← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 14526

أحكام العبادات المترتبة على طلوع الفجر الثاني

ناصر بن مشري الغامدي

Полный текст (152 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

سلسلة البحوث العلمية المحكمة (٣٣) أَحْكَام الْعِبَادَات المترتبة على طُلُوع الْفجْر الثَّانِي دراسة فقهية تأصيلية موازنة «مُحكم ومقبول للنشر فِي مجلة الْأُصُول والنوازل بجدة» تأليف الدكتور نَاصِر بن مُحَمَّد بن مشري الغامدي الْأُسْتَاذ المشارك بقسم الْقَضَاء وَكيل كُلية الشَّرِيعَة والدراسات الإسلامية جَامِعَة أم الْقرى بِمَكَّة المكرمة دَار ابْن الْجَوْزِيّ

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ المقدمة أهمية الموضوع، وأسباب الكتابة فيه: الحمد لله رب العالمين، شرع لنا دينًا قويمًا، وهدانا إليه صراطًا مستقيمًا، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، لم يزل عليًا قديرًا، قويًا عزيزًا، إلهًا حكيمًا، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله بعثه الله بين يدي الساعة بشيرًا ونذيرًا وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا، صلي الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد: فإن الله ﵎ أمر عباده المؤمنين بجملة من العبادات العظيمة، والأركان الجليلة لهذا الدين؛ صلاة، وزكاة وصيامًا، وحجًا، وغيرها، وجعل لها أجلاً مضروبًا، وموعدًا محدودًا، بيَّنه سبحانه في كتابه الكريم، وعلى لسان رسوله الأمين ﷺ أتم البيان وأوضحه. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣] أي مؤقتًا بوقت محدد مبين (١). وعن أبي موسى الأشعري ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه

стр. 3

أتاه سائل يسأله عن مواقيت الصلاة، فلم يرد عليه شيئًا، قال: «فأقام الفجر حين انشق الفجر، والناس لا يكاد يعرف بعضهم بعضًا، ثم أمره فأقام بالظهر حين زالت الشمس، والقائل يقول: قد انتصف النهار، وهو كان أعلم منهم، ثم أمره فأقام بالعصر والشمس مرتفعة، ثم أمره فأقام بالمغرب حين وقعت الشمس ثم أمره فأقام العشاء حين غاب الشفق، ثم أخَّر الفجر من الغد حتى انصرف منها، والقائل يقول: قد طلعت الشمس أو كادت، ثم أخَّر الظهر حتى كان قريبًا من وقت العصر بالأمس، ثم أخَّر العصر حتى انصرف منها، والقائل يقول: قد احمرت الشمس، ثم أخَّر المغرب حتى كان عند سقوط الشفق، ثم أخَّر العشاء حتى كان ثلث الليل الأول، ثم أصبح فدعا السائل فقال: الوقت بين هذين» (١). بل نص أهل العلم على أن من شروط صحة الصلاة: دخول الوقت، فلا يجوز أداء الصلاة قبل وقتها المحدد لها شرعًا، كما لا يجوز بعد خروج وقتها، وهذه المسألة مما اتفق عليه الفقهاء في الجملة سلفًا وخلفًا، استنادًا إلى الحديث الشريف الذي سبق، في تحديد مواقيت الصلاة، وغيره من الأدلة المعروفة في هذا الخصوص. قال ابن قدامة ﵀: "أجمع المسلمون على أن

стр. 4

الصلوات الخمس مؤقتة بمواقيت معلومة محددة، وقد ورد ذلك في أحاديث صحاح جياد (١). ونص الفقهاء، ﵏، على أن المكلف إذا شك في دخول وقت الصلاة، لم يصل حتى يتيقن دخوله، أو يغلب على ظنه ذلك (٢). قال العلامة ابن قدامة ﵀: "ومن صلى قبل الوقت لم تجزئه صلاته، في قول أكثر أهل العلم؛ سواء فعله عمدًا أو خطأ، كل الصلاة أو بعضها. وبه قال الزهري، والأوزاعي، والشافعي، وأصحاب الرأي .. وعن مالك كقولنا، وعنه فيمن صلى العشاء قبل مغيب الشفق جاهلاً أو ناسيًا، يعيد ما كان في الوقت، فإن ذهب الوقت قبل علمه، أو ذكره فلا شيء عليه، ولنا أن الخطاب بالصلاة يتوجه إلى المكلف عند دخول وقتها، وما وجد بعد ذلك ما يزيله ويبرئ الذمة منه، فيبقى على حاله (٣). هذا في الصلاة: وأما في الصيام؛ فقد قال الله سبحانه: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى الليْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧] فحدد الله ﵎ بهذه

стр. 5

الآية الكريمة وقت الصيام اليومي للمسلم تحديدًا واضحًا بينًا. وفي الحج: حج المصطفى ﷺ حجته المشهورة (حجة الوداع) وأدى مناسك الحج في أوقات محددة وكان ﷺ يتحيَّن في بعض الأحكام، حتى يحين وقتها، فيفعلها؛ كالدفع من عرفة، ورمي الجمار بعد الزوال أيام منى، وغيرها، مما أوضحه الصحابي الجليل جابر بن عبد الله ﵁ في صفة حجة النبي ﷺ التي نقلها ورواها في الصحيح (١). وكان ﷺ يقول للصحابة الذين حجوا معه بين الحين والآخر: «خذوا عني مناسككم» (٢). وهذا كله يدل على أهمية الوقت في الإسلام، وأن لله تعالى عملاً بالليل لا يقبله بالنهار، وعملاً بالنهار لا يقبله بالليل، وأن العبادات، في الغالب، مؤقتة بأجل محدود، لا يجوز تأخيرها عنه، ولا تقديمها عليه إلا لعذر وضرورة، كما بين أهل العلم، ﵏. وقد رسم الشرع الحنيف التوقيت وحدده في تكاليف كثيرة، غير الصلاة والصيام والحج، لا سيما في أبواب

стр. 6

العبادات؛ فوقت في كثير من أحكام الزكاة عمومًا، وزكاة الفطر خصوصًا، والأضحية والتيمم، والمسح على الخفين، والطلاق، والعدد، ونحو ذلك، وما ذاك إلا لأهمية الوقت في نظر الشارع واعتباره. هذا، وإن من المسائل المهمة في المواقيت مسألة طلوع الفجر الثاني الصادق؛ حيث رتب الشارع عليها جملة من الأحكام الشرعية المتعلقة بأركان الإسلام العظيمة، ودعائمه الأساسية التي قام عليها؛ في الصلوات المفروضة والنافلة، وفي الصيام، وفي الحج؛ بحيث يبدأ وقت بعض هذه الأحكام أو ينتهي بطلوعه. ونظرًا لأن الفجر فجران؛ صادق وكاذب، والتفريق بينهما من المسائل الدقيقة، ونظرًا لكثرة المسائل الفقهية المتعلقة بطلوعه وأهميتها؛ حيث إنها من العبادات الشرعية التي تعبدنا الله تعالى بها، ونظرًا لأنه لا يوجد حسب علمي وبحثي واطلاعي بحث علمي يفرق بين الفجرين، ويجمع شتات هذه المسائل المؤقتة بطلوع الفجر الثاني، ويحرر أحكامها، ويؤصل مسائلها، ولأهمية هذا الموضوع لكل مسلم، باعتباره جزءًا عظيمًا من عبادته لربه، لا يستغني عن معرفته وضبطه - رغبت في بحث المسائل والأحكام الفقهية التي رتبها الشارع الحكيم على طلوع الفجر الثاني (الصادق)، جمعت

стр. 7

فيه ما تناثر من هذه المسائل في أبواب العبادات، وأصَّلتها بأدلتها الصحيحة، وفوائدها الشرعية؛ سواء في ذلك ما كان فائتًا بطلوع الفجر الثاني، أو كان وقته يبدأ بطلوع الفجر الثاني، وسرت في بحث هذه المسألة بعد هذه المقدمة المشتملة على أهمية البحث وسببه على الخطة التالية خطة البحث ومسائله: المطلب الأول: تعريف الفجر، وبيان نوعيه، والفرق بينهما. المطلب الثاني: أحكام الصلاة المترتبة على طلوع الفجر الثاني. المطلب الثالث: أحكام الصيام المترتبة على طلوع الفجر الثاني. المطلب الرابع: أحكام الحج المترتبة على طلوع الفجر الثاني. المطلب الخامس: مسائل متفرقة تترتب على طلوع الفجر الثاني. منهج البحث سرت في بحث هذا الموضوع وفق المنهج التالي: ١ - قصرت البحث على المسائل الفقهية التي رتبها الشارع سبحانه على طلوع الفجر الثاني مباشرة، سواء منها ما كان وقته ينتهي بطلوع الفجر الثاني، أو كان يبدأ بطلوعه،

стр. 8

دون المسائل التي قد يرتبها المكلف على نفسه بنذر أو شرط أو سبب. وحسب الاستقراء والتتبع والبحث فإن هذه المسائل محصورة في ثلاثة أبواب: الصلاة، والصيام، والحج، إضافة إلى أربع مسائل؛ تتنازعها هذه الأبواب مع أبواب أخرى، وقد جري الخلاف بين أهل العلم في ترتبها على طلوع الفجر الثاني؛ وهي وقت غسل يوم الجمعة، ووقت غسل العيدين، ووقت إخراج زكاة الفطر، ووقت ذبح الأضحية؛ فلأجل هذا آثرت أن أفردها في مطلب مستقل. ولم أستطرد في الخلافات والمسائل المتفرعة عن هذه المسائل؛ حتى لا يطول البحث، وقصرًا للمسائل على موضوع البحث. ٢ - اجتهدت قدر الطاقة في بيان الخلاف المعتبر، مع بيان الراجح في كل مسألة بدليله من الكتاب والسنة، وعدم التوسع في الخلافات المذهبية الضعيفة، إلا ما دعت إليه الضرورة وخدمة البحث وتأصيله؛ لأن في بعض مسائل البحث خلافات شاذة، وأقوالا ضعيفة، وقد أعرضت عنها؛ لأن العبرة بالراجح الذي يؤيده الدليل، فليس كل قول معتبرًا، إلا قولاً له حظ من النظر. ٣ - رجعت إلى كتب أهل العلم المعتبرة قديمًا مع الاستفادة من الدراسات والمؤلفات الحديثة.

стр. 9

٤ - عزوت الآيات إلى سورها في صلب البحث، وخرَّجت الأحاديث النبوية في هامش البحث من مصادرها المعتمدة؛ فإن كان الحديث في الصحيحين أو أحدهما اكتفيت بهما دون غيرهما، وإن كان في غيرهما من كتب السنة، وضحت جانبًا كافيًا من تخريجه، مع بيان درجته صحة وضعفًا، ملتزمًا في ذلك بطريقة الاستدلال والرجوع إلى كتب الحديث، ولم أستدل في هذا البحث إلا بدليل ثابت؛ سواء كان صحيحًا أو حسنًا، معرضًا عن كثير من الأدلة الضعيفة، لأن في الحديث الثابت، والحمد لله، غنية عن الضعيف. إلا إذا كان الحديث الضعيف دليلاً لقول من أقوال أهل العلم في المسألة، فإني أورده، كدليل لهم، ثم أبين حكمه ودرجته. ٥ - بدأت في ترتيب المراجع في الهامش إذا اختلطت: بكتب اللغة، ثم كتب التفسير، ثم كتب الحديث، ثم شروحه ثم كتب الفقه مرتبة على المذاهب الفقهية، ثم الدراسات الحديثة. ٦ - عرَّفت بالغريب من المفردات والأماكن التي تحتاج إلى تعريف وبيان، ولم أترجم للأعلام الواردة في البحث؛ لأن البحث فقهي، ومنعًا للإطالة، ولكون أغلب الأعلام الواردة فيه من المشهورين. ٧ - ختمت البحث بأهم النتائج المستخلصة منه، ثم بينت المصادر والمراجع.

стр. 10

مصطلحات البحث ورموزه: للبحث مصطلحات ورموز، بيانها على النحو التالي: ١ - حرف (ح): المقصود به رقم الحديث في الكتاب الذي أخرجه، أو تكلم عليه، إذا كان مرقمًا. ٢ - حرف (ت): في صلب البحث اختصارًا لكلمة الوفاة، وفي قائمة المراجع اختصارًا لكلمة تحقيق. ٣ - حرف (ض): في فهرس المصادر اختصارًا لكلمة ضبط. ٤ - حرف (د): في قائمة المصادر اختصارًا للقب الدكتور. ٥ - حرف (ط): في قائمة المصادر المقصود به رقم الطبعة. ٦ - حرف (هـ، م) يقصد به بيان التاريخ؛ هجري أو ميلادي. هذا واسأل الله تعالى القبول والتوفيق والسداد في القول والعمل، وأن يجعل هذا العمل خالصًا لوجهه الكريم، وخدمة للعلم وأهله، وأن ينفع به من كتبه وقرأه واطلع عليه. ما كان فيه من صواب فمن الله وحده، له الفضل والحمد والمنة، وما كان فيه من خطأ وتقصير فمن نفسي والشيطان، واستغفر الله منه، واسأله التجاوز عنه، والتوفيق لتداركه وتصحيحه. وإلى مسائل البحث، سائلا من الله التوفيق والسداد.

стр. 11

المطلب الأول تعريف الفجر، وبيان نوعيه، والفرق بينهما أولا: تعريف الفجر: الفجر في اللغة: قال ابن فارس الرازي ﵀: "فَجَرَ: الفاء، والجيم، والراء: أصل واحد؛ وهو التفتح في الشيء، ومن ذلك الفجر؛ انفجار الظلمة عن الصبح، ومنه انفجر الماء انفجارًا: تفتح" (١). والفجر: ضوء الصباح، وهو حمرة الشمس في سواد الليل؛ والفجر في آخر الليل كالشفق في أوله، وقد انفجر الصبح وتفجَّر وانفجر عنه الليل، وانفجروا: دخلوا في الفجر، كما تقول: أصبحنا من الصبح، والفجر: انكشاف ظلمة الليل عن نور الصبح؛ وشق الشيء شقًا واسعًا كفجر الإنسان سَكْرَ النهر الذي يُسَّدُّ به، ويقال: طريق فجْر، واضح، وفَجَرْتُهُ فانفجر، وفَجَّرْتُهُ فتَفَجَّر؛ قال الله تعالى: ﴿وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا﴾ [القمر: ١٢] وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا﴾ [الإسراء: ٩٠].

стр. 12

ومنه قيل للصبح: فجْر؛ لكونه فَجَرَ الليل؛ قال تعالى: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨] (١). وقيل للطالع من تباشير ضياء الشمس من مطلعها: فجْر؛ لانبعاث ضوئه ونوره عليهم بطرقهم وفجاجهم. وهذا ابتداء تنفس الصبح، قال الحق سبحانه ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ﴾ [التكوير: ١٨] (٢). وهما فجران: أحدهما المستطيل؛ وهو الكاذب الذي يسمى ذنب السرحان. والآخر المستطير؛ وهو الصادق المنتشر في الأفق؛ ولا يكون الصبح إلا الصادق (٣). وكانت العرب تسمي الفجر (أول بياض النهار) الخيطَ الأبيض والصَّديع؛ ومنه قولهم: انصدع الفجر، ويقولون للأمر الواضح: هذا كفلق الصبح، وكانبلاج الفجر، وتباشير الصبح (٤). وأما تعريف الفجر في اصطلاح أهل العلم: فلا يخرج عن معناه في لغة العرب؛ فهو عند الفقهاء فجران: الفجر الأول: وهو البياض المستدق المتنفس صُعُدًا من

стр. 13

غير اعتراض كذنب السرحان (وهو الذئب) ويسمى الفجر الكاذب؛ لأنه يضيء ثم يسود، ويسمى الخيط الأسود، ولا يتعلق به حكم. والفجر الثاني: هو البياض المستطير المنتشر في الأفق، ويسمى الخيط الأبيض، والفجر الصادق؛ لأنه صدَقَك عن الصبح وبيَّنه لك، والصبح: ما جمع بياضًا وحمرة (١). وظهور الفجر بعد الظلام الدامس من آيات الله العظيمة التي تستحق الشكر والثناء؛ فإن هذا النور الساطع بعد الظلام الدامس لا أحد يستطيع أن يأتي به إلا الله سبحانه؛ قال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللهُ عَلَيْكُمُ الليْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللهِ يَاتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ﴾ [القصص: ٧١]. ثانيًا: نوعا الفجر، وبيان الفرق بينهما: مر معنا في تعريف الفجر: أن الفجر في لغة العرب، وفي اصطلاح أهل العلم نوعان؛ الفجر الأول: وهو الفجر الكاذب، والفجر الثاني: وهو الفجر الصادق. وقد أشار الله سبحانه إلى هذين النوعين في قوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى الليْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧].

стр. 14

قال عدي بن حاتم ﵁: لما نزلت ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ عمدت إلى عقال أسود، وإلى عقال أبيض، فجعلتهما تحت وسادتي، فجعلت انظر في الليل فلا يستبين لي، فغدوت على رسول الله ﷺ فذكرت له ذلك، فقال: «إنما ذلك سواد الليل، وبياض النهار» (١). وعن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، رحمه الله تعالى عليه، قال: قال رسول الله ﷺ : «الفجر فجران؛ فالذي كأنه ذنب السرحان، لا يحرم شيئًا، وأما المستطير الذي يأخذ الأفق، فإنه يحل الصلاة، ويحرم الطعام» (٢). والتفريق بين الفجرين: الأول، والثاني (الكاذب والصادق)

стр. 15

من المسائل الشرعية الدقيقة التي يحتاج إلى معرفتها كل مسلم؛ لما ينبني على ذلك من صحة إيقاع العبادات المحددة المرتبة على طلوع الفجر في وقتها الشرعي الصالح لها؛ ولأن التشابه بين الفجرين يخدع من ليس عنده خبرة للتمييز بينهما، ويغره؛ ولأجل هذا فقد نبه المصطفى ﷺ إلى هذا في حديث سمرة بن جندب ﵁ قال: «لا يغرنكم من سحوركم أذان بلال، ولا بياض الأفق المستطيل هكذا، حتى يستطير هكذا؛ يعني: معترضًا» (١). وفي رواية عنه قال: «لا يغرنكم نداء بلال، ولا هذا البياض حتى يبدو الفجر، أو قال: حتى ينفجر الفجر» (٢). وعن طلق بن علي، رضي الله تعالى عنه، أن رسول الله ﷺ قال: «كلوا واشربوا ولا يهيدنكم الساطع المصعد، وكلوا واشربوا حتى يعترض لكم الأحمر» (٣). قال الإمام الترمذي ﵀: "والعمل على هذا عند أهل

стр. 16

العلم؛ أنه لا يحرم على الصائم الأكل والشرب حتى يكون الفجر الأحمر المعترض، وبه يقول عامة أهل العلم (١). قال الإمام أبو سليمان الخطابي ﵀: "قوله: (لا يهيدنكم) معناه: لا يمنعكم الأكل، وأصل الهَيْد: الزجر؛ يقال: هِدْتُ الرجل، أَهِيدُه هيْدًا، إذا زجرته، ويقال في زجر الدواب: هَيْدَ هَيْدَ، والساطع المرتفع، وسطوعها ارتفاعها مصعدًا، مثل أن يعترض، ومعنى الأحمر ههنا، أن يستبطن البياض المعترض أوائل الحمرة؛ وذلك أن البياض إذا تتام طلوعه، ظهرت أوائل الحمرة، والعرب تشبه الصبح بالبلق في الخيل، لما فيه من بياض وحمرة (٢). وعن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه، قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الفجر ليس الذي يقول هكذا؛ وجمع أصابعه، ثم نكسها إلى الأرض، ولكن الذي يقول هكذا؛ ووضع المُسَبِّحة على المُسَبِّحة، ومد يديه» وفي لفظ: «الفجر هو المعترض وليس بالمستطيل» (٣).

стр. 17

واستنادًا إلى هذه النصوص الشرعية: وغيرها مما هو في معناها، فقد ذكر أهل العلم جملة من الفروق بين الفجرين؛ الكاذب والصادق، يتبين من خلالها صفات كل منهما؛ بيانها على النحو التالي. ١ - أن الفجر الكاذب مستطيل ساطع، ممتد من الشرق إلى الغرب، مصعد كالعمود إلى أعلى، جهته وسط السماء، أو يميل قليلاً. أما الفجر الصادق فإنه يخرج معترضًا مستطيرًا في الأفق، معترضًا من الجنوب إلى الشمال، يملأ بياضه وضوؤه الطرق والأسواق. ٢ - أن الفجر الكاذب ساطع له بياض ونور، لكن بياضه ونوره يزول بالظلمة التي تعقبه، وتكون في أسفله مما يلي المشرق في الأفق. أما الفجر الصادق فإن نوره وبياضه يزداد وربما كان في نوره توريد بحمرة بديعة، خاصة إذا كانت السماء صافية، وقد تظهر هذه الحمرة كما لو كانت كدرًا وغالبًا ما يكون في أفق المشرق في موضع طلوع الشمس، وينتقل بانتقالها، وهو مقدمة ضوئها. ٣ - أن الفجر الكاذب له رأس مستدق إلى أعلى في السماء يشبه ذنب السرحان (الذئب) والفجر الصادق ليس كذلك.

стр. 18

٤ - أن الفجر الكاذب يتشكل في الفلك، وليس في الأفق القريب من الأرض، بخلاف الفجر الصادق؛ فإنه يتشكل في الأفق القريب. ٥ - أن الفجر الكاذب يؤثر فيه ضوء القمر، وفي ليالي وجود القمر جهة الشرق آخر الليل تصعب معرفته إلا على من لديه خبرة ودراية كافية بأوصافه وأحواله. أما الفجر الصادق فإن تأثير ضوء القمر عليه محدود وضعيف، حتى لو كان القمر في جهة الشرق آخر الليل. ٦ - أن الفجر الكاذب يخرج قبل الفجر الصادق بنحو ساعة، أو ساعة، إلا ربعًا، أو قريبًا من ذلك. بينما يكون خروج الفجر الصادق بعد الكاذب، وقبل طلوع الشمس بوقت محدود، يزيد هذا الوقت وينقص بمقدار معلوم حسب دورة الشتاء والصيف (١). وإذا تقررت هذه الفروق المهمة بين الفجرين الكاذب والصادق (الأول والثاني) فإن جميع الأحكام الشرعية المنوطة بطلوع الفجر إنما تتعلق بطلوع الفجر الصادق (الثاني)

стр. 19

باتفاق أهل العلم، وأما الفجر الكاذب (الأول) فلا يتعلق بطلوعه حكم شرعي، وقد نصت الأحاديث السابقة على هذا (١). ثالثًا: تحديد الفجر الصادق (ومقارنته بالتقاويم المتداولة): كان المسلمون على مدى أربعة عشر قرنًا مضت يعتمدون في تحديد وقت صلاة الفجر على الرؤية بالعين المجردة حيث لم يكن يوجد ما يشوش عليهم رؤية ضوء الفجر، ولكن بعد ظهور الكهرباء وانتشار الضوء الصناعي لم يعد بالإمكان تحديد وقت صلاة الفجر داخل المدن والقرى، مما اضطر الناس إلى الاستعانة بالتقاويم شيئًا فشيئًا حتى أصبح الاعتماد عليها في تحديد مواقيت الصلاة اعتمادًا كليًا (٢). ومعظم التقاويم المستخدمة حاليًا لم تبن على دراسات ميدانية، إنما بنيت على ما يعرف عند الفلكيين بالشفق الفلكي، الذي يبدأ في الظهور عندما تكون الشمس على (١٨)

стр. 20

درجة تحت الأفق، ورغم اتفاق الفلكيين على تعريف وتحديد أنواع الشفق، إلا أنه لا توجد دراسة فلكية علمية عملية مؤصلة تحدد الوقت الذي يبدأ أو ينتهي عنده الشفق (١). والشفق ينقسم عند الفلكيين إلى ثلاثة أقسام: الأول: الشفق المدني (civil twilight) ويحدث عندما يكون مركز الشمس تحت الأفق بست درجات قوسية قبل الشروق أو بعد الغروب؛ أي: أن الزاوية السمتية للشمس تساوي (٩٦ درجة). الثاني: الشفق البحري (Nautical Twilight)؛ ويحدث عندما يكون مركز الشمس تحت الأفق باثنتي عشرة درجة قوسية قبل الشروق أو بعد الغروب؛ أي: أن الزاوية السمتية للشمس تساوي (١٠٢ درجة). الثالث: الشفق الفلكي (Astronoomical Twilight) ويحدث عندما يكون مركز الشمس تحت الأفق بثماني عشرة درجة قوسية قبل الشروق أو بعد الغروب، أي: أن الزاوية السمتية للشمس تساوي (١٠٨ درجات) (٢). ويعتبر الشفق الفلكي أول إضاءة من جهة الشرق، بينما

стр. 21

الشفق البحري تظهر خلال مدته الخطوط الخارجية للأشكال دون الحاجة إلى الاستعانة بالضوء، كما تتلألأ نجوم القدر الأول في صفحة السماء. بينما يتميز الضوء خلال مدة الشفق المدني بأنه ضوء النهار، ولكنه مشوب بحمرة (١). ومعظم التقاويم وضعت بداية توقيت صلاة الفجر على الشفق الفلكي، وبعضها يقدمه إلى (١٩ درجة) كتقويم أم القرى، من باب الاحتياط لعبادة الصيام، أو إلى (١٩.٥ درجة) كتقويم هيئة المساحة المصرية (٢). وأشهر التقاويم التي يعتمد عليها الناس في مواقيت الصلاة في الوقت الراهن ما يلي: ١ - تقويم أم القرى؛ وهو أشهرها وزاوية الشمس تحت الأفق عند الفجر (١٩) درجة. ٢ - تقويم رابطة العالم الإسلامي؛ وزاوية الشمس تحت الأفق عند الفجر (١٨ درجة). ٣ - تقويم المساحة العامة المصرية؛ وزاوية الشمس تحت الأفق عند الفجر (١٩.٥ درجة). ٤ - تقويم جامعة العلوم الإسلامية بباكستان كراتشي، وزاوية

стр. 22

الشمس تحت الأفق عند الفجر (١٨ درجة). ٥ - تقويم الجمعية الإسلامية بأميركا الشمالية (المعروفة بالإسنا)؛ وزاوية الشمس تحت الأفق عند الفجر (١٥ درجة) (١). ويلاحظ التفاوت الكبير بين هذه التقاويم؛ ما بين (١٩.٥ إلى ١٥ درجة) وهذا يدل على أن هناك خللا فيها؛ إذ لا يعقل أن يبلغ التفاوت بين تقويمين قرابة عشرين دقيقة؛ ولعل السبب في هذا التفاوت الكبير والخلل أن معظم هذه التقاويم قد وضعت على الفجر الكاذب المعروف بـ (الشفق الفلكي) مع تقديم يسير في بعضها (٢). وهذه الإشكالية تفطن لها بعض أهل العلم المحققين، ونبهوا إلى وجودها، وأنه ينبغي عدم التعجل في إقامة صلاة الفجر اعتمادًا عليها. قال الحافظ ابن حجر ﵀: "من البدع المنكرة ما أحدث في هذا الزمان من إيقاع الأذان الثاني قبل الفجر بنحو ثلث ساعة في رمضان، وإطفاء المصابيح التي جعلت علامة

стр. 23

لتحريم الأكل والشرب على من يريد الصيام، زعمًا ممن أحدثه أنه للاحتياط في العبادة، ولا يعلم بذلك إلا آحاد الناس، وقد جرهم ذلك إلى أن صاروا لا يؤذنون إلا بعد الغروب بدرجة؛ لتمكين الوقت زعموا، فأخروا الفطر، وعجلوا السحور وخالفوا السنة، فلذلك قل عنهم الخير وكثر فيهم الشر (١). وقال الشيخ الألباني ﵀: "وقد رأيت ذلك بنفسي مرارًا، من داري في جبل هملان، جنوب شرق عمان، ومكنني ذلك من التأكد من صحة ما ذكره بعض الغيورين على تصحيح عبادة المسلمين، أن أذان الفجر في بعض البلاد العربية يرفع قبل الفجر الصادق بزمن يتراوح بين العشرين والثلاثين دقيقة؛ أي قبل الفجر الكاذب أيضًا! وكثيرًا ما سمعت إقامة صلاة الفجر في بعض المساجد مع طلوع الفجر الصادق، وهم يؤذنون قبلها بنصف ساعة، وعلى ذلك فقد صلوا سنة الفجر قبل وقتها، وقد يستعجلون بأداء الفريضة أيضًا قبل وقتها في شهر رمضان .. وفي ذلك تضييق على الناس بالتعجيل بالإمساك عن الطعام، وتعريض لصلاة الفجر للبطلان، وما ذلك إلا بسبب اعتمادهم على التوقيت الفلكي، وإعراضهم عن التوقيت الشرعي ... (٢).

стр. 24

وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀: بالنسبة لصلاة الفجر، المعروف أن التوقيت الذي يعرفه الناس ليس بصحيح، فالتوقيت مقدم على الوقت بخمس دقائق على أقل تقدير، وبعض الإخوان خرجوا إلى البر، فوجدوا أن الفرق بين التوقيت الذي بأيدي الناس، وبين طلوع الفجر نحو ثلث ساعة فالمسألة خطيرة، ولهذا لا ينبغي للإنسان في صلاة الفجر أن يبادر في إقامة الصلاة، وليتأخر نحو ثلث ساعة أو (٢٥) دقيقة، حتى يتيقن أن الفجر قد حضر وقته (١). ونظرًا لخطورة هذه المسألة وتعلقها بالصلاة التي هي آكد أركان الإسلام بعد الشهادتين؛ فقد اهتم بها أهل العلم قديمًا وحديثًا، وعقد من أجلها العديد من الندوات والمؤتمرات، وصدر فيها العديد من الفتاوى من الهيئات العلمية الشرعية المتخصصة (٢). نذكر منها بعض ما صدر في هذه البلاد المباركة؛ حيث أصدرت هيئة كبار العلماء قرارها رقم (٦١) وتاريخ (١٢/

стр. 25

٤/ ١٣٩٨ هـ) بعد دراسة أعدتها اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء جاء فيه مختصرًا: أولاً: من كان يقيم في بلاد يتمايز فيها الليل من النهار بطلوع فجر وغروب شمس، إلا أن نهارها يطول جدًا في الصيف ويقصر في الشتاء، وجب عليه أن يصلي الصلوات الخمس في أوقاتها المعروفة شرعًا. ثانيًا: من كان يقيم في بلاد لا تغيب عنها الشمس صيفًا، ولا تطلع فيها الشمس شتاء، أو في بلاد يستمر نهارها إلى ستة أشهر، ويستمر ليلها ستة أشهر مثلاً، وجب عليهم أن يصلوا الصلوات الخمس في كل أربع وعشرين ساعة، وأن يقدروا لها أوقاتها ويحددوها، معتمدين في ذلك على أقرب البلاد إليهم، تتمايز فيها أوقات الصلوات المفروضة بعضها من بعض (١). وأما المجمع الفقهي الإسلامي، برابطة العالم الإسلامي فقد أولى هذا الموضوع عنايته الفائقة؛ فدرسه في الدورة الخامسة المنعقدة في الفترة (٨ - ١٦/ ١٤٠٢ هـ) وأصدر بشأنه قرارًا. ثم أعاد دراسته في الدورة التاسعة المنعقدة في الفترة (١٢ - ١٩/ ٧/ ١٤٠٦ هـ) وأصدر بشأنه قرارًا، ولا زالت بعض إشكالات هذا الموضوع قائمة لدى المسلمين

стр. 26

المقيمين في البلاد ذات خطوط العرض العالية؛ ولأجل هذا فقد أعاد المجمع الفقهي دراسة الموضوع في دورته التاسعة عشرة المنعقدة في الفترة (٢٢ - ٢٧/ ١٠/ ١٤٢٨ هـ) وأصدر بشأنه القرار الثاني، والذي جاء فيه مختصرًا ما يلي: يؤكد المجلس على ما جاء في القرار الثالث في دورته الخامسة، والقرار السادس في دورته التاسعة؛ حيث قسم القرار المناطق ذات الدرجات العالية إلى ثلاث مناطق، وذكر أحكامها. الأولى: البلاد الواقعة: ما بين خطي العرض (٤٥) و (٤٨) درجة شمالاً وجنوبًا، وتتميز فيها العلامات الظاهرة للأوقات في (٢٤ ساعة) طالت الأوقات أو قصرت؛ فهذه يجب على أهلها الالتزام بالصلاة في مواقيتها الشرعية، وفي الصوم بوقته الشرعي من تبين الفجر الصادق إلى غروب الشمس، عملاً بالنصوص الشرعية في أوقات الصلاة والصوم. الثانية: البلاد الواقعة: ما بين خطي العرض (٤٨ درجة) و (٦٦ درجة) شمالاً وجنوبًا، وتنعدم فيها بعض العلامات الفلكية للأوقات في عدد من الأيام؛ كأن لا يغيب الشفق الذي يبتدئ به العشاء، وتمتد نهاية وقت المغرب حتى يتداخل مع الفجر؛ فالحكم في هذه البلاد أن تقدر مواقيت الصلاة فيها بالقياس الزمني على نظائرها في خط عرض (٤٥

стр. 27

درجة) باعتباره أقرب الأماكن التي تتيسر فيها العبادة أو التمييز؛ فإذا كان العشاء يبدأ مثلاً بعد ثلث الليل في خط عرض (٤٥ درجة) يبدأ كذلك بالنسبة إلى ليل خط عرض المكان المراد تعيين الوقت فيه، ومثل هذا يقال في الفجر. والثالثة: البلاد الواقعة: فوق خط عرض (٦٦) درجة شمالاً وجنوبًا إلى القطبين، وتنعدم فيها العلامات الظاهرة للأوقات في فترة طويلة من السنة نهارًا أو ليلاً، فتقدر فيها جميع الأوقات بالقياس الزمني على نظائرها، في خط عرض (٤٥ درجة) وذلك بأن تقسم الأربع والعشرون ساعة في المنطقة من (٦٦ درجة) إلى القطبين، كما تقسم الأوقات الموجودة في خط عرض (٤٥ درجة) فإذا كان وقت الفجر في خط عرض (٤٥ درجة) في الساعة الثانية صباحًا مثلاً كان الفجر كذلك في البلد المراد تعيين الوقت فيه، وبديء الصوم منه حتى وقت المغرب المقدر. ويوصي مجلس المجمع برابطة العالم الإسلامي بإنشاء مركز في مكة المكرمة للعناية بالعلوم الشرعية الفلكية؛ ليكون مرجعًا للمسلمين في مواقيت الصلاة في جميع مدن العالم، وخاصة البلاد غير الإسلامية، ولإصدار تقويم هجري موحد لجميع المسلمين، وللسعي إلى التقريب بين بلدان العالم الإسلامي في شأن رؤية الهلال، والتعاون مع المراصد الفلكية في سبيل تحقيق هذا الغرض. كما يرى المجلس تكليف

стр. 28

الأمانة العامة للمجمع بتكوين لجنة شرعية فلكية لإعداد تقويم للصلوات في البلاد ذات خطوط العرض العالية، على ما ورد في القرار (١). وبعد هذا العرض الملخص عن الموضوع، فإن تحديد الفجر الصادق يختلف عما هو مثبت في التقاويم، ولم يصدر بحقه إلى الآن تقويم زمني شامل معتمد موحد، وأقرب التقاويم إلى تحديده: تقويم رابطة العالم الإسلامي، وتقويم جامعة العلوم الإسلامية بالباكستان. ومن خلال بعض القواعد والضوابط التي وضعها أهل العلم والمختصون، يمكن تحديد وقت طلوع الفجر الصادق على ما يلي: أولا: من خلال كلام الشيخين الجليلين؛ الألباني، وابن عثيمين عليهما رحمة الله، فيما سبق، فإن الفجر الصادق يكون بعد وقت الأذان المحدد في التقاويم (خصوصًا تقويم أم القرى) بمدة تتراوح بين (٢٠ إلى ٣٠ دقيقة) حسب اختلاف الصيف والشتاء (٢). ثانيًا: من خلال الاستقراء والتجارب التي قام بها بعض علماء الفلك المختصين، تبين أن وقت الفجر والعشاء يرتبطان

стр. 29

بانتشار الضوء في ظلام الليل أو اختفائه كليًا، نتيجة انعكاس ضوء الشمس غير المباشر على طبقات الغلاف الجوي، المحيطة بالكرة الأرضية. وأن وقت الشفق الأبيض والفجر الصادق يتساويان في المكان الواحد تقريبًا، وأنهما يرتبطان بحركة الشمس الظاهرية تحت الأفق. وأن ضوء الشمس غير المباشر والمنعكس على الغلاف الجوي ينتهي أو يبدأ عندما تصل درجة ميل الشمس تحت الأفق بما يعادل (١٨ درجة) (١). وأن الشعاع الضوئي عندما يقابل الغلاف الجوي، بزاوية أكبر من (١٨ درجة) وهي ما يعرف بالزاوية الحرجة، فإنه ينعكس إلى الفضاء الخارجي، ولا يصل إلى سطح الأرض؛ وهو ما يعرف بالفجر الكاذب، ويستمر هكذا مع حركة الشمس الظاهرية، حتى تكون هذه الزاوية مساوية (١٨ درجة) وعند ذلك ينعكس الشعاع الشمس على الطبقة الهوائية، ويتجه إلى سطح الأرض حيث يبدأ ظهور الفجر الصادق (٢). إذًا من خلال ذلك فإن الفلكيين يرون أن الفجر الصادق يبدأ عندما تكون زاوية الشمس تحت الأفق الشرقي (١٨ درجة) ويوافق بزوغ أول خيط من النور الأبيض وانتشاره

стр. 30

عرضًا في الأفق، وهو ما حدده قرار المجمع الفقهي الإسلامي برابطة العالم الإسلامي رقم (٦) في دورته التاسعة المنعقدة في الفترة (١٢ - ١٩/ ٧/ ١٤٠٦هـ) (١). وقد اعتمدت بعض التقاويم على هذا التحديد؛ منها: تقويم رابطة العالم الإسلامي؛ ويتطابق معها في ذلك: تقويم العجيري؛ وتقويم جامعة العلوم الإسلامية بكراتشي بالباكستان (٢). ثالثًا: قام فضيلة الدكتور سليمان بن إبراهيم الثنيان، عضو هيئة التدريس بكلية الشريعة وأصول الدين، بجامعة القصيم، برصد طلوع الفجر الصادق لمدة عام كامل، فثبت له أن وقت الفجر حسب تقويم أم القرى متقدم عن التوقيت الشرعي للفجر ما بين (١٥ دقيقة) إلى (٢٤ دقيقة) حسب فصول السنة (٣). رابعًا: قامت لجنة علمية من ثمانية علماء متخصصين في علوم الشريعة والفلك، يمثلون قسم الفلك بمدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية بالرياض، ورئاسة إدارة البحوث

стр. 31

العلمية والإفتاء، ووزارة الشئون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد بالمملكة، بدراسة علمية شرعية فلكية، استخدمت فيها المعايير الدقيقة في رصد وقت الفجر مكانًا وزمانًا، وبعد عام كامل من الرصد الميداني لتحديد بداية الفجر الصادق (الشفق الشرعي) في منطقة الرصد، تبين أنه ينضبط باستخدام المعيار الفلكي، عندما تكون الشمس تحت الأفق بمقدار (١٤.٦) درجة قوسية، وانحراف معياري بمقدار (.٣) درجة قوسية (١) فالله أعلم.

стр. 32

المطلب الثاني أحكام الصلاة المترتبة على طلوع الفجر الثاني يتوقف على طلوع الفجر الصادق جملة من أحكام الصلاة، نبينها في المسائل التالية: المسألة الأولى: أول وقت صلاة الفجر: اتفق أهل العلم على أن وقت صلاة الصبح يدخل بطلوع الفجر الثاني إلى أن يسفر الصبح، ثم يذهب وقت الاختيار، ويبقى وقت الجواز إلى طلوع الشمس (١). لحديث ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «أمَّني جبريل عند البيت» وفيه: «ثم صلي بي الفجر حين حرم الطعام والشراب على الصائم .. ثم صلي الغد بي الفجر فأسفر ثم التفت إلي، فقال: يا محمد! هذا وقت الأنبياء من قبلك، الوقت فيما بين هذين الوقتين» (٢).

стр. 33

وفي حديث محمد بن ثوبان ﵀ قال: قال رسول الله ﷺ : «الفجر فجران؛ فالذي كأنه ذنب السرحان، لا يحرم شيئًا، وأما المستطير الذي يأخذ الأفق، فإنه يحل الصلاة ويحرم الطعام» (١). المسألة الثانية: آخر وقت الضرورة لصلاة العشاء: وقت صلاة العشاء المختار يبدأ، بلا خلاف، بغيبوبة الشفق، وينتهي بذهاب ثلث الليل على المشهور في قول أكثر أهل العلم، وقال بعضهم: إلى منتصف الليل (٢). فإذا ذهب ثلث الليل، أو نصفه ذهب وقتها المختار، وبقي وقت الجواز والضرورة إلى طلوع الفجر الثاني (٣). ودليل ذلك: حديث ابن عباس ﵄ قال: قال:

стр. 34

رسول الله ﷺ : «أمَّني جبريل عند البيت» وفيه: «ثم صلي العشاء حين غاب الشفق .. وصلى المرة الثانية .. العشاء الآخرة حين ذهب ثلث الليل .. ثم التفت إلى جبريل فقال: يا محمد! هذا وقت الأنبياء من قبلك، الوقت فيما بين هذين الوقتين» (١). وعن عروة أن عائشة ﵂ قالت: أعتم رسول الله ﷺ بالعشاء، حتى ناداه عمر: الصلاة، نام النساء، والصبيان! فخرج فقال: «ما ينتظرها أحد من أهل الأرض غيركم» قال: ولا يُصَلَّى يومئذ إلا بالمدينة وكانوا يصلون فيما بين أن يغيب الشفق إلى ثلث الليل الأول (٢). وفي حديث عبد الله بن عمرو ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «وقت صلاة المغرب ما لم يغب الشفق، ووقت صلاة العشاء إلى نصف الليل الأوسط» (٣). والمختار عند أكثر أهل العلم: أن وقت العشاء المختار

стр. 35

ينتهي بثلث الليل؛ لأن جبريل ﵇ صلى بالنبي ﷺ في المرة الثانية ثلث الليل. وقال: «الوقت فيما بين هذين الوقتين» (١). ولأن النبي ﷺ كما في حديث بريدة، رضي الله تعالى عنه: «صلاها في اليوم الثاني حين ذهب ثلث الليل» (٢). قال الإمام ابن قدامة ﵀: "ولأن ثلث الليل يجمع الروايات، والزيادة تعارضت الأخبار فيها، فكان ثلث الليل أولى .. والأولى، إن شاء الله تعالى، أن لا يؤخرها عن ثلث الليل، وإن أخرها إلى نصف الليل جاز، وما بعد النصف وقت ضرورة، الحكم فيه حكم وقت الضرورة في صلاة العصر، على ما مضى شرحه وبيانه، ثم لا يزال الوقت ممتدًا حتى يطلع الفجر الثاني (٣). هذا وقد ذهب بعض أهل العلم إلى أن آخر وقت العشاء المختار ينتهي بطلوع الفجر الثاني (٤) لما روى أبو

стр. 36

قتادة ﵁ قال: خطبنا رسول الله ﷺ فقال: «.. إنه ليس في النوم تفريط، إنما التفريط على من لم يصل الصلاة حتى يجيء وقت الصلاة الأخرى» (١). فإنه يدل على أن أوقات الصلوات متصلة، وإذا كان الأمر كذلك، فآخر وقت العشاء الآخرة هو طلوع الفجر الثاني (٢). ولكن هذا ضعيف جدًا، فإنه إنما ورد في القضاء حال العذر بالنوم وغيره، ثم هو مقصور على ما كان من الصلوات وقتهما متصل؛ كالظهر مع العصر، والمغرب مع العشاء، وأما ما كان وقتهما منفصل عن الآخر؛ كالعشاء مع الفجر، فلا يشمله؛ بدليل حديث جبريل المشهور في تحديد مواقيت الصلاة (٣). وإذا تقرر هذا: فإن وقت الضرورة لصلاة العشاء يمتد حتى طلوع الفجر الثاني؛ فمن كان من أهل الأعذار الشرعية؛ كالحائض والنفساء تطهران والكافر يسلم، والصبي يبلغ،

стр. 37

والمجنون والمغمى عليه يفيقان، والنائم يستيقظ، والمريض يبرأ، فزال عذره قبل طلوع الفجر الثاني، ولو بمقدار ركعة، فإنه يصلي العشاء أداء للضرورة (١). لعموم قوله ﷺ : «من أدرك من الصبح ركعة قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح، ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر» (٢). فإذا طلع الفجر الثاني انتهى وقت الضرورة لصلاة العشاء، ووجب على كل من كان من أهل وجوبها قبل طلوع الفجر أن يصليها قضاء؛ لعموم قوله ﷺ «من نسي صلاة أو نام عنها، فكفارتها أن يصليها إذا ذكرها» (٣) فأما النائم والمريض والمغمى عليه؛ فإنهم يقضون

стр. 38

الصلاة بعد الفجر، متى زال عذرهم؛ لعموم هذا الحديث (١). وأما الصبي الذي لم يبلغ إلا بعد طلوع الفجر، والمجنون الذي لم يفق إلا بعد طلوع الفجر، والكافر الذي لم يسلم إلا بعد طلوع الفجر، والحائض والنفساء اللتان لم تطهرا إلا بعد طلوع الفجر، فلا يجب على أحد منهم قضاء صلاة العشاء؛ لأنهم حال وقت وجوبها كانوا معذورين بتركها، أو ليسوا من أهل وجوبها (٢). قال ابن قدامة ﵀: "لا نعلم في ذلك خلافا" (٣). قال الله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨]. وقال ﷺ : «رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ وعن الصغير حتى يكبر، وعن المجنون حتى يعقل أو يفيق» (٤).

стр. 39

وتقول عائشة ﵂: «كان يصيبنا ذلك، يعني: الحيض، فنؤمر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة» (١). المسألة الثالثة: انتهاء وقت أداء صلاة الوتر: اتفق جمهور أهل العلم على أن وقت الوتر المختار يمتد من صلاة العشاء الآخرة في وقتها المشروع، وينتهي بطلوع الفجر الثاني (٢). لما روى ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: «بادروا الصبح بالوتر» (٣). وتقول عائشة ﵂: "كان رسول الله ﷺ يصلي فيما بين أن يفرغ من صلاة العشاء، وهي التي يدعو الناس العتمة إلى

стр. 40

الفجر إحدى عشرة ركعة، يسلم بين كل ركعتين، ويوتر بواحدة (١). ويقول ابن عمر ﵄: سأل رجل النبي ﷺ ، وهو على المنبر، ما ترى في صلاة الليل؟ قال: «مثنى مثنى، فإذا خشي الصبح صلى واحدة فأوترت له ما صلى» (٢). وثبت في الصحيح: أنه ﷺ خرج على أصحابه، فقال: «إن الله أمدكم بصلاة هي خير لكم من حمر النعم، الوتر، جعله الله لكم فيما بين صلاة العشاء إلى أن يطلع الفجر» (٣). فإذا طلع الفجر الثاني، فات وقت الوتر، وصلاه قضاء في أصح قولي العلماء (٤).
следующие страницы →