← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 14526

أحكام العبادات المترتبة على طلوع الفجر الثاني

ناصر بن مشري الغامدي

Полный текст (152 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

قتادة ﵁ قال: خطبنا رسول الله ﷺ فقال: «.. إنه ليس في النوم تفريط، إنما التفريط على من لم يصل الصلاة حتى يجيء وقت الصلاة الأخرى» (١). فإنه يدل على أن أوقات الصلوات متصلة، وإذا كان الأمر كذلك، فآخر وقت العشاء الآخرة هو طلوع الفجر الثاني (٢). ولكن هذا ضعيف جدًا، فإنه إنما ورد في القضاء حال العذر بالنوم وغيره، ثم هو مقصور على ما كان من الصلوات وقتهما متصل؛ كالظهر مع العصر، والمغرب مع العشاء، وأما ما كان وقتهما منفصل عن الآخر؛ كالعشاء مع الفجر، فلا يشمله؛ بدليل حديث جبريل المشهور في تحديد مواقيت الصلاة (٣). وإذا تقرر هذا: فإن وقت الضرورة لصلاة العشاء يمتد حتى طلوع الفجر الثاني؛ فمن كان من أهل الأعذار الشرعية؛ كالحائض والنفساء تطهران والكافر يسلم، والصبي يبلغ،

стр. 37

والمجنون والمغمى عليه يفيقان، والنائم يستيقظ، والمريض يبرأ، فزال عذره قبل طلوع الفجر الثاني، ولو بمقدار ركعة، فإنه يصلي العشاء أداء للضرورة (١). لعموم قوله ﷺ : «من أدرك من الصبح ركعة قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح، ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر» (٢). فإذا طلع الفجر الثاني انتهى وقت الضرورة لصلاة العشاء، ووجب على كل من كان من أهل وجوبها قبل طلوع الفجر أن يصليها قضاء؛ لعموم قوله ﷺ «من نسي صلاة أو نام عنها، فكفارتها أن يصليها إذا ذكرها» (٣) فأما النائم والمريض والمغمى عليه؛ فإنهم يقضون

стр. 38

الصلاة بعد الفجر، متى زال عذرهم؛ لعموم هذا الحديث (١). وأما الصبي الذي لم يبلغ إلا بعد طلوع الفجر، والمجنون الذي لم يفق إلا بعد طلوع الفجر، والكافر الذي لم يسلم إلا بعد طلوع الفجر، والحائض والنفساء اللتان لم تطهرا إلا بعد طلوع الفجر، فلا يجب على أحد منهم قضاء صلاة العشاء؛ لأنهم حال وقت وجوبها كانوا معذورين بتركها، أو ليسوا من أهل وجوبها (٢). قال ابن قدامة ﵀: "لا نعلم في ذلك خلافا" (٣). قال الله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨]. وقال ﷺ : «رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ وعن الصغير حتى يكبر، وعن المجنون حتى يعقل أو يفيق» (٤).

стр. 39

وتقول عائشة ﵂: «كان يصيبنا ذلك، يعني: الحيض، فنؤمر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة» (١). المسألة الثالثة: انتهاء وقت أداء صلاة الوتر: اتفق جمهور أهل العلم على أن وقت الوتر المختار يمتد من صلاة العشاء الآخرة في وقتها المشروع، وينتهي بطلوع الفجر الثاني (٢). لما روى ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: «بادروا الصبح بالوتر» (٣). وتقول عائشة ﵂: "كان رسول الله ﷺ يصلي فيما بين أن يفرغ من صلاة العشاء، وهي التي يدعو الناس العتمة إلى

стр. 40

الفجر إحدى عشرة ركعة، يسلم بين كل ركعتين، ويوتر بواحدة (١). ويقول ابن عمر ﵄: سأل رجل النبي ﷺ ، وهو على المنبر، ما ترى في صلاة الليل؟ قال: «مثنى مثنى، فإذا خشي الصبح صلى واحدة فأوترت له ما صلى» (٢). وثبت في الصحيح: أنه ﷺ خرج على أصحابه، فقال: «إن الله أمدكم بصلاة هي خير لكم من حمر النعم، الوتر، جعله الله لكم فيما بين صلاة العشاء إلى أن يطلع الفجر» (٣). فإذا طلع الفجر الثاني، فات وقت الوتر، وصلاه قضاء في أصح قولي العلماء (٤).

стр. 41

وقضاء الوتر يكون شفعًا فإذا كان من عادته أن يوتر بثلاث، فإنه يوتر بأربع قضاء، وهكذا (١) لحديث عائشة رضي الله تعالى عنها: أن رسول الله ﷺ كان إذا فاتته الصلاة من الليل من وجع أو غيره صلى من النهار ثنتي عشرة ركعة (٢). المسألة الرابعة: ابتداء وقت سنة الفجر: ركعتا الفجر آكد السنن الرواتب (٣) لقوله ﷺ وفعله: روى مسلم في صحيحه (٤) عن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ قال: «ركعتا الفجر: خير من الدنيا وما فيها».

стр. 42

وعنها ﵂ قالت: «لم يكن النبي ﷺ على شيء من النوافل أشد منه تعاهدًا على ركعتي الفجر» (١). وفي رواية قالت: «ما رأيت رسول الله ﷺ في شيء من النوافل أسرع منه إلى الركعتين قبل الفجر» (٢). قال الإمام النووي ﵀: "فيه دليل على عظم فضلهما، وأنهما سنة وليستا واجبتين، وبه قال جمهور العلماء (٣). وقال ابن قيم الجوزية ﵀: "وكان تعاهده ﷺ ومحافظته على سنة الفجر أشد من جميع النوافل، ولذلك لم يكن يدعهما هي والوتر سفرًا وحضرًا (٤). وقال ابن عبد البر ﵀: "ولم يُخْتَلَف عنه ﷺ أنه كان إذا أضاء له الفجر صلى ركعتين قبل صلاة الصبح، وأنه ﷺ لم يترك ذلك حتى مات؛ فهذا عمله" (٥).

стр. 43

ووقت ركعتي سنة الفجر: من بعد طلوع الفجر الثاني، إلى أن يصلى الصبح، باتفاق أهل العلم (١). لما روى ابن عمر ﵁ قال: «حفظت من النبي ﷺ عشر ركعات: ركعتين قبل الظهر، وركعتين بعدها، وركعتين بعد المغرب في بيته، وركعتين بعد العشاء في بيته، وركعتين قبل صلاة الصبح، وكانت ساعة لا يُدْخَل على النبي ﷺ فيها، حدثتني حفصة: أنه كان إذا أذن المؤذن وطلع الفجر، صلى ركعتين» (٢). فمن فاتته ركعتا الفجر قبل صلاة الصبح، وأقيمت الصلاة، استحب له أن يقضيها بعد صلاة الصبح، أو بعد طلوع الشمس، وخروج وقت النهي (٣)؛ والأصل في قضائها: صلاته ﷺ لها بعد طلوع الشمس، حين نام عن الصلاة:

стр. 44

روى عمرو بن أمية الضمري ﵁ قال: كنا مع رسول الله ﷺ في بعض أسفاره، فنام عن الصبح حتى طلعت الشمس، فاستيقظ رسول الله ﷺ فقال: «تنحوا عن هذا المكان» قال: ثم أمر بلالاً فأذن ثم توضؤوا وصلوا ركعتي الفجر، ثم أمر بلالاً فأقام الصلاة فصلى بهم صلاة الصبح (١). المسألة الخامسة: ابتداء أول أوقات النهي عن التطوع بالصلاة (٢): اتفق أهل العلم على النهي عن التطوع بالصلاة بعد طلوع الفجر الثاني، إلى طلوع الشمس وارتفاعها قيد رمح،

стр. 45

ولم يستثن أهل العلم من ذلك النهي إلا قضاء الفوائت من الفرائض وبعض النوافل، وذوات الأسباب؛ كتحية المسجد، وركعتي الطواف (١). واستدل أهل العلم: على النهي عن الصلاة بعد طلوع الفجر الثاني، إلا ما استثنى بأدلة منها: ما روى ابن عباس ﵄ قال: «شهد عندي رجال مرضيون، وأرضاهم عندي عمر أن النبي ﷺ نهى عن الصلاة بعد الصبح حتى تشرق الشمس، وبعد العصر حتى تغرب» (٢). وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا صلاة بعد الصبح حتى ترتفع الشمس، ولا صلاة بعد العصر حتى تغيب الشمس» (٣).

стр. 46

فدل هذان الحديثان وما في معناهما على النهي عن الصلاة بعد الصبح حتى ترتفع الشمس (١). واستدل أهل العلم: على استثناء ذوات الأسباب، وقضاء الفرائض من هذا النهي بأدلة منها: قوله ﷺ : «من نسي صلاة أو نام عنها؛ فكفارتها أن يصليها إذا ذكرها» (٢). وقوله ﷺ : «من أدرك من الصبح ركعة قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح، ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر» (٣). فهذان نصان في المسألة، يدلان على جواز أداء الفرائض في آخر وقتها لمن فاته أوله، وقضائها في أوقات النهي (٤). وقوله ﷺ فيما رواه جبير بن مطعم ﵁ «يا بني عبد مناف، لا تمنعوا أحدًا طاف بهذا البيت، وصلى أية ساعة

стр. 47

شاء من ليل أو نهار» (١). وتقول عائشة ﵂: «ما كان النبي ﷺ يأتيني في يوم بعد العصر إلا صلى ركعتين» (٢). وهاتان الركعتان اللتان كان يصليهما النبي ﷺ بعد العصر هما سنة الظهر، كما جاء في بعض الروايات، وهذا يدل على أن الصلاة التي لها سبب لا تكره في وقت النهي، وإنما يكره ما لا سبب لها؛ كما ذكر النووي وغيره (٣). وعن أبي قتادة السلمي ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس» (٤).

стр. 48

فدلت هذه الأدلة على جواز صلاة ذوات الأسباب في هذه الأوقات المنهي عن الصلاة فيها؛ كركعتي الطواف، وركعتي الوضوء، وتحية المسجد، وغيرها من ذوات الأسباب (١).

стр. 49

قال ابن قدامة ﵀: "مسألة (ويركع للطواف) يعني في أوقات النهي، وممن طاف بعد الصبح والعصر وصلى ركعتين: ابن عمر، وابن الزبير وعطاء، وطاوس وفعله ابن عباس والحسن والحسين، ومجاهد، والقاسم بن محمد وفعله عروة بعد الصبح، وهذا مذهب عطاء والشافعي، وأبي ثور (١). وأما صلاة الجنازة بعد الصبح حتى تطلع الشمس، وبعد العصر حتى تميل للغروب: فلا خلاف بين أهل العلم في جوازها؛ حكي الإجماع على ذلك ابن المنذر والنووي، وابن قدامة وغيرهم (٢). وهل النهي عن التنفل بالصلاة بعد طلوع الفجر الثاني يتعلق بطلوع الفجر أم يتعلق بالفراغ من صلاة الفجر؛ قولان لأهل العلم. القول الأول: إن النهي متعلق بطلوع الفجر الثاني، وبناء على ذلك فلا يصلي بعد طلوع الفجر إلا ركعتي سنة الفجر. وإلى هذا ذهب أكثر أهل العلم؛ الحنفية، والمالكية، والشافعية في وجه، والحنابلة في المشهور من مذهبهم (٣).

стр. 50

واستدلوا على ذلك بأدلة منها: ١ - ما روى يسار مولى ابن عمر ﵁ قال: رآني ابن عمر، وأنا أصلي بعد طلوع الفجر، فقال: يا يسار، إن رسول الله ﷺ خرج علينا ونحن نصلي هذه الصلاة، فقال: «ليبلغ شاهدكم غائبكم، لا تصلوا بعد الفجر إلا سجدتين» (١). وفي لفظ عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا صلاة بعد طلوع الفجر إلا سجدتين» (٢). قال الإمام الترمذي ﵀: "ومعنى هذا الحديث إنما

стр. 51

يقول: لا صلاة بعد طلوع الفجر إلا ركعتي الفجر .. وهو ما اجتمع عليه أهل العلم؛ كرهوا أن يصلي الرجل بعد طلوع الفجر إلا ركعتي الفجر (١). ٢ - ما رواه أبو هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «إذا طلع الفجر فلا صلاة إلا ركعتي الفجر» (٢). قال ابن قدامة ﵀: "وهذا يبين مراد النبي ﷺ من اللفظ المجمل، ولا يعارضه تخصيص ما بعد الصلاة بالنهي، فإنه دليل خطاب، وهذا منطوق فيكون أولى" (٣). فهذه الأدلة نص في المسألة، تبين أن النهي متعلق بطلوع الفجر الثاني، ولم يستثن من هذا النهي إلا ركعتي الفجر؛ لأن هذا هو وقتها. واعترض على الاستدلال بهذين الحديثين من وجهين: الوجه الأول: أنهما ضعيفان سندًا (٤).

стр. 52

والوجه الثاني: أنه على فرض صحته فهو محمول على نفي المشروعية؛ أي: لا يشرع للإنسان أن يتطوع بنافلة بعد الفجر، إلا ركعتي الفجر، فإن فعل لم يأثم (١). ويجاب عن هذين الوجهين بما يلي: أولاً: أما ضعف الحديث؛ فإنه مردود بأن الحديث صحيح ثابت عن أبي هريرة، وابن عمر، وابن عمرو، رضي الله عن الصحابة أجمعين، وقد بين العلامتان: أحمد شاكر، والألباني، رحمة الله عليهما، طرقه ورواياته، ورواته ومتابعاته بما لا مزيد عليه (٢). وثانيًا: عدم التسليم بحمل الحديث على نفي المشروعية؛ بل هو نفي للصحة والوجود؛ لأن لا نافية، والأصل في النفي نفي الوجود، ثم نفي الصحة، ثم نفي الكمال؛ لأن ما لا يصح شرعًا يكون معدوم الوجود شرعًا (٣). ٣ - ولأنه لم يثبت عن النبي ﷺ أنه صلى بعد طلوع الفجر إلا سنة الفجر؛ فكان إذا أذن بلال ﵁ للفجر، صلى ركعتين خفيفتين (٤).

стр. 53

القول الثاني: إن النهي متعلق بفعل الصلاة (صلاة الصبح) فمن لم يصل أبيح له التنفل وإن صلى غيره، ومن صلى الفجر فليس له التنفل وإن لم يصل أحد سواه، فإذا فرغ من صلاة الصبح، ابتدأ وقت النهي في حقه. وإلى هذا القول ذهب المالكية، والشافعية، والحنابلة في إحدى الروايتين (١). واستدلوا على ذلك بأدلة؛ منها: ١ - ما رواه أبو سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لا صلاة بعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس، ولا صلاة بعد صلاة الفجر حتى تطلع الشمس» (٢). ٢ - ما رواه عمرو بن عبسة السلمي ﵁ أن النبي ﷺ قال: «صل صلاة الصبح، ثم أقصر عن الصلاة حتى تطلع الشمس، حتى ترتفع فإنها تطلع حين تطلع بين قرني شيطان، وحينئذ يسجد لها الكفار» (٣).

стр. 54

حيث نص النبي ﷺ في هذين الحديثين على تعليق النهي بنفس الصلاة (١). وأجيب عن الاستدلال بهذين الحديثين من وجهين: الوجه الأول: أن النهي عن الصلاة في هذين الحديثين جاء مجملاً وقد بين النبي ﷺ المراد من هذا المجمل بقوله: «إذا طلع الفجر فلا صلاة إلا ركعتي الفجر» (٢). فهذا منطوق في المسألة، وهو أولى من دليل الخطاب (٣). والوجه الثاني: أن حديث عمرو بن عبسة قد اختلفت ألفاظ الرواة فيه؛ فقد رواه ابن ماجة بلفظ: «فصل ما بدا لك حتى يطلع الصبح، ثم انته، حتى تطلع الشمس» (٤) وهذا يؤيد تعلق النهي بطلوع الفجر؛ وهو القول الأول. ٣ - ولأن لفظ النبي ﷺ في العصر علق على الصلاة دون وقتها، باتفاق أهل العلم، كما حكى ابن قدامة،

стр. 55

فكذلك الفجر، ولأنه وقت نهي بعد صلاة فيتعلق بفعلها، كبعد العصر (١). ويجاب عن هذا: بأنه قياس مع الفارق، والفرق: أن الفجر جاءت فيه نصوص خاصة، تنهي عن الصلاة بعد طلوعه، إلا ركعتي سنة الفجر، كما في أدلة القول الأول بخلاف العصر، فإن غاية ما ورد فيه النهي عن الصلاة بعده حتى تغرب الشمس وهذا يجعل تعلق النهي بصلاة العصر نفسها. والذي يظهر لي: والله تعالى أعلم: أن القول الأول أرجح؛ وهو أن النهي عن التنفل متعلق بطلوع الفجر، فإذا طلع الفجر فلا يشرع للإنسان أن يصلي إلا ركعتي سنة الفجر، وذوات الأسباب، وقضاء الفوائت، لما يلي: أولا: صحة أدلته، وصراحتها في المسألة. ثانيًا: أن النبي ﷺ وهو المشهور بكثرة نوافله وقيامه لليل، لم يكن يصلي بعد طلوع الفجر إلا ركعتي الفجر، وكان يصليهما خفيفتين فسنة النبي ﷺ عدم التطوع بعد طلوع الفجر، والسنة أولى وألزم. وقد ثبت عن إمام التابعين سعيد بن المسيب ﵀: "إنه رأى رجلا يصلي بعد طلوع الفجر أكثر من ركعتين يكثر فيها

стр. 56

الركوع والسجود، فنهاه فقال: يا أبا محمد! يعذبني الله على الصلاة؟! قال: لا، ولكن يعذبك على خلاف السنة (١). ثالثًا: أن هذا هو إجماع السلف؛ كما حكى الترمذي، وابن قدامة عن النخعي (٢). المسألة السادسة: انتهاء وقت النزول الإلهي للسماء الدنيا: الله ﵎ ينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا، حين يبقى ثلث الليل الآخر، نزولاً يليق بجلاله وعظمته، حتى يطلع الفجر؛ روى أبو هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «ينزل ربنا ﵎ حين يبقى ثلث الليل الآخر كل ليلة، فيقول: من يسألني فأعطيه من يدعوني فاستجيب له، من يستغفرني فأغفر له، حتى يطلع الفجر» (٣).

стр. 57

المطلب الثالث أحكام الصيام المترتبة على طلوع الفجر الثاني يتوقف على طلوع الفجر الثاني جملة من أحكام الصيام، نبينها في المسائل التالية. المسألة الأولى: أول وقت وجوب الإمساك الشرعي للصائم عن المفطرات: اتفق أهل العلم على أنه يجب الإمساك بنية التعبد لله تعالى عن الأكل والشرب والجماع، وسائر المفطرات الحسية والمعنوية، من طلوع الفجر الثاني، إلى غروب الشمس، على كل من كان من أهل الصيام الشرعي، وهو المسلم المكلف البالغ العاقل القادر المقيم، الخالي من الموانع الشرعية (١). قال الله تعالى: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى الليْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧]. قال عدي بن حاتم ﵁: لما نزلت ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ

стр. 58

الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ عمدت إلى عقال أسود، وإلى عقال أبيض فجعلتهما تحت وسادتي فجعلت أنظر في الليل فلا يستبين لي، فغدوت على رسول الله ﷺ فذكرت له ذلك فقال: «إنما ذلك سواد الليل، وبياض النهار» (١). قال الحافظ ابن كثير ﵀: "هذه رخصة من الله تعالى للمسلمين، ورفع لما كان عليه الأمر في ابتداء الإسلام، فإنه كان إذا أفطر أحدهم إنما يحل له الأكل والشرب والجماع إلى صلاة العشاء، أو ينام قبل ذلك، فمتى نام أو صلى العشاء حرم عليه الطعام والشراب والجماع إلى الليلة القابلة فوجدوا من ذلك مشقة كبيرة .. وكان سبب نزول هذه الآية: ما رواه البراء بن عازب ﵁ قال: "كان أصحاب محمد ﷺ إذا كان الرجل صائمًا فحضر الإفطار فنام قبل أن يفطر، لم يأكل ليلته ولا يومه حتى يمسي، وإن قيس بن صرمة الأنصاري، كان صائمًا، فلما حضر الإفطار أتى امرأته فقال لها: أعندك طعام؟ قالت: لا، ولكن أنطلق فأطلب لك، وكان يومه يعمل، فغلبته عيناه، فجاءته امرأته فلما رأته قالت: خيبة لك! فلما انتصف النهار غشي عليه، فذكر ذلك للنبي ﷺ فنزلت هذه الآية: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧] ففرحوا بها فرحًا شديدًا

стр. 59

ونزلت: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾ (١) (٢). فأباح الله تعالى الأكل والشرب، مع ما تقدم من إباحة الجماع في أي الليل شاء الصائم إلى أن يتبين ضياء الصباح من سواد الليل، وعبر عن ذلك بالخيط الأبيض من الخيط الأسود، ورفع اللبس بقوله: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ (٣). وقال ابن قدامة ﵀: "يعني بياض النهار من سواد الليل، وهذا يحصل بطلوع الفجر، قال ابن عبد البر، في قول النبي ﷺ : «إن بلالا يؤذن بليل فكلوا واشربوا، حتى يؤذن ابن أم مكتوم» (٤). دليل على أن الخيط الأبيض هو الصباح وأن السحور لا يكون إلا قبل الفجر، وهذا إجماع لم يخالف فيه إلا الأعمش وحده، فشذ ولم يعرج أحد على قوله، والنهار الذي يجب صيامه من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، هذا قول جماعة علماء المسلمين (٥).

стр. 60

فمن أتى بشيء من المفطرات بعد طلوع الفجر، عامدًا متعمداً عالمًا بالتحريم، غير مكره ولا معذور شرعًا وهو ممن يلزمهم الصيام، بطل صومه، ووجب عليه القضاء والكفارة، إن كان جماعًا بلا خلاف بين أهل العلم في الجملة، إنما الخلاف بينهم فيما يفطر الصائم، وما لا يفطره (١). المسألة الثانية: الشك في طلوع الفجر للصائم: المستحب لمن شك: هل طلع الفجر، أم لا؟ ألا يأتي بشيء من المفطرات لئلا يغرر بصومه، فإن أتى بشيء منها، شاكًا في طلوع الفجر، ولم يتبين الأمر، فله ذلك حتى يتيقن طلوع الفجر، وصومه صحيح، ولا قضاء عليه؛ في قول أكثر أهل العلم؛ وهو مذهب الحنفية وبعض المالكية والشافعية والحنابلة (٢). لأن الله تعالى قال: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ

стр. 61

الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ فمد الأكل إلى غاية التبين، وقد يكون شاكًا قبل التبين، فلو لزمه القضاء لحرم عليه الأكل (١). والنبي ﷺ يقول: «إن بلالاً يؤذن بليل فكلوا واشربوا، حتى يؤذن ابن أم مكتوم» (٢) وكان رجلا أعمى، لا يؤذن حتى يقال له: أصبحت، أصبحت (٣). ولأن الأصل بقاء الليل، فيكون زمان الشك منه، ما لم يعلم يقين زواله، بخلاف غروب الشمس، فإن الأصل بقاء النهار فبني عليه (٤). وخالف المالكية الجمهور في المشهور؛ فقالوا: من أتى بشيء من المفطرات شاكًا في طلوع الفجر، وجب عليه القضاء؛ لأن الأصل بقاء الصوم في ذمته، فلا يسقط بالشك؛ ولأنه إذا أكل فعل ذلك شاكًا في النهار والليل، فلزمه القضاء كما لو فعل شاكًا في غروب الشمس (٥). ورأي الجمهور أقرب وأظهر والله تعالى أعلم لموافقته للقرآن والسنة، ولأن الأصل بقاء الليل، والشك لا

стр. 62

يرفع اليقين، ولأنه قد أذن له بذلك حتى يتبين له الفجر، وما كان مأذونًا فيه، فإنه لا يُرَتَّب عليه مؤاخذة ولا إثم (١). وقد كان عدي بن حاتم ﵁ يضع عقالين تحت وسادته؛ أحدهما أبيض، والآخر أسود؛ فيأكل وهو يتسحر حتى يتبين له العقال الأبيض من العقال الأسود، ثم يمسك فأخبر النبي ﷺ وبين له النبي ﷺ المراد في الآية ولم يأمره بالقضاء (٢). بل إن الشارع الحكيم قد أذن لمن طلع عليه الفجر وأذن المؤذن وفي يده الإناء يشرب منه أن يقضي نهمته منه، فالشك من باب أولى أن يتسامح فيه (٣). فقد روي أبو هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إذا سمع أحدكم النداء والإناء على يده، فلا يضعه حتى يقضي حاجته منه» وفي لفظ: «وكان المؤذن يؤذن إذا بزغ الفجر» (٤).

стр. 63

المسألة الثالثة: طهارة الحائض والنفساء قبل طلوع الفجر وتأخيرها الغسل إلى ما بعد طلوعه: إذا طهرت المرأة الحائض والنفساء قبل الفجر، وأخرت الغسل إلى الصبح، فإن الصوم يلزمها، ما لم تكن معذورة بسبب آخر من سفر، ومرض ونحوهما، فإن لم تكن معذورة وجب الصوم عليها سواء تركت الغسل سهوًا أم عمدًا. ويشترط لذلك أن ينقطع عنها الدم قبل طلوع الفجر؛ لأنه إذا وجد جزء منه في النهار أفسد الصوم؛ ويشترط كذلك أن تنوي الصيام من الليل بعد انقطاع الدم، لأنه لا صيام لمن لم يبيت النية للصيام من الليل (١)، وإلى هذا ذهب جمهور أهل العلم (٢). واستدلوا على هذه بأدلة، منها: ١ - قوله تعالى: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى الليْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧]. فلما أباح الله تعالى المباشرة إلى تبين الفجر، علم أن

стр. 64

الغسل إنما يكون بعده (١). ٢ - وقياسًا على الجنب، لأن من طهرت من الحيض والنفاس ليست حائضًا ولا نفساء، وإنما عليها حدث موجب للغسل؛ فإن الجماع الموجب للغسل لو وجد في الصوم أفسده كالحيض والنفاس، وبقاء وجوب الغسل منه كبقاء وجوب الغسل من الحيض والنفاس (٢). المسألة الرابعة: يجب على المجامع في رمضان النزع عند طلوع الفجر: فإن الله تعالى قد أباح للمسلم في ليل رمضان، كما مر، أن يأكل، ويشرب، ويجامع، حتى يطلع الفجر الثاني، فإذا طلع الفجر الثاني على الإنسان وهو يجامع أهله فإنه يجب عليه أن ينزع في الحال؛ فإن نزع في الحال؛ فلا قضاء عليه ولا كفارة، وصيامه صحيح، لأن ابتداء الجماع كان مأذونًا فيه؛ والنزع هو ترك الجماع؛ فلا يتعلق به ما يتعلق بالجماع؛ وهذا باتفاق أهل العلم (٣).

стр. 65

وأما إذا استدام الجماع، ولم ينزع في الحال، بعد أن تبين له الفجر، فإن صيامه فاسد، ويلزمه القضاء والكفارة، إلا أن يكون معذورًا شرعًا، لأنه ترك صوم رمضان بجماع أثم به لحرمة الصوم، فوجبت به الكفارة؛ كما لو وطئ بعد طلوع الفجر؛ وإلى هذا ذهب المالكية، والشافعية والحنابلة (١). وذهب الحنفية: إلى أنه لو طلع عليه الفجر وهو يجامع، فاستدام الجماع ولم ينزع، وجب عليه القضاء دون الكفارة؛ لأن وطأه لم يصادف صومًا صحيحًا فلم يوجب الكفارة، كما لو ترك النية وجامع (٢). المسألة الخامسة: الصائم يصبح جنبًا، ويغتسل بعد طلوع الفجر: هذه المسألة من المسائل التي أجمع عليها أهل العلم؛ فيجوز للصائم أن يطلع عليه الفجر، وينوي الصوم وهو جنب من جماع أو احتلام، ويغتسل بعد طلوع الفجر؛ ولا حرج عليه في ذلك (٣).

стр. 66

لأن الله تعالى أباح للصائم الجماع حتى يتبين الفجر، ولازم هذا أنه إذا أخر الجماع للفجر، لم يغتسل إلا بعد طلوع الفجر (١). قال الإمام ابن كثير ﵀: "ومن جعله تعالى الفجر غاية لإباحة الجماع والطعام والشراب لمن أراد الصيام، يستدل على أنه من أصبح جنبًا فليغتسل وليتم صومه، ولا حرج عليه. وهذا مذهب الأئمة الأربعة وجمهور العلماء سلفًا وخلفًا (٢). وقال العلامة ابن قدامة ﵀: "وجملته أن الجنب له أن يؤخر الغسل حتى يصبح، ثم يغتسل ويتم صومه، في قول عامة أهل العلم (٣). وقد ثبت في الصحيحين (٤)، من حديث عائشة وأم سلمة ﵂ أنهما قالتا: "إن رسول الله ﷺ كان يدركه الفجر وهو جنب من أهله، ثم يغتسل ويصوم". وفي لفظ عن أم سلمة ﵂ قالت: "كان رسول الله ﷺ يصبح جنبًا من جماع، لا من حلم، ثم لا يفطر، ولا يقضي" (٥).

стр. 67

المسألة السادسة: تبييت النية لصيام الفرض قبل طلوع الفجر: لا يصح الصوم بإجماع أهل العلم إلا بنية؛ فرضًا كان أو تطوعًا؛ لأنه عبادة محضة، فافتقر إلى النية؛ كالصلاة؛ وقد قال المصطفى ﷺ : «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى» (١). حكى الإجماع على ذلك العمراني، وابن قدامة، وغيرهما (٢). فإن كان الصوم فرضًا، كصيام رمضان، في أدائه وقضائه، والنذر والكفارة اشترط أن ينويه قبل طلوع الفجر الثاني، عند المالكية والشافعية، والحنابلة (٣). واستدلوا على ذلك بأدلة منها: ١ - ما روته حفصة ﵂ عن النبي ﷺ قال: «من لم يبيت الصيام قبل الفجر فلا صيام له» (٤).

стр. 68

٢ - ما روته عائشة ﵂ عن النبي ﷺ قال: «من لم يبيت الصيام قبل طلوع الفجر، فلا صيام له» (١). ٣ - ولأنه صوم فرض، فافتقر إلى النية من الليل كالقضاء (٢). وذهب الحنفية: إلى أن وقت النية لصيام الفرض لا ينتهي بطلوع الفجر الثاني، بل يجزئ صيام رمضان، وكل صوم متعين بنية من النهار (٣). واستدلوا على ذلك بأدلة، منها: ١ - ما رواه سلمة بن الأكوع ﵁ قال: "أمر النبي ﷺ رجلاً من أسلم؛ أن أذن في الناس: أن من كان أكل فليصم بقية يومه، ومن لم يكن أكل فليصم؛ فإن اليوم يوم عاشوراء (٤).

стр. 69

وقد كان صوم عاشوراء واجبًا متعينًا فدل ذلك على أنه يجوز أن تتأخر نية الصيام عن الفجر (١). ٢ - قياسًا على التطوع؛ لأنه غير ثابت في الذمة (٢). والذي يظهر والله تعالى أعلم، القول الأول؛ أنه يشترط أن ينوي صيام الفرض قبل طلوع الفجر الثاني؛ لما يلي: ١ - قوة أدلة هذا القول، وصراحتها؛ فهي نص من المسألة. ٢ - أن صيام عاشوراء لم يثبت وجوبه؛ بدليل ما ثبت في الصحيحين (٣)، من حديث معاوية ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «هذا يوم عاشوراء، ولم يكتب الله عليكم صيامه، وأنا صائم، فمن شاء فليصم، ومن شاء فليفطر». وإنما سمي النبي ﷺ الإمساك صيامًا تجوزًا، في حديث سلمة بن الأكوع؛ وإلا فإمساك بقية اليوم بعد الأكل ليس بصيام شرعي.

стр. 70

٣ - أن صيام التطوع يختلف عن صيام الفرض من وجهين: الأول: أن التطوع يمكن الإتيان به في بعض النهار، بشرط عدم المفطرات في أوله؛ بدليل قول النبي ﷺ في حديث عاشوراء: «فليصم بقية يومه» (١) فإذا نوى صوم التطوع من النهار كان صائمًا بقية النهار، دون أوله بخلاف الفرض؛ فإن الصوم يجب في جميع النهار، ولا يكون صائمًا بغير النية. الثاني: أن التطوع سومح في نيته من الليل تكثيرًا له، فإنه قد يبدو له الصوم في النهار، فاشتراط النية من الليل يمنع ذلك، فسامح الشرع فيها، كمسامحته في ترك القيام من صلاة التطوع، وترك الاستقبال في النفل في السفر تكثيرًا له، وترغيبًا فيه بخلاف الفرض (٢). وأما إذا كان الصيام تطوعًا: فقد ذهب جمهور أهل العلم؛ الحنفية والشافعية والحنابلة، على صحة نيته بعد طلوع الفجر، من النهار، ما لم يكن أتى قبل ذلك بمفطر من المفطرات (٣).

стр. 71

واستدلوا على هذا بأدلة منها: ١ - ما روت عائشة ﵂ قالت: دخل علي النبي ﷺ ذات يوم فقال: «هل عندكم شيء؟» فقلنا: لا! قال: «فإني إذن صائم» (١). ٢ - حديث عاشوراء المتقدم؛ حيث جوز النبي ﷺ صيامه بنية من النهار (٢). ٣ - قياسًا على التطوع بالصلاة؛ فإن نقلها يخفف عن فرضها في أحكام كثيرة؛ منها جواز ترك القيام، وجواز الصلاة في السفر على الراحلة إلى غير القبلة، وغير ذلك من الأحكام المخففة (٣). وخالف المالكية، وبعض الشافعية الجمهور في هذا؛ فقالوا: لا يجوز صوم التطوع إلا بنية من الليل قبل طلوع الفجر (٤)، واستدلوا على هذا بأدلة منها: ١ - عموم قوله ﷺ : «من لم يبيت الصيام قبل طلوع الفجر فلا صيام له» (٥).

стр. 72

٢ - قياسًا على الصلاة؛ فإنه يتفق وقت النية لفرضها ونفلها (١). والذي يظهر والله تعالى أعلم، أن القول الأول أرجح؛ لأن فعله ﷺ الثابت عنه في التطوع خاص، ودليل المالكية ومن معهم عام، والخاص مقدم على العام (٢). ولأن دليل الجمهور في جواز نية التطوع من النهار أصح سندًا من دليل المالكية، والصلاة يتفق وقت النية لنفلها وفرضها؛ لأن اشتراط النية في أول الصلاة لا يفضي إلى تقليلها، بخلاف الصوم، فإنه قد يعن له الصوم من النهار، فعفي عنه؛ كما جاز التنفل قاعدًا وعلى الراحلة لهذه العلة (٣). المسألة السابعة: تأخير السحور للصائم إلى قبيل طلوع الفجر: يستحب للصائم باتفاق أهل العلم إذا تحقق بقاء الليل أن يؤخر سحوره إلى أن يقترب وقت طلوع الفجر؛ لأنه أرفق بالصائم (٤). لقوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾ [البقرة: ١٨٧] فهو دليل على جواز الأكل

стр. 73

والشرب إلى طلوع الفجر، مما يدل على أن السحور يستحب أن يكون قبيل طلوع الفجر (١). ولما ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «إن بلالاً يؤذن بليل، فكلوا واشربوا، حتى يؤذن ابن أم مكتوم» (٢) فهو دليل على أن السحور لا يكون إلا قبل الفجر (٣). وثبت عن أنس ﵁: أن النبي ﷺ وزيد بن ثابت تسحرا، فلما فرغا من سحورهما قام نبي الله ﷺ إلى الصلاة، فصلى، فقيل لأنس: كم كان بين فراغهما من سحورهما ودخولهما في الصلاة؟ قال: قدر ما يقرأ الرجل خمسين آية (٤). فهو دليل على استحباب تأخير السحور إلى قبيل الفجر (٥).

стр. 74

المطلب الرابع أحكام الحج المترتبة على طلوع الفجر الثاني يتوقف على طلوع الفجر الثاني جملة من أحكام الحج، نبينها في المسائل الآتية: المسألة الأولى: ابتداء وقت الوقوف بعرفة: الوقوف بعرفة ركن الحج الأعظم الذي لا يتم الحج إلا به بإجماع أهل العلم (١)؛ لما روى عبد الرحمن بن يعمر، رضي الله تعالى عنه: "أن ناسًا من أهل نجد أتوا رسول الله ﷺ وهو بعرفة، فسألوه، فأمر مناديًا، فنادى: الحج عرفة، من جاء ليلة جمع قبل طلوع الفجر فقد أدرك الحج (٢) ..

стр. 75

وله وقت ابتداء، ووقت فضيلة، ووقت انتهاء: فأما وقت الانتهاء: فيأتي بيانه، إن شاء الله، في المسألة التالية. وأما وقت الفضيلة: فهو من بعد زوال الشمس يوم عرفة، حتى غروبها، بإجماع أهل العلم (١) لفعله ﷺ الثابت عنه في صحيح مسلم، من حديث جابر ﵁ المشهور في صفة حجة النبي ﷺ وفيه قال: «حتى إذا زاغت الشمس»، أمر بالقصواء، فرحلت له، فأتى بطن الوادي، فخطب الناس .. ثم أذن ثم أقام؛ فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر، ولم يصل بينهما شيئًا ثم ركب ﷺ حتى أتى الموقف، فجعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات، وجعل حبل المشاة بين يديه، واستقبل القبلة فلم يزل واقفًا حتى غربت الشمس وذهبت الصفرة قليلا حتى غاب القرص (٢). وأما وقت الابتداء: فقد اختلف أهل العلم في أول وقت الوقوف بعرفة على قولين: القول الأول: إن أول وقت الوقوف بعرفة يبدأ من طلوع الفجر يوم عرفة؛ وإليه ذهب الحنابلة، وهو من
следующие страницы →