← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 14528

الأسهم - حكمها وآثارها

صالح السلطان

Полный текст (131 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

الأسهم - حكمهَا وآثارها إعداد أ. د. صَالح بن مُحَمَّد بن سُلَيْمَان السُّلْطَان كُلية الشَّرِيعَة - جَامِعَة القصيم

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ المقدمة جاء الإسلام تامًّا ومتكاملًا، بشرائعه وقيمه وأصوله، قائمًا برعاية أفراده، وصيانة حقوقهم، وبيانها جلية واضحة، ودعاهم إلى السعي في الأرض: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ [الملك: ١٥]، وأمرهم بالعمل والأكل من الطيبات: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ [المؤمنون: ٥١]، وحذَّرهم من الحرام: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٧٨]. واستثمار المال وتنميته في طرقه المشروعة هو نوع من العمل المأمور به: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ﴾ [القصص: ٧٧]. وإذا كان الإسلام أمر بالاستثمار، فإنه حدده بالحلال، وجعله أصلًا له: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥]، وترك للعباد تعيين طرق هذا الاستثمار بناء على هذا الأصل، وجريا على قواعده؛ فتنوعت طرق العباد في استثمارهم في كل زمان ومكان، وَجَدَّ لهم في هذا الزمان من المعاملات ما لم يكن معروفًا فيما مضى (١). وكان من هذه المعاملات: الأسهم؛ استثمارًا في ريعها، ومضاربة على فروق الأسعار فيها؛ بل صارت هذه المعاملة أشهر هذه

стр. 3

المعاملات، ودخل فيها الكثير، وشغلت بالهم، واستغرقت أموالهم، وصارت حديث مجالسهم، ومحل حواراتهم. ولما كان لها هذه الأهمية، وكانت تستغرق هذا الجزء الكبير من الاستثمار في السوق المالية، وكثر الحديث حولها، وتعددت الآراء في حكمها، واختلفت اختلافا متباينا، وكنت أرى أن تلك القواعد التي استدل بها المجيزون لها وجاهتها من حيث الجملة قبل إمعان النظر والتدقيق فيها ـ بدأت في مراجعة هذه المسألة ـ بل النازلة ـ ومراجعة ما كتب فيها، تحليلًا أو تحريمًا (١)، فبدأت الكتابة فيها مستمدًّا العون والتوفيق من الله؛ مشاركةً في إثراء هذا الموضوع، وتحديدًا لمسائله، وتحليلًا وتقويمًا لأدلته، وبيانًا لما يرد عليها؛ متحريًا في ذلك موافقة الأصول، ومحقِّقًا في تحرير المقاصد وكيفية مراعاتها، مستفيدًا وموثقًا مما كتبه العلماء المتقدمون والمعاصرون. وقد قسَّمْتُ هذا البحث إلى تمهيد ومباحث: التمهيد: في التعريف بالأسهم وأنواعها. وفيه مسائل: المسألة الأولى: في تعريف الأسهم والمقصود بها. المسألة الثانية: في خصائص الأسهم. المسألة الثالثة: في قيمة الأسهم وأقسامها. المسألة الرابعة: في أنواع الأسهم. المسألة الخامسة: في محل العقد في بيع الأسهم. المسألة السادسة: بيع الأسهم قبل تداولها. المبحث الأول: حكم المساهمة في هذه الشركات؛ وفيه مسائل: المسألة الأولى: في حكم هذه المساهمة. المسألة الثانية: في فروع متعلقة بحكم هذه المسألة.

стр. 4

المسألة الثالثة: إذا دخل في شركة ثم تبين له وجود استثمار محرم. المبحث الثاني: المعقود عليه في المضاربة على الأسهم. المبحث الثالث: تصرفات المضاربين في سوق الأسهم وحكمها. المبحث الرابع: حقيقة المضاربة في سوق الأسهم. المبحث الخامس: في آثار المضاربة على الأسهم. الخاتمة. الفهارس. * * * * *

стр. 5

التمهيد وفيه ست مسائل: المسألة الأولى: تعريف الأسهم المسألة الثانية: خصائص الأسهم المسألة الثالثة: قيمة السهم المسألة الرابعة: أنواع الأسهم المسألة الخامسة: محل العقد في بيع الأسهم المسألة السادسة: بيع الأسهم قبل تداولها

стр. 6

تمهيد المسألة الأولى: تعريف الأسهم في اللغة: جمع سهم، وهو: النصيب المحكم، والسهم: الخط، والجمع سهمان وسهمة، والسهم في الأصل واحد السهام التي يضرب بها في الميسر، وهي القداح .... ثم كثر حتى سمي كلُّ نصيب سهمًا. وفي الاصطلاح عُرِّفَ بتعريفات عدة، منها: ١ - السهم هو: النصيب الذي يشترك به المساهم في الشركة .... ويتمثل في صَكٍّ يعطى للمساهم، يكون وسيلة في إثبات حقوقه في الشركة (١). ٢ - وعُرِّفَ بأنه: الجزء الذي ينقسم على قيمة مجموع رأس مال الشركة المثبت في صَكٍّ له قيمة اسمية، وتُمَثِّلُ الأسهمُ في مجموعها رأسَ مال الشركة، وتكون متساوية القيمة (٢).

стр. 7

المسألة الثانية: خصائص الأسهم تَتَّصِفُ الأسهم بالخصائص الآتية: ١ - التساوي في القيمة الاسمية التي تصدر بها الأسهم؛ فلا يجوز نظامًا أن يكون لبعض الأسهم قيمة أعلى من قيمة البعض الآخر. والتساوي في القيمة يترتب عليه التساوي في الحقوق والالتزامات؛ سواء من حيث توزيع أرباح الشركة، أو موجوداتها بعد تصفيتها، أو في التصويت، أو في تَحَمُّلِ الديون والالتزامات المترتِّبة على الشركة، والشريك يسأل عن ديون الشركة بمقدار أسهمه التي يملكها فقط (١). ٢ - أنها غيرُ قابلة للتجزئة؛ بمعنى أنه لا يصح أن يملك جزءًا من سهم، ويجوز أن يشترك أكثر من واحد في ملكية سهم؛ لكن يُمَثِّلُهم تجاه الشركة شخص واحد، وكذلك الحال لو مات المالك للأسهم؛ فيتعيَّن على الورثة اختيار من يمثِّلُهم في الجمعية العمومية، وفي كل ما يتعلق بحقوق هذا السهم. ٣ - أنها قابلة للتداول بالطرق التجارية بيعًا وشراءً ورهنًا وغيرها؛ بمعنى أنه يمكن انتقالها إلى شخص آخر بعيدًا عن سلطة الشركة، وسواء كان السهم صادرًا لحامله من غير اسم، أو كان السهم إذنيًّا - أي يصدر لإذن أو أمر المساهم - فيتم تداولُه بطريق التظهير (٢).

стр. 8

المسألة الثالثة: قيمة السهم السهم له أكثر من قيمة؛ فقيمة السهم تطلب باعتبارات متعددة؛ فله قيمة اسمية، وقيمة إصدار، وقيمة دفترية، وقيمة حقيقية، وقيمة سوقية، وبيانها على النحو التالي: ١ - القيمة الاسمية: هي القيمة التي تمت الموافقة عليها من الجهة المختصَّة، ويتم بها طرح السهم للمكتتبين، وتكون مدوَّنةً على الصَّكِّ (السهم)، ويحسب على أساسها مجموع رأس مال الشركة؛ فهي قيمة ثابتة، ويتساوى فيها جميع المساهمين، ولا يجوز إصدار الأسهم بأقل من قيمتها الاسمية. ٢ - القيمة الدفترية: وهي قيمة السهم طبقا لدفاتر الشركة المحاسبية، وهذه القيمة تحسب بقسمة حقوق المساهمين على عدد الأسهم المصدرة، وتتكون من: حقوق المساهمين من رأس المال المدفوع، والاحتياطات، والأرباح المجمعة. ٣ - القيمة الحقيقية: هي النصيب الذي يستحقه السهم في جميع موجودات الشركة وأرباحها بعد حسم ديونها؛ فإذا ربحت الشركة وصار لها أموال احتياطية وأصول، فإن القيمة الحقيقية للسهم ترتفع وتصبح أعلى من القيمة الاسمية، ولو خسرت لحدث العكس. ٤ - قيمة الإصدار: هي القيمة التي تصدر بها الأسهم، وعادة يصدر السهم بقيمته الاسمية، ولا يجوز إصدار السهم بأقل من قيمته الاسمية طبقًا لنظام الشركات بالمملكة العربية السعودية، وإن جاز إصداره بأكثر من قيمته

стр. 9

الاسمية، وفي هذه الحالة يطلق على فرق القيمة علاوة إصدار، وبالتالي فإن قيمة الإصدار تساوي القيمة الاسمية للسهم زائدًا علاوة الإصدار (١). ٥ - القيمة السوقية: هي قيمة السهم في سوق الأسهم، وهذه القيمة متغيرة ـ وقد تتغير في ثوان أو دقائق ـ بحسب قوة العرض والطلب وأحوال السوق وسمعة الشركة، ومدى قوة مركزها المالي وسلامته. وتظهر هذه القيمة في شاشات الأسهم التي تديرها إدارة سوق المال (٢). المسألة الرابعة: أنواع الأسهم تتنوع الأسهم إلى أنواع عدة باعتبارات مختلفة: أولا: من حيث الشكل الذي تظهر به تنقسم إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: السهم الاسمي، وهو السهم الذي كتب باسم صاحبه، كما هو مُدَوَّن في سجلات الشركة، ونقل ملكيته يكون بطريق القيد في سجل المساهمين في الشركة.

стр. 10

القسم الثاني: السهم لحامله، ويكون مِلْكًا لحامله، ولا يكتب عليه اسم صاحبه، وملكيته تكون بحيازته. القسم الثالث: السهم الإذني أو للأمر، وهو ما يسبق اسم صاحبه بعبارة: لإذن أو لأمر، ونقل ملكيته تكون بتظهيره؛ وذلك بكتابة اسم المالك الجديد، وتوقيع المالك السابق، دون الحاجة إلى الرجوع إلى سجلات الشركة. ثانيا: من حيث الحقوق التي تعطيها لصاحبها تنقسم إلى قسمين: القسم الأول: أسهم عادية، وهي التي تعطى عادة لغالب المساهمين، وتخولهم حقوقا متساوية، ويوزع على أصحابها الأرباح التي تبقى بعد أرباح الأسهم الممتازة. القسم الثاني: أسهم ممتازة، وهي الأسهم التي تختص ببعض المزايا التي لا تتمتع بها الأسهم العادية؛ كالأولوية في توزيع الأرباح بنسبة معينة كـ ٥ % من قيمته، وحق استعادة قيمة السهم بكاملها عند التصفية، وما يبقى فللأسهم العادية بالتساوي، وأحيانًا بزيادة الأصوات، أو الأولوية في الاكتتاب عند تقرير زيادة رأس المال (١).

стр. 11

ثالثا: من حيث إرجاعها إلى أصحابها وعدم إرجاعها تنقسم إلى قسمين: القسم الأول: أسهم رأس مال؛ وهي: الأسهم التي تستهلك قيمتها؛ بمعنى: أنها لا تعود إليه إلا عند فسخ الشركة أو انقضائها وتصفيتها لأي سبب من الأسباب. القسم الثاني: أسهم تمتع؛ وهو: الصَّكُّ الذي يتسلمه المساهم بعد أن يستهلك قيمة سهمه (١). ويتأخر حق صاحبه في الربح وعند التصفية عن أصحاب الأسهم غير المستهلكة حسب نظام الشركة (٢). والمراد باستهلاك السهم هو: رد قيمته الاسمية إلى المساهم قبل انقضاء الشركة، وقد يكون الرد له دفعة واحدة، وقد يكون تدريجيا (٣).

стр. 12

حصص التأسيس: هي: "نصيب مقدر في أرباح الشركة؛ فمثلًا تمنحه الشركة بموجب نظامها لبعض الأشخاص أو الهيئات مقابل ما يقدمونه من براءة اختراع أو التزام حصل عليه شخص اعتباري عام" (١). وهذه الحصص تعطى أيضًا للمؤسسين للشركة؛ مكافأة لهم على جهودهم التي بذلوها في تأسيس الشركة. فما حكم هذه الحصص؟ لابد من بيان الآتي: أولا: رأس مال الشركة المساهمة: هو ما جمعته من أموال نقدية وعينية من المساهمين، ولا يتكون إلا من هذين النوعين، وبالنظر إلى

стр. 13

ذلك نجد أن حصص التأسيس لا دخل لها أصلا في تكوين رأس مال الشركة. ثانيا: أن نظام الشركات نص على جواز دفع جزء مقدر من الأرباح كنصيب ثابت لهؤلاء مقابل تأسيس الشركة. الأصل أن الربح في هذه الشركات يستحق بمال يقدمه الشريك أو عمل يقدمه المضارب ـ المدير ـ خلال فترة المضاربة، هذا هو الأصل، وأصحاب حصص التأسيس لم يقدموا شيئًا من ذلك؛ فلم يقدموا مالا ولا عملا مستمرا مع أن العمل لا يجوز الاشتراك به في شركات المساهمة؛ حتى عند القانونيين (١)؛ فكيف يستحقون نصيبًا مستمرًّا من الربح مقابل ما قدَّموه، وكأن ما قدمه أصحاب هذه بيع لها على الشركة، والأصل في الثمن أن يكون معلومًا؛ لأن الجهالة غرر، وقد نهى النبي ﷺ عن بيع الغرر (٢)، ووجه كونه مجهولا ظاهرٌ؛ لأنه لا يدري هل يحصل ربح أو لا، وإذا حصل فما مقداره .... ؟! والحكم الصحيح فيها: أنه يستحق مبلغا مقطوعا متفقا عليه مقابل

стр. 14

ما قدمه، وإن لم يتفق على مبلغ مقطوع فإن أصحاب الخبرة يقيِّمون هذا الجهد أو العمل، وما يُقيَّم به يكون هو النصيب المستحق، كما يُقيَّم ثمن المثل ومهر المثل وأجرة المثل، وهذا أصل شرعي. وبعد تقييمه يكون هو بالخيار بين أخذ هذا المبلغ المقطوع، أو أخذ ما يعادلها من أسهم، ويكون كسائر الشركاء في استحقاق الأرباح وتحمل الخسائر، وجواز التداول وغير ذلك من خصائص الأسهم. وبهذا يتحقق العدل، ويرتفع الغرر، ويندرج تحت أصول المعاملة في الشركات. المسألة الخامسة: محل العقد في بيع الأسهم إن المحل المتعاقد عليه في بيع السهم: هو الحصة الشائعة من أصول الشركة، وشهادة السهم عبارة عن وثيقة للحق من تلك الحصة (١). المسألة السادسة: حكم بيع الأسهم قبل تداولها الأسهم إما أن تكون أموالا نقدية، أو ديونا، أو أعيانا، أو مختلطة منها: ١ - فإن كانت لا تزال نقودا، فإنه يعتبر بيعها مبادلة نقد بنقد، وتجري عليها أحكام الصرف إذا بيت بجنسها أو بغير جنسها (٢). ٢ - وإذا كانت الأموال ديونًا في الذمم، فإنه يطبق عليها أحكام التعامل بالديون؛ فلا يجوز بيع الدَّيْن المؤجَّل من غير المدين بنقد معجل من جنسه أو من غير جنسه؛ لإفضائه إلى الربا، كما لا يجوز بيعه بنقد

стр. 15

مؤجل من جنسه أو من غير جنسه على المدين وغير المدين؛ لأنه من باب بيع الكالئ بالكالئ المتفق على تحريمه؛ حيث يؤول إلى الربا، ولا فرق في ذلك بين كون الدين ناشئا عن قرض أو بيع آجل (١). ويجوز بيعها بأموال أو عروض لا تتحد معها في علة الربا. ٣ - إذا أصبح المال موجودات مختلطة من النقود والديون والأعيان والمنافع، فإنه يجوز تداولها بالسعر المتفق عليه؛ على أن يكون الغالب في هذه الحالة أعيانا ومنافع. هذا الأصل في حكم بيع الأسهم قبل تداولها؛ لكن هناك أمر ينبغي مراعاته وعدم إغفاله عند بيان الحكم في هذه المسألة؛ وهو الاسم التجاري للشركة المساهمة؛ فإن له قيمة مالية كبيرة؛ حيث يستغرق تسجيل الاسم وقتا وجهدا كبيرا ومالا. حيث يمكن بيع هذا الاسم بمال ربما يساوي الأموال المطروحة للاكتتاب أو يزيد أو ينقص؛ فلابد من مراعاة هذه الحقوق، ولابد من تقييمها من أصحاب الشأن؛ حتى يتسنَّى الحكم في جواز البيع قبل التداول؛ أما إطلاق القول بعدم الجواز إذا كانت الأموال نقودا أو ديونا أو منهما - فغير سائغ شرعا مع مالية الاسم التجاري في عرف السوق، وقد يكون لها موجودات ولديها موظفون عاملون يتقاضون رواتب، ولا شك أنهم داخلون في حساب مالية الشركة.

стр. 16

المبحث الأول حكم المساهمة في هذه الشركات وفيه مسائل: المسألة الأولى: في حكم هذه المساهمة المسألة الثانية: في فروع متعلقة بحكم هذه المسائل المسألة الثالثة: إذا دخل في شركة ثم تبين له وجود استثمار محرم

стр. 17

المبحث الأول حكم المساهمة في هذه الشركات المسألة الأولى: في حكم هذه المساهمة الحديث هنا في بيان حكم الأسهم استثمارا ومضاربة ليس في الشركات التي تستثمر في أمور محرمة كشركات صناعة الخمور، أو المصارف الربوية؛ وإنما هو في حكم الشركات التي أصل نشاطها مباح، لكنها تمارس أعمالا محرمة كالاقتراض بفوائد من أجل زيادة نشاط الشركة الاستثماري، أو تقوم بإيداع بعض أموالها في المصارف الربوية وتأخذ على هذه الأموال فوائد ربوية، كما هو حال كثير من الشركات الصناعية والخدماتية وغيرها. فهل يجوز الاتجار في أسهمها استثمارا ومضاربة أم لا؟ على قولين: القول الأول: تحريم الاتِّجار فيها مطلقا: وهو قول جماهير أهل العلم، والقول الذي صدرت به قرارات المجامع الفقهية (١)، واللجنة العلمية الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء (٢)، والهيئة الشرعية لبيت التمويل الكويتي (٣)، والهيئة الشرعية لبنك دبي

стр. 18

الإسلامي (١)، وهيئة الرقابة الشرعية للبنك الإسلامي السوداني (٢)، وبه قال عدد من الفقهاء المعاصرين (٣)، وقول أئمة السلف على التحريم، أو دال عليه. قال في الجامع الصغير (٤): (وكذلك مفاوضة الحر والمكاتب، وكذلك مفاوضة العبدين والمكاتبين، وكذلك مفاوضة الصبي التاجر والبالغ، ومفاوضة الحرين الكبيرين المسلمين أو الذميين صحيح؛ لوجود شرائط المفاوضة، وأما بين المسلم والذمي لا يصح عند أبي حنيفة ومحمد خلافا لأبي يوسف). (واشترط أن يتساويا في الدين؛ لأن الاختلاف فيه يؤدي إلى الاختلاف في التصرف؛ فإن الكافر إذا اشترى خمرا أو خنزيرا لا يقدر المسلم أن يبيعه، ومن شرطها أن يقدر على بيع جميع ما اشتراه شريكه؛ لكونه وكيلا له في البيع والشراء، وكذا المسلم لا يقدر على شرائهما، كما يقدر الكافر عليه؛ ففات الشرط، وهذا عندهما. وقال أبو يوسف: تجوز). وجاء في المدونة (٥): (في شركة المسلم النصراني والرجل المرأة قلت: أتصلح شركة النصراني المسلم، واليهودي المسلم في قول مالك؟ قال: قال: لا، إلا أن يكون لا يغيب النصراني واليهودي على شيء، في شراء ولا بيع ولا

стр. 19

قبض ولا صرف ولا تقاضي دين إلا بحضرة المسلم معه؛ فإن كان يفعل هذا الذي وصفت لك وإلا فلا). قال في المهذب (١): (ويكره أن يشارك المسلم الكافر؛ لما روى أبو جمرة عن ابن عباس ﵁ أنه قال: لا تشاركن يهوديا ولا نصرانيا ولا مجوسيا! قلت: لم؟ قال: لأنهم يربون، والربا لا يحل) (٢). قال في المغني (٣): (قال أحمد: يشارك اليهودي والنصراني، ولكن لا يخلو اليهودي والنصراني بالمال دونه، ويكون هو الذي يليه؛ لأنه يعمل بالربا. وبهذا قال الحسن والثوري). وما باعوه من الخمر والخنزير قبل مشاركة المسلم فثمنه حلال؛ لاعتقادهم حله، ولهذا قال عمر بن الخطاب ﵁: وَلُّوهم بيعها وخذوا أثمانها. فأما ما يشتريه أو يبيعه من الخمر بمال الشركة أو المضاربة، فإنه

стр. 20

يقع فاسدا، وعليه الضمان؛ لأن عقد الوكيل يقع للموكِّل، والمسلم لا يثبت ملكه على الخمر والخنزير، فأشبه ما لو اشترى به ميتة، أو عامل بالربا ... وقال إبراهيم بن هانئ: سمعت أبا عبد الله قال في شركة اليهودي والنصراني: أكرهه، لا يعجبني؛ إلا أن يكون المسلم الذي يلي البيع والشراء. وقال الأثرم: سألت أبا عبد الله عن مشاركة اليهودي والنصراني، قال: شاركهم، ولكن لا يخلو اليهودي والنصراني بالمال دونه يكون هو يليه؛ لأنه يعمل الربا) (١). قال ابن القيم: (قلت: الذين كرهوا مشاركتهم لهم مأخذان: أحدهما: استحلالهم ما لا يستحله المسلم من الربا والعقود الفاسدة). قال في المحلى (٢): (مسألة: ومشاركة المسلم للذِّمِّيِّ جائزة، ولا يَحِلُّ للذِّمِّيِّ من البيع والتصرف إلا ما يحل للمسلم؛ لأنه لم يأت قرآن ولا سنة بالمنع من ذلك). ويلاحظ أنه قيّد الجواز بالمعاملات الجائزة عند المسلمين، وإلا فلا تحل. فهذه نصوص أئمة وفقهاء المذاهب في منعهم وكراهتهم لمشاركة أهل الذمة لأنهم يربون؛ أي: لاحتمال إجرائهم عقودا ربوية في غيبة شريكهم المسلم؛ فكيف الحال بمن يدخل في شركة يعلم علم اليقين أنها تجري عقودا ربوية قرضا وإقراضا، ويقدم ماله لها على سبيل المشاركة والتوكيل طواعية واختيارا؟!

стр. 21

فهذا الذي لا يُشَكُّ في تحريمه عندهم، والمنع منه، ووقوعه فاسدًا، كما صرح بذلك ابن قدامة وغيره. القول الثاني: التفريق بين ما كانت نسبة الاستثمار المحرم فيه كثيرة فيحرم ، وبين ما كانت فيه قليلة، فيجوز: مع أن الورع تركها، مع اختلاف أصحاب هذا القول في تحديد هذه النسب، وكذلك اختلافهم في تطبيق هذه النسب على الاستثمار في عائد المساهمة وعلى المضاربة، أو في قصره على الاستثمار في العائد فقط دون المضاربة. وهو قول طائفة من المعاصرين؛ منهم: الشيخ عبد الله بن منيع، والدكتور علي القره داغي، والشيخ مصطفى الزرقا (١)، والدكتور تقي الدين العثماني، والدكتور نزيه حماد (٢)، وعدد من الهيئات الشرعية، منها: الهيئة الشرعية لشركة الراجحي (٣)، والهيئة الشرعية للبنك الإسلامي الأردني (٤) والمستشار الشرعي لدلة البركة (٥). أدلة القول الثاني: استدل أصحاب هذا القول بالأدلة الآتية: ١ - حديث ابن عمر: «أن رسول الله ﷺ عامل أهل خيبر بشطر ما

стр. 22

يخرج منها من ثمر أو زرع»، وفي لفظ: «أعطى خيبر اليهود على أن يعملوها ويزرعوها ولهم شطر ما خرج منها» (١). والجواب عنه من وجوه: ١ - أن الحديث لا يدل على كل المدعى به، فلا دلالة فيه على مشاركة من يأخذ الأموال ويودعها في البنوك ونحوها، ويأخذ عليها فوائد ربوية، كما هو الحال في هذه الشركات موضوع البحث. ٢ - أن الحديث ليس فيه أنهم اعتملوها - زرعوها - من مال حرام يعلمه النبي ﷺ ؛ بأن اقترضوا بالربا، وزرعوا به، ودفعوا الفوائد منه، وأقرهم النبي ﷺ (٢). وكون الربا يوجد في معاملاتهم الأخرى لا مدخل له في هذا العقد، وفرق بين معاملة من يرابي وبين مشاركته في تصرفه المحرم. ٣ - أن هذه المزارعة ليست مشاركة من كل وجه؛ بل هي معاملة فيها شبه بالمشاركة في الناتج فقط؛ وأما الأصل فهو للمسلمين، وفيها شبه بالإجازة بجزء من الخارج، ومن ثم فليس فيها شيوع المالين معا واختلاطهما، أو أن النبي ﷺ أعطاهم مالا ليتاجروا به مع أموالهم، كما هو الحال في الشركات المساهمة؛ حيث يشارك في رأس مال الشركة وربحها ويكون ماله شائعًا في الشركة. ٢ - استدلوا ببعض القواعد الفقهية على النحو الآتي: القاعدة الأولى: يجوز تبعًا ما لا يجوز استقلالا (٣): لهذه القاعدة مجموعة تطبيقات منها:

стр. 23

جواز بيع العبد مع ما له من مال؛ فيبيعه سيده ومعه ماله بثمن نقدي، هذا الثمن هو ثمن العبد وماله، فهذا المال للعبد يعتبر تبعا للعبد الذي يجوز بيعه استقلالا، ولا يجوز بيع ماله استقلالا إلا بشروط الصرف، ولتبعيته للعبد جاز بيعه بغضِّ النظر عن توفر شروط الصرف في هذا المال. والأصل في جوازه حديثا ابن عمر في بيع العبد ومعه مال، وبيع الثمر قبل تأبيره. ومنها: جواز بيع الحامل؛ سواء أكانت أمة أو حيوانا، ولا يخفى أنه لا يجوز بيع الحمل في بطن أمه إلا أن يكون تبعا غير مقصود فيجوز ذلك؛ إذ يغتفر في التبعية ما لا يغتفر في الاستقلال (١).

стр. 24

ويمكن اعتبار بيع سهم في شركة تجاوز مجلس إدارتها صلاحيته الشرعية؛ فتأخذ الربا من البنوك الربوية، أو تعطيه حيث يعتبر ذلك يسيرا ومغموسا في حجم الشركة ذات الأغراض المباحة. يمكن اعتبار ذلك من جزئيات هذه القاعدة؛ إذ الغالب على هذه الشركة الاستثمار بطرق مباحة، وما طرأ عليها من تجاوز إداري آثم في الأخذ من البنوك بفائدة أو إعطائها بفائدة يعتبر يسيرا، وهو في حجم السهم المباع تبعا، ويغتفر في التبعية ما لا يغتفر في الاستقلال. يناقش من ثلاثة أوجه: الوجه الأول: إثبات دعوى الحجة، وهي لا تثبت؛ لأمرين: ١ - أن زيادة رأس المال من أجل التوسع في النشاط ليس حاجة تستدعي الولوغ في المحرم المجمع على تحريمه. ٢ - أنه يمكن للشركة زيادة رأس مالها عن طريق تمويل إسلامي، أو عن طريق اكتتاب جديد، وطرق زيادة رأس المال الحلال أكثر من أن تحصى. الوجه الثاني: القول بأنه تبع غير مسلَّم؛ بل هو مقصود لأرباب الشركة وإدارتها

стр. 25

ومستقل بذاته، ولو كان غير مقصود لما استقل بعقد تأخذ الشركة فيه قرضا ربويا أو فائدة ربوية مقابل إيداع الفائض لديها. وشتان ما بين تصرُّف الشركة الربوي، وبين من يشتري عبدا يقصده ويكون له مال، ولذلك لو صرح بقصده المال لما صح العقد بإجماله. الوجه الثالث: أن تجويز هذه الأسهم بناء على اندراجها تحت هذه القاعدة مجرد اجتهاد ظني منازع فيه، وأدلة تحريم الربا - قليله وكثيره - صحيحة صريحة قطعية الدلالة والثبوت، والمساهم مكَّن الشركات من المراباة بأمواله، وأخذ الفوائد الربوية عليها باختيارها، وكذلك خلطها بأموال ربوية تقترضها وتستثمرها؛ ومن ثَمَّ فلا مجال لاجتهاد في مقابل نص؛ إذ الاجتهاد في مقابل النص غير سائغ بالإجماع. القاعدة الثانية (١): الحاجة العامة تنزل منزلة الضرورة الخاصة (٢): هذه القاعدة ذكرها كثير من علماء الفقه والأصول، وذكروا لها جزئيات؛ منها: إباحة العرايا للحاجة العامة؛ بالرغم من أن العرايا بيع مال ربوية بجنسه غير متحقق تماثلهما. وفيما يلي بعض نصوصهم في ذلك: قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "الشريعة جميعها مبنية على أن المفسدة المقتضية للتحريم إذا عارضتها حاجة راجحة أبيح المحرم" (٣).

стр. 26

وقال: "ويجوز للحاجة ما لا يجوز بدونها كما جاز بيع العرايا بالتمر" (١). وقال: "الشارع لا يحرم ما يحتاج الناس إليه من البيع لأجل نوع من الغرر؛ بل يبيح ما يحتاج إليه في ذلك" (٢). وقال الزركشي: "الحاجة العامة تنزل منزلة الضرورة الخاصة في حق آحاد الناس" (٣). ويناقش من سبعة أوجه: ١ - هذه القاعدة أصلا هي محل خلاف، وقد ذكر بعض الشافعية أن أكثر العلماء على خلافها فقال: (الأكثر: أن الحاجة لا تقوم الضرورة) (٤). ٢ - بيان معنى الحاجة والمقصود بها، وهل هو متحقق هنا: قال الشاطبي في بيان معنى الحاجة: (ما يفتقر إليها من حيث التوسعة، ورفع الضيق المؤدي في الغالب إلى الحرج والمشقة اللاحقة بفوت المطلوب، فإذا لم تراع دخل على المكلفين على الجملة الحرج والمشقة). فهل الحاجة بهذا المعنى موجودة؟! وهل أفراد المجتمع يدخل عليهم الحرج والمشقة بترك المساهمة والمضاربة في هذا النوع من الشركات؟! وأين هذا الحرج قبل وجود هذه الشركات قبل وقت قريب جدا؟!

стр. 27

بل إن القاعدة حتى عند القائلين بها ليست على إطلاقها؛ بل هي مقيدة بما لم يرد فيه نص يمنع منه بخصوصه. ففي شرح القواعد الفقهية (١): (... والظاهر أن ما يجوز للحاجة إنما يجوز فيما ورد فيه نص يجوِّزه، أو تعامل، أو لم يرد فيه شيء منهما، ولكن لم يرد فيه نص يمنعه بخصوصه، وكان له نظير في الشرع يمكن إلحاقه به، وجعل ما ورد في نظيره واردا فيه .... وأما ما ورد فيه نص يمنعه بخصوصه فعدم الجواز فيه واضح، ولو ظننت فيه مصلحة؛ لأنها حينئذ وهم ....). والربا وردت فيه نصوص قطعية تمنع فيه بخصوصه قليله وكثيره ... ومن ثم فلا يدخل تحت قاعدة الحاجة حتى عند القائلين بها. ٣ - لو سلم بوجود الحاجة إلى المساهمة في هذه الشركات ـ وهو غير مسلَّم ـ فيجاب عنه من ثلاثة وجوه: أ- أنه لا يتعين ارتفاع حاجته إذا ساهم فيها؛ بل إن احتمال الخسارة فيها وارد، بل قوي جدا، ومن ثم فحاجته لا ترتفع؛ بل قد تزداد. يؤكد ذلك واقع ما يجري في الأسواق من مضاربات مشبوهة وغير نزيهة، والتلاعب بصغار المضاربين والتغرير بهم مما زاد من معاناتهم، ولم يرفع حاجتهم ويحقق مرادهم وطموحهم. ب- أن وجود شركات لا تمارس أعمالا ربوية يمكن الاستثمار فيها، وهذا ينفي وجود الحاجة إلى المشاركة في هذه الشركات المشبوهة. ج- لو سلم بالحاجة إلى المساهمة في هذه الشركات ـ وهو غير مسلم ـ فإن الإقراض بالربا الذي تمارسه هذه الشركات محرم لا

стр. 28

تبيحه حاجة ولا ضرورة، والاقتراض الذي تمارسه هذه الشركات محرم كذلك، ولا يرتفع إثمه عن المقترض إلا إذا دعت الضرورة، ولا ضرورة لهذه الشركات لهذه القروض؛ ومن ثم فالداخل في هذه الشركات داخل في هذا التحريم. هذا ما اتفق عليه علماء مؤتمر البحوث الإسلامية الثاني في مصر في قرار مجمع البحوث الإسلامية (١). ٤ - أن زيادة رأس مال المرء والتوسع فيه ليس حاجة ولا مقصودا للشارع: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]؛ وإنما أباح منها ما لا يشغل عن المقصود الأسمى، فقال تعالى: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ﴾، ثم قال: ﴿وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ [القصص: ٧٧]، وهذا لا يعني عدم أهمية المال في حياة الأمة؛ وإنما يعني وجوب العناية به وتنميته وتقويته؛ حتى تكون الأمة قادرة على الجهاد والبناء والمعرفة والتطور. لكن لا يكون هو الهدف المطلق؛ بحيث تصادَمُ من أجلِه النصوص وتُعَطَّلُ القواعد والأصول. ٥ - أن استثمار المال ليس مقصورا على أسهم خالطها الحرام، وشاع فيها، حتى أصبح لا يمكن تمييزه؛ بل مجالات استثمار المال في وجوه مباحة أرحب وأوسع. ٦ - أن الفرق بين الاستثمار في هذه الشركة وبين العرايا واضح وبَيِّنٌ؛ إذ إن حاجة الناس للرطب في وقته ظاهرة وماسَّة لجميع الناس؛ لأنهم يقتاتونه ويطعمونه؛ بل قد يكون مما به قوامهم، وهو خاص

стр. 29

بالعرايا بالنص، فلا يجوز العدول به إلى غيره، ولذلك قال زيد بن ثابت: إن النبي ﷺ رخَّصَ بعد ذلك في بيع العرية بالرطب أو بالتمر، ولم يرخص في غير ذلك (١). ومع ذلك لم يجوِّز المفاضلة المتيقَّنة؛ بل سَوَّغَ المساواة بالخرص في القليل الذي تدعو إليه الحاجة (٢). بخلاف المساهمة والاستثمار في هذه الشركات؛ فالحاجة فيه إن وجدت فهي يسيرة لا تستدعي هذا القياس؛ وذلك لتعدد مجالات استثمار المال وطرق تنميته. وأما النقل المذكور عن شيخ الإسلام، فهو من أبعد ما يكون عن هذه المسألة، وهو تحميل لقوله بما لا يحتمله، ولا يقوله ﵀؛ فإنَّه بَيِّنٌ أن الحاجة راجحة، وهي غير موجودة هنا، وبَيِّنٌ أن هذا الكلام يكون فيما فيه نوع غرر، لا فيما خالطه الربا المجمع على تحريمه، وشاع فيه؛ بل شدَّد في كل ما فيه ربا تشديدا بَيِّنًا لا يحتمل التأويل، كما شدد فيه القرآن، فقال ﵀: "وأكل المال بالباطل في المعاوضة نوعان ذكرهما الله في كتابه هما: الربا والميْسِر؛ فذكر تحريم الربا الذي هو ضِدُّ الصَّدقة في آخر "سورة البقرة" و "سورة آل عمران" و "الروم" و "المدثر". وذم اليهود عليه في "سورة النساء" وذكر تحريم الميسر في "سورة المائدة". وقال: "وأما الربا: فتحريمه في القرآن أشد، ولهذا قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَاذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾، وذكره النبي ﷺ في الكبائر كما

стр. 30

خرجاه في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁، وذكر الله أنه حرم على الذين هادوا طيبات أحلت لهم بظلمهم وصَدِّهم عن سبيل الله وأخذهم الربا وأكلهم أموال الناس بالباطل، وأخبر سبحانه أنه يمحق الربا كما يربي الصدقات، وكلاهما أمر مجرَّبٌ عند الناس". وقال: ومفسدة الغرر أقل من الربا، فلذلك رخص فيما تدعو إليه الحاجة منه؛ فإن تحريمه أشدُّ ضررًا من ضرر كونه غررًا؛ مثل بيع العقار جملة، وإن لم يعلم دواخل الحيطان والأساس ... فظهر أنه يجوز من الغرر اليسير ضمنا وتبعا ما لا يجوز من غيره. ولما احتاج الناس إلى العرايا أرخص في بيعها بالخرص ولم يجوِّز المفاضلة المتيقنة؛ بل سَوَّغَ المساواة بالخرص في القليل الذي تدعو إليه الحاجة إذا تَبَيَّنَ ذلك؛ فأصول مالك في البيوع أجود من غيره ... والإمام أحمد موافق لمالك في ذلك في الأغلب؛ فإنهما يحرمان الربا ويشددان فيه؛ لما تقدم من شدة تحريمه وعِظَمِ مفسدته، ويمنعان الاحتيال عليه بكل طريق وإن لم تكن حيلة، وإن كان مالك يبالغ في سَدِّ الذرائع ما لا يختلف قول أحمد فيه، أو لا يقوله، لكنه يوافقه بلا خلاف عنه على منع الحيل كلها ... ففي الجملة: أهل المدينة وفقهاء الحديث مانعون من أنواع الربا منعا محكما مراعين لمقصود الشريعة وأصولها. وقولهم في ذلك: "هو الذي يؤثر مثله عن الصحابة، وتدل عليه معاني الكتاب والسنة" (١) اهـ، فهذا كلام الأئمة في منع الحيل عليه فكيف بالدخول الصريح فيه؟! وأين في كلام شيخ الإسلام ما يدل على الربا وجواز الدخول فيه عند الحاجة؟!

стр. 31

بل قال في القواعد النورانية: (فكل ما احتاج الناس إليه في معاشهم ولم يكن سببه معصية ـ هي ترك واجب أو فعل محرم ـ لم يحرم عليهم ....)، ووجود الربا في عقود هذه الشركات قرضا وإقراضا أليس معصية وفعلا محرما؟!! ٧ - إذا كانت الضرورة تقدر بقدرها، كإساغة اللقمة بالخمر لمن غص ولم يجد غيرها، وكإباحة الأكل من الميتة مما يسد الرمق، ولا يتجاوزه إلى الشبع لقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، فما بالك بالحاجة التي هي أدنى من الضرورة، هل يسوغ بأن تتعدى قدرها إلى أن تجعل تشريعا عاما (١). وما ذكروه من أن حاجة الدولة تقتضي توجيه الثروة الشعبية إلى استخدامها فيما يعود على البلاد والعباد بالرفاهية والرخاء صحيح؛ فإنشاء الشركات، وتعدد أغراضها يحقق المصلحة للدولة، وللأفراد، وللمجتمع؛ لكن لا يتوقف هذا على التعامل بالربا؛ بل يتحقق بدونه. وإقبال الناس الشديد على الاكتتاب في أسهم الشركات وتزاحمهم عليه، يؤكد ذلك أعظم تأكيد، ويبين عدم الحاجة إلى الاقتراض الربوي. القاعدة الثالثة (٢): اختلاط جزء محرم بالكثير المباح (٣): هذه المسألة ذكرها علماء الفقه والأصول، وتوصل غالبهم إلى القول بجواز التصرف في هذا المال المختلط إذا كان المحرم فيه قليلا، فيجوز بيعه وشراؤه وتملكه وغير ذلك من أنواع التصرفات الشرعية، وأسهم الشركات التي هي موضوع بحثنا من هذا النوع؛ فإن جزءا يسيرا

стр. 32

فيها حرام والباقي منها ـ وهو الكثير ـ مباح، وأصل الحرمة جاءت من أخذ التسهيلات الربوية أو إعطائها. وفيما يلي بعض من نصوصهم في ذلك؛ قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "الحرام إذا اختلط بالحلال فهذا نوعان: أحدهما: أن يكون محرما لعينه كالميتة، فإذا اشتبه المذكَّى بالميت حُرِّما جميعا. والثاني: ما حرم لكونه أُخذ غصبا، والمقبوض بعقود محرمة؛ كالربا والميسر؛ فهذا إذا اشتبه واختلط بغيره لم يحرم الجميع؛ بل يميز قدر هذا من قدر هذا، فيصرف هذا إلى مستحقه وهذا إلى مستحقه" (١). ويناقش ما نقل عن شيخ الإسلام ابن تيمية على النحو الآتي: ١ - قوله: أحدهما: "أني كون محرما لعينه كالميتة، فإذا اشتبه المذكى بالميتة حرما جميعا". يناقش هذا الاستدلال: بأن فيه تجنيا على شيخ الإسلام، وتحميلا لأقواله ما لا تحتمله! فأين في كلامه ما يدل على مشاركة من يرابي قرضا وإقراضا مع رضاه بذلك، وشيوع أرباح العقود الربوية واختلاطها بأمواله على وجه لا يمكن تمييزه، وهو الذي يرى وجوب التمييز، وهل يجتمع التمييز مع تركها مشاعة والاتجار بها على وجه الشيوع. اهـ. ٢ - وقوله: "ما حرم لكونه غصبا أو المقبوض بعقود محرمة كالربا والميسر"، يناقض بأنه لا دلالة فيه؛ لأنه إذا كان تمييزُ المحرم وإخراجه

стр. 33

مطلوبا، فكيف يقال بجواز الدخول فيه، وقد نص الشارع على تحريمه؟! وأما الجواب على ما استدلوا به لهذه القاعدة فيقال: بأن ما نقلوه استدلالا لهذه القاعدة أو تطبيقا لها لا يخرج عن أمور: ١ - إما أن تكون هذه النصوص لا دلالة فيها؛ كالمنقول عن شيخ الإسلام وابن القيم وابن رشد في كيفية التعامل مع المال إذا اختلط المباح منه بالحرام، وأنه لابد من تمييزهما، وأنهما لا يتركان على الشيوع والشركة، كما تقدم. جاء في أحكام أهل الذمة: "إن عمر بن الخطاب قال: "ولوهم بيعها وخذوا أثمانها". قال ابن القيم: "وما باعوه من الخمر والخنزير قبل مشاركة المسلم جاز لهم شركتهم في ثمنه، وثمنه حلال؛ لاعتقادهم حله، (هذا معنى معاملتهم)، وما باعوه واشتروه بمال الشركة فالعقد فيه فاسد؛ فإن الشريك وكيل، والعقد يقع للموكل، والمسلم لا يثبت ملكه على الخمر والخنزير" (١)، وهذا يدل على فساد عقد شراء الأسهم المشتملة على الربا على كلام ابن القيم الذي حمَّلوا قوله ما لا يحتمله، ولا يقوله ﵀. ٢ - وإما أن تكون في مسائل خالفهم فيها غيرهم، ودلالة قول المجيزين ضعيفة، لا تنهض في مقاومة أدلة تحريم الربا الصريحة التي لا تفرق بين ما كان خالصا وبين ما كان مختلطا مع غيره، وبين ما كان كثيرا وما كان يسيرا مغموسا في الحلال؛ كقوله ﷺ : «ألا إن كل ربا من ربا الجاهلية موضوع» (٢)، فهو عام في وضع كل ربا، والمنع من عقده والدخول فيه.

стр. 34

٣ - أن اليسير لا يمكن ضبطه، ويتغير بسرعة حسب خطط الشركة واستراتيجياتها؛ لأن من استباح استثمار المحرم القليل لا يمتنع عن الكثير؛ فإنه لا فرق بينهما عند من يعقد هذه العقود الربوية. ٤ - أن نظام الشركات في كل دولة ينص على وجوب اقتطاع جزء معين من الربح كـ ١٠ % كاحتياطي من الربح، وللجمعية العمومية للشركة أن توقف هذا الاقتطاع إذا بلغ الاحتياطي نصف رأس المال كما ينص عليه النظام السعودي التجاري؛ وهو مبالغ كبيرة جدا، والغالب استثماره في فوائد محرمة عند من يمارس أعمالا ربوية، ومن ثم فدعوى اليسير المحرم فيها نظر؛ لاسيما مع عدم الشفافية والوضوح في ميزانيات بعض الشركات، وسرعة تغيرها. القاعدة الرابعة (١): للأكثر حكم الكل: قد يعبر عن هذه المسألة بتعبير آخر وهو الحكم للأغلب، وهذه المسألة ذكرها علماء الفقه والأصول، وخرجوا عليها مجموعة من الجزئيات، ومنها بيع العبد وله مال، وبيع الحامل وغيرهما. وفيما يلي جملة من نصوصهم في هذه المسألة: قال البعلي الحنبلي: الأكل من مال من ماله حرام هل يجوز أم لا؟ في المسألة أربعة أقوال ... الثالث منها إذا كان الأكثر الحرام حرم، وإلا فلا؛ إقامةً للأكثر مقام الكل. قطع به ابن الجوزي في المنهاج. اهـ (٢).

стр. 35

وقال البهوتي: لا يحرم ما كان من حرير وغيره إذا استويا ظهورا ووزنا، أو كان الحرير أكثر وزنا والظهور لغيره، وكذا إذا استويا ظهورا؛ لأن الحرير ليس بأغلب، وإذا انتفى دليل الحركة بقي أصل الإباحة. وقال أيضا: إن ما غالبه حرير ظهورا يحرم استعماله كالخالص؛ لأن الأكثر ملحَق بالكل في أكثر الأحكام. اهـ (١). وقال الحصني الشافعي: إذا رُكِّب الحرير مع غيره مما يباح استعماله كالكتان وغيره ما حكمه؟ يُنْظَر؛ إن كان الأغلب الحرير حرم، وإن كان الأغلب غيره حَلَّ؛ تغليبًا لجانب الأكثر؛ إذ الكثرة من أسباب الترجيح. اهـ (٢). ويمكن أن يكون من جزئيات هذه المسألة: بيع الشجر وعليه ثمره الذي لم يبد صلاحه؛ إذ لا يخفى أنه لا يجوز بيع الثمر إلا بعد بُدُوِّ صلاحه، ولكن لما كانت الثمرة تابعة للأصل، وهي قليلة القيمة، بجانب قيمة الأصل - جاز ذلك؛ إذ الحكم للأغلب، ويجوز تبعا ما لا يجوز استقلالا، ولهذه المسألة جزئيات كثيرة في أبواب العبادات والمعاملات. ونظرا إلى أن الغالب على الأسهم موضع البحث الإباحة، والحرام فيها قليل بالنسبة لإباحة غالبها، فإن تخريج حكم التعامل بهذه الأسهم بيعا وشراء وتملكا على المسألة الحكم للأغلب ظاهر لا يحتاج إلى مزيد من التوجيه والتحرير، وما قدَّمْناه من نصوص فقهية قد يكفي في القناعة بجواز تملك ذلك وبيعه وشرائه؛ ما دام الغالب والأكثر فيها مباحا. ويناقش هذا الاستدلال من وجوه:

стр. 36

١ - أن هذا الكلام الذي ذكروه قاعدةً ليس على إطلاقه في كل شيء؛ فالخمر مثلا ولو كان قليلا جدا لا يجوز تناوله إذا اختلط بمباح وقد بقي أثره؛ فكذلك خلط الأموال بالأموال المحرَّمة واستثمارها معا، أو أخذ الفوائد عليها معا، وهذا أعظم وأخطر. قال الغزالي: "والحرام المحض: هو ما فيه صفة محرَّمة لا يُشَكُّ فيها؛ كالشدة المطربة في الخمر، والنجاسة في البول، أو حصل بسبب منهيٍّ عنه قطعا كالمحصَّل بالظلم والربا ونظائره" (١). ٢ - قال الدكتور صالح المرزوقي (٢): "هذه القاعدة لم أجدها بهذا النص في كتب القواعد التي اطلعت عليها، ولم يحلنا الباحثون أصحاب هذا الرأي على المصادر التي تثبت أنها قاعدة، والراجح عندي أنها ليست كذلك، وأن الفقهاء يوردون هذا القول تعليلا لمسألة يعرضونها، وقريب منه في اللفظ قولهم: "العبرة للغالب الشائع لا للنادر". وفرق بين هذه القاعدة، وذلك التعليل؛ فقاعدة: "العبرة للغالب الشائع لا للنادر" تُعَبِّرُ عن بعض شرائط العرف لكي يعتبر، وهي شرائط الغلبة والشيوع؛ بمعنى أن يكون حاصلا في أكثر الحوادث أو عند أغلب الناس، وأن يكون اشتهار العمل بذلك العرف وانتشاره بين الناس (٣). وإذا كان العرف - وهو من الأدلة المعتبرة ـ لا يصحُّ الاحتجاجُ به إذا صادم نَصًّا (٤) فمن باب أولى عدم الاحتجاج بما ذكر أنه قاعدة

стр. 37

شرعية وهي: للأكثر حكم الكل؛ لأنه صادم نصوص تحريم الربا. وهي مردودة بقاعدة: "إذا اجتمع الحلال والحرام غلب الحرام" (١). ٣ - ما ذكروه من نصوص عن الفقهاء؛ فهو أبعد ما يكون عن الشركات المختلطة، وبيان ذلك: أ- ما نقلوه عن البعلي الحنبلي من الأكل ممن في ماله حرام؛ فهو في الأكل وحرامه عليه هو، وأما مخالطتُه ومشاركتُه في الحرام، فهي مشاركة له في الحرام، وإقرار له بهذه المعاملة. ب- ما نقلوه عن البهوتي؛ فيجاب عنه من وجهين: ١ - أنه ليس محل اتفاق؛ بل من أهل العلم من يرى التحريم؛ لعموم أدلة تحريم الحرير. ٢ - أنه لا دلالة فيه أيضا؛ لأن الحرام متميزٌ عن الحلال، وخرج به عن مسمى الحرير المحرم؛ بخلاف هذه الشركات؛ فإن الأموال فيها مختلطة اختلاطًا شائعًا غير متميز؛ فالربا متأصلٌ فيها، وغير خارج عن مسماها؛ بل مؤثر في قوة استثمارها ومحرك له، وفيه دفع المال للبنوك، وأخذ للفوائد عليها، وهذا غير خلط الحلال بالحرام. ج- وأما بيع الثمر، فأبعد ما يصلح للاستدلال؛ لأن البيع واقعٌ على الشجر، وهو المقصود بالبيع، والثمر جاء تبعا ولا أثر له؛ بخلاف العقود الربوية قرضا وإقراضا؛ فإنها أصيلة في هذه العقود ومقصودة منها؛ فالفرق بينهما كان بين المشرق والمغرب. ومن ثم فالقول: "بأن تخريج حكم التعامل بهذه الأسهم بيعا

стр. 38

وتملكا وتمليكا على قاعدة الحكم للأغلب ظاهر لا يحتاج إلى مزيد من التوجيه والتحرير .... " هو من أبعد ما يكون عن هذه القاعدة لو سَلِمَتْ هذه القاعدة. القاعدة الخامسة (١): ما لا يمكن التحرز منه فهو عفو: هذه المسألة ذكرها علماء الفقه والأصول، وفرعوا عليها الكثير من الجزئيات في العبادات والمعاملات، واعتبروا ما ينطبق عليها من الأمور المعفو عنها (٢) .... ويناقش: بأن معنى القاعدة: ما لا يمكن التحرز منه - أي: لمشقته ولحوق الضيق والحرج والعنت بتركه - فهو معفوٌّ عنه؛ فهل الاتجار والاستثمار في هذه الشركات ينطبق تحت هذه القاعدة أصلا؟ هذا غير مسلَّم؛ لأنه يمكن التحرُّز من الربا المحرم بعدم الدخول فيه أصلا، وبعدم الدخول في هذه الشركات، والاقتصار على شركات مباحة، أو الاستثمار في مجالات أخرى غير الأسهم، وفي المباح غنية عن الحرام، وامتثال لأمر الله بالبعد عن الحرام والمتشابه، والاستدلال بهذه القاعدة غريب جدا، وكأنه لا يوجد إلا هذه الشركات يستثمر المسلم فيها أمواله. أدلة القول الأول: استدل أصحاب هذا القول بالأدلة الآتية: أولا: من الكتاب: ١ - آيات سورة البقرة: ﴿الَّذِينَ يَاكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ

стр. 39

مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٥]. ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾ [البقرة: ٢٧٦]. ﴿إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٧]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٧٨]. ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَاذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٩]. في هذه الآيات بيَّن الله حالَ آكلِ الربا ومتعاطيه، وعقوبة من لم يتب منه، ثم أتبع ذلك بِحَثِّ عباده المؤمنين على التقوى، وبترك ما بقي من الربا، وحذَّر وآذن من استمر على الربا بحرب من الله ورسوله. قال ابن كثير: ذكر الله أكلة الربا وأموال الناس بالباطل وأنواع الشبهات، فأخبر عنهم يوم خروجهم من قبورهم وقيامهم منها إلى بعثهم ونشورهم فقال: ﴿الَّذِينَ يَاكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البقرة: ٢٧٥]. أي: لا يقومون من قبورهم يوم القيامة إلا كما يقوم المصروع حال صرعه، وتخبط الشيطان له؛ وذلك أنه يقوم قياما منكرا. وقال ابن عباس: آكل الربا يبعث يوم القيامة مجنونا يخنق. رواه ابن أبي حاتم (١).

стр. 40

وقال البغوي في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَاكُلُونَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥]؛ أي: الذين يعاملون به، وإنما خص الأكل لأنه معظم المقصود من المال (١). وقال الزركشي: وترك الربا قاعدة الأمان، ومفتاح التقوى، ولهذا قال: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٨] إلى قوله: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَاذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٧٩]، ويشتمل على أنواع الحرام، وأنواع الخبائث، وضروب المفاسد، وهو نقيض الزكاة، ولهذا قوبل بينهما في قوله: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ [البقرة: ٢٧٦]، واجتنابه أصل في التصرفات المالية (٢). وقال الشنقيطي: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٦]: صَرَّح في هذه الآية الكريمة بأنه يمحق الربا؛ أي: يذهبه بالكلية من يد صاحبه، أو يحرمه بركة ماله، فلا ينتفع به، كما قال ابن كثير وغيره، وما ذكر هنا من محق الربا أشار إليه في مواضع آخر كقوله: ﴿وَمَا آَتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٩]، وقوله: ﴿وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ﴾ [الأنفال: ٣٧] (٣). واعلم أن الله صرح بتحريم الربا بقوله: ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥]، وصرح بأن المتعامل بالربا محارب من الله بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٧٨]. ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَاذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٩].
следующие страницы →