٥٧٢٧ - [٣٠] وَعَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ قَالَ: أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ: جُهِدَتِ الأَنْفُسُ، وَجَاعَ الْعِيَالُ، وَنُهِكَتِ الأَمْوَالُ، وَهَلَكَتِ الأَنْعَامُ فَاسْتَسْقِ اللَّهَ لَنَا، فَإِنَّا نَسْتَشْفِعُ بِكَ عَلَى اللَّهِ، وَنَسْتَشْفَعُ بِاللَّهِ عَلَيْكَ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "سُبْحَانَ اللَّهِ، سُبْحَانَ اللَّهِ". فَمَا زَالَ يُسَبِّحُ حَتَّى عُرِفَ ذَلِك فِي وُجُوهِ أَصْحَابِهِ، ثُمَّ قَالَ: "وَيْحَكَ إِنَّهُ لَا يُسْتَشْفَعُ بِاللَّهِ عَلَى أَحَدٍ، شَأْنُ اللَّهِ أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ، وَيْحَكَ أَتَدْرِي مَا اللَّهُ؟ إِنَّ عَرْشَهُ عَلَى سَمَاوَاتِهِ لَهَكَذَا" وَقَالَ بِأَصَابِعِهِ مِثْلَ الْقُبَّةِ عَلَيْهِ، "وَإِنَّهُ لَيَئِطُّ بِهِ أَطِيطَ الرَّحْلِ بِالرَّاكِبِ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٧٢٦].
ــ
٥٧٢٧ - [٣٠] (جبير بن مطعم) قوله: (جهدت) بلفظ المجهول، أي: أوقعت في المشقة.
وقوله: (ونهكت الأموال) أيضًا بلفظ المجهول، أي: نقصت، نهك الضرع: استوفى جميع ما فيه، ونهكته الحمى: أضنته وهزلته وجهدته.
وقوله: (فإنا نستشفع بك على اللَّه، ونستشفع باللَّه عليك) استشفعت بفلان على فلان: ذهبت إليه واستعنت ليشفع له إليه، فالاستشفاع به على اللَّه تعالى جائز، وأما الاستشفاع باللَّه عليه فكلا، ولهذا سبح ﷺ ونزه اللَّه عن ذلك، وكرر ذلك وغضب، حتى تغير وجهه الشريف، وعرف أثر ذلك التغير في وجوه أصحابه أيضًا.
وقوله: (أتدري ما اللَّه؟ ) أي: ما عظمة اللَّه وكبرياؤه؟ (وقال) أي: أشار، و (مثل القبة) نصب على الحالية.
وقوله: (عليه) أي: على الكف، (وإنه) أي: العرش مع ما وصف من عظمته وسعته (ليئط) بفتح الياء وكسر الهمزة من الأطيط، أي: يصوت من أطّ الرحل يئط
стр. 5392
٥٧٢٨ - [٣١] وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "أُذِنَ لِي أَنْ أُحَدِّثَ عَنْ مَلَكٍ مِنْ مَلَائِكَةِ اللَّهِ مِنْ حَمَلَةِ الْعَرْشِ، أَنَّ مَا بَيْنَ شَحْمَةِ أُذُنَيْهِ إِلَى عَاتِقَيْهِ مَسِيرَةُ سَبْعِ مِئَةِ عَامٍ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٧٢٧].
٥٧٢٩ - [٣٢] وَعَن زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِجِبْرِيلَ: "هَلْ رَأَيْتَ رَبَّكَ؟ فَانْتَفَضَ جِبْرِيلُ وَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ! إِنَّ بَيْنِي وَبَيْنَهُ سَبْعِينَ حِجَابًا مِنْ نُورٍ، لَوْ دَنَوتُ مِنْ بَعْضِهَا لَاحْتَرَقْتُ". هَكَذَا فِي "الْمَصَابِيحِ".
٥٧٣٠ - [٣٣] وَرَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي "الْحِلْيَةِ" عَنْ أَنَسٍ إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ: "فَانتُفَضَ جِبْرِيلُ". [حلية الأولياء: ٤/ ٨٠].
ــ
أطيطًا: صوت، والأطيط: صوت الرحل والإبل من ثقلها، وصوت الظهر والجوف من الجوع، والمراد أنه يعجز العرش من عظمته وحمل أحكامه كعجز الرحل عن احتمال الراكب، وهذا تصوير وتفهيم لعظمة اللَّه تعالى للأعرابي على قدر فهمه وحاله.
٥٧٢٨ - [٣١] (جابر بن عبد اللَّه) قوله: (إلى عاتقيه) العاتق: المنكب، وقيل: هو ما بين المنكب والعنق موضع الرداء.
٥٧٢٩، ٥٧٣٠ - [٣٢، ٣٣] (زرارة بن أوفى) قوله: (وعن زرارة) بضم الراء (ابن أوفى)، وفي نسخة: (ابن أبي أوفى)، وكذلك في (التقريب) (١).
وقوله: (فانتفض) بالضاد المعجمة، أي: ارتعد من عظمة ذلك السؤال، نفض الثوب: حركه لينتفض.
وقوله: (سبعين حجابًا من نور) وهي الصفات الملكية في جبرئيل أو صفات
стр. 5393
٥٧٣١ - [٣٤] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ إِسْرَافِيلَ مُنْذُ يَوْمِ خَلْقِهُ صَافًّا قَدَمَيْهِ لَا يَرْفَعُ بَصَرَهُ، بَيْنَهُ وَبَيْنَ الرَّبِّ ﵎ سَبْعُونَ نُورًا، مَا مِنْهَا مِنْ نُورٍ يَدْنُو مِنْهُ إِلَّا احْتَرَقَ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ (١).
٥٧٣٢ - [٣٥] وَعَنْ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ وَذُرَّيَتَهُ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ: يَا رَبِّ! خَلَقْتَهُمْ يَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ وَيَنْكِحُونَ وَيَرْكَبُونَ، فَاجْعَلْ لَهُمُ الدُّنْيَا وَلَنَا الآخِرَةَ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: لَا أَجْعَلُ مَنْ خَلَقْتُهُ بِيَدَيَّ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي كَمَنْ قُلْتُ لَهُ: كُنْ، فَكَانَ". رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي "شُعَبِ الإِيمَانِ". [شعب: ١٤٧].
ــ
اللَّه تعالى، والعلم بتعيين العدد موكول إلى الشارع، واللَّه أعلم.
وفي الحديث دليل حجة رؤية اللَّه تعالى لسؤاله ﷺ عنها، ولو كانت ممتنعة لما سأل، ويفهم من جواب جبرئيل أيضًا، لقوله: (بيني وبينه. . . إلخ)، يعني عدم رؤيته تعالى ليس لامتناعها بل لتمنعه بحجاب العزة والكبرياء، وقد ترتفع الحجب، وأيضًا أخبر عن رؤيته لقوله: (بيني وبينه)، ولعل الحجب لم تكن بين غيره وبين اللَّه كما كان لسيد المرسلين ﷺ .
٥٧٣١ - [٣٤] (ابن عباس) قوله: (صافًّا قدميه لا يرفع بصره) أي: عن الصور، وذلك عبارة عن تهيئه وانتظاره لأمر اللَّه بالنفخ حتى ينفخ.
٥٧٣٢ - [٣٥] (جابر) قوله: (لا أجعل من خلقته بيدي) الحديث، دليل على
стр. 5394
* الْفَصْلُ الثَّالِثُ:
٥٧٣٣ - [٣٦] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الْمُؤْمِنُ أَكْرَمُ عَلَى اللَّهِ مِنْ بَعْضِ مَلَائِكَتِهِ". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. [جه: ٣٩٤٧].
٥٧٣٤ - [٣٧] وَعَنْهُ قَالَ: أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدَيَّ فَقَالَ: "خَلَقَ اللَّهُ الْتُّرْبَةَ يَوْمَ السَّبْتِ، وَخَلَقَ فِيهَا الْجِبَالَ يَوْمَ الأَحَدِ، وَخَلَقَ الشَّجَرَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ، وَخَلَقَ الْمَكْرُوهَ يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ،
ــ
أفضلية البشر من الملائكة، والمسألة مذكورة في كتب الكلام.
الفصل الثالث
٥٧٣٣ - [٣٦] (أبو هريرة) قوله: (المؤمن أكرم على اللَّه من بعض ملائكته) يراد بالمؤمن عوامهم، وببعض الملائكة أيضًا عوامهم، كذا قال الطيبي (١)، الحكم بأفضلية المؤمنين على الملائكة ليس كليًّا، بل بعض المؤمنين أفضل من بعض الملائكة، وتفصيله أن عوام البشر خير من عوام الملائكة، وخواص البشر من عوام الملائكة وخواصهم، وخواص الملائكة من عوام البشر، وعلى التقديرين يصح أن بعض المؤمنين أكرم على اللَّه تعالى من بعض ملائكته، فافهم.
٥٧٣٤ - [٣٧] (وعنه) قوله: (بيدي) بلفظ التثنية. والترب والتراب والتربة: الأرض.
وقوله: (يوم السبت. . . إلخ)، دل هذا الحديث على أن ابتداء الخلق يوم السبت، والمشهور أنه يوم الأحد، وقالوا: إنما سمي سبتًا لأن اللَّه تعالى فرغ من الخلق
стр. 5395
وَخَلَقَ النُّورَ يَوْمَ الأَرْبِعَاءِ، وَبَثَّ فِيهَا الدَّوَابَّ يَوْمَ الْخَمِيسِ، وَخَلَقَ آدَمَ بَعْدَ الْعَصْرِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فِي آخِرِ الْخَلْقِ وَآخِرِ سَاعَةٍ مِنَ النَّهَارِ فِيمَا بَيْنَ الْعَصْرِ إِلى اللَّيْل". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٧٨٩].
٥٧٣٥ - [٣٨] وَعَنْهُ قَالَ: بَيْنَمَا نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ جَالِسٌ وَأَصْحَابُهُ إِذْ أَتَى عَلَيْهِمْ سَحَابٌ، فَقَالَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ : "هَلْ تَدْرُونَ مَا هَذَا؟ ". قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: "هَذِهِ الْعَنَانُ هَذِهِ رَوَايَا الأَرْضِ يَسُوقُهَا اللَّهُ إِلَى قَوْمٍ لَا يَشْكُرُونَهُ وَلَا يَدعُونَهُ"، ثم قَالَ: "هَل تَدْرُونَ مَا فَوْقَكُمْ؟ " قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: . . . . .
ــ
فيه واستراح، إلا أن يقال: هذا معتقد أهل الكتاب، ثم إنه قد نص في القرآن المجيد أن الخلق كله في ستة أيام، ويظهر من هذا الحديث أنه في السبعة، ثم إنه لم يذكر في هذا الحديث خلق السموات لعله كان مقدمًا على خلق الأرض وما فيها أو مؤخرًا عنه.
وقوله: (وخلق النور) بالراء كما لمسلم، ولغيره بالنون، وهو الحوت، ويجوز خلقهما في يوم الأربعاء، كذا نقل عن الأكمل.
وقوله: (بعد العصر من يوم الجمعة) ولهذا سميت جمعة لاجتماع الخلق فيه، وفضلت آخر ساعة منه.
٥٧٣٥ - [٣٨] (وعنه) قوله: (سحاب) وفي بعض النسخ: (سحابة).
وقوله: (هذه روايا الأرض) جمع راوية، وهي البعير والبغل والحمار يستقى عليه، ويسمى بها المزادة التي فيها الماء أيضًا، شبهت السحب بالروايا في سقيها الأرض.
(٢٩) كتاب الفضائل والشمائل
١ - باب فضائل سيد المرسلين صلوات اللَّه وسلامه عليه
* الْفَصْلُ الأَوَّلُ:
٥٧٣٩ - [١] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : . . . . .
ــ
[٢٩ - كتاب الفضائل والشمائل]
١ - باب فضائل سيد المرسلين صلوات اللَّه وسلامه عليه
فضائل سيد المرسلين ﷺ مما لا يعد ولا يحصى، ولا يحيط بها علوم الأولين والآخرين، ولا يعلمها بالكنه إلا رب العالمين، فإن فضل رسول اللَّه ليس له حد فيعرب عنه ناطق بفم، وقد أطبقت الأمة على أنه سيد ولد آدم وسيد المرسلين صلى اللَّه عليهم وسلم أجمعين، وبعده إبراهيم خليل الرحمن، وموسى كليم اللَّه، ولم يوجد نص من العلماء بعد ذلك، واللَّه أعلم. وقد ختم المؤلف الكتاب بذكره ﷺ ، وذكر فضائله وأسمائه وأخلاقه وشمائله ومعجزاته، وفضائل أصحابه وأهل بيته الطيبين الطاهرين، وسائر أمته أجمعين، وهذه الأبواب خلاصة هذا الكتاب، وحق بأن يختم الكتاب بها، ختم اللَّه لنا بالحسنى في كل باب.
الفصل الأول
٥٧٣٩ - [١] (أبو هريرة) قوله: . . . . .
стр. 5401
"بُعِثْتُ مِنْ خَيْرِ قُرُونِ بَنِي آدَمَ قَرْنًا فَقَرْنًا، حَتَّى كُنْتُ مِنَ الْقَرْنِ الَّذِي كُنْتُ مِنْهُ". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٣٥٥٧].
ــ
(بعثت من خير قرون بني آدم قرنًا فقرنًا) القرن: كل طبقة أهل زمان واحد؛ لاقترانهم في أعمارهم وأحوالهم، كما في قوله ﷺ : (خير القرون قرني الذين أنا فيهم ثم الذين يلونهم) (١) الحديث، وقال صاحب (القاموس) (٢): القرن: كل أمة هلكت فلم يبق منها أحد، وقد يطلق على الوقت أيضًا، فقيل: أربعون سنة أو عشرة أو عشرون أو ثلاثون وقد اشتهر هذا في العوام، أو خمسون أو ستون أو سبعون أو ثمانون أو مئة أو مئة وعشرون، وقد يرجح المئة بقوله ﷺ لغلام: (عش قرنًا) فعاش مئة سنة، واللَّه أعلم.
والمراد بخير قرون بني آدم: كل طبقة فيهم آباؤه ﷺ ، وهو محمول هنا على من بعد إسماعيل من ولده من كنانة وقريش ومن بعدهم، ليصح معنى التعقيب في الفاء، والمراد ببعثه فيهم: تقلبه في أصلاب الآباء، ونقله فيها أبًا فأبًا، وقرنًا فقرنًا، حتى ظهر في القرن الذي وجد فيه، ومعنى الترتيب في الفضل والخيوية على سبيل الترقي كما يفسره الحديث الآتي، والخيرية والاصطفاء محمولة من جهة الخصائل الحميدة والفضائل الشريفة عند العقلاء وأهل الكرام، لا باعتبار الإيمان والديانة، كذا قالوا، وهذا في القرون.
وأما آباؤه الكرام فكلهم من آدم إلى عبد اللَّه أبيه طاهرون مطهرون من دنس الكفر ورجس الشرك لقوله ﷺ : (خرجت من الأصلاب الطاهرة إلى الأرحام الطاهرات)،
стр. 5402
٥٧٤٠ - [٢] وَعَنْ وَاثِلَةَ بْنِ الأَسْقَعِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى كِنَانَةَ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ، وَاصْطَفَى قُرَيْشًا مِنْ كِنَانَةَ، وَاصْطَفَى مِنْ قُرَيْشٍ بَنِي هَاشِمِ، وَاصْطَفَانِي مِنْ بَنِي هَاشِمٍ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٢٧٦].
وَفِي رِوَايَةٍ لِلتِّرْمِذِيِّ: "إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى مِنْ وَلَدِ إِبْرَاهِيْمَ إِسْمَاعِيلَ، وَاصْطَفَى مِنْ وُلْدِ إِسْمَاعِيلَ بَنِي كِنَانَةَ". [ت: ٣٦٠٥].
ــ
وإن حمل هذا على الطهارة عن الزنا والسفاح على ما كان من عادة الجاهلية، كما يدل عليه ظاهر الأحاديث فبدلائل أخر حرّرت وقررت، ولعمري أن هذا العلم -أعني العلم بكون آباء النبي ﷺ من لدن آدم إلى أن وجد كانوا على التوحيد ودين الإسلام- علم خص اللَّه تعالى به العلماء المتأخرين، والمتقدمون ربما يلوح من كلماتهم خلاف ذلك، وذلك فضل اللَّه يؤتيه من يشاء، وجزى اللَّه عنا الشيخ جلال الدين السيوطي شيخ شيوخنا في الحديث خير الجزاء، فإنه صنف فيها رسائل متعددة، فأفاد وأجاد وأغنى عن المصباح بالإصباح، واللَّه هو العليم الفتاح، وحاش للَّه أن يودع هذا النور الطاهر في مواضع النجاسة والظلمة، ولقد جاءت الروايات أنه كان ﷺ في صلب بعض آبائه يلبي بالحج، وكانوا يبشرون بقدومه ووجوده وأمثال ذلك كثيرة.
٥٧٤٠ - [٢] (واثلة بن الأسقع) قوله: (اصطفى كنانة) بكسر الكاف بعد إسماعيل بوسائط، وقيل: قريش بواسطتين، والمشهور في التسمية بقريش أنه مصغر قرش: دابة بحرية يخافها دواب البحر كلها، وفيه وجوه كثيرة ذكرت في (القاموس) (١)، ووجه التسمية بهاشم أنه كان يهشم الثريد لقومه في أيام الجدب.
стр. 5403
٥٧٤١ - [٣] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَأَوَّلُ مَنْ يَنْشَقُّ عَنْهُ الْقَبْرُ، وَأَوَّلُ شَافِعٍ، وَأَوَّلُ مُشَفَّعٍ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٢٧٨].
ــ
٥٧٤١ - [٣] (أبو هريرة) قوله: (أنا سيد ولد آدم) سيد القوم: أجلهم، وهو ﷺ أجل الناس وأكرمهم وأفضلهم في جميع صفات الكمال، ويلزم بهذا أن يكون أفضل من الملائكة أيضًا على مذهب أهل الحق، كذا ذكر الطيبي (١)، وقد جاء في بعض الأحاديث أفضليته ﷺ على الخلق مطلقًا.
وذكر في (المواهب اللدنية) (٢): من حديث سلمان عند ابن عساكر، قال: (هبط جبرئيل على النبي ﷺ فقال: إن ربك يقول: ما خلقت خلقًا أكرم علي منك، ولقد خلقت الدنيا وأهلها لأعرفهم كرامتك ومنزلتك عندي، ولولاك ما خلقت الدنيا)، فثبت أنه أفضل الخلائق أجمعين، وأما ما جاء من قوله: (لا تفضلوا بين الأنبياء)، وقوله: (لا تفضلوني على يونس بن متى) فقد عرفت جوابه في الأبواب السابقة، والتقييد بقوله: (يوم القيامة) باعتبار ظهور آثار سيادته ﷺ في ذلك اليوم، فإنه يظهر فيه أن اليوم يومه، ولا يكون في مقامه وقربه من الحضرة الإلهية أحد ﷺ .
وقوله: (وأول من ينشق عنه القبر) كناية عن أنه أول من يبعث. و (مشفع) على لفظ اسم المفعول من الشفع، وهو قبول الشفاعة، وقد سبق ذكره في (باب الشفاعة).
стр. 5404
٥٧٤٢ - [٤] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَنَا أَكْثَرُ الأَنْبِيَاءِ تَبَعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَنَا أَوَّلُ مَنْ يَقْرَعُ بَابَ الجَنَّةِ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٩٦].
٥٧٤٣ - [٥] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "آتِي بَابَ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَأَسْتَفْتِحُ، فَيَقُولُ الْخَازِنُ: مَنْ أَنْتَ؟ فَأَقُولُ: مُحَمَّد. فَيَقُولُ: بِكَ أُمِرْتُ أَنْ لَا أَفْتَحَ لِأَحَدٍ قَبْلَكَ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٩٧].
ــ
٥٧٤٢ - [٤] (أنس) قوله: (أنا أكثر الأنبياء تبعًا) في (القاموس) (١): التبع محركة يكون واحدًا وجمعًا، ويجمع على أتباع، وكأنه مثل ولد يطلق على الواحد والجمع، ويجمع على أولاد، كذا في (القاموس) (٢)، والتبع يكون مصدرًا أيضًا، تبعه -كفرح- تبعًا وتباعة: مشى خلفه، والمآل واحد، فإذا كثر الأتباع كثرت التبعية أيضًا.
وقوله: (وأنا أول من يقرع باب الجنة) كناية عن كونه أول من يدخل الجنة، ويبينه الحديث الآتي.
٥٧٤٣ - [٥] (وعنه) قوله: (بك أمرت) وقال الطيبي (٣): الباء للسببية، أي: بسببك أمرت بأن لا أفتح، ويجوز أن يكون صلة (أمرت) و (أن لا أفتح) بدل من الضمير، انتهى. وهذا ظاهر، وأقول: يجوز أن يكون للقسم، أي: بحياتك وذاتك وجمالك وكمالك أقسم، فافهم. فإنه لذيذ على ذائقة لسان المحبة.
إِلَّا قَدْ أُعْطِيَ مِنَ الآيَاتِ مَا مِثْلُهُ آمَنَ عَلَيْهِ الْبَشَرُ، وَإِنَّمَا كَانَ الَّذِي أُوتِيتُ وَحْيًا أَوْحَى اللَّهُ إِلَيَّ، فَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَكْثَرَهُمْ تَابِعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٤٩٨١، م: ١٥٢].
ــ
زائدة كما تزاد بعد النفي.
وقوله: (إلا قد أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر) قالوا: المقصود بيان أن كل نبي أعطي من المعجزات، وأيد بما إذا شوهد آمن به من شاهده من البشر، واضطر من الإيمان به؛ إذ لا بد لمن ادعى النبوة من ذلك حتى يظهر صدقه، والمراد (بمثله) ما كان على صفته في الإعجاز والدلالة على صدق النبي. وقوله: (عليه) لتضمين معنى الاطلاع، أي: آمن به مطلعًا عليه واقفًا عليه، أو معنى القهر والغلبة، أي: مغلوبًا عليه في التحدي والمباراة.
ثم أشار إلى مزية ما أعطيه ﷺ من الآيات أي: معظمها، وقال: (وإنما كان الذي أوتيت وحيًا) أوحاه اللَّه تعالى، يعني القرآن العظيم الذي هو معجزة عظيمة يبقى ببقاء الدهور ويرشد العالمين إلى طريق الحق واليقين، ويكون شاهد صدق على نبوة سيد المرسلين إلى يوم القيامة، ولهذا قال: (فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة)، فإن قلت: قد أوحي إلى الأنبياء كلهم؟ قلت: ولكن لم يكن وحيهم معجزة، هذا وقد قيل في معنى الحديث: إن كل نبي أعطي من المعجزات ما كان مثله لمن كان قبله من الأنبياء، وأما معجزتي العظيمة الظاهرة مما لم يعط أحد مثله، ولهذا أكون أكثرهم تبعًا، وهذا المعنى لعله يكون أقرب وأظهر بالنظر إلى ظاهر العبارة، ولكن التقرير الأول أجود، وعليه أكثر الشارحين، واللَّه أعلم.
стр. 5407
٥٧٤٧ - [٩] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي: نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وَجُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا، فَأَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ أُمَّتي أَدْرَكَتْهُ الصَّلاةُ فَلْيُصَلِّ، وأُحِلَّتْ لِي الْمَغَانِمُ وَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي، وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ،
ــ
٥٧٤٧ - [٩] (جابر) قوله: (نصرت بالرعب) أي: نصرني اللَّه تعالى بإلقاء خوف في قلوب أعدائي من مسيرة شهر بيني وبينهم، ولعلك يخطر ببالك أنه قد يقع من بعض الملوك والسلاطين الرعب في قلوب الأعداء أكثر من ذلك؟ قلت: والمراد: النصر بالرعب، لا الرعب نفسه، على أن التخصيص هنا بالنسبة إلى الأنبياء صلوات اللَّه وسلامه عليهم أجمعين، وأما أمر الجبابرة فأمر آخر، وشيء ليس مبحوثًا عنه ومنظورًا إليه.
وقوله: (وجعلت لي الأرض مسجدًا) والمشهور في معناه إباحة الصلاة لهذه الأمة حيث أدركتهم الصلاة من الأرض، وعدم إباحتها للأمم الماضية إلا في كنائسهم، وقيل: المراد أنهم كانوا لا يصلون إلا فيما تيقنوا طهارته من الأرض، وخصصنا بجواز الصلاة في جميع الأرض إلا فيما تيقنا بنجاسته.
وقوله: (فأيّما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل) الظاهر أنه متفرع على جعله مسجدًا، إلا أن يراد: أدركته الصلاة ولم يجد الماء فليصل ثمة بالتيمم، فيكون متفرعًا على كلا الخصلتين.
وقوله: (ولم تحل لأحد قبلي) قيل: إذا غنم من قبلنا من الأمم الحيوانات يكون ملكًا للغانمين دون الأنبياء، فخص نبينا ﷺ بأخذ الخمس والصفي، وإذا غنموا غير الحيوانات جمعوه فتأتي نار فتحرقه، كذا في بعض الشروح.
وقوله: (وأعطيت الشفاعة) أي: الشفاعة العظمى العامة لجميع محال الشفاعة،
стр. 5408
وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً، وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٣٥، م: ٥٢١].
٥٧٤٨ - [١٠] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "فُضِّلْتُ عَلَى الأَنْبِيَاءَ بِسِتٍّ: أُعْطِيتُ جَوَامِعَ الْكَلِمِ، وَنُصِرْتُ بِالرُّعْبِ، وَأُحِلَّتْ لِيَ الْغَنَائِمُ، وَجُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا،
ــ
كما مر في (باب الشفاعة)، أو المراد فتح باب الشفاعة.
٥٧٤٨ - [١٠] (أبو هريرة) قوله: (فضلت) بلفظ المجهول من التفضيل.
وقوله: (بست) يحتمل أنه ﷺ أوحي إليه التفضيل أولًا بخمس فأخبر بذلك، ثم زيد، ويحتمل أن يكون الراوي قد ترك السادس في حديث جابر نسيانًا أو بشيء آخر يتعلق به الغرض، والكرماني يقول في أمثال هذه المواضع: إن الزائد من العدد لا ينافي الأقل، والحق أنه ﷺ قد خص بفضائل كثيرة لا تعد ولا تحصى، ذكر في كل موضع ما اتفق ذكره، ولم يقصد الحصر.
وقوله: (جوامع الكلم) أي: الكلم التي هي جامعة في المعنى للكلمات الكثيرة، إطلاقا للكلمة على الكلام، فإنه ﷺ كان يتكلم بكلام يشتمل بإيجازه على كثير من المعاني، وهذا من خواص الحضرة الخاتمية المحمدية كقوله: (إنما الأعمال بالنيات).
وقوله: (من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه). وقوله: (الدين النصيحة)، وأمثال ذلك، ومنه جوامع الدعاء، وقد تصدى بعض العلماء لجمع أمثال هذه الأحاديث، وهي غير محصورة، وقيل: يعني به القرآن، جمع اللَّه تعالى فيه معاني كثيرة في ألفاظ يسيرة، والمعنى الأول أظهر، ويؤيده ما زيد في رواية: (اختصر لي الكلام).
стр. 5409
وَأُرْسلْتُ إِلَى الْخَلْقِ كَافَّةً، وَخُتِمَ بِيَ النَّبِيُّونَ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٧٢٣].
ــ
وقوله: (وأرسلت إلى الخلق كافة) قيل: لم يكن في زمن نوح ﵇ نبي فيكون مبعوثًا إلى أهل ذلك الزمان كافة، وأيضًا دعا على جميع من في الأرض بإهلاكهم بالغرق، وهو دليل على أنه كان مبعوثًا إليهم، ولم يمتثلوا أمره، وسليمان ﵇ كان يسير في الأرض، ويأمر الناس بالإسلام كالبلقيس وغيرها، ويهددهم بالقتال، وذلك دليل على عموم الرسالة، وأجيب بأن عموم رسالة نوح لم يكن من أصل البعثة بل إنما اتفق بالحادث، وهو انحصار الخلق في الموجودين بعد هلاك سائر الناس، وأما دعاؤه على جميع من في الأرض فمن جهة أن دعوته قومه إلى التوحيد بلغ سائر الناس بطول مدته، فتمادوا على الشرك فاستحقوا العذاب، ذكره ابن عطية.
وقال ابن دقيق العيد: يجوز أن يكون التوحيد عامًّا في بعض الأنبياء، والتزام فروع شريعته لم يكن عامًّا، ويحتمل أنه لم يكن في الأرض عند إرساله إلا قومه، فبعثته خاصة بهم لكونها إلى قومه، وهي عامة في الصورة لعدم وجود غيرهم، ولكن إن اتفق وجود غيرهم لم يكن مبعوثًا إليهم.
ونقل عن الشيخ عز الدين بن عبد السلام في الحديث عن الإشكال بحال سليمان أنه قال: معنى الرسالة خاصة، أي: في الواجبات والمحرمات، أما في المندوبات فهم مأمورون بها، وأما التهديد بالقتال الذي هو من خصائص الواجب في بادي الرأي فلا نقول: إنه من خصائصه بل العقاب في الدار الآخرة، كذا نقل عن السيوطي في حاشيته على النسائي (١).
وقيل: يحتمل أن يقال: إن تهديد بلقيس وقتاله مع الناس على التوحيد لأجل
стр. 5410
٥٧٤٩ - [١١] وَعَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "بُعِثْتُ بِجَوَامِعِ الْكَلِمِ، وَنُصِرْتُ بِالرُّعْبِ، وبَيْنَا أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُنِيْ أُوتِيتُ بِمَفَاتِيح خَزَائِنِ الأَرْضِ فَوُضِعَتْ فِي يَدِي". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٧٢٧٣، م: ٥٢٣].
٥٧٥٠ - [١٢] وَعَنْ ثَوْبَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ اللَّهَ زَوَى لِيَ الأَرْضَ، فَرَأَيْتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا، وَإِنَّ أُمَّتِي سَيَبْلُغُ مُلْكُهَا مَا زُوِيَ لِي مِنْهَا، وَأُعْطِيتُ الْكَنْزَيْنِ: الأَحْمَرَ وَالأَبْيَضَ، وَإِنِّي سَأَلْتُ رَبِّي لأُمَّتِي أَنْ لَا يُهْلِكَهَا بِسَنَةٍ عَامَّةٍ، وَأَنْ لَا يُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ سِوَى أَنْفُسِهِمْ فَيَسْتَبِيحَ بَيْضَتَهُمْ، وإنَّ ربِّي قَالَ: يَا محمَّدُ إِنِّي إِذَا قَضَيْتُ قَضَاءً فَإِنَّهُ لَا يُرَدُّ، وَإِنِّي أَعْطَيْتُكَ لأُمَّتِكَ أَنْ لَا أُهْلِكَهُمْ بِسَنَةٍ عَامَّةٍ،
ــ
ملكيته لكونه ملكًا على الدنيا، لا لأجل رسالته وبعثته على الناس كافة، فلا إشكال، كذا نقل عن الشيخ، فتدبر.
٥٧٤٩ - [١١] (أبو هريرة) قوله: (بمفاتيح خزائن الأرض) أراد ما يفتح اللَّه على أمته من البلاد شرقًا وغربًا، واستخراج خزائن الأرض والدفائن، أو المراد معادن الأرض فيها من الذهب والفضة.
٥٧٥٠ - [١٢] (ثوبان) قوله: (إن اللَّه زوى لي الأرض) أي: جمعها وقبضها.
وقوله: (وأعطيت الكنزين) أي: الأحمر والأبيض، قالوا: المراد بالأحمر: خزائن الأكاسرة لأن الغالب عليها الذهب، وبالأبيض: خزائن القياصرة لكون الغالب عليها الفضة، وقيل: أراد بالأحمر: ملك الشام لحمرة ألوانهم، وبالأبيض: ملك الفارس لبياض ألوانهم، والمعنى الأول أظهر.
وقوله: (بسنة عامة) أي: بقحط عام يهلك الكل.
стр. 5411
وأنْ لَا أُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا سِوَى أَنْفُسِهِمْ، فَيَسْتَبِيحَ بَيْضَتَهُمْ، وَلَوِ اجْتَمَعَ عَلَيْهِمْ مَنْ بِأَقْطَارِهَا حَتَّى يَكُونَ بَعْضُهُمْ يُهْلِكُ بَعْضًا، وَيَسْبِي بَعْضُهُمْ بَعْضًا". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٨٨٩].
٥٧٥١ - [١٣] وَعَنْ سَعْدٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَرَّ بِمَسْجِدِ بَنِي مُعَاوِيَةَ، دَخَلَ فَرَكَعَ فِيهِ رَكْعَتَيْنِ، وَصَلَّيْنَا مَعَهُ، وَدَعَا رَبَّهُ طَوِيلًا، ثُمَّ انْصَرَفَ فَقَالَ: "سَأَلْتُ رَبِّي ثَلَاثًا، فَأَعْطَانِي ثِنْتَيْنِ، وَمَنَعَنِي وَاحِدَةً، سَأَلْتُ رَبِّي أَنْ لَا يُهْلِكَ أُمَّتِي بِالسَّنَةِ فَأَعْطَانِيهَا،
ــ
وقوله: (فيستبيح بيضتهم) البيضة: حوزة كل شيء وساحة القوم، وبيضة الدار: وسطها ومعظمها، وقيل: أراد إذا أهلك أصل البيضة كان هلاك ما فيها من طعم أو فرخ، وقيل: أراد بالبيضة الخوذة، فكأنه شبه مكان اجتماعهم ببيضة الحديد، وبيضة الرجل: أهله وعشيرته، كذا في (مختصر النهاية) (١)، أراد عدوًّا يستأصلهم ويجمعهم بأجمعهم.
وقوله: (ولو اجتمع) (لو) متصلة. وقوله: (بأقطارها) أي: جوانب الأرض ونواحيها، والضمير في (بعضهم) للأمة، يعني: لا يكون لمن سواهم من الكفار عليهم تسلط وغلبة، ولكن يقاتلون بينهم ويحاربون، هكذا جرى قضاء اللَّه وقدره كما قرره بقوله: (وإني إذا قضيت قضاء فإنه لا يرد).
٥٧٥١ - [١٣] (سعد) قوله: (مر بمسجد بني معاوية) هو بالمدينة، وبنو معاوية بطن من الأنصار. وقوله: (دخل) بغير عاطف على سبيل الاستئناف،
стр. 5412
وَسَأَلْتُهُ أَنْ لَا يُهْلِكَ أُمَّتِي بِالْغَرَقِ فَأَعْطَانِيهَا، وَسَأَلْتُهُ أَنْ لَا يَجْعَلَ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ فَمَنَعَنِيهَا". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٨٩٠].
٥٧٥٢ - [١٤] وَعَنْ عَطَاءَ بْنِ يَسَارٍ قَالَ: لَقِيتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قُلْتُ: أَخْبِرْنِي عَنْ صِفَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي التَّوْرَاةِ، قَالَ: أَجَلْ، وَاللَّهِ إِنَّهُ لَمَوْصُوفٌ فِي التَّوْرَاةِ بِبَعْضِ صِفَتِهِ فِي القُرْآنِ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٥]. . . . .
ــ
و(الغرق) بسكون الراء وفتحها، والمراد بالسنة والغرق: العام منهما.
وقوله: (فمنعنيها) أي: لم يجب ولم يعطني سؤلي، وفي إجابة كل دعاء من الأنبياء كلام ذكر في موضعه، وذكرت بعضه في رسالة عموم البشارة.
٥٧٥٢، ٥٧٥٣ - [١٤، ١٥] (عطاء بن يسار) قوله: (قال: أجل) بفتح الهمزة وبالجيم من حروف الإيجاب بمعنى: نعم، والنحاة حكموا بأنه يجيء لتصديق الخبر كما قيل: زيد عالم فنقول: أجل، وقال بعضهم: قد يجيء بعد الاستفهام أيضًا.
قال في (القاموس) (١): أجل: جواب كنعم، إلا أنه في الخبر أحسن منه في الاستفهام، وفي الحديث وقع جوابًا للأمر على لسان عبد اللَّه بن عمرو، فإنه كان ﵁ من الفصحاء وممن يوثق بعربيتهم، فهو حجة على النحويين، ولعلهم لم يطلعوا على ذلك، وعلى تقدير ثبوت عدم مجيئه بعد الأمر يأول بالاستفهام بمعنى: هل وجدت صفة رسول اللَّه ﷺ في التوراة، وقد غيّر بعض المتأخرين من النحاة في أمثال ذلك
стр. 5413
وحِرْزًا للاُمِّيِّينَ، أَنْتَ عَبْدِي وَرَسُولِي، سَمَّيْتُكَ الْمُتَوَكِّلَ، لَيْسَ بِفَظٍّ وَلَا غَلِيظٍ، وَلَا سَخَّابٍ فِي الأَسْوَاقِ، وَلَا يَدْفَعُ بِالسَّيّئَةِ السَّيِّئَةَ،
ــ
قواعدهم وخصصوها كما ذكرنا في مواضعها، واللَّه أعلم.
وقوله: (حرزًا للأميين) الحرز بكسر الحاء وسكون الراء المهملتين آخره زاء: العوذة والموضع الحصين، والمراد بالأميين: العرب؛ لأن الغالب فيهم عدم القراءة والكتابة، أو لأنهم منسوبون إلى أم القرى، وهي اسم مكة، والتخصيص بهم لبعثته ﷺ فيهم، وتحصنهم به عن سطوة العجم، وإن أريد التحصن عن غوائل الشيطان وآفات النفس فهو شامل للناس كلهم، وقيل: يجوز أن يكون حفظ قومه من الاستئصال أو من العذاب ما دام فيهم كقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ [الأنفال: ٣٣].
وقوله: (ليس بفظ) حال من (المتوكل) أو من الكاف ففيه التفات، وهذا مذكور في القرآن بقوله تعالى: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ إلى ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ [آل عمران: ١٥٩]، والفظ بالفتح: الغليظ الجانب، السيء الخلق، القاسي الخشن الكلام، كذا في (القاموس) (١).
و(السخب) بالسين والصاد محركة: شدة الصوت، سخب كفرح، فهو سخاب وسخوب وسخبان، أي: لا يرفع الصوت على الناس بسوء خلقه، ولا يكثر الصياح بل يرفق بهم، وإنما قال: (في الأسواق)؛ لأن السخب يكون فيها غالبًا، والسخاب في معنى (الفظ) فنفيه نفيه فهو أيضًا مذكور في القرآن.
وقوله: (لا يدفع بالسيئة السيئة) أي: لا يسيء لمن أساء إليه في حق نفسه، وهو
стр. 5414
وَلَكِنْ يَعْفُو وَيَغْفِرُ، وَلَنْ يَقْبِضَهُ اللَّهُ حَتَّى يُقِيمَ بِهِ الْمِلَّةَ الْعَوْجَاءَ بِأَنْ يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَيَفْتَحُ بِهَا أَعْيُنًا عُمْيًا وَآذَانًا صُمًّا وَقُلُوبًا غُلْفًا. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٢١٢٥].
٥٧٥٣ - [١٥] وَكَذَا الدَّارِمِيُّ عَنْ عَطَاءٍ عَنِ ابْنِ سَلَامٍ نَحْوَهُ، وَذُكِرَ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ: "نَحْنُ الآخَرُونَ" فِي "بَابِ الْجُمُعَةِ". [دي: ١/ ١٥٧، ح: ٦].
ــ
مذكور في القرآن بقوله تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ﴾ [المؤمنون: ٩٦]، وكذلك العفو والمغفرة بقوله: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ﴾ [المائدة: ١٣]، لأن كل ما أمر به رسول اللَّه ﷺ كان ممتثلًا به.
وقوله: (ولن يقبضه اللَّه) ليس في نسخ (المصابيح) و (المشكاة) لفظ الجلالة، وهو مذكور في (المواهب اللدنية).
وقوله: (حتى يقيم به) أي: يجعل مستقيمًا (الملة العوجاء) من العوج بكسر العين وفتح الواو، ويقال في كل منتصب كالحائط والعصا: فيه عوج بالفتح، وفي نحو الأرض والدين بالكسر، والمراد بالملة العوجاء: الكفر؛ لأنه ملة معوجة لا استقامة لها، وقيل: أراد به ملة إبراهيم غيرتها العرب وبدلتها وأخرجتها عن نهج الاستقامة.
وقوله: (يفتح بها) أي: بهذه الكلمة. و (الغلف) بالضم أو السكون جمع أغلف، يقال: قلب أغلف كأنما أغشي غلافًا فهو لا يعي، ورجل أغلف بين الغلف، والغلاف ككتاب معروف، وجمعه غلفة بضمة وبضمتين، وكركع، وغلف القارورة: جعلها في غلاف، كغلفها تغليفًا.
اعلم أنه قد ذكرت صفاته وأسماؤه ومكانه وسائر أحواله في التوراة وسائر الكتب
وَأَنْ لَا يُظْهِرَ أَهْلَ الْبَاطِلِ عَلَى أَهْلِ الْحَقِّ، وَأَن لَا تَجْتَمِعُوا عَلَى ضَلَالَةٍ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٢٥٣].
٥٧٥٦ - [١٨] وَعَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَنْ يَجْمَعَ اللَّهُ عَلَى هَذِهِ الأُمَّةِ سَيْفَيْنِ: سَيْفًا مِنْهَا وسَيفًا مِنْ عَدُوِّهَا". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٣٠١].
ــ
بالكسر: جمع خلة بالفتح بمعنى الخصلة، وحروف النفي زائدة، كما في قوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدْ﴾ [الأعراف: ١٢]، وزيادتها لرعاية معنى النفي في (أجار) وتأكيد له، والمراد بعدم ظهور أهل الباطل على أهل الحق غلبتهم بحيث يمحق الحق ويطفئ نوره مطلقًا، ولم يكن ذلك قطعًا ولن يكون أبدًا، فالدين قائم وإن تسلط أعداؤه وقتًا خذلهم اللَّه ونصر الدين وأهله.
وقوله: (أن لا تجتمعوا على ضلالة) كقوله: (لن تجتمع أمتي على الضلالة)، وهو دليل على حجة الإجماع.
٥٧٥٦ - [١٨] (عوف بن مالك) قوله: (سيفًا منها وسيفًا من عدوها) قال التُّورِبِشْتِي (١): معناه أن السيفين لا يجتمعان فيقع بهما الاستئصال، لكن إذا جعلوا بأسهم بينهم سلط عليهم العدو وكف عن أنفسهم بأسهم، وقال الطيبي (٢): الظاهر أن يقال: إنه تعالى وعدني أن لا يجمع أبدًا على أمتي محاربين معًا بل تكون إحداهما، فإذا كانت إحداهما لا تكون الأخرى، فافهم.
стр. 5417
٥٧٥٧ - [١٩] وَعَنِ الْعَبَّاسِ أَنَّهُ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَكَأَنَّهُ سَمِعَ شَيْئًا، فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى الْمِنْبَرِ فَقَالَ: "مَنْ أَنَا؟ " فَقَالُوا: أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ، فَقَالَ: "أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْخَلْقَ فَجَعَلَنِي فِي خَيْرِهِمْ، ثم جَعَلَهُمْ فِرْقَتَيْنِ فَجَعَلَنِي فِي خَيْرِهِم فِرْقَةً، ثُمَّ جَعَلَهُمْ قَبَائِلَ فَجَعَلَنِي فِي خَيْرِهِمْ قَبِيْلَةً، ثُمَّ جَعَلَهُمْ بُيُوتًا فَجَعَلَنِي فِي خَيْرِهِمْ بَيْتًا، فَأَنَا خَيْرُهُمْ نَفْسًا وَخَيْرُهُمْ بَيْتًا". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٦٠٧].
٥٧٥٨ - [٢٠] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَتَى وَجَبَتْ لَكَ النُّبُوَّةُ؟ قَالَ: "وآدَمُ بَيْنَ الرُّوحِ وَالْجَسَدِ". . . . .
ــ
٥٧٥٧ - [١٩] (العباس) قوله: (فكأنه سمع شيئًا) أي: جاء العباس غضبان بسبب ما سمع طعنًا من الكفار في رسول اللَّه ﷺ ، وفي استحقاقه النبوة دون غيره من عظماء العرب، فأرشدهم ﷺ إلى ما يستلزم من تعظيمه، وأنه أولى بهذا من العرب؛ لأن نسبه أعرف، وفيه أن النبي إنما يكون ذا نسب عظيم في قومه، كما علم من حديث هرقل، وهذا تفهيم له على سبيل التبكيت وإلا فالنبوة فضل من اللَّه يختص به من يشاء، كما قال: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤].
وقوله: (إن اللَّه خلق الخلق) أي: الملائكة والثقلين.
وقوله: (فجعلني في خيرهم) أي: في الإنس، ففيه فضل البشر على الخلق، ويحتمل أن يكون المراد بالخلق الجن والإنس، والأول أظهر، لأن الخلق اسم للكل فلا وجه للتخصيص، والمراد (بالفرقتين): المعجم والعرب، وخير الفرقتين العرب، المراد بـ (خيرهم قبيلة) قريش، والمراد بـ (خيرهم بيتًا) هاشم وبنوه، كذا قالوا.
٥٧٥٨ - [٢٠] (أبو هريرة) قوله: (قال: وآدم بين الروح والجسد) أي: ثبت
стр. 5418
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٦٠٩].
٥٧٥٩ - [٢١] وَعَنِ الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "إِنِّي عِنْدَ اللَّهِ مَكْتُوبٌ: خَاتَمُ النَّبِيِّينَ، وَإِنَّ آدَمَ لَمُنْجَدِلٌ فِي طِينَتِهِ، وَسَأُخْبِرُكُمْ بِأَوَّلِ أَمْرِي، دَعْوَةُ إِبْرَاهِيمَ، وَبَشَارَةُ عِيسَى،
ــ
نبوتي في حال أن آدم صورة بلا روح، أي: قبل تعلق روحه بجسده، والمراد السبق والتقدم.
٥٧٥٩، ٥٧٦٠ - [٢١، ٢٢] (العرباض بن سارية، وأبو أمامة).
قوله: (وعن العرباض) بكسر العين المهملة والباء الموحدة في آخره ضاد معجمة.
وقوله: (وإن آدم لمنجدل) أي: مطروح في الأرض، والجدل مطاوع جدله، أي: صرع على الجدالة، وهي الأرض، و (الطينة): قطعة من الطين، ويجيء بمعنى الخلقة والجبلة، وقد اشتهر على الألسنة: (كنت نبيًّا وآدم بين الماء والطين)، ومحصل معناه ما ذكره، وقال الشيخ محمد السخاوي في (المقاصد الحسنة) (١): لم نقف عليه بهذا اللفظ، وقد جاء في رواية: (كتبت نبيًّا) من الكتابة، والمراد إظهار نبوته ﷺ قبل وجوده العنصري في الملائكة والأرواح، وإعلامهم بذلك كما ورد كتابة اسمه الشريف على العرش، والسموات، وقصور الجنة، وغرفها، وعلى نحور الحور العين، وعلى ورق قصب آجام الجنة، وعلى ورق شجرة طوبى، وعلى ورق سدرة المنتهى، وعلى أطراف الحجب، وبين أعين الملائكة، وقد ذكر في (الشفا) وغيره في كتابة اسمه عجائب قدرة اللَّه سبحانه، وإلا فعلم اللَّه بذلك وتقديره في المستقبل لا يختص به ﷺ ، ويشترك
стр. 5419
وَرُؤْيَا أُمِّي الَّتِي رَأَتْ حِينَ وَضَعَتْنِي وَقَدْ خَرَجَ لَهَا نُورٌ أَضَاءَ لَهَا مِنْهُ قُصُورُ الشَّامِ". رَوَاهُ فِي "شَرْحِ السُّنَّةِ". [شرح السنة: ٣٦٢٦].
٥٧٦٠ - [٢٢] وَرَوَاهُ أَحْمَدُ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ مِنْ قَوْلِهِ: "سَأُخْبِرُكُمْ" إِلَى آخِرِهِ. [حم: ٤/ ١٢٧].
٥٧٦١ - [٢٣] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا فَخْرَ،
ــ
فيه جميع الأنبياء سلام اللَّه عليهم أجمعين، وقال بعض العارفين: إن روحه الشريفة كانت نبيًّا في عالم الأرواح مربيًا لها، وقد ثبت أن اللَّه خلق الأرواح قبل الأجساد، واللَّه أعلم بحقيقة الحال.
والمراد بدعوة إبراهيم قوله: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ﴾ [البقرة: ١٢٩]، وببشارة عيسى ﵇ قوله: ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف: ٦]، وإنما ذكره عيسى بأحمد؛ لأن اسمه ﷺ في السماء أحمد، وقد كان عيسى ﵇ سماويًّا في عاقبة أمره، ولعله كذلك ذكر في كتابه الإنجيل، هذا ما يسنح لي ولم أره في الكتب، واللَّه أعلم.
وقوله: (التي رأت حين وضعتني) صفة (رؤيا)، وظاهر هذا الكلام أن رؤية نور أضاء به قصور الشام كانت في المنام، وقد جاءت الأخبار أنها كانت في اليقظة، وأما الذي رأت في المنام فهو أنها رأت: أنه أتاها آت فقال لها: هل شعرت أنك حملت بسيد هذه الأمة نبيِّها، فينبغي أن تحمل الرؤيا على الرؤية بالعين في اليقظة، واللَّه أعلم.
٥٧٦١ - [٢٣] (أبو سعيد) قوله: (ولا فخر) أي: لا أقوله تبحجًا وافتخارًا، ولكن شكرًا للَّه وتحدثًا بنعمته المأمور به بقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى: ١١]،
стр. 5420
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وأداءً لما وجب عليه تبليغه إلى أمته ليعرفوه، ويعتقدوه، ويعملوا بمقتضاه في توقيره، ومحبته، والإيمان به على حسبه، كما أمرهم اللَّه تعالى، والفخر ادعاء العظم والكبر والشرف، وكان ﷺ يحب مدحه والثناء عليه لما أن ذلك صدق لا يشوبه كذب قطعًا، وكان يقول: إن اللَّه يؤيد حسانًا بروح القدس ما دام ينافح عن رسول اللَّه ﷺ ، ويضع له منبرًا يقوم عليه.
ولبعض الأولياء العارفين من أمته قدوة وأسوة حسنة به ﷺ ، ولذلك قال الشيخ ابن عطاء اللَّه الإسكندري في (كتاب الحكم): الزهاد إذا مدحوا انقبضوا لشهودهم الثناء من الخلق، والعارفون إذا مدحوا انبسطوا لشهودهم ذلك من الملك الحق، وفي شرحه لابن عباد ﵀: كان بعضهم يمدح وهو ساكت، فقيل له في ذلك، فقال: وما عليَّ من ذلك، ولست أغلط في نفسي بل لست في البين والمجري والمنشئ هو اللَّه، وقيل: هذا المعنى في الخبر المروي: (إذا مدح المؤمن ربا الإيمان في قلبه) (١).
وقال الشيخ أبو طالب المكي ﵀ (٢): وفيه طريق العارفين أن يعلو الإيمان العلي إلى المولى الأعلى، فيفرح بذلك لمولاه ويضيفه إلى وصفه ولا يعجب بنفسه، وبهذا النظر الجمعي استقام لهم من مدحهم لأنفسهم، وثنائهم عليها ما لم يستقم لغيرهم، كما وقع لجماعة منهم، وقد روي في ذلك عن سيدي الشيخ عبد القادر الجيلاني، وسيدي أبي الحسن الشاذلي، وسيدي أبي العباس المرسي ﵏ وغيرهم غير شيء، وعلامة الصدق في حب المدح وإن كان صاحب هذا المقام لا يحتاج إلى علامة
стр. 5421
وَبِيَدِي لِوَاءُ الْحَمْدِ وَلَا فَخْرَ، وَمَا مِنْ نَبِيٍّ يَوْمَئِذٍ آدَمُ فَمَنْ سِوَاهُ إِلَّا تَحْتَ لِوَائِي، وَأَنَا أَوَّلُ مَنْ تَنْشَقُّ عَنْهُ الأَرْضُ وَلَا فَخْرَ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣١٤٨].
٥٧٦٢ - [٢٤] وَعَنِ ابْن عَبَّاسٍ قَالَ: جَلَسَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَخَرَجَ حَتَّى إِذَا دَنَا مِنْهُمْ سَمِعَهُمْ يَتَذَاكَرُونَ، قَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّ اللَّهَ اتَّخَذَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا، وَقَالَ آخَرُ: مُوسَى كَلَّمَهُ اللَّهُ تَكْلِيمًا، وَقَالَ آخَرُ: فَعِيسَى كَلِمَةُ اللَّهِ وَرُوحُهُ. وَقَالَ آخَرُ: آدَمُ اصْطَفَاهُ اللَّهُ، فَخَرَجَ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ: "قَدْ سَمِعْتُ كَلَامَكُمْ وَعَجَبَكُمْ، إنَّ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلُ اللَّهِ وَهُوَ كَذَلِكَ، وَمُوْسَى نَجِيُّ اللَّهِ وَهُوَ كَذَلِكَ،
ــ
أن لا يكره ذم الناس له من حيث نسبه ذلك إليهم؛ لأنهم متصرفون في قبضة القدرة فيسمح لهم ويصفح عنهم، ولا يجد في قلبه عليهم شيئًا، انتهى.
وقوله: (وبيدي لواء الحمد) يريد به: شهرته وانفراده يوم القيامة بالحمد على رؤوس الخلائق، والعرب تضع اللواء موضع الشهرة، فله ﷺ نسبة خاصة بالحمد، فاسمه محمد وأحمد، وله المقام المحمود، وأمته الحمادون، يحمدون اللَّه في السراء والضراء، وظاهر قوله: (ما من نبي. . . إلخ)، أنه يكون له ﷺ يوم القيامة لواء يسمى لواء الحمد، وقد مر في (باب الشفاعة) أن اللَّه تعالى يعلِّمه حمدًا يحمده به فيفتح باب الشفاعة.
٥٧٦٢ - [٢٤] (ابن عباس) قوله: (وموسى نبي اللَّه) النجي كالغني: من تساره، والنجوى: السر، كذا في (القاموس) (١).
стр. 5422
وَعِيْسَى رُوْحُهُ وَكَلِمَتُهُ وَهُوَ كَذَلِكَ، وَآدَمُ اصْطَفَاهُ اللَّهُ وَهُوَ كَذَلِكَ، أَلَا وَأَنَا حَبِيبُ اللَّهِ وَلَا فَخْرَ، وَأَنَا حَامِلُ لِوَاءِ الْحَمْدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، تَحْتَهُ آدَمُ فَمَنْ دُونَهُ وَلَا فَخْرَ، وَأَنَا أَوَّلُ شَافِعٍ وَأَوَّلُ مُشَفَّعٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا فَخْرَ،
ــ
وقوله: (ألا وأنا حبيب اللَّه) وهو جامع للخلة والتكليم والاصطفاء والمناجاة مع شيء زائد لم يثبت لأحد، وهو كونه محبوب اللَّه تعالى بالمحبة الخاصة التي هي من خواصه ﷺ ، ولبعض العلماء في الفرق بين الخليل والحبيب عبارات ينبغي أن ننقلها شرحًا لصدور المؤمنين وتنويرًا لقلوب العارفين، وقال: إن الخليل من الخلة، أي: الحاجة، فإبراهيم ﵊ كانت حاجته وافتقاره إلى اللَّه تعالى، فمن هذا الوجه اتخذه خليلًا، والحبيب فعيل بمعنى الفاعل أو المفعول فهو ﷺ محب ومحبوب.
والخليل محب لحاجته إلى من يحبه، والحبيب محب لا لغرض، والخليل يكون فعله برضى اللَّه تعالى، والحبيب يكون فعل اللَّه برضاه، قال اللَّه تعالى: ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾ [البقرة: ١٤٤]، ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ [الضحى: ٥].
والخليل لا يحب الاستعجال إلى لقاء حبيبه، كما قيل: إن ملك الموت جاء إلى قبض روح إبراهيم، وقال له: [هل رأيت خليلًا يميت خليله، فأوحى اللَّه تعالى إليه قل له]: هل رأيت خليلًا يكره لقاء خليله. والحبيب يحب الاستعجال إلى لقاء حبيبه كما كان رسول اللَّه ﷺ يقول في دعائه: (اللهم أسألك النظر إلى وجهك الكريم، والشوق إلى لقائك).
والخليل مغفرته في حد الطمع، كما قال إبراهيم: ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الشعراء: ٨٢]، والحبيب مغفرته في حد اليقين من غير سؤال قال اللَّه تعالى:
وَأَجَارَهُمْ مِنْ ثَلَاثٍ: لَا يَعُمُّهُمْ بِسَنَةٍ، وَلَا يَسْتَأْصِلُهُمْ عَدُوٌّ، وَلَا يَجْمَعُهُمْ عَلَى ضَلَالَةٍ". رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ. [دي: ٥٥].
٥٧٦٤ - [٢٦] وَعَنْ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "أَنَا قَائِدُ الْمُرْسَلِينَ وَلَا فَخْرَ، وَأَنَا خَاتَمُ النَّبِيِّينَ وَلَا فَخْرَ، وَأَنَا أَوَّلُ شَافِعٍ وَمُشَفَّعٍ وَلَا فَخْرَ". رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ. [دي: ٥٠].
٥٧٦٥ - [٢٧] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَنَا أَوَّلُ النَّاسِ خُرُوجًا إِذَا بُعِثُوا، وَأَنَا قَائِدُهُمْ إِذَا وَفَدُوا، وَأَنَا خَطِيبُهُمْ إِذَا أَنْصَتُوا، وَأَنَا مُسْتَشْفِعُهُمْ. . . . .
ــ
يذكر للتعميم.
٥٧٦٤ - [٢٦] (جابر) قوله: (أنا قائد المرسلين) أي: مقدمهم، فإن القود يكون من قدام، والسوق من خلف.
٥٧٦٥ - [٢٧] (أنس) قوله: (إذا وفدوا) أي: جاؤوا إلى حضرة اللَّه وحكمه.
وقوله: (وأنا خطيبهم إذا أنصتوا) أي: أنا المتكلم عنهم إذا سكتوا عن الاعتذار، أي: يكون لي قدرة على التكلم في ذلك اليوم فأعتذر عن الناس عند الرب تعالى، والأحسن أن يكون ذلك إشارة إلى سكوت الأنبياء عن الشفاعة، وعدم قدرتهم على التكلم، فيفتح هو ﷺ باب الشفاعة، ويحمد اللَّه تعالى، ويثني عليه بما هو أهله، ويتكلم بالشفاعة.
وقوله: (وأنا مستشفعهم) يروى بفتح الفاء، أي: يطلب الناس مني الشفاعة إلى اللَّه تعالى، استشفعته إليه، أي: طلبت منه أن يشفع إليه، وبكسرها أي: أسأل اللَّه أن أشفع لهم إليه.
стр. 5425
إِذَا حُبِسُوا، وَأَنَا مُبَشِّرُهُمْ إِذَا أَيِسُوا، الْكَرَامَةُ وَالْمَفَاتِيحُ يَوْمَئِذٍ بِيَدِي، وَلِوَاءُ الْحَمْدِ يَوْمَئِذٍ بِيَدِي، وَأَنَا أَكْرَمُ وَلَدِ آدَمَ عَلَى رَبِّي، يَطُوفُ عَلَيَّ أَلْفُ خادِمٍ كأنَّهُمْ بَيْضٌ مُكْنُونٌ أَوْ لُؤْلُؤٌ مَنْثُورٌ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالدَّارِمِيُّ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ٣٦١١، دي: ٤٩].
ــ
وقوله: (إذا حبسوا) أي: في الموقف، وهو أول محال الشفاعة كما عرفت في (باب الشفاعة).
وقوله: (الكرامة) صحح بالرفع في أكثر النسخ فيكون مبتدأ، (والمفاتيح) أي: مفاتيح باب كل خير عطفًا عليه، وفي بعضها بالنصب، أي: إذا قنطوا من حصول الكرامة والرحمة.
وقوله: (ألف خادم) لعل المراد التكثير دون التحديد.
وقوله: (كأنهم بيض مكنون) قال البيضاوي (١) في قوله تعالى: ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ [الصافات: ٤٩]: شبههن ببيض النعام المصون عن الغبار ونحوه في الصفاء والبياض المخلوط بأدنى صفرة، فإنه أحسن ألوان الأبدان، وفي (مجمع البحار) (٢): بيض مكنون: أي لؤلؤ مصون عن الأيدي والأبصار.
وقال في شرح (لؤلؤ منثور): أي كأنهم في الحسن والصفاء مستورون في الصدف لم تمسه الأيدي، وفي الحواشي: (أو) للشك، وهو على المعنى الثاني أظهر.
وَصَاحِبَ شَفَاعَتِهِمْ غَيْرَ فَخْرٍ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٦١٣].
٥٧٦٩ - [٣١] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ وُلَاةً مِنَ النَّبِيِّينَ، وَإِنَّ وَلِيِّيَ أَبِي وَخَلِيلُ رَبِّي، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ٦٨]. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٩٩٥].
٥٧٧٠ - [٣٢] وَعَنْ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ بَعَثَنِي لِتَمَامِ مَكَارِمِ الأَخْلَاقِ، وَكَمَالِ محَاسِنِ الأَفْعَالِ". رَوَاهُ فِي "شَرْحِ السُّنَّةِ". [شرح السنة: ٣٦٢٣].
ــ
وقوله: (وصاحب شفاعتهم) أي: أكون من بينهم صاحب شفاعة مطلقة عامة.
٥٧٦٩ - [٣١] (عبد اللَّه بن مسعود) قوله: (إن لكل نبي ولاة من النبيين) أي: أحبابًا وأخلاء هم أولى وأقرب إليه من غيرهم، وظاهر الحديث يقتضي أن يكون لكل نبي أولياء متعددة، والمراد أن لكل نبي وليًّا على قصد التوزيع.
وقوله: (وإن وليي أبي) وهو إبراهيم ﵇.
وقوله: (وخليل) عطف تفسير له، وفي كتاب (المصابيح): (وإن وليي ربي وخليل ربي)، قال التُّورِبِشْتِي (١): وهو غلط، ولعل الذي حَرَّفَ هذا دخل عليه الداخل من قوله سبحانه: ﴿إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ﴾ [الأعراف: ١٩٦]، والرواية على ما ذكرنا وهو الصواب، وإدخال الواو لتغاير الوصفين.
٥٧٧٠ - [٣٢] (جابر) قوله: (لتمام مكارم الأخلاق) المكارم جمع مكرمة،
стр. 5428
٥٧٧١ - [٣٣] وَعَنْ كَعْبٍ يَحْكِي عَنِ التَّوْرَاةِ قَالَ: نَجِدُ مَكْتُوبًا: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، عَبْدِي الْمُخْتَارُ، لَا فظٌّ وَلَا غَلِيظٌ، وَلَا سَخَّابٌ فِي الأَسْوَاقِ، وَلَا يَجْزِي بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ، وَلَكِنْ يَعْفُو وَيَغْفِرُ، مَوْلِدُهُ بِمَكَّةَ، وَهِجْرَتُهُ بِطَيبَةَ، وَمُلْكُهُ بِالشَّامِ، وَأُمَّتُهُ الْحَمَّادُونَ، يَحْمَدُونَ اللَّهَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ، يَحْمَدُونَ اللَّهَ فِي كُلِّ مَنْزِلَةٍ، وَيُكَبِّرُونَهُ عَلَى كُلِّ شَرَفٍ، رُعَاةٌ لِلشَّمْسِ، يُصَلُّونَ الصَّلَاةَ إِذَا جَاءَ وَقْتُهَا،
ــ
وهي خصلة مرضية يكرم الشخص بها، والمحاسن جمع حسن على غير قياس، والإضافة من باب جرد قطيفة.
٥٧٧١ - [٣٣] (كعب) قوله: (وملكه بالشام) قيل: أراد بالملك هنا: النبوة والدين، فإن ذلك يكون بالشام أغلب، وإلا فملكه في جميع آلافاق، وقيل: معناه الغزو والجهاد ثمة، ولهذا لا ينقطع الجهاد في بلاد الشام أصلًا، وأمر بالمسافرة إليها لإدراك فضيلة الجهاد.
وقوله: (يحمدون اللَّه في كل منزلة) أي: في كل منزل، والتاء باعتبار البقعة أي: إذا نزلوا منزلة شكروا اللَّه على أن آواهم وبوأهم، كذا نقل الطيبي (١)، وفي (الحواشي): أي في مكان أسفل، ويناسبه قوله: (ويكبرونه على كل شرف) أي: مكان عال كما هو السنة، وقد مر ذكره في (كتاب الدعوات والأذكار)، والحكمة فيه.
وقوله: (رعاة) بضم الراء: جمع راع، أي: يراقبون طلوع الشمس وغروبها
стр. 5429
يَتَأَزَّرُونَ عَلَى أَنْصَافِهِمْ، وَيَتَوَضَّؤُونَ عَلَى أَطْرَافِهِمْ، مُنَادِيهِمْ يُنَادِي فِي جَوِّ السَّمَاءِ، صفُّهُمْ فِي الْقِتَالِ وَصَفُّهُمْ فِي الصَّلَاةِ سَوَاءٌ، لَهُمْ بِاللَّيْلِ دَوِيٌّ كَدَوِيِّ النَّحْلِ. هَذَا لَفْظُ "الْمَصَابِيحِ". وَرَوَى الدَّارِمِيُّ مَعَ تَغْيِيرٍ يَسِيرٍ. [دي: ١/ ١٥٦، ح: ٥].
٥٧٧٢ - [٣٤] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ قَالَ: مَكْتُوبٌ فِي التَّوْرَاةِ صِفَةُ مُحَمَّدٍ، وَعِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يُدْفَنُ مَعَهُ، قَالَ أَبُو مَوْدُودٍ: وَقَدْ بَقِي فِي الْبَيْتِ مَوضعُ قَبْرِهِ، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٦١٧].
ــ
لمعرفة مواقيت الصلاة.
وقوله: (يتأزرون على أنصافهم) أي: يشدون الإزار على أوساطهم، أي: يشدون مقعده على السرة، والمراد المبالغة في ستر عوراتهم، ويجوز كون (على) بمعنى (إلى) أي: أزرهم إلى أنصاف سوقهم.
وقوله: (ويتوضؤون على أطرافهم) أي: يسبغون الوضوء، كذا فسروه.
وقوله: (مناديهم ينادي في جو السماء) أي: مؤذنهم ينادي في مواضع مرتفعة.
وقوله: (دوي) أي: أصوات خفية بالتسبيح، والتهليل، وقراءة القرآن، والذكر.
٥٧٧٢ - [٣٤] (عبد اللَّه بن سلام) قوله: (عيسى ابن مريم يدفن معه) أي: ومكتوب هذا وهو أن عيسى ابن مريم يدفن معه، وهذا أحد تأويل قوله ﷺ : (أنا أولى بعيسى) كما مر، واللَّه أعلم.
стр. 5430
* الْفَصْلُ الثَّالِثُ:
٥٧٧٣ - [٣٥] عَنِ ابْنِ عبَّاسٍ قَالَ: إنَّ اللَّهَ تَعَالَى فَضَّلَ مُحَمَّدًا ﷺ عَلَى الأَنْبِيَاءِ وَعَلَى أَهْلِ السَّمَاءِ، فَقَالُوا: يَا أَبَا عَبَّاسٍ! بِمَ فَضَّلَهُ اللَّهُ عَلَى أَهْلِ السَّمَاءِ؟ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ لِأَهْلِ السَّمَاءِ: ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبباء: ٢٩]، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِمُحَمَّدٍ ﷺ : ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: ١ - ٢]، قَالُوا: وَمَا فَضْلُهُ عَلَى الأَنْبِيَاءِ؟ قَالَ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ﴾ الآيَةَ [إبراهيم: ٤]، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِمُحَمَّدٍ ﷺ : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾ [سبأ: ٢٨]، فَأَرْسَلَهُ إِلَى الْجِنِّ وَالإِنْسِ.
ــ
الفصل الثالث
٥٧٧٣ - [٣٥] (ابن عباس) قوله: (إن اللَّه تعالى قال لأهل السماء. . . إلخ)، وجه التفضيل صولة الخطاب وغلظته في مخاطبة أهل السماء وترتيب العذاب الشديد عليه، وملاطفته في الخطاب معه ﷺ ، وإن ما صدر عنه أو يصدر مغفور.
وقوله: (قال: قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾) هذا كلام ابن عباس سلطان المفسرين صريح في أن المراد بعموم الرسل في هذه الآية غير نبينا ﷺ ، وهو الذي يدل عليه صيغة المضي، فيرتفع الإشكال المشهور من توهم تخصيص رسالته ﷺ بالعرب، وهذا الكلام كثيرًا ما كان يختلج في صدري فالآن ظفرت به من قبل ابن عباس، والحمد للَّه.
وقوله: (فأرسله إلى الجن والإنس) لأنه رسول الثقلين، وإنما خص في الآية