← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 145212

لمعات التنقيح في شرح مشكاة المصابيح

عبد الحق الدهلوي

Полный текст (6 316 стр.). Показаны 5531–5570 · переход к 5536.

стр. 5531

فَجَعَلَ يَسْلُتُ الدَّمَ عَنْهُ وَيَقُولُ: "كَيْفَ يُفْلِحُ قَوْمٌ شَجُّوا رَأْسَ نَبِيِّهِمْ وَكَسَرُوا رَبَاعِيَتَهُ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٧٩١]. ــ وكسر العين، وفتح التحتانية مخففة على وزن ثمانية: أربعة أسنان بين الثنية والناب، من كل جانب ثنتان، رماه عتبة بن أبي وقاص أخو سعد بن أبي وقاص، فكسرت اليمنى السفلى، وجرحت شفته السفلى، ولم تكسر رباعيته من أصلها، بل ذهبت منها فلقة، قالوا: لم يولد من نسله ولد فيبلغ الحنث إلا وهو أنحر وأهتم مكسور الثنايا من أصلها يعرف ذلك في عقبه، وعبد اللَّه بن هشام شج في جبهته، وعبد اللَّه بن قميئة جرح وجنته فقال: خذها وأنا ابن قميئة، فقال رسول اللَّه ﷺ وهو يمسح الدم عن وجهته: (أقمأك اللَّه)، فسلط اللَّه عليه تيس جبل فلم يزل ينطحه حتى قطعه قطعة [قطعة]، فأخذ عليّ بيده واحتضنه ورفعه طلحة بن عبيد اللَّه حتى استوى قائمًا، وهنا قال ﷺ : (أوجب طلحة)، ونشبت حلقتان من المغفر في وجهه، ووقع ﷺ في حفرة من الحفر التي كان أبو عامر الفاسق يكيد بها، فانتزعهما أبو عبيدة بن الجراح، وعض عليهما حتى سقطت ثنيتاه من شدة غوصهما في وجهه، وامتص مالك بن سنان والدُ أبي سعيد الخدري الدم من وجنته، فقال ﷺ : (من مس دمي لم تمسه النار)، وفي رواية: فشقّوا البيضة عن رأسه، أي: كسروا الخودة ورموه بالحجارة حتى سقط في حفرة من الحفر التي حفرها أبو عامر. وقوله: (يسلت الدم) أي: يميط، من نَصَرَ، سلتت المرأة الخضاب عن يدها: إذا مسحته وألقته. وقوله: (شجوا رأس نبيهم) وفي رواية أحمد (١) والترمذي والنسائي: (خضبوا

стр. 5532

٥٨٥٠ - [١٤] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "اشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ عَلَى قَوْمٍ فَعَلُوا بِنَبِيِّهِ"، يُشِيرُ إِلَى رَبَاعِيَتَهِ، "اشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ عَلَى رَجُلٍ يَقْتُلُهُ رَسُولُ اللَّهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٤٧٣، م: ١٧٩٣]. وَهَذَا الْبَابُ خَالٍ عَنِ الْفَصْلِ الثَّانِي. * الْفَصْلُ الثَّالِثُ: ٥٨٥١ - [١٥] عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبَي كَثِيرٍ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَوَّلِ مَا نَزَلَ مِنَ الْقُرْآنِ؟ قَالَ: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾، ــ وجه نبيهم وهو يدعوهم إلى ربهم)، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٨]، وروي: أنه لما جرح ﷺ يوم أحد أخذ شيئًا فجعل ينشف دمه ويقول: (لو وقع منه شيء على الأرض لنزل عليهم العذاب من السماء)، ثم قال: (اللهم اغفر لهم فإنهم لا يعلمون)، وروى عبد الرزاق عن معمر عن الزهري قال: ضرب وجه النبي ﷺ يومئذٍ بالسيف سبعين ضربة، وقاه اللَّه شرها كلها، والمراد بالسبعين حقيقتها أو المبالغة، كذا قال الشيخ (١). ٥٨٥٠ - [١٤] (أبو هريرة) قوله: (يقتله رسول اللَّه ﷺ ) يحتمل أن يكون المراد به الجنس أو نفسه الكريمة ﷺ . وقوله: (في سبيل اللَّه) احتراز عمن يقتله في حد أو قصاص. الفصل الثالث ٥٨٥١ - [١٥] (يحيى بن أبي كثير) قوله: (﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾) فيه اشتباه الحال

стр. 5533

قُلْتُ: يَقُولُونَ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾، قَالَ أَبُو سَلَمَةَ: سَأَلْتُ جَابِرًا عَنْ ذَلِكَ وَقُلْتُ لَهُ مِثْلَ الَّذِي قُلْتَ لِي، فَقَالَ لِي جَابِرٌ: لَا أُحَدِّثُكَ إِلَّا بِمَا حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "جَاوَرْتُ بِحِرَاءٍ شَهْرًا، فَلَمَّا قَضَيْتُ جِوَارِي هَبَطْتُ فَنُودِيتُ فَنَظَرْتُ عَنْ يَمِينِي فَلَمْ أَرَ شَيْئًا، وَنَظَرْتُ عَنْ شِمَالِي فَلَمْ أَرَ شَيْئًا، وَنَظَرْتُ عَنْ خَلْفِي فَلَمْ أَرَ شَيْئًا، فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَرَأَيْتُ شَيْئًا، فَأَتَيْتُ خَدِيجَةَ فَقُلْتُ: دَثِّرُونِي، فَدَثَّرُونِي، وَصَبُّوا عليَّ مَاءً بَارِدًا، فَنَزَلَتْ: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ [المدثر: ١ - ٥]، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ تُفْرَضَ الصَّلَاةُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٤٩٢٥، م: ١٦١]. * * * ٥ - باب علامات النبوة ــ على الراوي، والصواب أن أوّل ما أنزل ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾، وأما ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّ﴾ فنزولها بعد فترة الوحي، ووجه الجمع أن المراد بأولية سورة (المدثر) أولية مخصوصة بما نزل بعد فترة الوحي، أو مخصوصة بالأمر بالإنذار، أو أولية مخصوصة بما نزل لسبب متقدم من التدثر والرعب، وأما ﴿اقْرَأْ﴾ فنزلت ابتداء من غير سبب متقدم، ولعل راوي هذا الحديث اختصر القصة، وطوى ذكر نزول ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾، أو اشتبه على الراوي الأمر باختلاط أو نسيان كما يومئ إليه: فقلت: (دثروني)، فنزلت: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾. ٥ - باب علامات النبوة العلامة تطلق على ما ينصب في الطريق يهتدى به كالعلم، وصفاته وأخلاقه وشمائله وسائر أحواله ﷺ آيات وعلامات على نبوته مما يتفرس الزكي العاقل الناظر

стр. 5534

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فيها، ويستدل بها عليها، ومنه ما ذكر في الكتب السماوية السالفة من صفاته علامة على ذلك، كما استدل بها هرقل عظيم الروم، ولا يخفى عليك أن المعجزات كلها علامات ودلائل على نبوته ﷺ ، وقد عقد المؤلف بابًا في علامات النبوة، وآخر في المعجزات، لأَنْ يفرق بأن المعجزة يشترط فيه التحدي دون العلامة، وهذا مشهور، ولكن يرد عليه أن كثيرًا من المعجزات لا تحدي فيها، مثل تكثير الطعام في بيت الصحابة، ونبع الماء لتوضئ القوم، ونحو ذلك مما كان بين الصحابة من غير تحدي، وقد اتفقوا على كونها معجزات بلا ريب، اللهم إلا أن يعتبر أن من شأنها التحدي، وسيأتي تحقيق شروط المعجزة في بابها، أو تحمل المعجزات على ما يكون دلالته قطعية، والعلامات يشمل الأمارات، لكنه قد ذكر في هذا الباب شق القمر، وهو معجزة بلا شبهة، بل من أقوى المعجزات وأعلاها. وقد جاء في الأخبار أن الكفار سألوا رسول اللَّه ﷺ أن يريهم ذلك فقال: (اشهدوا)، وذكر فيه الأخبار ببعض المغيبات، وهي معجزات قطعًا حتى اختلفوا في أن إعجاز القرآن إما لكونه مخبرًا عن المغيبات أو لفصاحته وبلاغته، أو يقال: إن المعجزة ما ظهر على يديه في صورة الفعل له، والعلامة ما ظهر فيه أو منه من غير أن يصدر عنه، وهذا أيضًا لا يتم لأن شق القمر كان بإشارته ﷺ . ومن المعجزات ما لم يكن ليصدر عنه كظل القامة وعدم وقوع ظله على الأرض ونحو ذلك، وبالجملة لا يظهر الفرق بين ما جعله المؤلف من العلامات وبين ما جعله من المعجزات، وفي كلا البابين أمور من جنس الأخبار عن الغيوب والتصرف في الكائنات، فلم جعل بعضها من العلامات وبعضها من المعجزات؟ فتدبر.

стр. 5535

* الْفَصْلُ الأَوَّلُ: ٥٨٥٢ - [١] عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَتَاهُ جِبْرِيلُ وَهُوَ يَلْعَبُ مَعَ الْغِلْمَانِ، فَأَخَذَهُ، فَصَرَعَهُ، فَشَقَّ عَنْ قَلْبِهِ، فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ عَلَقَةً. فَقَالَ: هَذَا حَظُّ الشَّيْطَانِ مِنْكَ، ثُمَّ غَسَلَةُ فِي طَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ بِمَاءِ زَمْزَمَ، ــ الفصل الأول ٥٨٥٢ - [١] (أنس) قوله: (فصرعه) أي: ألقاه على الأرض (فشق عن قلبه) أي: صدعه، وكلمة (عن) لتضمين معنى الكشف، والعلقة بفتحات: دم غليظ أسود، قيل: هو أم المفاسد والمعاصي في القلب، وفي (القاموس) (١): العلق محركة: الدم عامة، أو الشديد الحمرة، أو الغليظ، أو الجامد، والقطعة منه بهاء. وقوله: (هذا حظ الشيطان منك) الظاهر أنه متعلق بحظ، ويجوز أن يكون ظرفًا مستقرًا، قالوا: نزع منه ﷺ حظ الشيطان منه رأسًا، وكذا كليات النفس، وأبقى بعض جزئياتها بحسب الجبلة البشرية ليكون سببًا لنزول القرآن، وباعثًا على تشريع الأحكام، وتلك أيضًا في صفاء ونورانية ولطافة، وذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ [الكهف: ١١٠]، كذا قال في (العوارف)، واللَّه أعلم. (الطست) بالسين والشين، قالوا: أصله طس بدليل جمعه على طساس أبدلت سينه تاء، ونقل عن الأزهري: أن هذه اللفظة دخيلة في كلام العرب لأن التاء والطاء لا يجتمعان في كلمة عربية. وقوله: (بماء زمزم) استدل بهذا على أن ماء زمزم أفضل وأشرف من ماء الجنة إذ لو لم تكن كذلك لغسله به، قيل: كان ماء زمزم حاضرًا بخلاف ماء الجنة، وهذا

стр. 5536

ثُمَّ لأَمَهُ وَأَعَادَهُ فِي مَكَانِهِ، وَجَاءَ الْغِلْمَانُ يَسْعَوْنَ إِلَى أُمُّهِ يَعْنِي ظِئْرَهُ. فَقَالُوا: إِنْ مُحَمَّدًا قَدْ قُتِلَ، فَاسْتَقْبَلُوهُ وَهُوَ مُنْتَقَعُ اللَّوْنِ، قَالَ أَنَسٌ: فَكُنْتُ أَرَى أَثَرَ الْمِخْيَطِ فِي صَدْرِهِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٦٢]. ــ كما يرى ضعيف سخيف من القول على أنه لو سلم فإنما يصح ظاهرًا في الشق ليلة المعراج، إذ كان في الحرم، والشق في الصغر كان عند حليمة، فافهم. وقوله: (ثم لأمه) بلفظ الماضي مهموز العين من القيام بالجراحة، أي: جمعه وضمه. وقوله: (منتقع اللون) بالقاف المفتوحة، أي: متغيره ومغبره، افتعال من النقع بمعنى الغبار. و (المخيط) إما مصدر يتم بمعنى الخياطة، ويجوز أن يكون اسم مفعول، يقال: ثوب مخيط ومخيوط. اعلم أن شق صدره الشريف كان أربع مرار، الأولى: في صغره عند حليمة كما ذكر في الكتاب من مسلم عن أنس، وروى أحمد كذلك، وفي لفظ آخر عند أحمد والدارمي والحاكم وصححه، والطبراني والبيهقي وأبو نعيم (١) عن عتبة بن عبد السلمي: أن النبي ﷺ قال: (كانت حاضنتي من بني سعد بن بكر، فانطلقت أنا وابن لها في بهم لنا، ولم نأخذ معنا زادًا، فقلت: يا أخي! اذهب فأتنا بزاد من عند أمنا، فانطلق أخي ومكثت عند البهم، فأقبل إليّ طيران أبيضان كأنهما نسران، فقال أحدهما لصاحبه: أهو هو؟ قال: نعم، فأقبلا يبتدرانني فأخذاني فبطحاني إلى القفا، فشقا بطني، ثم استخرجا قلبي، فشقاه فأخرجا منه علقتين سوداوين، فقال أحدهما لصاحبه: ائتني

стр. 5537

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بماء وثلج، فغسلا به جوفي، ثم قال: ائتني بماء برد، فغسلا به قلبي، ثم قال: ائتني بالسكينة فذرَّاها في قلبي، ثم قال أحدهما لصاحبه: حصه فحاصه، وختم عليه بخاتم النبوة). والمرة الثانية: وهو ابن عشر سنين، روى عبد اللَّه بن الإمام أحمد في (زوائد المسند) بسند رجاله ثقات، وابن حبان والحاكم وأبو نعيم وابن عساكر والضياء في (المختارة) عن أبي بن كعب أن أبا هريرة قال: يا رسول اللَّه! ما أول ما ابتدأت من أمر النبوة؟ قال: إني لفي صحراء ابن عشر حجج إذا أنا برجلين فوق رأسى يقول أحدهما لصاحبه: أهو هو؟ قال: نعم، فأخذاني فاستقبلاني بوجوه، لم أرها لخلق قط، وأرواح لم أجدها من خلق قط، وثياب لم أرها على أحد قط، فأقبلاني يمشيان حتى أخذ كل واحد منهما بعضدي لا أجد لأحدهما مسًّا، فقال أحدهما لصاحبه: أضجعه فاضجعاني بلا قصر ولا هصر) (١)، وفي لفظ: (فلصقاني بحلاوة القفا، ثم شقا بطني)، وفي لفظ: (فقال أحدهما لصاحبه: افلق صدره، فهوى أحدهما إلى صدري، ففلقها فيما أرى بلا دم ولا وجع، فكان أحدهما يختلف بالماء في طست من ذهب، والآخر يغسل جوفي، فقال أحدهما لصاحبه: افلق صدره، فإذا صدري فيما أرى مفلوقًا لا أجد له وجعًا، ثم قال: اشقق قلبه، فشق قلبي فقال: أخرج الغل والحسد منه، فأخرج شبه العلقة فنبذ به، ثم قال: أدخل الرأفة والرحمة في قلبه، فأدخل شيئًا كهيئة الفضة، ثم أخرج ذرورًا كان معه فذره عليه ثم نقر إبهامي ثم قال: اغد، فرجعت بما لم أغد به

стр. 5538

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ من رحمتي للصغير ورأفتي على الكبير). المرة الثالثة: عند البعثة، روى أبو داود الطيالسي والحارث بن أبي أسامة في (مسنديهما) والبيهقي وأبو نعيم (١) عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ : (نذر أن يعتكف شهرًا هو وخديجة [بحراء]، فوافق ذلك شهر رمضان، فخرج ذات ليلة فسمع السلام عليك، قال: فظننتها فجأة الجن، فجئت مسرعًا حتى دخلت على خديجة [فسجتني ثوبًا]، وقالت: ما شأنك؟ فأخبرتها، فقالت: أبشر فإن السلام خير، ثم خرجت مرة أخرى فإذا جبريل على الشمس جناح له بالمشرق، وجناح له بالمغرب، فجفلتُ منه فجئت مسرعًا، فإذا هو بيني وبين الباب، فكلمني حتى انست به، ثم وعدني موعدًا فجئت إليه، فأبطأ علي، فأردت أن أرجع، فإذا أنا به وبميكائيل قد سدّا الأفق، فهبط جبريل فبقي جبريل بين السماء والأرض، فأخذني جبريل فسلقني بحلاوة القفا، ثم شق عن قلبي فاستخرجه، ثم استخرج منه ما شاء اللَّه أن يستخرج، ثم غسله في طست من ذهب بماء زمزم، ثم أعاده مكانه، ثم لأمه، ثم كفأني كما يكفأ الإناء، ثم ختم في ظهري حتى وجدت مس الخاتم في قلبي، وذكر الحديث. المرة الرابعة: ليلة الإسراء، روى مسلم (٢) عن أنس قال: قال رسول اللَّه ﷺ : (أتيت وأنا في أهلي؛ فانطلق بي إلى زمزم، فشرح صدري، ثم غسل بماء زمزم، ثم أتيت بطست من ذهب ممتلئة إيمانًا وحكمة، فحشي بها صدري -قال أنس:

стр. 5539

٥٨٥٣ - [٢] وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنِّي لأَعْرِفُ حَجَرًا بِمَكَّةَ كَانَ يُسَلِّمُ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ أُبْعَثَ، إِنِّي لأَعْرِفُهُ الآنَ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٢٧٧]. ــ ورسول اللَّه ﷺ يرينا أثره-، فعرج بي الملك إلى السماء الدنيا)، وذكر حديث المعراج. واعلم أنه قد ذكر في بعض طرق هذه الأحاديث ذكر خاتم النبوة، وفي بعضها: (فختم به قلبي فامتلأ نورًا، وذلك نور النبوة والحكمة، فوجدت برد ذلك في صدري)، وفي بعضها: (ثم ختم في ظهري حتى وجدت مس الخاتم في قلبي)، وقد ثبت أن خاتم النبوة كان في ظهره، والقول بختم قلبه ﷺ وصول أثره إليه، كما يدل عليه لفظ الحديث، واللَّه أعلم. ثم اعلم أنه قد اختلف: هل كان شق الصدر وغسل القلب مختصًا بنبينا ﷺ أو وقع لغيره من الأنبياء أيضًا سلام اللَّه عليهم أجمعين؟ ونقل في (المواهب اللدنية) (١) عن ابن عباس: أنه قد ورد في خبر التابوت والسكينة: أنه كان فيه الطست الذي غسلت فيه قلوب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. ٥٨٥٣ - [٢] (جابر بن سمرة) قوله: (إني لأعرف حجرًا بمكة) قيل: هو الحجر الأسود، وقيل: هو الحجر البارز الآن بزقاق المرفق المقابل لباب الجنائز في طريق بيت خديجة، كذا ذكر الشيخ ابن حجر المكي، وقال: قد توارث ذلك عن أهل مكة خلفًا عن سلف، واللَّه أعلم.

стр. 5540

٥٨٥٤ - [٣] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: إِنَّ أَهْلَ مَكَّةَ سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُرِيَهُمْ آيَةً، فَأَرَاهُمُ الْقَمَرَ شِقَّتَيْنِ حَتَّى رَأَوْا حِرَاءً بَيْنَهُمَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٨٦٨، م: ٢٨٠٢]. ــ ٥٨٥٤ - [٣] (أنس) قوله: (شقتين) بكسر، أي: نصفين، وعند مسلم: فأراهم انشقاق القمر مرتين، وكذا في (مصنف عبد الرزاق) عن معمر بلفظ: مرتين، واتفقت رواية الشيخين بلفظ: فرقتين، وفي رواية: فلقتين، وفي حديث جبير: انشق القمر باثنتين، وفي رواية أبي نعيم في (الدلائل): فصار قمرين، فيكون المراد بقوله: مرتين فرقتين جمعًا بين الدلائل، ولم يجزم أحد من علماء الحديث بتعدد وقوع الانشقاق منه ﷺ ، كذا قالوا. و (الحراء) جبل معروف بمكة، وقد عرف ضبطه في (باب بدء الوحي). اعلم أن انشقاق القمر قد وقع لرسول اللَّه ﷺ ، وقد أجمع المفسرون على وقوعه، فإن كفار قريش لما كذبوه طلبوا منه آية تدل على صدقه في دعواه، فأعطاه اللَّه تعالى هذه الآية العظيمة التي لا يكاد يعدلها شيء من آيات الأنبياء ﵈ لظهورها في ملكوت السموات خارجًا عن جملة طباع ما في هذا العالم، فلذلك صار برهانه به أظهر وأبهر، وعن ابن عباس قال: لما اجتمع المشركون إلى رسول اللَّه ﷺ ، منهم الوليد بن المغيرة وأبو جهل بن هشام والعاص بن وائل ونظراؤهم فقالوا [للنبي ﷺ ] إن كنت صادقًا فشق لنا القمر فرقتين، فسأل ربه فانشق، وابن عباس إن لم يشاهد القصة لكنه حمله عن ابن مسعود، ففي حديث ابن مسعود قال: انشق القمر على عهد رسول اللَّه ﷺ فرقتين، فرقة فوق الجبل، وفرقة دونه، فقال رسول اللَّه ﷺ : (اشهدوا) (١).

стр. 5541

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وقال ابن عبد البر: قد روي حديث انشقاق القمر عن جماعة كثيرة من الصحابة، وروى ذلك عنهم أمثالهم من التابعين، ثم نقله عنهم الجم الغفير إلى أن انتهى إلينا وتأيد بالآية الكريمة. وقال العلامة ابن السبكي في (شرحه لمختصر ابن الحاجب): والصحيح عندي أن انشقاق القمر متواتر منصوص عليه في القرآن، مروي في الصحيحين وغيرهما من طرق كثيرة بحيث لا يمترى في تواتره، كذا نقل في (المواهب) (١). وقوله: منصوص عليه في القرآن المراد به قوله تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ الآية [القمر: ١]، والمراد وقوع انشقاقه بدليل قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ [القمر: ٢]؛ لأن الكفار لا يقولون ذلك يوم القيامة، وعند الإمام أحمد: انشق القمر على عهد رسول اللَّه ﷺ فرقتين: فرقة على هذا الجبل، وفرقة على هذا الجبل، فقالوا: سحرنا محمد، وفي حديث ابن مسعود قال: انشق القمر على عهد رسول اللَّه ﷺ ، فقال كفار قريش: هذا سحر ابن أبي كبشة، قال: فقالوا: انتظروا ما يأتيكم بالسفار، فإن محمدًا لا يستطيع أن يسحر الناس كلهم. قال: فجاء السفار فأخبروهم بذلك. وقال في (المواهب) (٢): وقد يذكر بعض القصاص: أن القمر دخل في جيب النبي ﷺ وخرج من كمه، وقد حكاه الشيخ بدر الدين الزركشي عن شيخه العماد بن كثير، انتهى. وقد أنكر هذه المعجزة جماعة من المبتدعة المتفلسة متمسكين بأن الخرق

стр. 5542

٥٨٥٥ - [٤] وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: انْشَقَّ الْقَمَرُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِرْقَتَيْنِ: فِرْقَةً فَوْقَ الْجَبَلِ، وَفِرْقَةً دُونَهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "اشْهَدُوا". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٤٨٦٤، م: ٢٨٠٠]. ــ والالتئام على الفلكيات ممتنع، وكذا قالوا في فتح أبواب السماء ليلة الإسراء، وهؤلاء إن كانوا كفارًا يناظروا على ثبوت دين الإسلام، فإن أسلموا فلا سبيل إلى إنكار ما ثبت في القرآن من وقوع ذلك يوم القيامة، وإذا ثبت ذلك استلزم الجواز والوقوع معجزة لرسول اللَّه ﷺ ، ولم يعرف هؤلاء أن القمر وجميع الأجرام العلوية مخلوق اللَّه ، يفعل فيه ما يشاء، كما يكورها يوم القيامة، وقال بعض الملاحدة: لو كان وقع لتناقلته العوام وأهل السير والتواريخ متواترًا، ولاشترك أهل الأرض كلهم في معرفته، ولم يختص بها أهل مكة؛ لأنه أمر صدر عن حس ومشاهدة، والدواعي متوفرة على رواية كل غريب ونقل ما لم يعهد. والجواب بأنه طلبه قوم خاص كما حكاه أنس فأراهم ذلك ليلًا، وكثير من الناس نيام، وكان ذلك في قدر لحظة، وقد يكون القمر حينئذ في بعض المنازل التي يظهر لبعض أهل الآفاق دون بعض كما يكون ظاهرًا لقوم غائبًا لقوم، وكما يجد الكسوف أهل بلد دون أهل بلد آخر مع أنه قد روي أنه قد رآه غير أهل مكة أيضًا كما ذكرنا من أخبار السفار، وقد أبدى الخطابي حكمة بالغة في كون المعجزات المحمدية لم يبلغ شيء منها مبلغ التواتر الذي لا نزاع ولا خلاف كالقرآن ما حاصله: أن معجزة كل نبي كانت إذا وقعت عامة أعقبت هلاك من كذب بها من قومه، والنبي ﷺ بعث رحمة للعالمين، فاقتصر على الحاضرين المكذبين المتمردين الغالين في العتو والاستكبار. ٥٨٥٥ - [٤] (ابن مسعود) قوله: (فرقتين) قد علم شرحه في الحديث السابق.

стр. 5543

٥٨٥٦ - [٥] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ أَبُو جَهْلٍ: هَلْ يُعَفِّرُ مُحَمَّدٌ وَجْهَهُ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ؟ فَقِيلَ: نَعَمْ. فَقَالَ: وَاللَّاتِ وَالْعُزَّى لَئِنْ رَأَيْتُهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ لأَطَأَنَّ عَلَى رَقَبَتِهِ، فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يُصَلِّي -زَعَمَ لِيَطَأَ عَلَى رَقَبَتِهِ- فَمَا فجِئَهُمْ مِنْهُ إِلَّا وَهُوَ يَنْكُصُ عَلَى عَقِبَيْهِ، وَيَتَّقِي بِيَدَيْهِ، فَقِيلَ لَهُ: مَا لَكَ؟ فَقَالَ: . . . . . ــ ٥٨٥٦ - [٥] (أبو هريرة) قوله: (هل يعفر محمد وجهه) في التراب، التعفير: تتريب الوجه، عفر وجهه في التراب: مرّغه فيه، كناية عن السجدة، و (اللات) اسم صنم لثقيف بالطائف، و (العزى) اسم شجرة كانت لغطفان يعبدونها. وقوله: (زعم) حال من فاعل (أتى)، أي: طمع وأراد، ونقل الطيبي (١) من (أساس البلاغة): أن من المجاز: زعم فلان في غير مزعم، أي: طمع في غير مطمع. وقوله: (ليطأ) بكسر اللام ونصب الفعل بتقدير (أن)، وفي بعض النسخ بفتح اللام ورفع الفعل. وقوله: (فما فجئهم) بلفظ الماضي بكسر الجيم من باب علم. و(ينكص) بضم الكاف وبكسرها، أي: يرجع القهقرى ومشى على مؤخر قدميه، وأعرب الطيبي هذا التركيب بوجهين: أحدهما: أن قوله: (إلا وهو ينكص) سد مسد الفاعل كما سد مسد الخبر في قوله: (أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد)، فمعناه ما فجئ أصحاب أبي جهل من أمر أبي جهل إلا نكوص عقبيه، وثانيهما: أن الضمير في فجئ راجع إلى أبي جهل، وفي (منه) إلى الأمر، أي: ما فجئ أبو جهل أصحابه كائنًا من أمره على حال من الأحوال إلا هذه الحال، فافهم.

стр. 5544

إِنَّ بَيْنِي وَبَيْنَهُ لَخَنْدَقًا مِنْ نَارٍ وَهَوْلًا وَأَجْنِحَةً. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَوْ دَنَا مِنِّي لَاخْتَطَفَتْهُ الْمَلَائِكَةُ عُضْوًا عُضْوًا". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٧٩٧]. ٥٨٥٧ - [٦] وَعَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ: بَيْنَا أَنَا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ إِذْ أَتَاهُ رَجُلٌ، فَشَكَا إِلَيْهِ الْفَاقَةَ، ثُمَّ أَتَاهُ الآخَرُ فَشَكَا إِلَيْهِ قَطْعَ السَّبِيلِ. فَقَالَ: "يَا عَدِيُّ! هَلْ رَأَيْتَ الْحِيرَةَ؟ فَإِنْ طَالَتْ بِكَ حَيَاةٌ فَلَتَرَيَنَّ الظَّعِينَةَ تَرْتَحِلُ مِنَ الْحِيرَةِ حَتَّى تَطُوفَ بِالْكَعْبَةِ لَا تَخَافُ أَحَدًا إِلَّا اللَّه، وَلَئِنْ طَالَتْ بِكَ حَيَاةٌ لَتُفْتَحَنَّ كُنُوزُ كِسْرَى، ــ و(الخندق) بفتح الخاء والدال: حفير حول أسوار المدن، معرب كنده، و (الهول) المخافة من الأمر لا يدرى ما هجم عليه منه. وقوله: (وأجنحة) هي أجنحة الملائكة حفظوه ﷺ من شر ذلك اللعين. ٥٨٥٧ - [٦] (عدي بن حاتم) قوله: (هل رأيت الحيرة) بكسر الحاء وسكون التحتانية وبالراء: قرية قرب فارس، وبلد قرب غانة، ومحلة نيسابور، وبلد قديم قرب الكوفة، والظاهر أن المراد هو البلد المعروفة بقرب كوفة، والنسبة حيري وحاري. وقوله: (فلترين) بلفظ الواحد المخاطب. و (الظعينة) المرأة التي في الهودج، وقد يطلق على المرأة بلا هودج، وعلى الهودج فيه امرأة أو لا، وأصله من ظعن كمنع ظعنًا ويحرك: سار، وأظعنه: سيره، ويجيء بمعنى السفر والارتحال كما في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ﴾ [النحل: ٨٠]. يعني إن طال عمرك رأيت أمن الطريق بحيث تذهب المرأة من الحيرة إلى مكة قاصدة بيت اللَّه امنة غير خائفة مما سوى اللَّه، يعني أن الخوف سينقلب أمنًا والفقر غنى.

стр. 5545

وَلَئِنْ طَالَتْ بِكَ حَيَاةٌ لَتَرَيَنَّ الرَّجُلَ يُخْرِجُ مِلْءَ كَفِّهِ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ يَطْلُبُ مَنْ يَقْبَلُهُ فَلَا يجِدُ أَحَدًا يَقْبَلُهُ مِنْهُ، وَلَيَلْقَيَنَّ اللَّهَ أَحَدُكُمْ يَوْمَ يَلْقَاهُ وَلَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تَرْجُمَانٌ يُتَرْجِمُ لَهُ، فَلَيَقُولَنَّ: أَلَمْ أَبْعَثْ إِلَيْكَ رَسُولًا فَيُبَلِّغُكَ؟ فَيَقُولُ: بَلَى. فَيَقُولُ: أَلَمْ أُعْطِكَ مَالًا وَأُفْضِلْ عَلَيْكَ؟ فَيَقُولُ: بَلَى، فَيَنْظُرُ عَنْ يَمِينِهِ فَلَا يَرَى إِلَّا جَهَنَّمَ، وَيَنْظُرُ عَنْ يَسَارِهِ فَلَا يَرَى إِلَّا جَهَنَّمَ، اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ". قَالَ عَدِيٌّ: فَرَأَيْتُ الظَّعِينَةَ تَرْتَحِلُ مِنَ الْحِيرَةِ حَتَّى تَطُوفَ بِالْكَعْبَةِ لَا تَخَافُ إِلَّا اللَّهَ، وَكُنْتُ فِيمَنِ افْتَتَحَ كُنُوزَ كِسْرَى بْنِ هُرْمُزَ، وَلَئِنْ طَالَتْ بِكُمْ حَيَاةٌ لَتَرَوُنَّ مَا قَالَ النَّبِيُّ أَبُو الْقَاسِمِ ﷺ : . . . . . ــ وقوله: (فلا يجد أحدًا يقبله منه) لعدم الفقر والفقراء في ذلك الزمان، قيل: ذلك عند نزول عيسى ﵇، كما ورد في الحديث، وقد سبق في (باب نزول عيسى)، وقيل: قد وقع مثل هذا في زمن عمر بن عبد العزيز مما يصدق الحديث، وبذلك جزم البيهقي، ويرجح هذا الاحتمال قوله: (ولئن طالت بك حياة)، انتهى. و (ترجمان) بفتح مثناة وقد تضم وضم جيم وقد يفتحان، كذا في (مجمع البحار) (١) عن الكرماني، وهو من يترجم الكلام، أي: ينقله من لغة إلى الأخرى، والمراد هنا المفسر والمبيّن. وقوله: (وأفضل) بالجزم عطف على (ألم أعطك) من الإفضال، لما بشرهم ﷺ باليسر والغنى أنذرهم بأنهما وإن كان فيهما راحة في الدنيا لكن فيهما مشقة ومحنة في الآخرة إلا من اتقى اللَّه وتصدق وصرف المال في مصارف الخير جمعًا بين الإبشار والإنذار كما هو شأن النبوة.

стр. 5546

"يُخْرِجُ مِلْءَ كَفِّهِ". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٣٥٩٥]. ٥٨٥٨ - [٧] وَعَنْ خبَّابِ بْنِ الأَرَتِّ قَالَ: شَكَوْنَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ، وَقَدْ لَقِينَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ شِدَّةً، فَقُلْنَا: أَلَا تَدْعُو اللَّهَ، فَقَعَدَ وَهُوَ مُحْمَرٌّ وَجْهُهُ وَقَالَ: "كَانَ الرَّجُلُ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ يُحْفَرُ لَهُ فِي الأَرْضِ، فَيُجْعَلُ فِيهِ، فَيُجَاءُ بِمِنْشَارٍ، فَيُوضَعُ فَوْقَ رَأْسِهِ فَيُشَقُّ بِاثْنَيْنِ، فَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَيُمْشَطُ بِأَمْشَاطِ الْحَدِيدِ مَا دُونَ لَحْمِهِ مِنْ عَظْمٍ وَعَصَبٍ، وَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَاللَّهِ لَيُتَمَّنَّ هَذَا الأَمْرُ حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ لَا يَخَافُ إِلَّا اللَّهَ، ــ وقوله: (يخرج ملء كفه) أي: مصدوق قوله ﷺ : (ولئن طالت بك حياة لترين الرجل يخرج ملء كفه. . . إلخ). ٥٨٥٨ - [٧] (خباب بن الأرتّ) قوله: (وعن خباب) بفتح المعجمة وشدة الموحدة (ابن الأرت) بفتح الهمزة والراء وتشديد الفوقانية. وقوله: (وهو متوسد بردة) توسد الشيء ووسده: جعله تحت رأسه، والبردة بالضم: كساء مخطط، أي: جعلها كالوسادة تحت رأسه. و (المنشار) بكسر الميم: آلة يشق بها الخشبة. وقوله: (من عظم) بيان ما في (ما دون لحمه). وقوله: (ليتمن هذا الأمر) أي: يتم ويكمل أمر الدين. و(صنعاء) بلد باليمن كثيرة الأشجار والمياه تشبه دمشق، وقرية بباب دمشق، كذا في (القاموس) (١). و (حضرموت) بسكون الضاد وقد يضم الميم: بلدة معروفة

стр. 5547

أَوِ الذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٣٨٥٢]. ٥٨٥٩ - [٨] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدْخُلُ عَلَى أُمِّ حَرَامٍ بِنْتِ مِلْحَانَ، وَكَانَتْ تَحْتَ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ فَدَخَلَ عَلَيْهَا يَوْمًا فَأَطْعَمَتْهُ، ثُمَّ جَلَسَتْ تَفْلِي رَأْسَهُ، ــ باليمن، مكان الصالحين من عباد اللَّه حتى قيل: حضرموت ينبت الأولياء، قيل: سمي به لأنه حضره صالح ﵇ فمات فيه، وقيل: حضر فيه موت جرجيس، وقيل: اسم قبيلة. وقوله: (أو الذئب) أي: أو يخاف الذئب على غنمه؛ لأن المقصد بيان الأمن من عدوان الناس بعضهم على بعض كما كان في الجاهلية، ومن الجبابرة من الناس، لا الأمن من عدوان الذئب، فإن ذلك خارج عن العادة، وقد يكون ذلك أيضًا في آخر الزمان عند نزول عيسى ﵇. ٥٨٥٩ - [٨] (أنس) قوله: (يدخل على أم حرام) بلفظ ضد الحلال (بنت ملحان) بكسر الميم وسكون اللام، وهي خالة أنس بن مالك أخت أمه أم سليم، قال النووي (١): اتفق العلماء على أنها كانت محرمًا له ﷺ ، واختلفوا في كيفية ذلك، فقال ابن عبد البر وغيره: كانت إحدى خالاته من الرضاعة، وقال آخرون: بل كانت خالة أبيه أو لجده عبد المطلب، وكانت أمه من بني النجار، كذا ذكر السيوطي، واللَّه أعلم، وقد مرّ الكلام فيه في الفصل الأول (من باب أسماء النبي ﷺ ) من حديث أم سليم. وقوله: (ثم جلست تفلي رأسه) فلا رأسه: بحثه عن القمل، وقد مرّ الكلام فيه في الفصل الثاني من (باب أخلاقه ﷺ ).

стр. 5548

فَنَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ اسْتَيْقَظَ وَهُوَ يَضْحَكُ، قَالَتْ: فَقُلْتُ: وَمَا يُضْحِكُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "نَاسٌ (١) مِنْ أُمَّتِي عُرِضُوا عَلَيَّ غُزَاةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ، يَرْكَبُونَ ثَبَجَ هَذَا الْبَحْرِ مُلُوكًا عَلَى الأَسِرَّةِ، أَوْ مِثْلَ الْمُلُوكِ عَلَى الأَسِرَّةِ". فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، فَدَعَا لَهَا، ثُمَّ وَضَعَ رَأْسَهُ فَنَامَ، ثُمَّ اسْتَيْقَظَ وَهُوَ يَضْحَكُ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا يُضْحِكُكَ؟ قَالَ: "نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي عُرِضُوا عَلَيَّ غُزَاةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ". كَمَا قَالَ فِي الأُولَى. فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ. قَالَ: "أَنْتِ مِنَ الأَوَّلِينَ". فَرَكِبَتْ أُمُّ حَرَامٍ الْبَحْرَ فِي زَمَنِ مُعَاوِيَةَ فَصُرِعَتْ عَنْ دَابَّتِهَا حِينَ خَرَجَتْ مِنَ الْبَحْرِ فَهَلَكَتْ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٢٨٢، م: ١٩١٢]. ــ وقوله: (يركبون ثبج هذا البحر) أي: ظهره ووسطه، وثبج الشيء بمثلثة فموحدة مفتوحة فجيم: وسط الشيء ومعظمه، شبه البحر بظهر الأرض والسفينة بالسرير، فجعل الجلوس عليها مشابهًا بجلوس الملوك على أسرتهم. وقوله: (كما قال في الأولى) الظاهر أنه عرض في هذه المرة طائفة غير الطائفة الأولى، أي: يغزون طائفة بعد طائفة بقرينة قوله: (أنت من الأولين)، فافهم. وقوله: (في زمن معاوية) قيل: كان ذلك في خلافته، قاله الباجي والقاضي عياض وهو الأظهر، وقيل: في إمارته في غزاة قبرس في خلافة عثمان سنة ثمان وعشرين، وعليه أكثر العلماء وأهل السير، كذا ذكر السيوطي. وقوله: (فصرعت) بلفظ المجهول، أي: سقطت وطرحت أم حرام.

стр. 5549

٥٨٦٠ - [٩] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: إِنَّ ضِمَادًا قَدِمَ مَكَّةَ، وَكَانَ مِنْ أَزْدِ شَنُوءَةَ، وَكَانَ يَرْقِي مِنْ هَذَا الرِّيحِ، فَسَمِعَ سُفَهَاءَ أَهْلِ مَكَّةَ يَقُولُونَ: إِنَّ مُحَمَّدًا مَجْنُونٌ. فَقَالَ: لَوْ أَنِّي رَأَيْتُ هَذَا الرَّجُلَ لَعَلَّ اللَّهَ يَشْفِيهِ عَلَى يَدَيَّ. قَالَ: فَلَقِيَهُ. فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ! إِنِّي أَرْقِي مِنْ هَذَا الرِّيحِ، فَهَلْ لَكَ؟ . . . . . ــ ٥٨٦٠ - [٩] (ابن عباس) قوله: (إن ضمادًا) بكسر الضاد المعجمة، كذا في النسخ المصححة، وفي (القاموس) (١): وقد يقال بالضم أيضًا، والدال في آخره، وقد يقال: ضمام بالميم في آخره، وقيل: ضمام غير ضماد، وضماد كان رجلًا متطببًا راقيًا طالبًا للعلم من بين أهل اليمن، وضمام جاء وافدًا من جهة بني سعد بن بكر، وكلاهما ابن ثعلبة. وقوله: (وكان من أزد شنوءة) بفتح الهمزة وسكون الزاي وكسر الدال وفتح الشين المعجمة وبضم النون بعدها همزة وهاء: قبيلة من اليمن، وقد تبدل الزاي سينًا، قال في (القاموس) (٢): أزد بن الغوث، وبالسين أفصح: أبو حي باليمن، ومن أولاده الأنصار كلهم، ويقال: أزد شنوءة، وقال في فصل الشين من باب الهمزة: أزد شنوءة، وقد تشدد الواو: قبيلة سميت لشنآن بينهم، والنسبة: شنائي. وقوله: (وكان يرقي) أي: يعالج بقراءة ونفث. وقوله: (هذا الريح) الإشارة بهذا إلى جنس العلة التي كانوا يرونها الريح، أي: من العلة الحاصلة من مس الجن، وكأنهم كانوا يرون الأدواء التي تمسهم نفحة من نفحات الجن، والريح هنا بمعنى الجن، سموا بها لأنهم لا يرون كالريح.

стр. 5550

فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، أَمَّا بَعْدُ" فَقَالَ: أَعِدْ عَلَيَّ كَلِمَاتِكَ هَؤُلَاءِ، فَأَعَادَهُنَّ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَقَالَ: لَقَدْ سَمِعْتُ قَوْلَ الْكَهَنَةِ، وَقَوْلَ السَّحَرَةِ، وَقَوْلَ الشُّعَرَاءِ، فَمَا سَمِعْتُ مِثْلَ كَلِمَاتِكَ هَؤُلَاءِ. وَلَقَدْ بَلَغْنَ قَامُوسَ الْبَحْرِ، هَاتِ يَدَكَ أُبَايِعْكَ عَلَى الإِسْلَامِ، قَالَ: فَبَايَعَهُ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٨٦٨]. وَفِي بَعْضِ نُسَخِ "الْمَصَابِيحِ": بَلَغْنَا ناعُوسَ الْبَحْرِ. وَذُكِرَ حَدِيثَا أَبِي هُرَيْرَةَ وَجَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ: "يَهْلِكُ كِسْرَى" وَالآخَرَ: "لَتَفْتَحَنَّ عِصَابَةٌ" فِي "بَابِ الْمَلَاحِمِ". ــ وقوله: (فقال رسول اللَّه ﷺ : إن الحمد للَّه) لم يلتفت ﷺ إلى جوابه صريحًا بقوله: ما أنا بمجنون، وذكر هذا الكلام الدال على أن قائله أعقل العقلاء رمزًا إلى قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ (٥١) وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾ [القلم: ٥١ - ٥٢]، وقد شهد على أنه رسول اللَّه، ورسول اللَّه لا يكون مجنونًا. وقوله: (ولقد بلغن قاموس البحر) في (القاموس) (١): القمس: الغوص، ومعظم ماء البحر، أو البحر، أو أبعد موضع فيه غورًا، أي: هذه الكلمات بلغن غاية الفصاحة والبلاغة بحيث لم يدرك غوره. وقوله: (وفي بعض نسخ المصابيح: بلغنا ناعوس) بالنون والعين المهملة،

стр. 5551

وَهَذَا الْبَابُ خَالٍ عَنِ الْفَصْلِ الثَّانِي. ــ موجود في (صحيح مسلم)، فقيل: إنه بمعنى القاموس، وقيل: تصحيف، وأما لفظ (بلغنا) فلم يوجد إلا في بعض نسخ (المصابيح). وقال التُّورِبِشْتِي (١): هو خطأ لا سبيل إلى تقويمه من طريق المعنى، والرواية لم ترد به، وقال الطيبي (٢): خطأه بحسب الرواية ظاهر، لأنه لم يوجد في الأصول، وأما المعنى فصحيح، أي: وصلنا من هذه الكلمات لجة البحر ومحل اللآلئ والدرر، وقول الطيبي صحيح، وكان التُّورِبِشْتِي أراد أن المقصود توصيف الكلمات بأنها بلغن غاية الفصاحة، والأظهر في بيان هذا المعنى (بلغن) لا (بلغنا)، والأمر في ذلك سهل، ثم قال التُّورِبِشْتِي: وناعوس البحر أيضًا خطأ، وكذلك رواه مسلم في كتابه وغيره من أهل الحديث، وقد وهموا فيه، والظاهر أنه سمع بعض الرواة أخطأ فيه فروي ملحونًا، وهذه من الألفاظ التي لم تسمع في لغة العرب، والصواب قاموس البحر، وهو وسطه ومعظمه، من القمس وهو الغوص، والقماس: الغواص، انتهى. وفي (مجمع البحار) (٣) من (النهاية): لعله لم يجوِّد كِتبته فصحف، انتهى، وفيه أن عند بعض: قاعوس بقاف وعين، وعند بعض: تاعوص بالمثناة فوق والعين، ونقل عن الشيخ محيي الدين في (شرح صحيح مسلم): ناعوس البحر، ضبطناه بوجهين: أشهرهما بالنون والعين، وهذا هو الموجود في أكثر نسخ ديارنا، والثاني: قاموس البحر بالقاف والميم، وهذا الثاني هو المشهور في روايات الحديث في غير (صحيح

стр. 5552

* الْفَصْلُ الثَّالِثُ: ٥٨٦١ - [١٠] عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ مِنْ فِيهِ إِلَى فِيَّ قَالَ: . . . . . ــ مسلم)، انتهى. وقال القاضي عياض في (المشارق) (١): ولقد بلغن تاعوس البحر، كذا للسجزي، وعند العذري والفارسي: قاعوس بالقاف، وكلاهما بعين وسين مهملتين، وذكره الدمشقي: قاموس البحر بالقاف والميم، وهو الذي يعرفه أهل اللغة، ورواه أبو داود: قاموس أو قايوس على الشك في الميم أو الياء، وفي رواية علي بن المديني: ناموس بالنون، وقد روي عن ابن الحذاء: ياعوس بالياء باثنتين تحتها، وروي عن غيره بالباء بواحدة، وكله وهم وغلط، قال الجياني: لم أجد لهذه اللفظة ثلجًا. قال أبو مروان بن سراج: قاموس البحر فاعول من قمسه إذا غمسه، قال أبو عبيدة: قاموس البحر: وسطه، وفي (الجمهرة): لجته، وفي (العين): قال فلان قولًا بلغ قاموس البحر: أي: قعره الأقصى، وهذا أبين في هذا الحديث على هذه الرواية، وقال لي شيخنا أبو الحسين: قاعوس البحر صحيح مثل: قاموس كأنه من القعس وهو دخول الظهر وتعمقه، أي: بلغن عمق البحر ولجته الداخلة، وقال المطرز: صوابه الفاعوس بالفاء: الحية، والناعوس غير معروف في اسم الحية، أي: بلغن دواب البحر، انتهى، واللَّه أعلم. الفصل الثالث ٥٨٦١ - [١٠] (ابن عباس) قوله: (من فيه إلى في) أي: حديثًا مبتدأ من فيه

стр. 5553

انْطَلَقْتُ فِي الْمُدَّةِ الَّتِي كَانَتْ بَيْنِي وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: فَبينا أَنَا بِالشَّام إِذْ جِيءَ بِكِتَابٍ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ إِلَى هِرَقْلَ. قَالَ: وَكَانَ دِحْيَةُ الْكَلْبِيُّ جَاءَ بِهِ، فَدَفَعَهُ إِلَى عَظِيمِ بُصْرَى، فَدَفَعَهُ عَظِيمُ بُصْرَى إِلَى هِرَقْلَ، فَقَالَ هِرَقْلُ: هَلْ هَاهُنَا أَحَدٌ مِنْ قَوْمِ هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ؟ قَالُوا: نَعَمْ، فَدُعِيتُ فِي نَفَرٍ مِنْ قُرَيْشٍ، فَدَخَلْنَا عَلَى هِرَقْلَ، فَأُجْلِسْنَا بَيْنَ يَدَيْهِ، ــ منتهيًا إلى فيّ، أي: من غير واسطة بيني وبينه. وقوله: (في المدة التي كانت بيني وبين رسول اللَّه ﷺ ) يريد مدة صلح الحديبية، وكان بين قريش كلهم، لكن أبا سفيان رئيسهم بعد هلاكهم في غزوة بدر، و (هرقل) اسم ملك الروم وقيصره، وهو بكسر الهاء وفتح الراء وسكون القاف، ويقال: بكسر الهاء والقاف وسكون الراء، غير منصرف، و (دحية) بقتح الدال وكسرها. وقوله: (فدفعه إلى عظيم بصرى) بضم الباء وسكون الصاد، وهكذا أمره ﷺ أن يدفعه إلى عظيم بصرى، وهو يدفعه إلى هرقل، وكان من أعاظم أمرائه، والدفع بالدال يطلق على الحركة من الأعلى إلى الأسفل، فلذا ذكره هنا دون الرفع بالراء كما يكتب في المراسلات تعظيمًا للمرسل إليه، وإنما ذكر الدفع في إرسال عظيم بصرى إلى هرقل إما مشاكلة وإما لأن الكتاب واحد، والطريق واحد، فافهم. وقوله: (في نفر من قريش) وكانوا ثلاثين، رواه الحاكم في (الإكليل)، ولابن السكن: نحو من عشرين، كذا في (فتح الباري) (١). وقوله: (فأجلسنا) بلفظ المجهول من الإجلاس، كذا في أكثر النسخ، وفي بعضها: بلفظ المعلوم، أي: أمر بإجلاسنا.

стр. 5554

فَقَالَ: أَيُّكُمْ أَقْرَبُ نَسَبًا مِنْ هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ؟ قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: فَقُلْتُ: أَنَا، فَأَجْلَسُونِي بَيْنَ يَدَيْهِ، وَأَجْلَسُوا أَصْحَابِي خَلْفِي، ثُمَّ دَعَا بِتُرْجُمَانِهِ فَقَالَ: قُلْ لَهُمْ: إِنِّي سَائِلٌ هَذَا عَنْ هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ، فَإِنْ كذَبَنِي فَكَذِّبُوهُ. قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: وَأيْمُ اللَّهِ لَوْلَا مَخَافَةُ أَنْ يُؤْثَرَ عَلَيَّ الْكَذِبُ لَكَذَبْتُهُ، ثُمَّ قَالَ لِتَرْجُمَانِهِ: سَلْهُ كَيْفَ حَسَبُهُ فِيكُمْ؟ قَالَ: قُلْتُ: هُوَ فِينَا ذُو حَسَبٍ. قَالَ: فَهَلْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مِنْ مَلَكٍ؟ . . . . . ــ وقوله: (فقلت: أنا) لأنه لم يكن في النفر أحد من بني عبد مناف غيري، وأرجح اللغات في الترجمان فتح التاء وضم الجيم، (وقل لهم) أي: لأصحاب أبي سفيان. وقوله: (هذا) إشارة إلى أبي سفيان. وقوله: (فإن كذبني) بالتخفيف، أي: يقول كذبًا، (فكذبوه) بالتشديد بلفظ الأمر. وقوله: (لولا مخافة أن يؤثر عليّ الكذب لكذبته) يؤثر من الأثر، أي: لولا مخافة أن يروى عني الكذب في قومي لكذبت، أي: لقلت كذبًا، والضمير لهرقل، ويحتمل أن يكون معناه: لولا مخافة أن يكذبني هؤلاء الذين معي، وفيه أن الكذب كان قبيحًا في الجاهلية أيضًا. وقوله: (كيف حسبه فيكم؟ ) وفي (صحيح البخاري): كيف نسبه فيكم؟ والحسب محركة: ما يعده الرجل من مفاخر آبائه، ويجيء بمعنى الكرم والشرف في الفعل، والشرف الثابت في الآباء، ويرجع إلى شرف النسب، فتتطابق الروايتان. وقوله: (فهل كان من آبائه من ملك) هكذا بحرف الجر، و (ملك) صفة مشبه في رواية كريمة والأصيلي وأبي الوقت وابن عساكر، ولأبي ذر عن الكشميهني: (مَنْ

стр. 5555

قُلْتُ: لَا. قَالَ: فَهَلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ بِالْكَذِبِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ مَا قَالَ؟ قُلْتُ: لَا. قَالَ: وَمَنْ يَتْبَعُهُ؟ (١) أَشْرَافُ النَّاسِ أَمْ ضُعَفَاؤُهُمْ؟ قَالَ: قُلْتُ: بَلْ ضُعَفَاؤُهُمْ. قَالَ: أَيَزِيدُونَ أَمْ يَنْقُصُونَ؟ قَالَ: قُلْتُ: لَا بَلْ يَزِيدُونَ. قَالَ: هَلْ يَرْتَدُّ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَنْ دِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ سَخْطَةً لَهُ؟ قَالَ: قُلْتُ: لَا. قَالَ: فَهَلْ قَاتَلْتُمُوهُ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: فَكَيْفَ كَانَ قِتَالُكُمْ إِيَّاهُ؟ قَالَ: قُلْتُ: . . . . . ــ مَلَكَ) بفتح (مَنْ)، و (مَلَكَ) فعل ماض، ولأبي ذر في رواية: (من آبائه ملك) بإسقاط (من)، والأول أشهر. وقوله: (أشراف الناس) بحذف ألف الاستفهام من تتمة السؤال، والمراد بأشراف الناس هنا أهل النخوة والتكبر منهم لا كل شريف، وأيّ رجل أشرف من علي وأبي بكر وأمثالهما ممن أسلم قبل سؤال هرقل، ووقع في رواية ابن إسحاق: تبعه منا الضعفاء والمساكين والأحداث، فأما ذوو الأنساب والشرف فما تبعه منهم، وهو محمول على الأكثر الأغلب، فافهم. وقوله: (سخطة) بضم أوله وفتحه وسكون الثاني، وخرج به من ارتد مكرهًا لا لسخط لدين الإسلام بل لحظ نفساني كما وقع لعبيد اللَّه بن جحش، كذا قال الشيخ (٢). وقوله: (فكيف كان قتالكم إياه؟ ) أي: تقع النصرة له أو لكم؟ أو تارة فتارة؟

стр. 5556

تَكُونُ (١) الْحَرْبُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ سِجَالًا يُصِيبُ مِنَّا وَنُصِيبُ مِنْهُ. قَالَ: فَهَلْ يَغْدِرُ؟ قُلْتُ: لَا، وَنَحْنُ مِنْهُ فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ، لَا نَدْرِي مَا هُوَ صَانِعٌ فِيهَا؟ قَالَ: وَاللَّهِ مَا أَمْكَنَنِي مِنْ كلِمَةٍ أُدْخِلُ فِيهَا شَيْئًا غَيْرَ هَذِهِ، قَالَ: فَهَلْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ أَحَدٌ قَبْلَهُ؟ قُلْتُ: لَا. ثُمَّ قَالَ لِتَرْجُمَانِهِ: قُلْ لَهُ: إِنِّي سَأَلْتُكَ عَنْ حَسَبِهِ فِيكُمْ فَزَعَمْتَ أَنَّهُ فِيكُمْ ذُو حَسَبٍ، ــ فأجاب بالشق الأخير. و (السجال) بكسر المهملة جمع سجل بفتحها، و (الحرب) اسم جنس فصح الإخبار عنه بالجمع، أشار أبو سفيان بذلك إلى ما وقع بينهم في غزوة بدر، وغزوة أحد، وقد صرح بذلك أبو سفيان يوم أحد في قوله: يوم بيوم بدر والحرب سجال، وقيل: وكذلك يوم الخندق أصيب من الطائفتين ناس قليل. وقوله: (يصيب منا ونصيب منه) هذا اللفظ يحتمل معنيين، أحدهما: يبلينا بالمصيبة ونبليه كما جاء في الحديث: (من يرد اللَّه به خيرًا يصب منه) (٢) أي: أبلاه بالمصائب، وثانيهما: أنه يصيب البلاء من جانبنا ونصيبه من جانبه على عكس المعنى الأول، والمآل واحد، والظاهر هو الأول من مثل هذه العبارة كما ذكرنا، وفي رواية: ينال منا وننال منه. وقوله: (في هذه المدة) أي: مدة الصلح. وقوله: (قال) أي: أبو سفيان: (ما أمكنني أن أدخل فيها) أي: في الكلمات التي قلت في صفات رسول اللَّه ﷺ مما يشير إلى نسبة نقص إليه ﷺ غير هذه الكلمة، فإنها يشير إلى احتمال وقوع العذر منه ﷺ .

стр. 5557

وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ تُبْعَثُ فِي أَحْسَابِ قَوْمِهَا. وَسَأَلْتُكَ هَلْ كَانَ فِي آبَائِهِ مَلِكٌ؟ فَزَعَمْتَ أَنْ لَا، فَقُلْتُ: لَوْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مَلِكٌ. قُلْتُ: رَجُلٌ يَطْلُبُ مُلْكَ آبَائِهِ. وَسَأَلْتُكَ عَنْ أَتْبَاعِهِ أَضُعَفَاؤُهُمْ أَمْ أَشْرَافُهُمْ؟ فَقُلْتَ: بَلْ ضُعَفَاؤُهُمْ، وَهُمْ أَتْبَاعُ الرُّسُلِ. وَسَأَلْتُكَ: هَلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ بِالْكَذِبِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ مَا قَالَ؟ فَزَعَمْتَ أَنْ لَا، فَعَرَفْتُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِيَدَعَ الْكَذِبَ عَلَى النَّاسِ ثُمَّ يَذْهَبُ فَيَكْذِبُ عَلَى اللَّهِ. وَسَأَلْتُكَ: هَلْ يَرْتَدُّ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَنْ دِينِهِ بَعْدَ أنْ يَدْخُلَ فِيهِ سَخْطَةً لَهُ؟ فَزَعَمْتَ أَنْ لَا، وَكَذَلِكَ الإيمَانُ إِذَا خَالَطَ بَشَاشَتُهُ الْقُلُوبَ. وَسَأَلْتُكَ هَلْ يَزِيدُونَ أَمْ يَنْقُصُونَ؟ فَزَعَمْتَ أَنَّهُمْ يَزِيدُونَ، وَكَذَلِكَ الإِيمَانُ حَتَّى يَتِمَّ، وَسَأَلْتُكَ هَلْ قَاتَلْتُمُوهُ؟ فَزَعَمْتَ أَنَّكُمْ قَاتَلْتُمُوهُ، فَتَكُونُ الْحَرْبُ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ سِجَالًا، يَنَالُ مِنْكُمْ وَتَنَالُونَ مِنْهُ، وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ تُبْتَلَى، ثُمَّ تَكُونُ لَهَا الْعَاقِبَةُ. وَسَأَلْتُكَ هَلْ يَغْدِرُ، فَزَعَمْتَ أَنَّهُ لَا يَغْدِرُ، وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ لَا تَغْدِرُ، وَسَأَلْتُكَ هَلْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ أَحَدٌ قَبْلَهُ؟ فَزَعَمْتَ أَنْ لَا، فَقُلْتُ: لَوْ كَانَ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ أَحَدٌ قَبْلَهُ قُلْتُ: رَجُلٌ ائْتَمَّ بِقَوْلٍ قِيلَ قَبْلَهُ، ــ وقوله: (وكذلك الرسل تبعث في أحساب قومها) تأنيث الضمير باعتبار الجماعة. فقوله: (إذا خالط بشاشته القلوب) بشاشته فاعل (خالط)، و (القلوب) مفعوله، وروي: خالط بشاشة القلوب، من غير اتصال ضمير، ففي (خالط) ضمير للإيمان و (بشاشة) مفعوله مضاف إلى (القلوب)، والبش والبشاشة: طلاقة الوجه، والإقبال على أخيك، والضحك إليه، وفرح الصديق، والمراد هنا اللذة والحلاوة والانشراح.

стр. 5558

قَالَ: ثُمَّ قَالَ: بِمَا يَأْمُرُكُمْ؟ قُلْنَا: يَأْمُرُنَا بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالصِّلَةِ وَالْعَفَافِ. قَالَ: إِنْ يَكُ مَا تَقُولُ حَقًّا فَإِنَّهُ نَبِيٌّ، وَقَدْ كُنْتُ أَعْلَمَ أَنَّهُ خَارِجٌ، وَلَمْ أَكُنْ أَظُنُّهُ مِنْكُمْ، وَلَوْ أَنِّي أَعْلَمُ أَنِّي أَخْلُصُ إِلَيْهِ لأَحْبَبْتُ لِقَاءَهُ، وَلَوْ كُنْتُ عِنْدَهُ لَغَسَلْتُ عَنْ قَدَمَيْهِ، وَلَيَبْلُغَنَّ مُلْكُهُ مَا تَحْتَ قَدَمَيَّ. ثم دَعَا بِكِتَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَرَأَهُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٤٥٥٣، م: ١٧٧٣]. ــ وقوله: (قال: ثم قال) أي: قال أبو سفيان: ثم قال هرقل وسألني، وذكر في (صحيح البخاري) (١): أن هرقل نظر في النجوم فقال لهم: إني رأيت الليلة حين نظرت في النجوم ملك الختان، وسأله عن العرب فقال: هم يختتنون، فقال: هذا ملك هذه الأمة. وقوله: (ولو أعلم أني أخلص) بضم اللام، أي: أصل إليه. وقوله: (فقرأه) وتتمة الحديث في (صحيح البخاري): أن هرقل دعا قومه إلى الإيمان فأبوا، فتركهم على ذلك، واختلف في إيمان هرقل، والأرجح بقاؤه على الكفر. ففي (مسند أحمد) (٢): أنه كتب من تبوك إلى النبي ﷺ : إني مسلم، فقال النبي ﷺ : (كذب بل هو على النصرانية)، وقالوا: قد عرف هرقل صدق النبي ﷺ ، وإنما شح بالملك ورغب في الرئاسة فآثرها على الإسلام، وقيل: إنه جهز الجيوش إلى تبوك، وجهز الجيوش على أصحاب رسول اللَّه ﷺ وقاتلهم، ولم يقصر في تجهيز الجيش عليهم من الروم وغيره كرة بعد كرة، فيهزمهم اللَّه ويهلكهم، ولا يرجع إليه منهم إلا أقلهم، واستمر على ذلك إلى أن مات وقد فتح أكثر بلاد الشام، ثم ولي بعده ولده،

стр. 5559

وَقَدْ سَبقَ تَمَامُ الْحَدِيثِ فِي "بَابِ الْكِتَابِ إِلَى الْكُفَّارِ". * * * ٦ - باب في المعراج ــ وبهلاكه هلكت المملكة الرومية، كذا ذكروا. ٦ - باب في المعراج وفي بعض النسخ: (باب المعراج) بترك كلمة (في)، والعروج: الصعود، عرج عروجًا ومعرجًا: ارتقى، والمعراج: آلة الصعود، وهو السلم كأنه وضع له ﷺ فارتقى به إلى السماء، وقد جاء في الرواية أنه لما صعد الصخرة وضع له سلم منها إلى السماء، وهو الذي تعرج منه الملائكة، وينزل ملك الموت. والأكثر على أنه وقع في ربيع الأول السنة الثانية عشر من النبوة، وقيل: في السابعة والعشرين من ربيع الآخر، وقيل: في السابعة عشر من رمضان، والمشهور في السابعة والعشرين من رجب، وعليه عمل أهل المدينة في الرجبية، وقيل: في سنة خمس أو ست، ثم هنا إسراء ومعراج، فالإسراء من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، والمعراج منه إلى السماء. واختلف أقوال العلماء هل كانا في ليلة واحدة أم لا؟ وهل كانا في يقظة أو منام؟ وهل كانا مرة واحدة أو مرتين أو مرارًا؟ فمرة واحدة في المنام وأخرى في اليقظة، وكان مرة النوم توطئة لما في اليقظة تسهيلًا عليه؛ لأنه أمر عظيم تضعف عنه القوة البشرية كالحكمة في الرؤيا الصادقة في بدء نبوته، أو كان في اليقظة بالجسد إلى بيت المقدس وإلى السماء بالروح.

стр. 5560

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ والتحقيق أنه وقع مرة واحدة في اليقظة بجسده الشريف من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ثم إلى السماء، ثم إلى ما شاء اللَّه إلى آخر القضية، وإليه ذهب الجمهور من الفقهاء والمتكلمين وأهل التحقيق من الصوفية، وتواردت عليه ظواهر الأخبار الصحيحة من حديث أنس وأبي بن كعب وجابر بن عبد اللَّه وبريدة وسمرة بن جندب وابن عباس وابن عمر وابن مسعود وحذيفة بن اليمان وشداد بن أوس وصهيب وعلي بن أبي طالب وعمر بن الخطاب ومالك بن صعصعة وأبي أمامة وأبي أيوب ودحية وأبي ذر وأبي سعيد الخدري وأبي سفيان بن حرب وأبي هريرة وعائشة الصديقة وأسماء بنت أبي بكر وأم هانئ وأم سلمة وغيرهم. وتمسك القائلون بأنه في المنام مع اتفاقهم على أن رؤيا الأنبياء وحي بقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ [الإسراء: ٦٠]، قالوا: المراد به المعراج، والرؤيا هي الحلمية، وأما البصرية فالرؤية بالتاء، أجيب بأن الرؤيا والرؤية واحدة كقربى وقربة، وعند البخاري عن ابن عباس، قال: هي رؤيا عين أريها رسول اللَّه ﷺ ليلة أسري به (١)، وقال المتنبي: ورؤياك أحلى في العيون من الغمض ومن خطأه فهو مخطئ على أن للمفسرين خلافًا في المراد بهذه الرؤيا، فقيل: هي رؤيا عام الحديبية حين رأى أنه دخل مكة فصده المشركون وافتتن بذلك ناس، وقيل: رؤيا وقعة بدر لقوله تعالى: ﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا﴾ [الأنفال: ٤٣]، وقيل: رأى قومًا من بني أمية يرقون منبره وينزون عليه نزو القرد، فقال: هو حظهم من

стр. 5561

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الدنيا يعطون بإسلامهم، وقد يقال. إنها رؤية عين، وإنما عبر عنها بالرؤيا لوقوعها بالليل وسرعة نقضها كأنها منام، ويقال: تسميتها رؤيا على وجه التشبيه والاستعارة لما فيها من الخوارق التي هي بالمنام أليق في مجاري العادات، ويقال: تسميتها على قول المكذبين حيث قالوا: لعلها رؤيا رأيتها، وتمسكوا أيضًا بقول عائشة: ما فقد جسد محمد ليلة المعراج، وأجيب بأن عائشة لم تحدث به عن مشاهدة؛ لأنها لم تكن إذ ذاك زوجًا ولا في سن من يضبط، أو لم تكن ولدت بعد على الخلاف في سنة الإسراء، أو المراد ما فقد جسده الشريف عن الروح بل كان مع روحه، وكان المعراج للجسد والروح جميعًا، ونقل عن بعض الصوفية أنه كان له ﷺ أربعة وثلاثين مرة، والذي أسري به منها إسراء واحد بجسمه، والباقي بروحه. وقال في (المواهب) (١): القول بتعدد وقوعه محض احتمال، ولم يثبت ذلك بالروايات ولم ينقل عن أحد من السلف المتقدمين، وحجة الجمهور في أن الإسراء كان في اليقظة بالجسد قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ [الإسراء: ١]، فإن العبد اسم للروح والجسد، كما في قوله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (٩) عَبْدًا إِذَا صَلَّى﴾ [العلق: ٩ - ١٠] وقوله سبحانه: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ﴾ [الجن: ١٩] فكذا هنا، وقوله: ﴿لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا﴾ [الإسراء: ١] لأن الرؤية إنما تكون في اليقظة بالجسد، ولا شك أن ظاهر قوله: ﴿أَسْرَى﴾ أن يحمل على اليقظة حتى يدل دليل على خلافه، بل تصدير الكلام بالتسبيح الدال على التعجب تعظيم قدرة اللَّه تعالى، والتمدح بتشريف النبي ﷺ وإظهار الكرامة له بالإسراء مما يدل عليه أيضًا.

стр. 5562

* الْفَصْلُ الأَوَّلُ: ٥٨٦٢ - [١] عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ بْنِ مَالِكٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ حَدَّثَهُمْ عَنْ لَيْلَةِ أُسْرِيَ بِهِ: "بَيْنَمَا أَنَا فِي الْحَطِيمِ -وَرُبَّمَا قَالَ فِي الْحِجْرِ- مُضْطَجِعًا. . . . . . ــ واحتجوا أيضًا بأنه لو كان منامًا لما كانت فيه فتنة للضعفاء، ولما استبعده الأغنياء، ولو كان للروح فقط لما كان على البراق المتصف بصفة الدواب، وقالوا: المعراج بالجسم إلى تلك الحضرة العلية لم يكن لأحد من الأنبياء فإنه مقام عَلِيٌّ مخصوص به ﷺ وتشريف وتكريم خاص من الحق سبحانه إياه، فافهم وباللَّه التوفيق. الفصل الأول ٥٨٦٢ - [١] (قتادة) قوله: (عن ليلة أسري به) ليلة بالفتح مضافة إلى (أسري به)، وقد يجعل في بعض النسخ مجرورة منونة، و (أسري به) صفتها، والأول أظهر وأعرق في العربية مع أن الثاني يستلزم حذف ضمير للموصوف، أي ليلة أسري به فيها، كذا قيل، ويشهد للثاني قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ﴾ [البقرة: ٤٨]. و (الحطيم) حجر الكعبة أو ما بين الركن وزمزم والمقام، وقد مرّ تفسيره في (كتاب الحج). وقوله: (وربما قال: في الحجر) يؤيد قول الحنفية بأن الحطيم هو الحجر، لأن القصة واحدة، ثم اختلفت الروايات في تعيين مكان الإسراء، ففي بعضها: (أسري بي وأنا في الحطيم)، وفي بعضها: (في الحجر)، وفي بعضها: (بينا أنا عند البيت)، وفي بعضها: (فرج سقف بيتي وأنا بمكة)، وفي بعضها: أسري به من شعب أبي طالب، وفي بعضها: في بيت أم هانئ وهو أشهر، والجمع بين هذه الأقوال على ما ذكر في

стр. 5563

إِذْ أَتَانِي آتٍ فَشَقَّ مَا بَيْنَ هَذِهِ إِلَى هَذِهِ" يَعْنِي مِنْ ثُغْرَةِ نَحْرِهِ إِلَى شِعْرَتِهِ، "فَاسْتَخْرَجَ قَلْبِي، ثُمَّ أُتِيتُ بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ مَمْلُوءٍ إِيمَانًا، فَغُسِلَ قَلْبِي، ثُمَّ حُشِيَ، ــ (فتح الباري) (١) أنه بات في بيت أم هانئ، وبيتها في شعب أبي طالب ففرج سقف بيته، وأضاف البيت إلى نفسه الشريفة لبيتوتته فيه، فنزل منه الملك فأخرجه من البيت إلى المسجد، ثم أخذه الملك فأخرجه من المسجد. وقوله: (إذ أتاني آت) يعني جبرئيل. و (الثغرة) بضم المثلثة وسكون الغين المعجمة: نقرة النحر التي بين الترقوتين، و (الشعرة) بالكسر: العانة، وقيل: منبت شعرها، وفي (القاموس) (٢): هي العانة كالشعراء، وتحت السرة منبته. وقوله: (فاستخرج قلبي) أي: أخرج، والإخراج والاستخراج بمعنى. وقوله: (بطست من ذهب) فإن قيل: استعمال الذهب حرام في شرعه ﵊ فكيف استعمل هنا؟ فالجواب أن تحريم الذهب إنما هو لأجل الاستمتاع به في هذه الدار، وأما في الآخرة فهو من أواني الجنة، وما وقع في تلك الليلة كان الغالب فيه ما كان من أحوال الغيب وعالم الآخرة، على أن الاستعمال والاستمتاع لم يحصل له ﷺ ، فافهم. وقوله: (مملوء إيمانًا) قيل: هو من باب التمثيل، أو مثل له المعاني كما مثل له أرواح الأنبياء وكما تمثل الأعمال يوم القيامة للوزن. (ثم حشي) أي: ملئ القلب إيمانًا، من حشا الشيء: ملأه، وأحشا: امتلأ،

стр. 5564

ثُمَّ أُعِيدَ" -وَفِي رِوَايَةٍ: "ثُمَّ غُسِلَ الْبَطْنُ بِمَاءِ زَمْزَمَ، ثُمَّ مُلِئَ إِيمَانًا وَحِكْمَةً- ثُمَّ أُتِيتُ بِدَابَّةٍ دُونَ الْبَغْلِ وَفَوْقَ الْحِمَارِ أَبْيَضَ يُقَالُ لَهُ: الْبُرَاقُ، ــ وقيل: ملئ بالقلب ظرفه، وهو الجلد الرقيق الذي يكون القلب فيه، وهذا المعنى لا يخلو عن بعد وتكلف، والأظهر الأنسب هو الأول. وقيل: الحكمة في تفريج سقف البيت ونزول الملك منه وعدم دخوله من الباب أن الملك انصب من السماء انصبابة واحدة، ولم يعرج على شيء سواه مبالغة في المفاجأة، وتنبيها على أن الطلب وقع على غير ميعاد كما كان لموسى ﷺ ، وقيل: يحتمل أن يكون توطئة وتمهيدًا لتفريج صدره، فأراه الملك بإفراجه عن السقف ثم التئامه على الفور كيفية ما يصنع به لطفًا به وتثبيتًا لبصره، واللَّه أعلم. وقوله: (ثم أتيت بدابة) وهذا على ما جرت به عادة الملوك أنهم إذا استدعوا من يخص بهم بعثوا إليه بمركوب شيء يحمله عليه في وفادته عليه، وقيل: الحكمة في كون البراق دابة دون البغل وفوق الحمار، ولم يكن على شكل الفرس إشارة إلى أن الركوب كان في سلم وأمن دون حرب وخوف. وقوله: (يقال له: البراق) سمي به لسرعة سيره كالبرق، وقيل: هو من البريق بمعنى اللعمان، وقيل: لكونه ذا لونين، يقال: شاة برقاء إذا كان في خلال صوفها الأبيض طاقات سود، ويحتمل أن لا يكون مشتقًا، كذا في (المواهب) (١). وجاء في رواية: أنه قال جبرئيل: يا محمد اركبه، فإنه البراق الذي ركبه إبراهيم، وفي بعض الروايات: الأنبياء، وركبه سائر الأنبياء، وفي صحة هذه الروايات كلام، نعم يفهم من ظاهر قول جبرئيل للبراق كما جاء في حديث أنس: (فما ركبك أحد

стр. 5565

يَضَعُ خَطْوَهُ عِنْدَ أَقْصَى طَرْفِهِ، فَحُمِلْتُ عَلَيْهِ، ــ أكرم على اللَّه منه) (١) أنه قد ركبه قبل ذلك بعض الأنبياء، وسمعت من مولانا الشيخ العارف باللَّه سيدي الشيخ عبد الوهاب المتقي أن لكل نبي براقًا على حسب رتبته كما أن لكل منهم حوضًا يوم القيامة كذلك، وفي كلام أهل التأويل أن البراق مثال لنفسه الشريفة ﷺ ، والنفس مركب الروح وسبب لوصوله إلى المقام الأعلى، ولذلك كان يجمح كما هو خاصية النفس فاطمأنت، ومن هذا الكلام يظهر أن يكون هذا البراق مخصوصًا به ﷺ ، واللَّه أعلم. فإن قلت: هل يقال للبراق فرس؟ قلت: سمعت الشيخ رحمة اللَّه عليه أنه [قال]: إنما يقال له: براق، لا فرس ولا غيره. وقوله: (يضع خطوه عند أقصى طرفه) بفتح وسكون، أي: يضع رجله عند منتهى بصره، واستدل بعضهم بهذا أنه يكون قطعه الأرض إلى السماء في خطوة واحدة؛ لأن بصر الذي في الأرض يقع على السماء فبلغ أعلى السماوات في سبع خطوات، وجاء في بعض الروايات: (فركبتها، إن تركتها سارت وإن حركتها طارت). وقوله: (فحملت) بلفظ المجهول إشارة إلى أن الركوب بمحض إعانة اللَّه وقدرته، ويمكن أن يقال: إن الحامل والواسط كان هو جبرئيل بقوة ملكوته ولا بعد في ذلك، فإن جبرئيل كانت واسطة في وصول الفيض والوحي إلى رسول اللَّه ﷺ ، وهذا نوع من الخدمة يفعلها خدام الملوك، فإن جبرئيل ﵇ كان في هذه الليلة خادم دولته وحامل غاشيته، وجاء في رواية: (كان الذي أمسك بركابه جبرئيل، وبزمام البراق ميكائيل) (٢)،

стр. 5566

فَانْطَلَقَ بِي جِبْرَئِيلُ حَتَّى أَتَى السَّمَاءَ الدُّنْيَا، فَاسْتَفْتَحَ، قِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرَئِيلُ. قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ، قِيلَ: وَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قيل: مرْحَبًا بِهِ، فَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ، فَفُتِحَ، ــ والسفارة في إيصال الوحي أيضًا من هذا الباب، واللَّه أعلم. وقوله: (فانطلق بي جبرئيل حتى أتى السماء الدنيا) طوي في هذا الحديث قصة الإسراء إلى بيت المقدس، وقد تمسك بهذا الحديث من زعم أن المعراج كان في غير ليلة الإسراء إلى بيت المقدس، واللَّه أعلم. ثم هذا يدل على أنه قد استمر ركوبه على البراق حتى عرج به إلى السماء، وزعم بعضهم أنه لم يكن على البراق حين صعد إلى السماء، بل وضع له ﷺ سلم رقي به السماء، وفي رواية: (حمله جبرئيل على جناحه إلى السماء)، واللَّه أعلم. وقوله: (وقد أرسل إليه؟ ) بحذف حرف الاستفهام، أي: هل طلبوه وبعثت إليه للإصعاد؟ وقيل: معناه هل أوحي إليه، وبعث نبيًا؟ والأول أظهر؛ لأن أمر نبوته كان مشهورًا في الملكوت، وقيل: سؤالهم كان للاستعجاب والاستبشار بعروجه وقدومه ليتشرفوا به، إذ من البين عندهم أن أحدًا لا يترقى إلى السماوات بغير إذن اللَّه، وهذا القول أظهر وأحسن وأعجب. وقوله: (فنعم المجيء جاء) قيل: فيه تقديم وتأخير وحذف المخصوص، تقديره: جاء فنعم المجيء مجيئه، أو الموصول محذوف، أي: نعم المجيء الذي جاءه. وقوله: (ففتح) دل على أن للسماء بابًا، وقد نطق بذلك القرآن العظيم أيضًا، ويقال: إن أبوابها محاذية لبيت المقدس، ولهذا كان المعراج من هناك، وإذا كان لها

стр. 5567

فَلَمَّا خَلَصْتُ، فَإِذَا فِيهَا آدَمُ، فَقَالَ: هَذَا أَبُوكَ آدَمُ، فَسَلِّمْ عَلَيْهِ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَرَدَّ السَّلَامَ ثُمَّ قَالَ: مَرْحَبًا بِالابْنِ الصَّالِحِ وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ، ثُمَّ صَعِدَ بِي حَتَّى أَتَى السَّماءَ الثَّانِيَةَ فَاسْتَفْتَحَ قِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرَئِيلُ. قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ. قِيلَ: وَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قِيلَ: مَرْحَبًا بِهِ، فَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ فَفُتِحَ. فَلَمَّا خَلَصْتُ إِذَا يَحْيَى وَعِيسَى وَهُمَا ابْنَا خَالَةٍ. قَالَ: هَذَا يَحْيَى وَهَذَا عِيسَى، فَسَلِّمْ عَلَيْهِمَا، فَسَلَّمْتُ فَرَدَّا، ثُمَّ قَالَا: مَرْحَبًا بِالأَخِ الصَّالِحِ وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ. ثُمَّ صَعِدَ بِي إِلَى السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ، فَاسْتَفْتَحَ قِيلَ: مَنْ هَذا؟ قَالَ: جِبْرَئِيلُ. قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ. قِيلَ: وَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قِيلَ: مَرْحَبًا بِهِ فَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ، فَفُتِحَ، فَلَمَّا خَلَصْتُ إِذَا يُوسُفُ، قَالَ: هَذَا يُوسُفُ، فَسَلِّمْ عَلَيْهِ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَرَدَّ. ثُمَّ قَالَ: مَرْحَبًا بِالأَخِ الصَّالِحِ، وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ، ثُمَّ صَعِدَ بِي حَتَّى أَتَى السَّمَاءَ الرَّابِعَةَ، فَاسْتَفْتَحَ، قِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرَئِيلُ. قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ. قِيلَ: وَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ . . . . . ــ أبواب فلا يلزم الخرق والالتئام على أن حديث الخرق والالتئام وبطلانهما هذيان من القول باطل، لأن اللَّه سبحانه قادر على كل شيء، والفلك مثل سائر الأجسام يجوز عليه ما يجوز عليها، والدلائل التي أقاموا عليها معلومة مدخولة لا يحصل بها الظن بما ادعوا خصوصًا اليقين. وقوله: (فلما خلصت) أي: وصلت ودخلت في السماء. وقوله: (فسلم عليه) إنما بادر جبرئيل بأمره ﷺ بالتسليم على الأنبياء تعليمًا

стр. 5568

قَالَ: نَعَمْ. قِيلَ: مَرْحَبًا بِهِ، فَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ، فَفُتِحَ، فَلَمَّا خَلَصْتُ فَإِذَا إِدْرِيسُ، فَقَالَ: هَذَا إِدْرِيسُ، فَسَلِّمْ عَلَيْهِ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَرَدَّ، ثُمَّ قَالَ: مَرْحَبًا بِالأَخِ الصَّالِحِ وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ، ثُمَّ صَعِدَ بِي حَتَّى أَتَى السَّمَاءَ الْخَامِسَةَ، فَاسْتَفْتَحَ، قِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرَئِيلُ. قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ. قِيلَ: وَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قِيلَ: مَرْحَبًا بِهِ فَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ، فَفُتِحَ، فَلَمَّا خَلَصْتُ فَإِذَا هَارُونُ، قَالَ: هَذَا هَارُونُ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَرَدَّ، ثُمَّ قَالَ: مَرْحَبًا بِالأَخَ الصَّالِحِ، وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ، ثم صَعِدَ بِي حَتَّى أَتَى السَّمَاءَ السَّادِسَةَ، فَاسْتَفْتَحَ، قِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرَئِيلُ. قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ. قِيلَ: وَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نعُمْ. قِيلَ: مَرْحَبًا بِهِ فَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ، فَلَمَّا خَلَصْتُ فَإِذَا مُوسَى، قَالَ: هَذَا مُوسَى، فَسَلِّمْ عَلَيْهِ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَرَدَّ، ثم قَالَ: مَرْحَبًا بِالأَخِ الصَّالِحِ، وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ، فَلَمَّا جَاوَزْتُ بَكَى، قِيلَ لَهُ: مَا يُبْكِيكَ؟ . . . . . ــ للتواضع والشفقة عليهم لبلوغه في الرفعة مقاما لم يبلغه أحد فكان محل التواضع، وقيل: إنما أمر بالتسليم عليهم؛ لأنه كان عابرًا عليهم، فكان في حكم القائم وكانوا في حكم القاعد، والقائم يسلم على القاعد وإن كان أفضل منه. وقوله: (هذا إدريس) وقيل في قوله: (مرحبًا بالأخ الصالح) أن إدريس من آبائه ﷺ ، وأجيب بأن الأنبياء كلهم إخوان كالمؤمنين، وعلى هذا لو قال آدم وإبراهيم أيضًا: الأخ الصالح، ولكن لما كان أبوتهما ظاهرًا مشهورًا قالا: الابن، ثم استشكل رؤية الأنبياء في السماوات مع أن أجسادهم مستقرة في قبورهم؟ وأجيب بأن أرواحهم تشكلت بصور أجسادهم أو أحضرت أجسادهم لملاقاته ﷺ تلك الليلة تشريفًا وتكريمًا

стр. 5569

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ له، وما جاء في بعض الروايات: أنه بعث له آدم فمن دونه من الأنبياء فأمّهم، يؤيد هذا الوجه، كذا قيل، ولكن لا حاجة إلى القول بالبعث؛ لأن الأنبياء أحياء إلا أن يكون المراد بالبعث الإحضار، هذا وأما اختصاص هؤلاء الأنبياء بملاقاته ﷺ دون غيرهم من الأنبياء، واختصاص كل واحد منهم بسماء مخصوص فمما لا يدرك بالحقيقة وجهه. وقد يذكر لكلا الأمرين مناسبات ظاهرة يستأنس بها، أما حقيقة الأمر فلا، فيقال للأول: إن ذلك إشارة إلى ما سيقع له ﷺ مع قومه من نظير ما وقع لكل منهم، كخروجه ﷺ من مكة وما ألفه من الوطن مثل خروج آدم من الجنة، وما أصابه من اليهود في أول الهجرة مثل ما أصاب عيسى ويحيى منهم، ووجود الأذى من أقربائه مثل ما وقع ليوسف من إخوته، وكانت العاقبة له ورفع مكانه وعلو شأنه لقوله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح: ٤] كما قال في إدريس: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ [مريم: ٥٧]، ورجوع قومه إلى محبته بعد أن آذوه كما وقع بهارون، وقال ﷺ : (لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر) (١). ولعله قاله في بعض الأمور وإلا فقد ورد: (ما أوذي نبي مثل ما أوذيت في سبيل اللَّه) (٢)، وأما مناسبته بإبراهيم فظاهر، وقد رأى إبراهيم متكئًا بالبيت المعمور، وذلك مثل استناده بالبيت الحرام في فتح مكة. وأما اختصاص كل منهم بسماء رأى فيها فلأن آدم أول الأنبياء وأول الآباء، فكان أولى بالأولى، وخص عيسى بالثانية لأنه أقرب الأنبياء عهدًا لمحمد ﷺ ويحيى

стр. 5570

قَالَ: أَبْكِي لأَنَّ غُلَامًا بُعِثَ بَعْدِي يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِهِ أَكْثَرُ مِمَّنْ يَدْخُلُهَا مِنْ أُمَّتِي، ثُمَّ صَعِدَ بِي إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ، فَاسْتَفْتَحَ جِبْرَئِيلُ، قِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرَئِيلُ. قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ. قِيلَ: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قِيلَ: مَرْحَبًا بِهِ فَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ، ــ ابن خالته معه، ويليه يوسف؛ لأن أمة محمد تدخل الجنة على صورته، وإدريس بالرابعة لقوله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾، والرابعة من السبع وسط معتدل، وهارون في الخامسة لقربه من أخيه، وموسى أرفع منه لفضل كلام اللَّه تعالى به، وإبراهيم فوقه لأنه أفضل الأنبياء بعد نبينا ﷺ وعليهم أجمعين، كذا ذكروا واللَّه أعلم. ثم هذا الترتيب الذي وقع في هذا الحديث هو أصح الروايات وأرجحها، وقد وقع في بعض الروايات أنه رأى إبراهيم ﵇ في السماء السادسة، ورأى موسى في السابعة، وفي رواية: رأى إدريس في الثالثة وهارون في الرابعة، وفي أخرى إدريس في الخامسة ويوسف في الثانية، ويحيى وعيسى في الثالثة، وعلى تقدير صحة الروايات يتعذر الجمع إلا أن يقال بتعدد المعراج، أو يرجح بعض الروايات على بعض، والأرجح هو رواية الجماعة، كذا قال الشيخ (١). وقوله: (أبكي لأن غلامًا بعث بعدي يدخل الجنة من أمته أكثر ممن يدخلها من أمتي) قالوا: لم يكن بكاء موسى ﵇ حسدًا على فضيلة نبينا ﷺ وأمته؛ لأن الحسد مذموم من آحاد المؤمنين، وأيضًا منزوع منهم في ذلك العالم، فكيف عمن اصطفاه اللَّه سبحانه، وهو كليم، بل كان أسفًا على ما فاته من الأجر الذي يترتب عليه رفع الدرجات بسبب ما وقع من أمته من كثرة المخالفة المقتضية لتنقيص أجورهم المستلزم
следующие страницы →