه-: الأرجح الفتح؛ رواية لكونه رواية الجماعة، ودراية لكونه شاملًا للخلق الظاهر والباطن، فإن الخلق بالفتح: الإبداع والتقدير الذي معناه آفريدن أي آفريده شده، ويشمل القبيلين وإنما يفرق بينه وبين الضم إذا قوبل به، نعم الخلق بالضم يختص بالصفات الباطنة، فهو كالفذلكة للمجموع على ما قال الطيبي (١)، واللَّه أعلم.
٥٦٢٠ - [٩] (جابر) قوله: (فما بال الطعام) أي: فما بال فضل الطعام. و (الجشاء) بضم الجيم: تنفس المعدة من الامتلاء، ويقال بالفارسية: آروغ.
وقوله: (كما تلهمون النفس) مشاكلة.
٥٦٢١ - [١٠] (أبو هريرة) قوله: (ينعم ولا يبأس. . . إلخ)، يعني ليس في الجنة
стр. 5298
وَلَا يفْنى شَبَابُهُ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٨٣٦].
٥٦٢٢، ٥٦٢٣ - [١١، ١٢] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "يُنَادِي مُنَادٍ: إِنَّ لَكُمْ أَنْ تَصِحُّوا فَلَا تَسْقَمُوا أَبَدًا، وَإِنَّ لَكُمْ أَنْ تَحْيَوْا فَلَا تَمُوتُوا أَبَدًا، وَإِنَّ لَكُمْ أَنْ تَشِبُّوا فَلَا تَهْرَمُوا أَبَدًا، وَإِنَّ لَكُمْ أَنْ تَنْعَمُوا فَلَا تَبْأَسُوا أَبَدًا". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٨٣٧].
٥٦٢٤ - [١٣] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ يَتَرَاءَوْنَ أَهْلَ الْغُرَفِ مِنْ فَوْقِهِمْ، كَمَا تَتَرَاءَوْنَ الْكَوْكَبَ الدُّرِّيَّ الْغَابِرَ فِي الأُفُقِ. . . . .
ــ
بؤس ومشقة وشعدة وتغير وفساد.
٥٦٢٢، ٥٦٢٣ - [١١، ١٢] (أبو سعيد، وأبو هريرة) قوله: (أن تصحوا فلا تسقموا. . . إلخ)، سقم كفرح وكرم، (شب) كضرب، و (هرم) يهرم كسمع.
٥٦٢٤ - [١٣] (أبو سعيد الخدري) قوله: (يتراءون) تراءَوا: رأى بعضهم بعضًا، و (الغرف) بضم الغين وفتح الراء: جمع غرفة بالضم والسكون، وهو القصر الرفيع، قيل: الجنة طبقات أعاليها للسابقين، وأوساطها للمقتصدين، وأسافلها للمخلطين.
و(الغابر) من غبر: مكث وذهب، ضد، غبر الشيء بالضم: بقيته، والمعنى الكوكب الدري الذاهب الماضي المستبقي والباقي في الأفق في جانب الشرق أو الغرب، فإنه يرى فيه مضيئًا جدًا مع البعد والرفعة، ويروى: (الغائر) من الغور، والمراد المستشرف على الغور: الداخل في الغروب، ومع ذلك لا يصح في المشرق إلا أن يراد بالغور الانحطاط والتسفل، والحق أنه تصحيف، وكذا الحال في رواية: (الغارب) بتقديم الراء على الباء، وروي: (العازب) بالعين المهملة والزاي بمعنى البعيد الذاهب،
стр. 5299
مِنَ الْمَشْرِقِ أَو الْمَغْرِبِ، لِتَفَاضُلِ مَا بَيْنَهُمْ" قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! تِلْكَ مَنَازِلُ الأَنْبِيَاءِ، لَا يَبْلُغُهَا غَيْرُهُمْ. قَالَ: "بَلَى، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، رِجَالٌ آمَنُوا بِاللَّهِ وَصَدَّقُوا الْمُرْسَلِينَ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٢٥٦، م: ٢٨٣١].
٥٦٢٥ - [١٤] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يَدْخُلُ الْجَنَّةَ أَقْوَامٌ أَفْئِدَتُهُمْ مِثْلُ أَفْئِدَةِ الطَّيْرِ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٨٤٠].
ــ
والرواية المشهورة هي (الغابر) بالمعجمة قبل الموحدة، واللَّه أعلم.
وقوله: (من المشرق أو المغرب) بـ (أو) في أكثر الروايات، وفي بعضها بالواو وهو الموجود في نسخ (المصابيح).
وقوله: (قال: بلى) أي: بلى يبلغها غيرهم لمتابعتهم ومحبتهم؛ لأن المرء مع من أحب، ولكن التفاوت في القرب المعنوي بالباطن باق.
٥٦٢٥ - [١٤] (أبو هريرة) قوله: (أفئدتهم) جمع فؤاد وهو القلب، وفي (المشارق) (١): قيل: الفؤاد عبارة عن باطن القلب، وقيل: الفؤاد عين القلب، وفي (القاموس) (٢): التفؤد: التحرق، والتوقد، ومنه الفؤاد للقلب، والجمع أفئدة، قال الطيبي (٣): والقريحة إذا أريد وصفها بشدة الإدراك وصفت بالوقود، انتهى، ومنه شعلة الإدراك، ويقال لمن مات متوقدًا متيقظًا، ومات شابًّا: مات بشعلة الإدراك.
وقوله: (مثل أفئدة الطير) يريد في الرقة واللين، كذا في (المشارق) (٤)، وقيل:
стр. 5300
٥٦٢٦ - [١٥] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ لِأَهْلِ الْجَنَّةِ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ فَيَقُولُونَ: لَبَّيْكَ رَبَّنَا وَسَعْدَيْكَ، وَالْخَيْرُ كُلُّهُ فِي يَدَيْكَ، فَيَقُولُ: هَلْ رَضِيتُمْ؟ فَيَقُولُونَ: وَمَا لَنَا لَا نَرْضَى يَا رَبِّ! وَقَدْ أَعْطَيْتَنَا مَا لَمْ تُعْطِ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ؟ فَيَقُولُ: أَلَا أُعْطِيكُمْ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ؟ فَيَقُولُونَ: يَا رَبِّ! وَأَيُّ شَيْءٍ أَفْضَلُ مِنْ ذَلِكَ؟ فَيَقُولُ: أُحِلُّ عَلَيْكُمْ رِضْوَانِي، فَلَا أَسْخَطُ عَلَيكُمْ بَعْدَهُ أَبَدًا". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٥٤٩، م: ٢٨٢٩].
ــ
في الخوف من اللَّه تعالى، فإن الطير أكثر الحيوانات خوفًا، وقيل: الخروج إلى طلب الرزق متوكلًا على اللَّه تعالى كما ورد: (تغدو خماصًا وتروح بطانًا)، ومما ذكرنا ظهر أن وجه ذكر الأفئدة دون القلوب كونها أعلاها وأتم، وقال في (المشارق) أيضًا: إنه قيل: القلب أخص من الفؤاد، وقيل: الفؤاد غشاء القلب، والقلب جثته، وعلى هذا فالظاهر أنه ذكر الفؤاد هنا لكونه أدنى وأنقص، يعني أنهم بأدنى مرتبتهم يستأهلون دخول الجنة فكيف بأعلاها، واللَّه أعلم.
٥٦٢٦ - [١٥] (أبو سعيد) قوله: (أحل عليكم رضواني) أي: أنزله وأورده عليكم كالوافد ينزل على الملك العظيم ويأتيه بأنواع من الهدايا والتحف والأخبار من ملك آخر لما سأل عن رضاهم عنه وأخبروه بوجوده أتم وأكمل ما يكون أخبرهم برضاه عنهم؛ تنبيهًا على أن رضا المولى تعالى علامته ودليله رضا العبد عنه، كما روي أن الصحابة رضوان اللَّه عليهم أجمعين كانوا يبحثون عما يعرف رضا اللَّه عن العبد فيجمعون على أنه إذا رضي عنه تعالى فليعلم أنه تعالى راض عنه، فذلك دليل هذا، ثم بشرهم بأن رضاه عنهم دائم باق لا يفنى ولا يتبدل بالسخط أبدًا، وهذا غاية المطالب
стр. 5301
٥٦٢٧ - [١٦] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ أَدْنَى مَقْعَدِ أَحَدِكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ أَنْ يَقُولَ لَهُ: تَمَنَّ، فَيَتمَنَّى وَيَتَمَنَّى، فَيَقُولُ لَهُ: هَلْ تَمَنَّيْتَ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ، فَيَقُولُ لَهُ: فَإِنَّ لَكَ مَا تَمَنَّيْتَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٨٢].
٥٦٢٨ - [١٧] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "سَيْحَانُ وَجَيْحَانُ وَالْفُرَاتُ وَالنِّيلُ كُلٌّ مِنْ أَنْهَارِ الْجَنَّة". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٨٣٩].
ــ
وأعظم الرغائب، وبه يتم الفوز بالمقصود، كيف ورضوان قليل منه أكبر من الجنان وما فيها، فكيف بالدائم الأبدي، ورؤيته من أثره ونتيجته، فافهم.
٥٦٢٧ - [١٦] (أبو هريرة) قوله: (إن أدنى مقعد أحدكم. . . إلخ)، أي: أدنى منزل أحدكم في الجنة أن ينال أمانيه كلها مع زيادة ومضاعفة.
٥٦٢٨ - [١٧] (وعنه) قوله: (سيحان وجيحان والفرات والنيل كل من أنهار الجنة): قد اختلف كلماتهم في تعيين سيحان وجيحان، قال الطيبي (١): سيحان وجيحان نهران بالعواصم عند المصيصة وطرطوس، هذا هو الصواب، انتهى، وقيل: سيحان نهر بالشام، وجيحان نهر بلخ، وقيل غير ذلك، وسيحان وجيحان غير سيحون نهر الترك، وجيحون نهر بلخ، وقيل: جيحون نهر خراسان، وسيحون نهر بالسند، والفرات نهر الكوفة، والنيل نهر مصر، وفي (القاموس) (٢): سيحان: نهر بالشام، وآخر بالبصرة، ويقال فيها: ساحين، وسيحون: نهر بما وراء النهر، ونهر بالهند، وقال: جيحون: نهر خوارزم، وجيحان: نهر بين الشام والروم، وإنما خص الأربعة لعذوبة مائها وكثرته
стр. 5302
٥٦٢٩ - [١٨] وَعَنْ عُتْبَةَ بْنِ غَزْوَانَ قَالَ: ذُكِرَ لَنَا أَنَّ الْحَجَرَ يُلْقَى مِنْ شَفَةِ جَهَنَّمَ، فَيَهْوِي فِيهَا سَبْعِينَ خَرِيفًا، لَا يُدْرِكُ لَهَا قَعْرًا، وَاللَّهِ لَتُمْلأَنَّ، وَلَقَدْ ذُكِرَ لَنَا أَنَّ مَا بَيْنَ مِصْرَاعَيْنِ مِنْ مَصَارِيعِ الْجَنَّةِ مَسِيرَةُ أَرْبَعِينَ سَنَةً، وَلَيَأْتِيَنَّ عَلَيْهَا يَوْمٌ وَهُوَ كَظِيظٌ مِنَ الزِّحَامِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٩٦٧].
ــ
كأنها من أنهار الجنة، وقيل: سمي أنهار الجنة بأسامي أنهار الدنيا إشارة إلى أن ما في الدنيا من المنافع أنموذجات لما في الآخرة، وقيل: معنى كونها من أنهار الجنة أن الإيمان يعم بلادها وأن شاربيها صائرة إليها، والأصح أنه على ظاهرها وأن لها مادة من الجنة، فقد ذكر مسلم أن الفرات والنيل يجريان من الجنة، وفي (صحيح البخاري) من أصل سدرة المنتهى، وفي (معالم التنزيل): إن اللَّه تعالى أبرز هذه الأربعة من الجنة استودعها الجبال وأجراها في الأرض كذا ذكر الطيبي (١)، واللَّه أعلم بحقيقة الحال.
٥٦٢٩ - [١٨] (عتبة بن غزوان) قوله: (وعن عتبة) بالتاء (ابن غزوان) بفتح الغين المعجمة وسكون الزاي.
وقوله: (من شفة جهنم) شفة الراكي: حافة البئر.
وقوله: (فيهوي) أي: يسقط، هوى يهوي بمعنى السقوط من ضرب يضرب، وبمعنى المحبة من سمع يسمع.
وقوله: (وهو كظيظ) أي: ممتلئ، وكظ الطعام: ملأه حتى لا يطيق النفسَ، فاكتظ، لازم ومتعد.
стр. 5303
* الْفَصْلُ الثَّانِي:
٥٦٣٠ - [١٩] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! مِمَّ خُلِقَ الْخَلْقُ؟ قَالَ: "مِنَ الْمَاءِ" قُلْنَا (١): الْجَنَّةُ مَا بِنَاؤُهَا؟ قَالَ: "لَبِنَةٌ مِنْ ذَهَبٍ وَلَبِنَةٌ مِنْ فِضَّةٍ، وَمِلَاطُهَا الْمِسْكُ الأَذْفَرُ،
ــ
الفصل الثاني
٥٦٣٠ - [١٩] (أبو هريرة) قوله: (قال: من الماء) قد اختلف العقلاء في أول ما خلق من الأجسام، فالأكثرون على أنه الماء؛ لأنه قابل لكل الصور، ثم جعل الأرض منه بالتكثيف والانجماد، والنار والهواء بالتلطيف، فإن الماء إذا لطف صار هواء، وتكونت النار من صفوة الماء، والسماء تكونت من دخان النار، وهذا الحديث يصلح دليلًا عليه، وقيل: جاء في السفر الأول من التوراة: أن اللَّه تعالى خلق جوهرًا، فنظر إليه نظر الهيبة، فذابت أجزاؤه فصارت ماء، ثم ارتفع منها بخار كدخان فخلق منه السماوات، فظهر على وجه الماء زبد فخلق منه الأرض، ثم أرساها الجبال، وأما ما ذكر في الحواشي أن المراد بالماء النطفة، فيقتضي أن يراد بالخلق: كل شيء حي، كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء: ٣٠]، واللَّه أعلم.
وقوله: (لبنة من ذهب) اللبنة بفتح اللام وكسر باء واحدة اللبن، وهي ما يبنى بها الجدار، ويقال: بكسر اللام وسكون باء.
وقوله: (والملاط) بكسر الميم: طين يوضع بين اللبنات، وفي (القاموس) (٢): الملاط ككتاب: الطين الذي يجعل بين ساقي البناء، ويملط به الحائط، وملط
стр. 5304
وَحَصْبَاؤُهَا اللُّؤْلُؤُ وَالْيَاقُوتُ، وَتُرْبَتُهَا الزَّعْفَرَانُ، مَنْ يَدْخُلُهَا يَنْعَمُ وَلَا يَبْأَسُ، وَيَخْلُدُ وَلَا يَمُوتُ، وَلَا يَبْلَى ثِيَابُهُمْ، وَلَا يَفْنَى شَبَابُهُمْ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالدَّارِمِيُّ. [حم: ٢/ ٣٠٥، ت: ٢٥٢٦، دي: ٢/ ٣٣٣].
٥٦٣١ - [٢٠] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَا فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةٌ إِلَّا وَسَاقُهَا مِنْ ذَهَبٍ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٥٢٥].
٥٦٣٢ - [٢١] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ فِي الْجَنَّةِ مِئَةَ دَرَجَةٍ، مَا بَيْنَ كُلِّ دَرَجَتَيْنِ مِئَةُ عَامٍ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. [ت: ٢٥٢٩].
٥٦٣٣ - [٢٢] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ فِي الْجَنَّةِ مِئَةَ دَرَجَةٍ، لَوْ أَنَّ الْعَالَمِينَ اجْتَمَعُوا فِي إِحْدَاهُنَّ لَوَسِعَتْهُمْ". . . . .
ــ
الحائط: طلاه.
وقوله: (وحصباؤهما) أي: الحصى الذي في الأنهار أو في غيرها.
٥٦٣١ - [٢٠] (وعنه) قوله: (إلا وساقها) ساق الشجر: جذعها، والجذع ما بين العرق والغصن.
٥٦٣٢ - [٢١] (وعنه) قوله: (إن في الجنة مئة درجة) الحديث، قد سبق في (الفصل الأول) من حديث عبادة: (ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض)، الجنات المتعددة تتفاوت درجاتها، أو المراد المبالغة في التكثير كما قيل في ﴿عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ [آل عمران: ١٣٣]، واللَّه أعلم.
٥٦٣٣ - [٢٢] (أبو سعيد) قوله: (لو أن العالمين اجتمعوا في إحداهن لوسعتهم)
стр. 5305
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ٢٥٣٢].
٥٦٣٤ - [٢٣] وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ [الواقعة: ٣٤]، قَالَ: "ارْتفَاعُهَا لَكَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ مَسِيرَةُ خَمْسِ مِئَةِ سَنَةٍ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ٢٥٤٠].
٥٦٣٥ - [٢٤] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ أَوَّلَ زُمْرَةٍ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ضَوْءُ وُجُوهِهِمْ عَلَى مِثْلِ ضَوْءِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، وَالزُّمْرَةُ الثَّانِيَةُ عَلَى مِثْلِ أَحْسَنِ كَوْكَبٍ دُرِّيٍّ فِي السَّمَاءِ، لِكُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ زَوْجَتَانِ، عَلَى كُلِّ زَوْجَةٍ سَبْعُونَ حُلَّةً، يُرَى مُخُّ سَاقِهَا من وَرَائِهَا". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٥٣٥].
٥٦٣٦ - [٢٥] وَعَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "يُعْطَى الْمُؤْمِنُ فِي الْجَنَّةِ قُوَّةَ كَذَا وَكَذَا مِنَ الْجمَاعِ". قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّه! أَوَيُطِيقُ ذَلِكَ؟ . . . . .
ــ
المقصد من هذا التقدير أيضًا المبالغة، فلا مخالفة بين الأحاديث.
٥٦٣٤ - [٢٣] (وعنه) قوله: (وفرش مرفوعة) أي: منضودة بعضها على بعض، أو مبسوطة على الأسرة، والمراد رفيعة في القيمة والنفاسة، وقيل: المراد بالفرش: نساء أهل الجنة رفعن بالجمال على نساء أهل الدنيا، وكل فاضل رفيع، وظاهر سياق الحديث في الوجه الأول.
٥٦٣٥ - [٢٤] (وعنه) قوله: (أحسن كوكب) قد مرّ شرحه في (الفصل الأول) من حديث أبي هريرة.
٥٦٣٦ - [٢٥] (أنس) قوله: (يعطى قوة كذا وكذا من الجماع) أي: يعطى قوة جماع كذا وكذا من النساء، (فكذا وكذا) كناية عن عدد النساء كعشرين
стр. 5306
قَالَ: "يُعْطَى قُوَّةَ مِئَةٍ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٥٣٦].
٥٦٣٧ - [٢٦] وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "لَوْ أَنَّ مَا يُقِلُّ ظُفْرٌ مِمَّا فِي الْجَنَّةِ بَدَا لَتَزَخْرَفَتْ لَهُ مَا بَيْنَ خَوَافِقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ، وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ اطَّلَعَ فَبَدَا أَسَاوِرُهُ لَطَمَسَ ضَوْؤُهُ ضَوْءَ الشَّمْسِ كَمَا تَطْمِسُ الشَّمْسُ ضَوْءَ النُّجُومِ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ٢٥٣٨].
٥٦٣٨ - [٢٧] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَهْلُ الْجَنَّةِ جُرْدٌ مُرْدٌ كَحْلَى لَا يَفْنَى شَبَابُهُمْ،
ــ
وثلاثين، فافهم.
٥٦٣٧ - [٢٦] (سعد بن أبي وقاص) قوله: (لو أن ما يقل) بضم الياء وكسر القاف من الإقلال، وفي (القاموس) (١): أقلّه: حمله، ورفعه، كقله واستقله، أي: لو أن مقدار ما يحمله (ظفر مما في الجنة) من أسباب الزينة وآلاتها (بدا) في الدنيا (لتزخرفت له) أي: تزينت (ما بين) أي: أماكن، (بين خوافق السماوات الأرض) أي: جوانبهما، والخافقان: المشرق والمغرب أو أفقاهما؛ لأن الليل والنهار يختفقان فيهما، من خفقت الراية: اضطربت وتحركت، وكذا السراب، أو طرفا السماء والأرض أو منتهاهما، وخوافق السماء: التي تخرج منها الرياح الأربع، كل ذلك في (القاموس) (٢).
٥٦٣٨ - [٢٧] (أبو هريرة) قوله: (جرد مرد كحلى) رجل أجرد: لا شعر عليه،
стр. 5307
وَلَا يَبْلَى ثِيَابُهمْ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالدَّارِمِيُّ. [ت: ٢٥٣٩، دي: ٢/ ٣٣٥].
٥٦٣٩ - [٢٨] وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "يَدْخُلُ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ جُرْدًا مُرْدًا مُكَحَّلِينَ أَبْنَاءَ ثَلَاثِينَ -أَوْ ثَلاثٍ وَثَلَاثِينَ- سَنَةً". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٥٤٥].
٥٦٤٠ - [٢٩] وَعَنْ أَسمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَذُكِرَ لَهُ سِدْرَةُ الْمُنْتَهَى قَالَ: . . . . .
ــ
وفرس أجرد: قصير الشعر رقيقه، والمادة للسلب والإزالة، والجرد محركة: فضاء لا نبات به، مكان جَرْدٌ وأجردُ وجَرِدٌ كَفَرِحٍ، وأرض جَرْدَاءُ وجَرِدَةٌ كَفَرِحَةٍ، وجرده: قشره، والجلد: نزع شعره، وزَيدًا من ثوبه: عرّاه فتجرد، وانجرد، والقطن: حلجه، وخمر جرداء: صافية، والأمرد: غلام لا شعر على ذقنه، وشجرة مرداء: تساقط ورقها. وفي (القاموس) (١): الأمرد: الشاب طَرّ شاربه ولم تنبت لحيتُه. وكحلى جمع كحيل بمعنى الأكحل، والكحل محركة: أن يعلو منابت الأشفار سواد خلقة، أو أن يسود مواضع الكحل، وفي المثل: ليس التكحل كالكحل.
٥٦٣٩ - [٢٨] (معاذ بن جبل) قوله: (أو ثلاث وثلاثين) يعني كما يكون أهل الدنيا في هذا السن؛ إذ فيه كمال قوة الإنسان وأشده، وكلمة (أو) تحتمل أن يكون شك الراوي، أو للترديد، وسيجيء في آخر الفصل: (يردون بني ثلاثين) من غير شك وترديد.
٥٦٤٠ - [٢٩] (أسماء بنت أبي بكر) قوله: (وذكر له سدرة المنتهى) وهي شجرة
стр. 5308
"يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظِلِّ الْفَنَنِ مِنْهَا مِئَةَ سَنَةٍ، أَوْ يَسْتَظِلُّ بِظِلِّهَا مِئَةُ رَاكِبٍ -شَكَّ الرَّاوِي- فِيهَا فَرَاشُ الذَّهَبِ كَأَنَّ ثَمَرَهَا الْقِلَالُ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ٢٥٤١].
٥٦٤١ - [٣٠] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَا الْكَوْثَرُ؟ قَالَ: "ذَاكَ نَهْرٌ أَعْطَانِيهِ اللَّهُ -يَعْنِي فِي الْجَنَّةِ- أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ اللَّبَنِ، وَأَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ، فِيهِ طَيْرٌ أَعْنَاقُهَا كَأَعْنَاقِ الْجُزُرِ". . . . .
ــ
في أقصى الجنة، إليها ينتهي علم الأولين والآخرين، ولا يتعداها ولم يجاوزها أحد سوى رسول اللَّه ﷺ ، وهي في السماء السادسة، وفي رواية أخرى: في السابعة، وجمع بأن أصلها في السادسة، ومعظمها في السابعة، وقيل: هي في السابعة عن يمين العرش، و (المنتهى): موضع الانتهاء كأنه في منتهى الجنة، إليها ينتهي علم المخلوقين، ولا يعلم أحد ما وراءها، ويقال: إنه مقام جبرئيل ﵇ ولا يمكن له الصعود منه، و (الفنن) بفتحتين: الغصن، والجمع أفنان، وجمع الجمع: أفانين.
وقوله: (فيها فراش الذهب) الفراش بفتح الفاء وخفة الراء: جمع فراشة، وهي التي تطير وتتهافت في السراج، وهو تفسير لقوله تعالى: ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى﴾ [النجم: ١٦]، لعله أراد ملائكة تتلألأ أجنحتها تلألُؤَ أجنحة الفراش كأنها مذهبة، وقيل: ولعله مَثَّلَ ما يغشى من أنوار تنبعث منها بفراش من ذهب لصفائها، وقال البيضاوي (١): يغشاها الجم الغفير من الملائكة يعبدون اللَّه تعالى عندها.
وقوله: (ثمرها القلال) بالكسر: جمع قلة بالضم وهي الجرة الكبيرة.
٥٦٤١ - [٣٠] (أنس) قوله: (كأعناق الجزر) جمع جزور، وهو البعير
стр. 5309
قَالَ عُمَرُ: إِنَّ هَذِهِ لَنَاعِمَةٌ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَكَلَتُهَا أَنْعَمُ مِنْهَا". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٥٤٢].
٥٦٤٢ - [٣١] وَعَن بُريدةَ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! هَلْ فِي الْجَنَّةِ مِنْ خَيْلٍ؟ قَالَ: "إِنِ اللَّهُ أَدْخَلَكَ الْجَنَّةَ فَلَا تَشَاءُ أَنْ تُحْمَلَ فِيهَا عَلَى فَرَسٍ مِنْ يَاقُوتَةٍ حَمْرَاءَ يَطِيرُ بِكَ فِي الْجَنَّةِ حَيْثُ شِئْتَ إِلَّا فَعَلْتَ"، وَسَأَلَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! هَل فِي الْجَنَّةِ مِنْ إِبلٍ؟ قَالَ: فَلَمْ يَقُلْ لَهُ مَا قَالَ لِصَاحِبِهِ. فَقَالَ: "إِنْ يُدْخِلْكَ اللَّهُ الْجَنَّةَ يَكُنْ لَكَ فِيهَا مَا اشْتَهَتْ نَفْسُكَ. . . . . .
ــ
عُدّ للنحر.
وقوله: (إن هذه لناعمة) أي: هذه الطير التي فيه، أي: طيبة لينة سمان، أو متنعمة مترفهة.
٥٦٤٢ - [٣١] (بريدة) قوله: (إن اللَّه أدخلك) (إن) شرطية دخلت على اسم، والفعل مقدر، أي: إن أدخلك اللَّه، على وطيرة قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ﴾ [التوبة: ٦]، وجوابه: (فلا تشاء).
وقوله: (على فرس من ياقوته حمراء) قيل: أراد الجنس المعهود مخلوقًا من أنفس الجواهر، وقيل: جنسًا آخر يغنيه عن المعهود، وعلى الثاني هو من الأسلوب الحكيم سأل عن المتعارف وأجاب بما استغني عنه.
وقوله: (إلا فعلت) يروى بتاء الخطاب مجهولًا ومعروفًا، والمعنى على الأول، أي: لا تكون بمطلوبك إلا مسعفًا، وعلى الثاني: لا تكون بمطلوبك إلا فائزًا، ويروى بتاء التأنيث مجهولًا والضمير للـ (فرس)، والحاصل ما من شيء تشتهيه النفوس في الجنة إلا وجدته على وفق مشتهاها.
стр. 5310
وَلَذَّتْ عَيْنُكَ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٥٤٣].
٥٦٤٣ - [٣٢] وَعَنْ أَبِي أَيُّوبَ قَالَ: أَتَى النَّبِيَّ ﷺ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنِّي أُحِبُّ الْخَيْلَ أَفِي الْجَنَّةِ خَيْلٌ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنْ أُدْخِلْتَ الْجَنَّةَ أُتِيتَ بِفَرَسٍ مِنْ يَاقُوتَةٍ لَهُ جَنَاحَانِ، فَحُمِلْتَ عَلَيْهِ، ثُمَّ طَارَ بِكَ حَيْثُ شِئْتَ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ لَيْسَ إسنَادُهُ بِالْقَوِيِّ، وَأَبو سَوْرَةَ الرَّاوِي يُضَعَّفُ فِي الْحَدِيثِ، وَسَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ يَقُولُ: أَبُو سَوْرَةَ هَذَا مُنكَرُ الحَدِيثِ، يَرْوِي مَنَاكِيرَ. [ت: ٢٥٤٤].
٥٦٤٤ - [٣٣] وَعَنْ بُرَيْدَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَهْلُ الْجَنَّةِ عِشْرُونَ وَمِئَةُ صَفٍّ، ثَمَانُونَ مِنْهَا مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ، وَأَرْبَعُونَ مِنْ سَائِرِ الأُمَمِ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالدَّارِمِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي "كِتَابِ الْبَعْثِ وَالنُّشُورِ". [ت: ٢٥٤٦، دي: ٣/ ١٨٧٣].
ــ
وقوله: (ولذت عينك) لذذته: وجدته لذيذًا، والتذذت به وتلذذت بمعنى.
٥٦٤٣ - [٣٢] (أبو أيوب) قوله: (وأبو سورة) بفتح السين المهملة وسكون الواو بعدها راء، الأنصاري، ابن أخي أيوب، ضعيف من الثالثة كذا في (التقريب) (١).
٥٦٤٤ - [٣٣] (بريدة) قوله: (ثمانون منها من هذه الأمة، وأربعون من سائر الأمم) لا ينافي هذا قوله ﷺ : (أرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة) لأنه يحتمل أن يكون رجاه ﷺ ذلك، ثم زيد وبشر من عند اللَّه تعالى بالزيادة بعد ذلك، وأما قول
стр. 5311
٥٦٤٥ - [٣٤] وَعَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "بَابُ أُمَّتِي الَّذِينَ (١) يَدْخُلُونَ مِنْهُ الْجَنَّةَ عَرْضُهُ مَسِيرَةُ الرَّاكِبِ الْمُجَوِّدِ ثَلَاثًا، ثُمَّ إِنَّهُمْ لَيُضْغَطُونَ عَلَيْهِ حَتَّى تَكَادُ مَنَاكِبُهُمْ تَزُولُ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ ضَعِيفٌ، وَسَأَلْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ. . . . .
ــ
الطيبي (٢): يحتمل أن يكون الثمانون صفًّا مساويًا في العدد للأربعين صفًّا فبعيد؛ لأن الظاهر من قوله ﷺ : (أهل الجنة عشرون ومئة صف) أن تكون الصفوف متساوية، واللَّه أعلم.
٥٦٤٥ - [٣٤] (سالم) قوله: (باب أمتي الذين يدخلون منه الجنة) وفي بعض النسخ (الذي)، هو وإن كان أظهر في المعنى ولكن الموجود في النسخ المصححة هو (الذين) بلفظ الجمع.
وقوله: (الراكب المجود) يحتمل أن يكون تركيبًا توصيفيًا أو إضافيًا، فعلى الأول المعنى: الراكب الذي يجود ركض الفرس، وعلى الثاني: الفرس الذي يجود في عَدْوِهِ، يقال: أجاد الشيء وجوّده، أي: حسنه.
وقوله: (ثلاثًا) أي: ثلاث ساعات، أو ليال، أو أشهر، أو سنين، بتأويل الجماعة، والثاني هو الأظهر، وإن كان المبالغة في الأخير، واللَّه أعلم.
وقوله: (ليضغطون) أي: يزدحمون على الباب عند دخولهم، يقال: ضغطه: عصره وزحمه، وغمزه إلى شيء، ومنه: ضغطة القبر، كذا في (القاموس) (٣)، وفي
стр. 5312
فَلَمْ يَعْرِفْهُ وَقَالَ: يَخْلُدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ يَرْوِي الْمَنَاكِيرَ. [ت: ٢٥٤٨].
٥٦٤٦ - [٣٥] وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ فِي الْجَنَّةِ لَسُوقًا مَا فِيهَا شِرًى وَلَا بَيْعٌ إِلَّا الصُّوَرَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، فَإِذَا اشْتَهَى الرَّجُلُ صُورَةً دَخَلَ فِيهَا". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ٢٥٥].
ــ
(الصراح) (١): ضغطه: فشادن برديوار وجزآن.
وقوله: (يخلد بن أبي بكر) في الحاشية: بعلامة حم صوابه (خالد)، و (يخلد) سهو من صاحب (المشكاة)، إذ في الترمذي خالد بن أبي بكر، وكذا في كتب أسماء الرجال، انتهى. وفي (التقريب) (٢): خالد بن أبي بكر بن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عمر بن الخطاب العدوي المدني، فيه لين، مات سنة مئة واثنتين وستين، انتهى.
٥٦٤٦ - [٣٥] (علي) قوله: (ما فيها) أي: في السوق، وهو يذكر ويؤنث، والتأنيث أكثر.
وقوله: (إلا الصور) استثناء منقطع أو متصل بأن يجعل تبديل الهيئات والأشكال من جنس البيع والشراء مجازًا.
وقوله: (دخل فيها) أي: تصورها وتشكل بها، أي: كل صورة حسنة وشكل مطبوع اشتهى الإنسان أن يكون عليه بدّل اللَّه صورتها مع بقاء الذات.
стр. 5313
٥٦٤٧ - [٣٦] وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّهُ لَقِيَ أَبَا هُرَيْرَةَ فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: أَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ فِي سُوقِ الْجَنَّةِ. فَقَالَ سَعِيدٌ: أَفِيهَا سُوقٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، أَخْبَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ إِذَا دَخَلُوهَا نَزَلُوا فِيهَا بِفَضْلِ أَعْمَالِهِمْ، ثُمَّ يُؤْذَنُ لَهُمْ فِي مِقْدَارِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ مِنْ أَيَّامِ الدُّنْيَا، فَيَزُورُونَ رَبَّهُمْ وَيُبْرِزُ لَهُمْ عَرْشَهُ، وَيَتَبَدَّى لَهُم فِي رَوْضَةٍ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ، فَيُوضَعُ لَهُم مَنَابِرُ مِنْ نُورٍ، وَمَنَابِرُ مِنْ لُؤْلُؤٍ، وَمَنَابِرُ مِنْ يَاقُوتٍ، وَمَنَابِرُ مِنْ زَبَرْجَدٍ، وَمَنَابِرُ مِنْ ذَهَبٍ، وَمَنَابِرُ مِنْ فِضَّةٍ، وَيَجْلِسُ أَدْنَاهُم -وَمَا فِيهِمْ دَنِيٌّ- عَلَى كُثْبَانِ الْمِسْكِ وَالْكَافُورِ،
ــ
٥٦٤٧ - [٣٦] (سعيد بن المسيب) قوله: (إن أهل الجنة) بفتح الهمزة وبكسرها على الحكاية، وفي أكثر النسخ المصححة بفتحها.
وقوله: (بفضل أعمالهم) أي: بقدرها.
وقوله: (في مقدار يوم الجمعة) في الحواشي: أي في مقدار أسبوع، والظاهر أن المراد يوم الجمعة، فإنه وردت الأحاديث في فضائل يوم الجمعة؛ أنه يكون في الجنة يوم جمعة كما كان في الدنيا، ويحضرون فيه ربهم إلى آخر معنى هذا الحديث.
وقوله: (أدناهم) أي: أقلهم منزلة ودرجة في الجنة بالنسبة إلى بعض من عداه، و (ما فيهم دني) أي: خسيس، لدفع توهم الدناءة من (أدناهم)، و (الكثبان) جمع كثيب وهو التلّ من الرمل، ويجمع على كُثُب، وأكعبة، وكثبان، والكثب: الجمع، والاجتماع، والصب، كذا في (القاموس) (١).
стр. 5314
مَا يَرَوْنَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَرَاسِيِّ بِأَفْضَلَ مِنْهُمْ مَجْلِسًا". قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَهَلْ نَرَى رَبَّنَا؟ قَالَ: "نَعَمْ، هَلْ تَتَمَارَوْنَ فِي رُؤْيَةِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ؟ " قُلْنَا: لَا. قَالَ: "كَذَلِكَ لَا تَتَمَارَوْنَ فِي رُؤْيَةِ رَبِّكُمْ، وَلَا يَبْقَى فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ رَجُلٌ إِلَّا حَاضَرَهُ اللَّهُ مُحَاضَرَةً حَتَّى يَقُولَ لِلرَّجُلِ مِنْهُمْ: يَا فُلَانُ ابْنَ فُلَانٍ! أَتَذْكُرُ يَوْمَ قُلْتَ كَذَا وَكَذَا؟ فَيُذَكِّرهُ بِبَعْضِ غَدَرَاتِهِ فِي الدُّنْيَا. فَيَقُولُ: يَا رَبِّ! أَفَلَمْ تَغْفِرْ لِي؟ فَيَقُولُ: بَلَى، فَبِسَعَةِ مَغْفِرَتِي بَلَغْتَ مَنْزِلَتَكَ هَذِهِ. فَبَيْنَا هُمْ عَلَى ذَلِكَ غَشِيتْهُمْ سَحَابَةٌ مِنْ فَوْقِهِمْ، فَأَمْطَرَتْ عَلَيْهِمْ طِيبًا لَمْ يَجِدُوا مِثْلَ رِيحِهِ شَيْئًا قَطُّ، وَيَقُولُ ربُّنَا: قُومُوا إِلَى مَا أَعْدَدْتُ لَكُمْ مِنَ الْكَرَامَةِ، فَخُذُوا مَا اشْتَهَيْتُمْ، فَنَأْتِي سُوقًا قَدْ حَفَّتْ بِهِ الْمَلَائِكَةُ، فِيهَا مَا لَمْ تَنْظُرِ الْعُيُونُ إِلَى مِثْلِهِ،
ــ
وقوله: (ما يرون) بضم الياء أي: ما يظنون ذلك حتى يحزنوا.
وقوله: (إلا حاضره اللَّه محاضرة) وهو الكلام مشافهة، والمراد هنا: كشف الحجاب والمقاولة بلا واسطة وترجمان كما كان لموسى ﵇. و (الغدرات) بفتحات جمع غدرة، وهو ترك الوفاء، والمراد بها ارتكاب المعاصي الذي فيه نقض عهد الربويية، وترك الوفاء بحقوقها.
وقوله: (فيقول: بلى) أي: بلى أغفر لك، بل قد غفرت، ولو لم أغفره ما بلغت هذه المنزلة فبسعة مغفرتي بلغتها لا بعملك.
وقوله: (ما لم تنظر) بدل من (ما) أو من الضمير المنصوب المحذوف في (أعددت) العائد إليه، أو مرفوع خبر مبتدأ محذوف، أو مبتدأ محذوف الخبر، أي: فيه ما لك تنظر العيون.
стр. 5315
وَلَمْ تَسْمَعِ الآذَانُ، وَلَمْ يَخْطُرْ عَلَى الْقُلُوبِ، فَيُحْمَلُ لَنَا مَا اشْتَهَيْنَا، لَيْسَ يُبَاعُ فِيهَا، وَلَا يُشْتَرَى، وَفِي ذَلِكَ السُّوقِ يَلْقَى أَهْلُ الْجَنَّةِ بَعْضُهُمْ بَعْضًا". قَالَ: "فَيُقْبِلُ الرَّجُلُ ذُو الْمَنْزِلَةِ الْمُرْتَفِعَةِ فَيَلْقَى مَنْ هُوَ دُونَهُ -وَمَا فِيهِم دَنِيٌّ-، فَيَرُوعُهُ مَا يَرَى عَلَيْهِ مِنَ اللِّبَاسِ، فَمَا يَنْقَضِي آخِرُ حَدِيثِهِ حَتَّى يُتَخَيَّلَ عَلَيْهِ مَا هُوَ أَحْسَنُ مِنْهُ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لأَحَدٍ أَنْ يَحْزَنَ فِيهَا،
ــ
وقوله: (فيروعه ما يَرَى عليه) في (القاموس) (١): راع: أفزع كروع متعد، وراع فلانًا: أعجبه، وعلى المعنيين الفاعل (ما)، والضمير المنصوب في (يروعه) للرجل، والمجرور في (عليه) لمن على المعنى الأول، أي: يفزع الرجل ذا المنزلة ما يرى على من هو دونه من اللباس الفاخر، أي: يكرهه، ويطرق إليه حزن فما ينقضي آخر حديث الرجل، وهو حديث نفسه، أي: خاطره الذي خطر في نفسه، (حتى يتخيل) أي: يظهر من تخيلت السماء: تهيأت للمطر، (عليه) أي: على الرجل، (ما هو أحسن منه) دفعًا لحزنه؛ لأنه لا ينبغي لأحد أن يحزن في الجنة، ويجوز أن يكون الضمير المنصوب لـ (من) والمجرور للرجل، و (يروعه) بمعنى يعجبه، والضمير في (حديثه) وفي (يتخيل عليه) يكون لـ (من)، والضمير في (منه) لللباس، فعلى المعنى الأول: لللباس الذي على من دونه، وعلى الثاني: لللباس الذي على الرجل، وهو ظاهر.
وقوله: (أن يحزن) بفتح الزاي: من حزن كفرح لازم، بمعنى تحزن واحتزن، وأما يحزن بالضم من حزن كنصر متعد، بمعنى حزنه الأمر، وأحزنه: جعله حزينًا.
* الْفَصْلُ الثَّالِثُ:
٥٦٥٢ - [٤١] عَنْ أَبِي سَعِيدٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ الرَّجُلَ فِي الْجَنَّةِ لَيَتَّكِئُ فِي الْجَنَّةِ سَبْعِينَ مَسْنَدًا قَبْلَ أَنْ يَتَحَوَّلَ، ثُمَّ تَأْتِيهِ امْرَأَةٌ فَتَضْرِبُ عَلَى مَنْكِبِهِ (١)، فَيَنْظُرُ وَجْهَهُ فِي خَدِّهَا أَصْفَى مِنَ الْمِرْأَةِ، وَإِنَّ أَدْنَى لُؤْلُؤَةٍ عَلَيْهَا تُضِيءُ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، فَتُسَلِّمُ عَلَيْهِ، فَيَرُدُّ السَّلَامَ وَيَسْأَلُهَا: مَنْ أَنْتِ؟ فَتَقُولُ: أنا مِنَ الْمَزِيدِ، وَإِنَّهُ لَيَكُونُ عَلَيْهَا سَبْعُونَ ثَوْبًا، فَيَنْفُذُهَا بَصَرُهُ حَتَّى يَرَى مُخَّ سَاقِهَا مِنْ وَرَاءَ ذَلِكَ، وإِنَّ عَلَيْهَا مِنَ التِّيجَانِ، إِنَّ أَدْنَى لُؤْلُؤَةٍ مِنْهَا لَتُضِيءُ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ". رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ٣/ ٧٥].
ــ
مكان كل واحد منهم نهر.
الفصل الثالث
٥٦٥٢ - [٤١] (أبو سعيد) قوله: (قبل أن يتحول) أي: يكون متكئًا على سبعين مسند قبل أن يتحول، (ثم تأتيه) بعد أن يتحول (امرأة)، ولعل هذا مراد الطيبي (٢) من قوله: (قبل أن يتحول) ظرف (ثم تأتيه)، فافهم.
وقوله: (أصفى) حال من (خدها).
وقوله: (أنا من المزيد) إشارة إلى قوله تعالى: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [ق: ٣٥].
стр. 5319
٥٦٥٣ - [٤٢] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَتَحَدَّثُ -وَعِنْدَهُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ-: "إِنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ اسْتَأْذَنَ رَبَّهُ فِي الزَّرْعِ. فَقَالَ لَهُ: أَلَسْتَ فِيمَا شِئْتَ؟ قَالَ: بَلَى، وَلَكِنْ أُحِبُّ أَنْ أَزْرَعَ، فَبَذَرَ فَبَادَرَ الطَّرْفَ نَبَاتُهُ وَاسْتِوَاؤُهُ وَاسْتِحْصَادُهُ، فَكَانَ أَمْثَالَ الْجِبَالِ، فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: دُونَكَ يَا ابْنُ آدَمَ! فَإِنَّهُ لَا يُشْبِعُكَ شَيْءٌ". فَقَالَ الأَعْرَابِيُّ: وَاللَّهِ لَا تَجدُهُ إِلَّا قُرَشِيًّا أو أَنْصَارِيًّا فَإِنَّهُمْ أَصْحَابُ زَرْعٍ، وَأَمَّا نَحْنُ فَلَسْنَا بِأَصْحَابِ زَرْعٍ، فَضَحِكَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٢٣٧٨].
٥٦٥٤ - [٤٣] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : أَيَنَامُ أَهْلُ الْجَنَّةِ؟ قَالَ: "النَّوْمُ أَخُو الْمَوْتِ، وَلَا يَمُوتُ أَهْلُ الْجَنَّةِ". . . . .
ــ
٥٦٥٣ - [٤٢] (أبو هريرة) قوله: (إن رجلًا) بفتح الهمزة وبكسرها على الحكاية.
وقوله: (فبادر الطرف نباته) الطرف: العين، وطرف بصره طرفة: إذا طبق أحد جفنيه على الآخر، والطرف بالنصب، و (نباته) بالرفع، أي: نبت قبل طرفة عين، (واستواؤه واستحصاده) عطف على نباته، و (دونك) بمعنى خذ، وفيه دليل على أن طبيعة الإنسان على عدم القناعة، وهذه الصفة لا تزول عنه إلى الأبد.
وقوله: (فإنهم أصحاب زرع) صحبة الزرع حصلت للقرشيين بعد قدومهم بالمدينة في صحبة الأنصار وإلا لم يكونوا كذلك بمكة.
٥٦٥٤ - [٤٣] (جابر) قوله: (ولا يموت أهل الجنة) لأن النوم إنما يستجلبه الكسل والفتور والامتلاء، وكل ذلك مما لا يكون في الجنة.
стр. 5320
رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي "شُعَبِ الإِيمَانِ". [شعب: ٤٤١٦].
* * *
٦ - باب رؤية اللَّه تعالى
ــ
٦ - باب رؤية اللَّه تعالى
اعلم أن رؤية الحق تعالى جائزة عقلًا عند أهل الحق، وهم أهل السنة والجماعة، والجسمية والجهة والمقابلة والقرب والبعد ليس بشرط عندهم في الرؤية، وليس علة الرؤية عندهم إلا الوجود، فكل ما هو موجود فهو ممكن الرؤية عندهم جسمانيًّا كان أو غيره، في جهة كان أو لا، ومدخلية الأمور المذكورة فيها إنما هو بجريان العادة، ولو خلق اللَّه تعالى الرؤية بدونها لجاز، وهو تعالى قادر أن يضع قوة البصيرة التي في القلب في العين، فكما نعلم في الدنيا بالبصيرة نراه في الآخرة بالبصر إنه على كل شيء قدير.
وأجمعوا على وقوعه في الاخرة للمؤمنين، والدلائل من الكتاب والسنة وإجماع الصحابة ومن بعدهم قبل حدوث أهل البدع والأهواء متظاهرة على ذلك، فيجب القول به، ثم رؤيته تعالى في الدنيا أيضًا جائزة على القول المختار، ولكنه غير واقع بالاتفاق إلا لسيد المرسلين ﷺ مع اختلافٍ فيه على ما سنبين في شرح الأحاديث، ولم ينقل ذلك أحد من السلف والأولياء.
وقال الشيخ أبو بكر الكلاباذي في (كتاب التعرف) (١): لا نعلم أحدًا من المشايخ ادعاها، ولا ورد ذلك في الحكايات عن أحد منهم إلا شرذمة قليلة لم يعرفوا بأعيانهم،
стр. 5321
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والمشايخ أطبقوا على تضليل مدعيها وتكذيبه، وصنفوا في ذلك كتبًا ورسائل وقالوا: إن من ادعى ذلك لم يعرف اللَّه، وأقره الشيخ علاء الدين القونوي في شرحه على ذلك، وقال في (تفسير الكواشي): إن معتقد رؤية اللَّه تعالى هنا بالعين لغير محمد ﷺ غير مسلم.
وقال الأردبيلي في (كتاب الأنوار): ولو قال: أنا أرى اللَّه تعالى عيانًا في الدنيا ويكلمني شفاهًا كَفَرَ، وقالوا: تخصيص المؤمنين برؤية اللَّه تعالى إنما هو في ما كان في الجنة، وأما في الموقف فيراه المؤمنون والكافرون، ثم يحجب الكافرون لتبقى لهم حسرة على القول المختار، والصحيح حصول الرؤية للنساء أخذًا من عمومات النصوص الواردة في الرؤية، وقيل: ليس لهن رؤية، وقيل: إنهن يرين في مثل أيام الأعياد والجمع في الدنيا.
وفي (آكام المرجان) (١) نقلًا عن قواعد الشيخ عز الدين عبد السلام ما يقتضي: أن الرؤية خاصة بمؤمني البشر، وأن الملائكة والجن لا يرونه تعالى، ونحوه ذكر عز ابن جماعة، والمنقول عن الشيخ الأشعري أن الملائكة يرونه، وتابعه على ذلك البيهقي وابن القيم والبلقيني، قال السيوطي: وهو الأرجح بلا شك، ومقتضى كلام ابن القيم الميل إلى حصول الرؤية لمؤمني الجن أيضًا، وهو الأصوب بعموم النصوص لجميع المؤمنين، ورؤية اللَّه تعالى في المنام أيضًا جائزة، ونقل عن بعض السلف، وفي الحقيقة هو رؤية قلبية بالمثال.
стр. 5322
* الْفَصْلُ الأَوَّلُ:
٥٦٥٥ - [١] عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ عِيَانًا". وَفِي رِوَايَةٍ: قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَنَظَرَ إِلَى الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، فَقَالَ: "إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ هَذَا الْقَمَرَ، لَا تُضَامُونَ فِي رُؤْيَتِهِ، فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ لَا تُغْلَبُوا عَلَى صَلَاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا فَافْعَلُوا"، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ [طه: ١٣٠]. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٥٤، م: ٢١١].
ــ
الفصل الأول
٥٦٥٥ - [١] (جرير بن عبد اللَّه) قوله: الا تضامون) بضم التاء وتخفيف الميم من الضيم بمعنى الظلم، أي: لا تظلمون في رؤيته بأن يراه بعض دون بعض، وبفتح التاء وتشديد الميم من الضم أي: لا تزاحمون فيها، وقد سبق تحقيقه وبيان الروايات فيه في (باب الشفاعة).
وقوله: (فإن استطعتم أن لا تغلبوا) على صيغة المجهول، أي: لا تصيروا مغلوبين، أي: لا يغلبكم الكسل والدعة فتركوها، والتخصيص بهذين الصلاتين لفضلهما وإلا فحكم سائر الصلوات كذلك، والسر في ذلك أنه يحصل من الصلاة ملكة رؤية الذات كما يشير إليه الحديث: (أن تعبد ربك كأنك تراه)، ولما لم تكن الدنيا محل رؤية الذات بالبصر بل فيها مشاهدة الذات بالقلب لحُجُبٍ كانت مانعة منها قال: (كأنك تراه)، ولما سقطت الحجب في موطن الآخرة صار: (أنك تراه)، وقد ورد أن الرؤية في الآخرة تحصل غدوة وعشية، أي: أول النهار وآخره، وبهذا يحصل توجيه تخصيص صلاة الفجر والعصر، واللَّه أعلم.
قُلْتُ (١): يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَكُلُّنَا يَرَى رَبَّهُ مُخْلِيًا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ: "بَلَى". قُلْتُ: وَمَا آيَةُ ذَلِكَ؟ قَالَ: "يَا أَبَا رَزِينٍ! أَلَيْسَ كُلُّكُمْ يَرَى الْقَمَرَ لَيْلَةَ الْبَدْرِ مُخْلِيًا بِهِ؟ ". قَالَ: بَلَى. قَالَ: "فَإِنَّمَا هُوَ خَلْقٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ وَاللَّهُ أَجَلُّ وَأَعْظَمُ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٧٣١].
* الْفَصْلُ الثَّالِثُ:
٥٦٥٩ - [٥] عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : هَلْ رَأَيْتَ رَبَّكَ؟ قَالَ: "نُورٌ أَنَّى أَرَاهُ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٧٨].
ــ
وقوله: (مخليًا به) يروى على وجهين: بفتح الميم وسكون الخاء وتشديد الياء من خلا يخلو، من خلوت به، وبضم الميم وتخفيف الياء من أخليت به: إذا انفردت به، وأخلى جاء لازمًا ومتعديًا، والمعنى يراه الكل منفردًا بنفسه بحيث لا يزاحم شيء في الرؤية.
الفصل الثالث
٥٦٥٩ - [٥] (أبو ذر) قوله: (نور أنى أراه) (أنى) بفتح الهمزة والنون المشددة بمعنى كيف، قال الطيبي (٢): هكذا رواه جميع الرواة في جميع الأصول ومعناه: حجابه النور فإن كمال النور يمنع الإدراك، وقد يروى: (نوراني) بالنسبة إلى النور، انتهى. وهذا أيضًا يحتمل أن يكون لإنكار الرؤية على طريق الاستفهام بحذف أداته، أو يكون لإثباتها، وجاء في حديث آخر: (رأيت نورًا)، وهذا أيضًا يحتمل المعنيين، أي: رأيت نورًا فحسب دون الذات، ومنعني النور عن رؤيتها، أو رأيت ذاتًا منورًا، وقد جاء
стр. 5325
٥٦٦٠ - [٦] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ [النجم: ١١]، ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ [النجم: ١٣]، قَالَ: رَآهُ بِفُؤَادِهِ مَرَّتَيْنِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
إطلاق النور عليه تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [النور: ٣٥].
٥٦٦٠ - [٦] (ابن عباس) قوله: (رآه بفؤاده مرتين) بأن جعل بصره في فؤاده أو فؤاده في بصره، وعلى هذا الوجه سواء قيل: رآه بعين فؤاده أو رآه بعين رأسه يتحد المعنى، وإنما قلنا هذا؛ لأن مذهب ابن عباس أنه رآه ببصره، وأما الرؤية بالقلب فمذهب آخر مخالف لمذهبه.
وحاصل المقام أن ابن عباس ومن وافقه من الصحابة والتابعين حملوا الرواية المذكورة في قوله تعالى: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ [النجم: ١١]، وقوله: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ [النجم: ١٣]، وكذلك الدنو والتدلي، وكونه: ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ [النجم: ٩] كلها بيان لقربه ﷺ عنه تعالى وتقدس.
وأما ابن مسعود وعائشة ﵃ ومن تبعهما حملوها على رؤيته ﷺ جبرئيل، والآيات المذكورة عندهم لبيان قربه واتصاله بجبرئيل، والمفسرون فسروها بالوجهين، فلذلك اختلفت الصحابة ومن بعدهم من السلف والخلف في رؤيته ﷺ الرب تعالى ليلة المعراج، فبعضهم ينفونها وبعضهم يثبوتها وبعضهم يتوقفون فيها لعدم الدلائل الواضحة على أحد الجانبين، والحق أن المذكور في سورة (والنجم) من الدنو والتدلي، وقرب قاب قوسين من جبرئيل لدلالة سياق الآية على ذلك، وهو غير ما كان من الرب تعالى المذكور في الأحاديث، كذا في (المواهب اللدنية) (١).
وقال الشيخ محيي الدين النووي (٢): الراجح المختار عند أكثر العلماء أنه رآه