١ - أن هذا الكلام الذي ذكروه قاعدةً ليس على إطلاقه في كل شيء؛ فالخمر مثلا ولو كان قليلا جدا لا يجوز تناوله إذا اختلط بمباح وقد بقي أثره؛ فكذلك خلط الأموال بالأموال المحرَّمة واستثمارها معا، أو أخذ الفوائد عليها معا، وهذا أعظم وأخطر.
قال الغزالي: "والحرام المحض: هو ما فيه صفة محرَّمة لا يُشَكُّ فيها؛ كالشدة المطربة في الخمر، والنجاسة في البول، أو حصل بسبب منهيٍّ عنه قطعا كالمحصَّل بالظلم والربا ونظائره" (١).
٢ - قال الدكتور صالح المرزوقي (٢):
"هذه القاعدة لم أجدها بهذا النص في كتب القواعد التي اطلعت عليها، ولم يحلنا الباحثون أصحاب هذا الرأي على المصادر التي تثبت أنها قاعدة، والراجح عندي أنها ليست كذلك، وأن الفقهاء يوردون هذا القول تعليلا لمسألة يعرضونها، وقريب منه في اللفظ قولهم: "العبرة للغالب الشائع لا للنادر".
وفرق بين هذه القاعدة، وذلك التعليل؛ فقاعدة: "العبرة للغالب الشائع لا للنادر" تُعَبِّرُ عن بعض شرائط العرف لكي يعتبر، وهي شرائط الغلبة والشيوع؛ بمعنى أن يكون حاصلا في أكثر الحوادث أو عند أغلب الناس، وأن يكون اشتهار العمل بذلك العرف وانتشاره بين الناس (٣).
وإذا كان العرف - وهو من الأدلة المعتبرة ـ لا يصحُّ الاحتجاجُ به إذا صادم نَصًّا (٤) فمن باب أولى عدم الاحتجاج بما ذكر أنه قاعدة
стр. 37
شرعية وهي: للأكثر حكم الكل؛ لأنه صادم نصوص تحريم الربا.
وهي مردودة بقاعدة: "إذا اجتمع الحلال والحرام غلب الحرام" (١).
٣ - ما ذكروه من نصوص عن الفقهاء؛ فهو أبعد ما يكون عن الشركات المختلطة، وبيان ذلك:
أ- ما نقلوه عن البعلي الحنبلي من الأكل ممن في ماله حرام؛ فهو في الأكل وحرامه عليه هو، وأما مخالطتُه ومشاركتُه في الحرام، فهي مشاركة له في الحرام، وإقرار له بهذه المعاملة.
ب- ما نقلوه عن البهوتي؛ فيجاب عنه من وجهين:
١ - أنه ليس محل اتفاق؛ بل من أهل العلم من يرى التحريم؛ لعموم أدلة تحريم الحرير.
٢ - أنه لا دلالة فيه أيضا؛ لأن الحرام متميزٌ عن الحلال، وخرج به عن مسمى الحرير المحرم؛ بخلاف هذه الشركات؛ فإن الأموال فيها مختلطة اختلاطًا شائعًا غير متميز؛ فالربا متأصلٌ فيها، وغير خارج عن مسماها؛ بل مؤثر في قوة استثمارها ومحرك له، وفيه دفع المال للبنوك، وأخذ للفوائد عليها، وهذا غير خلط الحلال بالحرام.
ج- وأما بيع الثمر، فأبعد ما يصلح للاستدلال؛ لأن البيع واقعٌ على الشجر، وهو المقصود بالبيع، والثمر جاء تبعا ولا أثر له؛ بخلاف العقود الربوية قرضا وإقراضا؛ فإنها أصيلة في هذه العقود ومقصودة منها؛ فالفرق بينهما كان بين المشرق والمغرب.
ومن ثم فالقول: "بأن تخريج حكم التعامل بهذه الأسهم بيعا
стр. 38
وتملكا وتمليكا على قاعدة الحكم للأغلب ظاهر لا يحتاج إلى مزيد من التوجيه والتحرير .... " هو من أبعد ما يكون عن هذه القاعدة لو سَلِمَتْ هذه القاعدة.
القاعدة الخامسة (١): ما لا يمكن التحرز منه فهو عفو:
هذه المسألة ذكرها علماء الفقه والأصول، وفرعوا عليها الكثير من الجزئيات في العبادات والمعاملات، واعتبروا ما ينطبق عليها من الأمور المعفو عنها (٢) ....
ويناقش: بأن معنى القاعدة: ما لا يمكن التحرز منه - أي: لمشقته ولحوق الضيق والحرج والعنت بتركه - فهو معفوٌّ عنه؛ فهل الاتجار والاستثمار في هذه الشركات ينطبق تحت هذه القاعدة أصلا؟
هذا غير مسلَّم؛ لأنه يمكن التحرُّز من الربا المحرم بعدم الدخول فيه أصلا، وبعدم الدخول في هذه الشركات، والاقتصار على شركات مباحة، أو الاستثمار في مجالات أخرى غير الأسهم، وفي المباح غنية عن الحرام، وامتثال لأمر الله بالبعد عن الحرام والمتشابه، والاستدلال بهذه القاعدة غريب جدا، وكأنه لا يوجد إلا هذه الشركات يستثمر المسلم فيها أمواله.
أدلة القول الأول:
استدل أصحاب هذا القول بالأدلة الآتية:
أولا: من الكتاب:
١ - آيات سورة البقرة:
﴿الَّذِينَ يَاكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ
стр. 39
مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٥].
﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾ [البقرة: ٢٧٦].
﴿إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٧].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٧٨].
﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَاذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٩].
في هذه الآيات بيَّن الله حالَ آكلِ الربا ومتعاطيه، وعقوبة من لم يتب منه، ثم أتبع ذلك بِحَثِّ عباده المؤمنين على التقوى، وبترك ما بقي من الربا، وحذَّر وآذن من استمر على الربا بحرب من الله ورسوله.
قال ابن كثير: ذكر الله أكلة الربا وأموال الناس بالباطل وأنواع الشبهات، فأخبر عنهم يوم خروجهم من قبورهم وقيامهم منها إلى بعثهم ونشورهم فقال: ﴿الَّذِينَ يَاكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البقرة: ٢٧٥].
أي: لا يقومون من قبورهم يوم القيامة إلا كما يقوم المصروع حال صرعه، وتخبط الشيطان له؛ وذلك أنه يقوم قياما منكرا.
وقال ابن عباس: آكل الربا يبعث يوم القيامة مجنونا يخنق. رواه ابن أبي حاتم (١).
стр. 40
وقال البغوي في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَاكُلُونَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥]؛ أي: الذين يعاملون به، وإنما خص الأكل لأنه معظم المقصود من المال (١).
وقال الزركشي: وترك الربا قاعدة الأمان، ومفتاح التقوى، ولهذا قال: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٨] إلى قوله: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَاذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٧٩]، ويشتمل على أنواع الحرام، وأنواع الخبائث، وضروب المفاسد، وهو نقيض الزكاة، ولهذا قوبل بينهما في قوله: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ [البقرة: ٢٧٦]، واجتنابه أصل في التصرفات المالية (٢).
وقال الشنقيطي: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٦]: صَرَّح في هذه الآية الكريمة بأنه يمحق الربا؛ أي: يذهبه بالكلية من يد صاحبه، أو يحرمه بركة ماله، فلا ينتفع به، كما قال ابن كثير وغيره، وما ذكر هنا من محق الربا أشار إليه في مواضع آخر كقوله:
﴿وَمَا آَتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٩]، وقوله: ﴿وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ﴾ [الأنفال: ٣٧] (٣).
واعلم أن الله صرح بتحريم الربا بقوله:
﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥]، وصرح بأن المتعامل بالربا محارب من الله بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٧٨].
﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَاذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٩].
стр. 41
وصرح بأن آكل الربا لا يقوم ـ أي: من قبره يوم القيامة ـ إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المسِّ؛ بقوله:
﴿الَّذِينَ يَاكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البقرة: ٢٧٥].
وأختم هذه النقول بقول الإمام الطبري؛ فإن فيه ردًّا على من قال بجواز المشاركة بهذه الشركات، ثم تطهير هذه المشاركة بإخراج ما فيها من مكاسب وفوائد ربوية.
قال الإمام الطبري:
فإن قال لنا قائل: أفرأيت من عمل ما نهى الله عنه من الربا في تجارته ولم يأكله، أيستحق هذا الوعيد من الله؟
قيل: نعم، وليس المقصود من الربا في هذه الآية الأكل؛ إلا أن الذين نزلت فيهم هذه الآية يوم نزلت، كانت طعمتهم ومأكلهم من الربا؛ فذكَّرهم بصفتهم، معظمًا بذلك عليهم أمر الربا، ومقبِّحًا إليهم الحال التي هم عليها في مطاعمهم، وفي قوله جل ثناؤه:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَاذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ...﴾ الآية. [البقرة: ٢٧٨ - ٢٧٩]- ما ينبئ عن صحة ما قلنا في ذلك، وأن التحريم من الله في ذلك كان لكل معاني الربا، وأنَّه سواء العمل به وأكله وأخذه وإعطاؤه، كالذي تظاهرت به الأخبار عن رسول الله ﷺ من قوله:
«لعن الله آكل الربا، ومؤكله، وكاتبه، وشاهديه إذا علموا به» (١).
стр. 42
٢ - آيات سورة آل عمران:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَاكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ١٣٠].
في هذه الآية النهي الصريح عن تعاطي كل أنواع الربا؛ لأن "أل" لاستغراق الجنس، وبيان عاقبة متعاطيه بالخزي في نار جهنم؛ لأن الكاتب وكذلك الشاهد إذا كانا ملعونين، فمن يخلط ماله بمال من يرابي أو يدفع ماله لشركة تدفعه للبنوك وتأخذ عليه فوائد ربوية - أشد لعنا من باب أولى.
قال الآلوسي: "خص الربا بالنهي لأنه كان شائعا إذ ذاك، وللاعتناء بذلك لم يكتف بما دل على تحريمه مما في سورة البقرة؛ بل صرح بالنهي وساق الكلام له أولا وبالذات؛ إيذانًا بشدة الخطر.
والمراد من الأكل الأخذ، وعبر به عنه لما أنه معظم ما يقصد، ولشيوعه في المأكولات مع ما فيه من زيادة التشنيع (١).
وقال القرطبي: "وإنما خُصَّ الربا من بين سائر المعاصي لأنه الذي أذن الله فيه بالحرب في قوله: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَاذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة: ٢٧٩]، والحرب يؤذن بالقتل؛ فكأنه يقول: إن لم تتقوا الربا هزمتم وقتلتم؛ فأمرهم بترك الربا لأنه كان معمولا به عندهم، والله أعلم (٢).
وقال النسفي: هذا نهي عن الربا؛ مع التوبيخ بما كانوا عليه من تضعيفه؛ كان الرجل منهم إذا بلغ الدَّيْنُ محلَّه يقول: إما أن تقضي حقي أو تربي وتزيد في الأجل.
واتقوا الله في أكله لعلكم تفلحون، واتقوا النار التي أعدت للكافرين؛ كان أبو حنيفة ﵁ يقول:
стр. 43
هي أخوف آية في القرآن؛ حيث أوعد الله المؤمنين بالنار المعدَّة للكافرين إن لم يتقوه في اجتناب محارمه (١).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية:
قال سبحانه: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٣١]؛ فأمر سبحانه المؤمنين أن لا يأكلوا الربا، وأن يتقوا الله، وأن يتقوا النار التي أعدت للكافرين؛ فعلم أنهم يخاف عليهم من دخول النار إذا أكلوا الربا وفعلوا المعاصي، مع أنها معدة للكافرين لا لهم .... (٢).
وقال: فإن الله بيَّنَ بنصوص معروفة أن الحسنات يذهبن السيئات، وأن من يعمل مثقال ذرة خيرا يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره ... وأن الربا يبطل العمل، وأنه إنما يتقبل الله من المتقين؛ أي: في ذلك العمل ونحو ذلك (٣).
وقال الشوكاني: "يقول تعالى ناهيا عباده المؤمنين عن تعاطي الربا وأكله أضعافا مضاعفة، وأمر تعالى عباده بالتقوى لعلهم يفلحون في الأولى والأخرى، ثم توعدهم بالنار وحذرهم منها؛ فقال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٣١]، ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [آل عمران: ١٣٢].
قوله: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٣١] فيه الإرشاد إلى تجنب ما يفعله الكفار في معاملاتهم؛ قال كثير من المفسرين: وفيه أنه يكفر من استحل الربا.
وقيل: معناه: اتقوا الربا الذي ينزع منكم الإيمان فتستوجبون النار،
стр. 44
وإنما خص الربا في هذه الآية الذي توعد الله عليه بالحرب منه لفاعله" (١).
وقال الأندلسي: "وحكى الماوردي وغيره عن قوم أنهم ذهبوا إلى أن أكلة الربا إنما توعدهم الله بنار الكفرة؛ إذ النار سبع طبقات: العليا منها - وهي جهنم - للعصاة، والخمس للكفار، والدرك الأسفل للمنافقين؛ قالوا: فأكلة الربا إنما يُعَذَّبون يوم القيامة بنار الكفرة، لا بنار العصاة، وبذلك توعدوا؛ فالألف واللام على هذا في قوله واتقوا النار إنما هي للعهد" (٢).
ثانيا: من السنة النبوية:
دلت أحاديث كثيرة على عظم الربا عند الله وشدة عقوبته، من غير تفريق بين الكثير منه والقليل، وبين الآخذ منه والمعطي له، والمتسبب فيه، وشدة خطورته على المجتمع والأمة إذا تفشى فيها، كما هو الحال الآن، ومن هذه الأحاديث:
١ - ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «اجتنبوا السبع الموبقات!»، قالوا: يا رسول الله وما هن؟ قال: «الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات» (٣).
стр. 45
٢ - عن سمرة بن جندب ﵁ قال: قال النبي ﷺ : «رأيت الليلة رجلين أتياني، فأخرجاني إلى أرض مقدسة، فانطلقنا حتى أتينا على نهر من دم فيه رجل قائم، وعلى وسط النهر رجل بين يديه حجارة، فأقبل الرجل الذي في النهر، فإذا أراد الرجل أن يخرج رمى الرجل بحجر في فيه فردَّه حيث كان، فجعل كلما جاء ليخرج رمى في فيه بحجر فيرجع كما كان، فقلت: ما هذا؟ فقال: الذي رأيته في النهر آكل الربا» (١).
٣ - عن عبد الله عن النبي ﷺ قال: «الربا ثلاثة وسبعون بابا أيسرها مثل أن ينكح الرجل أمه، وإن أربى الربا عرض الرجل المسلم» (٢).
٤ - وعن ابن مسعود أن النبي ﷺ قال: «الربا وإن كثر فإن عاقبته تصير إلى قل» (٣).
стр. 46
٥ - عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : «الآخذ والمعطي سواء في الربا» (١).
٦ - وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «أتيت ليلة أسري بي على قوم بطونهم كالبيوت فيها الحيات ترى من خارج بطونهم فقلت: من هؤلاء يا جبرائيل؟ قال: هؤلاء أكلة الربا» (٢).
٧ - عن عبد الله بن سلام عن رسول الله ﷺ قال: «لدرهم يصيبه الرجل من الربا أعظم عند الله من ثلاثة وثلاثين زنية يزنيها في الإسلام» (٣).
٨ - عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «أربع حق على الله أن لا يدخلهم الجنة، ولا يذيقهم نعيما: مدمن الخمر، وآكل الربا، وآكل مال اليتيم بغير حق، والعاق لوالديه» (٤).
стр. 47
٩ - عن ابن عباس قال: نهى رسول الله ﷺ أن تشترى الثمرة حتى تطعم، وقال: «إذا ظهر الزنا والربا في قرية، فقد أحلوا بأنفسهم عذاب الله» (١).
١٠ - وعن ابن مسعود عن النبي ﷺ قال: «ما ظهر في قوم الربا والزنا إلا أحلوا بأنفسهم عقاب الله » (٢).
١١ - عن عمرو بن العاص سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما من قوم يظهر فيهم الربا إلا أخذوا بالسَّنة، وما من قوم يظهر فيهم الرشا إلا أخذوا بالرعب» (٣).
وإذا كانت تلك الأحاديث قد دلت على عظم الربا وشدة عقوبته وخطورته على الأمة، فقد دلت أحاديث أخرى على شمول العقوبة لكل متعاط للربا، أخذا وإعطاء، بل وإعانة، حتى ولو بكتابة أو شهادة.
١ - عن جابر قال: لعن رسول الله ﷺ آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه وقال: «هم سواء» (٤).
ورواه مسلم أيضا من حديث ابن مسعود والبيهقي عن علي.
وروى البخاري عن أبي جحيفة قال: لعن النبي ﷺ الواشمة، والمستوشمة، وآكل الربا وموكله (٥).
стр. 48
فهذا الحديث نص صريح في تحريم المشاركة في هذه الشركات، أو المضاربة في أسهمها من وجهين:
أحدهما: أنه صرح بلعن الآكل وهو الآخذ، والموكل وهو المعطي؛ فيدخل في عمومه كل معط للربا، ومن يقدم ماله في هذه الشركات فهو معط أو آخذ.
الثاني: أنه أدخل في اللعن الكاتب والشاهد، وفي هذا تنبيه على دخول كل من يشارك في الربا بأي نوع مشاركة أو إعانة.
ودخول من يقدم أمواله لهذه الشركات لتودع جزءا منها مقابل فوائد ربوية من باب أولى؛ لأنه معط للربا.
وكذلك من يشارك بأمواله من يقترض أموالا ربوية، وتخلط هذه الأموال معا، وتستثمر في نشاط هذه الشركة وتدفع الفوائد على هذه القروض من مجموع الأموال؛
حتى ولو أراد التطهير، فإن هذا لا يخرجه عن عموم هذا اللعن والتحريم.
قال ابن القيم: "إن الربا لم يكن حراما لصورته ولفظه، وإنما كان حراما لحقيقته التي امتاز بها عن حقيقة البيع؛ فتلك الحقيقة حيث وجدت وجد التحريم في أي صورة ركبت، وبأي لفظ عبر عنها؛ فليس الشأن في الأسماء وصور العقود، وإنما الشأن في حقائقها ومقاصدها وما عقدت له" (١).
ثم بيَّن النبي ﷺ أن الربا تفشَّى في هذه الأمة، ولعل الواقع يدل على ذلك، وأن الإنسان سيأخذ المال غير مبال ممن أصابه أو اكتسبه، ثم عاقبة أمره إلى قلة وخسار:
стр. 49
١ - فعن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «ليأتين على الناس زمان لا يبقى أحد إلا أكل الربا فإن لم يأكله أصابه من بخاره». قال ابن عيسى: «أصابه من غباره» (١).
٢ - عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «يأتي على الناس زمان ما يبالي الرجل من أين أصاب المال من حلال أو حرام».
٣ - وعن ابن مسعود أن النبي ﷺ قال: «الربا وإن كثر فإن عاقبته تصير إلى قل» (٢).
ثالثا: الآثار عن الصحابة:
كثيرة منها:
١ - روى النعمان بن بشير عن عمر بن الخطاب في قوله تعالى: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ﴾ [الصافات: ٢٢]، قال: أمثالهم الذين هم مثلهم يجيء أصحاب الربا مع أصحاب الربا ...) (٣).
٢ - قال عبد الله بن سلام ﵁ لرجل: إنك بأرضٍ الربا بها فاش، إذا كان لك على رجل حق فأهدى
стр. 50
إليك حمل تبن، أو حمل شعير أو حمل قت، فلا تأخذه، فإنه ربا (١).
ووجهه: أن الهدية إذا كانت من أجل حق في الذمة من باب الربا، ونهى عنها ﵁، فدفْع المال لمن يربي فيه أو يخلطه بأموال ربوية وينميها ويستثمرها أولى بالنهي وأشد وقوعا في الإثم والحرام.
٣ - قال ابن مسعود: (ما هلك قوم إلا وقد فشا فيهم الربا والزنا) (٢).
٤ - أن رجلا سأل ابن عباس: هل يشارك اليهودي والنصراني؟ فقال: (لا تفعل؛ فإنهم يربون والربا لا يحل) (٣).
ووجهه: أنه نهاه عن المشاركة، وعلَّلَ النهي بأنهم يربون، والربا قد يوجد منهم في حال الشركة، وقد لا يوجد، فكيف بمن يقدِّم أمواله لشركة ترابي فيها، وتأخذ عليه فوائد ربوية، أو تخلطها بأموال اقترضتها بفوائد ربوية، أليس أولى بالنهي وأصرح بالتحريم وأنه لا يحل؟!
стр. 51
وبمثل فتوى ابن عباس أفتى طائفة من التابعين؛ منهم عطاء، وابن سيرين، وطاووس، ومجاهد، والضحاك (١).
رابعا: الأدلة من الاعتبار والنظر المبني على الأثر:
١ - القاعدة المعروفة: (الشك في التساوي كتحقق التفاضل).
فإذا كان مجرد وجود شك في تساوي البدلين يمنع من صحة المعاملة بحيث يلحقها فيما تحقق فيه التفاضل ـ كما تدل على ذلك أدلة تحريم المزابنة والمحاقلة (٢)؛ فوجود الربا المحقق من باب أولى؛ كما في أسهم الشركات التي تقترض بفوائد، أو تودع أموال المساهمين أو الفائض منها في البنوك وتأخذ عليها فوائد ربوية، وأموال المساهمين شائع بعضها في بعض لا يمكن تمييزه؛ فالمساهمة في مثل هذه الشركات أو المضاربة بأسهمها تمكين لهذه الشركات من تشغيلها بفوائد ربوية، أو خلطها بأموال مقترضة بفوائد ربوية؛ فالربا متأصل فيها من كل ناحية.
٢ - كل عقد يدخله الربا فهو باطل أو فاسد باتفاق المذاهب، وبطلانه أو فساده من وجهين:
الوجه الأول:
أنه منهي عنه، والنهي يقتضي الفساد إذا عاد إلى ذات المنهي عنه، أو وصفه الملازم له، وهو هنا قد عاد إلى وصف الملازم ـ وهو الربا ـ
стр. 52
لاسيما وقد اقترن به ما يدل على الفساد، وهو عدم ثبوت الملك ووجوب الرد، كما تقدم في الآيات السابقة.
قال القرطبي: التاسعة عشر: عقد الربا مفسوخ، لا يجوز بحال؛ لما رواه الأئمة، واللفظ لمسلم عن أبي سعيد قال: جاء بلال بتمر بَرْنِيٍّ فقال له رسول الله ﷺ : «من أين هذا؟» فقال بلال: تمرٌ كان عندنا رديء فبعت منه صاعين بصاع لمطعم النبي ﷺ . فقال رسول الله عند ذلك: «أوه، عين الربا لا تفعل ولكن إذا أردت أن تشتري التمر فبعه ببيع آخر ثم اشتر به». وفي رواية: «هذا الربا فردوه ثم بيعوا تمرنا واشتروا لنا من هذا».
قال علماؤنا: فقوله: «أوه عين الربا»، أي: هو الربا المحرم نفسه، لا ما يشبه، وقوله: «فردوه» يدل على وجوب فسخ صفقة الربا، وأنها لا تصح بوجه، وهو قول الجمهور (١).
وقال ابن حجر معلقًا على حديث: «من عمل عملا ليس علينا أمرنا فهو رد» .... قال: "وفيه رد المحدثات وأن النهي يقتضي الفساد؛ لأن المنهيَّات كلها ليست من أمر الدين فيجب ردها" (٢).
قال في اللمع: (فصل: والنهي يدل على فساد المنهي عنه في قول أكثر أصحابنا) (٣).
الوجه الثاني:
أنه قد اختل شرط من شروط صحة العقد؛ وهو أن يكون المعقود عليه مباحا؛ وهو ما يعبر عنه الفقهاء: "أن تكون العين المعقود عليها أو على منفعتها مباحة النفع مع غير حاجة"، والربا محرم بالإجماع، وأدلة تحريمه من الكتاب والسنة صريحة قطعية متواترة، والشركات التي تودع
стр. 53
أو تقترض بفوائد قد اختلت عقودها؛ لفقدانها هذا الشرط وهو الإباحة.
والعقود الفاسدة لا يثبت فيها الملك، ولا يصح التصرف فيها، قال في الإنصاف (١): "المقبوض بعقد فاسد لا يملك به، ولا ينفذ تصرفه على الصحيح من المذهب". جزم به المصنف والشارح وغيرهما وقدمه في الفروع وغيره.
وقال في المغني: "فأما ما يشتريه أو يبيعه من الخمر بمال الشركة أو المضاربة، فإنه يقع فاسدا، وعليه الضمان؛ لأن عقد الوكيل يقع للموكل، والمسلم لا يثبت ملكه على الخمر والخنزير، فأشبه ما لو اشترى به ميتة، أو عامل بالربا".
وقال في بدائع الصنائع (٢): "ولأن اشتراط الربا في البيع ونحو ذلك معصية، والزجر عن المعصية واجب، واستحقاق الفسخ يصلح زاجرا عن المعصية؛ لأنه إذا علم أنه يفسخ فالظاهر أنه يمتنع عن المباشرة"، وقال فيه: "والملك الخبيث لا يفيد إطلاق الانتفاع؛ لأنه واجب الرفع" (٣).
٣ - أن الشارع حرم الربا من كل وجه، وحرم كل وسيلة أو فعل يتوصل به إلى الربا، كما في بيع العينة (٤)
ونحوها؛ فلاشك أن تحريم
стр. 54
العقد المتصل به الربا من باب أولى، وهو آكد وأقطع في التحريم، ومن ذلك هذه الأسهم محل البحث.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية بعد ذكر بعض الحيل الربوية: (فهذا ونحوه من الحيل لا تزول به المفسدة التي حرم الله من أجلها الربا ...)، ثم قال: (ودلائل تحريم الحيل من الكتاب والسنة والإجماع والاعتبار كثيرة، ذكرنا منها نحو ثلاثين دليلا .... ومن ذرائع ذلك مسألة العينة) (١).
وقال الشيخ عبد الله بن بيَّه: (وتحريمه من باب تحريم المقاصد وتحريم الوسائل؛ أما تحريم المقاصد فلأنه ممارسة للربا في شكل بيوع فاسدة، وتعاطي البيع الفاسدة في حد ذاته محرم مهما كانت نية المتعاطي في جبره.
قال السيوطي: "تعاطي البيوع الفاسدة حرام" (٢)، وممنوعة منع الوسائل والآلات؛ لأنها تعاون على الإثم؛ قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢].
لأنها وسيلة إلى استمراء الربا والانغماس في حمأته، وقد يؤول
стр. 55
الأمر إلى ورثة لا يهتمون حتى بإخراج الأرباح الناشئة عن "المعاملات الربوية" (١) أو لا يعلمون بها وبمقدارها (٢).
الترجيح:
القول الأول هو القول الراجح الذي تدل على قوته ورجحانه الأدلة من الكتاب والسنة والآثار عن الصحابة فمن بعدهم؛ بل إن حديث جابر في لعن آكل الربا، ومؤكِله، وكاتبه، وشاهديه (٣) نص ـ فيما يظهر لي والله أعلم ـ على التحريم؛ فإذا كان كاتب الربا والشاهد عليه ملعون بنص هذا الحديث، فما الحال فيمن يقدِّم ماله لشركة تتاجر فيه، أو بجزء منه بالفوائد الربوية أو تخلطه بمال ربوية تتاجر فيه؟!
إضافة إلى قوة الأدلة التي استدل بها لهذا القول، مع مناقشة جميع أدلة القول الثاني القائل بالجواز، وعدم سلامتها، وبقائها بعد المناقشة في مقابل أدلة القول بالتحريم.
ولو لم يكن في قول القائلين بالجواز إلا وجود الشبهة في هذا القول لكان كافيا، كما صرح بذلك كثير منهم، وقالوا بوجوب تحري الكسب الطيب والبعد عن الخبيث، ودع ما يريبك إلى ما لا يريبك.
وفي حديث النعمان بن بشير تأكيد لهذا المعنى؛ قال ﵁: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «الحلال بيِّن والحرام بيِّن، وبينهما مشبَّهات لا يعلمها كثير من الناس، فمن اتقى المشبهات استبرأ لدينه وعرضه، ومن
стр. 56
وقع في الشبهات كراع يرعى حول الحمى، يوشك أن يواقعه، ألا وإن لكل ملك حمى، ألا إن حمى الله في أرضه محارمه» (١).
قال الشيخ عبد الله بن بيه (٢): (ولم نجد نقلا يجيز الدخول معه في شركة مع العلم بأنه يتعاطى الربا، ولا نعلم أحدا أقرَّه على الاشتراك معه إذا اكتشف ذلك التعامل؛ لأنه لا يجوز أن يبقى المسلم متلبسا بمعاملته الربوية ليدفع قسطا من أرباحه تخلصا من الحرام، وإنما يجب أن يكون دفع هذا القسط علامة على التوبة على أن لا يعود؛ قال تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا﴾ [النحل: ٩٢].
ولتأكيد وتأصيل ما ذهبنا إليه نذكر ثلاثة قواعد في شكل مبادئ:
المبدأ الأول: إن الشريك يده هي نفس يد الآخر؛ بحيث أن أي عمل يعمله الآخر بالشركة هو عمله هو، لا فرق بينهما، أشار إلى ذلك ابن قدامة، فهو وكيل عنه.
المبدأ الثاني: هو شيوع الحرام في مال الشركة، مما يجعلها متلبسة بالحرام، حتى ولو أعطى قسطا من الربا؛ حيث يظل ماله مخلوطا ببقية مال الشركة الذي ينتشر فيه الحرام؛ فإن ذلك لا يطهره؛ لأن المعاملات الربوية هي معاملات فاسدة، وبالتالي فإن المال مرهون بمعاملات فاسدة ينتشر فيها الحرام.
المبدأ الثالث: إن الشركة كالوكالة، والوكالة لا تجوز على محرم، قال السيوطي: "قاعدة: من صحت منه مباشرة الشيء صح توكيله فيه غيره وتوكله عن غيره، وإلا فلا" (٣).
стр. 57
وأختم الترجيح بقرار مجمع الفقه الإسلامي بجدة رقم ٦٣ (١/ ٧) عام ١٤١٢هـ - ١٩٩٢م في جدة، وفيه: "الأصل حرمة الإسهام في شركات تتعامل أحيانا بالمحرمات؛ كالربا ونحوه بالرغم من أن أنشطتها الأساسية مشروعة".
* * * * *
المسألة الثانية: في فروع متعلقة بهذا الحكم
الفرع الأول: التطهير هل يرفع التحريم .
الفرع الثاني: مساهمة من يقدر على التغيير في هذه الشركات ويزيل ما فيها من حرام.
الفرع الثالث: المساهمة فيها إذا خيف من استيلاء غير المسلمين على هذه الشركات.
الفرع الأول: التطهير هل يرفع التحريم:
إن القول بوجوب التطهير إقرار بوجود الربا، والربا محرم بالإجماع، والإخراج للجزء المحرم لا يبيح الدخول في المحرم، والتوبة من المحرم واجبة، ومن يقيم على المحرم فليس تائبا منه؛ إذ من شروط التوبة النصوح: الإقلاع عن الذنب، والندم على ما فات، والعزم على أن لا يعود؛ فهل هي موجودة؟!
الجواب: لا، وهو لا يزال يقدم ماله لشركة ترابي فيه، وتأخذ عليه فوائد ربوية، أو تخلطه بأموال ربوية، فهو لم يقلع عن الذنب، ولم يندم حقيقة على ما فات، مع إقامته على المحرم، فكيف بالشرط الثالث:
العزم على ألا يعود وهو مقيم عليه، والتطهير لازم له؛ لأنه منهي عن أكل الربا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَاكُلُوا الرِّبَا﴾ [آل عمران: ١٣٠]؛
стр. 58
لكنه لا يرفع ذنب الإقدام على المحرم ما دام متلبِّسًا فيه؛ فلا تلازم بين التطهير وكونه مقيمًا على الذنب؛
قال تعالى: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا * وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآَنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [النساء: ١٧ - ١٨].
قال الطبري: (يعني بذلك جل ثناؤه: وليست التوبة للذين يعملون السيئات من أهل الإصرار على معاصي الله ...).
وقال القرطبي في قوله تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ﴾ [النساء: ١٨]: يعني: قبول التوبة للذين أصروا على فعلهم ...
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (التوبة نوعان: واجبة ومستحبة؛ فالواجبة هي التوبة من ترك مأمور أو فعل محظور، وهذه واجبة على جميع المكلفين كما أمرهم الله بذلك في كتابه وعلى ألسنة رسله) (١).
وقال ابن رجب: (.... التوبة النصوح أن لا يعود إلى الذنب أبدا؛ فمتى عاد إليه كان كاذبا في قوله: وأتوب إليه) (٢).
يؤكد هذا المعنى قوله تعالى في آيات الربا: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٥].
فن أقام في هذه الشركة التي تمارس أعمالا ربوية مع علمه بذلك، فإنه لم ينته ـ حتى ولو قام بالتطهير ـ بل ما زال عائدا في الربا
стр. 59
المتوعد عليه في الآية والأحاديث المتقدمة التي لعن فيها الرسول ﷺ كل من يشارك في الربا بأي وجه، حتى ولو كان مجرد كتابة أو شهادة، فكيف بمن لا يزال مقيما عليه!!
الفرع الثاني: مساهمة من يقدر على التغيير فيها (١):
الشركات التي أصل نشاطها مباح لكنها تمارس أعمالا محرمة كالإقراض والاقتراض بفائدة، يجوز لمن كان قادرا على تغييرها الدخول فيها وشراء أسهمها بنية التغيير وإبعادها وتطهيرها من الأعمال المحرمة ـ فيما يظهر؛ لكن بشرط أن تكون القدرة متيقنة مجزوما بها، فإن كانت متوقعة أو عنده شك في قدرته على التغيير، فلا يجوز له الدخول فيها.
ودليل جواز الدخول مع القدرة على التغيير ما يترتب على التغيير والتطهير من درء مفاسد الحرام وجلب مصالح الحلال، والشريعة جاءت بدرء المفاسد وتقليلها وجلب المصالح وتكثيرها، ولاشك أن في تطهير هذه الشركات من الحرام وقصرها على الحلال تحصيلا لهذه المصالح وتكميلا لها وتزكية وتطييبا لأموال الناس وأعمالهم.
كما أن في هذا تحقيقا لمبدأ التعاون على البر والتقوى، قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالْتَّقَوَى﴾ [المائدة: ٢]، وإبعاد الحرام عن معاملات الناس وتطهيرها منه من أعظم جوانب هذا التعاون وآكده تحقيقا.
وهذا يكون إن شاء الله بتكاتف جهود الخيِّرين وتعاضدهم ودخولهم
стр. 60
بقوة في هذه الشركات ومجالس إدارتها، عن طريق شراء غالبية أسهمها والتأثير في سياستها وقراراتها كما حدث من بعض رجال الأعمال (١).
وقد جاء النص في فتاوى الندوة السادسة للبركة (١٩٨٩م) على مشروعية الإقدام على شراء أسهم الشركات، (مهما كان غرضها الأصلي)؛ بقصد أسلمة معاملاتها؛ بل اعتبر ذلك مطلوبا؛ لما فيه من زيادة مجالات الالتزام بأحكام الشريعة الإسلامية.
كما جاء في قرار ندوة مشتركة بين مجمع الفقه الإسلامي، والمعهد الإسلامي للبحوث والتدريب (١٩٩٣م): "إن الإسهام في الشركات المساهمة التي تتعامل بالربا بقصد إصلاح أوضاعها بما يتفق مع الشريعة الإسلامية من القادرين على التغيير مشروع، على أن يتم ذلك في أقرب وقت ممكن" (٢).
الفرع الثالث: حكم المساهمة (٣) في هذه الشركات إذا خيف استيلاء غير المسلمين عليها:
تتفاوت الدول في طرح أسهم الشركات لغير مواطنيها ممن تجيز أنظمتها مثل هذا الطرح، تتفاوت في نسبة ما يطرح لغير مواطنيها.
وفي حالة طرح نسب عالية (٤) يخشى معها استيلاء الأجانب على
стр. 61
هذه الشركات، والتحكم في قراراتها واستراتيجياتها، فيما لو كانت هذه الشركات من النوع الذي يمارس أعمالا محرمة، وتخلى المسلمون من أبناء البلد عن المساهمة فيها آخذا بالرأي القائل بحرمة المساهمة في مثل هذه الشركات؛ فهل مثل هذه المخاوف تغير في الحكم.
أعتقد أنه لبيان الحكم في هذه المسألة لابد من التفريق بين الشركات والتمييز بينها وتقسيمها إلى قسمين:
١ - شركات مؤثرة في اقتصاد البلد.
٢ - شركات غير مؤثرة.
القسم الأول: الشركات المؤثرة في اقتصاد البلد:
كالشركات الصناعية الكبرى، أو شركات الخدمات التي تمس كل مواطن، ويحتاج إلى خدماتها؛ ففي حال فتح باب المساهمة فيها لغير مواطني البلد وقيام خوف كبير على الاستيلاء عليها، ومن ثم توقُّع أضرار عامة بالمواطنين؛ لاسيما إذا لم تحدد نسبة الاكتتاب لغير المواطنين؛ بل وفي ظل ظاهرة سيطرة الأجانب في عدد من البلدان الإسلامية على معظم الأنشطة الاقتصادية، وفي ابتعاد المسلمين، ستزداد هذه السيطرة، وسيصعب كسر هذه الحلقة حول
стр. 62
الاقتصاد الوطني، ومساهمة المسلمين في هذه الشركات هي خطوة مهمة جدا في سبيل استعادتهم لملكية وإدارة الاقتصاد، وعدم تركه في أيدي غير المسلمين، أو على الأقل في سبيل تحقيق التوازن ووجود حصة لهم في الاقتصاد الوطني تتناسب مع نسبتهم في مجموع السكان كأكثرية إسلامية (١).
فهل يقال بجواز الاكتتاب والمساهمة فيها والتخلص من المحرم حتى لا تبقى البلد رهينة تحكم خارجي يلحق بها ضررا بيِّنًا، أو يقال بعدم الجواز آخذا بالعمومات؟
تقدم في الفرع الأول: جواز دخول من عنده قدرة متيقنة ومجزوم بها في الشركات بنية تغييرها؛ مراعاة لتقليل المفاسد ودرئها وجلب المصالح وتكثيرها، وإذا كان هذا يتعلق بتصحيح وضع شركة معينة وقد يكون تأثيرها محدودا.
فإذا كان الأمر يتعلق بدرء مفسدة عليا عن الوطن وجلب مصلحة له، تمنع من الهيمنة والسيطرة على اقتصاده ومصالحه؛ فإن القول بالجواز هنا متجه؛ بل هو أولى؛ لكن كل هذا بشرط أن تكون المفاسد المذكورة متحققة أو غالبة في التحقق؛ حتى يمكن إعمال قواعد "درء المفاسد وجلب المصالح"؛ فإنها أصل من أصول الشرع.
أما إذا كانت مجرد مخاوف أو احتمالات، أو لا وجود لها؛ لأن النسبة المسموح بها لغير المواطنين لا تمكنهم من السيطرة عليها والتحكم في سياستها وقراراتها - فإنه لا يجوز الدخول فيها؛
стр. 63
أخذا بتلك العمومات المانعة المحكمة، ومفسدة الولوغ في الربا وأثره السيئ على الأفراد والمجتمعات أعظم من أن تدفع بمجرد احتمالات ودعاوى لا وجود لها عند التحقيق، وفي واقع الأمر. والله أعلم.
القسم الثاني: الشركات غير المؤثرة:
كالشركات الصغيرة في حجمها، أو في إنتاجها، أو في تأثيرها في السوق واقتصاد البلد، ومساهمة غير المواطنين لا تؤثر سلبا، ولو وجد مفسدة فهي قليلة ومغمورة لا تعادل مفسدة الولوغ في الربا من أجل درئها؛ فإنه لا يجوز الدخول فيها لعدم قيام الأسباب المؤثرة التي تراعى فيها المصالح وتدرأ فيها المفاسد، وتَمَسُّكًا بتلك العمومات المحكمة الصريحة في المنع من كل ربا قليلا كان أو كثيرا.
* * * * *
المسألة الثالثة: إذا دخل في شركة، ثم تبيَّن له وجود استثمار محرم فيها
إذا دخل في شركة تستثمر في محرم فعليه الخروج منها متى علم بالمحرم؛ لكن إن دخل فيها بمقتضى فتوى أو قول لمن يثق بعلمه ودينه ثم أراد الخروج، فإنه يخرج منها ويتخلص فقط ما فيها من فوائد ربوية؛ لأنها حرام بالنصوص المتقدمة.
وهذا الذي أراده شيخ الإسلام بتلك النصوص التي نقلها القائلون بجواز الاستثمار في هذه الأسهم، يقول ﵀: (ما حرم لكونه غصبا أو المقبوض بعقود محرمة كالربا والميسر، فهذا إذا اشتبه واختلط بغيره لم يحرم الجميع؛ بل يميز قدر هذا من قدر هذا، فيصرف هذا إلى مستحقه،
стр. 64
وهذا إلى مستحقه) (١).
وما عدا ذلك من أرباح فإنها تطيب له، قال شيخ الإسلام: (.... وهكذا من كان قد عامل معاملات ربوية يعتقد جوازها، ثم تبين له أنها لا تجوز، وكانت من المعاملات التي تنازع فيها المسلمون، فإنه لا يحرم عليه ما قبضه بتلك المعاملة على الصحيح) (٢).
وقال في موضع آخر: (وما اكتسبه الرجل من الأموال بالمعاملات التي اختلفت فيها الأمة - كهذه المعاملات المسؤول عنها وغيرها - وكان متأولا في ذلك، ومعتقدا جوازه لاجتهاد، أو تقليد، أو تشبُّه ببعض أهل العلم، أو لأنه أفتاه بذلك بعضهم، ونحو ذلك - فهذه الأموال التي كسبوها وقبضوها ليس عليهم إخراجها؛ وإن تبين لهم بعد ذلك أنهم كانوا مخطئين في ذلك، وأن الذي أفتاهم أخطأ؛ فإنهم قبضوها بتأويل، فليسوا أسوأ حالا مما اكتسبه الكفار بتأويل باطل.
لكن عليهم إذا سمعوا العلم أن يتوبوا من هذه المعاملات الربوية، ولا يصلح أن يقلد فيها أحدا ممن يفتي بالجواز ...) (٣).
وإن كان قد دخل بها وهو يعلم أنها تستثمر في محرم غير آخذ بقول أو فتوى ترى الجواز، فيجب عليه التخلص مما فيها من فوائد ربوية (٤)
كما تقدم، وما عدا ذلك من أرباح فقيل: يتخلص منها. لأنه
стр. 65
دخل عالما بالتحريم معتقدا بطلان عقده، وقد قال ﷺ في حديث عائشة: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد» (١)، ومشاركة من يرابي ليس عليها أمر الله ورسوله؛ فتكون مردودة مع ما يترتب عليها؛ لأن ما نشأ عن باطل فهو باطل.
قال في الإنصاف (٢): المقبوض بعقد فاسد لا يملك به ولا ينفذ تصرفه على الصحيح من المذهب، جزم به المصنف والشارح وغيرهما وقدمه في الفروع وغيره (٣).
ومقتضى قول شيخ الإسلام المتقدم: (المقبوض بعقود محرمة كالربا والميسر إذا اشتبه واختلط بغيره لم يحرم الجميع؛ بل يميز قدر هذا من قدر هذا، فيصرف هذا إلى مستحقه وهذا إلى مستحقه). مقتضى هذا القول: أن الأرباح الناشئة في أمواله من غير فوائد ربوية - أنها تطيب له؛ لأن أصل كسبها حلال وطيب.
стр. 66
وهذا القول هو الراجح فيما يظهر؛ بناء على هذا الأصل؛ لكن يخرج شيئا من هذا الكسب إن كانت الشركة اقترضت قروضا ربوية، واستثمرتها مع أموال المساهمين؛ لأن الربح ناشئ من مجموع هذه الأموال، ولو خسرت الشركة لدفعت الفوائد على القروض من مجموع هذه الأموال، وهذا المخرج تطييب لكسبه وإبراء لذمته.
* * * * *
стр. 67
المبحث الثاني
المعقود عليه في المضاربة
(أو بمعنى آخر: المضارب ماذا يبيع ويشتري؟)
стр. 68
المبحث الثاني
المعقود عليه في المضاربة
(أو بمعنى آخر: المضارب ماذا يبيع ويشتري؟)
الاشتراك في الشركات المساهمة التي أصل نشاطها مباح الأصل فيه الحل؛ بناء على عمومات الأدلة الدالة على هذا الأصل من الكتاب والسنة، وبه صدرت قرارات المجامع الفقهية.
ومع أننا نقول بهذا الأصل - وهو القول الصحيح الموافق للدليل - إلا أنه ينبغي النظر في العقود التي تجرى وتعقد على هذه الشركات ومدى موافقتها لشروط البيع التي لا يصح العقد إلا بها.
فالمساهم حينما يساهم في هذه الشركات ـ سواء كان في ابتداء تأسيسها أو بعد ـ وهو يريد الحصول على عائد الأرباح السنوي لهذه الأسهم، فإن هذه المساهمة صحيحة إذا كانت هذه الشركة من الشركات المباحة التي لا تمارس أعمالا محرمة.
لكن الكلام هنا على المضارب الذي يشتري أسهم هذه الشركات ليضارب بها، فيشتري أسهم هذا الشركة، وبعد لحظات أو أكثر يبيعها ويشتري أسهم شركات أخرى ... وهكذا. فهنا تساؤل: هذا المضارب حينما يشتري هل يعي حقيقة ما يشتري، وأن ما يشتريه بهذه المبالغ المرتفعة جدا يمثل سهما حقيقيا يستحق هذا المبلغ بل قد يزيد؟!
أو أن ما يشتريه هو مجرد مضاربة على سهم مرتفع لا يمثل حقيقة جزءا من أملاك الشركة وأصولها؛ بحيث لو أوقفت الشركة لسبب ما
стр. 69
وتمت تصفيتها لم يمثل هذا السهم إلا جزءا يسيرا جدا من قيمته السوقية التي تم التعاقد عليها؛ فكأنه أشبه بالمضاربة على المؤشر المجمع على تحريمه (١).
إن الحكم هنا ينبغي أن يكون مبنيًّا على معرفة نشاط الشركة ومركزها المالي وقوتها الائتمانية.
فالشركة التي لها نشاط بارز وظاهر في مجالها ورائدة فيه ويمكن أن تكون قيمة السهم ممثلة لحقيقته في موجودات الشركة وقيمتها المعنوية ومركزها المالي - فالمضاربة فيها ـ فيما يظهر ـ صحيحة على القول بجواز هذه المضاربات أصلا.
وأما الشركة التي تظهر خسارة في ميزانياتها وشحًّا في موجوداتها وإنتاجها بحيث يعلم أن قيمة السهم السوقية لا تمثل حقيقة هذا السهم، وإنما هي أثر ارتفاع غير مبرر نتيجة مضاربة غير نزيهة - فإن هذا عقد على ما يشبه المعدوم أو غير المقدور عليه؛ فالغرر فيه ظاهر.
ولو سألت أحد المضاربين على هذه الأسهم: ما حقيقة ما تشتريه؟ وهل له قيمة أو هل هذه قيمته؟ لأجابك بـ: لا. أو: لا أدري. وهل يعقل أن يشتري الإنسان شيئا يخسر أو تقل قيمته كثيرا عما اشترى به، ولو عرض عليه مصنع أو مزرعة أو سوق مركزي قيمته أو قيمة موجوداته أقل بكثير من الثمن المعروض، أو يسجل خسارات متتابعة لكان شراؤه سفها؛ بل لا تجد له مشتريا.
стр. 70
إذا فكيف يضارب على أسهم شركات خاسرة أو قيمتها السوقية كبيرة ومبالغ فيها من أجل عمليات جني أرباح وتغرير بالآخرين.
فالمضاربة في هذه الأسهم فيها مخاطرة كبيرة جدا (١) تشبه المقامرة من بعض الوجوه؛ فالقول بالتحريم له وجه من جهة أنها تشبه بيع المعدوم (٢)، وفيها شبه بالمقامرة؛ لشدة المخاطرة فيها.
* * * * *
стр. 71
المبحث الثالث
تصرفات المضاربين في سوق الأسهم
стр. 72
المبحث الثالث
تصرفات المضاربين في سوق الأسهم
الإسلام بشرائعه وتعاليمه وآدابه جاء مهتما اهتماما بالغا بالجوانب الأخلاقية في حياة الناس وتعاملاتهم وعلاقاتهم.
وكانت الآيات القرآنية وكذلك الأحاديث النبوية نبراسا في إظهار هذه الجوانب، والحث على التخلق والالتزام بها؛ مراعاة لسمو الفرد، وتحقيقا للعدل بين أفراد المجتمع، ودفعا للضرر عن الجميع، وتطهيرا للأمة عن الوقوع في المحرم والمشتبه، وظهر هذا الاهتمام والتوجه في ملامح كثيرة منها:
١ - الإيمان وحسن الخلق:
أو ما يطلق عليه البعض (١) "الرقابة الذاتية" ... لاسيما فيما يتعلق بالمعاملات؛ فالمسلم يعلم علم اليقين أن الله معه، مطلع على تصرفاته، ولا يخفى عليه شيء من أمره: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤]، ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [المجادلة: ٧].
وقرن الإيمان بالعمل الصالح في آيات كثيرة؛ تجسيدا لمؤشرات
стр. 73
القيم والجوانب الروحية (١)؛ حيث ربطت بين العمل الصالح والإيمان والحياة الطيبة في الدنيا ودخول الجنة: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧]؛ كما بيَّنت العلاقة بين العمل الصالح والكسب الطيب وأكل الحلال: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [المؤمنون: ٥١].
والأعمال الصالحة إنما تنشأ عن التقوى - وهي خشية الله ومراقبته، ومن ثم فالمسلم المتعامل في السوق وفي غيره حريص أشد الحرص على تحقيق المصلحة لنفسه ولغيره، وحذر كل الحذر من أن يلحق الضرر بالآخرين؛ فلا غش ولا خداع ولا غبن ولا نجش، بل صدق ونصيحة وأمانة وثقة ووضوح وشفافية.
٢ - المحافظة على الشعائر:
فلا ينشغل بتعامله عن أداء الشعائر المكتوبة من صلاة وغيرها: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ﴾ [النور: ٣٧].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [المنافقون: ٩].
﴿وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ [القصص: ٧٧].
بل يقدم هذه الشعائر، ويجعلها حاضرة في قلبه، منيرة له طريقه في دنياه وأخراه.
стр. 74
٣ - العدل والإحسان:
والعدل: هو التسوية في الحقوق بين الناس، وترك الظلم، وإيصال كل ذي حق إلى حقه.
والإحسان: تجاوز العدل إلى الفضل (١)؛ قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَامُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ [النحل: ٩٠].
قال ابن مسعود: "هذه أجمع آية في القرآن لخير يمتثل ولشر يجتنب" (٢).
وقال العز بن عبد السلام: (.... أجمع آية في القرآن للحث على المصالح كلها والزجر عن المفاسد بأسرها) (٣).
وقال شيخ الإسلام: (فمن العدل فيها ما هو ظاهر يعرفه كل أحد بعقله ... كتحريم تطفيف المكيال والميزان ووجوب الصدق والبيان وتحريم الكذب والخيانة والغش ....) (٤).
وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي: (.... ومن العدل في المعاملات أن تعاملهم في عقود البيع والشراء وسائر المعاوضات بإيفاء ما عليك؛ فلا تبخس لهم حقا، ولا تغشهم، ولا تخدعهم وتظلمهم؛ فالعدل واجب والإحسان فضيلة؛ كنفع الناس بالمال والبدن والعلم وغير ذلك من أنواع النفع) (٥).
стр. 75
٤ - الأمانة:
في اللغة ضد الخيانة (١)، وذهب الجمهور إلى أن الأمانة كل شيء يؤتمن الإنسان عليه من أمر ونهي وشأن دين ودنيا (٢).
قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَامُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨]؛ فالآية ظاهرة في أداء الأمانة عموما، وبمفهومها نهي عن الخيانة؛ أي: خيانة قولية أو فعلية.
٥ - الصدق نقيض الكذب:
وقد أمر الشارع بالصدق ورغب فيه وذم الكذب وحذر من عاقبته، فقال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: ١١٩].
قال القرطبي: (حق من فهم عن الله وعقل عنه أن يلازم الصدق في الأقوال والإخلاص في الأعمال، والصفاء في الأحوال؛ فمن كان كذلك لحق بالأبرار، ووصل إلى رضا الغفار؛ قال ﷺ : «عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وما يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا».
والكذب على الضد من ذلك؛ قال ﷺ : «إياكم والكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وإن الرجل ليكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابا» (٣).