← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 145212

لمعات التنقيح في شرح مشكاة المصابيح

عبد الحق الدهلوي

Полный текст (6 316 стр.). Показаны 5426–5465 · переход к 5431.

стр. 5426

٥٧٦٦ - [٢٨] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "فَأُكْسَى حُلَّةً مِنْ حُلَلِ الْجَنَّةِ، ثُمَّ أَقُومُ عَنْ يَمِينِ الْعَرْشِ لَيسَ أَحَدٌ مِنَ الْخَلَائِقِ يَقومُ ذَلِكَ الْمَقَامَ غَيْرِي". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. وَفِي رِوَايَةِ "جَامِعِ الأُصُولِ" عَنهُ: "أَنَا أَوَّلُ مَنْ تَنْشَقُّ عَنْهُ الأَرْضُ فَأُكْسَى". [ت: ٣٦١١، جامع الأصول: ٦٣٢٨]. ٥٧٦٧ - [٢٩] وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "سَلُوا اللَّهَ لِيَ الْوَسِيلَةَ" قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَمَا الْوَسِيلَةُ؟ قَالَ: "أَعْلَى دَرَجَةٍ فِي الْجَنَّةِ لَا يَنَالُهَا إِلَّا رَجُلٌ واحدٌ، وَ (١) أَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا هُوَ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٦١٢]. ٥٧٦٨ - [٣٠] وَعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ كُنْتُ إِمَامَ النَّبِيِّينَ وَخَطِيبَهُمْ. . . . . ــ ٥٧٦٦ - [٢٨] (أبو هريرة) قوله: (يقوم ذلك المقام غيري) لعله هو المقام المحمود. ٥٧٦٧ - [٢٩] (وعنه) قوله: (سلوا اللَّه لي الوسيلة) وهي المذكورة في دعاء الأذان، وفسر معناه هنالك. وقوله: (إلا رجل واحد) الإبهام للتواضع والأدب، وأما في قوله: (وأرجو) تأكيد للوقوع لأنه ﷺ لا يخيب رجاؤه. ٥٧٦٨ - [٣٠] (أبي بن كعب) قوله: (كنت إمام النبيين) بكسر الهمزة والفتح وإن وافقه حديث كونه قائد المرسلين، لكنهم قالوا: إنه خطأ.

стр. 5427

وَصَاحِبَ شَفَاعَتِهِمْ غَيْرَ فَخْرٍ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٦١٣]. ٥٧٦٩ - [٣١] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ وُلَاةً مِنَ النَّبِيِّينَ، وَإِنَّ وَلِيِّيَ أَبِي وَخَلِيلُ رَبِّي، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ٦٨]. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٩٩٥]. ٥٧٧٠ - [٣٢] وَعَنْ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ بَعَثَنِي لِتَمَامِ مَكَارِمِ الأَخْلَاقِ، وَكَمَالِ محَاسِنِ الأَفْعَالِ". رَوَاهُ فِي "شَرْحِ السُّنَّةِ". [شرح السنة: ٣٦٢٣]. ــ وقوله: (وصاحب شفاعتهم) أي: أكون من بينهم صاحب شفاعة مطلقة عامة. ٥٧٦٩ - [٣١] (عبد اللَّه بن مسعود) قوله: (إن لكل نبي ولاة من النبيين) أي: أحبابًا وأخلاء هم أولى وأقرب إليه من غيرهم، وظاهر الحديث يقتضي أن يكون لكل نبي أولياء متعددة، والمراد أن لكل نبي وليًّا على قصد التوزيع. وقوله: (وإن وليي أبي) وهو إبراهيم ﵇. وقوله: (وخليل) عطف تفسير له، وفي كتاب (المصابيح): (وإن وليي ربي وخليل ربي)، قال التُّورِبِشْتِي (١): وهو غلط، ولعل الذي حَرَّفَ هذا دخل عليه الداخل من قوله سبحانه: ﴿إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ﴾ [الأعراف: ١٩٦]، والرواية على ما ذكرنا وهو الصواب، وإدخال الواو لتغاير الوصفين. ٥٧٧٠ - [٣٢] (جابر) قوله: (لتمام مكارم الأخلاق) المكارم جمع مكرمة،

стр. 5428

٥٧٧١ - [٣٣] وَعَنْ كَعْبٍ يَحْكِي عَنِ التَّوْرَاةِ قَالَ: نَجِدُ مَكْتُوبًا: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، عَبْدِي الْمُخْتَارُ، لَا فظٌّ وَلَا غَلِيظٌ، وَلَا سَخَّابٌ فِي الأَسْوَاقِ، وَلَا يَجْزِي بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ، وَلَكِنْ يَعْفُو وَيَغْفِرُ، مَوْلِدُهُ بِمَكَّةَ، وَهِجْرَتُهُ بِطَيبَةَ، وَمُلْكُهُ بِالشَّامِ، وَأُمَّتُهُ الْحَمَّادُونَ، يَحْمَدُونَ اللَّهَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ، يَحْمَدُونَ اللَّهَ فِي كُلِّ مَنْزِلَةٍ، وَيُكَبِّرُونَهُ عَلَى كُلِّ شَرَفٍ، رُعَاةٌ لِلشَّمْسِ، يُصَلُّونَ الصَّلَاةَ إِذَا جَاءَ وَقْتُهَا، ــ وهي خصلة مرضية يكرم الشخص بها، والمحاسن جمع حسن على غير قياس، والإضافة من باب جرد قطيفة. ٥٧٧١ - [٣٣] (كعب) قوله: (وملكه بالشام) قيل: أراد بالملك هنا: النبوة والدين، فإن ذلك يكون بالشام أغلب، وإلا فملكه في جميع آلافاق، وقيل: معناه الغزو والجهاد ثمة، ولهذا لا ينقطع الجهاد في بلاد الشام أصلًا، وأمر بالمسافرة إليها لإدراك فضيلة الجهاد. وقوله: (يحمدون اللَّه في كل منزلة) أي: في كل منزل، والتاء باعتبار البقعة أي: إذا نزلوا منزلة شكروا اللَّه على أن آواهم وبوأهم، كذا نقل الطيبي (١)، وفي (الحواشي): أي في مكان أسفل، ويناسبه قوله: (ويكبرونه على كل شرف) أي: مكان عال كما هو السنة، وقد مر ذكره في (كتاب الدعوات والأذكار)، والحكمة فيه. وقوله: (رعاة) بضم الراء: جمع راع، أي: يراقبون طلوع الشمس وغروبها

стр. 5429

يَتَأَزَّرُونَ عَلَى أَنْصَافِهِمْ، وَيَتَوَضَّؤُونَ عَلَى أَطْرَافِهِمْ، مُنَادِيهِمْ يُنَادِي فِي جَوِّ السَّمَاءِ، صفُّهُمْ فِي الْقِتَالِ وَصَفُّهُمْ فِي الصَّلَاةِ سَوَاءٌ، لَهُمْ بِاللَّيْلِ دَوِيٌّ كَدَوِيِّ النَّحْلِ. هَذَا لَفْظُ "الْمَصَابِيحِ". وَرَوَى الدَّارِمِيُّ مَعَ تَغْيِيرٍ يَسِيرٍ. [دي: ١/ ١٥٦، ح: ٥]. ٥٧٧٢ - [٣٤] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ قَالَ: مَكْتُوبٌ فِي التَّوْرَاةِ صِفَةُ مُحَمَّدٍ، وَعِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يُدْفَنُ مَعَهُ، قَالَ أَبُو مَوْدُودٍ: وَقَدْ بَقِي فِي الْبَيْتِ مَوضعُ قَبْرِهِ، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٦١٧]. ــ لمعرفة مواقيت الصلاة. وقوله: (يتأزرون على أنصافهم) أي: يشدون الإزار على أوساطهم، أي: يشدون مقعده على السرة، والمراد المبالغة في ستر عوراتهم، ويجوز كون (على) بمعنى (إلى) أي: أزرهم إلى أنصاف سوقهم. وقوله: (ويتوضؤون على أطرافهم) أي: يسبغون الوضوء، كذا فسروه. وقوله: (مناديهم ينادي في جو السماء) أي: مؤذنهم ينادي في مواضع مرتفعة. وقوله: (دوي) أي: أصوات خفية بالتسبيح، والتهليل، وقراءة القرآن، والذكر. ٥٧٧٢ - [٣٤] (عبد اللَّه بن سلام) قوله: (عيسى ابن مريم يدفن معه) أي: ومكتوب هذا وهو أن عيسى ابن مريم يدفن معه، وهذا أحد تأويل قوله ﷺ : (أنا أولى بعيسى) كما مر، واللَّه أعلم.

стр. 5430

* الْفَصْلُ الثَّالِثُ: ٥٧٧٣ - [٣٥] عَنِ ابْنِ عبَّاسٍ قَالَ: إنَّ اللَّهَ تَعَالَى فَضَّلَ مُحَمَّدًا ﷺ عَلَى الأَنْبِيَاءِ وَعَلَى أَهْلِ السَّمَاءِ، فَقَالُوا: يَا أَبَا عَبَّاسٍ! بِمَ فَضَّلَهُ اللَّهُ عَلَى أَهْلِ السَّمَاءِ؟ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ لِأَهْلِ السَّمَاءِ: ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبباء: ٢٩]، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِمُحَمَّدٍ ﷺ : ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: ١ - ٢]، قَالُوا: وَمَا فَضْلُهُ عَلَى الأَنْبِيَاءِ؟ قَالَ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ﴾ الآيَةَ [إبراهيم: ٤]، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِمُحَمَّدٍ ﷺ : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾ [سبأ: ٢٨]، فَأَرْسَلَهُ إِلَى الْجِنِّ وَالإِنْسِ. ــ الفصل الثالث ٥٧٧٣ - [٣٥] (ابن عباس) قوله: (إن اللَّه تعالى قال لأهل السماء. . . إلخ)، وجه التفضيل صولة الخطاب وغلظته في مخاطبة أهل السماء وترتيب العذاب الشديد عليه، وملاطفته في الخطاب معه ﷺ ، وإن ما صدر عنه أو يصدر مغفور. وقوله: (قال: قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾) هذا كلام ابن عباس سلطان المفسرين صريح في أن المراد بعموم الرسل في هذه الآية غير نبينا ﷺ ، وهو الذي يدل عليه صيغة المضي، فيرتفع الإشكال المشهور من توهم تخصيص رسالته ﷺ بالعرب، وهذا الكلام كثيرًا ما كان يختلج في صدري فالآن ظفرت به من قبل ابن عباس، والحمد للَّه. وقوله: (فأرسله إلى الجن والإنس) لأنه رسول الثقلين، وإنما خص في الآية

стр. 5431

٥٧٧٤ - [٣٦] وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ الْغِفَارِيِّ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! كَيْفَ عَلِمْتَ أَنَّكَ نَبِيٌّ حَتَّى اسْتَيْقَنْتَ؟ فَقَالَ: "يَا أَبَا ذَرٍّ! أَتَانِي مَلَكَانِ وَأَنَا بِبَعْضِ بَطْحَاءِ مَكَّةَ، فَوَقَعَ أَحَدُهُمَا عَلَى الأَرْضِ، وَكَانَ الآخَرُ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: أَهُوَ هُوَ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَزِنْهُ بِرَجُلٍ، فَوُزِنْتُ بِهِ فَوَزَنْتُهُ، ثُمَّ قَالَ: زِنْهُ بِعَشَرَةٍ، فَوُزِنْتُ بِهِمْ فَرَجَحْتُهُمْ، ثُمَّ قَالَ: زِنْهُ بِمِئَةٍ، فَوُزِنْتُ بِهِمْ فَرَجَحْتُهُمْ، ثُمَّ قَالَ: زِنْهُ بِأَلْفٍ، فُوُزِنْتُ بِهِمْ فرَجَحْتُهُمْ، كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَنْتَثِرُونَ عَلَيَّ مِنْ خِفَّةِ الْمِيزَانِ. قَالَ: فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: لَوْ وَزَنتُهُ بِأُمَّتِهِ لَرَجَحَهَا". رَوَاهُمَا الدَّارِمِيُّ. [دي: ١٩٣١، ح: ٤٧، ١/ ١٦٤، ح: ١٤]. ــ بالناس للأصالة والغلبة، وقد علم في مواضع من القرآن دعوته ﷺ وإبلاغه الدين إياهم، هذا وقد يطلق الناس على ما يشمل الفريقين كما قيل في قوله تعالى: ﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ [الناس: ٦] من جعله بيانًا للناس، على أن المقصود من الآية بيان رفع اختصاص رسالته ببعض الناس كالعرب، لا بيان تخصيصه بالناس دون غيرهم، وقيل: الإرسال إلى الجن علم تبعًا، فافهم، واللَّه أعلم. ٥٧٧٤ - [٣٦] (أبو ذر الغفاري) قوله: (حتى استيقنت) يفهم منه أن اليقين نهاية مراتب العلم، والعلم أعم منه. وقوله: (أهو هو؟ ) هذا موضع الاستدلال، وحصول اليقين وما بعده تتمة له خصوصه. وقوله: (فوزنته) أي: رجحته. وقوله: (ينتثرون) الضمير للألف الموزون، أي: يتساقطون عليّ من خفة تلك

стр. 5432

٥٧٧٥ - [٣٧] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "كُتِبَ عَلَيَّ النَّحْرُ وَلَمْ يُكْتَبْ عَلَيْكُمْ، وَأُمِرْتُ بِصَلَاةِ الضُّحَى وَلَمْ تُؤْمَرُوا بِهَا". رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ. [قط: ٤٧٥١]. * * * ــ الكفة، وفي الحديث أن لرسول اللَّه ﷺ استدلالًا بالخوارق على معرفة نبوته، والحق أن علمه بذلك ضروري واقع في القلب، وهذه مؤكدات ومؤيدات لذلك، على أن الغرض الأصلي من بيان ذلك تعريف الأمة وتعليمهم، والمقصود أنه حصل له العلم منذ ذلك اليوم، وهذا كما كان يسره ﷺ موافقته للتوراة، وكان يعجبه ﷺ : ﴿إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى (١٨) صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾ [الأعلى: ١٨ - ١٩]، وموافقة تميم الداري بخبره بحال الدجال (١). ٥٧٧٥ - [٣٧] (ابن عباس) قوله: (كتب علي النحر) عنى به قوله ﷺ (٢): ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢]، قالوا: النحر كان واجبًا على رسول اللَّه ﷺ وإن لم يكن غنيًّا بخبر: (ثلاث كتبت عليَّ ولم تكتب عليكم: الضحى والأضحى والوتر)، كذا في شرح ابن الملك عن شرح (المشارق)، وقال الطيبي (٣): لم يوجد في الأحاديث ما يدل على وجوب الضحى عليه ﷺ سوى هذا الحديث، واللَّه أعلم.

стр. 5433

٢ - باب أسماء النبي ﷺ وصفاته ــ ٢ - باب أسماء النبي ﷺ وصفاته المراد بالأسماء ههنا: الأعلام، أعم من أن يكون اسمًا أو لقبًا أو كنية، واعلم أن اللَّه تعالى سمى نبيه ﷺ بأسماء كثيرة في القرآن العظيم وغيره من الكتب السماوية وفي السنة، وعلى لسان الأنبياء ﵈، ثم إن أشهر أسمائه ﷺ محمد، وبه سماه جده عبد المطلب، وذلك أنه لما قيل: ما سميت ولدك؟ قال: محمدًا، فقيل له: كيف سميته باسم ليس لأحد من آبائك وقومك؟ فقال: لأني أرجو أن يحمده أهل الأرض كلهم. وفي رواية: أردت أن يحمده اللَّه في السماء، ويحمده الناس في الأرض، ويروى أنه رأى عبد المطلب في المنام كأن سلسلة من فضة خرجت من ظهره، لها طرف في السماء وطرف في المشرق وطرف في المغرب، ثم عادت كأنها شجرة على كل ورقة منها نور، وإذا أهل المشرق والمغرب كأنهم يتعلقون بها، فقصها فعبرت له بمولود يكون من صلبه، يتبعه أهل المشرق وأهل المغرب، ويحمده أهل السماء والأرض، فلذلك سماه محمدًا مع ما حدثته به آمنة حين قال: إنك حملت بسيد هذه الأمة؛ فإذا وضعته فسميه محمدًا. وورد أنه لم يكن قبله ﷺ أحد مسمى بهذا الاسم، فلما أخبر أهل الكتاب بأنه سيبعث نبي آخر الزمان اسمه محمد سمى أربعة من الرجال أبناءهم محمدًا طمعًا في النبوة، فلما كانت هذه التسمية بعد سماعهم اسمه ﷺ فكأنه كان بعده، وقد نقل عن الشيخ ابن حجر خلافًا في ذلك، وعد أشخاصًا اسمهم محمد، ولعله يكون بعد سماع اسمه ﷺ ، واللَّه أعلم. وقال في (المواهب اللدنية) (١): وقد جاءت من ألقابه ﷺ وأسمائه في القرآن

стр. 5434

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ عدد كثير، وقد تعرض جماعة لتعدادها وبلغوا بها عددًا مخصوصًا، فمنهم من بلغ تسعة وتسعين موافقة لعدد أسماء اللَّه الحسنى الورادة في الحديث، قال القاضي عياض: وقد خصه اللَّه تعالى بأن سماه من أسمائه الحسنى بنحو من ثلاثين اسمًا، وقال [ابن] دحية في كتابه (المستوفى): إذا فحص عن جملتها من الكتب المتقدمة والقرآن والحديث بلغ الثلاث مئة. ورأيت (١) في كتاب (أحكام القرآن) (٢) للقاضي أبي بكر بن العربي: قال بعض الصوفية: للَّه تعالى ألف اسم، وللنبي ﷺ ألف اسم، والمراد الأوصاف، فله من كل وصف اسم، ثم إن منها ما هو مختص به والغالب عليه، ومنها ما هو مشترك، ورأيت في كلام شيخنا في (القول البديع) والقاضي عياض في (الشفا) وابن العربي وابن سيد الناس وغيرهم يزيد على الأربع مئة، ذكر هذا كله في (المواهب) ثم سردها مرتبة على حروف المعجم، وذكر الطيبي (٣) عن بعضهم اثنين وعشرين اسمًا وشرحها، وقد جمع السيوطي في أسمائه ﷺ كتابًا (٤)، ولم يورد المؤلف إلا عدة أسماء في حديثين، والمراد بصفاته هنا أحوال حليته الشريفة وصورته الظاهرة، وعقد بابًا آخر لبيان أخلاقه وشمائله.

стр. 5435

* الْفَصْلُ الأَوَّلُ: ٥٧٧٦ - [١] عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعَمِ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "إنَّ لِي أَسْمَاءً: أَنَا مُحَمَّدٌ، وَأَنَا أَحْمَدُ، وَأَنَا الْمَاحِي الَّذِي يَمْحُو اللَّهُ بِي الْكُفْرَ، ــ الفصل الأول ٥٧٧٦ - [١] (جبير بن معطم) قوله: (أنا محمد وأنا أحمد) وزيد في بعض الروايات، وقد جاء في أسمائه ﷺ محمود أيضًا، وكل ذلك مشتق من الحمد، فمحمود يدل على مطلق كونه محمود الذات والصفات في الدنيا والآخرة، ومحمد مبني عن صيغة التفعيل المبنية عن التضعيف والتكثير إلى عدد لا ينتهي له الإحصاء، فمحمد هو الذي يحمد حمدًا بعد حمد، ولا يكون مفعل إلا لمن تكرر منه الفعل مرة بعد أخرى. وأحمد على صيغة أفعل المبنية عن الانتهاء إلى غاية ليس وراءها منتهى، فمعنى أحمد: أحمد الحامدين لربه، والأمر كذلك؛ لأنه يفتح عليه في المقام المحمود محامد لم يفتح على أحد قبله فيحمد ربه بها، ولذلك يعقد له لواء الحمد، ويجوز أن يكون أحمد بمعنى المفعول، فهو ﷺ محمود على لسان الأولين والآخرين، وحمده اللَّه في كلامه القديم. وهذا الاسم ذكره به عيسى وموسى ﵉، وأما عيسى فكما في قوله تعالى: ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف: ٦]، وموسى حين قال له ربه: تلك أمة أحمد، فقال: اللهم اجعلني من أمة أحمد، ومحمد (١) ومحمود اسم اللَّه سبحانه

стр. 5436

وَأَنَا الْحَاشِرُ الَّذِي يُحْشَرُ النَّاسُ عَلَى قَدَمَيَّ، وَأَنَا الْعَاقِبُ". وَالْعَاقِبُ: الَّذِي لَيْسَ بَعْدَهُ نَبِيٌّ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٥٣٢، م: ٢٣٥٤]. ٥٧٧٧ - [٢] وَعَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُسَمِّي لَنَا نَفْسَهُ أَسْمَاءً فَقَالَ: "أَنَا مُحَمَّدٌ، وَأَحْمَدُ، وَالْمُقَفِّي، ــ سمى به حبيبه، واشتق منه لحبيبه اسمين: محمدًا وأحمد، وقال حسان بن ثابت: أغر عليه للنبوة خاتم ... من اللَّه من نور يلوح ويشهد وضم الإله اسم النبي إلى اسمه ... إذا قال في الخمس المؤذن أشهد وشق له من اسمه ليجله ... فذو العرش محمود وهذا محمد وقد قيل: إن هذا البيت الأخير لعمه أبي طالب أخرجه البخاري في (تاريخه الصغير) من طريق علي بن زيد ذكره صاحب (المواهب) (١)، واللَّه أعلم. وقد ورد في حديث أنس بن مالك من طريق أبي نعيم: (إن اللَّه سماه بهذا الاسم قبل الخلق بألفي ألفي عام (٢)). وقوله: (وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي) يروى بلفظ الإفراد والتثنية، ومعناه أنا أول من تنشق عنه الأرض، فسمي حاشرًا؛ لأنه لما حشر أولًا تقدم الناس في ذلك كأنه سبب في حشرهم. و (العاقب) الذي يخلف من كان قبله في الخير كالعقوب، وهو في معنى خاتم الأنبياء. ٥٧٧٧ - [٢] (أبو موسى الأشعري) قوله: (والمقفي) صحح بصيغة اسم الفاعل من التقفية، وكل شيء يتبع شيئًا فقد قفاه، فيكون من القفو، والمادة للتأخر والتبعية،

стр. 5437

وَالْحَاشِرُ، وَنَبِيُّ التَّوْبَةِ، وَنَبِيُّ الرَّحْمَةِ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٣٥٥]. ٥٧٧٨ - [٣] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَلَا تَعْجَبُونَ كَيْفَ يَصْرِفُ اللَّهُ عَنِّي شَتْمَ قُرَيْشٍ وَلَعْنَهُمْ؟ يَشْتُمُونَ مُذَمَّمًا، وَيَلْعَنُونَ مُذَمَّمًا، وَأَنَا مُحَمَّدٌ". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٣٥٣٣]. ٥٧٧٩ - [٤] وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدْ شَمِطَ مُقَدَّمُ رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ، ــ ومنه قافية البيت، وقافية الرأس، والقفا: خلف الوجه، فيكون في معنى آخر الأنبياء وخاتمهم، ويكون العاقب والمقفي بمعنى واحد. (ونبي التوبة) أي: تواب كثير التوبة حيث كان يستغفر كل يوم سبعين مرة أو مئة، وفي تحقيق هذا التوبة والاستغفار وجوه أحسنها أنه كان للأمة، ويجوز أن يكون المعنى الذي تاب على يده الناس ما لم يتب على يد أحد من الأنبياء والمرسلين ﷺ وعليهم أجمعين، أو تاب اللَّه عليهم ببركته. (ونبي الرحمة) لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] وقوله: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٣]، وقوله: (أنا رحمة مهداة)، أو تراحم المؤمنون فيما بينهم ببركة ورحمة قوله تعالى: ﴿رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩]. ٥٧٧٨ - [٣] (أبو هريرة) قوله: (يشتمون مذممًا وأنا محمد) كان المشركون يسمون رسول اللَّه ﷺ مذممًا ويشتمونه، فقال رسول اللَّه تعالى ﷺ : (قد دفع اللَّه عني شتمهم فإنه إنما يشتمون مذممًا وأنا محمد). ٥٧٧٩ - [٤] (جابر بن سمرة) قوله: (قد شمط) في (القاموس) (١): الشمط:

стр. 5438

وَكَانَ إِذَا ادَّهَنَ لَمْ يَتَبَيَّنْ، فَإِذَا شَعِثَ رَأْسُهُ تَبَيَّنَ، وَكَانَ كَثِيرَ شَعْرِ اللِّحْيَةِ، فَقَالَ رَجُلٌ: وَجْهُهُ مِثْلُ السَّيْفِ؟ . . . . . ــ بياض الرأس يخالط سواده. وقوله: (وكان إذا ادهن) من الادهان بتشديد الدال، افتعال من دهن بالفتح يدهن بالحركات الثلاث دهنًا ودهنة: بلَّ الشعر وغيره بالدهن بالضم، وقد روي في حديث الترمذي (١) وغيره: (إذا دهن) من الثلاثي، وهما بمعنى واحد. وقوله: (لم يتبين) أي: الأبيض من الشعرات، إما (٢) لأنها عند الادهان تجتمع فكان الأبيض منها لقلته غير متبين، (فإذا شعث) بكسر العين، أي: انتشر شعر رأسه، والشعث محركة في الأصل: انتشار الأمر، يقال: الأشدث للمغبر الرأس، (تبين) البياض ويتميز من السواد، وقيل: منشأ عدم رؤية الشيب إذا ادهن رأسه؛ لأن الشعر حينئذ يكون براقًا لامعًا، وهو سبب الاشتباه ومانع عن الامتياز، وقد جاء في شيب رسول اللَّه ﷺ عن أنس أنه قال: ما عددت في رأس رسول اللَّه ﷺ إلا أربع عشرة شعرة بيضاء (٣)، وعن ابن عمر: إنما كان شيب رسول اللَّه ﷺ نحو من عشرين شعرة بيضاء (٤)، وليس بينهما تخالف؛ لأن أربعة عشر نحو من عشرين. وقوله: (وكان كثير شعر اللحية) كأنه تفسير لما وقع في حديث آخر: (كث اللحية)، وقالوا في تفسيره: أي غير خفيفة اللحية ولا طويلة، وفي (القاموس) (٥):

стр. 5439

قَالَ: لَا بَلْ كَانَ مِثْلَ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ، وَكَانَ مُسْتَدِيرًا، ــ الكث: الكثيف، ورجل كث اللحية كثيفها، ولحية كثة وكثاء، وقوم كُثّ بالضم، ويأتي في (الفصل الثاني): (ضخم الرأس واللحية). وقوله: (لا بل كان مثل الشمس والقمر) أي: كان مثل الشمس في نهاية البهجة والإشراق، ومثل القمر في الحسن والملاحة، شبه الرجل وجهه المبارك بالسيف في الحسن والبريق واللمعان، والسيف قد يوصف بالحسن، ولما كان هذا التشبيه ناقصًا قال جابر: لم يكن مثل السيف بل مثل الشمس، فيكون التشبيه جامعًا بين الصفتين: البريق والميل إلى الاستدارة، والأبهة والجلالة. وقد وقع في حديث الترمذي من البراء بن عازب: لا بل مثل القمر، وفي حديث كعب بن مالك: كأن وجهه قطعة قمر، وقد قيل في حديث البراء: معناه لم يكن مثل السيف، بل لم يكن مثل القمر أيضًا، بل كان أحسن منه، ويؤيده ما جاء في (الفصل الثاني) من حديث جابر بن سمرة: فإذا هو عندي أحسن من القمر، وأما فيما نحن فيه لا يمكن إجراء هذا المعنى لقوله: بل كان مثل الشمس والقمر، ويأتي في حديث أبي هريرة: كأن الشمس تجري في وجهه. وقوله: (وكان مستديرًا) فيه تأكيد لنفي التشبيه بالسيف وإثباته بالشمس والقمر، ولكنه ليس المراد بالاستدارة مثل ما في الشمس والقمر؛ لأنه لم يكن مكلثمًا كما يجيء، بل المراد أنه كان فيه شيء من التدوير مع طول، ولم يكن طويلًا كل الطول، كما هو اللائق بحال الحسن والجمال، وقد ورد أنه ﷺ كان إذا سُرّ فكأنّ وجهه المرآة، وكان الجدر تلاحك وجهه، والملاحكة: شدة الملائمة، أي: يرى شخص الجدر في وجهه، وفي حديث ابن لأبي هالة: يتلألأ وجهه تلالأ القمر ليلة البدر.

стр. 5440

وَرَأَيْتُ الْخَاتَمَ عِنْدَ كَتِفِهِ مِثْلَ بَيْضَةِ الْحَمَامَةِ يُشْبِهُ جَسَدَهُ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٣٤٤]. ــ ومن أسمائه ﷺ البدر، ولذا أنشدوا حين قدم المدينة: طلع البدر علينا ... من ثنيات الوداع ولقد أحسن من قال: كالبدر والكافُ إن أنصفتَ زائدةٌ ... فلا تظنَّنَّها كافًا لتشبيه قال صاحب (المواهب) (١) ﵀: هذه التشبيهات التي وردت في صفاته ﷺ إنما هي على عادة الشعراء والعرب، وإلا فلا شيء في [هذه]، المحدثات [ما] يعادل صفاته الخلقية والخلقية، وللَّه در إمام العارفين سيدي محمد بن وفا: كم فيه للأبصار حسن مدهش ... كم فيه للأرواح راح مسكر سبحان من أنشأه من سبحاته ... بشرًا بأسرار الغيوب يبشر صلى اللَّه عليه وآله وأصحابه وأتباعه أجمعين. وقوله: (رأيت الخاتم عند كتفه مثل بيضة الحمامة يشبه جسده) أي: في اللون والصفاء والنورانية، اعلم أنه كان لرسول اللَّه ﷺ بين كتفيه شيء ناتِ من أجزاء جسده الشريف يسمى خاتم النبوة، إما بكسر التاء فاعل الختم بمعنى الإتمام وبلوغ الآخر، أو بفتحها بمعنى الطابع، ومعناه الشيء الذي هو دليل على أنه لا نبي بعده، وقيل: سبب التسمية بذلك أنه نعت في الكتب المقدمة، فكان علامة يعلم بها أنه النبي المبشر به، وصيانة عن أن يتطرق إليها قدح كالشيء المستوثق عليه بالختم، وكان آية من اللَّه

стр. 5441

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وسرًّا عظيمًا مخصوصًا به ﷺ . وقال الحاكم في (المستدرك) (١) عن وهب بن منبه أنه قال: ولم يبعث اللَّه نبيًّا إلا وقد كانت عليه شامة النبوة في يده اليمنى إلا [أن يكون] نبينا [محمد] ﷺ ، فإن شامة النبوة كانت بين كتفيه، كذا في حواشي (الشمائل) (٢)، وجاء في بعض الروايات أنه غاب بعد وفاة رسول اللَّه ﷺ ، وبغيبوبته عرف موته، ولعلها كانت لتعريفهم موته، أو لأنه لم تبق حاجة إلى إثبات النبوة الآن، أو لسر آخر لا لأن الأنبياء لم يبقوا أنبياء بعد موتهم، فإن مرتبة النبوة والرسالة باقية بعد الموت. وفي (شرح الشيخ): وفي رواية: (كبيضة حمام مكتوب فيه: اللَّه وحده لا شريك له، توجه حيث كنت فإنك منصور)، وفي رواية: (كان نورًا يتلألأ)، والرواة قد ذكروا صورته وظاهر شكله، وشبهوها بأشياء يعرفها الناس، فمنها مثل بيضة الحمامة كما ورد في هذا الحديث، والحمامة واحدة حمام وليست تاؤه للتأنيث. وفي (الصحاح) (٣): هي عند العرب ذوات الأطواق من نحو الفواخت والقماري وأشباه ذلك، وعند العامة أنها الدواجن فقط، وفي (القاموس) (٤): حمام كسحاب: طائر بَرّيٌّ لا يألف البيوت، أو كل ذي طوق. وفي حديث آخر: (غدة حمراء)، والغدة بضم الغين وتشديد الدال: كل عقدة

стр. 5442

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ تكون في الجسد أطاف بها شحم، وكل قطعة صلبة بين العصب، والجمع غدد، والمراد أنه كان شبيهًا بالغدة، وحمراء بمعنى مائلًا إلى الحمرة فلا ينافي كون لون خاتم النبوة كلون بدنه ﷺ ، فهذا رد لمن قال: إنه أسود أو أخضر، كذا في (شرح الشيخ للشمائل). وقد وقع الجمع بين غدة حمراء وبيضة الحمامة بيانًا وتفسيرًا للغدة. وفي حديث آخر: (كزر الحجلة) والزر بتقديم الزاي المكسورة على الراء المشددة: واحد الأزرار التي تكون على جيب القميص، والحجلة بفتح الحاء والجيم واحد الحجال: بيت كالقبة لها أزرار كبار، وهذا ما عليه الجمهور. وعن بعضهم الحجلة: طائر معروف وزرها بيضها، ويؤيده حديث جابر بن سمرة: كبيضة الحمامة، غير أن الزر لم يجع في كلام العرب بمعنى البيض، إلا أن يحمل على الاستعارة تشبيهًا لضها بأزرار الحجال، كذا في بعض شروح (الشمائل). وذكر الخطابي أنه روي بتقديم الراء على الزاي والمراد به البيضة من أرزت الجرادة: إذا غرزت ذنبها في الأرض فباضت، وكذا رزت. وفي حديث آخر للترمذي: (شعرات مجتمعات) (١)، أي: ذو شعرات، وكان عليه الشعرات، فظن الراوي أنه الشعرات، وفي آخر له: (كان في ظهره بضعة ناشزة) (٢)، والبضعة: قطعة من اللحم، و (ناشزة) أي: مرتفعة من جسمه، من النشوز، وهو الارتفاع، والنشزة: مكان مرتفع كالنشاز بالفتح، ومنه: نشوز أحد الزوجين لتعالي أحدهما على الآخر، وأيضًا في حديث: (مثل الجمع حولها خيلان كأمثال

стр. 5443

٥٧٨٠ - [٥] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَرْجِسٍ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَأَكَلْتُ مَعَهُ خُبْزًا وَلَحْمًا -أَوْ قَالَ: ثَرِيدًا- ثُمَّ دُرْتُ خَلْفَهُ فَنَظَرْتُ إِلَى خَاتَمِ النُّبُوَّةِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ عِنْدَ نَاغِضِ كَتِفِهِ الْيُسْرَى، جُمْعًا عَلَيْهِ، ــ الثآليل) (١)، والجمع بضم الجيم وسكون الميم في الأصل بمعنى المجموع، والمراد هنا جمع الكف حين يجمع الأصابع ويضمها، والخيلان بالكسر جمع خال، والثآليل بفتح المثلثة وبالهمزة على وزن مصابيح جمع ثؤلول، وهي غدة الحبة التي تظهر في الجلد مثل حمصة. وفي (القاموس) (٢): الثؤلول كزُنْبور: حلمة الثدي، وَبَثْرٌ صغير صُلبٌ مستدير على صور شتى، وكله من خِلطِ غليظ يابس، بَلْغَمِيٍّ أو سوداويٍّ أو مركب منهما، وهذه كلها بيان لصورته الظاهرة وشكله في رأي العين، ومن دون ذلك سر عظيم مخصوص به ﷺ لم يكن لأحد من الأنبياء والمرسلين، واللَّه أعلم. ٥٧٨٠ - [٥] (عبد اللَّه بن سرجس) قوله: (عند ناغض كتفه اليسرى) الناغض بنون وغين وضاد معجمتين: الكتف، وقيل: عظم رقيق على طرفها، وقيل: أصل العنق، وقال التُّورِبِشْتِي (٣): الناغض: الغضروف، وهو ما لان من العظم، وأكثر ما وقع في الروايات (بين كتفيه)، قال التُّورِبِشْتِي (٤): ولا اختلاف بين القولين، فإنه يحتمل أنه وجد كذلك، والقول الآخر: بين كتفيه لا يقتضي أن يكون بينهما على السواء، بل

стр. 5444

خَيْلَانٌ كَأَمْثَالِ الثَّآلِيلِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٣٤٦]. ٥٧٨١ - [٦] وَعَنْ أُمِّ خَالِدٍ بِنْتِ خَالِدِ بْنِ سَعِيدٍ قَالَتْ: أُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِثِيَابٍ فِيهَا خَمِيصَة سَوْدَاءُ صَغِيرَةٌ فَقَالَ: "ائْتُونِي بِأُمِّ خَالِدٍ" فَأُتِيَ بِهَا تُحْمَلُ، فَأَخَذَ الْخَمِيصَةَ بِيَدِهِ فَأَلْبَسَهَا. قَالَ: "أَبْلِي وَأَخْلِقِي، ثُمَّ أَبْلِي وَأَخْلِقِي"، وَكَانَ فِيهَا عَلَمٌ أَخْضَرُ أَوْ أَصْفَرُ. فَقَالَ: "يَا أُمَّ خَالِدٍ! هَذَا سَنَاهْ" وَهِيَ بِالْحَبَشِيَّةِ: حَسَنَةٌ. قَالَتْ: . . . . . ــ يكون على تفاوت أحد الجانبين، أو كان على السواء وخيّل إليه أنه إلى اليسرى أقرب، وكذلك القول فيمن روى عند كتفه اليمنى. وقوله: (كأمثال الثآليل) بفتح المثلثة ومد الهمزة جمع ثؤلول: الحبوب التي تنبت على البدن أمثال الحمص، وقد يجيء بمعنى حلمة الثدي. ٥٧٨١ - [٦] (أم خالد) قوله: (خميصة) على وزن كريمة: كساء أسود مربع له علمان. وقوله: (فأتي بها تحمل) بلفظ المجهول وكانت صبية. وقوله: (أبلي) من البلى و (أخلقي) من الخلق بمعنى واحد، وكلاهما من باب الإفعال، و (سناه) بسين مفتوحة فنون فالف فهاء السكت، وروي (سنه) بلا ألف ونون خفيفة أو مشددة، وهي بفتح أوله عند الجميع إلا عند القابسي فإنه يكسرها، وروي: (سنه سنه)، و (سناه سناه) مكررًا بالتشديد والتخفيف فيها، كذا في (مجمع البحار) (١)، وقال الكرماني (٢): لقائل أن يمنع كونها عجمية، فلعل أصله حسنة فحذف حاؤه.

стр. 5445

فَذَهَبْتُ أَلْعَبُ بِخَاتَمِ النُّبُوَّةِ فَزَبَرَنِي أَبِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "دَعْهَا". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٥٨٢٣]. ٥٧٨٢ - [٧] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيْسَ بِالطَّوِيلِ الْبَائِنِ، وَلَا بِالْقَصِيرِ، وَلَيْسَ بِالأَبْيَضِ الأَمْهَقِ، وَلَا بِالآدَمِ. . . . . ــ وقوله: (فزبرني) أي: زجرني ومنعني. ٥٧٨٢ - [٧] (أنس) قوله: (ليس بالطويل البائن) أي: المفرط طولًا خارجًا عن الاعتدال، (البائن) اسم فاعل من بأن: إذا ظهر، وهذا يشير إلى أنه قد كان في قده ﷺ طول، والأمر كذلك، فإنه كان مربوعًا مائلًا إلى الطول بالنسبة إلى القصر، وهو الممدوح، وفيه من الحسن والجمال والأبهة ما لا يخفى، وأما ما جاء من: أنه ﷺ كان إذا قام في الجماعة يرى طويلًا في الكل وإن كانوا طوالًا، فليس من جهة الطول بل لسبب العزة والرفعة والعظمة، وفي الحقيقة هو معجزة من معجزاته ﷺ ، وأما القصر فمنفي أصلًا، ولذا لم يقيده بقيد. و (الأبيض الأمهق) الذي لا يخالط حمرة، وليس بنير كالجص كذا في (القاموس) (١)، ويوافقه كلام الجوهري (٢). وقال في (مشارق الأنوار) (٣): هو الخالص البياض الذي لا يشوبه حمرة ولا صفرة، ولا سمرة، ولا إشراق، وقال الخليل: المهق: بياض في زرقة، وقيل: هو مثل بياض البرص، وقد وقع في البخاري في رواية المروزي: (أزهر أمهق)، وهو خطأ، والأمهق غير الأزهر، وجاء في أكثر الروايات: (ليس بالأبيض الأمهق). و (الأدمة)

стр. 5446

وَلَيْسَ بِالْجَعْدِ الْقَطَطِ وَلَا بِالسَّبْطِ، ــ السمرة الشديدة، وهي منزلة بين السواد والبياض، وقال في (القاموس) (١): والأدمة بالضم في الإبل: لون مشرب سوادًا أو بياضًا، أو هو البياض الفاضح، أو في الظباء: لون مشرب بياضًا، وفي الإنسان: السمرة الشديدة، وفي (مختصر النهاية) (٢): الأدمة في الإبل البياض مع سواد المقلتين. وبالجملة اتفقوا على أن الأدمة في الإنسان شدة السمرة، وهو ﷺ كان أسمر لا آدم، وجاء في موسى أنه كان آدم، هذا وقد تكلم في وصفه بالسمرة؛ لأنه قد ثبت أنه كان شديد البياض، وأجيب بأن المراد مشربًا بالسمرة، وهي الحمرة التي كانت تخالط البياض، والعرب يطلق على كل من كان كذلك أسمر، نعم الأدمة أشد منه يضرب إلى السواد، وقيل: السمرة لما ضحى للشمس والريح كالوجه والعنق، وما تحت الثياب فهو الأبيض الخالص، وتعقب بأنه قد ثبت أنه لم يكن للشمس والريح فيه تأثير، وقد ورد: (أنور المتجرد). وقوله: (وليس بالجعد القطط ولا بالسبط) في (القاموس) (٣): الجعد بفتح الجيم وسكون العين من الشعر خلاف السبط، ونقل عن (مطالع الأنوار): الجعد: ضد السبط، وهو الذي فيه رجوع في نفسه ليس باللين في استرساله، فإذا وصف بالقطط كان الشديد الجعودة، كشعور السودان، ومثله في (مشارق الأنوار) (٤)، والقطط بفتح القاف

стр. 5447

بَعَثَهُ اللَّهُ عَلَى رَأْسِ أَرْبَعِينَ سَنَةً، فَأَقَامَ بِمَكَّةَ عَشْرَ سِنِينَ، وَبِالْمَدِينَةِ عَشْرَ سِنِينَ، وَتَوَفَّاهُ اللَّهُ عَلَى رَأْسِ سِتِّينَ سَنَةً، وَلَيْسَ فِي رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ عِشْرُونَ شَعْرَةً بَيْضَاءَ. وَفِي رِوَايَةٍ يَصِفُ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: كَانَ رَبْعَةً مِنَ الْقَوْمِ، لَيْسَ بِالطَّوِيلِ وَلَا بِالْقَصِيرِ، أَزْهَرَ اللَّوْنِ. وَقَالَ: كَانَ شَعْرُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى أَنْصَافِ أُذُنَيْهِ. وَفِي رِوَايَةٍ: بَيْنَ أُذُنَيْهِ وَعَاتِقِهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٥٤٨، م: ٢٣٤٧]. ــ وكسر الطاء أو بفتحها: الشديد الجعودة، والسبط بفتح السين وسكون الباء وفتحها وكسرها: الشعر المترسل، ضد الجعودة. وقوله: (على رأس أربعين سنة) أي: على تمام أربعين وآخرها، وهذا معنى قوله: (على رأس مئة سنة) ومثله، وقد حققناه في موضعه (فأقام) يعني بعد البعثة (عشر سنين)، والأصح أنه أقام بها ثلاث عشرة سنة، وقيل: خمس عشرة، ومن هذا سرى الاختلاف في عمره ﷺ ، وقالوا: من ذكر عشرًا اقتصر على العقد وترك الكسر، ومن ذكر خمس عشرة سنة ذكر عامَي الولادة الوفاة، فتدبر، وقد بين في موضعه. وأما الإقامة بالمدينة فعشر سنين من غير خلاف. و(الربعة) بفتح الراء وسكون الباء: معتدل القامة كما فسره: ليس بالطويل ولا بالقصير، والميل إلى الطول الذي أثبت له ﷺ لا ينافي التوسط والاعتدال بل يحققه، وقد سبق تحقيق هذا اللفظ في (كتاب بدء الخلق) في وصف موسى ﵇. و (الأزهر) الأبيض المستنير، والزهرة بالضم: البياض والحسن، وزهرة الدنيا: بهجتها ونضارتها، والأزهر من اللون: النير والمشرق الوجه. وقوله: (إلى أنصاف أذنيه) قد وردت الأحاديث في شعره ﷺ مختلفة، ففي

стр. 5448

وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ قَالَ: كَانَ ضَخْمَ الرَّأْسِ وَالْقَدَمَيْنِ، لَمْ أَرَ بَعْدَهُ وَلَا قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَكَانَ بَسْطَ الكفَّينِ. وَفِي أُخْرَى لَهُ قَالَ: كَانَ شَثْنَ الْقَدَمَيْنِ وَالْكَفَّيْنِ. [خ: ٥٩٠٧، ٥٩١٠]. ــ رواية: (إلى أنصاف أذنيه)، وفي أخرى: (بين أذنيه وعاتقه)، وفي أخرى: (إلى شحمة أذنيه)، وفي أخرى: (له شعر يضرب منكبيه)، والاختلاف باختلاف الأحوال من الامتشاط والادهان وعدمهما، ونبات الشعر بعد الحلق، وقال في (مجمع البحار) (١): ووجه اختلافات الروايات في قدر شعره ﷺ اختلاف الأوقات، فإذا غفل عن تقصيرها بلغت المنكب، وإذا قصرها كانت إلى أنصاف الأذنين. وقوله: (ضخم الرأس) بسكون الخاء، أي: عظيمه، يعني: ليس بصغير، لا المفرط في العظم، بل المعتدل بينهما. وقوله: (والقدمين) عطف على (الرأس)، وفي رواية: (شثن القدمين) بمعنى الغليظ. وقوله: (لم أر بعده ولا قبله مثله) أي: لم أعلم، أو المراد الرؤية البصرية، وهذه العبارة كناية عن عدم كون أحد مثله. وقوله: (بسط الكفين) بتقديم الموحدة على المهملة، أي: تام الكفين، وفي حديث الملاعنة: (إن جاءت أصغر بسطًا فهو لزوجها)، أي: تام الخلق، ويؤيده ما جاء في رواية: (رحب الراحة)، وقد يروى: (سبط الكفين) بتقديم المهملة على الموحدة بمعنى ألينهما وينافيه قوله: (شثن القدمين والكفين) فسره الأصمعي بالغليظ الأصابع من الكفين والقدمين، وفسره أبو عبيد بالغلظ مع القصر، وتعقب بأنه قد ثبت في وصفه:

стр. 5449

٥٧٨٣ - [٨] وَعَنِ الْبَرَّاءِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَرْبُوعًا، بُعَيْدَ مَا بَيْنَ الْمَنْكِبَيْنِ، لَهُ شَعْرٌ بَلَغَ شَحْمَةَ أُذُنَيْهِ، رَأَيْتُهُ فِي حُلَّةٍ حَمْرَاءَ، لَمْ أَرَ شَيْئًا قَطُّ أَحْسَنَ مِنْهُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ قَالَ: مَا رَأَيْتُ مِنْ ذِي لِمَّةٍ أَحْسَنَ فِي حُلَّةٍ حَمْرَاءَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، شَعْرُهُ يَضْرِبُ مَنْكِبَيْهِ، بَعِيدُ مَا بَيْنَ الْمَنْكِبَيْنِ، لَيْسَ بِالطَّوِيلِ وَلَا بِالْقَصِيرِ. [خ: ٣٥٥١، م: ٢٣٣٧]. ــ (سائل الأطراف)، والظاهر من الحديث أن الكفين والقدمين أنفسهما كانا غليظين، وقد حملوه على ذلك، وقالوا: المراد أنهما كانا يميلان إلى الغلظ والقصر، ويحمد ذلك في الرجال دون النساء، والجمع بين هذا الحديث وبين حديث: (ولا شيئًا كان ألين من كفه ﷺ ): أن اللين في الجلد والغلظ في العظام، فجمع له نعومة البدن وقوته. ٥٧٨٣ - [٨] (البراء) قوله: (بعيد ما بين المنكبين) بفتح الباء وضمها، ويلزم من ذلك الوصف بعريض الصدر. وقوله: (في حلة حمراء) الحلة: إزار ورداء، ولا تسمى حلة إلا أن يكون ثوبين، وقيل: من جنس واحد، وحلة كانت عليه ﷺ من برود اليمن فيه خطوط حمراء، ولذلك سميت حمراء لا أنه كله أحمر، وغلط من توهم ذلك، كذا حققه المحدثون. وقوله: (لم أر شيئًا قط أحسن منه) يعني: هو أحسن من كل شيء، وفي التعبير بشيء مبالغة ما ليس في قوله: رجل. وقوله: (من ذي لمة) اعلم أن لشعر الإنسان ثلاثة أسماء: الجمة بضم الجيم وتشديد الميم، واللمة بكسر اللام وتشديد الميم، والوفرة بفتح الواو وسكون الفاء،

стр. 5450

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فاللمة من الشعر: ما يجاوز شحمة الأذن، فإذا بلغت المنكبين فهو جمة، والوفرة: الشعر إلى شحمة الأذن، ويوافقه ما قال في (المشارق) (١): الجمة أكثر (٢) من الوفرة، وذلك إذا سقطت على المنكبين، والوفرة إلى شحمة الأذن، واللمة بينهما تلم المنكبين. وبالجملة اتفقت عبارات الشارحين في أن الجمة ما بلغت المنكبين، والوفرة إلى شحمة الأذن، واللمة ما جاوزها فهو بين بين، ولكن قال في (القاموس) (٣): الوفرة: الشعر المجتمع على الرأس، أو ما سأل على الأذنين منه، أو ما جاوز شحمة الأذن، ثم الجمة، ثم اللمة. وقد مر في (الفصل الثاني) من (باب الترجل) من حديث عائشة ﵂: كان لرسول اللَّه ﷺ شعر فوق الجمة ودون الوفرة. رواه الترمذي، فيفهم من هذا أنه كان لمة كما في هذا الحديث عن البراء: ما رأيت من ذي لمة أحسن، الحديث، ولكن وقع في حديث الترمذي في (الشمائل) (٤): عظيم الجمة إلى شحمة أذنيه، فقيل: المراد بالجمة هنا الشعر، وقد فسرها في (القاموس) (٥) بمجتمع شعر الرأس، والجم: الكثير من كل شيء، وأيضًا في حديثه: فلا يجاوز شعره شحمة أذنيه، إذًا هو وفرة.

стр. 5451

٥٧٨٤ - [٩] وَعَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ضَلِيعَ الْفَم، أَشْكَلَ الْعَيْنَيْنِ، ــ ٥٧٨٤ - [٩] (سماك بن حرب) قوله: (ضليع الفم) أي: عظيمه، كما فسر في الحديث، وفي بعض شروح (الشمائل): إما أن يريد به سعة الفم؛ إذ العرب يمدح به يعني الرجال، ويذم بصغره، وإما أن يريد به قوة الشفتين، وقيل: عظيم الفم كناية عن الفصاحة، وزاد في حديث جابر: ضليع الفم يفتتح الكلام ويختمه بأشداقه، يعني لسعة فمه. وقوله: (طويل شق العين) بفتح الشين، قال عياض (١): لم يقل سماك في هذا التفسير شيئًا، والوجه فيه ما اتفق عليه أئمة اللغة أنها حمرة في بياض العين يخالطها، وتسمى السُّجْرة أيضًا بالضم، والشهلة: حمرة يخالط سوادها، وهذا قول أبي عبيد وغيره. وقال في (القاموس) (٢): الأشكل: ما فيه حمرة وبياض مختلط، أو ما فيه بياض يضرب إلى الحمرة، ومن الإبل: ما يخلط سواده حمرة، واسم اللون: الشُّكْلَةُ بالضم، ومنه: الشُّكلةُ فِي العين، والشهلة: أن تشرب الحدقة حمرة، وليست خطوطًا كالشكلة، ولكنها قلة سواد الحدقة حتى كأنه يضرب إلى الحمرة، وكان ﷺ أشكل العين، أي: طويل شق العين، انتهى. وفي (الصحاح) (٣): والشكلة: بالضم حمرة في بياض العين، كالشهلة في سوادها، شكل بالتحريك مصدره، وعين شكلاء، ودم أشكل، ورجل أشكل العين:

стр. 5452

مَنْهُوشَ الْعَقِبَيْنِ، قِيلَ لِسِمَاكٍ: مَا ضَلِيعُ الْفَمِ؟ قَالَ: عَظِيمُ الْفَمِ. قِيلَ: مَا أَشْكَلُ الْعَيْنَيْنِ؟ قَالَ: طَوِيلُ شَقِّ الْعَيْنِ. قِيلَ: مَا مَنْهُوشُ الْعَقِبَيْنِ؟ قَالَ: قَلِيْلُ لَحْم الْعَقِبِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٣٣٩]. ٥٧٨٥ - [١٠] وَعَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ أَبْيَضَ مَلِيحًا مُقَصَّدًا. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٣٤٠]. ٥٧٨٦ - [١١] وَعَنْ ثَابِتٍ قَالَ: سُئِلَ أَنَسٌ عَنْ خِضَابِ رَسُول ﷺ فَقَالَ: إِنَّهُ لَمْ يَبْلُغْ مَا يَخْضِبُ، ــ إذا كان فيه بياض وحمرة. وقوله: (منهوش العقبين) في (المشارق) (١): بالسين المهملة، ويقال: بالمعجمة أيضًا، أي: قليل لحمهما، وقيل: هو بالمعجمة ناتئ العقبين معروقهما، وفسر في حديث شعبة بالمهملة قال: قليل لحم العقب، وهما بمعنى متقارب. ٥٧٨٥ - [١٠] (أبو الطفيل) قوله: (مقصدًا) بضم ميم وفتح صاد مهملة مشددة، أي: معتدلًا لا طويلًا، ولا قصيرًا، ولا جسيمًا، ولا نحيفًا، ويحتمل أن يكون المقصد في الأمور كلها، والأول أظهر بالسياق. ٥٧٨٦ - [١١] (ثابت) قوله: (إنه لم يبلغ ما يخضب) أي: كان شيبه قليلًا لا يظهر في بادئ النظر لقلته كما يظهر من سياق الحديث، أو لعدم خلوص البياض كما يكون في ابتداء الشيب، وعليه يحمل ما جاء في حديث آخر: وكان شيبه أحمر أي: لم يبلغ البياض، وقد يحمل على أنه كان يخضب بالحناء، والصحيح عند المحدثين أنه ﷺ

стр. 5453

لَوْ شِئْتُ أَنْ أَعُدَّ شَمَطَاتِهِ فِي لِحْيَتِهِ -وَفِى رِوَايَةٍ: لَوْ شِئْتُ أَنْ أَعُدَّ شَمَطَاتٍ كُنَّ فِي رَأْسِهِ- فَعَلْتُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٨٩٥، م: ٢٣٤١]. وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ قَالَ: إِنَّمَا كَانَ الْبَيَاضُ قِي عَنْفَقَتِهِ، وَفِي الصُّدْغَيْنِ وَفِي الرَّأْسِ نَبْذٌ. ٥٧٨٧ - [١٢] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَزْهَرَ اللَّوْنِ، كأَنَّ عَرَقَهُ اللُّؤْلُؤُ، ــ لم يخضب، واللَّه أعلم. وقوله: (أن أعدّ شمطاته) بفتح الشين والميم، أي: شعراته البيض. وقوله: (والعنفقة) بفتح المهملة وسكون، النون وفتح الفاء والقاف في آخرها، في (القاموس) (١): العنفقة: شعيرات بين الشفة السفلى والذقن. و (الصدغ) بالضم ما بين العين إلى شحمة الأذنين، ويسمى الشعر المتدلي عليه صدغًا أيضًا. و (نبذ) بضم النون وفتح الموحدة، وبفتح وسكون، أي: شيء يسير وشعرات متفرقة. قال الطيبي (٢): (نبذ) مبتدأ و (في عنفقته) خبر، والجملة خبر (كان)، ويحتمل أن يكون خبر (كان) في (عنفقته)، و (نبذ) استئناف بحذف صدره. ٥٧٨٧ - [١٢] (أنس) قوله: (كأن عرقه اللؤلؤ) كأنه من تتمة قوله: (أزهر اللون) في حكم التأكيد والبيان؛ لأن زهرة اللون تؤثر في صفاء العرق، ولذا لم يعطف، وأما ترك العطف في قوله: (إذا مشى تكفأ) فلأنه فصل آخر من الكلام.

стр. 5454

إِذَا مَشَى تَكَفَّأَ، وَمَا مَسِسْتُ دِيبَاجَةً وَلَا حَرِيرًا أَلْيَنَ مِنْ كَفِّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَلَا شَمَمْتُ مِسْكًا وَلَا عَنْبَرَةً أَطْيَبَ مِنْ رَائِحَةِ النَّبِيِّ ﷺ . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٦٥١، م: ٢٣٣٠]. ــ وقوله: (تكفأ) مهموزًا وَغير مهموز، والأصل الهمز ومعناه تقلع، أي: كان يرفع رجله عن قوة وجلادة، ويثبت في مشيه كما هو شأن الأقوياء والشجعان، ولا ينافي ذلك أنه كان سريع المشية؛ لأنه يتابع الخطوات مع التثبت، كذا في بعض شروح (الشمائل). وجاء بمعنى صب الشيء ودفعه، ويفسر التكفأ بالتمايل إلى القدام، ويأتي في (الفصل الثاني) من رواية الترمذي: (كأنما ينحط من صبب)، هذا وقد يفسر التكفأ بالتمايل يمينًا وشمالًا كما تتمايل السفينة، وفي الحديث في صفة حال المؤمن بالبلاء: (كخامة الزرع تتكفؤها الريح)، ومن هنا فسره بعض الشارحين: أي يميل كما يميل الغصن إذا هبت الريح، واللَّه أعلم. وقوله: (وما مسست) بكسر المهملة الأولى على الأفصح، وكذا (شممت) بكسر الميم الأولى، والمضارع بالفتح فيهما، وقد جاء فيهما فتح العين، فالمضارع بضمهما، و (الديباج) بكسر الدال وحكي بفتحها: نوع من الحرير، كذا قال الشيخ (١)، وهو فارسي معرب، والتاء للوحدة، فيكون قوله: (ولا حريرًا) تعميمًا بعد التخصيص. وقوله: (أطيب من رائحة النبي) وفي رواية الترمذي: (ولا شممت مسكًا ولا عطرًا

стр. 5455

٥٧٨٨ - [١٣] وَعَنْ أُمِّ سُلَيْمِ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَأْتِيهَا، فَيَقِيلُ عِنْدَهَا، فَتَبْسُطُ نِطْعًا فَيَقِيلُ عَلَيْهِ، وَكَانَ كَثِيرَ الْعَرَقِ، فَكَانَتْ تَجْمَعُ عَرَقَهُ فَتَجْعَلَهُ فِي الطِّيبِ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "يَا أُمَّ سُلَيْمٍ! مَا هَذَا؟ " قَالَتْ: عَرَقُكَ نَجْعَلُهُ فِي طِيبِنَا، وَهُوَ مِنْ أَطْيَبِ الطِّيبِ. وَفِي رِوَايَةٍ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! نَرْجُو بَرَكَتَهُ لِصِبْيَانِنَا، قَالَ: "أَصَبْتِ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٢٨١، م: ٢٣٣١]. ــ كان أطيب من عرق رسول اللَّه ﷺ ) (١)، وقد كانت الرائحة الطيبة صفته ﷺ وإن لم يمس طيبًا، وقد ذكرنا نبذة منه في (شرح سفر السعادة) (٢). ٥٧٨٨ - [١٣] (أم سليم) قوله: (فتبسط نطعًا) بفتح النون وكسرها مع فتح طاء وسكونها والأول أشهر الأربع: بساط من الأديم، والجمع أنطاع ونطوع، قال التُّورِبِشْتِي (٣): إن أم سليم كانت من محارم النبي ﷺ رضاعًا، وأطال الكلام في إثبات ذلك؛ لأنه ﷺ لم يكن ليقيل في بيت أجنبية. ونقل الطيبي (٤) من (شرح صحيح مسلم): أن أم سليم وأم حرام وهي أخت أم سليم كانتا خالتين لرسول اللَّه ﷺ إما من الرضاع وإما من النسب، فتحل الخلوة بهما، وكان يدخل عليهما خاصة ولا يدخل على من سواهما من النساء، انتهى. ويظهر من هذا أن نساء الأمة معه ﷺ في حكم الأجنبيات، وليس كما اشتهر في الناس أن حكمه

стр. 5456

٥٧٨٩ - [١٤] وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ صَلَاةَ الأُولَى، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى أَهْلِهِ وَخَرَجْتُ مَعَهُ، فَاسْتَقْبَلَهُ وِلْدَانٌ، فَجَعَلَ يَمْسَحُ خَدَّيْ أَحَدِهِمْ وَاحِدًا وَاحِدًا، وَأَمَّا أَنَا فَمَسَحَ خَدَّيَّ، فَوَجَدْتُ لِيَدِهِ بَرْدًا أَو رِيحًا. . . . . ــ معهن حكم الأب مع البنات، هذا وذكر في (المواهب اللدنية) (١) في خصائصه ﷺ إباحة النظر إلى الأجنبيات وجواز الخلوة بهن، ونقل عن (فتح الباري) (٢) أن الذي وضح لنا بالأدلة القوية أن من خصائصه ﷺ جواز الخلوة بالأجنبية والنظر إليها، وتدل عليه قصة أم حرام بنت ملحان في دخوله عليها ونومه عندها، وتفليتها رأسه، ولم يكن بينهما محرمية ولا زوجية، قال العبد الضعيف: وهذا هو الظاهر من الأحاديث الواردة في مجيء النساء إليه ﷺ وسؤالهن عنه إلا أن يحمل مجيئهن مستورة العورات، واللَّه أعلم. ٥٧٨٩ - [١٤] (جابر بن سمرة) قوله: (صلاة الأولى) أي: صلاة الظهر، وقد مرّ في (كتاب مواقيت الصلاة). وقوله: (يمسح خدي) بلفظ التثنية مضافًا إلى (أحدهم). وقوله: (وأما أنا فمسح خدي) مضافًا إلى ياء المتكلم، وفي بعض النسخ: (خدي) بالإفراد. وقوله: (بردًا أو ريحًا) بلفظ (أو) في جميع النسخ، والظاهر أنه من شك الراوي.

стр. 5457

وَذَكرَ حَدِيثَ جَابِرٍ: "سَمُّوا بِاسْمِي" فِي "بَابِ الأَسَامِي". وَحَدِيثُ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ: نَظَرْتُ إِلَى خَاتَمِ النُّبُوَّةِ فِي "بَابِ أَحْكَامِ الْمِيَاهِ". * الْفَصْلُ الثَّانِي: ٥٧٩٠ - [١٥] عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيْسَ بِالطَّوِيلِ وَلَا بِالْقَصِيرِ، ضَخْمَ الرَّأْسِ وَاللِّحْيِةِ شَثْنَ الْكَفَّيْنِ وَالْقَدَمَيْنِ، مُشْرَبًا حُمْرَةً، ضَخْمَ الْكَرَادِيسِ، طَوِيلَ المَسْرُبَةِ، ــ و(الجؤنة) بضم الجيم: ظرف طيب العطار، كذا في (القاموس) (١)، وقال: أصله الهمزة ويليّن. الفصل الثاني ٥٧٩٠ - [١٥] (علي بن أبي طالب) قوله: (مشربًا حمرة) أي: أبيض مختلطًا بياضه بحمرة، وقد وقع في رواية أخرى صريحًا: (أبيض مشرب) بصيغة اسم مفعول من الإشراب، وهو خلط لون بلون، كان أحد اللونين يسقي اللون الآخر، وأشرب بمعنى سقى، وفي بعض النسخ: (مشرب) بالتشديد من التشريب، وهو للتكثير والمبالغة. و(الكراديس) جمع كردوس بالضم: كل عظمين التقيا في مفصل، أراد أنه ضخم الأعضاء. و (المسربة) بفتح الميم وسكون المهملة وضم الراء بعدها موحدة: الشعر وسط الصدر إلى البطن كالسربة بالضم، والسرب بالفتح: الطريق والصدر، وفي (مختصر النهاية) (٢): هو الشعر المستدق من اللَّبَّةِ إلى الستر.

стр. 5458

إِذا مَشَى تَكَفَّأ تَكَفُّؤًا (١) كَأَنَّمَا يَنْحَطُّ مِنْ صَبَبٍ، لَمْ أَرَ قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ مِثْلَهُ ﷺ . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. [ت: ٣٦٣٧]. ٥٧٩١ - [١٦] وَعَنْهُ كَانَ إِذَا وَصَفَ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: لَمْ يَكُنْ بِالطَّوِيلِ الْمُمَغَّطِ، ــ وقوله: (كأنما ينحط من صبب) بفتحتين؛ أي: موضع منحدر، أي: كما ينزل إلى أسفل، ومنه حديث: (حتى إذا انصبت قدماه في بطن الوادي)، أي: انحدرت في المسعى، وحديث الصلاة: (إذا ركع لم يصب رأسه) أي: لم يمله إلى أسفل، ويروى: (كأنما يهوي من صبوب) بالفتح والضم، فبالفتح اسم لما يصب على الإنسان ماء أو غيره كالطهور والغسول، وبالضم جمع صبب، فـ (من) على الفتح زائدة، وعلى الضم ابتدائية، وقيل: الصبب والصبوب: تَصَوَّبُ نهر أو طريق، كذا في (النهاية) (٢)، والمقصود أنه كان يمشي مشيًا قويًّا يرفع رجليه من الأرض رفعًا بائنًا، وقيل: إنه كان يمشي على سبيل التواضع لا على طريق التكبر والاختيال. ٥٧٩١ - [١٦] (وعنه) قوله: (بالطويل الممغط) أي: الطويل البائن كما مر، والرواية المشهورة في (الممغط) بتشديد الميم الثانية وكسر الغين المعجمة، وأصله المنمغط بلفظ اسم الفاعل من الانفعال، ويروى بالعين المهملة، ويروى بفتح غين معجمة اسم مفعول من التفعيل، وهذه الرواية أيضًا يروى بعين مهملة، والمغط والمعط بالمعجمة والمهملة كلاهما بمعنى واحد، وهو المد، قال في (القاموس) (٣) في المهملة:

стр. 5459

وَلَا بِالْقَصِيرِ الْمُتَرَدِّدِ، وَكَانَ رَبْعَةً مِنَ الْقَوْمِ، وَلَمْ يَكُنْ بِالْجَعْدِ الْقَطَطِ وَلَا بِالسَّبْطِ، كَانَ جَعْدًا رَجِلًا، وَلَمْ يَكُنْ بِالْمطَهَّم وَلَا بِالْمُكَلْثَمِ، ــ معطه كمنعه: مده، والسيف: سله، وامعط الحبلُ: انجرد وطال، ومنه الْمُمَّعِط: للبائن الطول، وفي المعجمة: مغط الرامي في قوسه: أغرق، والشيء: مده يستطيله، أو المغط: مد شيء لين، فامتغط وامّغط مشددة، وتمغط البعيرُ: مد يديه شديدًا، والفرسُ: جرى ومد قوائمه، وتمطى في جريه، والنهار: ارتفع، وفي (مختصر النهاية) (١): المعط والمغط بالعين والغين: المد، والممغط بتشديد الميم الثانية: المتناهي الطول، ويقال: بالعين والغين، هذا ولكن (٢) نقل في شروح (الشمائل) عن (جامع الأصول) أن (الممغط) بتشديد الميم والغين المعجمة، والمحدثون يقولونه بتشديد الغين، وهو محل نظر. وقوله: (ولا بالقصير المتردد) أي: المتناهي في القصر، و (المتردد) الداخل بعض أجزائه في بعض قصرًا، كأنه رد بعض خلقه على بعض وتداخلت أجزاؤه. و (الربعة) بفتح الراء وسكون الباء: الرجل بين الطول والقصر، كالمربوع، وقد وقع في الرواية: (كان رجلًا مربوعًا). وقوله: (كان جعدًا) بفتح الجيم وسكون العين. و (رجلًا) بفتح الجيم وكسرها، وقد تسكن، وهو صفة الشعر، أي: بين السبط والقطط، وقد يطلق على الذات، أو يحذف المضاف. وقوله: (ولم يكن بالمطهم ولا بالمكلثم) في (القاموس) (٣): المطهم،

стр. 5460

وَكَانَ فِي الْوَجْهِ تَدْوِيرٌ، أَبْيَضُ مُشْرَبٌ، أَدْعَجُ الْعَيْنَيْنِ، أهدَبُ الأَشْفَارِ، ــ كمعظم: السمين، والنحيف الجسم الدقيقه، ضد، والمدور الوجه المجتمعه، وقال التُّورِبِشْتِي (١): اختلف أهل اللسان في (المطهم)، فمنهم من قال: هو التّام الخلق من كل شيء، فهو بارع الجمال، وهذا قول لا يلائم ما وُصِف ﷺ به من الحسن والجمال، وقال الجوهري (٢): وجه مطهم، أي: مجتمع مدوّر، وقالت طائفة: (المطهم): الفاحش السمن، وقيل: هو المتنفخ الوجه، وهذا القول هو الذي يستقيم عليه سياق الحديث، فالمراد بقوله: (وكان في الوجه تدوير) أنه لم يكن مستديرًا كل الاستدارة؛ بل كان فيه بعض ذلك، هذا محصل كلامه، و (المكلثم) بضم الميم وفتح الكاف وسكون اللام بعده المثلثة، وهو من الوجوه: القصير الحنك الناتئ الجبهة المستدير مع خفة اللحم، وقيل: مع كثرتها، ولما كان هذا أيضًا يتضمن بمعنى التدوير أدرك بقوله: (وكان في وجهه تدوير). و(الدعج) محركة، والدعجة بالضم: شدة سواد العين، وزاد بعضهم في شدة بياضها، وقد يجيء الأدعج بمعنى الأسود، والدعجاء: أول الْمِحَاق، وهو ليلة ثمانية وعشرين. و (أهدب الأشفار) وروي: (هدب الأشفار) أي: طويل شعر الأجفان وكثيرها، وهي جمع شفر بضم أوله، وقد يفتح: شعر العين، وفي (القاموس) (٣): الهدب بالضم وبضمتين: شعر أشفار العين، واحدتها بهاء، ورجل أهدب: كثيره، والشُّفْرُ بالضم: أصل منبت الشعر في الجفن، مذكر ويفتح، وناحية كل شيء كالشفير، والجفن: غطاء العين من أعلى وأسفل، فافهم.

стр. 5461

جَلِيلُ الْمُشَاشِ وَالْكَتَدِ، أَجْرَدُ، ذُو مَسْرُبةٍ، شَثْنُ الْكَفَّيْنِ وَالْقَدَمَيْنِ، إِذَا مَشَى يَتَقَلَّعُ كَأَنَّمَا يَمْشِي فِي صَبَبٍ، وَإِذَا الْتَفَتَ الْتَفَتَ مَعًا، بَيْنَ كَتِفَيْهِ خَاتَمُ النُّبُوَّةِ، وَهُوَ خَاتَمُ النَّبِيِّينَ، أَجْوَدُ النَّاسِ صَدْرًا، ــ و(المشاش) بالضم واحدة مشاشة: رأس العظم الممكن الْمَضْغِ، وقيل: هي رؤوس العظام كالمرفقين والكتفين والركبتين، ولا منافاة بين التفسيرين؛ لأن على رؤوس العظام عظام لينة تسمى الغضروف واسطة التئام العظام باللحم. وقوله: (والكتد) بفتح التاء وكسرها عطف على (المشاش): مجتمع الكتفين، ويسمى الكاهل وهو الكاهل إلى الظهر، كما في حديث: (ننقل التراب على أكتادنا). وقوله: (أجرد ذو مسربة) رجل أجرد: لا شعر على بدنه، ومنه حديث: (أهل الجنة جرد مرد)، وفرس أجرد: قصير الشعر دقيقه، وظاهر هذا الحديث يدل على أنه لم يكن شعر على بدنه ﷺ ما عدا المسربة، وقد ثبت بالأحاديث الأخر أنه كان الشعر في أماكن من بدنه سوى المسربة أيضًا كالساعدين والساقين، وهو المراد هنا بالأجرد، وتوجيهه أن ضد الأجرد الأشعر وهو الذي على جميع بدنه شعر، كذا قالوا. وقوله: (إذا التفت التفت معًا) أراد أنه كان لا يسارق النظر كما هو عادة المتكبرين، وقيل: أراد أنه لا يلوي عنقه يمنة ولا يسرة كما يفعله أهل الطيش والخفة، وقال التُّورِبِشْتِي (١): إنه كان يتوجه بكليته لئلا يخالف بدنه قلبه، وقصده مقصده. وقوله: (أجود الناس صدرًا) أي: قلبًا، وذكر الصدر وهو محل القلب وأراد القلب، أي: كان جوده ﷺ بالرغبة والطبع لا بالتكلف والسمعة والرياء، وقيل: يحتمل أن يكون من الجودة مصدر أجاد: إذا صار جيدًا، فيكون عبارة عن عدم تعلقه بما

стр. 5462

وَأَصْدَقُ النَّاسِ لَهْجَةً، وَأَليَنُهُمْ عَرِيكَةً، وَأَكْرَمُهُمْ عَشِيرَةً، مَنْ رَآهُ بَدِيهَةً هَابَهُ، وَمَنْ خَالَطَهُ مَعْرِفَةً أَحَبَّهُ، ــ سوى اللَّه، كذا في شرح الشيخ. و(اللهجة) بالسكون، وقد يحرك: اللسان، وفي شرح الشيخ ابن حجر على (الشمائل): اللهجة بفتح الهاء: اللسان، وسكونها لغة ضعيفة، كذا في (الديوان)، يريد أنه ﷺ كان لسانه أصدق الألسنة، فيتكلم بمخارج الحروف كما ينبغي بحيث لا يقدر أحد، فافهم. وقوله: (وأكرمهم عشيرة) وفي رواية: (عِشْرة) أي: صحبة، والعشير: الصاحب، وفي (القاموس) (١): العشير: القريب، والصديق، والمعاشر، انتهى. ويقال: بالتاء أيضًا وكأنه للنقل، وفي (الصراح) (٢): قبيلة وتبار مردم. وقوله: (من رآه بديهة هابه) البديهة: المفاجأة، يقال: بدهته بأمر، أي: فجئته من باب علم، وجاء بالفتح أيضًا، والهيبة: المخافة كالمهابة، وهابه يهابه هيبًا ومهابة: خافه، كاهتابه، انتهى. وقد يفرق بين الخوف والهيبة أنَّ الخوف يكون من توقع ضرر كالخوف من العدو والسارق مثلًا، والهيبة ينشأ من العظمة والسطوة كما يكون عن الكبراء والعظماء، ولذا قال: هابه، دون خافه، والنعت: الوصف كالانتعات، كذا في (القاموس) (٣)، وقال: النعت: وصف الشيء بما فيه من حسن، ولا يقال في القبيح، والوصف يجيء

стр. 5463

يَقُولُ ناعِتُهُ: لَمْ أَرَ قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ مِثْلَهُ ﷺ . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٦٣٨]. ٥٧٩٢ - [١٧] وَعَنْ جَابِرٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَسْلُكْ طَرِيقًا فَيَتْبَعُهُ أَحَدٌ إِلَّا عَرَفَ أَنَّهُ قَدْ سَلَكَهُ مِنْ طِيبِ عَرْفِهِ -أَوْ قَالَ: مِنْ رِيحِ عَرَقِهِ-. رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ. [دي: ١/ ٢٠٧، خ: ٦٧]. ٥٧٩٣ - [١٨] وَعَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ قَالَ: قُلْتُ لِلرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذِ بْنِ عَفْرَاءَ: صِفِي لَنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَتْ: يَا بُنَيَّ! لَوْ رَأَيتَهُ رَأَيْتَ الشَّمْسَ طَالِعَةً. رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ. [دي: ١/ ٢٠٤، ٦١]. ٥٧٩٤ - [١٩] وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فِي لَيْلَةِ إِضْحِيَانٍ، فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَإِلَى الْقَمَرِ، وَعَلَيْهِ حُلَّةٌ حَمْرَاءُ، فَإِذَا هُوَ أَحْسَنُ عِنْدِي مِنَ الْقَمَرِ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالدَّارِمِيُّ. [ت: ٢٨١١، دي: ١/ ٢٠٢، ح: ٥٨]. ــ في الحسن والقبيح. وقوله: (يقول ناعته) يريد به: الراوي نفسه، أو المعنى: من أراد أن ينعته فيعجز عن نعت فيقول: (لم أر قبله ولا بعده مثله). ٥٧٩٢ - [١٧] (جابر) قوله: (من طيب عرفه) العرف بفتح المهملة وسكون الراء آخره فاء: الرائحة الطيبة. وقوله: (أو قال: من ريح عرقه) بفتح الراء آخره قاف: رشح جلد الحيوان. ٥٧٩٣ - [١٨] (أبو عبيدة بن محمد) قوله: (رأيت الشمس طالعة) أي: لرأيت منه شمسًا طالعة على سبيل التجريد نحو: لقيت منه أسدًا. ٥٧٩٤ - [١٩] (جابر بن سمرة) قوله: (في ليلة إضحيان) بكسر الهمزة منونًا

стр. 5464

٥٧٩٥ - [٢٠] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: مَا رَأَيْتُ شَيْئًا أَحْسَنَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، كَأَنَّ الشَّمْسَ تَجْرِي فِي وَجْهِهِ، وَمَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَسْرَعَ فِي مَشْيِهِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، كَأَنَّمَا الأَرْضُ تُطْوَى لَهُ، إِنَّا لنجْهِدُ أَنْفُسَنَا وَإنَّهُ لَغَيْرُ مُكْتَرِثٍ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٦٤٨]. ٥٧٩٦ - [٢١] وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: كَانَ فِي سَاقَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حُمُوشَةٌ، وَكَانَ لَا يَضْحَكُ إِلَّا تَبَسُّمًا، وَكنْتُ إِذَا نَظَرْتُ إِلَيْهِ. . . . . ــ أي: مضيئة، وإفعلان مما قلّ في كلامهم، وإنما قال: (عندي) إظهارًا لتلذذه بجماله ﷺ ، فافهم. ٥٧٩٥ - [٢٠] (أبو هريرة) قوله: (إنا لنجهد) بضم النون وفتحها، يقال: جهد دابته وأجهدها. وقوله: (وإنه لغير مكترث) أي: غير مبال. ٥٧٩٦ - [٢١] (جابر بن سمرة) قوله: (حموشة) بضم الحاء المهملة وبالشين المعجمة حموشة الساق: دقتها. وقوله: (وكان لا يضحك إلا تبسمًا) وهذا باعتبار غالب أحواله، فلا ينافي ما جاء في بعض الأحاديث: فضحك رسول اللَّه ﷺ حتى بدت نواجذه، وقد ورد في حديث أبي هالة: ضحكه التبسم، والتبسم: مبادئ الضحك، والضحك: انبساط الوجه حتى تظهر الأسنان من السرور، فإن كان بصوت وكان يسمع بحيث يسمع من بعيد فهو القهقهة وإلا فالضحك، وإن كان بلا صوت فهو التبسم، كذا نقل في (المواهب) (١) عن أهل اللغة.

стр. 5465

قُلْتُ: أَكْحَلُ الْعَيْنَيْنِ، وَلَيْسَ بِأَكْحَلَ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٦٤٥]. * الْفَصْلُ الثَّالِثُ: ٥٧٩٧ - [٢٢] عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَفْلَجَ الثَّنِيَّتَيْنِ، إِذَا تَكَلَّمَ رُئِيَ كَالنُّورِ يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ ثَنَايَاهُ. رَوَاهُ الدَّارمِيُّ. [دي: ١/ ٢٠٣، خ: ٥٩]. ــ وقوله: (قلت: أكحل العينين وليس بأكحل) الظاهر أن المراد ظننت أنه اكتحل، أي: استعمل الكحل في عينيه، والحال أنه لم يكتحل، بل كان كحل في عينه، فإنه قد ورد في صفته ﷺ : (في عينه كحل) بفتحتين، أي: سواد في أجفان العين خلقة، والرجل أكحل وكحيل، فلفظ الحديث لا يخلو عن إشكال، قال في (القاموس) (١): الكحل محركة: أن يعلو منابت الأشفار سواد خلقة، فهو أكحل، انتهى. والمراد ما ذكرنا فلعله جاء أكحل بمعنى المكتحل، واللَّه أعلم. الفصل الثالث ٥٧٩٧ - [٢٢] (ابن عباس) قوله: (أفلج الثنيتين) وجاء في رواية: (مفلج الأسنان)، والمراد منهما الثنايا والثنية، والثنايا من الأسنان الأربعة في مقدم الفم ثنتان من فوق وثنتان من أسفل، والرباعيات اثنتان حولهما، والفلج بالتحريك: تباعد ما بين الأسنان، وقال صاحب (النهاية) (٢): إن الفلج بالتحريك: فرجة بين الثنايا والرباعيات، والفرق: فرجة بين الثنيتين، انتهى. فعلى هذا استعمل (فلج) موضع (فرق)، فتدبر. وقوله: (رئي) بلفظ المجهول على وزن ضرب، (كالنور) أي: شيء مثل النور
следующие страницы →