← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 14527

الأحكام المترتبة على الحيض والنفاس والاستحاضة

صالح اللاحم

Полный текст (294 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

وأجيب عنه: بما ثبت من كتابه ﷺ إلى هرقل، وقد ضمنه آيات من القرآن، ومعلوم جمعهم بين نجاسة الشرك والجنابة، ووقوع اللمس منهم معلوم. وردت الإجابة من وجهين: الوجه الأول: أنَّ هذا خاص بمثل الآية والآيتين، فإنه يجوز تمكين المشرك منها لمصلحة كتبليغ الدعوة. الوجه الثاني: أنه قد صار باختلاطه بغيره لا يحرم لمسه ككتُب التفسير، فلا تُخصَّص به الآية والحديث (١). ٣ - حديث ابن عمر ﵄ أنَّ النبيَّ ﷺ نهى أن يُسافَر بالقرآن إلى أرض العدوِّ. وفي رواية: «مخافة أن يناله العدوُّ» (٢). وتوجيه الاستدلال: أنَّ النبي ﷺ نهى عن السفر بالقرآن إلى أرض العدوِّ مخافةً أن تناله الإهانة منهم، ومنها أن يمسُّوه، وهذا يدلُّ على منع المحدِث من مسِّه؛ لأنَّ كلَّ كافِرٍ جُنب. وأجيب عنه: بأنَّ الحديث حقٌّ يجب اتباعه، ولكن ليس فيه ألاَّ يُمِسَّ المصحف جُنب ولا كافر، وإنما فيه أن ينال أهل أرض الحرب القرآن فقط (٣). ثم لو سُلِّم بمنع الكافر فلا دلالة فيه على منع الحائض من مسِّه. ٤ - ما أخرجه الدارقطني عن أنس بن مالك؛ قال: خرج عمر متقلِّدًا السيف، فقيل له: إنَّ خِتنك (٤) وأختك قد صبئوا، فأتاهما عمر

стр. 37

وعندهما رجل من المهاجرين يقال له: «خباب»، وكانوا يقرأون ﴿طه﴾، فقال: أعطوني الكتاب الذي عندكم أقرؤه، وكان عمر يقرأ الكتاب، فقالت أخته: إنك نَجِسٌ ولا يمسُّه إلا المطهرون، فقم واغتسل، أو توضَّأ، فقام عُمر، فتوضَّأ، ثم أخذ الكتاب فقرأ: ﴿طه﴾ (١). ونوقش من ثلاثة أوجه: الوجه الأول: بأنَّ الأثر ضعيف، لتفرُّد القاسم بن عثمان به، وليس بقوي (٢). الوجه الثاني: على فرض ثبوته وصحته فيحمل على الطهارة من الشرك. الوجه الثالث: أنه لو توضَّأ أو اغتسل لم ينفعه وضوءه ولا غسله ما دام لم يسلم. ٥ - ولأنها ممنوعة من الصلاة لمعنى فيها، فكانت ممنوعة من مسِّ المصحف كالمشرك، أو كالذي غمرت جسده النجاسة (٣). ويمكن أن يُناقَش بالفارق للنصِّ الصحيح الصريح في منعها من الصلاة دون ما نحن فيه. وقد احتجَّ المالكية لِما ذهبوا إليه من جواز ذلك حالة التعلُّم والتعليم بأنَّ ذلك للضرورة (٤). القول الثاني: أن لها مسَّه بظاهر الكفِّ دون باطنه: ذهب إليه الحكم وحمَّاد (٥).

стр. 38

واحتجَّا بأنَّ آلة اللمس باطن اليد، فينصرف النهي إليه دون غيره (١). ونوقش: بأنَّ هذا ليس بصحيح؛ فإنَّ كلَّ شيءٍ لاقى شيئًا فقد مسَّه (٢). القول الثالث: أنَّ لها مسَّه مُطلقًا: ذهب إليه جمعٌ من فقهاء السلف، منهم سعيد بن جبير، ومجاهد، والضحاك وأبو العالية (٣). وهو قول داود (٤)، وابن حزم (٥)، ورُوِيَ عن الحكم وحماد (٦). الأدلَّة: ١ - ما أخرجه البخاري ومسلم من حديث ابن عباس أنَّ النبيَّ ﷺ كتب إلى هرقل عظيم الروم: «أسلم تسلم، يؤتك الله أجرك مرتين، فإن تولَّيت فإنما عليك إثم الأريسيين (٧) و ﴿يَا أَهْل الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ [آل عمران: ٦٤] إلى قوله ﴿مُسْلِمُونَ﴾» (٨).

стр. 39

ووجه الاستدلال: أنَّ النبيَّ ﷺ كتب بهذا إلى الروم مع كونهم جامعين لنجاسة الشرك والجنابة، ووقوع اللمس منهم معلوم (١)، وإذا ثبت هذا في هؤلاء فالحائض من باب أولى. ونُوقش من أوجه: الوجه الأول: أن هذا خاص بمثل الآية والآيتين، فإنه يجوز تمكين المشرك من ذلك المقدار لمصلحة، كدعائه إلى الإسلام، وتبليغ الدعوة. الوجه الثاني: أنه قد صار باختلاطه بغيره لا يحرم لمسه ككتُب التفسير. الوجه الثاني: أنه يُمنع إذا كان يعرف أنَّ الذي يقرؤه قرآنًا. أما لو قرأ في ورقة شيئًا لا يعلم أنه قرآن فإنه لا يمنع (٢). ٢ - ولأن الصبيان يحملون الألواح محدثين بلا إنكار (٣). ونُوقش من ثلاثة أوجه: الوجه الأول: أن هذا غير مسلَّم بل حالهم أولى؛ لأنَّ البالغ إنما مُنِع تعظيمًا للقرآن، والصبيُّ أنقص حالاً منه (٤). الوجه الثاني: لو سُلِّم فإنما جاز حملهم لها للضرورة، لأنَّ في تكليفهم استصحاب الطهارة مما يعظم المشقَّة (٥). الوجه الثالث: أنَّ ما فيها لا يُقصد إثباته على الدوام، بل هو كالمسودة التي تُتَّخذ وسيلة ولا يُعتنَى بها.

стр. 40

٣ - لأنه إذا لم تحرم القراءة فالمسُّ أولى (١). ونوقش من وجهين: الوجه الأول: أنا لا نسلم بجواز القراءة حال الحيض. الوجه الثاني: لو سلم بجواز القراءة، فإنما أبيحت للحاجة وعسر الوضوء لها كل وقت (٢). ٤ - وقياسًا على حمله في متاع (٣). ونوقش: بأن حمله في المتاع غير مقصودٍ فافترقا (٤). الترجيح: والذي يترجَّح لي ما ذهب إليه القائلون بجواز ذلك للحائض لعدم الدليل على المنع، وقد جوَّزنا لها فيما سبق قراءة القرآن، وهذا فرعٌ عن تلك، وقد قال النبيُّ ﷺ لعائشة: «إنَّ حيضتك ليست في يدك» (٥). إلا أنه ومراعاة للخلاف، ثم هو أحوط، وأبرأ للذمة، ينبغي أن يكون مسُّها له من وراء حائل. قال الشوكاني بعد بحث واستقصاء: إذا تقرَّر ذلك عرفت عدم انتهاض الدليل على منع مَن عدا المشرك (٦). الجانب الثاني: في كون ذلك من وراء حائل: وفيه فقرتان: الفقرة الأولى: في مسِّ المصحف: اختلف القائلون بوجوب التطهُّر لِمَسِّ المصحف في حُكم مسِّها له مع وجود الحائل على الأقوال التالية:

стр. 41

القول الأول: أنه يجوز إذا كان الحائل مُنفصلاً عن المصحف، أما مع اتصاله كجلدة فإنه لا يجوز. ذهب إليه الحنفية (١)، والمالكية (٢)، وأحمد في رواية عنه، وعليها أكثر الحنابلة (٣). الأدلَّة: لأنَّ الحائل المتصل يعد منه، بدليل أنه يدخل في بيعه وإن لم يُذكَر، بخلاف المنفصل فإنه لا يُعَدُّ منه، ولذا لا يدخل في بيعه إن لم يُذكَر (٤). القول الثاني: أنه لا يجوز لها مسُّه مطلقًا، وسواء كان الحائل متصلاً أو منفصلاً (٥). ذهب إليه الشافعية في الصحيح من الوجهين (٦)، وهو رواية عن الإمام أحمد (٧). الأدلَّة: وقد استدلَّ هؤلاء للمنع من مسِّه مع الحائل المتصل بما استدلَّ به أصحاب القول الأول، أما للمنع من مسِّه مع الحائل المنفصل فقالوا:

стр. 42

لأنها متخذة للقرآن منسوبة إليه، فإذا اشتملت على القرآن اقتضى التعظيم ألاَّ يُمَسَّ إلاَّ على الطهارة (١). القول الثالث: أنه يجوز لها مسُّه وراء الحائل، سواء كان متصلاً أو منفصلاً. ذهب إليه الشافعية، في مقابل الأصح من الوجهين (٢)، وبعض الحنابلة (٣). واستدلُّوا: بأنَّ النهي إنما ورد عن مسِّه، ومع الحائل إنما يكون المسُّ له دون المصحف (٤). الفقرة الثانية: حمل الحائض للمصحف: ومما هو مفرَّع على مسألة المس اختلاف القائلين باشتراط الطهارة لمسِّ المصحف في حمل الحائض للمحصف بعلاقته أو صندوق ونحو ذلك على قولين: القول الأول: إنه يجوز لها ذلك: ذهب إليه الحنفية (٥)، والشافعية في وجه (٦)، وأحمد في رواية عنه وهي المذهب (٧).

стр. 43

وروي ذلك عن الحسن وعطاء وطاوس والشعبي والقاسم وأبي وائل والحكم وحَمَّاد (١). ١ - لأنَّ النهي إنما يتناول مسَّه، والحمل ليس بمسٍّ فلم يتناول النهي (٢). ٢ - ولأنه غير ماسٍ له فلم يُمنع منه، كما لو حمله في رَحله (٣). ٣ - واحتجَّ الشافعية لما ذهبوا إليه من الوجه: بأنَّ المنع من الحمل، المخلِّ بالتعظيم والإجلال، ويفارق حمل الصندوق والخريطة؛ فإنَّ ذلك تبع للمصحف، وهنا بخلافه (٤). وقال النووي: لأنه غير مقصود (٥). القول الثاني: أنه يحرم عليها ذلك: ذهب إليه المالكية (٦)، والشافعية في الوجه الثاني (٧)، وأحمد في رواية عنه (٨)، وهو قول الأوزاعي (٩). واستدلُّوا بما يلي: ١ - لأنه مكلَّف مُحدِث قاصد لحمل المصحف فلم يجز، كما لو حمله مع مسه.

стр. 44

ونوقش: بأنَّ القياس لا يصحُّ، فإنَّ العلَّة في الأصل مسُّه، وهو غير موجود في الفرع، والحمل لا أثر له، فلا يصحُّ التعليل (١). ٢ - واحتجَّ الشافعية: لِما ذهبوا إليه فيما إذا حُمل مع متاع بأنه حامل له حقيقة، ولا أثر لكون غيره معه، كما لو حمل المصلي متاعًا فيه نجاسة فإنَّ صلاته تبطل (٢). الفرع الثاني: إذا كان مختلطًا بغيره: وفيه ثلاثة جوانب: الجانب الأول: في مسِّ كتُب التفسير . الجانب الثاني: في مسِّ كتُب الفقه والحديث ونحوها. الجانب الثالث: مسُّ ما تُرجِم منه إلى غير العربية. الجانب الأول: في مسِّ كتُب التفسير: اختلف القائلون باشتراط الطهارة لمسِّ المصحف، في مسِّ ما اشتمل على القرآن من كتُب التفسير على ثلاثة أقوال: القول الأول: أنه يجوز بلا كراهة: ذهب إليه بعض الحنفية (٣)، وهو قول المالكية (٤)، وأحمد في رواية عنه، وهي المذهب (٥).

стр. 45

الأدلَّة: ١ - ما صحَّ عنه ﷺ من كتابه إلى قيصر بكتاب يدعوه إلى الإسلام، وقد ضمَّنه آيات من القرآن الكريم (١). ووجه الدلالة: تضمينه ﷺ لكتابه الآية من القرآن، مع جمعهم لنجاسة الشرك والجنابة، ووقوع اللمس منهم معلوم (٢). ٢ - ولأنها لا يقع عليها اسم «مصحف»، ولا تثبت لها حرمته (٣). ٣ - ولأنَّ المقصود بالتفسير معاني القرآن دون تلاوته، فلا يجب التطهُّر له (٤). القول الثاني: إنه يُكرَه: ذهب إليه بعض الحنفية (٥). ١ - لأن كتب التفسير لا تخلو من آيات القرآن، فيكره مس المحدث لها لذلك (٦). ٢ - ولأنَّ القرآن في كتُب التفسير أكثر منه في غيره، وذِكره فيه مقصود استقلالاً لا تبعًا، فشبهه بالمصحف أقرب من شبهه ببقية الكتُب (٧).

стр. 46

القول الثالث: أنه يَحرُم. ذهب إليه بعض الحنفية (١)، وهو وجه في مذهب الشافعية (٢)، وحكي ذلك رواية عن الإمام أحمد (٣). واستدلُّوا: بأنَّ التفسير مشتملٌ على آيات القرآن، بل قد يكون الأكثر منه القرآن؛ فكان مسُّه كمسِّ المصحف (٤). القول الرابع: أنه إن كان القرآن فيها أكثر من غيره حرم مسها، وإن كان التفسير أكثر لم يَحرم. ذهب إليه الشافعية في الصحيح من المذهب (٥). واستدلُّوا: بأن كتاب التفسير إذا كان القرآن فيه أكثر، في معنى المصحف فيأخذ حُكمه من حُرمة المس، أما إذا كان القرآن فيه الأقل، فإنه في هذه الحالة ليس في معنى المصحف، فيجوز للمحدث مسَّه، ثم مسُّه والحالة هذه لا يُخِلُّ بتعظيم القرآن (٦).

стр. 47

الجانب الثاني في مسِّ كتُب الحديث والفقه ونحوها مما اشتمل على القرآن: وقد اختلف القائلون باشتراط الطهارة لمسِّ المصحف في هذه المسألة على ثلاثة أقوال: القول الأول: أنه يجوز: ذهب إليه المالكية (١)، والحنابلة (٢)، وبه قال بعض الحنفية (٣) وبعض الشافعية (٤). الأدلَّة: ١ - ما ثبت من حديث ابن عباس في كتاب النبي ﷺ إلى قيصر، وقد ضمنه آية من كتاب الله (٥). ووجه الاستدلال: تضمينه ﷺ للكتاب الآية من القرآن، ومن المعلوم أنهم سيمسُّونه، وهذا يدلُّ على جواز مس المحدث لِما اشتمل على آيات من القرآن ومنها كتُب الحديث والفقه (٦). ٢ - ولأنها لا يقع عليها اسم «مصحف» ولا تثبت لها حُرمته (٧). القول الثاني: أنه يُكرَه: ذهب إليه بعض الحنفية (٨)، وبعض الشافعية (٩).

стр. 48

واستدلُّوا: بأن كتب الحديث والفقه لا تخلو من الآيات القرآنية، فيكره مسّها لذلك (١). القول الثالث: أنه يَحرُم: ذهب إليه الشافعية في وجه (٢)، لأن مسها مع اشتمالها على الآيات من القرآن، يخل بتعظيم القرآن فيحرم (٣). الجانب الثالث: مس الحائض لما ترجم (٤) من القرآن إلى غير العربية: وقد اختلف القائلون بحرمة مس الحائض للمصحف، في حكم مسِّها لما ترجم إلى غير العربية على قولين. القول الأول: أنه يجوز لها ذلك: ذهب إليه المالكية (٥)، والشافعية (٦)، والحنابلة (٧).

стр. 49

١ - لأن الذي يحرم مسه هو القرآن، والترجمة تفسير لا قرآن؛ لأنَّ القرآن هو اللفظ العربي المنزل على محمد ﷺ . قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [يوسف: ٢] وقال تعالى: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٥] وترجمته لا تُسمَّى قرآنا فلا تحرم على المحدث (١). ٢ - ولأن القرآن معجز بلفظه ومعناه، قال الإمام أحمد: القرآن معجز بنفسه (٢)، أي: بخلاف ترجمته بلغة أخرى. فإذا تُرجِم إلى غير العربية زال الإعجاز باللفظ فلا يُسمَّى «قرآنًا»، فإذ لا يثبت له حُكم القرآن فلا يحرم مسّه (٣). القول الثاني: أنه يكره لها ذلك: ذهب إليه فقهاء الحنفية (٤). جاء في الفتاوى الهندية: ولو كان القرآن مكتوبًا بالفارسية يكره لهما (يعني الحائض والجُنب) مسُّه عند أبي حنيفة، وكذلك عندهما على الصحيح (٥). الاستدلال: قالوا: لأنَّ العبرة للمعنى، ومعنى القرآن موجود في الترجمة فتعلَّقت بها الحرمة (٦).

стр. 50

المطلب الرابع في طهارة سؤر الحائض (١)، وطهارة بدنها، وعرقها ذهب عامة أهل العلم (٢) إلى أنَّ بدن الحائض وسؤرها وعرقها طاهر. وقد نقل النووي وابن جرير الإجماع على ذلك. قال النووي: قال أصحابنا وغيرهم: أعضاء الجُنب والحائض والنفساء وعرقهم، طاهر، وهذا لا خلاف فيه بين العلماء، ونقل ابن المنذر الإجماع عليه (٣). وقال ابن مفلح: بدن الحائض وعرقها وسؤرها طاهر، ولا يكره طبخها وعجنها وغير ذلك، ولا وضع يدها على شيء من المائعات، ذكره ابن جرير إجماعًا (٤). ومما يدل لهذا ما يلي: ١ - حديث عائشة: أنها كانت تشرب من الإناء وهي حائض فيأخذه رسول الله فيضع فاه على موضع فيها فيشرب، وتتعرَّق العَرْق (٥)،

стр. 51

فيأخذه فيضع فاه على موضع فيها (١). ٢ - وكانت تغسل رأس رسول الله ﷺ وهي حائض (٢). ٣ - وقال لعائشة: «ناوليني الخُمرة من المسجد» قالت: إني حائض، قال: «إنَّ حيضتك ليست في يدك» (٣). ٤ - وقال ﷺ : «إنَّ المؤمن لا ينجس» (٤). المطلب الخامس دخولها للمسجد وفيه مسألتان: المسألة الأولى: في اللبث فيه. المسألة الثانية: في عبور المسجد. المسألة الأولى: في اللبث: اختلف أهل العلم في حُكم دخول الحائض إلى المسجد ولبثها فيه على قولين. القول الأول: أنه لا يجوز لها ذلك: ذهب إليه جمهور أهل العلم، ومنهم الأئمَّة الأربعة وأصحابهم (٥).

стр. 52

الأدلَّة: ١ - قوله تعالى: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ [النساء: ٤٣]. ووجه الدلالة: أنَّ الله نهى الجُنب عن قربان مواضع الصلاة، وهي المساجد (١) وإذا ثبت هذا في الجُنب، ففي الحائض أولى؛ لأن حدثها آكد، ولذلك حرم الوطء، ومنع الصيام، وأسقط الصلاة، وساواها في أكثر الأحكام (٢). ونُوقش من وجهين: الوجه الأول: أن هذا غير مسلم؛ لأن المسجد لم يذكر في أول الآية فيكون آخرها عائدًا عليه، وإنما ذكرت الصلاة، والصلاة لا تجوز للجنب إلا أن لا يجد ماء فيتيمَّم صعيدًا (٣). وقد رُوِي القول بأنَّ الآية في الصلاة نفسها عن علي وابن عباس، وأنَّ معنى الآية: ألاَّ يقرب الصلاة، وهو جُنب إلاَّ وهو مسافر تصيبه الجنابة فيتيمَّم ويصلِّي حتى يجد الماء (٤). الوجه الثاني: على فرض التسليم بما ذكروه، فإنَّ الآية في الجُنب، ولا دلالة فيها على منع الحائض للفارق، وهو قدرته على التطهُّر دونها. ٢ - ما صحَّ عنه ﷺ من قوله لعائشة وقد حاضت وهي محرمة: «افعلي ما يفعل الحاج، غير ألاَّ تطوفي بالبيت» (٥).

стр. 53

٣ - وكذا قوله لما أخبر أن صفية قد حاضت: «أحابستنا هي؟» قالوا: إنها قد أفاضت، قال: «فلتنفر إذن» (١). والشاهد: منعه ﷺ للحائض من دخول المسجد. ونوقش: بأنَّ الذي في الحديث نهيٌ عن الطواف؛ لأنه لا يصحُّ من الحائض، ولا دلالة فيه على منعها من دخول المسجد، فلو كانت ممنوعة لذَكَره (٢). ٤ - ما أخرجه أبو داود من حديث أفلت بن خليفة، عن جسرة عن عائشة ﵂، قالت: جاء النبي ﷺ وبيوت أصحابه شارعة في المسجد، فقال: «وجِّهوا هذه البيوت عن المسجد، فإني لا أُحِلُّ المسجد لحائض ولا جُنب» (٣).

стр. 54

ونوقش: بأن الحديث ضعيف فلا يصحُّ للاحتجاج. قال ابن المنذر: وهو غير ثابت؛ لأن أفلت لا يجوز الاحتجاج بحديثه (١). وقال ابن حزم: أما أفلت فغير مشهور، ولا معروف بالثقة (٢). وأُجيب عنه بأنَّ هذا غير مسلم، بل هو حديث صحيح (٣). ٥ - حديث أم عطية: أَمَرَنا - تعني النبي ﷺ أن نُخرِج في العيدين العواتق وذوات الخدور، وأمر الحيض أن يعتزلن مصلى المسلمين (٤). ووجه الاستدلال: ظاهر. ونُوقش من ثلاثة أوجه: الوجه الأول: أنَّ المراد بالمُصلَّى هنا الصلاة لا مكانها، بدليل الرواية الثانية عند مسلم: «فأمَّا الحيض فيعتزلن الصلاة ويشهدن الخير ودعوة المسلمين» (٥). الوجه الثاني: أنَّ مُصلَّى العيد ليس له حُكم المسجد، إذا لم يكن مُصلاَّه مسجدًا. الوجه الثالث: أنه لو صحَّ أنه نهي وأنه للتحريم، فعِلَّته كراهة جلوس من لا يصلِّي مع المصلِّين (٦).

стр. 55

القول الثاني: أنَّ لها ذلك: ذهب إليه داود وابن حزم والمزني (١). ولعلَّه قول من يُجيز ذلك للجُنب، منهم: ابن المنذر، ومجاهد، وسعيد بن جبير، والحسن بن مسلم، وقتادة، وروي عن علي وابن عباس (٢). الأدلَّة: قوله ﷺ : «.. جُعِلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا» (٣). ولا خلاف أنَّ الحائض مُباح لها جميع الأرض، وهي مسجد، فلا يجوز أن يُخَصُّ بالمنع بعض المساجد دون بعض (٤). ويمكن أن يُناقَش بأنَّ هذا يقتضي استواء المساجد وغيرها في جميع الأحكام ولا تقولون بذلك. ٢ - قول النبي ﷺ لعائشة لَمَّا حاضت وهي مُحرِمة: «افعلي ما يفعل الحاج غير ألاَّ تطوفي بالبيت» (٥). فلم ينهها إلاَّ عن الطواف بالبيت فقط؛ ومن الباطل المتيقَّن أن يكون لا يحلُّ لها دخول المسجد، فلا ينهاها ﵇ عن ذلك، ويقتصر على منعها من الطواف (٦). ٣ - ما روت عائشة أم المؤمنين: «أنَّ وليدة سوداء كانت لحيٍّ من

стр. 56

العرب فأعتقوها، فجاءت إلى رسول الله ﷺ فأسلمت، فكان لها خباء في المسجد أو حفش» (١) (٢). قال ابن حزم: فهذه امرأةٌ ساكنة في مسجد النبي ﷺ ، والمعهود من النساء الحيض، فما منعها ﵇ من ذلك، ولا نهى عنه، وكل ما لم ينه عنه فمباح (٣). ويمكن أن يناقش: باحتمال أنها قد دخلت في سن اليأس، وبه يزول المانع، أو أنها تخرج في أيام حيضها، لما هو معلوم عندهم من المنع، أو أن ذلك للضرورة، لعدم وجود المكان الذي تأوي إليه. ٤ - ما ثبت من حديث أبي هريرة من قوله ﷺ : «إن المؤمن ليس بنجس» (٤). قال ابن المنذر: وإذا ثبت أن النبي ﷺ قال هذا .. وكان أويل قوله تعالى: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ [النساء: ٤٣] ما قد ذكرناه (٥)، وجب ألا يمنع من ليس بنجس من المسجد إلا بحجة، ولا نعلم حجة (٦). ونوقش: بأنه لا يلزم من عدم نجاستها جواز لبثها في المسجد (٧). ٥ - ما روي عن عائشة؛ قالت: اعتكفت مع رسول الله امرأة من أزواجه مستحاضة، فكانت ترى الحمرة والصفرة؛ فربما وضعت الطست (٨).

стр. 57

تحتها وهي تصلي (١). والشاهد منه: إقراره ﷺ لاعتكاف المستحاضة، والحائض مثلها لا فرق (٢). ونوقش: بالفارق؛ لأن الاستحاضة حدث لا يمنع الصلاة فلم يمنع اللبث كخروج الدم من أنفه (٣). ٦ - حديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال لها: «ناوليني الخُمرة (٤) من المسجد» قالت: إني حائض، قال: «إن حيضتك ليست في يدك» (٥). ٧ - ومثله حديث ميمونة؛ قال: كان رسول الله ﷺ يضع رأسه في حجر إحدانا فيتلو القرآن وهي حائض، وتقوم إحدانا بالخمرة إلى المسجد فتبسطها وهي حائض (٦). ووجه الاستدلال منهما ظاهر: ٨ - أن المشرك يجوز أن يترك فيمكث في المسجد، فالمسلمة الحائض من باب أولى (٧). ونوقش من أوجه: الوجه الأول: عدم التسليم بجواز مكث الكافر، فهو ممنوع. الوجه الثاني: علي التسليم بجواز مكث الكافر، فلأن الكافر لا

стр. 58

يعتقد حرمة المسجد فلا يكلف بخلاف المسلم (١). ٩ - أن الأصل عدم التحريم، وليس لمن حرم دليل صحيح صريح (٢). الترجيح: ولعلَّ الراجح ما ذهب إليه القائلون بجواز مكثها فيه، لقوة أدلَّته وتضافرها، مع صحَّةٍ وقوَّةٍ ما أوردوه من مناقشة لأدلَّة المانعين، إلاَّ أنه ينبغي تقييد ذلك بما إذا أمنت تلويثه، وإلا حرم عليها لما يؤدِّي إليه من تنجيس مكان العبادة. المسألة الثانية: في عبور المسجد: وقد اختلف القائلون بمنعها من المُكث في المسجد، في حُكم عبورها له عند الحاجة من أخذ شيءٍ أو تركه أو كون الطريق فيه؛ على قولين: القول الأول: أنَّ لها ذلك: ذهب إليه الحنابلة (٣)، والشافعية في أصح الوجهين (٤)، وبعض المالكية (٥)، وهو قول الحسن (٦). واحتجُّوا بما يلي: ١ - قوله تعالى: ﴿وَلاَ جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ [النساء: ٤٣]. فالمراد بالآية قربان مواضع الصلاة؛ لأنه ليس في الصلاة عبور

стр. 59

سبيل، إنما عبور السبيل في مواضعها وهو المسجد (١)، والاستثناء من النهي إباحة (٢)، وإذا ثبت هذا في الجُنب فالحائض مثله. ونوقش من وجهين: الوجه الأول: بأن هذا غير مسلَّم، والكلام في الصلاة نفسها، فالمراد بالآية أنَّ المسافر إذا أجنب وعدم الماء جاز له التيمُّم والصلاة وإن كانت الجنابة باقية (٣). وأجيب عنه من ثلاثة أوجه: الوجه الأول: أنَّ هذا الذي ذكروه ليس مختصًا بالمسافر، بل يجوز للحاضر فلا تحمل الآية عليه. الوجه الثاني: على قولكم في معنى الآية، فإنَّ فيها دليلاً على أنَّ التيمُّم ليس برافعٍ للحدث، وأنتم تأبونه. الوجه الثالث: أنَّ الحديث وأقوال الصحابة وتفسيرهم قد وردا على نحو قَولنا في الآية، فكان الأخذ به أولى (٤). الوجه الثاني من المناقشة: لو سلم بما ذكرتموه من معنى الآية، فقياس الحائض على الجُنب قياس مع الفارق لغلظ حدثها دونه. ٢ - ما ثبت من حديث عائشة ﵂ إنَّ رسول الله ﷺ قال لها: «ناوليني الخُمرة من المسجد» قالت: إني حائض، قال: «إنَّ حيضتك ليست في يدك» (٥). ٣ - وكذلك حديث ميمونة: «وتقوم إحدانا بالخُمرة إلى المسجد فتبسطها وهي حائض» (٦).

стр. 60

ووجه الاستشهاد منهما ظاهر (١): ٤ - ما رُوِيَ عن جابر قال: كنا نَمرُّ بالمسجد ونحن جُنب (٢). وهذا إشارة إلى جميعهم فيكون إجماعًا (٣) وإذا ثبت في الجُنب فالحائض مثله. ٥ - أنه روي ذلك عن ابن عباس (٤)، وابن مسعود (٥). ٦ - ولأنه حدث يمنع اللبث في المسجد، فلا يمنع العبور كالجنابة (٦). القول الثاني: أنَّ ذلك لا يجوز: ذهب إليه الحنفية (٧)، والمالكية (٨)، والشافعية في مقابل الأصح (٩). واحتجُّوا بما يلي: ١ - ما رُوِيَ من قوله ﷺ : «.. لأ أُحِلُّ المسجد لحائض ولا جُنب» (١٠) وهو بإطلاقه حجَّة في منع العبور (١١).

стр. 61

٢ - ولأنه موضع لا يجوز المكث فيه، فكذا العبور كالدار المغصوبة (١). المطلب السادس في الغسل من المحيض، والتيمُّم عند فقد الماء أو العجز عن استعماله وفيه مسألتان: المسألة الأولى: في الغسل: وفيها ثلاثة فروع: الفرع الأول: في حكم الغسل. الفرع الثاني: في صفته. الفرع الثالث: في نقض الشعر المضفور له. الفرع الأول: في حُكم الغسل من المحيض: وفيه جانبان: الجانب الأول: في حُكمه للمسلمة: اتفق أهل العلم على وجوب الغسل على المرأة إذا انقطع عنها دم الحيض (٢). وقد دلَّ على ذلك ما يلي: ١ - قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَاتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللهُ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢].

стр. 62

ووجه الدلالة من الآية: أنه يلزمها تمكين الزوج من الوطء، ولا يجوز ذلك إلا بالغسل، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب (١). ٢ - ولقوله ﷺ لفاطمة بنت أبي حبيش: «إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغتسلي وصلِّي» (٢). فدلَّ على وجوبه عليها؛ إذ لا بدَّ من الصلاة، ولا بدَّ منه لصحة الصلاة (٣). الجانب الثاني: في إجبار الذميَّة على الغُسل منه: وقد اختلف أهل العلم في حُكم ذلك على قولين: القول الأول: أنَّ له إجبارها: ذهب إليه الشافعية (٤)، والمالكية (٥)، والحنابلة في قول (٦). الأدلَّة: ١ - قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَاتُوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٢] فالآية تشترط الطهارة لحِلِّ الوطء، ولم تخصّ مسلمة من غيرها، فملك إجبارها على إزالة ما يمنع حقَّه (٧). ويمكن أن يناقَش بأنَّ هذا في حقِّ المسلمة لأنها قد كُلِّفَته، بخلاف الذميَّة.

стр. 63

القول الثاني: أنه لا يملك إجبارها: ذهب إليه الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والحنابلة في القول الثاني (٣). واستدلَّ لهذا القول: بأنها غير معتقدة لذلك (٤)، وقد قال تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة: ٢٥٦]. الترجيح: ولعلَّ الراجح هو القول الأول، لِما ذكروه من توقُّف حلِّ وطء الزوج عليه، ولأنَّ الغُسل منه ليس بتعبُّدٍ محض، بل هو معقول المعنى، ولذا استُحِبَّ للمستحاضة عند الصلاة، ولأنه لا يتكرَّر كثيرًا فلا يُشَقُّ. الفرع الثاني: في صفته: للغسل من الحيض صفتان، صفة كمال، وصفة إجزاء. أولاً: صفة الكمال: فالغُسل الكامل ما اشتمل على: النيَّة، والتسمية، وغسل اليدين ثلاثًا، وغسل ما بها من أذى، والوضوء، وأن تحثي على رأسها ثلاثًا تروي بها أصول شعرها، ثم تفيض الماء، على سائر بدنها، وتُدلِّك بدنها بيدها، وأن تبدأ بشقِّها الأيمن (٥). قال أحمد: الغسل من الجنابة على حديث عائشة (٦)، قالت: «كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل من الجنابة غسل يديه ثلاثًا، وتوضَّأ وضوءه

стр. 64

للصلاة، ثم يُخلِّل شعره بيده، حتى إذا ظنَّ أنه قد أروى بشرته أفاض عليه الماء ثلاث مرَّات، ثم غسل جسده» (١). والحديث في غُسل الجنابة، وقد قال أهل العلم: إنَّ غسل الحيض كغُسل الجنابة (٢). ثم يُستحب لها أن تغتسل بماءٍ وسدر، وتأخذ فِرصة مُمَسَّكة فتتبع بها مجرى الدم، والموضع الذي يصل إليه الماء من فرجها ليقطع عنها زفورة الدم ورائحته، فإن لم تجد مِسكًا فغيره من الطيب، فإن لم تجد فالماءُ شافٍ كاف (٣). ويدلُّ لهذا حديث عائشة ﵂ قالت: إنَّ أسماء سألت النبي ﷺ عن غسل المحيض فقال: «تأخذ إحداكن سدرتها (٤) وماءها، فتتطهر بها فتحسن الطهر، ثم تأخذ فرصة ممسَّكة (٥) فتتطهَّر بها» فقالت أسماء: وكيف أتطهَّر بها؟ فقال: «سبحان الله!! تطهري بها»، فقالت عائشة كأنها تُخفي ذلك: تتبَّعي أثر الدم (٦). [ثانياً: الغُسل المجزئ] (*) أما الغُسل المجزئ فيحصل بأن تعمَّ الحائض بدنها بالماء،

стр. 65

وتسبغ فيه، بحيث يجري الماء على أعضائها (١). قال ابن عبد البر: المغتسل من الجنابة إذا لم يتوضَّأ وعمَّ جميع بدنه، فقد أدَّى ما عليه .. وهو إجماع لا خلاف فيه بين العلماء (٢). الفرع الثالث: في نقض الشَّعر للغسل من المحيض: اختلف أهل العلم في حُكم نقض المرأة لشعرها إذا كان مضفورًا على قولَين: القول الأول: أنَّ عليها نقضه: ذهب إليه الحنابلة في المذهب (٣)، والظاهرية (٤)، وبعض المالكية (٥)، وهو قول الحسن، وطاوس (٦)، والنخعي (٧). الأدلَّة: ١ - ما رُوِيَ من حديث أنس مرفوعًا: «إذا اغتسلت المرأة من حيضها، نقضت شعرها نقضًا، وغسلته بخطمي وأشنان، وإن غسلته من الجنابة صبَّت الماء على رأسها صبًّا وعصرته» (٨). ونوقش من وجهين: الوجه الأول: ضعف الحديث؛ لأنَّ في إسناده مسلم بن صبح اليحمدي، وهو مجهول.

стр. 66

الوجه الثاني: اقترانه بالغسل بخطمي وأشنان يدلُّ على عدم الوجوب، فإنه لم يقل أحدٌ بوجوب الخطمي والأشنان (١). ٢ - حديث عائشة: أنَّ النبيَّ ﷺ قال لها: «انقضي شعرك وامتشطي» (٢). ووجه الاستدلال ظاهر: ونوقش الاستدلال به من أوجه: الوجه الأول: أنه ليس فيه أمر بالغسل. الوجه الثاني: لو سلم بالأمر بالغسل لم يكن فيه حُجة؛ لأنَّ ذلك ليس هو غسل الحيض، إنما أُمِرت بالغسل في حال الحيض للإحرام بالحج، فإنها قالت: أَدركَنِي يوم عرفة وأنا حائض، فشكوت ذلك إلى النبي ﷺ فقال: «دعي عمرتك، وانقضي رأسك، وامتشطي» (٣). الوجه الثالث: أنه لو ثبت الأمر به حُمِل على الاستحباب جمعًا بينه وبين الأدلَّة على عدم الوجوب. الوجه الرابع: أنَّ فيه ما يدلُّ على عدم الوجوب، وهو أنه أمرها بالمشط وليس بواجب، فما هو من ضرورته أولى (٤). ٣ - ما أخرجه ابن ماجة من حديث عائشة السابق وفيه: أن النبي ﷺ قال، وكانت حائضًا: «انقضي رأسك، واغتسلي» (٥). قال ابن حزم: والأصل في الغسل الاستيعاب للشعر، وإيصال

стр. 67

الماء إلى البشرة بيقين، بخلاف المسح، فلا يسقط ذلك إلاَّ حيث أسقطه النص، وليس ذلك إلاَّ في الجنابة فقط (١). ويمكن أن يناقش بالأوجه التالية: ١ - أن ما فيه من ذِكر الغسل مخالف لرواية الصحيحين، والأخذ بما فيهما أولى. ٢ - أنَّ القائلين بعدم وجوب النقض لا يقولون بالاكتفاء بالمسح، بل يشترطون وصول الماء إلى البشرة، وإلا وجب النقض (٢). ٣ - أنَّ الحديث في الغسل للإحرام بالحج، وليس للغسل من المحيض، بدليل تصريح عائشة بذلك وأنها كانت حائضًا ولَمَّا تطهر. ٤ - ولأنَّ الأصل وجوب نقض الشعر ليتحقَّق وصول الماء إلى ما يجب غسله فعُفِيَ عنه في غُسل الجنابة؛ لأنه يكثر فيشق ذلك فيه، والحيض بخلافه، فبَقِيَ على مقتضى الأصل في الوجوب (٣). القول الثاني: أنَّ ذلك مستحبٌّ وليس بواجب: ذهب إليه جمهور أهل العلم؛ ومنهم الحنفية (٤)، والمالكية (٥)، والشافعية (٦)، والحنابلة في قول. وهو قول عطاء، والحكم، والزهري (٧). واستدلُّوا بما يلي: ١ - ما روته أسماء أنها سألت النبي ﷺ عن غسل المحيض،

стр. 68

فقال: «تأخذ إحداكن سدرتها وماءها فتطهر فتحسن الطهور، ثم تصب على رأسها، فتدلكه دلكًا شديدًا، حتى تبلغ شئون رأسها، ثم تصبُّ عليها الماء» (١). والشاهد منه: أنه لم يذكر النقض ولو كان واجبًا لذَكره؛ لأنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة (٢). ٢ - ما أخرجه مسلم من حديث أم سلمة ﵂ أنها قالت للنبي ﷺ : إني امرأة أشد ضفر رأسي، أفأنقضه للحيضة وللجنابة؟ فقال: «لا، إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات، ثم تفيضين عليك الماء فتطهرين» (٣). قالوا: وهذا زيادة (٤)، يجب قبولها، وهذا صريح في نفي الوجوب (٥). ونوقش من أوجه: الوجه الأول: أن أكثر روايات الحديث ليس فيها ذكر الحيض، فوجب الأخذ بما رواه الأكثر. الوجه الثاني: أن قوله «لا» راجع إلى الجنابة لا غير، لأنَّ النص قد ورد بالنقض للحيض، وهو ما جاء في حديث عائشة. الوجه الثالث: أنه على فرض أنَّ قوله: «لا» راجع إلى الجميع، فإنَّ حديث عائشة ناسخ له، فحديث عائشة زائد حُكمًا ومثبت شرعًا على حديث أم سلمة، والزيادة لا يجوز تركها (٦). وأجيب عن هذه المناقشات: بأنَّ مبناها على أنَّ حديث عائشة في الغسل للحيض، وقد بيَّنا فيما

стр. 69

سبق عدم صحة ذلك، وعلى فرضه، فإنَّ دعوى النسخ تحتاج لعلم المتقدم، فقد تُقلب الدعوى، ويقال: حديث أم سلمة ناسخ لِما في حديث عائشة. ٣ - ولأنه موضع من البدن فاستوى فيه الحيض والجنابة كسائر البدن (١). الترجيح: والراجح هو القول الثاني من عدم وجوب النقض لقوة أدلَّته، وضعف ما أورد عليها من مناقشة. المسألة الثانية: في التيمُّم: إذا طهرت الحائض من حيضها فلم تجد الماء، أو لم تقدر على استعماله، فهل لها أن تتيمَّم وتستبيح به ما يُستباح بالغسل؟ ذهب عامة أهل العلم إلى أنَّ لها ذلك (٢)، واستدلُّوا بما يلي: ١ - قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [المائدة: ٦]. فالآية نصٌّ في تيمُّم الجُنب، فالتي طهرت من المحيض مثله. ٢ - قوله ﷺ : «وجُعِلت لنا الأرض مسجدًا، وتربتها لنا طهورًا إذا لم نجد الماء» (٣). وكلٌّ مأمور بالطهور إذا لم يجد الماء، فالتراب بنص عموم هذا الخبر (٤).

стр. 70

٣ - حديث عمار: أجنبت فتمعكتُ في الصعيد، فأتيت النبي ﷺ فقال: «يكفيك الوجه والكفان» (١). ٤ - حديث عمران بن حصين الطويل، وقوله للرجل الذي أصابته جنابة ولا ماء: «عليك بالصعيد فإنه يكفيك» (٢). فهذه أحاديث متظافرة في جواز التيمم للجنب، فكذلك الحائض؛ إذ لا فرق. المطلب السابع في اغتسال الحائض للجنابة إذا أجنبت الحائض فهل عليها الاغتسال للجنابة، ولو اغتسلت لهما جميعًا عند طهرها، فهل يكفيها ذلك، أو أنه لا بد من غُسلين؟ اختلف أهل العلم على قولين: القول الأول: أنه لا يلزمها الاغتسال، ويجزئها غُسل واحد عند طهرها: ذهب إليه جمهور أهل العلم ومنهم: الحنفية (٣)، والمالكية (٤)، والشافعية (٥)، والحنابلة (٦). وهو قول ربيعة، وأبي الزناد، وإسحاق وسفيان الثوري، والأوزاعي في رواية عنه (٧).

стр. 71

الأدلَّة: احتجُّوا للاكتفاء بغسل واحد عند الطهر بما يلي: ١ - لأنَّ النبي ﷺ لم يكن يغتسل من الجماع إلا غُسلاً واحدًا (١)، وهو يتضمَّن شيئين؛ إذ هو لازم للإنزال في غالب الأحوال (٢). ٢ - ولأنَّ المجامع عليه الاغتسال إذا جامع، فإذا عاود أجزأه الاغتسال عنهما، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه كان يطوف على نسائه بغُسل واحد (٣). فكذلك الحائض، إذا أجنبت وجب عليها الغسل، فلما حاضت قبل أن تغتسل للجنابة أجزأها غسل واحد (٤). ٣ - ولأنهما سببان يوجبان الغسل، فأجزأ الغسل الواحد عنهما، كالحدث والنجاسة (٥). ٤ - ومثله أيضًا ما إذا اجتمعت أحداث توجب الطهارة الصغرى، كالنوم، وخروج النجاسة، واللمس فنواها بطهارته، أو نوى رفع الحدث أو استباحة الصلاة أجزأه عن الجميع (٦). واحتجُّوا لعدم وجوب الاغتسال من الجنابة قبل الطهر وأنه لا يصحُّ بأنَّ الغسل لا يفيد شيئًا من الأحكام (٧). ونوقش: بأنَّ هذا غير مُسلَّم؛ إذ تستفيد منه جواز قراءة القرآن، على القول بجوازها للحائض دون الجُنب (٨).

стр. 72

القول الثاني: أنَّ عليها أن تغتسل، فإن لم تفعل فغُسلان عند طهرها: ذهب إليه الحسن، والنخعي، وعطاء، وجابر بن زيد (١)، وقتادة، والحكم وطاوس، والزهري، وميمون بن مهران (٢)، وهو قول الظاهرية (٣). واستدلُّوا: بأنَّ الله تعالى أوجب الاغتسال من الجنابة وأوجب الاغتسال من الحيض، وكلُّ واحدٍ منهما غير الآخر، فلا يجوز إسقاط أحد الغسلين عنها إلاَّ بحجَّةٍ من كتابٍ أو سُنَّةٍ أو اتفاق، ومعنى كلِّ واحد منهما غير الآخر (٤). القول الثالث: أنَّ عليها أن تغتسل للجنابة، فإن لم تفعل أجزأها غُسل واحد عند طهرها: ذهب إليه أحمد في رواية عنه (٥)، والأوزاعي في رواية عنه (٦). واحتجُّوا للاكتفاء بغُسل واحد عند الطهر بما احتجَّ به أصحاب القول الأول. أما إيجاب الغُسل عليها عن الجنابة فلعلَّهم يحتجون بما ذُكِر للقول الثاني من استدلال. وقالوا: إنَّ بقاء أحد الحدثين لا يمنع ارتفاع الآخر، كما لو اغتسل المحدث الحدث الأصغر (٧). الترجيح: والراجح أنه لا يلزمها إلاَّ غُسل واحد عند الطهر، إلاَّ أنَّ عليها

стр. 73

الاغتسال عن الجنابة إذا أرادت قراءة القرآن أو اللبث في المسجد مما هو جائز للحائض (١)، ممنوع منه الجُنب. المطلب الثامن تغسيل الحائض إذا ماتت اختلف أهل العلم في الغسل الواجب للمرأة إذا ماتت وهي حائض على قولين: القول الأول: إنها تُغسَّل غُسلاً واحدًا: ذهب إليه عامة أهل العلم (٢). ١ - لأنها خرجت من حُكم التكليف فلم يبقَ عليها عبادة واجبة، وإنما الغُسل للميت تعبُّد، وليكون في حال خروجه من الدنيا على أكمل حال من النظافة والنضارة، وهذا يحصل بغسل واحد. ٢ - ولأنَّ الغسل الواحد يجزئ من وجد في حقِّه موجبان له كما لو اجتمع الحيض والجنابة (٣). القول الثاني: إنها تُغسَّل غُسلَين: ذهب إليه الحسن (٤). ولم أجد دليله فيما ذهب إليه، ولعلَّ النقل الصحيح عنه هو فيما لو ماتت بعد طُهرها من الحيض، فيكون دليل من قال بوجوب الغُسلين عليها فيما إذا أجنبت وهي حائض (٥).

стр. 74

المبحث الثاني في الأحكام المتعلِّقة بالصلاة .. وفيه أربعة مطالب: المطلب الأول: في حُكم الصلاة أثناء الحيض. المطلب الثاني: في قضاء ما فاتها أيام الحيض. المطلب الثالث: في طُهر الحائض قبل خروج وقت الصلاة. المطلب الرابع: في بدء الحيض بعد دخول وقت الصلاة وقبل أن تصلِّيَها. المطلب الأول حكم الصلاة أثناء الحيض اتفق أهل العلم على حُرمة الصلاة أثناء الحيض، وأنها لا تصِحُّ منها (١). وقد دلَّ على ذلك: ١ - قوله ﷺ لفاطمة بنت أبي حبيش: «دعي الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها، ثم اغتسلي وصلِّي» (٢).

стр. 75

٢ - وقوله: «أليست إحداكنَّ إذا حاضت لا تصوم ولا تصلي» (١). ٣ - وقوله: «إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة» (٢). ٤ - ولأنه يُمنَع رفع الحدث فمُنِع الأداء (٣). المطلب الثاني في قضاء ما فاتها من الصلوات وكما اتفق أهل العلم على سقوط الصلاة عن الحائض أيام حيضها، فقد اتفقوا على عدم وجوب القضاء عليها (٤). وقد دلَّ عليه: ١ - حديث معاذة قالت: سألت عائشة فقلت: ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟ فقالت: أحرورية (٥) أنت؟ قلت: لست بحرورية ولكني أسأل. قالت: كان يُصيبنا ذلك فنؤمر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة (٦).
следующие страницы →