← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 14527

الأحكام المترتبة على الحيض والنفاس والاستحاضة

صالح اللاحم

Полный текст (294 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

الأدلَّة: احتجُّوا للاكتفاء بغسل واحد عند الطهر بما يلي: ١ - لأنَّ النبي ﷺ لم يكن يغتسل من الجماع إلا غُسلاً واحدًا (١)، وهو يتضمَّن شيئين؛ إذ هو لازم للإنزال في غالب الأحوال (٢). ٢ - ولأنَّ المجامع عليه الاغتسال إذا جامع، فإذا عاود أجزأه الاغتسال عنهما، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه كان يطوف على نسائه بغُسل واحد (٣). فكذلك الحائض، إذا أجنبت وجب عليها الغسل، فلما حاضت قبل أن تغتسل للجنابة أجزأها غسل واحد (٤). ٣ - ولأنهما سببان يوجبان الغسل، فأجزأ الغسل الواحد عنهما، كالحدث والنجاسة (٥). ٤ - ومثله أيضًا ما إذا اجتمعت أحداث توجب الطهارة الصغرى، كالنوم، وخروج النجاسة، واللمس فنواها بطهارته، أو نوى رفع الحدث أو استباحة الصلاة أجزأه عن الجميع (٦). واحتجُّوا لعدم وجوب الاغتسال من الجنابة قبل الطهر وأنه لا يصحُّ بأنَّ الغسل لا يفيد شيئًا من الأحكام (٧). ونوقش: بأنَّ هذا غير مُسلَّم؛ إذ تستفيد منه جواز قراءة القرآن، على القول بجوازها للحائض دون الجُنب (٨).

стр. 72

القول الثاني: أنَّ عليها أن تغتسل، فإن لم تفعل فغُسلان عند طهرها: ذهب إليه الحسن، والنخعي، وعطاء، وجابر بن زيد (١)، وقتادة، والحكم وطاوس، والزهري، وميمون بن مهران (٢)، وهو قول الظاهرية (٣). واستدلُّوا: بأنَّ الله تعالى أوجب الاغتسال من الجنابة وأوجب الاغتسال من الحيض، وكلُّ واحدٍ منهما غير الآخر، فلا يجوز إسقاط أحد الغسلين عنها إلاَّ بحجَّةٍ من كتابٍ أو سُنَّةٍ أو اتفاق، ومعنى كلِّ واحد منهما غير الآخر (٤). القول الثالث: أنَّ عليها أن تغتسل للجنابة، فإن لم تفعل أجزأها غُسل واحد عند طهرها: ذهب إليه أحمد في رواية عنه (٥)، والأوزاعي في رواية عنه (٦). واحتجُّوا للاكتفاء بغُسل واحد عند الطهر بما احتجَّ به أصحاب القول الأول. أما إيجاب الغُسل عليها عن الجنابة فلعلَّهم يحتجون بما ذُكِر للقول الثاني من استدلال. وقالوا: إنَّ بقاء أحد الحدثين لا يمنع ارتفاع الآخر، كما لو اغتسل المحدث الحدث الأصغر (٧). الترجيح: والراجح أنه لا يلزمها إلاَّ غُسل واحد عند الطهر، إلاَّ أنَّ عليها

стр. 73

الاغتسال عن الجنابة إذا أرادت قراءة القرآن أو اللبث في المسجد مما هو جائز للحائض (١)، ممنوع منه الجُنب. المطلب الثامن تغسيل الحائض إذا ماتت اختلف أهل العلم في الغسل الواجب للمرأة إذا ماتت وهي حائض على قولين: القول الأول: إنها تُغسَّل غُسلاً واحدًا: ذهب إليه عامة أهل العلم (٢). ١ - لأنها خرجت من حُكم التكليف فلم يبقَ عليها عبادة واجبة، وإنما الغُسل للميت تعبُّد، وليكون في حال خروجه من الدنيا على أكمل حال من النظافة والنضارة، وهذا يحصل بغسل واحد. ٢ - ولأنَّ الغسل الواحد يجزئ من وجد في حقِّه موجبان له كما لو اجتمع الحيض والجنابة (٣). القول الثاني: إنها تُغسَّل غُسلَين: ذهب إليه الحسن (٤). ولم أجد دليله فيما ذهب إليه، ولعلَّ النقل الصحيح عنه هو فيما لو ماتت بعد طُهرها من الحيض، فيكون دليل من قال بوجوب الغُسلين عليها فيما إذا أجنبت وهي حائض (٥).

стр. 74

المبحث الثاني في الأحكام المتعلِّقة بالصلاة .. وفيه أربعة مطالب: المطلب الأول: في حُكم الصلاة أثناء الحيض. المطلب الثاني: في قضاء ما فاتها أيام الحيض. المطلب الثالث: في طُهر الحائض قبل خروج وقت الصلاة. المطلب الرابع: في بدء الحيض بعد دخول وقت الصلاة وقبل أن تصلِّيَها. المطلب الأول حكم الصلاة أثناء الحيض اتفق أهل العلم على حُرمة الصلاة أثناء الحيض، وأنها لا تصِحُّ منها (١). وقد دلَّ على ذلك: ١ - قوله ﷺ لفاطمة بنت أبي حبيش: «دعي الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها، ثم اغتسلي وصلِّي» (٢).

стр. 75

٢ - وقوله: «أليست إحداكنَّ إذا حاضت لا تصوم ولا تصلي» (١). ٣ - وقوله: «إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة» (٢). ٤ - ولأنه يُمنَع رفع الحدث فمُنِع الأداء (٣). المطلب الثاني في قضاء ما فاتها من الصلوات وكما اتفق أهل العلم على سقوط الصلاة عن الحائض أيام حيضها، فقد اتفقوا على عدم وجوب القضاء عليها (٤). وقد دلَّ عليه: ١ - حديث معاذة قالت: سألت عائشة فقلت: ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟ فقالت: أحرورية (٥) أنت؟ قلت: لست بحرورية ولكني أسأل. قالت: كان يُصيبنا ذلك فنؤمر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة (٦).

стр. 76

المطلب الثالث في طهر الحائض قبل خروج وقت الصلاة وفيه ثلاث مسائل: المسألة الأولى: في حكم تلك الصلاة . المسألة الثانية: في وجوب ما يجمع إليها قبلها. المسألة الثالثة: فيما تُدرَك به الصلاة. المسألة الأولى: في حكم تلك الصلاة: ذهب عامة أهل العلم إلى وجوب تلك الصلاة التي طهرت أثناء وقتها، إلاَّ أنهم اختلفوا في اشتراط التمكُّن من الغسل والوضوء قبل خروج الوقت على قولَين: القول الأول: أنَّ الفراغ من الغُسل شرط. فإذا طهرت في آخر وقت الصلاة بمقدار ما لا يمكنها الغسل والوضوء حتى خرج الوقت دون تفريط، فلا تلزمها تلك الصلاة ولا قضاؤها. ذهب إليه مالك (١)، والشافعية في قول (٢)، والأوزاعي (٣)، والظاهرية (٤). واستدلُّوا: بأنَّ الله لم يُبِح الصلاة إلاَّ بطهور، وقد حدَّ الله تعالى للصلوات أوقاتها، فإذا لم يُمكنها الطهور، وفي الوقت بقية فنحن على يقين من أنها لم تُكلَّف تلك الصلاة التي لم يَحِلُّ لها أن تؤدِّيَها في وقتها (٥).

стр. 77

ويمكن أن يناقش: بأنَّ حلَّ الصلاة وعدمه لا أثر له في إسقاط الواجب، بدليل ما لو استيقظ جُنبًا قبل خروج الوقت بلحظة. القول الثاني: أن وقتها من حين ترى الطهر لا فرق بين أن تُفرط في الغُسل أو لا. ذهب إليه الحنابلة (١)، والشافعية في قول (٢)، والثوري وقتادة (٣). ١ - لأنها حينئذٍ ممَّن عليها فرض الصلاة، وإنما بَقِيَ الغسل (٤). ٢ - وعملاً بظاهر الحديث (٥) وهو قوله ﷺ : «من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك الصلاة» (٦). الترجيح: والراجح هو القول الثاني لقوَّة ما بُنِي عليه من استدلالٍ وعملاً بالأحوط. المسألة الثانية: في وجوب ما يُجمع إليها قبلها: إذا طهرت الحائض في وقت الثانية من صلاتي الجَمْع، العصر أو العشاء، فهل يجب مع أداء الثانية قضاء الأولى؟ اختلف أهل العلم في ذلك على قولَين: القول الأول: أنَّ الصلاة تلزمها، وما يُجمع إليها قبلها. ذهب إليه المالكية (٧)، والشافعية (٨)، والحنابلة (٩)، وطاوس،

стр. 78

والنخعي، ومجاهد، والزهري، وربيعة، والليث، وأبو ثور، وإسحاق، والحكم والأوزاعي (١). قالوا: فإذا كان طُهرها في وقت الصبح أو الظهر أو المغرب؛ لم يلزمها ما قبلها؛ لأنَّ ذلك ليس بوقتٍ لِما قبلها، وإن كان ذلك في وقت العصر، أو في وقت العشاء، لزمها الظهر بما يلزم به العصر، ولزمها المغرب بما يلزم به العشاء. واستدلُّوا بما يلي: ١ - ما رُوِيَ عن عبد الله بن عباس، وعبد الرحمن بن عوف، وأبي هريرة في الحائض تطهر قبل طلوع الفجر بركعة تصلِّي المغرب والعشاء، وإذا طهرت قبل أن تغرب الشمس صلَّت العصر والظهر جميعًا (٢). ٢ - ولأنَّ وقت الثانية وقتٌ للأولى حال العذر (٣)، فإذا أدركه المعذور لزمه فرضها، كما يلزمه فرض الثانية (٤). ونوقش: بأن الوقت الذي يُباح فيه الجمع بين الصلاتين حال العذر، خلاف الوقت الذي يبقى فيه من النهار مقدار ما يُصلِّي فيه المرء ركعة؛ لأنَّ الوقت الذي أباحت السنة أن تُجمع فيه بين الصلاتين هما إذا صلاَّهما في وقتهما كجَمعه بعرفة بين الظهر والعصر، وبالمزدلفة بين المغرب والعشاء، وفي غير موضعٍ من أسفاره، وكلُّ ذلك مباحٌ يجوز الاقتداء برسول الله فيه؛ إذ فاعله مُتَّبعٌ للسُنة، والوقت الذي طهرت فيه الحائض قبل غروب الشمس بركعة وقت لا اختلاف بين أهل العلم في أنَّ التارك

стр. 79

للصلاتين حتى إذا كان قبل غروب الشمس بركعة ذهب ليجمع بينهما، فصلَّى ركعة قبل غروب الشمس، وسبع ركعات بعد غروب الشمس عاصٍ لله ﵎ مذموم، إذا كان غير قاصد لذلك في غير حال عذره، إذا كان هكذا فغير جائزٍ أن يُجعل حُكم الوقت الذي أُبيح الجمع فيه بين الصلاتين حُكم الوقت الذي حظر فيه الجمع بينهما (١). القول الثاني: أنه لا يلزمه سوى وقت واحد، فلا تلزمه الظهر ولا المغرب، ذهب إليه الحنفية (٢)، والظاهرية (٣)، وهو قول الحسن، وقتادة وحماد بن أبي سليمان، وسفيان الثوري (٤)، واختاره ابن المنذر (٥). واحتجُّوا بما يلي: ١ - أنَّ وقت الأولى خرج في حال عُذرها فلم تجب، كما لو لم يدرك من وقت الثانية شيئًا (٦). ٢ - ولأنَّ الإجماع انعقد على أنه لا صلاة على الحائض، ثم اختلفوا فيما يجب عليها إذا طهرت في آخر وقت العصر، فأجمعوا على وجوب صلاة العصر عليها، واختلفوا في وجوب صلاة الظهر، وغير جائز أن يوجب عليها باختلاف صلاة لا حجة مع موجب ذلك عليها ... (٧). ٣ - وفي قول النبي ﷺ : «من أدرك ركعة من العصر قبل غروب الشمس فقد أدرك العصر» (٨) دليل على أنه مدرك للعصر لا الظهر (٩).

стр. 80

الترجيح: والراجح هو القول الثاني؛ لقوَّة ما بُنِيَ عليه من استدلال، وسلامته من المناقشة. المسألة الثالثة: فيما تُدرَك (١) به الصلاة: وفيه فرعان: الفرع الأول: فيما تدرك به الصلاة التي اتُّفق على وجوبها . الفرع الثاني: فيما تُدرك به الصلاة الثانية. الفرع الأول: فيما تُدرك به الصلاة التي اتفق على وجوبها: وفيه قولان: القول الأول: إنها تُدرَك بمقدار ما تدخل في الصلاة، وهي تكبيرة الإحرام .. ذهب إليه الحنفية (٢)، والحنابلة (٣)، والظاهرية (٤)، والشافعية في قول (٥). ١ - لأنه إدراك، فاستوى فيه القليل والكثير، كإدراك المسافر صلاة المقيم (٦). ٢ - ولأنه إدراك حرمة فاستوى فيه الركعة والتكبيرة كإدراك الجماعة (٧).

стр. 81

القول الثاني: أنَّ ذلك يحصل بإدراك ركعة كاملة: ذهب إليه المالكية (١)، والشافعية في القول الثاني (٢). والحنابلة في قول (٣). واستدلُّوا بما يلي: ١ - حديث أبي هريرة ﵁ أنَّ النبي ﷺ قال: «من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح، ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر» (٤). ونوقش: بأنه من باب التنبيه بالأكثر على الأقل، يؤيِّد هذا قوله ﷺ : «من أدرك من العصر سجدة قبل أن تغرب الشمس .. فقد أدركها» (٥). وأجيب عن المناقشة: بأن السجدة هنا، هي الركعة. ٢ - ولأنه هو الذي روي عن عبد الرحمن بن عوف، وابن عباس (٦). ٣ - ولأنه بدون الركعة لا يدرك الجمعة فكذلك ههنا (٧). ونوقش: بالفرق؛ فإنَّ الجمعة إدراك فعل فاعتُبِر فيه الركعة، وهذا إدراك حرمة فهو كالجماعة (٨). وقال ابن قدامة: وأمَّا الجمعة فإنما اعتبرت الركعة بكمالها لكون الجماعة شرطًا فيها، فاعتُبِر إدراك ركعة كيلا يفوته شرطها في معظمها بخلاف مسألتنا (٩).

стр. 82

الترجيح: ولعلَّ الراجح هو القول الأول، لقوة دليله خاصة القياس على إدراك صلاة المقيم، ثم هو أحوط وأبرأ للذمة. الفرع الثاني: فيما تُدرَك به الصلاة الثانية عند القائلين بذلك: وقد اختلفوا في ذلك على الأقوال التالية: القول الأول: أنَّ ذلك يحصل بإدراك تكبيرة الإحرام. ذهب إليه الحنابلة (١)، والشافعية في أحد القولين على الجديد (٢)، واستدلُّوا لإدراك الأولى، بما استدلوا به هناك. أمَّا الثانية: فقالوا لأنَّ وقت الثانية وقت الأولى حال العذر، فإن أدركه المعذور لزمه فرضها، كما يلزمه فرض الثانية (٣). القول الثاني: أنَّ ذلك يحصل بإدراك ركعة. ذهب إليه الشافعية في القول الثاني على الجديد (٤). واستدلُّوا لإدراك الأولى بما ذُكِر هناك، أما الثانية، فكما ذُكِر للقول الأول. القول الثالث: أنَّ الظهر والعصر بمقدار خمس ركعات، أربع للظهر وركعة للعصر، وتجب المغرب مع العشاء بأربع ركعات ثلاث للمغرب، وركعة للعشاء. ذهب إليه المالكية (٥)، والشافعية في قول على القديم (٦).

стр. 83

لأنَّ الوقت اعتُبِر لإدراك الصلاتين، فاعتُبِر وقت يمكن الفراغ من إحداهما والشروع في الأخرى (١). المطلب الرابع في بدء الحيض بعد دخول وقت الصلاة، وقبل أن تصليها وفيها فرعان: الفرع الأول: في قضاء تلك الصلاة. الفرع الثاني: في قضاء ما يُجمع إليها قبلها. الفرع الأول: قضاء تلك الصلاة: إذا دخل الوقت على المرأة وهي طاهر ثم حاضت فهل تلزمها تلك الصلاة، أو أنَّ ذلك يختلف باختلاف الوقت المدرك، وكذا العذر وعدمه؟ أختلف أهل العلم في ذلك: القول الأول: وجوب قضاء تلك الصلاة، لا فرق بين إدراك القليل أو الكثير، ولا بين معذورة بالتأخير أو غيره. ذهب إليه الحنابلة (٢)، وهو قول الشعبي، والنخعي، وقتادة وإسحاق (٣). واستدلُّوا: بأنها أدركت جزءًا من وقتها فلزمتها، بدليل ما لو طهرت وقد بقي شيء من الوقت فإنها تلزمها كذا ههنا (٤).

стр. 84

ويمكن أن يجاب بالفارق، لأنَّ آخر الوقت وقت ضرورة، بخلاف أوَّله فهو وقت اختيار. القول الثاني: أنه إن مضى من الوقت قدر ما يسع تلك الصلاة وجب عليها القضاء، وإلا فلا. ذهب إليه الشافعية (١). قالوا: لأنها وجبت عليها وتمكَّنت من أدائها، فأشبه ما إذا وجبت الزكاة وتمكَّن من أدائها فلم يُخرِج حتى هلك المال (٢). القول الثالث: أنه لا قضاء عليها. ذهب إليه الحنفية (٣)، والمالكية (٤)، والظاهرية (٥)، وهو اختيار ابن تيمية (٦). وهو قول حمَّاد بن أبي سليمان، وابن سيرين، والأوزاعي (٧). واستدلُّوا ما يلي: ١ - أنَّ القضاء إنما يجب بأمرٍ جديدٍ ولا أمر هنا يلزمها بالقضاء (٨). ٢ - أن الله جعل للصلاة وقتًا محدودًا أوله وآخره، وصحَّ أنَّ رسول الله ﷺ صلَّى الصلاة في أول وقتها وفي آخر وقتها، فصحَّ أن المؤخِّر لها إلى آخر وقتها ليس عاصيًا؛ لأنه ﵇ لا يفعل المعصية، فإذن ليست عاصية فلم تتعين الصلاة عليها بعد، ولها تأخيرها؛ فإذا لم تتعيَّن

стр. 85

عليها حتى حاضت سقطت عنها (١). أي: أنها أخَّرت تأخيرًا جائزًا فهي غير مُفرِطة (٢). وأورد عليها: النائم، والناسي. وأجاب عنه ابن تيمية: بأنَّ النائم والناسي وإن كان غير مفرط أيضًا فإنَّ ما يفعله ليس قضاء، بل ذلك وقت الصلاة في حقِّه حين يستيقظ ويذكر كما قال ﷺ : «من نام عن صلاة أو نسيها فليصلِّها إذا ذكرها فإنَّ ذلك وقتها» (٣) وليس عن النبي ﷺ حديث واحد بقضاء الصلاة بعد وقتها (٤). الترجيح: ولعلَّ الراجح هو القول الأول، من لزوم قضاء تلك الصلاة، لقوَّة دليله وأخذًا من مفهوم قوله ﵊: «من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر» (٥). ولأنها لزمتها بإدراك وقتها فلا تسقط إلاَّ بدليلٍ بيِّنٍ واحتياطًا للعبادة. الفرع الثاني: في قضاء ما يُجمع إليها: إذا أدركت المرأة من وقت الأولى من صلاتي الجمع قدرًا تجب به، ثم حاضت فهل يلزمها قضاء الثانية مع الأولى إذا طهرت؟ ومثال ذلك ما لو طهرت في آخر وقت الظهر، أو آخر وقت المغرب فهل تلزمها صلاة العصر أو العشاء؟

стр. 86

اختلف الموجبون لقضاء الأولى في هذه المسألة على قولين: القول الأول: عدم وجوب الثانية: ذهب إليه الشافعية في المذهب (١)، وأحمد في رواية عنه اختارها ابن حامد (٢). واحتجُّوا بما يلي: ١ - لأنه لم يدرك جزءًا من وقتها ولا وقت تبعها، فلم تجب، كما لو لم يدرك من وقت الأولى شيئًا (٣). ٢ - ولأنَّ وقت الأولى وقت الثانية على سبيل التبع، ولهذا لا يجوز فعل الثانية حتى تقدم الأولى، بخلاف وقت الثانية فإنه وقت الأولى لا على وجه التبع، ولهذا لا يجوز فعلها قبل الثانية (٤). القول الثاني: أنها تجب ويلزم قضاؤها (٥): ذهب إليه أحمد في الرواية الثانية عنه، وبعض الشافعية (٦). واحتجُّوا: بأنها إحدى صلاتي الجمع، فوجبت بإدراك جزء من وقت الأخرى، كالأولى (٧). ونُوقِش بالفارق لوجهين: الوجه الأول: أنَّ مُدرك الثانية مدرك لوقت تبع للأولى، فإنَّ الأولى تُفعل في وقت الثانية متبوعة مقصودة يجب تقديمها والبداية بها، بخلاف

стр. 87

الثانية مع الأولى (١). الوجه الثاني: أنَّ من لا يجوز الجمع إلاَّ في وقت الثانية ليس وقت الأولى عنده وقتًا للثانية بحال، فلا يكون مدركًا لشيءٍ من وقتها، ووقت الثانية وقتٌ لهما جميعًا، لجواز فعل الأولى في وقت الثانية. ومن جوَّز الجمع في وقت الأولى فإنه يجوِّز تقديم الثانية رخصة تحتاج إلى نية التقديم وترك التفريق، ومتى أخَّر الأولى إلى الثانية كانت مفعولة لا واجبة لا يجوز تركها، ولا يجب نية جمعها، ولا يشترط ترك التفريق بينهما، فلا يصحُّ قياس الثانية على الأولى، والأصل ألاَّ تجب صلاة إلاَّ بإدراك وقتها (٢). الترجيح: والراجح هو القول الأول لقوَّة ما بُني عليه من استدلال، مع عدم وقوف أدلَّة القول الثاني أمام المناقشة.

стр. 88

المبحث الثالث في الأحكام المتعلقة بالصيام وفيه خمسة مطالب: المطلب الأول: حكم الصيام حال الحيض. المطلب الثاني: قضاء ما فات بالحيض. المطلب الثالث: في إمساك اليوم الذي طهرت في أثنائه. المطلب الرابع: في طلوع الفجر قبل أن تغتسل. المطلب الخامس: في سقوط كفارة الجماع بنزول الدم في يومه. المطلب الأول في حكم الصيام حال الحيض أجمع أهل العلم على تحريم الصوم فرضه ونفله على الحائض، وعلى أنه لا يصح صومها (١) ويدل له حديث أبي سعيد .. والحكمة في منعها من ذلك؛ فيها قولان: فقيل: إنَّ الأمر في ذلك تعبُّديّ؛ لأنَّ الطهارة فيه ليست بشرط بدليل صحة ذلك من الجُنب. وقيل: لأنَّ نزول الدم يُضعف البدن، فلو اجتمع مع الصوم أضرَّ بالبدن (٢).

стр. 89

المطلب الثاني في قضاء الأيام الفائتة وكما اتفقوا على حُرمة الصيام عليها فقد اتفقوا على وجوب قضاء ما أفطرت حال حيضها (١). وقد دلَّ على هذا: ١ - حديث عائشة: «كنا نؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة» (٢). والفرق بين قضاء الصوم وعدم قضاء الصلاة: أنَّ الصلاة تتكرَّر فيُشَقُّ قضاؤها بخلاف الصوم (٣)، والفرق الأعظم هو النصّ، فلا نحتاج معه لعلَّة. المطلب الثالث في الطهر أثناء النهار، وحكم الإمساك اختلف أهل العلم في المرأة تطهر أثناء النهار، هل يلزمها الإمساك أو لا؟ على قولين: القول الأول: أنه يلزمها الإمساك والقضاء: ذهب إليه الحنفية (٤)، وأحمد في رواية عنه (٥)، وهو قول الثوري، والأوزاعي، والحسن بن صالح، والعنبري (٦).

стр. 90

واحتجوا بما يلي: ١ - أنه معنى لو وُجد قبل الفجر أوجب الصيام، فإذا طرأ بعد الفجر أوجب الإمساك كقيام البينة بالرؤية (١). ونُوقش: بأنَّ القياس لا يصح؛ لأنه قياس مع الفارق؛ لأنَّ الذي جاءه الخبر بالرؤية كان مأمورًا بصوم ذلك اليوم، لو علم أنه من رمضان وأنه فرضه، وهذه منهية عن الصيام لو صامت كانت عاصية (٢). ٢ - ولأنها لو أكلت ولا عُذر بها اتُّهمت، والتحرز عن مواضع التهم واجب (٣). ونوقش: بأنَّ هذه التهمة موجودة في دعواها الحيض، ولم ينظر إليها، ثم يمكنها الأكل والشرب خفية فلا محذور. القول الثاني: أنه لا يلزمها الإمساك: ذهب إليه المالكية (٤)، والشافعية (٥)، وأحمد في رواية عنه (٦)، والظاهرية (٧)، وهو قول سفيان الثوري، وجابر بن زيد (٨). ١ - لِما رُوِيَ عن ابن مسعود أنه قال: «من أكل أول النهار فليأكل آخره» (٩). ٢ - ولأنه أبيح لها فطر أول النهار ظاهرًا، وباطنًا، فإذا أفطرت كان لها أن تستديمه إلى آخر النهار كما لو دام العذر (١٠).

стр. 91

٣ - ولأنَّ الجميع مُتفِقون على وجوب قضاء ذلك اليوم الذي طهرت في أثنائه، فصحّ أنها في هذا اليوم غير صائمة، وإذا كانت غير صائمة فلا معنى لصيامها، ولا أن تؤمر بصوم ليس صومًا، ولا هي مؤدية به فرضًا لله تعالى، ولا عاصية بتركه (١). ٤ - ولأنه يوم يجوز لها الأكل في أوله بغير شبهة، فجاز لها الأكل في آخره كسائر الأيام (٢). ٥ - ولأن صوم اليوم الواحد عبادة واحدة بدليل أن أوله يفسد بفساد آخره، فلا يجوز أن يكون آخرها واجبًا، وأولها غير واجب كالصلاة الواحدة (٣). الترجيح: والراجح ما ذهب إليه أصحاب القول الثاني، من أنه لا يلزمها الإمساك لقوة ما بني عليه من استدلال. المطلب الرابع في المرأة يطلع عليها الفجر قبل أن تغتسل من الحيض إذا طهرت الحائض ليلاً فأخَّرت الغسل إلى طلوع الفجر، فهل يصحُّ صومها ذلك اليوم إذا نوت من الليل؟. اختلف أهل العلم في ذلك على ثلاثة أقوال: القول الأول: أنَّ صيامها صحيح: ذهب إليه جمهور أهل العلم (٤).

стр. 92

واحتجُّوا بما يلي: ١ - قوله تعالى: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧] فلما أباح الله المباشرة إلى تبين الفجر عُلِم أنَّ الغسل إنما يكون بعده (١). ٢ - ولأنه حدث يوجب الغسل، فتأخير الغسل منه إلى أن تصبح لا يمنع صحَّة الصوم كالجنابة (٢). ونوقش: بالفارق؛ لأنَّ حدث الحيض يمنع الصوم بخلاف الجنابة (٣). القول الثاني: أنها إن فرَّطت في الغسل قضت وإلاَّ فلا: ذهب إليه محمد بن مسلمة من المالكية (٤). ولم أعثر على دليل لهذا القول. القول الثالث: أنها تقضي فرَّطت أو لم تفرط: ذهب إليه الأوزاعي، والحسن بن حي، والعنبري (٥)، وعبد الملك بن الماجشون (٦). واحتجُّوا: بأنها في بعضه غير طاهر، وليست كالذي يصبح جنبًا فيصوم؛ لأنَّ الاحتلام لا يُنقِض الصوم والحيضة تُنقضه (٧). ونوقش: بأنَّ هذا لا يصح، فإنَّ من طهرت من الحيض ليست

стр. 93

حائضًا، وإنما عليها حدث مُوجب للغسل، فهي كالجُنب، فإنَّ الجماع الموجب للغسل لو وُجد في الصوم أفسده كالحيض، وبقاء وجوب الغسل منه كبقاء وجوب الغسل من الحيض (١). الترجيح: ولعلَّ الراجح ما ذهب إليه أصحاب القول الأول من صحة الصوم، فرطت في تأخير الغسل أو لم تفرط، لزوال المانع وهو الحيض. المطلب الخامس سقوط كفارة الجماع بنزول الدم في يوم جومعت فيه إذا جُومعت المرأة برضاها وهي طاهر، ثم جاءها الحيض في يومها فهل تجب عليها الكفارة أو تسقط؟ اختلف أهل العلم في ذلك على قولين: القول الأول: أنها لا تسقط: ذهب إليها المالكية (٢)، والحنابلة (٣)، والشافعية في قول (٤). وهو قول الليث، وإسحاق، وأبي ثور، وداود، وابن أبي ليلى (٥). واحتجُّوا بما يلي: ١ - لأنه معنى «طرأ» بعد وجوب الكفارة، فلم يسقطها كالسفر (٦). ٢ - ولأنها أفسدت صومًا واجبًا في رمضان بجماعٍ تامٍ فاستقرَّت الكفارة عليها، كما لو لم يطرأ عُذر (٧).

стр. 94

القول الثاني: أنها تسقط فلا كفارة عليها: ذهب إليه الحنفية (١)، والشافعية في قول (٢). قالوا: لأنَّ صوم هذا اليوم خرج عن كونه مُستحقًّا، فلم يجب بالوطء فيه كفارة، كصوم المسافر، أو كما لو قالت البينة أنه من شوال (٣). ونُوقش: بأنَّ الوطء في صوم المسافر ممنوع وإن سلم، فالوطء ثَمَّ لم يوجب أصلاً؛ لأنَّه وطءٌ مباح في سفر أبيح الفطر فيه بخلاف مسألتنا. وكذا إذا تبيَّن أنه من شوال فإنَّ الوطء غير موجب، لأننا تبينَّا أنَّ الوطء لم يُصادف رمضان، والموجب إنما هو الوطء المفسد لصوم رمضان (٤). الترجيح: والرَّاجح هو القول الأول لقوَّة دليله وسلامته من المناقشة، مع ضعف ما ذُكِر للقول الثاني من القياس.

стр. 95

المبحث الرابع في اعتكاف الحائض وفيه مطلبان: المطلب الأول: حُكم الاعتكاف حال الحيض. المطلب الثاني: في طروء الحيض حال الاعتكاف. المطلب الأول حكم اعتكاف الحائض اختلف أهل العلم في حكم اعتكاف الحائض على قولين: القول الأول: أنه لا يصحُّ: ذهب إليه جمهور أهل العلم (١). بل حكى ابن قدامة في المغني: أنه لا خلاف فيه (٢).

стр. 96

الأدلَّة: ١ - استدلَّ أصحاب هذا القول لِما ذهبوا إليه بأنَّ الاعتكاف من شرطه المسجد، وهي ممنوعة من اللبث فيه بما ذكروه من استدلالٍ في مسألة اللبث (١). ٢ - واستدلَّ بعضهم بأنَّ الاعتكاف من شرطه الصوم، وهو مُحرَّمٌ على الحائض (٢). ويمكن أن يناقش: بأنَّ هذا غير مُسلَّم، فالراجح عدم اشتراط الصوم له. القول الثاني: أنَّ لها ذلك ويصحُّ منها: ذهب إليه داود، وابن حزم (٣). واحتج هؤلاء بما يلي: ١ - حديث عائشة قالت: «اعتكفت معه امرأة من أزواجه مستحاضة فكانت ترى الحمرة والصفرة، فربما وضع الطست تحتها وهي تصلِّي» (٤). ٢ - ولأنَّ منعها من الاعتكاف مبنيٌّ على تحريم لبثها في المسجد، وهو غير مُسلَّم؛ إذ لا دليل من كِتابٍ أو سُنَّةٍ، أو إجماعٍ على ذلك (٥).

стр. 97

٣ - كما استدلُّوا بما ذُكِر في الاستدلال لجواز لبثها في المسجد (١). الترجيح: الترجيح في هذه المسألة فيما يظهر لي فرع عن الترجيح في مسألة اللبث في المسجد، وقد رجَّحت فيما سبق جواز لبثها فيه لعدم وجود الدليل على منعها من ذلك. إلاَّ أنه هنا، ولكون كثيرٍ من أهل العلم يرَون عدم صحته إلاَّ بصوم، كما أنَّ منهم من لا يُجيزه للنساء في غير مسجد بيتها؛ فإنِّي أتوقَّف عن ترجيح أيٍّ من القولَين. المطلب الثاني في طروء الحيض حال الاعتكاف وقد اختلف القائلون بعدم جواز بقائها في المسجد فيما تفعل إذا حاضت وهي معتكفة على الأقوال التالية: القول الأول: أنه إن كان للمسجد رحبة خرجت إليها وضربت فسطاطها فيه، وإلا رجعت إلى بيتها، فإذا طهرت رجعت فأتمَّت اعتكافها وقضت ما فاتها، ولا كفارة عليها. ذهب إليه الحنابلة (٢). واستدلُّوا لمشروعية المكث في الرحبة: بما رُوِيَ عن عائشة قالت: كنَّ المعتكفات إذا حِضن أَمَرَ رسول الله ﷺ

стр. 98

بإخراجهنَّ من المسجد وأن يضربن الأخبية في رحبة المسجد حتى يطهرن (١). أما إذا لم يكن له رحبة فقالوا: ترجع إلى منزلها؛ لأنه خروجٌ معتادٌ واجب، أشبه الخروج للجمعة أو لِما لا بدَّ منه (٢). القول الثاني: أنها تضرب فسطاطها في دارها، فإذا طهرت قضت تلك الأيام، وإن دخلت بيتًا أو سقفًا استأنفت. ذهب إليه النخعي (٣). قال ابن قدامة: وقول إبراهيم تَحكُّم لا دليل عليه (٤). القول الثالث: أنه ترجع إلى منزلها؛ فإذا طهرت فلترجع. ذهب إليه المالكية (٥)، والشافعية (٦). لأنه وجب عليها الخروج من المسجد، فلم يلزمها الإقامة في رحبته، كالخارجة لعدَّة أو خوف فتنة (٧). ونوقش: بأنَّ القياس مع الفارق؛ لأنَّ خروج المعتدَّة لتُقيم في بيتها وتعتدُّ فيه، ولا يحصل ذلك مع الكون في الرحبة.

стр. 99

وكذلك الخائفة من الفتنة، خروجها لتسلم من الفتنة، فلا تُقيم في موضع لا تحصل السلامة بالإقامة فيه (١).

стр. 100

المبحث الخامس في الأحكام المتعلقة بالحج والعمرة وفيه خمسة مطالب: المطلب الأول: في حكم إحرام الحائض بالحج أو العمرة . المطلب الثاني: في حكم الطواف حال الحيض. المطلب الثالث: في انتظار الرفقة لطهر الحائض. المطلب الرابع: في حكم السعي حال الحيض. المطلب الخامس: في طواف الوداع على الحائض. ... المطلب الأول في حكم إحرام الحائض بالحج أو العمرة أجمع أهل العلم على جواز ومشروعية الإحرام من الحائض (١) , ويستحب لها إذا أرادت الإحرام أن تغتسل، كما تغتسل غير الحائض، بل هو في حق الحائض آكد لورود الخبر فيها. ومنه ما يلي: ١ - حديث جابر قال: ... حتى أتينا ذا الحليفة، فولدت أسماء بنت عميس محمد بن أبي بكر، فأرسلت إلى رسول الله ﷺ : كيف

стр. 101

أصنع؟ قال: «اغتسلي، واستثفري (١) بثوب، وأحرمي» (٢)، والحائض في حكم النفساء، بل الحيض نوع منه (٣). ٢ - حديث ابن عباس عن النبي ﷺ قال: «النفساء والحائض، إذا أتيا على الوقت، يغتسلان، ويحرمان، ويقضيان المناسك كلها غير الطواف بالبيت» (٤). ٣ - وأمر النبي ﷺ عائشة أن تغتسل لإهلال الحج وهي حائض (٥). ٤ - ولأنه غسل يراد به النسك، فاستوى فيه الحائض والطاهر (٦) ولكن قال أهل العلم: إن الحائض إذا رجت الطهر قبل الخروج من الميقات، استحب لها تأخير الاغتسال حتى تظهر ليكون أكمل لها (٧).

стр. 102

المطلب الثاني في حكم الطواف حال الحيض وفيه مسألتان: المسألة الأولى: في الطواف حال الاختيار . وفيها فرعان: الفرع الأول: في حُكم طوافها في تلك الحال. الفرع الثاني: ما تفعل من أحرمت متمتعة إذا جاءها الحيض قبل تمكُّنها من طواف العمرة، مع خشيتها فوات الحج. الفرع الأول: في الطواف حال الاختيار (١): وفيه جانبان: الجانب الأول: في حُكمه من حيث الحلِّ والحرمة. الجانب الثاني: في حُكمه من حيث الصحة. الجانب الأول: حُكم طوافها من حيث الحلِّ والحرمة: اتفق أهل العلم على حُرمة طواف الحائض في هذه الحالة (٢). قال ابن تيمية: .. وأمَّا الذي لا أعلم فيه نزاعًا أنه ليس لها أن تطوف مع الحيض، إذا كانت قادرة على الطواف مع الطهر، فما أعلم منازعًا أنَّ ذلك يحرم عليها، وتأثم به (٣).

стр. 103

الجانب الثاني: في حكم طوافها من حيث الصحة: أما من حيث صحة الطواف فإنَّ أهل العلم قد اختلفوا في حكم طوافها على قولين: القول الأول: أنه لا يصح: ذهب إليه المالكية (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة في المذهب (٣) والظاهرية (٤)، وهو قول أكثر أهل العلم (٥). الأدلَّة: ١ - حديث عائشة أن النبي ﷺ : «أول شيء بدأ به حين قدم مكة أن توضأ ثم طاف» (٦). ٢ - وحديث جابر ﵁ أنَّ النبي ﷺ قال: «لتأخذوا عني مناسككم» (٧). قالوا: ففي الحديث دليلان: أحدهما: أنَّ طوافه ﷺ بيان للطواف الْمُجمَل في القرآن (٨). الثاني: قوله: «لتأخذوا عني مناسككم» يقتضي وجوب كلِّ ما فعله إلا ما قام دليلٌ على عدم وجوبه (٩).

стр. 104

ونُوقش: بأنَّ وضوءه فعل، والفعل المجرَّد لا يدلُّ على الوجوب، بل يدلُّ على أنه الأفضل، فمثله مثل الرمل، والاضطباع وتقبيل الحجر (١). ٢ - ما روي عن قوله ﷺ : «الطواف بالبيت صلاة، إلاَّ أنَّ الله أباح فيه الكلام» (٢). ونوقش من وجهين: الوجه الأول: أنه موقوف على ابن عباس، ولا يصحُّ رفعه إلى النبي ﷺ (٣). الوجه الثاني: أنه منتقض، لأننا إذا أخذنا بلفظه فإنه على القواعد الأصولية يقتضي أنَّ جميع أحكام الصلاة تثبت للطواف إلاَّ الكلام. لأنَّ من القواعد الأصولية أنّ الاستثناء معيار العموم، وإذا نظرنا إلى الطواف وجدناه يخالف الصلاة في غالب الأحكام غير الكلام، فهو يجوز فيه الأكل والشرب والضحك، ولا يجب فيه تكبير ولا تسليم ولا

стр. 105

قراءة، وكلامه ﷺ يكون محكم لا يمكن أن يُنتقض مما يدلُّ على ضعف الحديث وعدم صدوره عن النبي ﷺ (١). ٣ - قوله تعالى: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [البقرة: ١٢٥]. ووجه الدلالة من وجهتَين: الأولى: أنه إذا وجب تطهير مكان الطواف، فتطهير بدن الطائف من باب أولى (٢). ونُوقش: بأنه لا يلزم من وجوب تطهير مكان الطائف من النجاسة وجوب تطهُّر الطائف من الحدث، ويدلُّ له أنكم لا تشترطون الطهارة للاعتكاف مع لزومها على كلامهم إذ لا فرق (٣). الجهة الثانية من الاستدلال بالآية: أنه لما كان الراكع والساجد لا بدَّ لهما من الطهارة فكذلك الطائف (٤). ونوقش: بأنَّ إلحاق الطائف بالراكع الساجد ليس بأولى من إلحاقه بالعاكف، بل إلحاقه بالعاكف أشبه؛ لأنَّ المسجد شرط في الاعتكاف وليس شرطًا في الصلاة (٥). ٤ - أنها عبادة متعلِّقة بالمسجد، فكان من شرطها الطهارة كالصلاة (٦). ونوقش: بأنَّ القياس فاسد، فإنه يقال: لا نُسلِّم أنَّ العلَّة في الأصل كونها متعلِّقة بالبيت، ولم يذكروا دليلاً على ذلك.

стр. 106

والقياس الصحيح ما بيَّن فيه أنَّ المشترك بين الأصل والفرع هو علَّة الحكم أو دليل العلَّة. وأيضًا فالطهارة إنما وجبت لكونها صلاة، سواء تعلَّقت بالبيت أو لم تتعلَّق يدلُّ عليه أنهم لَمَّا كانوا يُصلُّون إلى الصخرة كانت الطهارة شرطًا فيها، ولم تكن متعلِّقة بالبيت، وكذلك أيضًا إذا صلَّى إلى غير القبلة، كما يُصلِّي المتطوِّع في السفر، وكصلاة الخوف راكبًا، فإنَّ الطهارة شرط، وليست مُتعلِّقة بالبيت. وأيضًا فالنظر إلى البيت عبادة مُتعلِّقة بالبيت، ولا يُشترط له الطهارة ولا غيرها (١). ٥ - أنَّ الطائف لا بدَّ أن يُصلِّي الركعتين بعد الطواف، والصلاة لا تكون إلاَّ بطهارة (٢). ونوقش: بأنَّ وجوب ركعتي الطواف فيه نزاع، وإذا قُدِّر وجوبهما لم تجب فيهما الموالاة، وليس اتصالهما بالطواف بأعظم من اتصال الصلاة بالخطبة يوم الجمعة، ومعلومٌ أنه لو خطب محدثًا ثم توضَّأ وصلَّى الجمعة جاز، فلأن يجوز أن يطوف مُحدِثًا ثم يتوضَّأ ويصلِّي الركعتين بطريق الأَولَى، وهذا كثيرٌ ما يُبتَلَي به الإنسان إذا نَسِيَ الطهارة في الخطبة فإنه يجوز أن يتطهَّر ويصلِّي (٣). ٦ - ولقوله ﷺ لعائشة: «افعلي ما يفعل الحاج غير ألاَّ تطوفي بالبيت حتى تطهري» (٤). فهذا نفيٌ صريحٌ جليٌّ في عدم صحته من الحائض؛ إذ النهي يقتضي الفساد.

стр. 107

القول الثاني: أنه يصحُّ مع الإثم: ذهب إليه الحنفية (١)، وأحمد في رواية عنه (٢)، اختارها ابن تيمية (٣). الاستدلال: احتجَّ الحنفية بما يلي: ١ - قوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩]. ووجه الدلالة: أنَّ المأمور بالنص هو الطواف، وهو اسم للدوران حول البيت، وذلك يُحقَّق من المحدث والطاهر، فاشتراط الطهارة فيه يكون زيادة على النص، ومثل هذه الزيادة لا تثبت بخبر الواحد، ولا بالقياس، لأنَّ الركنية لا تثبت إلاَّ بالنص (٤).

стр. 108

ونوقش من وجهين: الوجه الأول: أنَّ الآية عامة، فتخصَّص بما ذكرنا، والتخصيص ليس بنسخ. الوجه الثاني: أنَّ الطواف بغير طهارة مكروه عند أبي حنيفة، ولا يجوز حمل الآية على طواف مكروه؛ لأنَّ الله لا يأمر بالمكروه (١). ٢ - وبما رُوِيَ عن عطاء قال: حاضت امرأة وهي تطوف مع عائشة فأتمَّت بها عائشة سُنة طوافها (٢). ٣ - ولأنَّ الطواف رُكن من أركان الحج فلم تُشترط له الطهارة كسائر الأركان (٣). ونوقش: بأنَّ الطهارة ليست واجبة في غير الطواف من أركان الحج، فلم تكن شرطًا بخلاف الطواف، فإنهم سلَّموا وجوبها فيه (٤). واحتجَّ الحنابلة: بأنَّ الطواف عبادة لا يُشترط فيها الاستقبال، فلم يُشترط فيها الطهارة كالسَّعي (٥). ويمكن أن يناقش: بأنَّ الاستقبال ليس هو سبب الطهارة في الصلاة، بدليل اشتراطها حين كانت الصلاة إلى الصخرة، وكذا بالنسبة للمربوط أو الخائف، أو في النافلة على الراحلة في السفر.

стр. 109

ثم إنَّ الطهارة ليست واجبة في غير الطواف من الأركان، فلم تكن شرطًا بخلاف الطواف، فإنهم كالحنفية قد سلَّموا وجوبها فيه. الترجيح: ولعلَّ الراجح هو القول الأول لقوَّة ما بُنِيَ عليه من استدلال، ومن أهمِّه ما ثبت من نهيه لعائشة عن الطواف حتى تطهر. الفرع الثاني: ما تفعل المتمتعة إذا حاضت قبل طواف العمرة وخشيت فوات الحج: إذا حاضت المتمتعة قبل أن تطوف للعمرة، وخشيت فوات الحجِّ فماذا تفعل؟ اختلف أهل العلم في ذلك على قولين: القول الأول: أنها ترفض العمرة وتهل بالحج: ذهب إليه الحنفية (١). الأدلَّة: ١ - حديث عروة عن عائشة أنها قالت: «أهللتُ بعمرة فقدمتُ مكة وأنا حائض ولم أطفْ بالبيت، ولا بين الصفا والمروة، فشكوتُ ذلك إلى رسول الله ﷺ فقال: «انقضي رأسك، وامتشطي وأهلِّي بالحج، ودعي العمرة» .. قالت: ففعلتُ، فلمَّا قضينا الحج أرسلني رسول الله ﷺ مع عبد الرحمن بن أبي بكر إلى التنعيم فاعتمرت معه، فقال: «هذه عُمرة مكان عُمرتك» (٢).

стр. 110

قالوا: فهذا يدلُّ على أنها رفضت عمرتها وأحرمت بالحج، وذلك من وجوه: الوجه الأول: قوله: «دَعِي عمرتك» وهذا يدلُّ على رفض العمرة. الوجه الثاني: قوله: «وامتشطي» والامتشاط غير جائز للمحرم (١). ونوقش الاستدلال من أوجه: الوجه الأول: أنَّ قوله: «انقضي رأسك وامتشطي ودعي العمرة» انفرد به عروة، وخالف به سائر من روى عن عائشة حين حاضت، وقد روى ذلك طاوس والقاسم والأسود وعمرة عن عائشة، ولم يذكر أحد منهم هذه اللفظة (٢)، وحديث جابر وطاوس مخالفان لهذه الزيادة (٣). وقد روى حمَّاد بن زياد، عن هشام بن عروة عن أبيه، عن عائشة حديث حيضها فقال فيه: ... فحدثني غير واحد أنَّ رسول الله ﷺ قال لها: «دعي العمرة، وانقضي رأسك، وامتشطي» وذكر تمام الحديث. وهذا يدلُّ على أنَّ عُروة لم يسمع هذه الزيادة من عائشة (٤). وهو مع ما ذكر من مخالفته بقية الرواة، يدلُّ على الوهم، مع مخالفتها الكتاب والأصول؛ إذ ليس لنا موضع آخر يجوز رفض العمرة مع إمكان إتمامها (٥). الوجه الثاني: أنَّ معنى «دعي العمرة» أي: دعي أفعال العمرة، فإنها تدخل في أفعال الحج، أو أنَّ المعنى «دعيها بحالها، لا تخرجي منها»، وليس المراد تركها، ويدلُّ عليه وجهان:
следующие страницы →