جَلِيلُ الْمُشَاشِ وَالْكَتَدِ، أَجْرَدُ، ذُو مَسْرُبةٍ، شَثْنُ الْكَفَّيْنِ وَالْقَدَمَيْنِ، إِذَا مَشَى يَتَقَلَّعُ كَأَنَّمَا يَمْشِي فِي صَبَبٍ، وَإِذَا الْتَفَتَ الْتَفَتَ مَعًا، بَيْنَ كَتِفَيْهِ خَاتَمُ النُّبُوَّةِ، وَهُوَ خَاتَمُ النَّبِيِّينَ، أَجْوَدُ النَّاسِ صَدْرًا،
ــ
و(المشاش) بالضم واحدة مشاشة: رأس العظم الممكن الْمَضْغِ، وقيل: هي رؤوس العظام كالمرفقين والكتفين والركبتين، ولا منافاة بين التفسيرين؛ لأن على رؤوس العظام عظام لينة تسمى الغضروف واسطة التئام العظام باللحم.
وقوله: (والكتد) بفتح التاء وكسرها عطف على (المشاش): مجتمع الكتفين، ويسمى الكاهل وهو الكاهل إلى الظهر، كما في حديث: (ننقل التراب على أكتادنا).
وقوله: (أجرد ذو مسربة) رجل أجرد: لا شعر على بدنه، ومنه حديث: (أهل الجنة جرد مرد)، وفرس أجرد: قصير الشعر دقيقه، وظاهر هذا الحديث يدل على أنه لم يكن شعر على بدنه ﷺ ما عدا المسربة، وقد ثبت بالأحاديث الأخر أنه كان الشعر في أماكن من بدنه سوى المسربة أيضًا كالساعدين والساقين، وهو المراد هنا بالأجرد، وتوجيهه أن ضد الأجرد الأشعر وهو الذي على جميع بدنه شعر، كذا قالوا.
وقوله: (إذا التفت التفت معًا) أراد أنه كان لا يسارق النظر كما هو عادة المتكبرين، وقيل: أراد أنه لا يلوي عنقه يمنة ولا يسرة كما يفعله أهل الطيش والخفة، وقال التُّورِبِشْتِي (١): إنه كان يتوجه بكليته لئلا يخالف بدنه قلبه، وقصده مقصده.
وقوله: (أجود الناس صدرًا) أي: قلبًا، وذكر الصدر وهو محل القلب وأراد القلب، أي: كان جوده ﷺ بالرغبة والطبع لا بالتكلف والسمعة والرياء، وقيل: يحتمل أن يكون من الجودة مصدر أجاد: إذا صار جيدًا، فيكون عبارة عن عدم تعلقه بما
стр. 5462
وَأَصْدَقُ النَّاسِ لَهْجَةً، وَأَليَنُهُمْ عَرِيكَةً، وَأَكْرَمُهُمْ عَشِيرَةً، مَنْ رَآهُ بَدِيهَةً هَابَهُ، وَمَنْ خَالَطَهُ مَعْرِفَةً أَحَبَّهُ،
ــ
سوى اللَّه، كذا في شرح الشيخ.
و(اللهجة) بالسكون، وقد يحرك: اللسان، وفي شرح الشيخ ابن حجر على (الشمائل): اللهجة بفتح الهاء: اللسان، وسكونها لغة ضعيفة، كذا في (الديوان)، يريد أنه ﷺ كان لسانه أصدق الألسنة، فيتكلم بمخارج الحروف كما ينبغي بحيث لا يقدر أحد، فافهم.
وقوله: (وأكرمهم عشيرة) وفي رواية: (عِشْرة) أي: صحبة، والعشير: الصاحب، وفي (القاموس) (١): العشير: القريب، والصديق، والمعاشر، انتهى. ويقال: بالتاء أيضًا وكأنه للنقل، وفي (الصراح) (٢): قبيلة وتبار مردم.
وقوله: (من رآه بديهة هابه) البديهة: المفاجأة، يقال: بدهته بأمر، أي: فجئته من باب علم، وجاء بالفتح أيضًا، والهيبة: المخافة كالمهابة، وهابه يهابه هيبًا ومهابة: خافه، كاهتابه، انتهى.
وقد يفرق بين الخوف والهيبة أنَّ الخوف يكون من توقع ضرر كالخوف من العدو والسارق مثلًا، والهيبة ينشأ من العظمة والسطوة كما يكون عن الكبراء والعظماء، ولذا قال: هابه، دون خافه، والنعت: الوصف كالانتعات، كذا في (القاموس) (٣)، وقال: النعت: وصف الشيء بما فيه من حسن، ولا يقال في القبيح، والوصف يجيء
стр. 5463
يَقُولُ ناعِتُهُ: لَمْ أَرَ قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ مِثْلَهُ ﷺ . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٦٣٨].
٥٧٩٢ - [١٧] وَعَنْ جَابِرٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَسْلُكْ طَرِيقًا فَيَتْبَعُهُ أَحَدٌ إِلَّا عَرَفَ أَنَّهُ قَدْ سَلَكَهُ مِنْ طِيبِ عَرْفِهِ -أَوْ قَالَ: مِنْ رِيحِ عَرَقِهِ-. رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ. [دي: ١/ ٢٠٧، خ: ٦٧].
٥٧٩٣ - [١٨] وَعَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ قَالَ: قُلْتُ لِلرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذِ بْنِ عَفْرَاءَ: صِفِي لَنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَتْ: يَا بُنَيَّ! لَوْ رَأَيتَهُ رَأَيْتَ الشَّمْسَ طَالِعَةً. رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ. [دي: ١/ ٢٠٤، ٦١].
٥٧٩٤ - [١٩] وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فِي لَيْلَةِ إِضْحِيَانٍ، فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَإِلَى الْقَمَرِ، وَعَلَيْهِ حُلَّةٌ حَمْرَاءُ، فَإِذَا هُوَ أَحْسَنُ عِنْدِي مِنَ الْقَمَرِ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالدَّارِمِيُّ. [ت: ٢٨١١، دي: ١/ ٢٠٢، ح: ٥٨].
ــ
في الحسن والقبيح.
وقوله: (يقول ناعته) يريد به: الراوي نفسه، أو المعنى: من أراد أن ينعته فيعجز عن نعت فيقول: (لم أر قبله ولا بعده مثله).
٥٧٩٢ - [١٧] (جابر) قوله: (من طيب عرفه) العرف بفتح المهملة وسكون الراء آخره فاء: الرائحة الطيبة.
وقوله: (أو قال: من ريح عرقه) بفتح الراء آخره قاف: رشح جلد الحيوان.
٥٧٩٣ - [١٨] (أبو عبيدة بن محمد) قوله: (رأيت الشمس طالعة) أي: لرأيت منه شمسًا طالعة على سبيل التجريد نحو: لقيت منه أسدًا.
٥٧٩٤ - [١٩] (جابر بن سمرة) قوله: (في ليلة إضحيان) بكسر الهمزة منونًا
стр. 5464
٥٧٩٥ - [٢٠] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: مَا رَأَيْتُ شَيْئًا أَحْسَنَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، كَأَنَّ الشَّمْسَ تَجْرِي فِي وَجْهِهِ، وَمَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَسْرَعَ فِي مَشْيِهِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، كَأَنَّمَا الأَرْضُ تُطْوَى لَهُ، إِنَّا لنجْهِدُ أَنْفُسَنَا وَإنَّهُ لَغَيْرُ مُكْتَرِثٍ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٦٤٨].
٥٧٩٦ - [٢١] وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: كَانَ فِي سَاقَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حُمُوشَةٌ، وَكَانَ لَا يَضْحَكُ إِلَّا تَبَسُّمًا، وَكنْتُ إِذَا نَظَرْتُ إِلَيْهِ. . . . .
ــ
أي: مضيئة، وإفعلان مما قلّ في كلامهم، وإنما قال: (عندي) إظهارًا لتلذذه بجماله ﷺ ، فافهم.
٥٧٩٥ - [٢٠] (أبو هريرة) قوله: (إنا لنجهد) بضم النون وفتحها، يقال: جهد دابته وأجهدها.
وقوله: (وإنه لغير مكترث) أي: غير مبال.
٥٧٩٦ - [٢١] (جابر بن سمرة) قوله: (حموشة) بضم الحاء المهملة وبالشين المعجمة حموشة الساق: دقتها.
وقوله: (وكان لا يضحك إلا تبسمًا) وهذا باعتبار غالب أحواله، فلا ينافي ما جاء في بعض الأحاديث: فضحك رسول اللَّه ﷺ حتى بدت نواجذه، وقد ورد في حديث أبي هالة: ضحكه التبسم، والتبسم: مبادئ الضحك، والضحك: انبساط الوجه حتى تظهر الأسنان من السرور، فإن كان بصوت وكان يسمع بحيث يسمع من بعيد فهو القهقهة وإلا فالضحك، وإن كان بلا صوت فهو التبسم، كذا نقل في (المواهب) (١) عن أهل اللغة.
стр. 5465
قُلْتُ: أَكْحَلُ الْعَيْنَيْنِ، وَلَيْسَ بِأَكْحَلَ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٦٤٥].
* الْفَصْلُ الثَّالِثُ:
٥٧٩٧ - [٢٢] عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَفْلَجَ الثَّنِيَّتَيْنِ، إِذَا تَكَلَّمَ رُئِيَ كَالنُّورِ يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ ثَنَايَاهُ. رَوَاهُ الدَّارمِيُّ. [دي: ١/ ٢٠٣، خ: ٥٩].
ــ
وقوله: (قلت: أكحل العينين وليس بأكحل) الظاهر أن المراد ظننت أنه اكتحل، أي: استعمل الكحل في عينيه، والحال أنه لم يكتحل، بل كان كحل في عينه، فإنه قد ورد في صفته ﷺ : (في عينه كحل) بفتحتين، أي: سواد في أجفان العين خلقة، والرجل أكحل وكحيل، فلفظ الحديث لا يخلو عن إشكال، قال في (القاموس) (١): الكحل محركة: أن يعلو منابت الأشفار سواد خلقة، فهو أكحل، انتهى. والمراد ما ذكرنا فلعله جاء أكحل بمعنى المكتحل، واللَّه أعلم.
الفصل الثالث
٥٧٩٧ - [٢٢] (ابن عباس) قوله: (أفلج الثنيتين) وجاء في رواية: (مفلج الأسنان)، والمراد منهما الثنايا والثنية، والثنايا من الأسنان الأربعة في مقدم الفم ثنتان من فوق وثنتان من أسفل، والرباعيات اثنتان حولهما، والفلج بالتحريك: تباعد ما بين الأسنان، وقال صاحب (النهاية) (٢): إن الفلج بالتحريك: فرجة بين الثنايا والرباعيات، والفرق: فرجة بين الثنيتين، انتهى. فعلى هذا استعمل (فلج) موضع (فرق)، فتدبر.
وقوله: (رئي) بلفظ المجهول على وزن ضرب، (كالنور) أي: شيء مثل النور
стр. 5466
٥٧٩٨ - [٢٣] وَعَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا سُرَّ اسْتَنَارَ وَجْهُهُ، حَتَّى كَأَنَّ وَجْهَهُ قِطْعَةُ قَمَرٍ، وَكُنَّا نَعْرِفُ ذَلِكَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٥٥٦، م: ٢٧٦٩].
٥٧٩٩ - [٢٤] وَعَنْ أَنَسٍ أَنَّ غُلَامًا يَهُودِيًّا كَانَ يَخْدُمُ النَّبِيَّ ﷺ ، فَمَرِضَ فَأَتَاهُ النَّبِيُّ ﷺ يَعُودُهُ، فَوَجَدَ أَبَاهُ عِنْدَ رَأْسهِ يَقْرَأُ التَّوْرَاةَ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يَا يَهُودِيُّ! أَنْشُدُكَ بِاللَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى هَلْ تَجِدُ فِي التَّوْرَاةِ نَعْتِي وَصِفَتِي وَمَخْرَجِي؟ ". قَالَ: لَا. قَالَ الْفتَى: بَلَى وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّا نَجِدُ لَكَ فِي التَّوْرَاة نَعْتَكَ وَصِفَتَكَ وَمَخْرَجَكَ، وَإِنِّي أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِأَصْحَابِهِ: "أَقِيمُوا هَذَا مِنْ عِنْدِ رَأْسهِ وَلُوا أَخَاكُمْ". . . . .
ــ
في الظهور والبيان، أو الكاف زائدة، وهذا أظهر معنى، والضمير في (يخرج) للنور.
٥٧٩٨ - [٢٣] (كعب بن مالك) قوله: (إذا سرّ) بلفظ المجهول من السرور.
وقوله: (قطعة قمر) إنما قال: (قطعة) لقلة استدارته بالنسبة إلى استدارة القمر.
وقوله: (وكنا نعرف ذلك) إشارة إلى أنه كان في غاية الجلاء والظهور.
٥٧٩٩ - [٢٤] (أنس) قوله: (يخدم) من باب نصر وضرب.
وقوله: (نعتي وصفتي) كان أحدهما عبارة عن الخلق بالفتح، والآخر عن الخلق بالضم، والظاهر من المخرج المبعث مصدر ميمي أو ظرف مكان أو زمان، ويمكن أن يراد به الهجرة، والخروج من مكة إلى المدينة، ومجيئهم إليهم.
وقوله: (أقيموا هذا) أي: أخرجوه من عنده، (ولوا أخاكم) (لوا) أمر بلفظ الجمع
стр. 5467
رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي "دَلَائِل النُّبُوَّة". [دلائل النبوة: ٦/ ٢٧٢].
٥٨٠٠ - [٢٥] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "إِنَّمَا أَنَا رَحْمَةٌ مُهْدَاةٌ". رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي "شُعَبِ الإِيمَانِ". [دي: ١/ ١٦٦، ح: ١٥، شعب الإيمان: ٢/ ٥٢٩، ح: ١٣٣٩].
* * *
ــ
المذكر من ولي الأمر، و (لِ) واحد، مثل قِ وقوا، أي: تولوا أمره من التمريض والتجهيز والتكفين.
٥٨٠٠ - [٢٥] (أبو هريرة) قوله: (إنما أنا رحمة مهداة) كقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧]، وفي قوله: (مهداة) تعظيم وتبجيل لنفسه الكريمة، وتشريف وتكريم للأمة؛ لأن الإهداء إنما يكون بشيء نفيس إلى من أريد إكرامه.
تكملة: هذا ما أورده المؤلف من الأحاديث في كمال خلقته وجمال صورته، وفاته أشياء منها ما جاء في وصف بصره وسمعه، فقد جاء عن ابن عباس: كان رسول اللَّه ﷺ يرى بالليل في الظلمة كما يرى بالنهار، وإنه كان يرى من خلفه ما يرى من أمامه، واختلف في أنها بآلة في قفاه، أو بعين رأسه، أو لا بهذا ولا بذاك بل كان بطريق العلم، وفيه كلام طويل ذكر في (المواهب)، وقد ذكرنا طرفًا منه في (باب الإمامة).
وذكر القاضي عياض في (الشفا) (١): أنه ﷺ يرى في الثريا أحد عشر نجمًا، وعند السهيلي: اثني عشر، وقال ﷺ : (إني أرى ما لا ترون، وأسمع ما لا تسمعون، وإني
стр. 5468
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لأسمع أطيط السماء وحق لها أن تئط، ليس فيها موضع أربع أصابع إلا وملك واضع جبهته ساجدًا للَّه تعالى). وفي رواية: (وما فيها موضع شبر إلا وعليه ملك ساجد أو قائم)، وجاء في حديث أبي هالة: (خافض الطرف، نظره إلى الأرض أطول من نظره إلى السماء، جل نظره الملاحظة)، وهي مفاعلة من اللحظ، وهو النظر بشق العين الذي يلي الصدغ، وأما الذي في جانب الأنف فالموق.
وجاء في حديث علي ﵁: (كان رسول اللَّه ﷺ عظيم العينين)، ولعل المراد به ما فسر به بعضهم: (أشكل العين) بطويل شق العين، والمقصود نفي صغرهما وغورهما مما ينافي الحسن والجمال، وهذا هو الضابطة في وصفه وجماله أنه كان في غاية الحسن والاعتدال، وكان رسول اللَّه ﷺ واضح الجبين، مقرون الحاجبين بهذا وصفه علي ﵁، فقال: مقرون الحاجبين، صلت الجبين، أي: واضحة، والقرن: اتصال شعر الحاجبين.
وجاء في وصفه: (رجل حسن الجسم، عظيم الجبهة، دقيق الحاجبين)، وورد: (أزج الحواجب)، وفسر بالقوس، والطويل الوافر الشعر، وورد: من غير قرنٍ بينهما عِرْقٌ يُدِرُّهُ الغضبُ، أي: يمتلئ، وما إذا غضب كالممتلئ الضرع لبنًا إذا أدر. وقوله: (من غير قرن) ينافي رواية: (مقرون الحاجبين)، والأول هو الصحيح في صفته، يعني سوابغ من غير قرن، وقد جاء: (أقنى الأنف)، والقنا في الأنف: طوله ودقة أرنبته مع حدب في وسطه، وفسرها السائل المرتفع وسطه.
وجاء في رواية الترمذي: (أقنى العرنين له نور يعلوه، يحسبه من لم يتأمله أشم)، و (العرنين) بكسر العين وسكون الراء وكسر النون: أعلى الأنف، وجاء: (كث اللحية
стр. 5469
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عظيم الهامة)، وهو في معنى ما في الكتاب: (ضخم الرأس واللحية)، وجاء: (الواضح الخدين وسهل الخدين)، وجاء في حديث ابن أبي هالة فقال: (أشنب مفلج الأسنان)، والشنب: رونق الأسنان وماؤها، وقيل: رقتها وتحديدها، وجاء: (براق الثنايا)، وقال: (كان رسول اللَّه ﷺ أحسن عباد اللَّه شفتين وألطفهم ختم فم)، وقال قائلهم:
بحر من الشهد في فيه مراشفه ... ياقوته صدف فيه جواهره
وعن بعض الصحابة أنه قال: بايعنا رسول اللَّه ﷺ أنا وأمي وخالتي، فلما رجعنا قالت لي أمي وخالتي: يا بني! ما رأينا مثل هذا الرجل أحسن وجهًا، وأنقى ثوبًا، ولا ألين كلامًا، ورأينا كالنور يخرج من فيه.
وأما ريقه ﷺ فقد جاء: أتي بدلو من ماء فشرب من الدلو ثم صب في البئر -أو قال: مج في البئر- ففاح منها مثل رائحة المسك، ولم يكن بئر أعذب منها، وهذا معجزة، وبصقه ﷺ في عين علي وهو أرمد وبرؤه كأن لم يكن به وجع، مشهور، ويأتي في المعجزات إن شاء اللَّه تعالى، ولهذا أمثال مذكورة في موضعه.
وأما فصاحة لسانه، وجوامع كلمه، وبديع بيانه فمما لا يمكن وصفه حتى كان كلامه يأخذ القلوب، ويسلب الأرواح.
وأما صوته فلقد كان أحسن الناس صوتًا وأصدقهم لهجة، فعن أنس قال: ما بعث اللَّه نبيًّا إلا حسن الوجه، حسن الصوت، حتى بعث اللَّه نبيكم ﷺ فبعث حسن الوجه حسن الصوت، وقد كان صوته يبلغ حيث لا يبلغه صوت غيره، فعن البراء: خطبنا رسول اللَّه ﷺ حتى أسمع العواتق في خدورهن، وجاء: خطبنا رسول اللَّه ﷺ بمنى ففتحت أسماعنا -وفي رواية: ففتح اللَّه أسماعنا- حتى إن كنا لنسمع ما يقول
стр. 5470
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ونحن في منازلنا.
وعن أم هانئ: كنا نسمع قراءة النبي ﷺ في جوف الليل عند الكعبة وأنا على عريشي.
وورد: جل ضحكه التبسم، ويفتر عن مثل حب الغمام، أي: يبدي أسنانه ضاحكًا، وحب الغمام: البرد، وورد: إذا ضحك رسول اللَّه ﷺ تلألأ في الجدر، أي: يشرق نوره عليها إشراقًا كإشراق الشمس، كذا فسروه.
وكان بكاؤه ﷺ من جنس ضحكه لم يكن بشهيق ورفع صوت، كما لم يكن ضحكه بقهقهة، ولكن تدمع عيناه حتى تهملان، ويسمع لصدره أزيز كأزير المرجل خصوصًا عند سماع القرآن، وأحيانًا في صلاة الليل.
وقد حفظه اللَّه من التثاؤب، فورد: ما تثاءب النبي قط، وفي رواية: ما تثاءب نبي قط، وجاء في وصفه ﷺ : سائل الأطراف بالمهملة، وفي رواية: شائل الأطراف بالمعجمة، ويروى: سائن بالنون بدل اللام، وفسروه بطويل الأصابع.
وكان منبسط الوجه، ولم ينقبض وجهه حتى مات، وكان أبيض الإبطين، وهذا من خصائصه ﷺ ؛ لأن الإبط من جميع الناس يكون متغير اللون، وزاد القرطبي: ولا شعر عليه، ولم يثبت ذلك، وبياض الإبط لا يستلزم ذلك، وقد ورد في بعض الروايات: نتف إبطيه، واللَّه أعلم.
وجاء: بادن متماسك سواء البطن والصدر، ووصفت بطنه أم هانئ فقالت: ما رأيت بطن رسول اللَّه ﷺ إلا ذكرت القراطيس المثنية بعضها على بعض، وجاء: مفاض البطن، فقيل: واسع البطن، وقيل: مستوى البطن مع الصدر، وجاء عن بعض
стр. 5471
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الصحابة أنه قال: نظرت إلى ظهره كأنه سبيكة فضة، وقد جاء: كان رسول اللَّه ﷺ أبيض، كأنما صيغ من فضة، وكان عريض الصدر، وفي رواية: رحب الصدر، وكان قلبه أنقى القلوب، وأصلحها، وأنورها، وقد غسل مرارًا كما جاء في الأخبار.
وأما جماعه ﷺ فقد كان يدور على نسائه في الليلة الواحدة، وهي إحدى عشرة امرأة، وقد ورد: أنه أعطي قوة ثلاثين، وفي رواية: قوة أربعين، وزاد أبو نعيم عن مجاهد: كل رجل من رجال أهل الجنة، وقد يروى أنه يعطى كل رجل في الجنة قوة مئة، وقد حفظه اللَّه من الاحتلام، فعن ابن عباس ﵄ قال: ما احتلم نبي قط، وإنما الاحتلام من الشيطان، رواه الطبراني (١).
وقد مر: أنه كان شثن القدمين، أي: غليظ أصابعهما، وعن بعض الصحابة أنه قال: رأيت رسول اللَّه ﷺ فما نسيت طول أصبع قدميه السبابة على سائر أصابعه، وكانت خنصره من رجله متظاهرة.
وقد اشتهر على الألسنة أن سبابة النبي ﷺ كانت أطول من الوسطى، قال الحافظ ابن حجر: وهو غلط ممن قاله، وإنما ذلك في أصابع رجليه، وكذا قال السخاوي وبين منشأ غلطه، وقد نقله صاحب (المواهب) (٢)، وورد في حديث ابن أبي هالة عند الترمذي: خمصان الأخمصين مسيح القدمين (٣)، والأخمص من القدم: الموضع الذي لا يلصق بالأرض منها عند الوطء، والخمصان: المبالغ فيه، أي: كان ذلك الموضع
стр. 5472
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
من أسفل قدميه شديد التجافي عن الأرض، وقد ورد في حديث أبي هريرة: كان إذا وطئ بقدمه وطئ بكلها ليس له أخمص، ويوفق بينهما بأنه كان أخمص، ولكن عند وطء القدم يطأ على قدمه كلها. ومسيح القدمين: أي ملساوتان لينتان ليس فيهما تكسر ولا شقاق، فإذا أصابهما الماء نبا عنهما، وورد: أنه كان ﷺ أحسن البشر قدمًا.
أما طوله فقد عرف أنه كان أقرب إلى الطول من القصر، وورد: ليس بالذاهب طولًا، وفوق الربعة، إذا جاء مع القوم غمرهم، رواه عبد اللَّه ابن الإمام أحمد رحمة اللَّه عليهما، وورد: أنه كان ينسب إلى الربعة إذا مشى وحده، ولم يكن على حال يماشيه أحد من الناس ممن ينسب إلى الطول إلا طال ﷺ ، وربما اكتنفه الرجلان الطويلان فيطولهما، فإذا فارقاه نسب إلى الربعة، وهذا معجزة له ﷺ . وجاء في خصائصه: أنه كان إذا جلس يكون كتفه أعلى من جميع الجالسين.
واختلف في سدله الشعر وفرقه، فقيل: كان يسدل موافقة لأهل الكتاب ثم فرق، وكلاهما جائز، وقيل: الفرق أفضل، وقالت أم هانئ: قدم رسول اللَّه ﷺ علينا مكة وله أربع غدائر، والصحيح عند المحدثين أنه ﷺ لم يخضب، ولم يبلغ شيبه الخضاب، وكان رسول اللَّه ﷺ يكثر دهن رأسه، وتسريح لحيته، ولم يحلق رأسه في غير نسك حج أو عمرة، وكان شعره عند أصحابه.
وعن محمد بن سرين قال: قلت لعبيدة: عندنا من شعر النبي ﷺ أصبناه من قبل أنس، قال: لأن يكون عندي شعرة منه أحب إلي من الدنيا وما فيها، وقال في (الشفاء) (١): كث اللحية تملأ صدره، وورد: أنه ﷺ كان يأخذ من لحيته من عرضها
стр. 5473
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وطولها، رواه الترمذي (١) وقال: حديث غريب، وكان يقص شاربه وقال: (من لم يأخذ شاربه فليس منا)، والكلام فيه طويل مذكور في موضعه ولا بأس بترك سباليه فعل ذلك عمر ﵁.
وأما العانة فقد روي أنه كان يطلأها بالنورة. وجاء في حديث أنس: أنه ﷺ كان لا يتنور، وكان إذا كثر شعره حلقه، ولكن سنده ضعيف، وكان يأخذ من شاربه وأظفاره يوم الجمعة، ولم يثبت في كيفيته شيء، وعند البعض في تعيين يوم أيضًا كلام، وكان لا يفارقه سواكه ومشطه، وكان ينظر في المرآة إذا سرح لحيته، وكانت له مكحلة يكتحل منها كل ليلة، ثلاثة في هذه وثلاثة في هذه قبل أن ينام.
وأما مشيه فقد عرف حاله، وأما مشيه مع أصحابه فكانوا يمشون بين يديه وهو خلفهم، وهو معنى ما ورد: كان يسوق أصحابه، ولم يكن له ﷺ ظل في شمس ولا في قمر، رواه الحكيم الترمذي عن ذكوان. وقال ابن سبع: كان ﷺ نورًا، وكان إذا مشى في الشمس والقمر لا يظهر له ظل، وقال: ويشهد له قوله ﷺ في دعائه: (واجعلني نورًا) (٢)، قال العبد الضعيف: عجبا من هؤلاء الأعلام كيف فاتهم: ولا عند سراج، والدليل قائم.
وأما لونه فقد مضى الكلام فيه، واتفقت الروايات على بياضه، قالوا: كان أبيض مليح الوجه، وعند الطبراني: ما أنسى شدة بياضه في شدة سواد الشعر، وقال عمه أبو طالب في مدحه:
стр. 5474
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وأبْيَض يُسْتَسْقَى الغمامُ بوجهه ... ثمال اليَتامى عصمة للأرامِل
وأما طيب ريحه فقد ورد فيه عجائب يتحير العقل فيه.
وأما البول والدم: فقد شربهما بعض الناس فلم يمرض أبدًا، وجاءت فيه أحاديث، وفيها دلالة على طهارة بوله ودمه، وقد ورد: أنه إذا كان أراد أن يتغوط انشقت الأرض وابتلعت بوله وغائطه، وفاحت لذلك رائحة طيبة، ولم يطلع على ما يخرج منه بشر، وقد يروى: ابتلاع الأرض ما يخرج عن الأنبياء ﵈.
وقال الشيخ الحافظ ابن حجر (١): قد تكاثرت الأدلة على طهارة فضلاته ﷺ ، وعد ذلك من خصائصه، فكله حسن وجمال، وكله طهارة ونظافة، وكله فضل وكمال، ﷺ وعلى آله وأصحابه في كل حين وفي كل حال، وهذا نقلته من صفاته ﷺ مما فات المؤلف في هذا الباب، وبعض ذلك وإن كان ذكره في أبواب أخر لكني أردت إيراده متسقًا ومنتظمًا شوقا وغرامًا وتمسكًا واعتصامًا، ولا أخاف في أمثال ذلك من التطويل فأيّ تطويل عند ذكر الحبيب، وهو يصحح العليل ويشفي الغليل، فعلى اللَّه التوكل، وعلى فضله وكرمه التعويل:
أكرمْ بخلقِ نبيٍّ زانهُ خُلُقٌ ... بالحُسْنِ مُشْتَمِلٍ بالبِشْرِ مُتَّسِمِ
كالزَّهرِ فِي تَرَفٍ والبَدْرِ فِي شَرَفٍ ... والبَحْر في كَرَمٍ والدهْرِ فِي هِمَمِ
مُنَّزَّهٌ عن شريكٍ فِي محاسنهِ ... فَجَوْهَرُ الحُسْنِ فِيهِ غيرُ مُنْقَسِمِ
стр. 5475
٣ - باب في أخلاقه وشمائله ﷺ
ــ
٣ - باب في أخلاقه وشمائله ﷺ
ذكر المؤلف في الباب السابق أسماءه وصفاته ﷺ ، وأراد بالصفات ما يتعلق بصورته الظاهرة التي يقال له: الخلق بفتح الخاء، فعقد بابًا في سيرته الباطنة التي تسمى خلقًا بضم الخاء، قال في (القاموس) (١): الخُلق بالضم وبضمتين: السجية، والطبع، والمروءة، والدين، وقال في (النهاية) (٢): وحقيقته أنه صورة الإنسان الباطنة، ونقل صاحب (المواهب) عن الراغب (٣): الخلق والخلق بالفتح والضم في الأصل بمعنى واحد كالشرب والشرب، لكن خص الخلق الذي بالفتح بالهيئات، والصور المدركة بالبصر، وخص الخلق الذي بالضم بالقوى والسجايا المدركة بالبصيرة، انتهى.
وقد اختلف أهو -أي حسن الخلق- غريزة أو مكتسب؟ وتمسك من قال بأنه غريزة بحديث ابن مسعود: (إن اللَّه قسم بينكم أخلاقكم كما قسم أرزاقكم)، الحديث. رواه البخاري (٤).
وقال القرطبي (٥): الخلق جبلة في نوع الإنسان، وهم في ذلك متفاوتون، فمن غلب عليه شيء منها كان محمودًا وإلا فهو مأمور بالمجاهدة فيه حتى يصير محمودًا، وكذا إن كان ضعيفًا فيرتاض صاحبه حتى يقوى، والحق أن للارتياض دخلًا في تهذيب
стр. 5476
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الأخلاق، وليس كما توهم بعضهم أنه لا دخل له فيه، كما في تغير الخلق الظاهر، وإلا لبطلت فائدة الشرائع وبعث الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، لكن ما كان جبليًّا راسخًا في الطبع صَعُبَ تغيره حتى كاد يعد متعذرًا، وإليه الإشارة بقوله ﷺ : (إذا أخبرتم بأن جبلًا زال عن مكانه فصدقوه، وإذا أخبرتم بأن رجلًا زال عن خلقه فلا تصدقوا) (١)، أو كما قال، وما حصل من اعتياد أو صحبة الأشرار فيزول بالرياضة في اعتياد ضده، وملازمة صحبة الأخيار على أن قول القائل: لا يتغير الخلق الظاهر فلا يتغير الخلق الباطن؛ الملازمة ممنوعة، وهو قياس فاسد على أنه قد تتغير الصورة الظاهرة بأسباب وعوارض، فكذا الباطنة، نعم ما رسخ وغلب من الأخلاق والصفات في النفس صَعُبَ إزالتها وتهذيبها مع ما في الطبع والنفس من شدة المزاحمة والمعارضة لأحكام الشرع والعقل، فافهم وباللَّه التوفيق.
والشمائل: جمع شمال بالكسر، وهو الطبع، كذا في (القاموس) (٢)، وفي (شرح الشفا) (٣): الشمائل جمع شمال بكسر الشين، وهو الخلق، وفي (الصراح) (٤): شمال بالكسر: دست جب، وخو وعادت، ويجمع الشمال بمعنى ضد اليمين على أشمل وعلى شمائل أيضًا، كما في قوله تعالى: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا﴾ [النحل: ٤٨]، والشمال بالفتح، وقد يكسر: الريح الذي مهبه بين مطلع الشمس وبنات النعش.
стр. 5477
* الْفَصْلُ الأَوَّلُ:
٥٨٠١ - [١] عَنْ أَنَسٍ قَالَ: خَدَمْتُ النَّبِيَّ ﷺ عَشْرَ سِنِينَ، فَمَا قَالَ لِي: أُفٍّ، وَلَا: لِمَ صَنَعْتَ؟ وَلَا: أَلَّا صَنَعْتَ؟ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٠٣٨، م: ٢٣٠٩].
ــ
الفصل الأول
٥٨٠١ - [١] (أنس) قوله: (خدمت) من باب نصر وضرب.
وقوله: (فما قال) أي: فيما يتعلق بالخدمة (أف) هو صوت يدل على التضجر مما يكره ويستقذر، وقيل: اسم للفعل الذي هو الضجر، وصحح في النسخ بالجر مشددًا منونًا وغير منون، وقال البيضاوي (١): هو مبني على الكسر لالتقاء الساكنين، يعني بين الفائين، وتنوينه في قراءة نافع وحفص للتنكير، وقرأ ابن كثير وابن عامر ويعقوب بالفتح على التخفيف، وقرئ به منونًا ويالضم للإتباع كمنذ منونًا وغير منون، وقال في (القاموس) (٢): لغاتها أربعون، وعدها، وقد جاء الأف بمعنى: قُلامة الظفر، أو وسخه، أو وسخ الأذن، وما رفعته من الأرض من عود أو قصبة، أو الأف: وسخ الأذن، والتُّفُّ: وسخ الظفر، أو الأفُّ معناه: القلة، والتُّفُّ: إتباع، كذا في (القاموس).
وقوله: (لم صنعت؟ ) زجرًا عما صنع.
وقوله: (ولا ألا صنعت؟ ) تحضيضًا على صنعه، يعني مع أنه كان يقع مني التقصير في الخدمة في بعض الأحيان، وأرتكب أمرًا يوجب توجه الاعتراض ما زجرني ووبخني كما يفهم من حديثه في أول (الفصل الثاني)، وفي هذا كمال خلقه وسماحته ﷺ
стр. 5478
٥٨٠٢ - [٢] وَعَنْهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ خُلُقًا، فَأَرْسَلَنِي يَوْمًا لِحَاجَةٍ، فَقُلْتُ: وَاللَّهِ لَا أَذْهَبُ، وَفِي نَفْسِي أَنْ أَذْهَبَ لِمَا أَمَرَنِي بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَخَرَجْتُ حَتَّى أَمُرَّ عَلَى صِبْيَانٍ وَهُمْ يَلْعَبُونَ فِي السُّوقِ، فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدْ قَبَضَ بِقَفَايَ مِنْ وَرَائِي، قَالَ: فَنَظَرْتُ إِلَيْهِ وَهُوَ يَضْحَكُ، فَقَالَ: "يَا أُنَيْسُ! ذَهَبْتَ حَيْثُ أَمَرْتُكَ؟ ". قُلْتُ: نَعَمْ، أَنَا أَذْهَبُ يَا رَسُولَ اللَّهِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٣١٠].
ــ
مع الخدم، قال الطيبي (١) في مدح أنس ﵁: بأنه لم يرتكب أمرًا يتوجه إليه من النبي ﷺ اعتراض، ولا يخفى أنه ليس هذا مما يلائم للمقام، نعم يتضمن مدحه لشفقته وكرمه ﷺ عليه، فافهم.
٥٨٠٢ - [٢] (وعنه) قوله: (فقلت: واللَّه لا أذهب) فإن قلت: كيف قال: لا أذهب، وقد أمره به رسول اللَّه ﷺ ؟ قلت: هذا القول صدر عن أنس في صغره وهو غير مكلف، مع أنه كان صادرًا عنه في الظاهر وفي نفسه أن يذهب الأمر، فلذا لم يؤدبه عليه بل داعبه ورفق به.
وقوله: (حتى أمر) صحح بالنصب والرفع، والنصب أكثر. و (أنيس) تصغير أنس للترحم والشفقة، وإنما قال: نعم، ولم يذهب بعد بناء على العزم، كذا قال الطيبي (٢)، ويمكن أن يقال: أنه فهم أنس من قوله ﷺ : (ذهبت حيث أمرتك؟ ) أن المقصود الأمر بالذهاب أو الاستفهام عن عزمه على الذهاب.
وقوله: (نعم) إجابة لذلك، ولذا قال: (أنا أذهب) بتقريره الحكم وتقويته،
стр. 5479
٥٨٠٣ - [٣] وَعَنْهُ قَالَ: كُنْتُ أَمْشِي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَعَلَيْهِ بُرْدٌ نَجْرَانِيٌّ غَلِيظُ الْحَاشِيَةِ، فَأَدْركَهُ أَعْرَابِيٌّ، فَجَبَذَهُ بِرِدَائِهِ جَبْذَةً شَدِيدَةً، وَرَجَعَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ فِي نَحْرِ الأَعْرَابِيِّ. . . . . .
ــ
فانظر إلى فصاحة أنس، وبلاغته في صغره.
٥٨٠٣ - [٣] (وعنه) قوله: (برد نجراني) البرد بالضم: ثوب مخطط، والجمع أبراد وأبرد وبرود، أكسية يلتحف بها، الواحدة بهاء، ونجران بفتح النون وسكون الجيم: موضع بين الحجاز والشام واليمن، وأثواب نجرانية منسوبة إليه، كذا في (النهاية) (١)، وفي (القاموس) (٢): موضع باليمن، فتح سنة عشر، وموضع قرب دمشق، وموضع بين الكوفة وواسط، وفي (الصحاح) (٣): اسم بلد من اليمن، وفي (المشارق) (٤): رداء نجراني: منسوب إلى نجران، مدينة معلومة أولها وأخرها نون. و (الحاشية) طرف الثوب وغيره.
وقوله: (فجبذه بردائه)، في (القاموس) (٥): الجبذ: الجذب، وليس مقلوبه بل لغة صحيحة، ووهمه الجوهري وغيره.
وقوله: (في نحر الأعرابي) مأخوذ من جعلته في نحر العدو، أي: قبالته وحذائه، والنحر: موضع القلادة من الصدر، أي: استقبله استقبالًا تامًّا على ما كان من عادته
стр. 5480
حَتَّى نَظَرْتُ إِلَى صَفْحَةِ عَاتِقِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَدْ أَثَّرَتْ بِهَا حَاشِيَةُ الْبُرْدِ مِنْ شِدَّةِ جَبْذَتِهِ، ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ! مُرْ لِي مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي عِنْدَكَ، فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ ضَحِكَ، ثُمَّ أَمَرَ لَهُ بِعَطَاءٍ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣١٤٩، م: ١٠٥٧].
٥٨٠٤ - [٤] وَعَنْهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَحْسَنَ النَّاسِ، وَأَجْوَدَ النَّاسِ، وَأَشْجَعَ النَّاسِ، وَلَقَدْ فَزِعَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَانْطَلَقَ النَّاسُ قِبَلَ الصَّوْتِ، فَاسْتَقْبَلَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ قَدْ سَبَقَ النَّاسُ إِلَى الصَّوْت هُوَ يَقُولُ: "لَمْ تُرَاعُوا، لَمْ تُرَاعُوا". . . . .
ــ
الشريفة إذا التفت التفت جميعًا، و (العاتق) موضع الرداء من المنكب، يعني لم يتغير ولم يتأثر من سوء أدبه، وإن أثرت بها حاشية البرد من شدة جبذته، وهذا من عادة جفاة العرب وخشونتهم، وعدم تهذيب أخلاقهم، وقيل: لعله كان من المؤلفة، ولهذا ناداه باسمه ﷺ ، وفيه أن من ولي على قوم لزمه الاحتمال من أذاهم.
٥٨٠٤ - [٤] (وعنه) قوله: (ولقد فزع أهل المدينة) كأنه كان فزعهم من سارق أو عدو، والضمير في (فاستقبلهم) لما يفهم من الكلام السابق، أي: العدو الذين كان الفزع من أجلهم، والضمير في (سبق) للنبي ﷺ ، و (الناس) مفعوله، وفي رواية: (ثم خرج يركض وحده فركب الناس يركضون خلفه).
وقوله: (لم تراعوا لم تراعوا) مرتين بضم التاء والعين: من الروع بمعنى الفزع، و (لم) هنا بمعنى: لا، ويروى: (لن)، قالوا: العرب قد تضع (لم) و (لن) موضع (لا)، نقله الطيبي (١)، فهو خبر أي: لا روع ولا فزع بمعنى الأمر، أي:
стр. 5481
وَهُوَ عَلَى فَرَسٍ لِأَبِي طَلْحَةَ عُرْيٍ مَا عَلَيْهِ سَرْجٌ، وَفِي عُنُقِهِ سَيْفٌ. فَقَالَ: "لَقَدْ وَجَدْتُهُ بَحْرًا". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٦٢٧، م: ٢٣٠٧].
٥٨٠٥ - [٥] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: مَا سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ (١) ﷺ شَيْئًا قَطُّ فَقَالَ: لَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٥٣٤، م: ٢٣١١].
ــ
لا تفزعوا ولا تخافوا.
وقوله: (وهو على فرس لأبي طلحة) يقال له: المندوب، قال القاضي عياض (٢): وكان في أفراسه ﷺ مندوب فلعله صار إليه بعد أبي طلحة، وقال النووي (٣): يحتمل أنهما فرسان اتفقا في الاسم، و (عري) بضم العين وسكون الراء مجرور صفة لفرس.
وقوله: (ما عليه سرج) صفة أخرى وقع بيانًا للصفة الأولى، والضمير في (عنقه) للنبي ﷺ .
وقوله: (لقد وجدته) أي: الفرس (بحرًا) أي: واسع الجري، وزاد في رواية: (وكان الفرس بطيئًا حرونًا)، وفي أخرى: (كان يقطف أو فيه قطاف)، يقال: قطف الفرس في مشيته: إذا تضايق خطوة، وزاد في رواية: فما سبق بعد ذلك اليوم.
٥٨٠٥ - [٥] (جابر) قوله: (فقال: لا) قال الحافظ أبو الفضل ابن حجر (٤): المراد أنه كان لا ينطق بالرد بل إن كان عنده أعطاه إن كان الإعطاء سائغًا وإلا سكت،
стр. 5482
٥٨٠٦ - [٦] وَعَنْ أَنَسٍ: أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ غَنَمًا بَينَ جَبَلَيْنِ، فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ، فَأَتَى قَوْمَهُ فَقَالَ: أَيْ قَوْمِ! أَسْلِمُوا، فَوَاللَّهِ إِنَّ مُحَمَّدًا لَيُعْطِي عَطَاءً مَا يَخَافُ الْفَقْرَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٣١٢].
ــ
وقد ورد بيان ذلك في حديث مرسل لابن الحنفية عند ابن سعد ولفظه: (إذا سئل فأراد أن يفعل قال: نعم، وإذا لم يرد أن يفعل سكت) (١)، وهو قريب من حديث أبي هريرة: (ما عاب طعامًا قط إن اشتهاه أكله وإلا تركه) (٢)، قال الشيخ عز الدين بن عبد السلام: معناه لم يقل: لا، منعًا للعطاء، ولا يلزم من ذلك أن لا يقولها اعتذارًا، كما في قوله تعالى: ﴿قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ﴾ [التوبة: ٩٢]، ولا يخفى الفرق بين قوله: (لا أجد ما أحملكم) وبين لا أحملكم، انتهى. كذا نقل في (المواهب) (٣).
٥٨٠٦ - [٦] (أنس) قوله: (غنمًا بين الجبلين) غنم اسم جنس، أي: غنمًا كثيرًا يملأ ما بين الجبلين.
وقوله: (إن محمدًا ليعطي عطاء ما يخاف الفقر) الرجل لما رأى منه ﷺ شيئًا من جلاله وجماله وما كان يبهر العقول من كماله، ثم رأى مثل هذا السخاء البالغ الجزيل، جاء يأمر القوم بالإسلام والدخول في ربقة طاعته، وأشار إلى أن طاعته تورث سعادة الدنيا والآخرة، وقال الطيبي (٤): وجه دلالة هذا الوجه على وجوب الإسلام أن مقام ادعاء النبوة مع العطاء الجزيل يدل على وثوقه على من أرسله، فافهم.
стр. 5483
٥٨٠٧ - [٧] وَعَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ بَيْنَمَا هُوَ يَسِيرُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَقْفَلَهُ مِنْ حُنَيْنٍ، فَعَلِقَتِ الأَعْرَابُ يَسْأَلُونَهُ حَتَّى اضْطَرُّوهُ إِلَى سَمُرَةٍ، فَخَطَفَتْ رِدَاءَهُ، فَوَقَفَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: "أَعْطُونِي رِدَائِي، لَوْ كَانَ لِي عَدَدَ هَذِهِ الْعِضَاهِ نَعَمٌ لَقَسَمْتُهُ بَيْنَكُمْ، ثُمَّ لَا تَجِدُونِي بَخِيلًا وَلَا كَذُوْبًا وَلَا جَبَانًا". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٢٨٢١].
ــ
٥٨٠٧ - [٧] (جبير بن مطعم) قوله: (مقفله) من القفول بمعنى الرجوع من السفر، وهو مصدر ميمي أو اسم زمان، وعلى الأول الوقت مقدر قبله، كما في قولهم: أتيتك خفوق النجم، وفي (مجمع البحار) (١): هو بضم ميم وفتحها وسكون قاف، فبالفتح مصدر قفل إذا عاد من سفره، وبالضم من أقفل الجيش، يقال: قفلنا وأقفلنا غيرنا وأُقفلنا مجهولًا، انتهى. هذا والأظهر هو الأول وهو الرواية.
وقوله: (فعلقت) أي: تشبثت.
وقوله: (يسألونه) أي: من الأموال. و (السمرة) بفتح السين وضم الميم: نوع من الشجرة معروف، والضمير في (خطفت) للسمرة، و (رداءه) مفعول، خطف الشيء: سلبه، من سمع وضرب، والأول هو الجيد الفصيح.
و(العضاه) بكسرة العين المهملة والضاد جمع عضة كعنب، والعضهة كعنبة: كل شجر ذات شوك أو ما عظم منها أو طال، ولعل المراد عدد أوراق هذه العضاه.
وقوله: (ثم لا تجدوني. . . إلخ)، زيادة في بيان أوصافه الكريمة، وقيل: هو تتميم لما سبق.
стр. 5484
٥٨٠٨ - [٨] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا صَلَّى الْغَدَاةَ جَاءَ خَدَمُ الْمَدِينَةِ بِآنِيَتِهِمْ فِيهَا الْمَاءُ، فَمَا يَأْتُونَ بِإِنَاءٍ إِلَّا غَمَسَ يَدَهُ فِيهَا، فَرُبَّمَا جَاؤُوهُ بِالْغَدَاةِ الْبَارِدَةِ فَيَغْمِسُ يَدَهُ فِيهَا. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٣٢٤].
٥٨٠٩ - [٩] وَعَنْهُ قَالَ: كَانَتْ أَمَةٌ مِنْ إِمَاءِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ تَأْخُذُ بِيَدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَتَنْطَلِقُ بِهِ حَيْثُ شَاءَتْ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٦٠٧٢].
٥٨١٠ - [١٠] وَعَنْهُ: أَنَّ امْرَأَةً كَانَتْ فِي عَقْلِهَا شَيْءٌ فَقَالَت: يَا رَسُولَ اللَّه! إِنَّ لِي إِلَيْكَ حَاجَّةً، فَقَالَ: "يَا أُمَّ فُلَانٍ! انْظُرِي أَيَّ السِّكَكِ شِئْتِ حَتَّى أَقْضِيَ لَكِ حَاجَتَكِ". فَخَلَا مَعَهَا فِي بَعْضِ الطُّرُقِ حَتَّى فَرَغَتْ مِنْ حَاجَتِهَا. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٣٢٦].
ــ
٥٨٠٨ - [٨] (أنس) قوله: (صلاة الغداة) أراد صلاة الفجر. و (الخدم) بفتحتين جمع خادم.
وقوله: (إلا غمس يده فيها) لشفائهم أو تبركهم، وتقييد الغداة بالباردة لبيان مشقتهم في طلب البركة منه ﷺ ، أو لبيان تطييبه ﷺ قلوبهم، وغمسه يده في الماء البارد لأجلهم، وهذا هو الظاهر.
٥٨٠٩ - [٩] (وعنه) قوله: (كانت أمة) الظاهر أن (كان) هنا ليس للاستمرار، وهو المختار عند المحققين من شراح الأحاديث، وكأنّ المراد ربما كانت أمة، واللَّه أعلم.
٥٨١٠ - [١٠] (وعنه) قوله: (كانت في عقلها شيء) أي: من الفتور والنقصان، بيان للواقع، أو إشارة إلى سبب شفقته ﷺ عليها ورعاية جانبها، أو إلى علة جرأتها على ذلك القول، وتكليفها رسول اللَّه ﷺ بذلك، وفيه غاية تواضعه ﷺ ، وفي بعض
стр. 5485
٥٨١١ - [١١] وَعَنْهُ قَالَ: لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَاحِشًا وَلَا لَعَّانًا وَلَا سَبَّابًا،
ــ
(شروح الشمائل): إن فيه جواز جلوس الرجل مع الأجنبية، والخلوة معها لضرورة الحاجة، انتهى. إن أراد جوازه لغير رسول اللَّه ﷺ فهو محل نظر لجواز اختصاصه به ﷺ ، وقد مرّ الكلام فيه في حديث أم سليم في الفصل الأول من (باب أسمائه وصفاته)، اللهم إلا عند الأمن من فتنة.
٥٨١١ - [١١] (وعنه) قوله: (فاحشًا ولا لعانًا ولا سبابًا) الفحش: العدوان في الجواب، والتجاوز عن الحد في الكلام، ومنه قوله ﷺ لعائشة: (لا تقولي ذلك، فإن اللَّه لا يحب الفحش)، وفي رواية: (لا تكوني فاحشة)، ويجري أكثر ذلك في ألفاظ الوقاع وما يتعلق به، فإن لأهل الفساد في ذلك عبارات صريحة فاحشة، وأهل الصلاح يعرضون له ويكنون عنه، بل ينبغي الكناية من البول والتغوط لقضاء الحاجة، ونحوه، وقد يكون الفحش بمعنى الزيادة والكثرة، ومنه حديث: (دم البراغيث إن لم يكن فاحشًا فلا بأس به) (١)، والفاحشة يجيء بمعنى الزنا والمعصية.
و(اللعن) الطرد والتبعيد من رحمة اللَّه، في (القاموس) (٢): لعنه كمنعه: طرده، وأبعده، فهو لعين وملعون، وفي (المشارق) (٣): كانت العرب إذا تمرد منهم مارد، وحذروا من جرائره عليهم، طردوه عنهم وتبرؤوا منه، وسموه اللعين، وكذلك في حق اللَّه تعالى، واللعن من اللَّه تعالى الإبعاد والطرد، ومن الخلق السب والدعاء، واللعن
стр. 5486
كَانَ يَقُولُ عِنْدَ الْمَعْتَبَةِ: "مَا لَهُ تَرِبَ جَبِينُهُ؟ ". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٦٠٣١].
ــ
لمن لا يستحقه من المعاصي الشديدة، وبالكثرة يصير كبيرة، واتفقوا على تحريمه لمعين مسلمًا كان أو كافرًا، ولا يحرم لموصوف كلعن آكل الربا والظالمين والكافرين، ومن انتمى إلى غير أبيه أو آوى محدثًا.
وقد وقع في الحديث: (إنما أنا بشر فأي المسلمين سببته ولعنته فاجعل ذلك رحمة) (١)، أو كما قال، وهذا مقيد بأنه ليس من أهل اللعنة، كما صرح به في بعض الروايات، وإنما لعنه لظاهر حالة الموجب للّعن، ولم يكن كذلك عند اللَّه تعالى، أو يكون مما جرت به العادة بدون قصد الدعاء، نحو: تربت يداك، وقد لعن رسول اللَّه ﷺ بعض من استحقه خصوصًا وعمومًا، لكن ينبغي أن يعلم أن اللعن على نوعين: أحدهما: الطرد والإبعاد من رحمة اللَّه تعالى ودخول الجنة، وهو الموجب للعذاب، وهو مخصوص بالكفار، وثانيهما: الطرد عن نيل درجة السابقين ودخول الجنة معهم، ولا يختص هذا بالكفار، وبهذا التحقيق تنحل كثير من الإشكالات كما لا يخفى على المتتبعين، فإن قلت: بناء فعّال للتكثير أو للمبالغة، فنفيه لا يستلزم نفي أصل الفحش واللعن والسب؟ قلت: لما كانت هذه الفعال ممن هو متصف بها تقع بطريق الكثرة والمبالغة نفى على ذلك الطريق، فافهم. و (المعتبة) بفتح الميم وسكون المهملة وكسر المثناة، ويجوز فتحها بعدها باء، مصدر عتب كالمظلمة من ظلم.
وقوله: (ما له ترب جبينه؟ ) على نحو: تربت يداه ورغم أنفه، وذلك دعاء عليه بالذل والمسكنة مع احتمال الدعاء له أيضًا بمعنى سجد للَّه وجهه.
стр. 5487
٥٨١٢ - [١٢] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! ادْعُ عَلَى الْمُشْرِكِينَ. قَالَ: "إِنِّي لَمْ أُبْعَثْ لَعَّانًا، وَإِنَّمَا بُعِثْتُ رَحْمَةً". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [٢٥٩٩].
٥٨١٣ - [١٣] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ أَشَدَّ حَيَاءً مِنَ الْعَذْرَاءِ فِي خِدْرِهَا، فَإِذَا رَأَى شَيْئًا يَكْرَهُهُ عَرَفْنَاهُ فِي وَجْهِهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٥٦٢، م: ٢٣٢٠].
٥٨١٤ - [١٤] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ مُسْتَجْمِعًا قَطُّ ضَاحِكًا. . . . .
ــ
٥٨١٢ - [١٢] (أبو هريرة) قوله: (وإنما بعثت رحمة) إما للمؤمنين فظاهر، وإما للكافرين فلرفع العذاب عنهم في الدنيا بوجوده، ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ [الأنفال: ٣٣].
٥٨١٣ - [١٣] (أبو سعيد الخدري) قوله: (من العذراء) وهي البكر وجمعه العذاري، و (الخدر) بكسر الخاء المعجمة وسكون الدال المهملة: ستر يمد للجارية في ناحية البيت، وكل ما واراك من بيت ونحوه، والجمع الخدور والأخدار، وفي (النهاية) (١): ناحية في البيت يترك عليها ستر فتكون فيه البكر.
وقوله: (عرفناه في وجهه) أي: لم يتكلم بكراهته لحيائه، بل يتغير وجهه فيفهم كراهته.
٥٨١٤ - [١٤] (عائشة) قوله: (مستجمعًا قط ضاحكًا) أي: ضحكًا، وهو تمييز،
стр. 5488
حَتَّى أَرَى مِنْهُ لَهَوَاتِهِ، وَإِنَّمَا كَانَ يَتَبَسَّمُ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٦٠٩٢].
٥٨١٥ - [١٥] وَعَنْهَا قَالَتْ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَم يَكُنْ يَسْرُدُ الْحَدِيثَ كَسَرْدِكُمْ، كَانَ يُحَدِّثُ حَدِيثًا لَوْ عَدَّهُ الْعَادُّ لأَحْصَاهُ. مُتَّفقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٥٦٨، م: ٢٤٩٣].
٥٨١٦ - [١٦] وَعَنِ الأَسْوَدِ قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ: مَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَصْنَعُ فِي بَيْتِهِ؟ قَالَتْ: كَانَ يَكُونُ. . . . .
ــ
ويحتمل الحال، أي: ضاحكًا كل الضحك، استجمع السيل: اجتمع من كل موضع، و (اللهواة) جمع لهاة بالفتح: وهي اللحمة التي بأعلى الحنجرة من أقصى الفم.
٥٨١٥ - [١٥] (وعنها) قوله: (لم يكن يسرد الحديث) السرد: الخرز في الأديم، ونسج الدرع، وجَوْدَة سياق الحديث، ومتابعة الصوم، كذا في (القاموس) (١)، وفي (المشارق) (٢) في حديث: (أسرد الصيام) أي: أواليه وأتابعه، ومنه قوله تعالى: ﴿وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾ [سبأ: ١١] أي: في متابعة الخلق شيئًا بعد شيء حتى تتناسخ، ومنه: فلان يسرد الحديث، ومنه قول عائشة: لم يكن رسول اللَّه ﷺ يسرد الحديث كسردكم، أي: لم يكن حديثه متتابعًا بحيث يأتي بعضه إثر بعض، فيلتبس على المستمع، بل يوضحه ويفصله بحيث لو أراد السامع عده أمكنه.
٥٨١٦ - [١٦] (الأسود) قوله: (كان يكون) في (كان) ضمير شأن، أو
стр. 5489
فِي مَهْنَةِ أَهْلِهِ -تَعْنِي خِدْمَةَ أَهْلِهِ- فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ خَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٦٧٦].
٥٨١٧ - [١٧] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: مَا خُيِّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ أَمْرَيْنِ قَطُّ إِلَّا أَخَذَ أَيْسَرَهُمَا مَا لَمْ يَكُنْ إِثْمًا، فَإِنْ كَانَ إِثْمًا كَانَ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنْهُ،
ــ
الثاني زائدة.
وقوله: (في مهنة أهله) أي: خدمتهم، والمهنة بفتح الميم وكسرها، ونقل عن الأصمعي: أنه أنكر الكسر، كذا نقل في (النهاية) (١)، وفي (القاموس) (٢): المهنة بالكسر وبالفتح والتحريك، وككلمة: الحِذْقُ بالخدمة والعمل، مهثه كمنعه مهنًا، ومهنة ويكسر: خدمه، انتهى.
وفي الحديث: (ما على أحدكم لو اشترى ثوبين ليوم جمعته سوى ثوبي مهنته) (٣) أي: بذلته وخدمته، والمراد هنا أنه كان في خدمة أهله كحلب شاة، وتفلية ثوب، وخصف نعل، وفيه: أن خدمة الدار وأهلها سنة عباد اللَّه الصالحين.
وقوله: (تعني خدمة أهله) هذا التفسير من قول الراوي عن شعبة، ورووه جماعة بدونه، وفي رواية: تعني بالمهنة خدمة أهله.
٥٨١٧ - [١٧] (عائشة) قوله: (ما خير) بلفظ المجهول في التخيير، قال
стр. 5490
وَمَا انْتَقَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِنَفْسِهِ فِي شَيْءٍ قَطُّ. . . . .
ــ
الشيخ (١): أبهم فاعل (خير) ليكون أعم من أن يكون من قبل المخلوقين أو من قبل اللَّه تعالى، لكن التخيير بين ما فيه إثم وما ليس فيه إثم من قبل اللَّه تعالى مشكل، إلا إذا حملناه على ما لا يفضي إلى الإثم، فذلك يمكن بأن يخير بين أن يفتح عليه من كنوز الأرض ما يخشى من الاشتغال به أن لا يتفرغ للعبادة، وبين أن [لا] يؤتيه من الدنيا إلا الكفاف، فالإثم على هذا أمر نسبي لا يراد منه [معنى] الخطيئة لثبوت العصمة، هذا كلام الشيخ.
وفي (مجمع البحار) (٢): إن كان التخيير من الكفار والمنافقين فكون أحدهما إثمًا ظاهر، وإن كان من المسلمين فمعناه ما لم يؤد إلى إثم كالتخيير في الاجتهاد والاقتصاد، فإن المجاهدة بحيث يفضي إلى الهلاك لا يجوز، وقيل: هو إما تخيير من اللَّه فيما فيه عقوبتان، أو فيما بينه وبين الكفار من القتال وأخذ الجزية، أو في حق اللَّه من المجاهدة في العبادة والاقتصاد.
وقوله: (وما انتقم رسول اللَّه ﷺ ) قال الشيخ (٣): أي ما انتقم لحاجة نفسه فلا يرد أمره بقتل عقبة بن أبي معيط وعبد اللَّه بن خطل وغيرهما ممن كان يؤذي رسول اللَّه ﷺ لأنهم كانوا مع ذلك ينتهكون حرمات اللَّه، وقيل: ذلك في غير السبب الذي يفضي إلى الكفر، وقيل: يختص ذلك بالمال، وأما العرض فقد اقتص ممن يأتي منه.
стр. 5491
إِلَّا أَنْ يُنْتَهَكَ حُرْمَةُ اللَّهِ فَيَنْتَقِمُ لِلَّهِ بِهَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٥٦٠، م: ٢٣٢٧].
٥٨١٨ - [١٨] وَعَنْهَا قَالَتْ: مَا ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِنَفْسِهِ شَيْئًا قَطُّ بِيَدِهِ، وَلَا امْرَأَةً وَلَا خَادِمًا، إِلَّا أَنْ يُجَاهِدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَمَا نِيلَ مِنْهُ شَيْءٌ قَطُّ، فَيَنْتَقِمُ مِنْ صَاحِبِهِ إِلَّا أَنْ يُنْتَهَكَ شَيْءٌ مِنْ مَحَارِمِ اللَّهِ فَيَنْتَقِمُ لِلَّهِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٣٢٨].
ــ
وقوله: (إلا أن ينتهك) استثناء منقطع إلا أن يراد بقوله أعم من أن يكون في ضمنه انتهاك حرمة اللَّه، و (ينتهك) على لفظ المجهول افتعال من النهك، والنهك في الأصل: الغلبة، نهكه: غلبه، ومن الطعام: بالغ في أكله، وعرضه: بالغ في شتمه، كذا في (القاموس) (١)، وفي (مختصر النهاية) (٢): انتهك، أي: بالغ في خرق محارم الشرع، أي: فعل ما حرم اللَّه.
٥٨١٨ - [١٨] (وعنها) قوله: (ما ضرب. . . شيئًا) أي: مما يعد ضربه إيذاء وإيلامًا، وفي ذكر الشيء مبالغة.
وقوله: (ولا امرأة ولا خادمًا) تخصيص بعد تعميم، وقد قتل ﷺ أبي بن خلف.
وقوله: (وما نيل منه شيء قط) أي: ما أصابه شيء قط من أحد مما يضره، يقال: نلته أنيله وأناله نيلًا: أصبته، والضمير في (صاحبه) للشيء، وهو أحسن من أن يجعل له ﷺ .
وقوله: (فينتقم) بالنصب عطفًا على أن ينتهك.
стр. 5492
* الْفَصْلُ الثَّانِي:
٥٨١٩ - [١٩] عَنْ أَنَسٍ قَالَ: خَدَمْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا ابْنُ ثَمَانِ سِنِينَ، خَدَمْتُهُ عَشْرَ سِنِينَ، فَمَا لَامَنِي عَلَى شَيْءٍ قَطُّ أُتِيَ فِيهِ عَلَى يَدَيَّ، فَإِنْ لَامَنِي لَائِمٌ مِنْ أَهْلِهِ قَالَ: "دَعُوهُ، فَإِنَّهُ لَوْ قُضِيَ شَيْءٌ كَانَ". هَذَا لَفَظُ "الْمَصَابِيحِ": وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي "شُعَبِ الإِيمَانِ". مَعَ تَغْيِيرٍ (١). [شعب: ٥٧٧٢].
ــ
الفصل الثاني
٥٨١٩ - [١٩] (أنس) قوله: (خدمت) أي: دخلت في خدمته، فإنه ﵁ كان ابن ثمان حين هاجر رسول اللَّه ﷺ المدينة، فجاءت به أمه ليخدمه ﷺ ، فخدمه عشر سنين، وهي مدة إقامته ﷺ بالمدينة.
وقوله: (أتي فيه) صفة (شيء)، و (فيه) نائب مناب الفاعل وضميره لشيء، و (أتي) بمعنى أهلك وأتلف، قال في (القاموس) (٢): أتى عليه الدهر: أهلكه، فيكون المعنى ما لامني على شيء تلف وهلك على يدي، وقيل: ضمن أتي معنى عيب وطعن، فافهم.
وقوله: (فإنه لو قضي شيء كان) بيان سبب ترك الملامة على هلاك شيء؛ فإنه إنما هلك بقضاء اللَّه وقدره، وهذا كما ورد في خبر آخر: (لا تضربوا إماءكم على كسر الأواني، فإن لكل شيء أجلًا) (٣)، أو كما قال.
стр. 5493
٥٨٢٠ - [٢٠] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَاحِشًا وَلَا مُتَفَحِّشًا وَلَا سَخَّابًا فِي الأَسْوَاقِ، وَلَا يَجْزِي بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ، وَلَكِنْ يَعْفُو وَبَصْفَحُ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٠١٦].
٥٨٢١ - [٢١] وَعَنْ أَنَسٍ يُحَدِّثَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يَعُودُ المَرِيْضَ، وَيَتْبَعُ الْجِنَازَةَ، وَيُجِيبُ دَعْوَةَ الْمَمْلُوكِ، وَيَرْكَبُ الْحِمَارَ، لَقَدْ رَأَيْتُهُ يَوْمَ خَيْبَرَ عَلَى حِمَارٍ خِطَامُهُ لِيفٌ. رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي "شُعَبِ الإِيمَانِ". [جه: ٤١٧٨، شعب: ٧٨٤١].
٥٨٢٢ - [٢٢] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَخْصِفُ نَعْلَهُ، وَيَخِيطُ ثَوْبَهُ، وَيَعْمَلُ فِي بَيْتِهِ كَمَا يَعْمَلُ أَحَدُكُمْ فِي بَيْتِهِ، وَقَالَتْ: كَانَ بَشَرًا مِنَ الْبَشَرِ،
ــ
٥٨٢٠ - [٢٠] (عائشة) قوله: (فاحشًا ولا متفحشًا) الفاحش: ذو الفحش في كلامه بأن يكون ذلك عادته وديدنه، والمتفحش: من يتكلفه ويتعمده، أي: لم يكن الفحش له جبليًا ولا كسبيًا، و (السخاب) شديد الصوت، وقد مرّ شرحه في الفصل الأول من (كتاب فضائله).
٥٨٢١ - [٢١] (أنس) قوله: (ويركب الحمار) فيه بيان تواضعه، وترك تكلفه، ونفي الكبر كما هو شأن الملوك والجبابرة.
٥٨٢٢ - [٢٢] (عائشة) قوله: (يخصف نعله) خصف النعل يخصفها: خرزها، وأصله الضم، والجمع.
стр. 5494
يَفْلِي ثَوْبَهُ، وَيَحْلُبُ شَاتَهُ، وَيَخْدُمُ نَفْسَهُ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٢٥].
٥٨٢٣ - [٢٣] وَعَنْ خَارِجَةَ بْنِ زيدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: دَخَلَ نَفَرٌ عَلَى زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ فَقَالُوا لَهُ: حَدِّثْنَا أَحَادِيثَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: كُنْتُ جَارَهُ، فَكَانَ إِذَا نزَلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ بَعَثَ إِلَيَّ فَكَتَبْتُهُ لَهُ، فَكَانَ إِذَا ذَكَرْنَا الدُّنْيَا ذَكَرَهَا مَعَنَا، وَإِذَا ذَكَرْنَا الآخِرَةَ ذَكَرَهَا مَعَنَا، وَإِذَا ذَكَرْنَا الطَّعَامَ ذَكَرَهُ مَعَنَا، فَكُلُّ هَذَا أُحَدِّثُكُمْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٢٦].
ــ
وقوله: (يفلي ثوبه) في (القاموس) (١): فلا رأسه يفلي: بحثه عن القمل، وكذلك في (الصحاح) (٢)، وغيره بهذا فسروه، ولكن نقل في (المواهب) عن بعض العلماء: لم يقع في ثوبه ﷺ قمل قط، ولم يصل من بدنه الشريف على ثوبه دنس، ونقل عن الإمام فخر الدين الرازي: لم يجلس عليه ﷺ ذباب، ولم تؤذه بقة، ولكن لما كان من لازم التفلي وجود شيء من المؤذيات كالقمل أو البرغوث وأمثالهما لم يكن بد من القول: يتعلق شيء منها بثوبه ولو من خارج لا من بدنه، واللَّه أعلم.
وفي الحديث دليل على أنه ﷺ لم يكن ملكًا جبارًا متكبرًا، فإنه لا يصدر منهم مثل هذه الأفعال بل نبيًّا مرسلًا متواضعًا واقفًا على حد البشرية، خصه اللَّه سبحانه بفضله العظيم، بل كان كل ما فعله في الحقيقة تعليمًا وإرشادًا للناس الآداب الكريمة والأخلاق الحميدة ﷺ .
٥٨٢٣ - [٢٣] (خارجة بن زيد) قوله: (إذا كرنا الدينا ذكرها معنا) المراد بها ما يتعلق بعادات الناس وأحوالهم مما لا يكره ولا يذم، وأما ما يذم ويكره فحاشاه
стр. 5495
٥٨٢٤ - [٢٤] وَعَنْ أَنَسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا صَافَحَ الرَّجُلَ لَمْ يَنْزِعْ يَدَهُ مِنْ يَدِهِ حَتَّى يَكُونَ هُوَ الَّذِي يَنْزِعُ يَدَهُ، وَلَا يَصْرِفُ وَجْهَهُ عَنْ وَجْهِهِ حَتَّى يَكُونَ هُوَ الَّذِي يَصْرِفُ وَجْهَهُ عَنْ وَجْهِهِ، وَلَمْ يُرَ مُقَدِّمًا رُكْبَتَيْهِ بَيْنَ يَدَيْ جَلِيسٍ لَهُ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٤٩٠].
٥٨٢٥ - [٢٥] وَعَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ لَا يَدَّخِرُ شَيْئًا لِغَدٍ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٣٦٢].
٥٨٢٦ - [٢٦] وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ طَوِيلَ الصَّمْتِ. رَوَاهُ فِي "شَرْحِ السُّنَّةِ". [شرح السنة: ٣٦٩٥].
ــ
أن يذكر في مجلسه ﷺ .
٥٨٢٤ - [٢٤] (أنس) قوله: (ولم ير) بلفظ المجهول من الرؤية، (مقدمًا) بكسر الدال وتشديدها من التقديم، قيل: المراد بالركبتين هنا الرجلان، وتقديمهما عبارة عن مدهما، أي: لم يكن رسول اللَّه ﷺ يمد رجليه بين يدي جليسه، وقيل: معناه لم يكن مقدمًا ركبته في الجلوس على ركب جلسائه، كما يفعله الجبابرة، بل يجلس مستويًا في الصف معهم، وقيل: معناه [لا] يرفع ركبته عند من يجالسه بل يحفظها تعظيمًا لجليسه، وكل ذلك كان لفرط أدبه وتعليم أصحابه، ولا ينافي هذا أنه قد كان يجلس رافعًا ركبتيه بالاحتباء وغيره، لأنه يجوز أن يكون في غير المجلس بل في الخلوة، أو مع بعض الأصحاب، واللَّه أعلم.
٥٨٢٥ - [٢٥] (وعنه) قوله: (كان لا يدخر شيئًا لغد) لنفسه، وإلا فقد ثبت أنه ادخر نفقة سنة لنسائه.
٥٨٢٦ - [٢٦] (جابر بن سمرة) قوله: (طويل الصمت) أي: كثير السكوت
٥٨٣٠ - [٣٠] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا جَلَسَ يَتَحَدَّثُ يُكْثِرُ أَنْ يَرْفَعَ طَرْفَهُ إِلَى السَّمَاءِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٨٣٧].
* الْفَصْلُ الثَّالِثُ:
٥٨٣١ - [٣١] عَنْ عَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا كَانَ أَرْحَمَ بِالْعِيَالِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، كَانَ إِبْرَاهِيمُ ابْنُهُ مُسْتَرْضَعًا فِي عَوَالِي الْمَدِينَةِ، فَكَانَ يَنْطَلِقُ وَنَحْنُ مَعَهُ، فَيَدْخُلُ الْبَيْتَ وَإِنَّهُ لَيُدَّخَنُ، وَكَانَ ظِئْرُهُ قَيْنًا، فَيَأْخُذُهُ فَيُقَبِّلُهُ ثُمَّ يَرْجِعُ. قَالَ عَمْرٌو: فَلَمَّا تُوُفِّيَ إِبْرَاهِيمُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ إِبْرَاهِيمَ ابْنِي، وَإِنَّهُ مَاتَ فِي الثَّدْي،
ــ
٥٨٣٠ - [٣٠] (عبد اللَّه بن سلام) قوله: (يرفع طرفه إلى السماء) ترقبًا لنزول جبرئيل بالوحي.
الفصل الثالث
٥٨٣١ - [٣١] (عمرو بن سعيد) قوله: (في عوالي المدينة) جمع عالية، والمراد القرى التي في جانب العلو من المدينة من مسجد قباء، ومنازل بني قريظة وغيرهم.
وقوله: (وإنه ليدخن) بضم الياء وتشديد الدال من الدخان.
وقوله: (وكان ظئره قينًا) الظئر: المرضعة ولد غيرها، من ظأر وأظأر مهموزًا: عطف على غير ولده، ويقال للذكر أيضًا، وكان زوج ظئر إبراهيم اسمها أم سيف قينًا بفتح القاف وسكون الياء بمعنى الحداد، ويقال له: أبو سيف.
وقوله: (وإنه مات في الثدي) أي: في مدة الرضاع، قيل: كان ابن ستة عشر شهرًا، وقيل: سبعة عشر، وقيل غير ذلك، وقد سبق ذكره في (باب صلاة الخسوف)،
стр. 5498
وَإِنَّ لَهُ لَظِئْرَيْنِ تُكْمِلَانِ رَضَاعَهُ فِي الْجَنَّةِ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٣١٦].
ــ
و(تكملان) أي: يتمان من الإكمال.
وقوله: (في الجنة) أي: أنه يدخل الجنة عقيب موته فيتم فيها رضاعه كرامة له.
فائدة: اعلم أنه قد روي: (لو عاش إبراهيم لكان نبيًا) قال شيخ بعض شيوخنا ابن ديبع في كتاب (تمييز الطيب من الخبيث فيما يدور على الألسنة من الأحاديث) (١): وقال النووي: هذا الحديث باطل وجسارة على الكلام في المغيبات، وهجوم على أمر عظيم، وقال ابن عبد البر في (تمهيده): لا أدري ما هذا، فقد وَلَدَ نوحٌ ﵇ غَيْرَ نبي، ولو لم يلد نبي إلا نبيًا كان كل واحد نبيًّا لأنه من ولد نبي، قلت: قد أخرجه ابن ماجه وغيره من حديث ابن عباس قال: (لما مات إبراهيم ابن النبي ﷺ ، قال: إن له مرضعًا في الجنة، ولو عاش لكان صديقًا نبيًّا، ولو عاش لأعتقت أخواله من القبط، وما استرق قبطي) (٢)، وفي سنده أبو شيبة إبراهيم بن عثمان الواسطي وهو ضعيف، واللَّه أعلم، انتهى.
وفي (شرح الشمائل) للشيخ (٣): قد ورد من طرق ثلاثة عن ثلاثة من الصحابة: (لو عاش لكان نبيًّا)، وتأويله أن القضية الشرطية لا تستلزم وقوع المقدم، ولا يظن بالصحابة الهجوم على مثل ذلك بالظن، وأما إنكار النووي كابن عبد البر لذلك فلعدم ظهور هذا التأويل، وهو ظاهر، انتهى.
أقول: هذا ظاهر غير مخفي، ولكن الكلام في بيان الملازمة، ولا بد من بيانها.
стр. 5499
٥٨٣٢ - [٣٢] وَعَنْ عَليٍّ: أَنَّ يَهُودِيًّا كَانَ يُقَالُ لَهُ: فُلَانٌ، حَبْرٌ، كَانَ لَهُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ دَنَانِيرُ، فَتَقَاضَى النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَ لَهُ: "يَا يَهُودِيُّ! مَا عِنْدِي مَا أُعْطِيكَ". قَالَ: فَإِنِّي لَا أُفَارِقُكَ يَا مُحَمَّدُ حَتَّى تُعْطِيَنِي. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذًا أَجْلِسُ مَعَكَ" فَجَلَسَ مَعَهُ، فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ الآخِرَةَ وَالْغَدَاةَ، وَكَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَتَهَدَّدُونَهُ وَيَتَوَعَّدُونَهُ، فَفَطِنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا الَّذِي يَصْنَعُونَ بِهِ. فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! يَهُودِيٌّ يَحْبِسُكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنَعَنِي رَبِّي أَنْ أَظْلِمَ مُعَاهِدًا وَغَيْرَهُ"، فَلَمَّا تَرَجَّلَ النَّهَارُ قَالَ الْيَهُودِيُّ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ، وَشَطْرُ مَالِي فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَمَا وَاللَّهِ مَا فَعَلْتُ بِكَ الَّذِي فَعَلْتُ بِكَ إِلَّا لأَنْظُرَ إِلَى نَعْتِكَ فِي التَّوْرَاةِ: مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، مَوْلدُهُ بِمَكَّةَ، وَمُهَاجَرُهُ بِطَيْبَةَ، وَمُلْكُهُ بِالشَّامِ، لَيْسَ بِفَظٍّ وَلَا غَلِيظٍ، وَلَا سَخَّابٍ فِي الأَسْوَاقِ،
ــ
ولعل المقصود مدح إبراهيم وبيان رتبته واستعداده، يعني أنه كان مستعدًا للنبوة لو عاش، ولكنه لم يعش لختم النبوة عليه ﷺ ، واللَّه أعلم.
٥٨٣٢ - [٣٢] (علي) قوله: (فلما ترجل النهار) أي: ارتفع، في (القاموس) (١): رجل النهار: ارتفع، و (المهاجر) بفتح الجيم بمعنى الهجرة، و (طيبة) بفتح الطاء وسكون المثناة التحتية من أسماء المدينة المطهرة، ولها أسماء قريبة من المئة، قد ذكرنا نبذة منها في (تاريخ المدينة).
стр. 5500
وَلَا مُتَزَيٍّ بِالْفُحْشِ، وَلَا قَوْلِ الْخَنَا، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ، وَهَذَا مَالِي فَاحْكُمْ فِيهِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ، وَكَانَ الْيَهُودِيُّ كَثِيرَ الْمَالِ. رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي "دَلَائِل النُّبُوَّةِ". [دلائل النبوة: ٦/ ٢٨٠].
٥٨٣٣ - [٣٣] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُكْثِرُ الذِّكْرَ، وَيُقِلُّ اللَّغْوَ، وَيُطِيلُ الصَّلَاةَ، وَيُقَصِّرُ الْخُطْبَةَ، وَلَا يَأْنَفُ أَنْ يَمْشِيَ مَعَ الأَرْمَلَةِ وَالْمِسْكِينِ. . . . .
ــ
وقوله: (ولا متزي) من الزي بمعنى اللباس والهيئة. و (الخنا) بفتح الخاء المعجمة: الفحش في القول، ناقص لا مهموز، وفي (الصراح) (١): خنى: سخن بيهوده كَفتن.
٥٨٣٣ - [٣٣] (عبد اللَّه بن أبي أوفى) قوله: (ويقل اللغو) في (القاموس) (٢): اللغو واللغا: ما لا يعتد به من كلام وغيره، وكلمة لاغية: أي: فاحشة، وفي (الصراح) (٣): لغو: بيهوده كَفتن. ولعل المراد بالقلة العدم، أو المراد باللغو ما سوى الذكر.
وقوله: (ويقصر الخطبة) من التقصير، مرّ شرحه في (باب الخطبة).
وقوله: (ولا يأنف) من أنف منه كسمع أنفًا وأنفة محركتين: أي: استنكف.
وقوله: (مع الأرملة) بفتح الميم، الأرملة: المرأة التي مات زوجها، والأرمل: الرجل الذي ماتت زوجته، غنيين أو فقيرين، والجمع الأرامل، وهو بالنساء أخص