← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 14526

أحكام العبادات المترتبة على طلوع الفجر الثاني

ناصر بن مشري الغامدي

Полный текст (152 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

واستدلوا على هذا بأدلة منها: ١ - ما روت عائشة ﵂ قالت: دخل علي النبي ﷺ ذات يوم فقال: «هل عندكم شيء؟» فقلنا: لا! قال: «فإني إذن صائم» (١). ٢ - حديث عاشوراء المتقدم؛ حيث جوز النبي ﷺ صيامه بنية من النهار (٢). ٣ - قياسًا على التطوع بالصلاة؛ فإن نقلها يخفف عن فرضها في أحكام كثيرة؛ منها جواز ترك القيام، وجواز الصلاة في السفر على الراحلة إلى غير القبلة، وغير ذلك من الأحكام المخففة (٣). وخالف المالكية، وبعض الشافعية الجمهور في هذا؛ فقالوا: لا يجوز صوم التطوع إلا بنية من الليل قبل طلوع الفجر (٤)، واستدلوا على هذا بأدلة منها: ١ - عموم قوله ﷺ : «من لم يبيت الصيام قبل طلوع الفجر فلا صيام له» (٥).

стр. 72

٢ - قياسًا على الصلاة؛ فإنه يتفق وقت النية لفرضها ونفلها (١). والذي يظهر والله تعالى أعلم، أن القول الأول أرجح؛ لأن فعله ﷺ الثابت عنه في التطوع خاص، ودليل المالكية ومن معهم عام، والخاص مقدم على العام (٢). ولأن دليل الجمهور في جواز نية التطوع من النهار أصح سندًا من دليل المالكية، والصلاة يتفق وقت النية لنفلها وفرضها؛ لأن اشتراط النية في أول الصلاة لا يفضي إلى تقليلها، بخلاف الصوم، فإنه قد يعن له الصوم من النهار، فعفي عنه؛ كما جاز التنفل قاعدًا وعلى الراحلة لهذه العلة (٣). المسألة السابعة: تأخير السحور للصائم إلى قبيل طلوع الفجر: يستحب للصائم باتفاق أهل العلم إذا تحقق بقاء الليل أن يؤخر سحوره إلى أن يقترب وقت طلوع الفجر؛ لأنه أرفق بالصائم (٤). لقوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾ [البقرة: ١٨٧] فهو دليل على جواز الأكل

стр. 73

والشرب إلى طلوع الفجر، مما يدل على أن السحور يستحب أن يكون قبيل طلوع الفجر (١). ولما ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «إن بلالاً يؤذن بليل، فكلوا واشربوا، حتى يؤذن ابن أم مكتوم» (٢) فهو دليل على أن السحور لا يكون إلا قبل الفجر (٣). وثبت عن أنس ﵁: أن النبي ﷺ وزيد بن ثابت تسحرا، فلما فرغا من سحورهما قام نبي الله ﷺ إلى الصلاة، فصلى، فقيل لأنس: كم كان بين فراغهما من سحورهما ودخولهما في الصلاة؟ قال: قدر ما يقرأ الرجل خمسين آية (٤). فهو دليل على استحباب تأخير السحور إلى قبيل الفجر (٥).

стр. 74

المطلب الرابع أحكام الحج المترتبة على طلوع الفجر الثاني يتوقف على طلوع الفجر الثاني جملة من أحكام الحج، نبينها في المسائل الآتية: المسألة الأولى: ابتداء وقت الوقوف بعرفة: الوقوف بعرفة ركن الحج الأعظم الذي لا يتم الحج إلا به بإجماع أهل العلم (١)؛ لما روى عبد الرحمن بن يعمر، رضي الله تعالى عنه: "أن ناسًا من أهل نجد أتوا رسول الله ﷺ وهو بعرفة، فسألوه، فأمر مناديًا، فنادى: الحج عرفة، من جاء ليلة جمع قبل طلوع الفجر فقد أدرك الحج (٢) ..

стр. 75

وله وقت ابتداء، ووقت فضيلة، ووقت انتهاء: فأما وقت الانتهاء: فيأتي بيانه، إن شاء الله، في المسألة التالية. وأما وقت الفضيلة: فهو من بعد زوال الشمس يوم عرفة، حتى غروبها، بإجماع أهل العلم (١) لفعله ﷺ الثابت عنه في صحيح مسلم، من حديث جابر ﵁ المشهور في صفة حجة النبي ﷺ وفيه قال: «حتى إذا زاغت الشمس»، أمر بالقصواء، فرحلت له، فأتى بطن الوادي، فخطب الناس .. ثم أذن ثم أقام؛ فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر، ولم يصل بينهما شيئًا ثم ركب ﷺ حتى أتى الموقف، فجعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات، وجعل حبل المشاة بين يديه، واستقبل القبلة فلم يزل واقفًا حتى غربت الشمس وذهبت الصفرة قليلا حتى غاب القرص (٢). وأما وقت الابتداء: فقد اختلف أهل العلم في أول وقت الوقوف بعرفة على قولين: القول الأول: إن أول وقت الوقوف بعرفة يبدأ من طلوع الفجر يوم عرفة؛ وإليه ذهب الحنابلة، وهو من

стр. 76

مفردات المذهب (١). والقول الثاني: إن أول وقت الوقوف بعرفة يبدأ بعد زوال الشمس من يوم عرفة؛ وإليه ذهب الجمهور: الحنفية، والمالكية، والشافعية، وهو رواية عن الإمام أحمد اختارها شيخ الإسلام (٢). والاعتماد عند مالك ﵀ في الوقوف هو الليل، والنهار تبع له، فلا بد من الوقوف في الليل ولو لحظة، فإن لم يقف في جزء من الليل لم يجزه ذلك الوقوف (٣). استدل الحنابلة على أن وقت الوقوف يبدأ بطلوع الفجر بما يلي: ١ - حديث عروة بن مضرس ﵁ قال: أتيت النبي ﷺ وهو بالمزدلفة، فقلت: يا رسول الله! إني أقبلت من جبلي طييء (٤) لم

стр. 77

أدع حَبْلاً (١) إلا وقفت عليه؛ فهل لي من حج؟ فقال رسول الله ﷺ : «من صلى هذه الصلاة معنا، وقد وقف قبل ذلك بعرفة ليلاً أو نهارًا فقد تم حجه، وقضى تفثه (٢)» (٣). والوجه منه: أنه حجة في أنَّ نهار عرفة كله وقت للوقوف؛ لأن النبي ﷺ بين له أن من وقف بعرفة قبل ذلك ليلاً أو نهارًا فقد تم حجه، ولم يقيده بما بعد الزوال؛ لأن النهار اسم من انفجار الصبح إلى غروب الشمس (٤).

стр. 78

٢ - ولأن ما بعد طلوع الفجر من يوم عرفة، فكان وقتًا للوقوف؛ كبعد الزوال، وترك الوقوف فيه لا يمنع كونه وقتًا للوقوف؛ كبعد العشاء، وإنما وقف النبي ﷺ وخلفاؤه من بعده وقت الفضيلة، ولم يستوعبوا جميع وقت الوقوف (١). واستدل الجمهور على أن أول وقت الوقوف بعرفة يكون بعد الزوال بما يلي: ١ - فعله ﷺ الثابت عنه؛ حيث وقف بعد زوال الشمس؛ كما في حديث جابر ﵁ في صفة حجة النبي ﷺ (٢)، وكان ﷺ يقول للصحابة الذين حجوا معه بين الحين والآخر «خذوا عني مناسككم» (٣). ٢ - ما رواه الإمام البخاري في صحيحه: عن سالم بن عبد الله ﵄ قال: "كتب عبد الملك إلى الحجاج: أن لا يخالف ابن عمر في الحج؛ فجاء ابن عمر ﵄ وأنا معه يوم عرفة حين زالت الشمس، فصاح عند سرادق (٤) الحجاج،

стр. 79

فخرج وعليه ملحفة معصفرة (١)؛ فقال: ما لك يا أبا عبد الرحمن؟ فقال: الرواح إن كنت تريد السنة، قال: هذه الساعة؟! قال: نعم! قال: فأنظرني حتى أفيض على رأسي ثم أخرج، فنزل حتى خرج الحجاج، فسار بيني وبين أبي، فقلت: إن كنت تريد السنة فاقصر الخطبة، وعجل الوقوف، فجعل ينظر إلى عبد الله، فلما رأى ذلك عبد الله، قال: صدق (٢). والوجه منه: أن ابن عمر ﵄ أشار بذلك إلى ما جاءت به سنة رسول الله ﷺ ، وعمل به خلفاؤه الراشدون ﵄ من بعده؛ فعلم منه أن ما قبل الزوال لم تأت به السنة، ولا شرعه رسول الله ﷺ (٣). ٣ - ولأنه ﷺ نزل بوادي نمرة في عرنة، وهي ليست

стр. 80

من عرفة، ولو كان ما قبل الزوال وقتًا للوقوف لنزل في مكان الوقوف لا في غيره؛ لأن حضوره ونزوله في موضع الطاعة والقربة، أفضل وأكثر ثوابًا من نزوله في غيره (١). وحملوا حديث عروة، الذي استدل به الحنابلة، على أن المراد منه: أنه وقف نهارًا فيما يصح الوقوف فيه؛ فيكون قوله ﷺ في حديث عروة مطلقًا، قيدته السنة الفعلية منه ﷺ (٢). أو أن المراد بالنهار في حديث عروة المذكور: خصوص ما بعد الزوال؛ بدليل أن النبي ﷺ والخلفاء الراشدين، بعده لم يقفوا إلا بعد الزوال، ولم ينقل عن أحد أنه وقف قبله؛ ففعله ﷺ وفعل خلفائه من بعده مبين للمراد من قوله ﷺ : «أو نهارًا» (٣). واستدل المالكية: على تخصيص الإجزاء بالليل: بما روي عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «من وقف بعرفات بليل فقد أدرك الحج، ومن فاته عرفات بليل فقد فاته الحج، فليحل بعمرة، وعليه الحج من قابل» (٤).

стр. 81

والذي يظهر، والله تعالى أعلم: أن كلا الرأيين؛ رأي الحنابلة، ورأي الجمهور: له حظ من النظر (١): لأن النهار في حديث عروة اسم من انفجار الصبح إلى غروب الشمس وقد أطلق النبي ﷺ أن من كان وقف بعرفة قبل طلوع الفجر من يوم العيد، ليلاً أو نهارًا، فقد تم حجه، وهذا يشمل ما بعد الفجر من يوم عرفة قطعًا، وقوله ﷺ أبلغ في الدلالة من فعله. وكونه ﷺ لم يقف إلا بعد الزوال؛ لا يدل على أن ما قبله ليس وقتًا للوقوف وإنما فعل ﷺ الأفضل. على أن الأحوط عدم الاقتصار على أول النهار (٢). أما تشدد المالكية: ﵏، في تخصيص الإجزاء بجزء من الليل: فإنه ضعيف لا يثبت له دليل، ثم هو مردود بفعله ﷺ وقوله. المسألة الثانية: انتهاء وقت الوقوف بعرفة، وفوات الحج على من لم يكن وقف بها في وقت الوقوف الشرعي: أجمع أهل العلم على أن وقت الوقوف بعرفة ينتهي بطلوع الفجر من يوم النحر؛ فمن طلع عليه الفجر يوم النحر

стр. 82

وهو لم يقف بعرفة بليل أو نهار فقد فاته الحج (١). ومما يدل على هذا: ١ - حديث عبد الرحمن بن يعمر رضي الله تعالى عنه، وفيه أن النبي ﷺ : «أمر مناديًا، فنادى: الحج عرفة من جاء ليلة جمع قبل طلوع الفجر فقد أدرك الحج» (٢). ٢ - حديث عروة بن مضرس ﵁ وفيه أن النبي ﷺ قال: «من صلى هذه الصلاة معنا، وقد وقف قبل ذلك بعرفة ليلاً أو نهارًا، فقد تم حجه، وقضى تفثه» (٣). ٣ - قول جابر ﵁: «لا يفوت الحج حتى يطلع الفجر ليلة جمع» قال أبو الزبير: فقلت له: أقال رسول الله ﷺ ذلك؟ قال: «نعم» (٤). فمن لم يقف بعرفة قبل طلوع الفجر يوم النحر، أو لم

стр. 83

يصل إليها إلا بعد طلوعه، فقد فاته الحج، وعليه أن يتحلل من حجه بطواف وسعي وحلاق (١). قال الإمام الترمذي ﵀: "والعمل على حديث عبد الرحمن بن يعمر عند أهل العلم؛ من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم؛ أنه من لم يقف بعرفات قبل طلوع الفجر، فقد فاته الحج، ولا يجزئ عنه إن جاء بعد طلوع الفجر، ويجعلها عمرة وعليه الحج من قابل؛ وهو قول الثوري والشافعي، وأحمد وإسحاق .. وسمعت الجارود يقول: سمعت وكيعًا أنه ذكر هذا الحديث، فقال: هذا الحديث أم المناسك (٢). وقال الإمام ابن قدامة ﵀: إن آخر وقت الوقوف آخر ليلة النحر، فمن لم يدرك الوقوف حتى طلع الفجر يومئذ فاته الحج لا نعلم فيه خلافًا .. ثم ساق قول جابر المتقدم ثم قال: ومن فاته الحج يتحلل بطواف وسعي وحلاق، هذا الصحيح من المذهب؛ وروي ذلك عن عمر بن الخطاب، وابنه، وزيد بن ثابت، وابن عباس، وابن الزبير، ومروان بن الحكم، وهو قول مالك، والثوري، والشافعي،

стр. 84

وأصحاب الرأي .. ثم ذكر الرواية الأخرى في المذهب، وقال: ولنا: "قول من سميَّنا من الصحابة، ولم نعرف لهم مخالفًا، فكان إجماعًا (١). وأما إيجاب الهدي عليه، وإلزامه الحج من قابل: فمحل خلاف بين أهل العلم على قولين؛ الجمهور على أن الهدي يلزم من فاته الحج، خلافًا للحنفية، وإحدى الروايتين عن أحمد؛ والجمهور كذلك على أنه يلزمه الحج من قابل سواء كان الفائت واجبًا أو تطوعًا، خلافًا لإحدى الروايتين عن مالك وأحمد (٢). المسألة الثالثة: ابتداء وقت الدفع من مزدلفة لمن وجب عليه المبيت بها: المبيت بمزدلفة لمن وافاها قبل طلوع الفجر واجب من واجبات الحج، من تركه فعليه دم، في قول أكثر أهل العلم (٣).

стр. 85

ولا خلاف بين أهل العلم، ﵏، في أن السنة للحاج الذي وصل المزدلفة ليلة النحر أن يبيت بها حتى طلوع الفجر، فإذا طلع الفجر صلاه في أول وقته، ثم وقف بها، عند المشعر الحرام، أو حيث تيسر له ذلك، حتى يسفر الصبح جدًا، ثم يدفع إلى منى قبل طلوع الشمس (١). والدليل على هذا: فعله ﷺ في حجه؛ فقد روى جابر ﵁: أن النبي ﷺ "أتى المزدلفة، فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين، ولم يسبح بينهما شيئًا ثم اضطجع ﷺ حتى طلع الفجر، وصلى الفجر حين تبين له الصبح بأذان وإقامة، ثم ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام، فاستقبل القبلة فدعاه وكبره، وهلله ووحده، فلم يزل واقفًا حتى أسفر جدًا، فدفع قبل أن تطلع الشمس (٢).

стр. 86

مع قوله ﷺ : «خذوا عني مناسككم» (١). وعن عمرو بن ميمون الأودي ﵀ قال: «شهدت عمر ﵁ صلى بجمع (٢) الصبح ثم وقف فقال: إن المشركين كانوا لا يفيضون حتى تطلع الشمس، ويقولون: أشرق ثبير (٣) وأن النبي ﷺ خالفهم ثم أفاض قبل أن تطلع الشمس» (٤). وعلى هذا فالسنة للحاج ألا يدفع من مزدلفة إلا بعد طلوع الفجر اقتداء بالمصطفى ﷺ . ولا خلاف بين أهل العلم: في جواز تقديم الضعفة وكبار

стр. 87

السن والنساء، ودفعهم من مزدلفة إلى منى قبل طلوع الفجر؛ قال ابن قدامة ﵀: "وبه قال عطاء، والثوري، والشافعي، وأبو ثور، وأصحاب الرأي، ولا نعلم فيه مخالفًا، ولأن فيه رفقًا بهم، ودفعًا لمشقة الزحام عنهم، واقتداء بفعل نبيهم " (١). واختلف أهل العلم، ﵏، في جواز الدفع من مزدلفة قبل طلوع الفجر لغير الضعفة والنساء ومرافقيهم (٢) على قولين: القول الأول: يجوز للحاج مطلقًا، قويًا كان أو ضعيفًا رجلاً كان أو امرأة، الدفع من مزدلفة إلى منى بعد منتصف الليل. وإليه ذهب المالكية، والشافعية، والحنابلة في قول (٣).

стр. 88

والقول الثاني: لا يجوز الدفع من مزدلفة قبل طلوع الفجر، إلا لمن كان معذورًا كالضعفة وكبار السن والنساء الذين وردت الرخصة لهم بذلك. وإليه ذهب الحنفية، والحنابلة في قول، وطائفة من كبار أهل العلم المحققين؛ كابن المنذر وشيخ الإسلام ابن تيمية، والإمام الشنقيطي، والألباني وغيرهم رحمة الله على الجميع (١). استدل أصحاب القول الأول بأدلة منها: ١ - ما رواه ابن عباس ﵄ قال: «كنت فيمن قدم رسول الله ﷺ في ضعفة أهله» وفي لفظ قال: «بعثني رسول الله ﷺ في الثقل أو قال: في الضعفة، من جمع بليل» (٢).

стр. 89

٢ - وعن عائشة ﵂ قالت: «أرسل النبي ﷺ بأم سلمة ليلة النحر، فرمت الجمرة قبل الفجر، ثم مضت فأفاضت، وكان ذلك اليوم اليوم الذي يكون رسول الله ﷺ تعني عندها» (١). ٣ - وعنها ﵂ قالت: كانت سودة (بنت زمعة) امرأة ضخمة ثبطة (٢) فاستأذنت رسول الله ﷺ أن تفيض من جمع بليل، فأذن لها، فقالت عائشة: فليتني كنت استأذنت رسول الله ﷺ كما استأذنته سودة، وكانت عائشة لا تفيض إلا مع الإمام (٣). قالوا: هذه الأدلة تدل على جواز انصراف الحاج ودفعه من مزدلفة قبل الفجر بعد انتصاف الليل ومضي أكثره

стр. 90

في مزدلفة، فإذا مضى أكثر الليل أجزأه الدفع إلى منى (١). ولكن هذا الاستدلال مردود: بأن الترخيص إنما هو في حق الضعفة ومن في حكمهم، وأما من عداهم فالأصل عدم الترخيص لهم بالدفع من مزدلفة إلا بعد طلوع الفجر؛ كما فعل النبي ﷺ وقياسهم على الضعفة، قياس مع الفارق (٢). ولأجل هذا كانت عائشة تتمنى لو أنها استأذنت رسول الله ﷺ كما استأذنته سودة، ولو كان الدفع من مزدلفة قبل طلوع الفجر جائزًا للجميع لما كان لاستئذان سودة، ولا لتمني عائشة معنى. واستدل أصحاب القول الثاني بأدلة منها: ١ - أدلة القول الأول؛ حيث قالوا: هي نص في الإذن للضعفة والنساء ومن في حكمهن، والإذن يقتضي أن يكون الأصحاء والأقوياء ملزمين بالبقاء في مزدلفة إلى طلوع الفجر، وإلا لم يكن للإذن للضعفة والنساء معنى (٣). ٢ - أن النبي ﷺ بات بالمزدلفة، ولم يتعجل، ولم يدفع منها

стр. 91

إلا بعد طلوع الشمس، وقال: «خذوا عني مناسككم» (١). ٣ - وعن أسماء ﵂: «أنها نزلت ليلة جمع عند المزدلفة، فقامت تصلي، فصلت ساعة ثم قالت: يا بني! هل غاب القمر؟ قلت: لا! فصلت ساعة ثم قالت: يا بني! هل غاب القمر؟ قلت: نعم! قالت: فارتحلوا فارتحلنا ومضينا، حتى رمت الجمرة، ثم رجعت فصلت الصبح في منزلها فقلت لها: يا هنتاه (٢) ما أرانا إلا قد غلسنا (٣)! قالت: يا بني! إن رسول الله ﷺ أذن للظعن (٤)» (٥).

стр. 92

ووجه الدلالة منه من وجهين: أحدهما: أن غلامها أنكر عليها تبكيرها بغلس، مما يدل على أن المستقر عندهم أن المبيت بالمزدلفة إلى الفجر واجب، وأنه لا يجوز الدفع منها لمنى إلا بعد طلوع الفجر. وثانيهما: أنها لم تنكر عليه ذلك، وإنما أخبرته أن المصطفى ﷺ قد أذن للظعن والضعفة بذلك، وهذا يدل على أن غيرهم لا يجوز له الدفع منها إلى منى إلا بعد طلوع الفجر. والذي يظهر: والله تعالى أعلم، القول الثاني: أنه لا يجوز الدفع من مزدلفة قبل الفجر إلا للظعن والضعفة من الرجال والنساء، ومن كان مرافقًا لهم، فيدفعون من مزدلفة إلى منى آخر الليل، بعد مغيب القمر، كما فعلت أسماء ﵁. وأما من ليس ضعيفًا، ولا تابعًا لضعيف؛ فإنه يبقى بمزدلفة حتى يصلي الفجر في أول وقتها، ثم يدفع بعده؛ كما فعل النبي ﷺ . وذلك لقوة أدلة هذا القول؛ وصراحتها في الدلالة على المراد، ولأن هذا القول هو الذي تجتمع به الأدلة؛ فإن

стр. 93

النبي ﷺ بات بالمزدلفة هو وأصحابه الأقوياء الأصحاء إلى الفجر وقال لهم: «لتأخذوا عني مناسككم» (١) وأذن ﷺ للظعن والضعفة ومرافقيهم في الانصراف من المزدلفة بآخر الليل؛ ولو كان الحكم واحدًا للجميع، لما كان في الإذن للظعن والضعفة معنى، ولما قالت عائشة ﵂: "فليتني كنت استأذنت رسول الله ﷺ كما استأذنته سودة (٢) (٣). المسألة الرابعة: ابتداء وقت الوقوف بالمزدلفة لمن وجب عليه المبيت بها: هذه المسألة فرع عن المسألة السابقة، والكلام فيها مبني على الخلاف في المسألة السابقة؛ فمن أجاز الدفع من مزدلفة قبل طلوع الفجر أجاز الوقوف فيها قبل ذلك، ومن لمن يجز الدفع منها قبل طلوع الفجر، لم يجز الوقوف قبله. والذي سبق بيانه: أن الفقهاء متفقون على جواز تقديم دفع الظعن والضعفة ومرافقيهم من مزدلفة إلى منى بآخر الليل، فهؤلاء يجوز لهم الوقوف بالمزدلفة قبل طلوع الفجر (٤).

стр. 94

لما ثبت في الصحيحين من حديث سالم مولى ابن عمر قال: «كان عبد الله بن عمر ﵄ يقدم ضعفة أهله، فيقفون عند المشعر الحرام؛ بالمزدلفة بليل، فيذكرون الله ما بدا لهم، ثم يرجعون قبل أن يقف الإمام وقبل أن يدفع فمنهم من يقدم مني لصلاة الفجر، ومنهم من يقدم بعد ذلك، فإذا قدموا رموا الجمرة، وكان ابن عمر يقول: أرخص في أولئك رسول الله ﷺ » (١). وأما من ليس من الظعن والضعفة ولا مرافقًا لهم فإنه يبيت بالمزدلفة إلى طلوع الفجر، فإذا طلع الفجر، صلى الفجر في أول وقتها؛ لفعله ﷺ : فقد روي ابن مسعود ﵁ قال: «ما رأيت النبي ﷺ صلى صلاة إلا لميقاتها إلا صلاتين: صلاة المغرب والعشاء بجمع، وصلى الفجر يومئذ قبل ميقاتها» (٢).

стр. 95

وقوله: "قبل ميقاتها" المراد منه؛ قبل وقتها المعتاد، لا قبول طلوع الفجر؛ فإنه لا تجوز صلاة الفجر إلا بعد التحقق من طلوع الفجر الثاني بإجماع المسلمين. وهذا الفعل منه ﷺ مبالغة في التغليس بصلاة الفجر يوم النحر؛ ليتفرغ الحاج لما بعدها من أعمال الحج (١). ثم إذا صلى الفجر وقف عند المشعر الحرام (٢) إن تيسر له ذلك، وإلا فالمزدلفة كلها موقف، كما ثبت عنه ﷺ من حديث جابر ﵁ في صفة حجة النبي ﷺ أنه وقف عند المشعر الحرام (٣)، وقال: «وقفت ههنا، وجمع كلها موقف» (٤).

стр. 96

وفي رواية: «وارتفعوا عن بطن محسر (١)» (٢). فيدعو ويذكر الله حتى يسفر الصبح جدًا؛ لقول الحق ﵎: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٨] ثم يدفع إلى منى قبل طلوع الشمس (٣). والوقوف بالمزدلفة من جملة واجبات الحج عند الحنفية، من تركه من غير عذر وجب عليه دم (٤)، لقوله ﷺ لعروة بن مضرس، رضي الله تعالى عنه: «من صلى هذه الصلاة معنا، ووقف معنا حتى ندفع، وقد وقف قبل ذلك بعرفة ليلاً أو نهارًا، فقد تم حجه، وقضى تفثه» (٥). والجمهور: على أن الوقوف بالمزدلفة سنة وليس

стр. 97

واجبًا (١) لأن النبي ﷺ قال: «الحج عرفة» (٢). فإذا طلعت الشمس يوم النحر فات وقت الوقوف بالمزدلفة بإجماع أهل العلم (٣). المسألة الخامسة: ابتداء وقت رمي جمرة العقبة يوم النحر: رمي جمرة العقبة يوم النحر واجب من واجبات الحج، يجبر بدم، في قول جمهور أهل العلم، وهي تحية مني؛ وهي آخر الجمرات مما يلي مني، وأولها مما يلي مكة شرفها الله تعالى (٤). ولرمي هذه الجمرة وقتان: وقت فضيلة، ووقت إجزاء (٥). فأما وقت الفضيلة: لرمي هذه الجمرة: فهو بعد طلوع

стр. 98

الفجر بإجماع أهل العلم (١). لأن النبي ﷺ إنما رماها ضحى يوم النحر؛ قال جابر ﵁: «رمى رسول الله ﷺ الجمرة يوم النحر ضحى، وأما بعد فإذا زالت الشمس» (٢). وأما وقت الجواز لرمي هذه الجمرة: فمحل خلاف بين أهل العلم على أربعة أقوال (٣) بيانها على النحو التالي: القول الأول: يبدأ وقت الجواز لرمي جمرة العقبة بعد طلوع الفجر الثاني يوم النحر، مطلقًا للقادر والعاجز. وإليه ذهب الحنفية، والمالكية والحنابلة في إحدى الروايتين (٤). القول الثاني: يبدأ وقت الجواز لرمي جمرة العقبة بعد منتصف ليلة النحر، مطلقًا للقادر والعاجز، وإليه ذهب الشافعية، والحنابلة في الروايات الأخرى؛ وهي الصحيح من المذهب وعليها جماهير الأصحاب (٥).

стр. 99

القول الثالث: لا يجوز رمي جمرة العقبة مطلقًا إلا بعد طلوع الشمس. وإليه ذهب طائفة من فقهاء السلف؛ منهم: مجاهد، والثوري، والنخعي، وعزاه الترمذي لأكثر أهل العلم (١). القول الرابع: التفريق بين الضعفة والعجزة وغيرهم؛ فيجوز الرمي بعد غياب القمر من ليلة النحر لمن له عذر أو يشق عليه مزاحمة الناس؛ كالمرضى والضعفة والعجزة، وأما القادر الصحيح فلا يجوز له الرمي إلا بعد طلوع الشمس. وهو اختيار طائفة من المحققين من أهل العلم؛ منهم: ابن قيم الجوزية، والشوكاني، ومال إليه الشنقيطي (٢). استدل أصحاب القول الأول: على أن وقت الجواز لرمي جمرة العقبة يبدأ بعد طلوع الفجر الثاني يوم النحر، مطلقًا للقادر والعاجز، بأدلة؛ منها: ١ - فعله ﷺ فإنه إنما رماها ضحى يوم النحر؛ قال جابر ﵁: "رمى رسول الله ﷺ الجمرة يوم النحر ضحى، وأما بعد فإذا زالت الشمس (٣).

стр. 100

مع قوله ﷺ لأمته: «خذوا عني مناسككم» (١). وهو ﷺ قد رمى في النهار، والنهار يبدأ من طلوع الفجر الثاني. ٢ - ما روى ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قدمه في ضعفة أهله، وقال: «لا ترموا الجمار حتى تصبحوا» (٢). فثبت الجواز بالإصباح، والصبح لا يكون إلا بعد طلوع الفجر الثاني (٣). قال الإمام مالك ﵀: "لم يبلغنا أن رسول الله ﷺ أرخص لأحد أن يرمي قبل طلوع الفجر، ولا يجوز رميها قبل الفجر، فإن رماها قبل الفجر أعادها" (٤). ٣ - ما روى ابن عباس ﵄: "أن النبي ﷺ بعث به مع أهله إلى منى يوم النحر، فرموا الجمرة مع الفجر" (٥).

стр. 101

فهو دليل على جواز رمي جمرة العقبة بعد الفجر؛ لأن ابن عباس ليس من الضعفة الذين رخص لهم (١). ولكنه مردود بأنه حديث ضعيف الإسناد من جهة، ومخالف لما صح عن ابن عباس، من طرق عدة أنه ﷺ : «أمرهم أن لا يرموا الجمرة حتى تطلع الشمس» من جهة ثانية (٢). ٤ - حديث أسماء ﵂ السابق: «أنها نزلت ليلة جمع عند المزدلفة .. فارتحلوا، حتى رمت الجمرة ثم رجعت، فصلت الصبح في منزلها، فقال لها مولاها: يا هنتاه! ما أرانا إلا قد غلسنا! قالت: يا بني! إن رسول الله ﷺ أذن للظعن» (٣). ٥ - حديث سالم مولى ابن عمر قال: «كان عبد الله بن عمر ﵄ يقدم ضعفة أهله، فيقفون عند المشعر الحرام، بالمزدلفة بليل، فيذكرون الله ما بدا لهم، ثم يرجعون قبل أن يقف الإمام وقبل أن يدفع، فمنهم من يقدم منى لصلاة الفجر، ومنهم من يقدم بعد ذلك، فإذا قدموا رموا الجمرة، وكان ابن

стр. 102

عمر يقول: أرخص في أولئك رسول الله ﷺ » (١). فحديث أسماء وفعلها، وحديث ابن عمر وفعله بأهله: دليلان صريحان على جواز الرمي بعد طلوع الفجر، وقبل طلوع الشمس، مطلقًا للضعفة وغيرهم، لا سيما وفيهم من ليس من الضعفة والعجزة (٢). واستدل أصحاب القول الثاني: على أن وقت الجواز لرمي جمرة العقبة يبدأ بعد منتصف ليلة النحر، مطلقًا للقادر والعاجز بأدلة، منها. ١ - ما روته عائشة ﵂ قالت: «أرسل النبي ﷺ بأم سلمة ليلة النحر، فرمت الجمرة قبل الفجر، ثم مضت فأفاضت وكان ذلك اليوم اليوم الذي يكون رسول الله ﷺ ؛ تعني عندها» (٣). ٢ - ما روته أم سلمة ﵂ قالت: «قدمني رسول الله ﷺ فيمن قدم من أهله ليلة المزدلفة، فرميت بليل، ثم مضيت إلى مكة، فصليت بها الصبح، ثم رجعت إلى منى» (٤).

стр. 103

فدل هذان الحديثان على جواز رمي جمرة العقبة قبل فجر يوم النحر بليل (١). ٣ - حديث أسماء السابق في الصحيحين (٢)؛ ولفظه عند أبي داود؛ عن أسماء: «أنها رمت الجمرة، قال مولاها، إنا رمينا الجمرة بليل! قالت: إنا كنا نصنع هذا على عهد رسول الله ﷺ » (٣). فهو دليل على جواز رمي جمرة العقبة بليل قبل طلوع الفجر يوم النحر (٤).

стр. 104

٤ - ولأن نصف الليل الأخير من ليلة النحر وقت للدفع من مزدلفة فكان وقتًا للرمي، كبعد طلوع الشمس (١). واعترض على الاستدلال بهذه الأدلة جميعًا من وجهين: الأول: ضعف بعضها؛ فحديث عائشة أنكره الإمام أحمد، وابن قيم الجوزية، والبيهقي وابن التركماني، وضعفه الألباني وغيره؛ للاضطراب في متنه وسنده (٢). وحديث أم سلمة الآخر ضعفه الإمام ابن قيم الجوزية (٣). ولكن هذا الاعتراض مردود: بأنهما حديثان صحيحان، وقد صححهما جمع من الأئمة، كما تقدم في تخريجهما، واحتجوا بهما. الثاني: أن غاية ما تفيده هذه الأدلة: الإذن في رميها في ذلك الوقت للضعفة والنساء ومن رخص لهم رسول الله ﷺ ، وأما من عداهم من الأصحاء القادرين فلا (٤).

стр. 105

ولا يلزم، من كون نصف الليل وقتًا للدفع من مزدلفة أن يكون وقتًا للرمي، حتى للضعفة ونحوهم، بدليل أن النبي ﷺ قدم ابن عباس في ضعفة أهله من جمع بليل، و: "أمرهم أن لا يرموا الجمرة حتى تطلع الشمس" (١). واستدل أصحاب القول الثالث؛ على أنه لا يجوز رمي جمرة العقبة مطلقًا إلا بعد طلوع الشمس، بأدلة؛ منها: ١ - فعله ﷺ فإنه إنما رمي جمرة العقبة ضحى يوم النحر (٢) وقال ﷺ لأمته «خذوا عني مناسككم» (٣). ٢ - ما رواه ابن عباس ﵄: أن النبي ﷺ قدم ضعفة أهله وقال: «لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس». وفي رواية قال: فجعل يلطخ أفخاذنا، ويقول: «أُبَيْنِيَّ (٤) لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس» زاد سفيان: "قال ابن عباس: ما إخال أحدًا يعقل يرمي حتى تطلع الشمس، قال أبو داود: اللطخ: الضرب اللين (٥).

стр. 106

فهذان الحديثان: نصان صريحان في أن وقت رمي جمرة العقبة يوم النحر بعد طلوع الشمس لفعله ﷺ ، ولنهيه عن رميها قبل طلوع الشمس، حتى لمن جاز لهم الدفع من المزدلفة قبل طلوع الفجر (١). قال الإمام الترمذي ﵀: "حديث ابن عباس: حديث حسن صحيح، والعمل على هذا الحديث عند أهل العلم لم يروا بأسًا أن يتقدم الضعفة من المزدلفة بليل، يصيرون إلى منى، وقال أكثر أهل العلم بحديث النبي ﷺ : «أنهم لا يرمون حتى تطلع الشمس» (٢).

стр. 107

وأجيب عن هذه الأدلة من وجهين: الأول: أن فعل النبي ﷺ إذا عارض قوله، كان محمولاً على الاستحباب، وكان قوله مقدمًا على فعله؛ لاحتمال أن يكون الفعل خاصًا به، أو من باب الأفضلية (١). الثاني: قوله ﷺ لابن عباس محمول على الاستحباب، وحديث عائشة في قصة أم سلمة محمول على الجواز؛ جمعًا بين الأدلة (٢). واستدل أصحاب القول الرابع؛ على التفريق بين الضعفة والعجزة وغيرهم بأدلة منها: أ- استدلوا على جواز رمي جمرة العقبة مع الفجر للضعفة والنساء والعجزة ومن معهم؛ بإذنه ﷺ لهم في رمي الجمرة بغلس، آخر ليلة النحر؛ كما هو ثابت عنه ﷺ في أحاديث كثيرة منها: ١ - حديث عائشة ﵄: «في إذنه لأم سلمة أن تدفع إلى منى ليلة النحر، فرمت الجمرة قبل الفجر، ثم مضت فأفاضت» (٣). ٢ - وحديث ابن عباس ﵄: «أن النبي ﷺ بعث به مع

стр. 108

أهله إلى منى يوم النحر، فرموا الجمرة مع الفجر» (١). ٣ - حديث سالم مولى ابن عمر قال: «كان عبد الله بن عمر ﵄ يقدم ضعفة أهله، فيقفون عند المشعر الحرام؛ بالمزدلفة بليل ... فمنهم من يقدم منى لصلاة الفجر، ومنهم من يقدم بعد ذلك، فإذا قدموا رموا الجمرة، وكان ابن عمر يقول: أرخص في أولئك رسول الله ﷺ (٢). ٤ - حديث أسماء ﵂: أنها رمت الجمرة قال مولاها: إنا رمينا الجمرة بليل! قالت: إنا كنا نصنع هذا على عهد رسول الله ﷺ (٣). فهذه الأدلة الثابتة حجة ظاهرة على جواز رمي الضعفة والعجزة والظعن ونحوهم جمرة العقبة آخر ليلة النحر؛ بعد غياب القمر، أو بغلس الصبح؛ لإذن النبي ﷺ لهم في ذلك ولا ينبغي التوقف في جواز ذلك لهم بعد طلوع الفجر (٤). ب- واستدلوا على أن الأقوياء وغير الضعفة والظعن لا

стр. 109

يجوز لهم رمي جمرة العقبة إلا بعد طلوع الشمس يوم النحر بما يلي. ١ - مفهوم الأدلة السابقة وهو أن الإذن برمي الجمرة قبل طلوع الشمس إنما هو للظعن والضعفة ونحوهم، ولا يشمل غيرهم من الأقوياء الذكور والأصحاء (١). ٢ - فعله ﷺ فإنه إنما رمي جمرة العقبة ضحى يوم النحر؛ (٢)، وقال ﷺ لأمته «خذوا عني مناسككم» (٣). ٣ - ما رواه ابن عباس ﵄: أن النبي ﷺ قدم ضعفة أهله، وقال: «لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس» (٤). فهذه الأدلة الصحيحة تدل دلالة ظاهرة على أن الأصحاء الأقوياء لا يجوز لهم أن يرموا جمرة العقبة إلا بعد طلوع الشمس من يوم النحر، وأن الرخصة في رميها قبل لا تشملهم (٥). والذي يظهر، والله تعالى أعلم، أن الراجح من هذه الأقوال هو القول الرابع؛ التفريق بين الضعفة والعجزة

стр. 110

وغيرهم من الأقوياء الأصحاء؛ فيجوز الرمي بعد غياب القمر من ليلة النحر لمن له عذر أو يشق عليه مزاحمة الناس؛ كالمرضى والضعفة والعجزة، وأما القادر الصحيح فلا يجوز له الرمي إلا بعد طلوع الشمس، لما يلي: أولا: أن الإذن في رمي جمرة العقبة قبل طلوع الشمس للضعفة والعجزة ثابت صحيح مشهور، لا مدفع له، ولا ينبغي التوقف في الإذن لهؤلاء في الرمي بعد الصبح قبل طلوع الشمس. ثانيًا: أن الأقوياء ثبت، كما في حديث ابن عباس، نهيهم عن رمي جمرة العقبة قبل طلوع الشمس. ثالثًا: أن هذا القول هو القول الذي تجتمع به الأدلة وتتفق، والقاعدة المقررة عند أهل العلم: أن يجمع بين النصين إن أمكن، وإلا فالترجيح بينهما هو المتعين (١). قال الإمام ابن قيم الجوزية ﵀: «ثم تأملنا فإذا أنه لا تعارض بين هذه الأحاديث؛ فإنه ﷺ أمر الصبيان أن لا يرموا الجمرة حتى تطلع الشمس، فإنه لا عذر لهم في تقديم الرمي، أما من قدمه من النساء، فرمين قبل طلوع الشمس للعذر، والخوف عليهن من مزاحمة الناس وحطمهم، وهذا الذي دلت عليه السنة؛ جواز الرمي قبل طلوع الشمس للعذر
следующие страницы →