فَانْطَلَقَ بِي جِبْرَئِيلُ حَتَّى أَتَى السَّمَاءَ الدُّنْيَا، فَاسْتَفْتَحَ، قِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرَئِيلُ. قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ، قِيلَ: وَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قيل: مرْحَبًا بِهِ، فَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ، فَفُتِحَ،
ــ
والسفارة في إيصال الوحي أيضًا من هذا الباب، واللَّه أعلم.
وقوله: (فانطلق بي جبرئيل حتى أتى السماء الدنيا) طوي في هذا الحديث قصة الإسراء إلى بيت المقدس، وقد تمسك بهذا الحديث من زعم أن المعراج كان في غير ليلة الإسراء إلى بيت المقدس، واللَّه أعلم.
ثم هذا يدل على أنه قد استمر ركوبه على البراق حتى عرج به إلى السماء، وزعم بعضهم أنه لم يكن على البراق حين صعد إلى السماء، بل وضع له ﷺ سلم رقي به السماء، وفي رواية: (حمله جبرئيل على جناحه إلى السماء)، واللَّه أعلم.
وقوله: (وقد أرسل إليه؟ ) بحذف حرف الاستفهام، أي: هل طلبوه وبعثت إليه للإصعاد؟ وقيل: معناه هل أوحي إليه، وبعث نبيًا؟ والأول أظهر؛ لأن أمر نبوته كان مشهورًا في الملكوت، وقيل: سؤالهم كان للاستعجاب والاستبشار بعروجه وقدومه ليتشرفوا به، إذ من البين عندهم أن أحدًا لا يترقى إلى السماوات بغير إذن اللَّه، وهذا القول أظهر وأحسن وأعجب.
وقوله: (فنعم المجيء جاء) قيل: فيه تقديم وتأخير وحذف المخصوص، تقديره: جاء فنعم المجيء مجيئه، أو الموصول محذوف، أي: نعم المجيء الذي جاءه.
وقوله: (ففتح) دل على أن للسماء بابًا، وقد نطق بذلك القرآن العظيم أيضًا، ويقال: إن أبوابها محاذية لبيت المقدس، ولهذا كان المعراج من هناك، وإذا كان لها
قَالَ: نَعَمْ. قِيلَ: مَرْحَبًا بِهِ، فَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ، فَفُتِحَ، فَلَمَّا خَلَصْتُ فَإِذَا إِدْرِيسُ، فَقَالَ: هَذَا إِدْرِيسُ، فَسَلِّمْ عَلَيْهِ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَرَدَّ، ثُمَّ قَالَ: مَرْحَبًا بِالأَخِ الصَّالِحِ وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ، ثُمَّ صَعِدَ بِي حَتَّى أَتَى السَّمَاءَ الْخَامِسَةَ، فَاسْتَفْتَحَ، قِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرَئِيلُ. قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ. قِيلَ: وَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قِيلَ: مَرْحَبًا بِهِ فَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ، فَفُتِحَ، فَلَمَّا خَلَصْتُ فَإِذَا هَارُونُ، قَالَ: هَذَا هَارُونُ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَرَدَّ، ثُمَّ قَالَ: مَرْحَبًا بِالأَخَ الصَّالِحِ، وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ، ثم صَعِدَ بِي حَتَّى أَتَى السَّمَاءَ السَّادِسَةَ، فَاسْتَفْتَحَ، قِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرَئِيلُ. قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ. قِيلَ: وَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نعُمْ. قِيلَ: مَرْحَبًا بِهِ فَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ، فَلَمَّا خَلَصْتُ فَإِذَا مُوسَى، قَالَ: هَذَا مُوسَى، فَسَلِّمْ عَلَيْهِ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَرَدَّ، ثم قَالَ: مَرْحَبًا بِالأَخِ الصَّالِحِ، وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ، فَلَمَّا جَاوَزْتُ بَكَى، قِيلَ لَهُ: مَا يُبْكِيكَ؟ . . . . .
ــ
للتواضع والشفقة عليهم لبلوغه في الرفعة مقاما لم يبلغه أحد فكان محل التواضع، وقيل: إنما أمر بالتسليم عليهم؛ لأنه كان عابرًا عليهم، فكان في حكم القائم وكانوا في حكم القاعد، والقائم يسلم على القاعد وإن كان أفضل منه.
وقوله: (هذا إدريس) وقيل في قوله: (مرحبًا بالأخ الصالح) أن إدريس من آبائه ﷺ ، وأجيب بأن الأنبياء كلهم إخوان كالمؤمنين، وعلى هذا لو قال آدم وإبراهيم أيضًا: الأخ الصالح، ولكن لما كان أبوتهما ظاهرًا مشهورًا قالا: الابن، ثم استشكل رؤية الأنبياء في السماوات مع أن أجسادهم مستقرة في قبورهم؟ وأجيب بأن أرواحهم تشكلت بصور أجسادهم أو أحضرت أجسادهم لملاقاته ﷺ تلك الليلة تشريفًا وتكريمًا
стр. 5569
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
له، وما جاء في بعض الروايات: أنه بعث له آدم فمن دونه من الأنبياء فأمّهم، يؤيد هذا الوجه، كذا قيل، ولكن لا حاجة إلى القول بالبعث؛ لأن الأنبياء أحياء إلا أن يكون المراد بالبعث الإحضار، هذا وأما اختصاص هؤلاء الأنبياء بملاقاته ﷺ دون غيرهم من الأنبياء، واختصاص كل واحد منهم بسماء مخصوص فمما لا يدرك بالحقيقة وجهه.
وقد يذكر لكلا الأمرين مناسبات ظاهرة يستأنس بها، أما حقيقة الأمر فلا، فيقال للأول: إن ذلك إشارة إلى ما سيقع له ﷺ مع قومه من نظير ما وقع لكل منهم، كخروجه ﷺ من مكة وما ألفه من الوطن مثل خروج آدم من الجنة، وما أصابه من اليهود في أول الهجرة مثل ما أصاب عيسى ويحيى منهم، ووجود الأذى من أقربائه مثل ما وقع ليوسف من إخوته، وكانت العاقبة له ورفع مكانه وعلو شأنه لقوله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح: ٤] كما قال في إدريس: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ [مريم: ٥٧]، ورجوع قومه إلى محبته بعد أن آذوه كما وقع بهارون، وقال ﷺ : (لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر) (١). ولعله قاله في بعض الأمور وإلا فقد ورد: (ما أوذي نبي مثل ما أوذيت في سبيل اللَّه) (٢)، وأما مناسبته بإبراهيم فظاهر، وقد رأى إبراهيم متكئًا بالبيت المعمور، وذلك مثل استناده بالبيت الحرام في فتح مكة.
وأما اختصاص كل منهم بسماء رأى فيها فلأن آدم أول الأنبياء وأول الآباء، فكان أولى بالأولى، وخص عيسى بالثانية لأنه أقرب الأنبياء عهدًا لمحمد ﷺ ويحيى
стр. 5570
قَالَ: أَبْكِي لأَنَّ غُلَامًا بُعِثَ بَعْدِي يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِهِ أَكْثَرُ مِمَّنْ يَدْخُلُهَا مِنْ أُمَّتِي، ثُمَّ صَعِدَ بِي إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ، فَاسْتَفْتَحَ جِبْرَئِيلُ، قِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرَئِيلُ. قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ. قِيلَ: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قِيلَ: مَرْحَبًا بِهِ فَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ،
ــ
ابن خالته معه، ويليه يوسف؛ لأن أمة محمد تدخل الجنة على صورته، وإدريس بالرابعة لقوله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾، والرابعة من السبع وسط معتدل، وهارون في الخامسة لقربه من أخيه، وموسى أرفع منه لفضل كلام اللَّه تعالى به، وإبراهيم فوقه لأنه أفضل الأنبياء بعد نبينا ﷺ وعليهم أجمعين، كذا ذكروا واللَّه أعلم.
ثم هذا الترتيب الذي وقع في هذا الحديث هو أصح الروايات وأرجحها، وقد وقع في بعض الروايات أنه رأى إبراهيم ﵇ في السماء السادسة، ورأى موسى في السابعة، وفي رواية: رأى إدريس في الثالثة وهارون في الرابعة، وفي أخرى إدريس في الخامسة ويوسف في الثانية، ويحيى وعيسى في الثالثة، وعلى تقدير صحة الروايات يتعذر الجمع إلا أن يقال بتعدد المعراج، أو يرجح بعض الروايات على بعض، والأرجح هو رواية الجماعة، كذا قال الشيخ (١).
وقوله: (أبكي لأن غلامًا بعث بعدي يدخل الجنة من أمته أكثر ممن يدخلها من أمتي) قالوا: لم يكن بكاء موسى ﵇ حسدًا على فضيلة نبينا ﷺ وأمته؛ لأن الحسد مذموم من آحاد المؤمنين، وأيضًا منزوع منهم في ذلك العالم، فكيف عمن اصطفاه اللَّه سبحانه، وهو كليم، بل كان أسفًا على ما فاته من الأجر الذي يترتب عليه رفع الدرجات بسبب ما وقع من أمته من كثرة المخالفة المقتضية لتنقيص أجورهم المستلزم
стр. 5571
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لنقصان أجره ﵇، لأن لكل نبي مثل أجر من اتبعه.
وقيل: ذلك محمول على الرقة لقومه والشفقة عليهم حيث لم ينتفعوا بمتابعته انتفاع هذه الأمة بمتابعة نبيهم، ولم يبلغ سوادهم مبلغ سوادهم، فإن اللَّه تعالى قد جعل في قلوب أنبيائه ﵈ الرأفة والرحمة لأمتهم، وقد أخذوا من رحمة اللَّه تعالى أوفر نصيب، وكانت الرحمة في قلوبهم لعباد اللَّه تعالى أكثر من غيرهم، وقد بكى نبينا نبي الرحمة ﷺ . فقيل: أنت تبكي يا رسول اللَّه! قال: (هذه رحمة، وإنما يرحم اللَّه من عباده الرحماء)، فلأجل ذلك بكى موسى ﵇ رحمة لأمته؛ لأن هذا وقت أفضال وجود وكرم، لعل اللَّه يرحم أمته ببركة هذه الساعة، وقد قيل: إن غرض موسى إدخال السرور على نبينا ﷺ بأنه أكثر أتباعًا، وأن أمته أكثر ممن يدخل الجنة من أمتي، وأمة موسى كانت كثيرًا، وأما قوله: (لأن غلامًا بعث بعدي) فليس على سبيل التنقيص ولم يرد به استصغار شأنه، بل على سبيل التنويه والتعظيم لقدرة اللَّه سبحانه وعظم كرمه بإعطاء ما كان في ذلك السن ما لم يعط أحدًا قبله ممن كان أسن منه، والمراد استقصار مدته مع استكثار فضائله واستتمام سواد أمته، وقد يطلق الغلام ويراد به القوي الطري الشاب، ولهذا كان أهل المدينة يسمونه حين هاجر إليهم شابًا وأبا بكر مع أنه أصغر سنًا منه شيخًا.
وقال الشيخ (١): ويظهر لي أن موسى ﵇ أشار بهذا اللفظ إلى استمرار قوة نبينا ﷺ في الكهولة إلى أن دخل في أول الشيخوخة، ولم يدخل على بدنه هرم ولا اعترى قوته نقص كأنه شاب إلى الآن.
стр. 5572
فَلَمَّا خَلَصْتُ فَإِذَا إِبْرَاهِيمُ، قَالَ: هَذَا أَبُوكَ إِبْرَاهِيمُ، فَسَلِّمْ عَلَيْهِ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَرَدَّ السَّلَامَ ثم قَالَ: مَرْحَبًا بِالابْنِ الصَّالِحِ، وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ، ثُمَّ رُفِعْتُ إِلَى سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى،
ــ
وقوله: (مرحبًا بالابن الصالح والنبي الصالح) اعلم أن الأنبياء كلهم وصفوه ﷺ بالصلاح، ويعلم منه أن الصلاح مرتبة رفيعة عظيمة، وقد وصف اللَّه تعالى في كتابه المجيد أنبياء صلوات اللَّه عليهم بذلك، فقال: ﴿كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الأنعام: ٨٥]، ﴿وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٢]، والصلاح ضد الفساد، ويتضمن الاتصاف بجميع ما يصلح القلب ويجعله صالحًا لما يقصد به من الكمالات والصفات الجميلة.
وقوله: (ثم رفعت إلى) الأكثر بضم الراء وسكون العين وضم التاء بضمير المتكلم وبعده (إلى) للانتهاء. وللكشميهني: (رفعت لي) بفتح العين وسكون التاء وبعده لام الجر داخلة على ياء المتكلم، أي: رفعت السدرة لي، أي: من أجلي، والرفع تقريب الشيء، وقد فسر قوله تعالى: ﴿سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ﴾ [الغاشية: ١٣] بموضوعة بعضها على بعض وبمقربة لهم، فمعناه على الأول رقيت وقربت إليه، وعلى الثاني أظهرت السدرة ورئيت لي، والسدر: شجرة النبق، والواحدة بهاء، وإنما سميت سدرة المنتهى؛ لأن علم الملائكة ومقامهم ينتهي إليها، ولم يجاوزها أحد إلا نبينا ﷺ ، ولأنه ينتهي إليها ما يعرج من الأرض من الأعمال فيقبض منها، ومن هناك ينزل الأمر وتتلقى الأحكام، وعندها تقف الحفظة وغيرهم، ولا يتعدونها فكانت منتهى.
وقال بعض العلماء: اختيرت السدرة دون غيرها من الأشجار؛ لأن فيها ثلاثة أصناف: ظل مديد، وطعم لذيذ، ورائحة زكية، فكانت بمنزلة الإيمان الذي يجمع القول والعمل والنية، فالظل بمنزلة العمل، والطعم بمنزلة النية، والرائحة بمنزلة القول،
стр. 5573
فَإِذَا نَبِقُهَا مِثْلُ قِلَالِ هَجَرٍ، وَإِذَا وَرَقُهَا مِثْلُ آذَانِ الْفِيَلَةِ، قَالَ: هَذَا سِدْرَةُ الْمُنْتَهَى، فَإِذَا أَرْبَعَةُ أَنْهَارٍ: نَهْرَانِ بَاطِنَانِ وَنَهْرَانِ ظَاهِرَانِ، قُلْتُ: مَا هَذَانِ يَا جِبْرَئِيلُ؟ قَالَ: أَمَّا الْبَاطِنَانِ فَنَهْرَانِ فِي الْجَنَّةِ، وَأَمَّا الظَّاهِرَانِ فَالنِّيلُ وَالْفُرَاتُ،
ــ
والنبق حمل السدر بفتح النون وكسرها وسكون الموحدة وككتف، واحدته بهاء.
وقوله: (قلال) بالكسر جمع قلة بالضم، وهي الجرة، و (هجر) بفتحتين اسم موضع يصنع فيه القلال كثيرًا، وسبق في (كتاب الطهارة). و (الفيلة) بكسر الفاء وفتح التحتانية جمع الفيل، وهذا تمثيل على قدر فهم الناس، وليس على حقيقته، فقد ورد في بعض الروايات: (فإذا كل ورقة منها تغطي هذه الأمة) (١)، ويدل هذا الحديث أن السدرة في السماء السابعة، وهو الصحيح المشهور الأكثر رواية، ووقع في بعض الروايات أنها في السماء السادسة، وقالوا في وجه الجمع: بأن أصولها في السادسة وفروعها في السابعة، واللَّه أعلم.
وقوله: (نهران باطنان) أي: يجريان في الجنة ولا يخرجان منها، نقل الطيبي (٢) أنهما السلسبيل والكوثر، وفي (شرح ابن الملك) (٣): يقال لأحدهما: الكوثر، وللآخر: نهر الرحمة، وإنما قال: باطنان لخفاء أمرهما فلا تهتدي العقول إلى وصفهما، أو لأنهما مخفيان عن أبصار الناظرين فلا يريان حتى يَصُبَّا في الجنة، انتهى.
وأما الظاهران فالنيل والفرات، الحديث يدل على أن النيل وهو نهر مصر، والفرات
стр. 5574
ثُمَّ رُفِعَ لِيَ الْبَيْتُ الْمَعْمُورُ، ثُمَّ أُتِيتُ بِإِنَاءٍ مِنْ خَمْرٍ وَإِنَاءٍ مِنْ لَبَنٍ وَإِنَاءٍ مِنْ عَسَلٍ، فَأَخَذْتُ اللَّبَنَ، قَالَ: هِيَ الْفِطْرَةُ، أَنْتَ عَلَيْهَا وَأُمَّتُكَ،
ــ
وهو نهر الكوفة يخرجان من أصل السدرة، ثم يخرجان من الأرض ويسيران فيها فوجب المصير إليه، وقد أورد السيوطي في النيل من الأحاديث ما يدل عليه، ويتضمن عجائب وغرائب ما تتحير العقول فيه، وقيل: يحتمل أن يكون المراد بهما ما عرفا بين الناس ويكون مادتهما مما يخرج من أصل السدرة، ولم يدرك كيفته، وأن يكون من باب الاستعارة بأن شَبَّههما بنهري الجنة في العظم والعذوبة، أو من باب توافق الأسماء بأن يكون اسما نهري الجنة موافقتين لاسمي نهري الدنيا، كذا في (شرح ابن الملك).
وقوله: (ثم رفع لي البيت المعمور) وهو بيت في السماء السابعة بإزاء الكعبة بحيث لو فرض سقوطه لوقع عليها، ويأتي ذكره في الحديث الآتي.
وقوله: (هي الفطرة) نقل في (المواهب) (١): اخترت اللبن الذي عليه بنيت الخلقة وبه نبت اللحم ونشز العظم، أو اخترته لأنه الحلال الدائم في دين الإسلام، بخلاف الخمر فإنه حرام فيما يستقر عليه الأمر، وقال النووي (٢): المراد بالفطرة هنا الإسلام والاستقامة، قال: ومعناه -واللَّه أعلم- اخترت علامة الإسلام والاستقامة، قال: وجعل اللبن علامة لذلك لكونه سهلًا طيبًا طاهرًا سائغا للشاربين سليم العاقبة، وأما الخمر فإنها أم الخبائث وجالبة لأنواع الشر في الحال والمآل، انتهى.
وبما ذكر يظهر الجواب عما يقال: إن الخمر إذ ذاك كانت مباحة؛ لأنها إنما حرمت بالمدينة، فما وجه تعيينه ﷺ لأحد المباحين؟
стр. 5575
ثُمَّ فُرِضَتْ عَلَيَّ الصَّلَاةُ خَمْسِينَ صَلَاةً كُلَّ يَوْمٍ، فَرَجَعْتُ فَمَرَرْتُ عَلَى مُوسَى، فَقَالَ: بِمَا أُمُرْتَ؟ قُلْتُ: أُمِرْتُ بِخَمْسِينَ صَلَاةً كُلَّ يَوْمٍ. قَالَ: إِنَّ أُمَّتَكَ لَا تَسْتَطِيعُ خَمْسِينَ صَلَاةً كُلَّ يَوْمٍ، وَإِنِّي وَاللَّهِ قَدْ جَرَّبْتُ النَّاسَ قَبْلَكَ،
ــ
وإن قلنا: إنها كانت من خمر الجنة كان سبب تجنبها صورتها ومضاهاتها الخمر المحرمة، أي: في علم اللَّه تعالى، وذلك أبلغ في الورع والتقوى، وهذا الحديث يدل على أن الإتيان بالأواني الثلاث كان فوق السماء، ودل بعض الأحاديث على أنه كان عند إتيان المسجد الأقصى، ولعله كان مرتين في المقامين جميعًا صرح به الحافظ العماد ابن كثير (١)، وقد لا يذكر في بعض الأحاديث العسل، ويصلح وجهًا لذلك مثل ما ذكرنا، واللَّه أعلم.
وقوله: (ثم فرضت علي الصلاة) قال بعض العارفين: الحكمة في فرض الصلاة ليلة الإسراء أنه ﷺ لما عرج به رأى في تلك الليلة تعبد الملائكة، وأن منهم القائم فلا يقعد، والراكع فلا يسجد، والساجد فلا يقعد، فجمع اللَّه تعالى له ولأمته تلك العبادات كلها في الركعة، وفيه نظر فتأمل.
وقوله: (فقال: بما أمرت؟ ) قيل: لعل اختصاص موسى ﵇ بالتكلم في هذا المقام لاختصاصه بكلام اللَّه تعالى في الدنيا من بين سائر الأنبياء والرسل، وقد بالغ ﵇ في النصيحة والشفقة لهذه الأمة في هذه القضية، وظهر منه ما لم يظهر أحد من الأنبياء.
وقوله: (أمضيت فريضتي) استدل بحديث المعراج في فرضية خمس صلوات وإمضائها وعدم تبدلها من قال: بعدم وجوب الوتر، والجواب أن المراد الفرضية القطعية
стр. 5576
وَعَالَجْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَشَدَّ الْمُعَالَجَةِ، فَارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَسَلْهُ التَّخْفِيفَ لأُمَّتِكَ، فَرَجَعْتُ فَوَضَعَ عَنِّي عَشْرًا، فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى فَقَالَ مِثْلَهُ، فَرَجَعْتُ فَوَضَعَ عَنِّي عَشْرًا، فَرَجَعْتُ إِلى مُوسَى فَقَالَ مِثْلَهُ، فَرَجَعْتُ فَوَضَعَ عَنِّي عَشْرًا، فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى فَقَالَ مِثْلَهُ، فَرَجَعْتُ فَوَضَعَ عَنِّي عَشْرًا، فَأُمِرْتُ بِعَشْرِ صَلَوَاتٍ كُلَّ يَوْمٍ، فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى فَقَالَ مِثْلَهُ، فَرَجَعْتُ فَأُمِرْتُ بِخَمْسِ صَلَوَاتٍ كُلَّ يَوْمٍ، فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى فَقَالَ: بِمَا أُمِرْتَ؟ قُلْتُ: أُمِرْتُ بِخَمْسِ صَلَوَاتٍ كُلَّ يَوْمٍ. قَالَ: إِنَّ أُمَّتَكَ لَا تَسْتَطِيعُ خَمْسَ صَلَوَاتٍ كُلَّ يَوْمٍ، وإنِّي قَدْ جَرَّبْتُ النَّاسَ قَبْلَكَ، وَعَالَجْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَشَدَّ الْمُعَالَجَةِ، فَارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ، فَسَلْهُ التَّخْفِيفَ لأُمَّتِكَ، قَالَ: سَأَلْتُ رَبِّي حَتَّى اسْتَحْيَيْتُ،
ــ
عملًا واعتقادًا، ووجوب الوتر ليس كذلك، وهو ثابت بالسنة بدليل فيه شبهة، ولذا قال إمامنا الأعظم بوجوبه بهذا المعنى، دون فرضيته بذلك المعنى على أنه يجوز أن يكون المراد بإمضاء فرضية الخمس وعدم تبدلها [عدم] نسخ فرضيتها كلًّا أو بعضًا لا عدم الزيادة عليها، فيجوز أن يوحى بعد فرضية الخمس بصلاة أخرى.
وقوله: (وعالجت بني إسرائيل) أي: مارستهم ولقيت الشدة منهم، في (القاموس) (١): عالجه علاجًا ومعالجة: زاوله وداواه، انتهى.
وقوله: (فارجع إلى ربك) أي: إلى موضع ناجيت ربك فيه.
وقوله: (فرجعت) يدل على أنه لم يكن واجبًا قطعًا، ولذلك علم موسى ﵇
стр. 5577
وَلَكِنِّي أَرْضَى وَأُسُلِّمُ. قَالَ: فَلَمَّا جَاوَزْتُ نَادَى مُنَادٍ: أَمْضَيْتُ فَرِيضَتِي وَخَفَّفْتُ عَنْ عِبَادِي". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٨٨٧، م: ١٦٤].
٥٨٦٣ - [٢] وَعَنْ ثَابِتٍ البُنانيِّ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "أُتِيتُ بِالبُرَاقِ وَهُوَ دَابَّةٌ أَبْيَضُ طَوِيلٌ، فَوْقَ الْحِمَارِ وَدُونَ الْبَغْلِ، يَقَعُ حَافِرُهُ عِنْدَ مُنْتَهَى طَرْفِهِ، فَرَكبْتُهُ حَتَّى أَتَيْتُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ، فَرَبَطْتُهُ بِالْحَلْقَةِ الَّتِي تَربطُ بِهَا الأَنْبِيَاءُ". . . . .
ــ
وعرف نبينا ﷺ وإلا كيف يتصور المراجعة، ويمكن أن يكون نسخًا، كما قال من جوز النسخ قبل العمل والتمكن منه.
٥٨٦٣ - [٢] (ثابت البناني) قوله: (وعن ثابت البناني) بضم الباء وتخفيف النون، و (الحلقة) أي: حلقة باب المسجد بسكون اللام على اللغة الفصيحة المشهورة وحكي فتحها.
وقوله: (تربط) بالفوقانية في أكثر النسخ بتأويل الجماعة، وبالتحتانية في بعضها، و (بها) بضمير المؤنث راجعًا إلى الحلقة، وفي الحواشي: (يربط به) بضمير المذكر في الأصول باعتبار المعنى، والمراد أني ربطت دابتي بالحلقة التي تربط بها الأنبياء دوابهم، فلا يلزم أن يكون هذه الدابة قد ركبها الأنبياء، نعم لا يبعد أن يكون المعنى ربطت براقي حيث كان كل من الأنبياء يربط براقه على ما نقلنا قبل أنه كان لكل نبي براق، وأما هذا البراق فمخصوص به ﷺ ، فافهم.
وجاء في بعض الروايات: فلما بلغ بيت المقدس فبلغ المكان الذي يقال له: باب محمد، أتى إلى الحجر الذي به فغمز جبرئيل بأصبعه فنقبه ثم ربطها، فلما استويا في سرحة المسجد قال جبرئيل: يا محمد! هل سألت ربك أن يريك الحور العين؟ قال: نعم، قال: فانطلق إلى أولئك النسوة فسلم عليهن. و (بيت المقدس) فيه لغتان
стр. 5578
قَالَ: "ثُمَّ دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ فَصَلَّيْتُ فِيهِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ خَرَجْتُ فَجَاءَنِي جِبْرَئِيلُ بِإِنَاءٍ مِنْ خَمْرٍ وإنَاءٍ مِنْ لَبَنٍ، فَاخْتَرْتُ اللَّبَنَ، فَقَالَ جِبْرَئِيلُ: اخْتَرْتَ الْفِطْرَةَ،
ــ
فتح الميم مع سكون القاف وكسر الدال وضم الميم وفتح القاف مع تشديد الدال.
وقوله: (فصليت فيه ركعتين) الظاهر أنهما ركعتا تحية المسجد، ولقد فات الراوي في هذا الحديث ذكر صلاته ﷺ مع الأنبياء وإمامته لهم، إما اختصارًا أو ذهولًا كما فات في الحديث الأول ذكر دخوله بيت المقدس، بل هذا أظهر لأنه قد قيل: إن المعراج كان في غير ليلة الإسراء، أما في الحديث الذي فيه ذكر الإسراء فرواية الإمامة ثابتة قطعًا، ففي رواية عبد الرحمن بن هشام عن أنس: ثم بعث آدم فمن دونه فأمهم تلك الليلة، وفي حديث أم هانئ عند أبي يعلى: (ونشر لي رهط من الأنبياء، منهم إبراهيم وموسى وعيسى) (١). وفي رواية أبي سلمة: (ثم حانت الصلاة فأممتهم)، أخرجه مسلم (٢)، وفي حديث أبي أمامة عند الطبراني في (الأوسط) (٣): أقيمت الصلاة فتدافعوا حتى قدموا محمدًا ﷺ ، وفي رواية ابن مسعود: (ثم دخلت المسجد، فعرفت النبيين ما بين راكع وساجد، ثم أذن مؤذن، فأقيمت الصلاة، فقمنا صفوفًا فأنتظر من يؤمنا، فأخذ بيدي جبرئيل فقدمني، فصليت بهم، فلما انصرفت قال لي جبرئيل: أتدري من صلى خلفك؟ قال: لا، قال: صلى خلفك كل نبي بعثه اللَّه تعالى) (٤).
стр. 5579
ثُمَّ عُرِجَ بِنَا إِلَى السَّمَاءِ". وَسَاقَ مِثْلَ مَعْنَاهُ، قَالَ: "فَإِذَا أَنَا بِآدَمَ، فرحَّبَ بِي، وَدَعَا لِي بِخَيْرٍ". وَقَالَ فِي السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ: "فَإِذَا أَنَا بِيُوسُفَ، إِذَا هُوَ قَدْ أُعْطِيَ شَطْرَ الْحُسْنِ، فَرَحَّبَ بِي وَدَعَا لِي بِخَيْرٍ". وَلَمْ يَذْكُرْ بُكَاءَ مُوسَى، وَقَالَ فِي السَّمَاءِ السَّابِعَةِ: . . . . .
ــ
واختلف في أن هذه الصلاة كانت نفلًا أو فرضًا؟ وإذا قلنا: كانت فرضًا فأيّ صلاة صبح أو عشاء؟ وهذا إنما يتأتى على قول من قال: إنه صلى بهم بعد عروجه إلى السماء ونزوله منها، وقد قيل به، وقيل: صلى قبله وبعده، فقبله يكون نفلًا وبعده يكون فرضًا، كذا قيل، ولا يخفى أن الصلاة كانت فرضًا قبل قصة المعراج، وإنما فرضت بعد المعراج الخمس، فتدبر. وجاء في حديث أبي هريرة عن البزار والحاكم: أنه صلى بيت المقدس مع الملائكة وأنه أتي هناك بأرواح الأنبياء، فحمدوا اللَّه، وأثنوا عليه بما هو أهله، ثم حمد نبينا ﷺ ففاق الكل، وبلغ النهاية في ذلك، فأقبل إبراهيم على الأنبياء، وقال: بهذا فضلكم محمد (١).
وقوله: (ثم عرج بنا) بلفظ المجهول، وضمير الجمع في (بنا) إما للتعظيم لصعوده مقام الرفعة والعلاء أو لنفسه وجبرئيل والبراق، واللَّه أعلم.
وقوله: (شطر الحسن) الشطر: نصف الشيء وجزؤه، وقد يجيء الشطر بمعنى الجهة والناحية، كذا في (القاموس) (٢)، ويمكن الحمل على هذا المعنى أيضًا.
وبالجملة قد ثبت في شأن حسن يوسف وصباحة وجهه ما يوقع في النفس أنه كان أحسن الناس طرًّا، وقد يروى في قصة المعراج أن رسول اللَّه ﷺ قال: (فأنا برجل
стр. 5580
"فَإِذَا أَنَا بِإِبْرَاهِيمَ مُسْنِدًا ظَهْرَهُ إِلَى الْبَيْتِ الْمَعْمُورِ،
ــ
أحسن ما خلق اللَّه، قد فضل الناس بالحسن كالقمر ليلة البدر على سائر الكواكب)،
وهذا ينافي حديثًا أورده الترمذي في (جامعه) (١) من طريق أنس بن مالك: (ما بعث اللَّه نبيًا إلا حسن الوجه وحسن الصوت، وكان نبيكم أحسنهم وجهًا وأحسنهم صوتًا)، فحديث المعراج مخصوص بغيره ﷺ ، ويؤيده قول من قال: إن المتكلم لا يدخل في عموم خطابه، كذا في (روضة الأحباب)، وفي (شرح الشمائل) (٢) لشيخ شيوخنا أحمد بن حجر المكي: اعلم أن من تمام الإيمان به ﷺ اعتقاد أنه لم يجتمع في بدن آدمي من المحاسن الظاهرة ما جمع فيه؛ لأن المحاسن الظاهرة آيات على المحاسن الباطنة، ولا أكمل منه ﷺ ولا مساوي له في هذا المدلول فكذلك في الدال.
قال العبد الفقير إلى اللَّه ورسوله: وإن شئت مدحته ووصفته بما يليق ويختص به، فوصفه أنه جمع الكمالات كلها إلا ما اختص بمرتبة الألوهية، ورحم اللَّه البوصيري في قوله:
دع ما ادعته النصارى في نبيهم ... واحكم بما شئت مدحًا فيه واحتكم
وانسب إلى ذاته ما شئت من شرف ... وانسب إلى قدره ما شئت من عظم
وهذا هو الحد في وصفه ﷺ .
وقوله: (مسندًا) بكسر النون حال، كذا في (الأصول)، ووقع في بعض نسخ (المصابيح): (مسند) بالرفع على حذف المبتدأ.
стр. 5581
وَإِذَا هُوَ يَدْخُلُهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ، لَا يَعُودُونَ إِلَيْهِ، ثُمَّ ذَهَبَ بِي إِلَى سِدْرَة الْمُنْتَهَى، فَإِذَا وَرَقُهَا كآذَانِ الْفِيَلَةِ، وإذَا ثَمَرُهَا كَالْقِلَالِ، فَلَمَّا غَشِيَهَا مِنْ أَمْرِ اللَّهِ مَا غَشِيَ تَغَيَّرَتْ، فَمَا أَحَدٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَنْعَتَهَا مِنْ حُسْنِهَا، وَأَوْحَى إِلَيَّ مَا أَوْحَى، فَفَرَضَ عَلَيَّ خَمْسِينَ صَلَاةً فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، فَنَزَلْتُ إِلَى مُوسَى فَقَالَ: مَا فَرَضَ رَبّكَ عَلَى أُمَّتِكَ؟ قُلْتُ: خَمْسِينَ صَلَاةً فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ. قَالَ: ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَسَلْهُ التَّخْفِيفَ، فَإِنَّ أُمَّتَكَ لَا تُطِيقُ ذَلِكَ، فَإِنِّي بَلَوْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَخَبَرْتُهُمْ. . . . .
ــ
وقوله: (وإذا هو) أي: البيت المعمور.
وقوله: (ما غشي) قيل: هو فراش من ذهب كما جاء في الحديث، والمراد أنوار أجنحة الملائكة.
وقوله: (وأوحى إلي ما أوحى) تكلموا في بيان ما أوحى، والأحوط الأقرب إلى الصواب أن يترك على إبهامه وإجماله، وأنه لا يعلمه إلا اللَّه ورسوله، وقد فسره بعض العلماء بما لاح لهم من ذلك برواية أو استنباط، وقد صح من جملة ذلك ثلاثة أشياء: فريضة الصلوات الخمس، وخواتيم سورة البقرة، والثالث أن ذنوب أمة محمد سوى الشرك معفو ومغفور.
وقوله: (بلوت) أي: امتحنت وجربت.
وقوله: (وخبرتهم) بالتخفيف من الخبرة بمعنى الاختبار، في (القاموس) (١): الخبر والخبرة، بكسرهما ويضمان والمخبرة: العلم بالشيء كالاختبار والتخبُّر.
стр. 5582
قَالَ: "فَرَجَعْتُ إِلَى رَبِّي فَقُلْتُ: يَا رَبِّ! خَفِّفْ عَلَى أُمَّتِي، فَحَطَّ عَنِّي خَمْسًا، فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى فَقُلْتُ: حَطَّ عَنِّي خَمْسًا. قَالَ: إِنَّ أُمَّتَكَ لَا تُطِيقُ ذَلِكَ، فَارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَسَلْهُ التَّخْفِيفَ". قَالَ: "فَلَمْ أَزَلْ أَرْجِعُ بَيْنَ رَبِّي وَبَيْنَ مُوسَى حَتَّى قَالَ: يَا مُحَمَّدُ! إِنَّهُنَّ خَمْسُ صَلَوَاتٍ كُلَّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، لِكُلِّ صَلَاةٍ عَشْرٌ، فَذَلِكَ خَمْسُونَ صَلَاةً، مَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلهَا كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَةً،
ــ
وقوله: (فحط عني خمسًا) قد مرّ في الحديث السابق عن مالك بن صعصعة: (فوضع عني عشرًا)، وجاء في حديث البخاري عن أنس بن مالك: (فوضع شطرها)، ووقع ههنا من حديث ثابت: (فحط عني خمسًا).
قال الشيخ: قال ابن المنير: ذكر الشطر أعم من كونه دفعة واحدة، قلت: وكذا العشر، وكأنه وضع العشر في دفعتين، والشطر في خمس درجات، أو المراد بالشطر في حديث الباب البعض. وقد حققت رواية ثابت أن التخفيف خمسًا خمسًا وهي زيادة معتمدة، ويتعين حمل باقي الروايات عليها، وأما قول الكرماني: الشطر هو النصف، ففي المراجعة الأولى وضع خمسًا وعشرين، وفي الثانية ثلاثة عشر يعني نصف الخمسة والعشرين بجبر الكسر، وفي الثالثة سبعة، وليس في حديث الباب في المراجعة الثالثة ذكر وضع شيء إلا أن يقال: حذف ذلك اختصارًا فمتجه، لكن الجمع بين الروايات يأبى هذا الحمل، فالمعتمد ما تقدم، انتهى كلام الشيخ (١)، فتدبر.
وقوله: (من هم بحسنة. . . إلخ)، زيادة تفضل من المولى الرحيم على أمة حبيبه الكريم بعد أن جعل واحدة بعشر، وفي قوله: (كتبت) بلفظ المجهول ضميره للحسنة
стр. 5583
فَإِنْ عَمِلَهَا كُتِبَتْ لَهُ عَشْرًا، وَمَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا لَمْ تُكْتَبْ لَهُ شَيْئًا، فَإِنْ عَمِلَهَا كُتِبَتْ لَهُ سَيِّئَةً وَاحِدَةً". قَالَ: "فَنَزَلْتُ حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلى مُوسَى فَأَخْبَرتُهُ فَقَالَ: ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَسَلْهُ التَّخْفِيفَ" فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "فَقُلْتُ: قَدْ رَجَعْتُ إِلَى رَبِّي حَتَّى اسْتَحْيَيْتُ مِنْهُ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٦٢].
٥٨٦٤ - [٣] وَعَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ أَبُو ذَرٍّ يُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "فُرِجَ عَنِّي سَقْفُ بَيْتِي، وَأَنَا بِمَكَّةَ، فَنَزَلَ جِبْرَئِيلُ، فَفَرَجَ صَدْرِي، ثُمَّ غَسَلَهُ بِمَاءِ زَمْزَمَ، ثُمَّ جَاءَ بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ مُمْتَلِئٍ حِكْمَةً وَإِيمَانًا، فَأَفْرَغَهُ فِي صَدْرِي، ثُمَّ أَطْبقَهُ، ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِي، فَعَرَجَ بِي إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا. قَالَ جِبْرَئِيلُ لِخَازِنِ السَّمَاءِ: افْتَحْ. قَالَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرَئِيلُ. قَالَ: هَلْ مَعَكَ أَحَدٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، مَعِي مُحَمَّدٌ ﷺ فَقَالَ: أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَلَمَّا فُتِحَ عَلَوْنَا السَّمَاءَ الدُّنْيَا، إِذَا رَجُلٌ قَاعِدٌ، عَلَى يَمِينِهِ أَسْوِدَةٌ، وَعَلَى يَسَارِه أَسْوِدَةٌ، إِذَا نَظَرَ قِبَلَ يَمِينِهِ ضَحِكَ،
ــ
و(حسنة) منصوب، وكذا في قوله: (كتبت له عشرًا)، وكذا في البواقي.
٥٨٦٤ - [٣] (ابن شهاب) قوله: (فرج) بلفظ المجهول مخففًا، كذا في النسخ المصححة، وفرج بالتشديد أيضًا بمعناه.
وقوله: (ففرج) بلفظ المعلوم مخففًا.
وقوله: (فعرج بي إلى السماء) أيضًا بلفظ المعلوم، وهذا يدل بظاهره على أن المعراج كان في غير ليلة الإسراء، كما ذهب إليه بعضهم، كما يفهم من حديث مالك ابن صعصعة كما مرّ.
وقوله: (أسودة) بفتح الهمزة وسكون السين وكسر الواو جمع سواد، وهو شخص
стр. 5584
وَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ شَمَالِهِ بَكَى، فَقَالَ: مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالِابْنِ الصَّالِحِ. قُلْتُ لِجِبْرِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا آدَمُ، وَهَذِهِ الأَسْوِدَةُ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ نَسَمُ بَنِيهِ، فَأَهْلُ الْيَمين مِنْهُم أَهْلُ الْجَنَّةِ، وَالأَسْوِدَةُ الَّتِي عَنْ شِمَالِهِ أَهْلُ النَّار، فَإِذَا نظرَ عَنْ يَمِينِهِ ضَحِكَ، وَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ شَمَالِهِ بَكَى،
ــ
الإنسان، وقال في (فتح الباري) (١): هي الأشخاص من كل شيء.
وقوله: (قلت لجبرئيل: من هذا؟ ) ظاهر هذا الحديث أن سؤال النبي ﷺ عن جبرئيل من هذا كان بعد ترحيب آدم له، وحديث مالك بن صعصعة الذي مر دل على أن الترحيب كان بعد السؤال، وهو المعتمد، وفيه ما يدل على تراخي الترحيب عن السؤال، فيحمل هذا على ذاك، إذ ليس فيه أداة ترتيب.
وقوله: (نسم بنيه) النسم بنون وسين مهملة مفتوحتين جمع نسمة، وهي الروح، قال في (المشارق) (٢): قال الجوهري: النسمة: النفس، والروح، والبدن، وإنما يعنى هنا الروح، وقال الخليل: النسمة: الإنسان، وقال: ضبط بعضهم عن القابسي: (شيم) بشين معجمة جمع شيمة: وهي الطباع، وهو تصحيف، انتهى.
وقال الشيخ (٣): قد جاء أن أرواح الكفار في سجين، وأرواح المؤمنين منعمة في الجنة، فكيف [تكون] مجتمعة في سماء الدنيا؟ وأجيب بأنه يحتمل أنها تعرض على آدم أوقاتًا فصادف وقت عرضها مرور النبي ﷺ ، ويحتمل أن النسم المرئية هي التي لم تدخل الأجساد بعد، وهي مخلوقة قبل الأجساد، ومستقرها عن يمين آدم
стр. 5585
حَتَّى عُرَجَ بِي إِلَى السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ فَقَالَ لِخَازِنِهَا: افْتَحْ، فَقَالَ لَهُ خَازِنُهَا مِثْلَ مَا قَالَ الأَوَّلُ". قَالَ أَنَسٌ: فَذَكَرَ أَنَّهُ وَجَدَ فِي السَّمَاوَاتِ آدَمَ، وَإِدْرِيسَ، وَمُوسَى، وَعِيسَى، وَإِبْرَاهِيمَ، وَلَمْ يُثْبِتْ كَيْفَ مَنَازِلُهُمْ، غَيْرَ أَنَّهُ ذَكَرَ أَنَّهُ وَجَدَ آدَمَ فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا، وَإِبْرَاهِيمَ فِي السَّمَاءِ السَّادِسَةِ، قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فَأَخْبَرَنِي ابْنُ حَزْمٍ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ وَأَبَا حَبَّةَ الأَنْصَاريَّ كَانَا يَقُولَانِ: . . . . .
ــ
وشماله، وقد أعلم بما سيصيرون إليه، فقوله: نسم [بنيه] عام مخصوص، انتهى كلام الشيخ.
والأظهر أن يقال: إنها تمثلت أولها وآخرها في تلك الليلة إراءة للنبي ﷺ على ما نطق به قوله تعالى: ﴿لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا﴾ [الإسراء: ١]، ولا يقتضي قوله: فأهل اليمين منهم أهل الجنة، والأسودة التي عن شماله أهل النار وجود الجنة والنار وحضورهما هناك، كما لا يخفى على أنه يمكن القول بتمثلهما أيضًا، كما في حديث: (رأيت الجنة والنار في عرض هذا الحائط) (١)، واللَّه أعلم.
وقوله: (وإبراهيم في السادسة) قد مرّ في حديث مالك بن صعصعة: أنه رآه في السابعة، وهو أرجح لما جاء في رواية الجماعة: أنه رآه مسندًا إلى البيت المعمور وهو في السابعة، وقد مرّ.
وقوله: (فأخبرني ابن حزم) بفتح الحاء المهملة وسكون الزاي، و (أبا حبة) بالحاء المهملة والباء الموحدة، وهو الأشهر، وكذا في (القاموس) (٢)، وقال: أو صوابه حنة بالنون.
стр. 5586
قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "ثُمَّ عُرَجَ بِي حَتَّى ظَهَرْتُ لِمُسْتَوًى أَسْمَعُ فِيهِ صَرِيفَ الأَقْلَامِ"، وَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ وَأَنَسٌ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "فَفَرَضَ اللَّهُ عَلَى أُمَّتِي خَمْسِينَ صَلَاةً فَرَجَعْتُ بِذَلِكَ، حَتَّى مَرَرْتُ عَلَى مُوسَى فَقَالَ: مَا فَرَضَ اللَّهُ لَكَ عَلَى أُمَّتِكَ؟ قُلْتُ: فَرَضَ خَمْسِينَ صَلَاةً. . . . .
ــ
وقوله: (ظهرت) بلفظ المتكلم المعلوم من الظهور، والمراد صعدت وعلوت، و (المستوى) بفتح الواو محل الاستواء، والمراد به المصعد، قال التُّورِبِشْتِي (١): المستوى على مثال الملتقى: المستقر، وموضع الاستعلاء من الاستواء بمعنى الصعود والقصد، يقال: استوى إليه: قصد كالسهم المرسل إذا قصده قصدًا مستويًا من غير أن يلوي على شيء، وأصل الاستواء طلب السواء، وإطلاقه على الاعتدال لما فيه من تسوية وضع الأجزاء، كذا في (تفسير البيضاوي) (٢) في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ [البقرة: ٢٩]، واللام في قوله: (لمستوى) بمعنى إلى، وقيل: للعلة، أي: علوت وصعدت لاستعلاء مستوى أو لرؤيته أو لمطالعته صريف الأقلام، أي: صوت جريانها بما تكتبه من أقضية اللَّه ووحيه، وما ينسخونه من اللوح المحفوظ، أو ما شاء اللَّه أن يكتب ما أراد من أموره وتدبيره بأقلام لا يعلم كيفتها إلا هو، وقد يأولها المتفلسفة بتأويلات تخرجها عن الظاهر، والأقوم اعتقاد ظاهرها وإحالة حقيقتها إلى علم اللَّه سبحانه، واللَّه أعلم. نعم يجعل ذلك كناية عن الاطلاع على الكوائن، وتدبير اللَّه في خلقه، لكن الكناية لا يمنع إرادة الموضوع له، فافهم.
стр. 5587
قَالَ: فَارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ، فَإِنَّ أُمَّتَكَ لَا تُطِيقُ، فَرَاجَعَنِي، فَوَضَعَ شَطْرَهَا، فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى فَقُلْتُ: وَضَعَ شَطْرَهَا فَقَالَ: رَاجِعْ رَبَّكَ فَإِنَّ أُمَّتَكَ لَا تُطِيقُ ذَلِكَ، فَرَجَعْتُ فَرَاجَعْتُ، فَوَضَعَ شَطْرَهَا، فَرَجَعْتُ إِلَيْهِ، فَقَالَ: ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَإِنَّ أُمَّتَكَ لَا تُطِيقُ ذَلِكَ، فَرَاجَعْتُهُ فَقَالَ: هِيَ خَمْسٌ وَهِيَ خَمْسُونَ، لا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ، فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى فَقَالَ: رَاجِعْ رَبَّكَ فَقُلْتُ: اسْتَحْيَيْتُ مِنْ رَبِّي، ثُمَّ انْطُلِقَ بِي حَتَّى انْتُهِيَ بِي إِلَى سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى،
ــ
وقوله: (فارجع إلى ربك) وقوله: (فراجعني فوضع شطرها) في (الصراح) (١): رجوع: باز كَشتن، مراجعة: باز كَردانيدن سخن را، وتقدير الكلام: فرجعت فراجعني ربي فوضع شطرها، وفي رواية الكشميهني: (فراجعت إلى ربي) فلا حاجة إلى التقدير.
وقوله: (فرجعت فراجعت) أي: رجعت إلى ربي فراجعته الكلام، وفي بعض النسخ جعل (فراجعت) نسخة مكان (فرجعت) وهو أنسب بقول موسى: (راجع ربك)، وقوله في الثالثة: (فراجعت) موافق برواية الكشميهني.
وقوله: (لا يبدل القول لدي) يحتمل أن يكون المراد عدم تبديل الخمس وكونه حكمًا مؤبدًا، أو عدم تبديل الحكم بأن الخمس في حكم خمسين، وكون الحسنة الواحدة بعشرة، وهذا المعنى أظهر.
وقوله: (ثم انطلق بي حتى انتهي) كلاهما بلفظ المجهول.
стр. 5588
وَغَشِيَهَا أَلْوَانٌ لَا أَدْرِي مَا هِيَ؟ ثُمَّ أُدْخِلْتُ الْجَنَّةَ فَإِذَا فِيهَا جَنَابِذُ اللُّؤْلُؤِ، وَإِذَا تُرَابُهَا الْمِسْكُ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٣٤٢، م: ١٦٣].
ــ
وقوله: (لا أدري ما هي؟ ) أي: في أول الأمر، أو مبالغة بحيث لا يطيقها نعت ولا يحصيها عد، أو المراد أنها كانت لا تشبه الألوان المشهودة المستحضرة في النفوس، فأنعت لكم بذكر نظائرها وأشباهها، أو صدر هذا القول من غاية الحيرة والدهش عن قدرة اللَّه وإلا لا مجال لأن يقال: لم يوقفه على ذلك رسول اللَّه ﷺ في تلك الليلة، والألوان عبارة عن أنوار الملكوت، وقد وقع في الروايات التعبير عنها بفراش الذهب، كما يأتي في الحديث الآتي.
و(الجنابذ) جمع جنبذة بضم الجيم وسكون النون وبالموحدة المضمومة وبالمنقوطة: ما ارتفع من الشيء واستدار كالقبة، والعامة تقول بفتح الموحدة، والظاهر أنه فارسي معرب، كذا قال الكرماني (١)، ويريد بالفارسي كَنبذ، قال الشيخ (٢): كذا وقع في رواية البخاري في أحاديث الأنبياء من رواية ابن المبارك وغيره، وكذا عند غيره من الأئمة، ووقع عند مسلم: (بينا أسير في الجنة إذا أنا بنهر حافتاه قباب الدر المجوف وإذا طينه مسك أذفر)، وفي رواية: (فيها حبائل اللؤلؤ)، وقال الشيخ (٣): كذا وقع لجميع رواة البخاري في هذا الموضع بالحاء المهملة ثم الموحدة وبعد الألف تحتانية ثم لام، وذكر كثير من الأئمة أنه تصحيف، وروى البخاري (٤) في التفسير عن
стр. 5589
٥٨٦٥ - [٤] وَعَنْ عَبدِ اللَّهِ قَالَ: لَمَّا أُسْرِيَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ انْتُهِيَ بِهِ إِلَى سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى، وَهِيَ فِي السَّمَاءِ السَّادِسَةِ، إِلَيْهَا يَنْتَهِي مَا يُعْرَجُ بِهِ مِنَ الأَرْضِ فَيُقْبَضُ مِنْهَا، وَإِلَيْهَا يَنْتَهِي مَا يُهْبَطُ بِهِ مِنْ فَوْقهَا فَيُقْبَضُ مِنْهَا، قَالَ: ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى (١٦)﴾ قَالَ: فَرَاشٌ مِنْ ذَهَبٍ،
ــ
قتادة عن أنس: لما عرج بالنبي ﷺ قال: (أتيت على نهر حافتاه قباب اللؤلؤ)، وقال صاحب (المطالع) في الحبائل: قيل: هي القلائد والعقود جمع حبالة، أو هي من حبائل الرمل، أي: فيها لؤلؤ مثل حبائل الرمل جمع حبل، وهو ما استطال من الرمل، وتعقب بأن الحبائل لا يكون إلا جمع حبالة أو حبيلة بوزن عظيمة، وقيل: الحبائل جمع حبالة، وحبالة جمع حبل على غير قياس.
٥٨٦٥ - [٤] (عبد اللَّه) قوله: (وهي في السماء السادسة) قد عرف مما سبق من حديث مالك بن صعصعة أنها في السماء السابعة، وعرفت وجه الجمع بينهما هناك.
وقوله: (ما يعرج به) بلفظ المجهول.
وقوله: (إذ يغشى السدرة) تعظيم وتكثير لما يغشاها، وهو المراد بقوله في الحديث السابق: (لا أدري ما هي)، لا حقيقة عدم الدراية كما أشرنا إليه هناك، فلا منافاة بين الحديثين، وروي أنه ﷺ قال: (رأيت على كل ورقة ملكًا قائمًا يسبح)، وقيل: فرق من الطير الخضر وهو أرواح الأنبياء والشهداء، وأما قول عبد اللَّه بن مسعود: (فراش من ذهب) بفتح الفاء فلا ينافي ذلك لجواز كونها أيضًا مما غشيها، كذا قال التُّورِبِشْتِي (١)، ويمكن أن يكون إطلاق الفراش على تلك الأنوار النازلة من عالم
стр. 5590
قَالَ: فَأُعْطِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثَلَاثًا: أُعْطِيَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ، وَأُعْطِيَ خَوَاتِيمَ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، وَغُفِرَ لِمَنْ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ مِنْ أُمَّتِهِ شَيْئًا الْمُقْحَمَاتُ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٧٣٠].
ــ
الملكوت بطريق التشبيه والاستعارة، فالفراش طير معروف يتهافت على السراج، وجعلها من الذهب لصفائها وضيائها، وفي الرواية: جراد من ذهب، قيل: ذكر الفراش والجراد على سبيل التمثيل؛ لأن من شأن الشجر أن يسقط عليها الجراد ونحوه، وجعلها من الذهب حقيقة والقدرة صالحة لذلك.
وقوله: (فأعطي رسول اللَّه ﷺ ثلاثًا) وبه فسر بعضهم قوله تعالى: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ [النجم: ١٠] كما أشرنا إليه من قبل.
وقوله: (وأعطي خواتيم سورة البقرة) الناطقة بكمال رحمة اللَّه تعالى لهذه الأمة المرحومة وتخفيفه عنهم ومغفرته لهم ونصرته إياهم على الكافرين، وقد ورد في الحديث: (أعطيت خواتيم سورة البقرة من كنز تحت العرش لم يعطهن نبي من قبل) (١)، فالمراد إعطاء مضمونها ومدلولها، وإلا فسورة البقرة مدنية، والمعراج كان بمكة، ويمكن أن يقال: يمكن أنها نزلت عليه ﷺ ليلة المعراج بلا واسطة جبرئيل، ثم نزل جبرئيل بها بعد نزول السورة بالمدينة فأثبت في المصاحف، ويؤيده ما جاء عن الحسن وابن سيرين ومجاهد: أن اللَّه تعالى جاء بها إليه بلا واسطة جبرئيل ليلة المعراج فكتبت عندهم، واللَّه أعلم.
و(المقحمات) بضم الميم وسكون القاف وكسر الحاء: الذنوب العظام التي تقحم أصحابها في النار، من اقتحم أمرًا عظيمًا ويقتحم: إذا رمى نفسه فيه من غير
стр. 5591
٥٨٦٦ - [٥] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَقَدْ رَأَيْتُنِي فِي الْحِجْرِ وَقُرَيْشٌ تَسْأَلُنِي عَنْ مَسْرَايَ، فَسَأَلَتْنِي عَنْ أَشْيَاءَ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ لَمْ أُثْبِتْهَا، فَكُرِبْتُ كَرْبًا مَا كُرِبْتُ مِثْلَهُ، فَرَفَعَهُ اللَّهُ لِي أَنْظُرُ إِلَيْهِ، مَا يَسْأَلُونِّي عَنْ شَيْءٍ إِلَّا أَنْبَأْتُهُمْ، وَقَدْ رَأَيْتُنِي فِي جَمَاعَةٍ مِنَ الأَنْبِيَاءِ، فَإِذَا مُوسَى قَائِمٌ يُصَلِّي. فَإِذَا رَجُلٌ ضَربٌ جَعْدٌ كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ شَنُوءَةَ، وَإِذَا عِيسَى قَائِمٌ يُصَلِّي أَقْرَبُ النَّاسِ بِهِ شَبَهًا عُرْوَةُ بنُ مَسْعُودٍ الثَّقفيُّ، فَإِذَا إِبْرَاهِيمُ قَائِمٌ يُصَلِّي، أَشْبَهُ النَّاسِ بِهِ صَاحِبُكُمْ -يَعْنِي نَفْسَهُ- فَحَانَتِ الصَّلَاةُ،
ــ
رَويَّة وتثبت، أقحمته فانقحم واقتحم، والمراد بالغفران أن لا يخلد صاحبها في النار، وقيل: المراد بعض الأمة.
٥٨٦٦ - [٥] (أبو هريرة) قوله: (لم أثبتها) من الإثبات، أي: لم أضبطها، أي: لم أشاهدها على اليقين، أو لم أحفظها الآن بطريان النسيان.
وقوله: (فكربت) بلفظ المجهول من الكرب، أي: أصابتني كرب وغم شديد.
وقوله: (فرفعه اللَّه لي) أي: قربه عني ورفع الحجاب بيني وبينه حتى شاهدته.
وقوله: (وقد رأيتني) أي: عند بيت المقدس.
وقوله: (فإذا رجل ضرب جعد) الضرب: الرجل الخفيف اللحم، والجعد: يحتمل جعودة الشعر وجعودة الجسم، وهو اجتماعه وغلظه.
فقيل: هذا هو المراد لأنه قد جاء في رواية أبي هريرة: أنه كان رجل الشعر، وقيل: ويحتمل الأول أيضًا، لأن الرجل من الشعر ما يكون بين السبوطة والجعودة، يقال: شعر رجل: إذا لم يكن شديد الجعودة، فيمكن وصفه بالجعودة في الجملة.
стр. 5592
فَأَمَمْتُهُمْ، فَلَمَّا فَرَغْتُ مِنَ الصَّلَاةِ، قَالَ لِي قَائِل: يَا مُحَمَّدُ! هَذَا مَالِكٌ خَازِنُ النَّارِ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ، فَالْتَفَتُّ إِلَيْهِ فَبَدَأَنِي بِالسَّلَامِ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٧٢].
وَهَذَا الْبَابُ خَالٍ عَنِ: الْفَصْلِ الثَّانِي.
* الْفَصْلُ الثَّالِثُ:
٥٨٦٧ - [٦] عَن جَابِرٍ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "لَمَّا كذَّبَنِي قُرَيْشٌ قُمْتُ فِي الْحِجْرِ فَجَلَّى اللَّهُ لِيَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ، فَطَفِقْتُ أُخْبِرُهُمْ عَنْ آيَاتِهِ وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَيْهِ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٨٨٦، م: ١٧٠].
* * *
ــ
ثم لا إشكال في صلاتهم في دار الآخرة، لأنهم أحياء، والذي انقطع فيها وجوب العمل لا نفس العمل، ثم قيل: رؤبتهم في السماء محمولة على رؤية أرواحهم متمثلة إلا عيسى لما ثبت أنه رفع في جسده، وقيل: في إدريس كذلك، وأما الذين صلوا معه في بيت المقدس فيحتمل الأرواح المتمثلة، ويحتمل الأجساد، ويحتمل أنه أحضرت أجسادهم في بيت المقدس لملاقاته ﷺ ، ثم رفعوا على السماء، وقد مرّ.
وقوله: (فأممتهم) بتخفيف الميم.
وقوله: (فبدأني بالسلام) قيل: الحكمة في بدئه بالسلام إزالة الخوف منه ﷺ .
الفصل الثالث
٥٨٦٧ - [٦] (جابر) قوله: (فجلى اللَّه لي بيت) بتشديد اللام وتخفيفها، وذلك بأن كشف الحجب من البين حتى رآه، ويحتمل أنه حمل إليه ثم أعيد، فقد جاء في
стр. 5593
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
حديث ابن عباس: (فجيء بالمسجد حتى وضع عند دار عقيل وأنا أنظر إليه)، وهذا أبلغ في المقصود ولا استحالة، فقد أحضر عرش بلقيس لسليمان، فليقلع ويحمل ويحضر بيت المقدس لحبيب الرحمن ﷺ .
فائدة: اختلف قديمًا وحديثًا في رؤيته ﷺ ربه ليلة الإسراء فذهبت عائشة وابن مسعود إلى نفيها، وابن عباس وبعض آخرون منهم إلى إثباتها، وإليه ذهب كعب الأحبار والزهري ومعمر وآخرون، وبه قال سائر أصحاب ابن عباس، وهو قول الأشعري وأكثر أتباعه، وحكى عبد الرزاق عن معمر عن الحسن أنه حلف أن محمدًا رأى ربه.
ومنهم من ذهب أنه رأى بقلبه لا بعينه، ويروى عن ابن عباس أخبار مطلقة وأخرى مقيدة، فيجب حمل مطلقها على مقيدها، وأخرج مسلم (١) عن ابن عباس: أنه رأى ربه بفؤاده مرتين، وعلى هذا يمكن الجمع بين إثبات ابن عباس ونفي عائشة بأن يحمل نفيها على رؤية البصر وإثباتها على رؤية القلب، لكن المشهور عن ابن عباس أنه قال بالرؤية بالبصر، وروى الطبراني (٢) بإسناد رجاله رجال الصحيح عن ابن عباس: أن محمدًا ﷺ رأى ربه مرتين: مرة ببصره، ومرة بفؤاده.
ثم ينبغي أن يعلم أن الرؤية بالقلب غير العلم به، لأنه كان حاصلًا دائمًا، فمراد من أثبت له أنه رآه بقلبه أن الرؤية التي حصلت له خلقت له في قلبه، كما يخلق الرؤية بالعين لغيره، وقد يروى عن أحمد إثبات الرؤية بالبصر له ﷺ ، وقيل له: إنهم يقولون: إن عائشة قالت: من زعم أن محمدًا رأى ربه فقد أعظم على الفرية، فبأي
стр. 5594
٧ - باب في المعجزات
ــ
معنى يدفع قولها؟ قال بقول النبي ﷺ : (رأيت ربي)، وقول النبي ﷺ أكبر من قولها، وقد أنكر بعضهم نسبة هذا القول إلى أحمد، واللَّه أعلم.
قال العبد الضعيف -صانه اللَّه عما شانه-: إنه قد ثبت أنه رفعت الحجب كلها عن رسول اللَّه ﷺ في تلك الحالة، وقد ثبت جواز رؤية اللَّه تعالى في الدنيا والآخرة، والمانع من الرؤية إنما هو الحجب، وقد ارتفعت، فما المانع بعد ذلك عن الرؤية، وأما غيره ﷺ فلم يرفع الحجب كلها عنه حتى جبرئيل ﵇، واللَّه أعلم. وقد مرّ الكلام فيه في (باب رؤية اللَّه في الجنة)، والأحاديث الواردة فيه فتذكر، ومنهم من توقف في هذه المسألة، ورجح القرطبي هذا القول، وعزاه لجماعة من المحققين، وقواه بأنه ليس في الباب دليل قاطع وليس مما يكتفى فيه لمجرد الظن.
٧ - باب في المعجزات
قالوا: المعجزة أمر خارق للعادة مقرون بالتحدي يظهر به صدق مدعي النبوة، ومعنى التحدي: طلب المعارضة والمقابلة، وفي (الصحاح) (١): تَحَدَّيْتُ فلانًا: إذا باريته في فعل، ونازعته للغلبة، انتهى. وأصله من حدا يحدو حداء واحتداء بالإبل: إذا غنى، وفي (الأساس): ومن المجاز تحدى أقرانه: إذا باراهم ونازعهم للغلبة، وأصله: الحداء يتبارى فيه الحاديان ويتعارضان، فيتحدى كل واحد منهما صاحبه، أي: يطلب الحداء منه كما يقال: توفاه بمعنى استوفاه.
كان من عادتهم عند الحدو أن يقوم حاد عن يمين القطار، وحاد عن يساره، يتحدى كل واحد صاحبه بمعنى يستحديه، أي: يطلب عنه الحداء، ثم اتسع فيه حتى
стр. 5595
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
استعمل في كل مباراة، كذا نقل صاحب (المواهب) (١).
وفي اشتراط التحدي بهذا المعنى في المعجزة نظر إذ كان كثير من المعجزات يظهر على يدي النبي ﷺ كتكثير الطعام ونبع الماء وشكوى البعير وأمثالها بما كان يظهر بين أظهر الصحابة من غير تحد ومباراة ومعارضة، لعدم حضور المخاصمين هناك، وهذا ظاهر، اللهم إلا أن يراد ما من شأنه التحدي، كما أشرنا إليه سابقًا في (باب علامات النبوة)، وكل ما يظهر من خوارق العادات على يدي مدعي النبوة من شأنه ذلك كما لا يخفى.
وقال بعض المحققين: التحدي هو دعوى الرسالة، وهو قريب مما قلنا: إن المراد ما من شأنه التحدي، وهو موجود في المواضع المذكورة ومتضمن له، إذ إظهارها إنما كان لإظهار صدق دعوى النبوة، وكان ﷺ يقول في بعض الأوقات عند ظهورها: (أشهد أني رسول اللَّه)، فافهم.
وخرج بقيد المقارنة الخوارق المتقدمة على التحدي، كإظلال الغمام وشق الصدر الواقعين له ﷺ قبل دعوى الرسالة، وتسمى إرهاصات، والإرهاص: تأسيس البناء بالطين والحجارة، والرهص بالكسر: الطين الذي يبنى به، ويجعل بعضه على بعض، فكان فيها تأسيسًا لأمر النبوة، ويخرج بقيد ظهور صدق دعوى النبوة ما كان يظهر أحيانًا على يد من يدعي النبوة كاذبًا، وكان يظهر على يديه الخارق، وقد جرت عادة اللَّه سبحانه أن لا يظهر موافقًا لدعواه، كما نقل عن مسيلمة الكذاب -لعنة اللَّه عليه- تفل في بئر ليكثر ماؤها فغارت، وتفل في عين أرمد فعمي.
стр. 5596
* الْفَصْلُ الأَوَّلُ:
٥٨٦٨ - [١] عَنْ أَنَسٍ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ قَالَ: نَظَرْتُ إِلَى أَقْدَامِ الْمُشْرِكِينَ عَلَى رُؤُوْسِنَا وَنَحْنُ فِي الْغَارِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ نَظَرَ إِلَى قَدَمِهِ أَبْصَرَنَا، فَقَالَ: "يَا أَبَا بَكْرٍ (١)! مَا ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثَالِثُهُمَا". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٦٥٣، م: ٢٣٨١].
ــ
وخرج بقيد مدعي النبوة الكرامات والمعونات، والسحر ليس بخارق العادة حتى يخرج، وأيضًا يخرج ما يظهر على يد مدعي الربوبية كالدجال، فإنه قد يظهر على يد مدعي الربوبية من الخارق ما يوافق دعواه لعدم الالتباس بخلاف مدعي النبوة، ولكنها لا تسمى معجزة، فتدبر.
ثم اعلم أن معجزاته ﷺ كثيرة بحيث لا تعد ولا تحصى، ولا تنحصر في عدد، ولكن قد ضبط العلماء قدر ما بلغ علمهم بذلك، ونحن اقتصرنا على شرح ما ذكر في الكتاب، وباللَّه التوفيق.
الفصل الأول
٥٨٦٨ - [١] (أنس بن مالك) قوله: (نظر إلى قدمه) بأن يجعل بصره في موضع قدمه ثم ينظر، فافهم.
وقوله: (اللَّه ثالثهما) يعني بالنصر والمعونة، فيكون في قوة قوله تعالى لموسى وهارون: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا﴾ [طه: ٤٦] لكنه جعل ذاته تعالى أحد الثلاثة مبالغة في المعية كأن كل واحد منهم مشترك فيما له وعليه، ثم استشكل بأن في قوله: (اللَّه ثالثهما) إطلاق الثالث على اللَّه سبحانه، وقد كفر القائلون بذلك في قوله: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ
стр. 5597
٥٨٦٩ - [٢] وَعَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ لِأَبِي بَكْرٍ: يَا أَبَا بَكْرٍ (١)! حَدِّثْنِي كَيْفَ صَنَعْتُمَا حِينَ سَرَيْتَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: أَسْرَينَا لَيْلَتَنَا وَمِنَ الْغَدِ، حَتَّى قَامَ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ وَخَلَا الطَّرِيقُ لَا يَمُرُّ فِيهِ أَحَدٌ،
ــ
قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ [المائدة: ٧٣]. والجواب ما ذكر أن جعله تعالى ثالثهما بمعنى نصره وإعانته إياهما، والنصارى إنما جعلوه تعالى ثالثهما بمعنى الاشتراك في الألوهية فكفروا، وأما ما أجيب بأن في الحديث إضافة الثالث إلى عدد أنقص منه، وفي الآية إضافته إلى عدد مثله، وذلك بمعنى واحد منهم واللَّه تعالى منزه عن ذلك، فلا يخفى أن مدار الجواب على ما ذكرنا من جعله ثالثًا هنا بمعنى المعونة وهنالك بمعنى الألوهية، ولا يجدي في ذلك الإضافة إلى الناقص أو المساوي، وكونه على الثاني بمعنى واحد منهم إن كان بمعنى النصر والإعانة فلا محذور، فتأمل.
ثم المعجزة في هذه القضية صرف همم الكفار عن التفحص والتفتيش مع علمهم جزمًا أنه ﷺ في هذا الغار، ونقل الطيبي (٢): أن رسول اللَّه ﷺ دعا عليهم وقال: (اللهم أعم أبصارهم) فجعلوا يترددون حول الغار ولا يفطنون وقد أخذ اللَّه بأبصارهم.
٥٨٦٩ - [٢] (البراء بن عازب) قوله: (أسرينا ليلتنا) أي: كلها.
وقوله: (ومن الغد) أي: بعضه، والمراد بالإسراء أي: السير مطلقًا على التجريد، أو يجعل من قبيل: علفتها تبنًا وماءً باردًا.
وقوله: (حتى قام قائم الظهيرة) قام بمعنى وقف، والظهيرة: انتصاف النهار،
стр. 5598
فَرُفِعَتْ لَنَا صَخْرَةٌ طَوِيلَةٌ، لَهَا ظِلٌّ لَمْ يَأْتِ عَلَيْهَا الشَّمْسُ، فَنَزَلْنَا عِنْدَهَا، وَسَوَّيْتُ لِلنَّبِيِّ ﷺ مَكَانًا بِيَدَيَّ يَنَامُ عَلَيْهِ، وَبَسَطْتُ عَلَيْهِ فَرْوَةً، وَقُلْتُ: نَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَأَنَا أَنْفُضُ مَا حَوْلَكَ، فَنَامَ وَخَرَجْتُ أَنْفُضُ مَا حَوْلَهُ، فَإِذَا أَنَا بِرَاعٍ مُقْبِلٍ، قُلْتُ: أَفِي غَنَمِكَ لَبَنٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، قُلتُ: أَفَتَحْلُبُ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَأَخَذَ شَاةً فَحَلَبَ فِي قَعْبٍ كُثْبَةً مِنْ لَبَنٍ،
ــ
وقائم الظهيرة: الشمس، والمراد بلوغها إلى وسط النهار، فإنها ترى حينئذٍ واقفة بطيئة الحركة.
وقوله: (فرفعت) بلفظ المجهول، أي: ظهرت كما مر من قوله: (رفعت لي سدرة المنتهى)، و (رفع لي البيت المعمور).
وقوله: (بيدي) بلفظ التثنية.
وقوله: (وأنا أنفض) بالفاء والضاد المعجمة، نفض المكان: نظر جميع ما فيه حتى يعرفه، من نصر ينصر، والنفضة محركة: جماعة يبعثون في الأرض لينظروا هل فيها عدو أم لا؟ أي: أحفظ ما حولك، وأحرسك، وأتجسس الأخبار من كل جهة.
وقوله: (أفتحلب؟ ) من باب نصر، قيل: كان الغنم لصديق لأبي بكر، ويجوز لدلالة الرضا، وقيل: كان من عادتهم أن يأذنوا لرعاتهم أن يحلبوا لمن مر بالطريق ويحتاج إلى اللبن، ويمكن أن يكون استحلبه على شيء، واللَّه أعلم.
وقوله: (والقعب) بفتح قاف وعين مهملة ساكنة فموحدة: القدح الضخم الجافي، أو إلى الصِّغَر، أو يُرْوي الرجلَ، و (الكثبة) بكاف مضمومة فمثلثة ساكنة أي: قدر حلبته، وقيل: ملء القدح، وقد يجيء بمعنى القليل من الماء واللبن.
стр. 5599
وَمَعِي إِدَاوَةٌ حَمَلْتُهَا لِلنَّبِيِّ ﷺ يَرْتَوِي فِيهَا، يَشْرَبُ وَيَتَوَضَّأُ، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَكَرِهْتُ أَنْ أُوقِظَهُ، فَوَافَقْتُهُ حَتَّى اسْتَيْقَظَ، فَصَبَبْتُ مِنَ الْمَاءِ عَلَى اللَّبَنِ حَتَّى بَرَدَ أَسْفَلُهُ، فَقُلْتُ: اشْرَبْ يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَشَرِبَ حَتَّى رَضِيتُ ثُمَّ قَالَ: "أَلَمْ يَأن لِلرَّحِيلِ؟ " قُلتُ: بَلَى، قَالَ: فَارْتَحَلْنَا بَعْدَ مَا مَالَتِ الشَّمْسُ،
ــ
وقوله: (يرتوي)، أي: يستقي فيها، رَوِي من الماء كرضي، وتَروّى وارتوى بمعنى، و (فيها) ظرف لـ (يرتوي)، أي: يرتوي من الماء في تلك الإداوة، ويجوز أن يتعلق بـ (يشرب).
وقوله: (فوافقته) بتقديم الفاء على القاف، أي: وافقته فيما هو عليه من النوم، أي: لم أوقظه (حتى استيقظ) هو بنفسه، ويروى بتقديم القاف من الوقوف، أي: صبرت وتوقفت في المجيء إليه للإيقاظ.
وقوله: (حتى برد أسفله) أي: أسفل الماء، أو أسفل اللبن، أو أسفل القعب، كناية عن كثرة الماء.
وقوله: (ألم يأن للرحيل؟ ) أي: ألم يأت وقته؟ يقال: أنى الأمر يأني أنيًا وأنًا: إذا جاء إناه، كذا قال البيضاوي (١) في تفسير قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ﴾ [الحديد: ١٦]، انتهى. فعلى هذا اللام في (للرحيل) زائدة، كذا قيل، وأيد بقول ابن هشام في (مغني اللبيب) (٢) في: ﴿هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٦]، انتهى. ويمكن أن يكون تقديره: ألم يأن للرحيل أن يأتي أو أن يفعل، فيكون كقوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ﴾.
стр. 5600
وَاتَّبَعَنَا سُراقَةُ بْنُ مَالِكٍ، فَقُلْتُ: أُتِينَا يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَقَالَ: "لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا". فَدَعَا عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ ، فَارْتَطَمَتْ بِهِ فَرَسُهُ إِلَى بَطْنِهَا فِي جَلَدٍ مِنَ الأَرْضِ فَقَالَ: إِنِّي أَرَاكُمَا دَعَوْتُمَا عَلَيَّ، فَادْعُوَا لِي، فَاللَّهُ لَكُمَا. . . . .
ــ
وقوله: (واتبعنا) بفتح العين، و (أتينا) بلفظ المجهول، أي: جاءنا من يطلبنا.
وقوله: (إن اللَّه معنا) قال بعض العارفين في الفرق بين هذا القول من نبينا ﷺ وبين قول موسى ﵇ حين قال له قومه: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ [الشعراء: ٦١]: ﴿إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٦٢] نظره ﷺ وقع أولًا على اللَّه وكرمه ولطفه، ثم إلى نفسه، ونظر موسى ﵇ وقع أولًا على نفسه، ثم على اللَّه تعالى، والأول يوافق ما قيل: ما رأيت شيئًا إلا رأيت اللَّه قبله، والثاني ما يقال: ما رأيت شيئًا إلا رأيت اللَّه معه أو بعده، والأول حال أهل الجذب والعيان، والثاني حال أهل الاستدلال والبرهان، انتهى.
ثم انظر في قوله ﷺ : (إن اللَّه معنا) بلفظ المتكلم مع الغير، وقول موسى: ﴿إِنَّ مَعِيَ رَبِّي﴾ [الشعراء: ٦٢]، كقول موسى: ﴿أرني﴾ وقول نبينا: (أرنا حقائق الأشياء)، فافهم.
وقوله: (فارتطمت به) أي: بسراقة، أي: ساخت قوائمها كما تسوخ في الوحل، رطمه: أدخله في أمر لا يخرج منه، فارتطم عليه الأمر: لم يقدر على الخروج منه، و (الجلد) بالجيم محركة: الأرض الصلبة.
وقوله: (فادعوا لي) بضمير التثنية.
وقوله: (أن أرد عنكما الطلب) متعلق بقوله: (فادعوا) بحذف الجار، أي: ادعوا لي كيلا ترتطم فرسي؛ لأن أرد أو على أن أرد عنكما طلب قريش.
وقوله: (فاللَّه لكما) معترضة ومعناه فاللَّه حافظ وناصر لكما في معنى التأكيد
стр. 5601
أن أَرُدَّ عَنْكُمَا الطَّلَبَ، فَدَعَا لَهُ النَّبِيُّ ﷺ فَنَجَا، فَجَعَلَ لَا يَلْقَى أَحَدًا إِلَّا قَالَ: كُفِيتُم مَا هَهُنَا، فَلَا يَلْقَى أحدًا إِلَّا رَدَّهُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٦١٥، م: ٢٠٠٩].
٥٨٧٠ - [٣] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: سَمِعَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ بِمَقْدَمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ فِي أَرْضٍ يَخْتَرِفُ، فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فقَالَ: إِنِّي سَائِلُكَ عَنْ ثَلَاثٍ لَا يَعْلَمُهُنَّ إِلَّا نَبِيٌّ: فَمَا أَوَّلُ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ؟ وَمَا أَوَّلُ طَعَامِ أَهْلِ الْجَنَّةِ؟ وَمَا يَنْزِعُ الوَلَدَ إِلَى أَبِيهِ أَو إِلَى أُمِّهِ؟ قَالَ (١): "أَخْبَرَنِي بِهِنَّ جِبْرَئِيلُ آنِفًا، أَمَّا أَوَّلُ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ. . . . .
ــ
للرد، أو متعلق بقوله: (فاللَّه لكما)، ومعناه: فاللَّه شاهد لأجلكما بأن أرد عنكما الطلب، وعلى التقديرين (فاللَّه لكما) مبتدأ وخبر، وقد ينصب بتقدير أشهد اللَّه أو على القسم بحذف حرفه، ويؤيده ما نقل الطيبي (٢) من رواية (شرح السنة): (واللَّه) على القسم.
وقوله: (كفيتم) بلفظ المجهول، و (ما) في (ما ههنا) إما موصولة، أي: كفيتم الذي هنا، أي: كفيتم طلبه في هذا الجانب؛ لأنه ليس فيه من يطلبونه، أو نافية، أي: ليس ههنا من يطلبونه أو أحد.
٥٨٧٠ - [٣] (أنس) قوله: (يخترف) أي: يجتني الثمر من الشجر، خرف الثمار واخترفها: جناه، أي: كان في حائطه وبستانه يقطع التمر من نخيله.
وقوله: (إلى أبيه أو إلى أمه) أي: ما سبب شبهه لأحدهما؟ يقال: نزعه إليه: أشبهه به.
стр. 5602
فَنَارٌ تَحْشُرُ النَّاسَ مِنَ الْمَشْرِقِ إِلَى الْمَغْرِبِ، وَأَمَّا أَوَّلُ طَعَامٍ يَأْكُلُهُ أَهْلُ الْجَنَّةِ فَزِيَادَةُ كَبِدِ حُوتٍ، وَإِذَا سَبق مَاءُ الرَّجُلِ مَاءَ الْمَرْأَةِ نَزَعَ الْوَلَدَ، وَإِذَا سَبَقَ مَاءُ الْمَرْأَةِ نَزَعَتْ". قَالَ: أَشْهدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ، يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ الْيَهُودَ قَوْمٌ بُهْتٌ، وَإِنَّهُمْ إِنْ يَعلَمُوا بِإِسْلَامِي مِنْ قَبْلِ أَنْ تَسْأَلهُمْ يَبْهَتُونَنِي، فَجَاءَتِ الْيَهُودُ فَقَالَ: "أَيُّ رَجُلٍ عَبْدُ اللَّهِ فِيكُمْ؟ " قَالُوا: خَيْرُنَا وَابْنُ خَيْرِنَا، وَسَيِّدُنَا وَابْنُ سَيِّدِنَا، فَقَالَ: "أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَسْلَمَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ؟ " قَالُوا: أَعَاذَهُ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ. فَخَرَجَ عَبْدُ اللَّهِ فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، فَقَالُوا: شَرُّنَا وَابْنُ شَرِّنَا فَانْتَقَصُوهُ، قَالَ: هَذَا الَّذِي كُنْتُ أَخَافُ يَا رَسُولَ اللَّهِ! . رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٤٤٨٠].
ــ
وقوله: (فنار تحشر الناس) مر شرحه في (باب أشراط الساعة) والمراد بـ (زيادة كبد حوت): القطعة المعلقة بالكبد، وهو في غاية اللذة في الطعم.
وقوله: (إذا سبق) أي: غلب وعلا، والسبق: التقدم، والمراد هنا الغلبة، كذا قيل، وقد سبق في (باب الغسل) من (كتاب الطهارة) أن أيهما علا أو سبق يكون منه الشبه، والمراد بالعلو الغلبة، ويمكن جعل السبق متضمنا للمعنيين، فافهم.
وقوله: (نزع) أي: ذلك السبق أو الرجل بسبب سبق مائه، وهذا أنسب بقوله: (نزعت)، والبهت بضمتين: جمع بهوت بالفتح بمعنى المباهت، ويجوز التسكين تخفيفًا، بهته: قال عليه ما لم يفعل.
وقوله: (يبهتونني) أي: بعد السؤال.
وقوله: (ابن خيرنا) لأنه كان من أولاد يوسف بن يعقوب ﵇.
стр. 5603
٥٨٧١ - [٤] وَعَنْهُ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ شَاوَرَ حِينَ بَلَغَنَا إِقْبَالُ أَبِي سُفْيَانَ، وَقَامَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَمَرْتَنَا أَنْ نُخِيضَهَا الْبَحْرَ لأَخَضْنَاهَا، وَلَوْ أَمَرْتَنَا أَنْ نَضْرِبَ أَكْبَادَهَا إِلَى بَرْكِ الْغِمَادِ، لَفَعَلْنَا. . . . .
ــ
٥٨٧١ - [٤] (وعنه) قوله: (حين بلغنا إقبال أبي سفيان) أي: إقباله بالعير من الشام إلى مكة، وكان بالعير تجارة عظيمة، فأعجب المسلمين تلقي العير لكثرة الخير، فلما خرجوا بلغ أهل مكة خبرهم، فخرج أبو جهل بأهل مكة أجمعهم، فقيل له: إن العير أخذت طريق الساحل ونجت، فارجع بالناس إلى مكة، فقال: لا، واللَّه لا أرجع، وزعم أن المسلمين قليل ومعه ناس كثير، فمضى بهم إلى بدر فوقع من وقعة بدر ما وقع، على ما ذكر في كتب السير، والمقصود هنا ذكر معجزته ﷺ ، وهو تعيين مصارع المشركين من قبل أن يقع القتال.
وقوله: (لو أمرتنا أن نخيضها) الضمير للمراكب بقرينة الحال، خاض الماء يخوضه خوضًا: دخله، وأخاض الفرس وخاوضه: أدخله، و (برك الغماد) بكسر الموحدة وتفتح، والغماد مثلثة المعجمة: بلدة باليمن، أو وراء مكة بخمس ليال، أو أقصى معمور الأرض، كذا في (القاموس) (١).
قال في (المشارق) (٢): أكثر الرواية فيه في الصحيحين بفتح الباء، وعند بعض رواة البخاري بكسر الباء، وسكون الراء، والغماد بغين معجمة، يقال بكسرها وضمها، وميم مخففة، وآخره دال مهملة: موضع في أقاصي هَجَرَ، ووقع في كتاب
стр. 5604
قَالَ: فَنَدَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ النَّاسَ، فَانْطَلَقُوا حَتَّى نَزَلُوا بَدْرًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "هَذَا مَصْرَعُ فُلَانٍ" وَيَضَعُ يَدَهُ عَلَى الأَرْضِ هَهُنَا وَهَهُنَا، قَالَ: فَمَا مَاطَ أَحَدُهُمْ عَنْ مَوْضِعِ يَدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٧٧٩].
٥٨٧٢ - [٥] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ وَهُوَ فِي قُبَّةٍ يَوْمَ بَدْرٍ: "اللهُمَّ أَنْشُدُكَ عَهْدَكَ وَوَعْدَكَ، اللهُمَّ إِنْ تَشَأْ لَا تُعْبَدْ بَعْدَ الْيَوْمِ" فَأَخَذَ أَبُو بَكْرٍ بَيَدِهِ فَقَالَ: حَسْبُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَلْحَحْتَ عَلَى رَبِّكَ،
ــ
الأصيلي بكسر الباء وكذا عند المستملي والحموي، ولغيرهم من رواة مسلم بفتحها.
وقوله: (فندب رسول اللَّه ﷺ الناس) ندبه إلى الأمر: دعاه وحثه، ووجهه، و (البدر) موضع معروف بين مكة والمدينة، وقد سبق وجه تسميته بدرًا في (كتاب الجهاد).
وقوله: (فما ماط) أي: بَعُد وتجاوز.
٥٨٧٢ - [٥] (ابن عباس) قوله: (أنشدك) بفتح الهمزة وضم الشين، أي: سألتك إيفاء عهدك، وإنجاز وعدك الذي وعدتنيه بالنصر على أعداء الدين، ويقال: أنشدك اللَّه وأنشدك باللَّه، أي: سألتك به، وأستحلفك، وأصله من نشد الضالة وأنشدها بمعنى طلبها وعرّفها، كأنك ذكرته إياه فنشد، أي: تذكر.
وقوله: (ألححت على ربك) أي: بالغت في الدعاء كل المبالغة، وإلحاحه ﷺ كان تشجيعًا للمسلمين وتثبيتًا لهم؛ لأنهم كانوا عالمين أن دعاءه مستجاب لاسيما إذا بالغ فيه.
стр. 5605
فَخَرَجَ وَهُوَ يَثِبُ فِي الدِّرْعِ وَهُوَ يقولُ: " ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ [القمر: ٤٥] ". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٤٨٧٥].
ــ
وقوله: (وهو) أي: رسول اللَّه ﷺ (يثب) من الوثوب، أي: يسرع فرحًا ونشاطًا، كان رسول اللَّه ﷺ بين خوف من غنى الحق ورجاء بوعده، فرجح بما وجد من اليقين والطمانينة من أبي بكر ﵁ جانب الرجاء، فقام وهو يخبر بانهزام الكفار ونصرة المؤمنين إعجازًا بإطلاع اللَّه إياه على الغيب.
قال الخطابي (١): لا يظن أحد أن أبا بكر ﵁ كان أوثق بربه من النبي ﷺ في تلك الحال حاشا، بل الحامل له ﷺ على ذلك شفقة على أصحابه وتقوية لقلوبهم؛ لأنه كان أول مشهد شهده فبالغ في التوجه والابتهال لتسكين نفوسهم؛ لأنهم كانوا يعلمون أن مسألته مستجابة، فلما قال له أبو بكر ما قال علم أنه استجيب لما وجد عند أبي بكر من القوة والطمأنينة فكف عن ذلك.
قال بعض العارفين: كما أن وعده تعالى صدق، كذلك لا يجب عليه حق، فوجب اعتبار الأصلين عند التعارض بتقدير الوعد بشرط ستره تعالى عنك، إذ لا يجب عليه بيان ما يريد إشراطه، بل يصلح في الحكمة ستره إبقاءً لسطوة الربوبية في نظر العبد، واستبقاءً لأحكام العبودية عليه، وبذلك تأدب خليل الرحمن صلى اللَّه على نبينا وعليه وسلم حيث قال لقومه: ﴿خَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ﴾ جزمًا بحكم الوعد، ثم قال: ﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا﴾ رجوعًا لاتساع العلم، ثم قال: ﴿وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الأنعام: ٨٠] دفعًا لما يتوهم في استثنائه، وتحقيقًا لما عنده من النظر لاتساع العلم، وكأنه يقول: إنما استثنيت رجوعًا لاتساع العلم وقيامًا بحق الأدب لا شَكًّا في الوعد.