← Общие книги

Общие книги · id 1452

الدعاوى المعاصرة المناوئة لدعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب

عبد المجيد بن محمد الوعلان

Полный текст (740 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

مقدمة إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فقد أخبر الله عن سنته الماضية في تكذيب أهل الباطل للرسل وأتباعهم، فقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ (٣٤)﴾ [الأنعام: ٣٤]. وثبت في صحيح مسلم أن النبي ﷺ قال: «ألا إن ربي أمرني أن أُعلِّمَكُم ما جهلتم، مما علّمني يومي هذا»، وقال: «إنما بعثتكَ لأَبْتليكَ وأَبتليَ بِكَ» (١). ومعناه: أمتحنك بما تلاقيه من الصبر على أذى المشركين، وأمتحنهم بما لقوا منك من القتل والجلاد (٢). فالله ابتلى نبيه ﷺ بأذى المشركين له، وكل من سار على منهج النبي ﷺ وطريقه فسيحصل له من الابتلاء ما حصل للنبي ﷺ ، وبحسب شدة التمسك بسنته يشتد الابتلاء. ولما كانت الدعوة الإصلاحية دعوة الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب ﵀ دعوة سلفية سنية على منهاج النبوة حصل لها من الابتلاء ما حصل منذ نشأتها، ولا تزال تتعرض للهجوم عليها والانتقاد لأصولها ومنهجها. ومما لوحظ ازدياد هذا الهجوم في الوقت المعاصر بوسائل وأساليب مختلفة من خلال المؤتمرات والندوات والدراسات والمواقع العنكبوتية ووسائل التواصل الاجتماعي والقنوات المرئية

стр. 2

والمسموعة، والصحف والمجلات وغيرها، وتحت مسميات عدة كمكافحة الإرهاب والتطرف، ونسبة بعض الدعوات الباطلة إليها، وإظهارها بأنها مقطوعة الصلة بالسلف الصالح ومنهجهم؛ وسبب ذلك إما الجهل بحقيقة دعوة الإمام أو الهوى أو قصد تشويهها وصرف الناس عنها. من أجل ذلك رأيت أن يكون بحثي للحصول على درجة الدكتوراه في العقيدة - بعد الاستشارة والاستخارة- بعنوان: " الدعاوى المعاصرة المناوئة لدعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ عرضًا ونقدًا ". مشكلة البحث: إن الدعوة الإصلاحية دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ كانت ولا تزال تواجه - في الداخل والخارج- هجوما عليها، وانتقادا لأصولها ومنهجها، بوسائل وأساليب مختلفة، ورميت بشبه ودعاوى، ونسبت إليها أفكار وجماعات تخالف منهجها وطريقها. وهذه الشبه والدعاوى منها ما هو جديد ومن طوائف جديدة، ومنها ما هو قديم؛ لكن تطور في وسائله وأساليبه ودخل فيه طوائف جديدة، كما اختلفت في أهدافها وأسلوبها ووسائلها وما يركز عليه منها؛ ولذا فهذا الأمر يحتاج إلى دراسة وبيان وتوضيح. حدود البحث: أولًا: اقتصر البحث على الدعاوى المعاصرة المتعلقة بدعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب. ثانيًا: اقتصر البحث على الجانب العلمي في الدعاوى من مؤتمرات وندوات ومؤلفات ومواقع انترنت علمية ونحوها؛ وذلك أن الجانب العلمي هو المؤثر من جهة حمله الشبهة، وهو الذي يمد الإعلام والسياسة والعامة والذي يعتبر تأثرها انعكاسًا له. ثالثًا: حدود البحث الزمنية: بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، ٢٢/ ٦/ ١٤٢٢ هـ الموافق ١١/ ٩/ ٢٠٠١ م، إلى العصر الحاضر، الذي زاد فيه توجيه النقد لدعوة الإمام تحت مسمى محاربة التطرف والغلو ومكافحة الإرهاب. مصطلحات البحث:

стр. 3

الدعاوى: جمع دعوى، وهي اسم لما يُدَّعى، وتطلق على الزعم (١). المعاصرة: مصدر عاصر، مأخوذة من عصر، وهي كلمة دالة على الزمان، ويختلف المراد بها باختلاف المدلول المرتبط بالكلمة. وأكثر ما تصدق عليه المعاصرة: الزمان الحالي، وعاصره عاش معه في عصر واحد (٢). وأقصد بالمعاصرة في هذا البحث الفترة بعد ٢٢/ ٦/ ١٤٢٢ هـ الموافق ١١/ ٩/ ٢٠٠١ - أي بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر-. المناوئة: المناوأة: المعاداة (٣). الإمام أو الشيخ: إذا قلت في هذا البحث الإمام أو الشيخ فأعني به الإمام المجدد محمد ابن عبد الوهاب ﵀. أهمية الموضوع وأسباب اختياره: ١ - أهمية الدفاع عن عقيدة أهل السنة والجماعة وذلك من خلال الدفاع عن الأئمة المنتسبين لها. ٢ - إبراز أهم الدعاوى المعاصرة المناوئة لدعوة الإمام، ومناقشتها والجواب عنها. ٣ - كثرة الكتب والمؤلفات والمؤتمرات والندوات وغيرها ضد دعوة الإمام. ٤ - اقتراح بعض أهل العلم وحثهم على الكتابة في هذا الموضوع؛ لأهميته والحاجة إليه في هذا الوقت. الدراسات السابقة: كثرت الدراسات والكتب والمؤلفات عن دعوة الإمام ﵀ وهذه الدراسات على عدة أنواع، منها ما يتحدث عن عقيدة الإمام ودعوته، مثل: كتاب عقيدة الشيخ محمد بن

стр. 4

عبد الوهاب السلفية وأثرها في العالم الإسلامي للشيخ د. صالح بن عبد الله العبود، ورسالة دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأثرها في العالم الإسلامي تأليف د. أحمد الزهراني. ومنها ما هو متعلق بالرد على المخالفين لدعوة الإمام ككتاب دعاوى المناوئين لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب للشيخ د. عبد العزيز بن محمد العبد اللطيف، وكتاب الانحرافات العقدية والعلمية في القرنين الثالث عشر والرابع عشر الهجريين وآثارهما في حياة الأمة للشيخ علي بن بخيت الزهراني. ومنها ما يتعلق ببعض المسائل المتعلقة بدعوة الإمام ككتاب منهج التكفير عند الشيخ محمد بن عبد الوهاب للشيخ د. أحمد الرضيمان، ومنهج الإمام محمد بن عبد الوهاب في توحيد الألوهية للشيخ د. بدر بن محمد الوهيبي. وقد جمع أحد الباحثين (مائة) كتاب من الكتب التي كتبت عن دعوة الإمام بإنصاف أو دافعت عنها: (الكتب والمؤلفات التي تحدثت عن دعوة الشيخ بإنصاف أو دافعت عنها لأبي عمر الدوسري) (١). كما أن أحد المخالفين جمع كذلك (مائة) كتاب في الرد على دعوة الإمام ﵀: (مائة كتاب في الردّ على ابن عبد الوهاب) (٢). وللدكتور أحمد بن محمد الضبيب سجلًا بيلوجرافيًا لما نشر من مؤلفات الإمام ولبعض ما كتب عنه، نشرته دار المريخ عام ١٣٩٦ هـ. ومن الرسائل المعاصرة والتي قد يكون لها بعض التداخل مع فكرة البحث ما يلي: ١ - دعاوى المناوئين لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب - عرض ونقض- رسالة ماجستير، بكلية أصول الدين، بجامعة الإمام محمد بن سعود، للشيخ عبد العزيز بن محمد العبد اللطيف (٤١١ صفحة)، وهي تعنى بذكر دعاوى المناوئين لدعوة الإمام والجواب عنها من كلام أئمة الدعوة ومن أنصارها ممن هم خارج موطنها.

стр. 5

وقد شملت الرسالة على الكلام عن دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب وبعض آثارها، ودراسة استقرائية مجملة لمؤلفات المناوئين مع موقف علماء الدعوة من هذه المؤلفات المناوئة. وخصص الباحث الباب الأول: للمفتريات التي ألصقت بدعوة الشيخ مع الرد عليها، وذكر منها: - الافتراء على الشيخ بادعاء النبوة وانتقاص الرسول ﷺ . - الزعم بأن الشيخ مشبه مجسم. - فرية إنكار كرامات الأولياء. أما الباب الثاني، فقد ذكر فيه الباحث: الشبهات المثارة حول دعوة الشيخ مع بيان الحق في ذلك، وذكر منها: - التكفير والقتال. - تحريم التوسل. - منع الاستشفاع بالنبي ﷺ . وأما الباب الثالث، فقد ذكر فيه الباحث: ما اعترض على الشيخ من قضايا الدعوة مع المناقشة لها، وذكر منها: - هدم الأبنية على القبور والنهي عن شد الرحال لزيارتها. - تقسيم التوحيد إلى توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية. - إنكار دعاء الموتى. أما الفرق بينها وبين رسالتي: أولًا: اختلاف الفترة الزمنية للدراسة، فرسالة الباحث طبعت الطبعة الأولى عام ١٤١٢ هـ- فكانت تشمل دعاوى المناوئين قبل هذه الفترة، وبحثي سيكون للفترة بعد ٢٢/ ٦/ ١٤٢٢ هـ. ثانيًا: أن الباحث ذكر في مقدمته أن الكلام سيكون عن دعاوى الرافضة والصوفية والأشعرية ونحوها، ولم يتطرق للمناوئين لدعوة الإمام من بعض الطوائف الجديدة كالليبراليين والعصرانيين وبعض من ينتسب لبعض الاتجاهات الإسلامية والفكرية المعاصرة؛ بل ممن ينتسب

стр. 6

للدعوة نفسها. وعلى سبيل المثال: التكفير، فأصل الشبهة موجود عند المناوئين السابقين؛ لكن المعاصرين زادوا فيها من جهات: - وجود طوائف جديدة شاركت في هذه التهمة؛ كالليبراليين وبعض السياسيين والمؤرخين بل حتى من بعض من ينتسب إلى هذه الدعوة. - الرجوع إلى مؤلفات الشيخ نفسه وعدم فهمها الفهم الصحيح وتنزيلها على الواقع المعاصر من جهة التكفير. - نسبة بعض الجماعات المعاصرة المعروفة بالتكفير إلى دعوة الشيخ، والربط بين التكفير والتفجير ودعوة الإمام. - اتهام دعوة الإمام بأنها دعوة إرهابية. - استخدام مصطلحات جديدة في التعبير عن التكفير في دعوة الشيخ كأحادية النظرة، ومنع الحرية الدينية، والكراهية وإلغاء الآخر الخ. - اتهام الدعوة الوهابية بعدم العذر بالجهل مطلقًا. - اتهام دعوة الإمام بالغلو في مسائل الولاء والبراء والغلو فيها. - اتهام الدعوة بالمواقف السلبية من الآخر والمسارعة في وصف الأعمال بالكفر أو الشرك أو البدعة الزندقة. ثالثا: من المسائل أيضًا الدعوى بأن دعوة الإمام تركز على توحيد الألوهية دون غيره من مسائل التوحيد. رابعا: لم يتطرق الشيخ لمسائل الإمامة. خامسا: لم يتطرق الشيخ لمسائل التطرف والعنف والتي تتهم به الجماعات المتطرفة والمتهمة بأنها متأثرة بدعوة الإمام أو منتسبة لها. سادسا: لم يتطرق الشيخ للوسائل والأساليب الجديدة كالمؤتمرات والندوات وغيرها، وما ترتب عليها من مطالبات بتصنيف دعوة الإمام من الدعوات الإرهابية … وإنما اقتصر بحث

стр. 7

الشيخ على المؤلفات والكتب. وهذا الأمر يتطلب الجواب عن تلك الشبه والدعاوى والمدافعة عن دعوة الإمام. ٢ - الدعاوى المتعلقة بمسائل العقيدة في مقررات التعليم العام في المملكة العربية السعودية، عرض وتقويم، رسالة دكتوراه في قسم العقيدة والمذاهب المعاصرة في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية للباحث أحمد بن جزاع الرضيمان (٦٠٦ صفحة). وقد خصص الباحث الباب الثاني للمسائل العقدية المنتقدة في مقررات التعليم العام في المملكة العربية السعودية، وهذا الباب وإن كان قد يحتوي على بعض المسائل التي سيتطرق لها البحث؛ ولكنها تختلف عنها من عدة جهات، منها: أولاً: أن رسالة الباحث تتحدث عن مقررات التعليم والتي تشمل بعض كتب الإمام وغيرها من الكتب، أما رسالتي فتختص بدعوة الإمام فقط. ثانيًا: أن الباحث اقتصر على الدعاوى وردها، وأما بحثي فلا يقتصر على الرد فقط؛ بل يشمل دراستها دراسة استقرائية تحليلية والمقارنة بينها وبين الدعاوى السابقة، وذكر أسبابها وأهدافها، ووسائلها وأساليبها، والآثار المترتبة عليها، وسبل الوقاية منها. ٣ - كتاب إسلامية لا وهابية للشيخ أ. د. ناصر بن عبد الكريم العقل (٤٦٦ صفحة)، وهو ملخص عن كتاب بعنوان: دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب حقيقتها ورد الشبهات حولها، مقدم إلى المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بوزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد. وقد ركز المؤلف على التأصيل وبيان المنهج الذي سارت عليه هذه الدعوة، وتوثيق ذلك من كتبهم وأقوالهم ومواقفهم والواقع العلمي والعملي الذي يعيشونه ويعتمدونه، ثم الرد على المفتريات حول هذه الدعوة من الموافقين لها ومن شهادات الآخرين غير المنتسبين لها من أهل الإنصاف؛ لكن الكتاب لم يركز على الدعاوى المعاصرة وأسبابها وأهدافها ووسائلها وأساليبها، ثم دراستها دراسة استقرائية تحليلية للخروج بآثارها وسبل الوقاية منها؛ وإنما اقتصر على

стр. 8

الدعاوى على سبيل العموم والجواب عنها. ٤ - التكفير عند جماعات العنف المعاصرة، نقد المقولات التأسيسية، رسالة ماجستير بقسم الدراسات الإسلامية بكلية التربية الإسلامية بجامعة الملك سعود للباحث: إبراهيم بن صالح العايد (٣٨٤ صفحة)، وهي تعنى بمسألة التكفير عند جماعات العنف المعاصرة ولا علاقة لها بدعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب إلا من جهة انتساب بعض أفراد هذه الجماعات لدعوة الإمام، أو تأثرهم بها، وخصوصًا ممن هم في المملكة العربية السعودية. ٥ - الإسلام الذي يريده الغرب (قراءة في وثيقة أمريكية) دراسة تحليلية لتقرير مؤسسة راند: إسلام حضاري ديموقراطي - شركاء وموارد واستراتيجيات، وهي رسالة ماجستير بجامعة أم القرى للباحث: صالح بن عبد الله الغامدي (٣٥٨ صفحة). وهذه الرسالة توافق فكرة البحث من جهة طبيعة الدراسة لما يكتب عن الإسلام والمنتسبين له؛ ولكنها تختلف من جهة اقتصارها على تقرير واحد، لجهة محددة، كما أنها لا تتحدث عن دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب فقط. ٦ - الأمن الفكري في مقررات التوحيد المرحلة الثانوية، دراسة تحليلية، رسالة ماجستير بقسم الدراسات الإسلامية بكلية التربية بجامعة الملك سعود، للباحث: أيمن بن عبد الله العليان (٤٣٨ صفحة). وقد خصص الباحث الباب الثاني للانتقادات التي تدور حول مقررات التوحيد. وذكر منها: التطرف، وسوء التعامل مع المخالف، والاضطراب والمرجعية غير العلمية، وضعف القيم الوطنية والمدنية والحضارية. وهذه الدراسة هي لمقررات المرحلة الثانوية لعام ١٤٢٩ - ١٤٣٠، وهي عبارة عن كتابين للشيخ محمد بن عثيمين والشيخ صالح الفوزان. وهذه الانتقادات ليست موجهة لدعوة الإمام مباشرة وإنما موجهة للمقررات الدراسية ولمن ينتسب لدعوة الإمام. ٧ - منهج الإمام محمد بن عبد الوهاب في توحيد الألوهية، رسالة دكتوراه بقسم الدراسات الإسلامية بكلية التربية بجامعة الملك سعود، للباحث بدر بن محمد الوهيبي (٧٠٣ صفحة).

стр. 9

وقد اقتصر الباحث على بيان منهج الإمام في توحيد الألوهية، والرد على الشبهات المتعلقة به فقط، وذكر باختصار نماذج من المؤيدين والمعارضين قديمًا وحديثًا، مع ذكر صور التأييد والمعارضة وأسبابها، كما ذكر كذلك جملة من شبه المعارضين المتعلقة بتوحيد الألوهية، وقد اقتصر الباحث على الشبه التي أوردها الإمام في كتبه ورد عليها. وقد ذكر الباحث من ضمن توصياته أهمية رصد الجهود المعاصرة للمناوئين لدعوة الإمام. ٨ - الأمن الفكري في دعوة الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ وآثاره، دراسة عقدية، رسالة مقدمة استكمالًا لمتطلبات الحصول على درجة الدكتوراه بقسم الدراسات الإسلامية بكلية التربية بجامعة الملك سعود، للباحث عايد بن مسفر العقيلي (٥٠٧ صفحة). وقد ذكر الباحث أن دراسته ستكون منصبة على مؤلفات الإمام ﵀ وما سطره، وتحليل عباراته، واستنباط مكامن الأمن الفكري ومعوقاته ومقوماته، وذلك من خلال النظر في سيرته العلمية والعملية، والدراسات المتعلقة بالإمام، وكتب التاريخ التي كتبت عن دعوته. أما بحثي فهو عن دعاوى المعاصرين المناوئين ودراستها دراسة استقرائية تحليلية والمقارنة بينها وبين دعاوى المناوئين السابقين، وذكر أطراف هذه الحملة وأوجه التوافق بينهم، وأسبابها وأهدافها، وسائلها وأساليبها، والآثار المترتبة عليها، وسبل الوقاية منها. أهداف البحث: ١ - بيان عقيدة الإمام محمد بن عبد الوهاب، وأنها هي عقيدة السلف. ٢ - ذكر أهم الدعاوى المعاصرة المناوئة لدعوة الإمام، والجديد فيها. ٣ - الوقوف على أسباب الدعاوى المعاصرة المناوئة لدعوة الإمام وأهدافها ووسائلها وأساليبها. ٤ - بيان الآثار المترتبة على الدعاوى المعاصرة المناوئة لدعوة الإمام وسبل الوقاية منها. أسئلة البحث:

стр. 10

١ - ما عقيدة الإمام محمد بن عبد الوهاب؟ وهل هي عقيدة السلف؟ ٢ - ما أهم الدعاوى المعاصرة المناوئة لدعوة الإمام؟ وما الجديد فيها؟ ٣ - ما أسباب الدعاوى المعاصرة المناوئة لدعوة الإمام؟ وما أهدافها؟ وما وسائلها وأساليبها؟ ٤ - ما الآثار المترتبة على الدعاوى المعاصرة المناوئة لدعوة الإمام، وما سبل الوقاية منها؟ منهج البحث: سلك الباحث المنهج الاستقرائي التحليلي. إجراءات البحث: سيقوم الباحث - بإذن الله - في بحثه بالإجراءات التالية: ١ - جمع لما قيل عن دعوة الإمام من المعاصرين المناوئين في نطاق البحث. ٢ - حصر أهم الدعاوى المعاصرة المناوئة لدعوة الإمام والجواب عنها، ومقارنتها بدعاوى السابقين. ٣ - سبر هذه الدعاوى، ودراستها وتصنيفها، وتقسيمها على فصول ومباحث الرسالة. ٤ - سأقوم - بإذن الله - بمناقشة كل دعوى كما يلي: أ- ذكر الدعوى ومن صدرت منه من المعاصرين مع توثيق ذلك من كتبهم أو مقالاتهم. ب- بيان حقيقة هذه الدعوى ومن قال بها من المتقدمين. ج- بيان عقيدة أهل السنة والجماعة في هذه الدعوى. د- الجواب عن هذه الدعوى، وسيكون على النحو التالي: - دعوى قديمة مكررة، وأكتفي بالإشارة لها مع الإحالة للكتب المعتبرة التي أجابت عنها. - دعوى قديمة؛ ولكن حصل لها إضافة أو تطور أو تغير في أسلوبها ووسائلها فسيكون الجواب عنها مختصرًا كذلك إلا في الإضافة

стр. 11

والتطور فيكون الجواب عنه مفصلًا. - دعوى جديدة، وسيكون الجواب عنها مفصلًا. ٥ - الالتزام بمناهج البحث الأكاديمية المعتبرة، كما في دليل الدراسات العليا، والقيام بما هو متعارف عليه في مناهج البحث العلمي الشرعي، ومن ذلك: أ- أعزو الآيات إلى مواضعها في القرآن الكريم وأكتبها بالرسم العثماني. ب- أخرج الأحاديث الواردة في البحث من مصادرها، وأنقل الحكم عليها من كلام أهل العلم؛ إلا ما كان في الصحيحين أو في أحدهما فأكتفي بالعزو إليهما لتلقي الأمة لهما بالقبول. ج- أوثق النصوص بعزوها إلى مصادرها. د- أترجم لغير المشهورين من الأعلام غير المناوئين، ولا أترجم للمناوئين. هـ- أعرف بالملل والنحل والفرق، وكذا الأماكن والبلدان. و- أعرف بالمصطلحات والألفاظ الغريبة وأضبطها بالشكل. ز- أعمل الفهارس اللازمة. ٦ - ما أنقله من كتب المخالفين، أنقل معه ما يحتاج إليه من الحواشي كما هي دون أي تصرف. خطة البحث: اشتمل البحث على مقدمة، وتمهيد، وسبعة فصول، وخاتمة. المقدمة: وفيها مشكلة البحث، وحدوده، ومصطلحاته، وأهمية الموضوع وأسباب اختياره، والدراسات السابقة، وأهداف البحث وأسئلته، ومنهجه وإجراءاته، وخطة البحث ومراجعه. تمهيد: تعريف بالإمام محمد بن عبد الوهاب وعقيدته. أولًا: ترجمة مختصرة للإمام. ثانيًا: مجمل عقيدة الإمام.

стр. 12

الفصل الأول: الدعاوى المتعلقة بالتوحيد والإيمان. وفيه ثلاثة مباحث: المبحث الأول: المراد بالتوحيد والإيمان. المبحث الثاني: عقيدة أهل السنة والجماعة في التوحيد والإيمان. المبحث الثالث: الدعاوى المتعلقة بالتوحيد والإيمان والجواب عنها. الفصل الثاني: الدعاوى المتعلقة بالإمامة. وفيه ثلاثة مباحث: المبحث الأول: المراد بالإمامة. المبحث الثاني: عقيدة أهل السنة والجماعة في الإمامة. المبحث الثالث: الدعاوى المتعلقة بالإمامة والجواب عنها. الفصل الثالث: الدعاوى المتعلقة بالتكفير والقتال. وفيه ثلاثة مباحث: المبحث الأول: المراد بالتكفير والقتال. المبحث الثاني: عقيدة أهل السنة والجماعة في التكفير والقتال. المبحث الثالث: الدعاوى المتعلقة بالتكفير والقتال والجواب عنها. الفصل الرابع: الدعاوى المتعلقة بالغلو والتطرف. وفيه ثلاثة مباحث: المبحث الأول: المراد بالغلو والتطرف. المبحث الثاني: وسطية أهل السنة والجماعة.

стр. 13

المبحث الثالث: الدعاوى المتعلقة بالغلو والتطرف والجواب عنها. الفصل الخامس: الدعاوى المتعلقة بالولاء والبراء. وفيه ثلاثة مباحث: المبحث الأول: المراد بالولاء والبراء. المبحث الثاني: عقيدة أهل السنة والجماعة في الولاء والبراء. المبحث الثالث: الدعاوى المتعلقة بالولاء والبراء والجواب عنها. الفصل السادس: أهداف الدعاوى المعاصرة ووسائلها وأساليبها. وفيه مبحثان: المبحث الأول: أهداف الدعاوى المعاصرة. المبحث الثاني: وسائل المناوئين وأساليبهم. الفصل السابع: الآثار المترتبة على الدعاوى المعاصرة والمقارنة بينها وبين الدعاوى السابقة وسبل الوقاية منها. وفيه ثلاثة مباحث: المبحث الأول: الآثار المترتبة على الدعاوى. المبحث الثاني: المقارنة بين الدعاوى السابقة والدعاوى المعاصرة. المبحث الثالث: سبل الوقاية من الدعاوى. الخاتمة: وفيها أهم النتائج والتوصيات.

стр. 14

الفهارس العامة (١). الصعوبات التي واجهت الباحث: ١ - تنوع أساليب ووسائل المناوئين المعاصرين في نشر دعاويهم، من خلال الشبكة العنكبوتية، ووسائل التواصل، مما أدى إلى تكرارها، وبذل الوقت في فرزها. ٢ - تعدد الأطراف المناوئة لدعوة الإمام، مع اختلاف أفكارها وتوجهاتها، مما احتاج معه الباحث إلى البحث في أكثر من جهة. ٣ - استخدام أسماء مختلفة للطعن في دعوة الإمام، فتارة بالوهابية، وتارة بالسلفية، وتارة بالدعوة النجدية الخ، فيحتاج الباحث إلى تتبع ذلك كله. ٤ - كثرة المؤلفات المعاصرة المناوئة لدعوة الإمام. ٥ - كثرة المؤلفات المعاصرة المناوئة لدعوة الإمام باللغات المختلفة مع عدم إجادة الباحث لها؛ فرجع الباحث إلى ما ترجم منها.

стр. 15

وفي الختام: فإني أشكر الله وأحمده على ما يسر وأعان على إتمام هذا البحث، الذي أسأل الله أن يكون صالحاً ولوجهه خالصاً. كما أشكر بعد شكر الله والدي ووالدتي الذين أحسنوا تربيتي، وكان توجهي للدراسة الشرعية بدعوة صادقة من والدتي، وأشكر زوجتي وأبنائي على تحملهم معي أعباء الدراسة وتسهيل أموري، وأشكر جامعة الملك سعود ممثلة في كلية الدراسات الإسلامية مسار العقيدة التي أتاحت لي هذه الفرصة لمواصلة الدراسة، وكذا الرئاسة العامة لهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر التي وافقت على مواصلتي للدراسة. كما أتوجه بالشكر لفضيلة الشيخ: أ. د. محمد بن عبد الله السحيم المشرف على هذه الرسالة على ما بذله من جهد ووقت، ونصح وتوجيه، أسأل الله أن يكون ذلك في ميزان حسناته. كما أشكر الأساتذة المشايخ الأفاضل الذين تكرموا بقبول مناقشة الرسالة، وأسأل الله لهم التوفيق والسداد، وأن أكون عند حسن ظنهم. كما أشكر كل من ساهم معي في هذه الرسالة، وأخص منهم سماحة الوالد الشيخ عبد الرحمن البراك - الذي تفضل عليّ بالموافقة على قرأت بعض مباحث الرسالة-، وفضيلة الشيخ د. عبد الله العنقري، وفضيلة الشيخ د. محمد الشايع، وغيرهم، وأشكر زملائي في العمل الذين أعانوني في عملي مما كان له الأثر في تسهيل الدراسة عليّ. وبعد فهذا جهد المقل وأستغفر الله وأتوب إليه من الزلل والتقصير، والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. عبد المجيد بن محمد الوعلان Awalaan@gmail.com

стр. 16

تمهيد تعريف بالإمام محمد بن عبد الوهاب وعقيدته أولًا: ترجمة مختصرة للإمام. ثانيًا: مجمل عقيدة الإمام.

стр. 17

أولًا: ترجمة مختصرة للإمام (١) الإمام محمد بن عبد الوهاب بن سليمان آل مشرف التميمي (١١١٥ - ١٢٠٦ هـ) إمام من أئمة أهل السنة، ومجدد الدعوة على منهاج النبوة، دعى الناس لتوحيد الله، وإخلاص العبادة له، وإلى نبذ الشرك وأهله، ومحاربة البدع. مولده: ولد الإمام محمد بن عبد الوهاب سنة (١١١٥ هـ) في بلدة العيينة (٢). نسبه: هو محمد بن عبد الوهاب بن سليمان بن علي بن محمد بن أحمد بن راشد بن بريد بن محمد بن بريد بن مشرف التميمي. من المشارفة آل مشرف من المعاضيد من فخذ آل زاخر من قبيلة الوَهْبة من بني حِنْظلة من قبيلة بني تميم، فيقال له: (المشرفي) نسبة إلى جده مشرّف وأسرته آل مشرّف، ويقال: (الوهيبي) نسبة إلى جده وهيب أو (الوهبي) نسبة لقبيلته الوهبة، ويقال (التميمي) نسبة إلى تميم. أما والدته؛ فهي ابنة محمد بن عزاز المشرفي الوهيبي التميمي (٣).

стр. 18

أولاده: للشيخ محمد بن عبد الوهاب سبعة من الأولاد (ستة أبناء وبنت)، وهم: حسن- وقد توفي في حياة أبيه-، وحسين، وإبراهيم - توفي ولم يعقب-، وعبد الله وعلي، وفاطمة، وعبد العزيز- وقد توفي في حياة أبيه- (١). نشأته العلمية: ولد ﵀ لأسرة ينسب إليها عدد من العلماء، فكان جدّه سليمان بن علي بن مشرف من أشهر العلماء في الجزيرة العربية في عصره، وكذلك كان والده عالما فقيهًا على مذهب الإمام أحمد بن حنبل وأحد القضاة المعروفين، فقد تولى القضاء في عدة جهات؛ مثل: العيينة وحريملاء، وكان عمه الشيخ إبراهيم بن سليمان من مشاهير العلماء في تلك البلاد (٢). تعلم القرآن الكريم وحفظه عن ظهر قلب قبل بلوغه عشر سنين (٣)، وقرأ على أبيه في الفقه، وتذكر مصادر الترجمة أنه كان مشهوراً بحدة ذهنه وسرعة حفظه وحبه للمطالعة في كتب التفسير والحديث وكلام العلماء في أصل الإسلام؛ حتى إن أباه كان يتعجب من فهمه ويقول: "لقد استفدت من ولدي محمد فوائد من الأحكام" (٤). وكتب أبوه إلى بعض إخوانه رسالة نوه فيها بشأنه وقوة فهمه، وجودة حفظه مع سرعة الكتابة؛ بحيث إنه يخط كراساً بخط واضح في الجلسة الواحدة بلا سأم ولا تعب مما يحير أصحابه (٥).

стр. 19

رحل إلى مكة والمدينة لطلب العلم (١)، والتقى في سفره بالعديد من العلماء، ومنهم الشيخ عبد الله بن سيف، كما تلقى علم الحديث النبوي ومروياته الحديثية لجميع كتب السنة كالصحاح والسنن والمسانيد وكتب اللغة والتوحيد وغيرها من العلوم عن شيخيه: العلامة عبد الله الفرضي الحنبلي والمحدث محمد حياة السندي، ثم توجه إلى الأحساء فأخذ عن شيوخها، ومنهم الشيخ ابن عبد اللطيف الحنبلي، وزار البصرة وبغداد؛ ودرس على محمد المجموعي (٢). أما ما قيل من أنه سافر إلى الشام -كما ذكره خير الدين الزركلي (٣) في الأعلام-، وإلى فارس وإيران وقم وإصفهان -كما يذكره بعض المستشرقين ونحوهم في مؤلفاتهم (٤) - فهذا غير صحيح؛ لأن حفيده الشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ وابنه عبد اللطيف وابن بشر نصوا على أن الإمام لم يتمكن من السفر إلى الشام، وقد اعتمد أغلبهم على كتاب لمع الشهاب لمؤلف مجهول، فانخدعوا به، ولا يصح التعويل على هذا الكتاب. ومع حرص المترجمين للإمام محمد بن عبد الوهاب على تدوين كل ما يتصل برحلاته وبأسماء العلماء الذين تلقى العلم عنهم، وبذكر البلاد التي زارها فإنهم يكادون يتفقون على عدم صحة ما ورد في كتاب لمع الشهاب (٥). وبعد مضي سنوات على رحلته عاد إلى بلدة حريملاء التي انتقل إليها والده بعد أن تعين على العيينة الأمير عثمان بن حمد بن معمر والذي لم يرق له بقاء عبد الوهاب في القضاء فعزله عنه، فغادرها عبد الوهاب إلى حريملاء وأقام بها وتولى قضاءها. فأقام الإمام في حريملاء مع أبيه يدرس عليه، ويدعو إلى التوحيد، ويبين بطلان دعوة غير الله (٦).

стр. 20

شيوخه: ١ - والده: الشيخ عبد الوهاب ابن الشيخ سليمان بن علي (ت ١١٥٣). ٢ - عمه: الشيخ إبراهيم ابن الشيخ سليمان بن علي (ت ١١٤١)، وأخذ عنهما جملة من العلوم وبخاصة علم الفقه. ٣ - الشيخ عبد الله بن سالم البصري، المكي الشافعي (ت ١١٣٤)، مسند الحجاز. ٤ - الشيخ عبد الله بن إبراهيم بن سيف (ت ١١٤٠)، من فقهاء المدينة، وأخذ عنه العلم في فنون شتى ولا سيما علم الحديث والعربية. ٥ - الشيخ محمد حياة بن إبراهيم السندي (ت ١١٦٣)، من كبار المحدثين في عصره، وهو من أخص تلاميذ الشيخ محمد بن عبد الهادي السندي، صاحب الحواشي الشهيرة على المسند والكتب الستة. ٦ - الشيخ إسماعيل بن محمد العجلوني الشامي (ت ١١٦٢)، صاحب المصنف الشهير (كشف الخفاء ومزيل الإلباس عما اشتهر من الأحاديث على ألسنة الناس). ٧ - الشيخ علي أفندي بن صادق بن محمد بن إبراهيم بن محب الله حسين بن محمد الحنفي الداغستاني (ت ١١٩٩)، وأخذ عنه علم الحديث إجازة. ٨ - الشيخ الجليل: محمد المجموعي، من علماء البصرة. ٩ - الشيخ عبد الله بن فيروز الأحسائي أبو محمد الكفيف (ت ١١٧٥)، ووجد عنده من كتب شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم ما سر به. وغيرهم (١). تلاميذه: أخذ عن الإمام محمد بن عبد الوهاب كثير من أهل الدرعية والواردين عليها، ومنهم:

стр. 21

١ - الشيخ حسين بن الإمام محمد بن عبد الوهاب (ت ١٢٢٤)، أخذ عن أبيه، واستكمل فنون العلم، وفاق بالمعرفة أقرانه. ٢ - الشيخ عبد الله بن الإمام محمد بن عبد الوهاب (ت ١٢٤٢ هـ) بمصر، أخذ عن أبيه، فكان آية في العلم ومعرفته ومعرفة فنونه. ٣ - الشيخ علي بن الإمام محمد بن عبد الوهاب، كان عالما جليلا ورعا دينا فقيها يضرب به المثل في بلد الدرعية، و"الغالب على الظن أن الشيخ عليا توفي سنة (١٢٤٥) بمصر" (١). ٤ - الشيخ حمد بن ناصر بن عثمان بن معمر (ت ١٢٢٥) بمكة، وكان عالماً جليلاً. ٥ - الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن إبراهيم الحصيني الناصري التميمي (ت ١٢٣٧)، أخذ عن الإمام وعن أبنائه وغيرهم في الدرعية بعد أن سبق له أخذ الفقه أولاً عن الشيخ إبراهيم بن محمد بن إسماعيل في بلدة شقراء. ٦ - الشيخ سعيد بن حجي (ت ١٢٢٩): رحل إلى الدرعية، فقرأ على الإمام، كما أخذ عن ابني الإمام حسين وعبد الله، وقرأ على الشيخ حمد بن ناصر بن معمر وغيرهم من علماء الدرعية. ٧ - الشيخ محمد بن سويلم، ولد في الدرعية ونشأ فيها، فأخذ يتلقى العلم عن الإمام محمد بن عبد الوهاب وعن ابنيه العالمين حسين وعبد الله. قال ابن بسام: "ولم أقف على تاريخ وفاته ﵀ " (٢). ٨ - حفيده المجدد الثاني للدعوة الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب (ت ١٢٨٥). وغيرهم كثير (٣).

стр. 22

دعوته: كان لبيئة الإمام ﵀ أثر كبير في مسيرته العلمية والدعوية؛ إذ أبصر واقع الناس من حوله؛ وما كانوا عليه في حياتهم ودينهم -في الغالب- من تناقض وتصادم مع ما نشأ عليه من علم وما عرفه من الحق من خلال طلبه للعلم ومطالعته لكتب المحققين من علماء السلف الصالح (١). فأخذ ﵀ ينكر ما شاع في مجتمعه من شركيات وبدع وخرافات؛ مما جعله في مواجهة للمعارضة من علماء السوء، وتلبيساتهم وشبهاتهم، وتأليب العامة عليه، وتهمتهم إياه بالانحراف والجهل؛ فقام الإمام بدعوة المسلمين لتوحيد الله ، والتخلص من البدع والخرافات، وقد كان كتاب التوحيد أحد مؤلفاته التي ساق فيه الأدلة من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ (٢). فبدأت الدعوة في لين ورفق من الإمام بين أتباعه وأهله في بلدته العيينة إلا أنه لقي معارضة شديدة من بعض أهل بلدته؛ ولكن الإمام استمر في دعوته سالكًا جميع الطرق والوسائل لإيصال الحق للناس (٣). ثم خرج الإمام من العيينة، وكان سبب إخراجه من العيينة هو أن ابن معمر أمير العيينة خاف من حاكم الإحساء أن يقطع عنه المعونة، فأخرج الإمام منها (٤). فتوجه الإمام إلى الدرعية، فلما وصل إليها قصد بيت عبد الله بن سويلم، فلما دخل عليه ضاقت عليه داره وخاف على نفسه من محمد بن سعود، فوعظه الإمام وأسكن جأشه، وقال:

стр. 23

"سيجعل الله لنا ولك فرجاً ومخرجاً" (١). ثم انتقل الإمام إلى بيت تلميذه أحمد بن سويلم، وهناك بدأ التزاور بين خواص أهل العلم من الدرعية، ولما اطلعوا على دعوة الإمام أرادوا أن يشيروا على ابن سعود بنصرته فهابوه، فأتوا إلى زوجته موضي وأخيه ثنيان فأخبروهما بمكان الإمام ووصف ما يأمر به وينهى عنه فاتبعا دعوة الإمام وقررا نصرته (٢). دخل محمد بن سعود على زوجته فأخبرته بمكان الإمام وقالت له: "هذا الرجل ساقه الله إليك، وهو غنيمة فاغتنم ما خصك الله به"، فقبل قولها، ثم دخل على أخيه ثنيان وأخيه مشاري فأشارا عليه بمساعدته ونصرته. فأراد أن يرسل إليه فقالوا: "سر إليه برجلك في مكانه، وأظهر تعظيمه والاحتفال به، لعل الناس أن يكرموه ويعظموه"، فذهب محمد بن سعود إلى مكان الإمام ورحب به، وأبدى غاية الإكرام والتبجيل، وأخبره أنه يمنعه بما يمنع به نساءه وأولاده. وقال له: "أبشر ببلاد خير من بلادك وأبشر بالعزة والمنعة"، فقال الإمام: "وأنا أبشرك بالعزة والتمكين، وهذه كلمة "لا إله إلا الله" من تمسك بها وعمل بها ونصرها ملك بها البلاد والعباد، وهي كلمة التوحيد، وأول ما دعت إليه الرسل من أولهم إلى آخرهم، وأنت ترى نجداً وأقطارها أطبقت على الشرك والجهل والفرقة وقتال بعضهم بعض؛ فأرجو أن تكون إماماً يجتمع عليه المسلمون وذريتك من بعدك" (٣). وتعاهد الإمامان على حمل الدعوة على عاتقيهما، والدفاع عنها، والدعوة للدين الصحيح، ومحاربة البدع، ونشر كل ذلك في جميع أرجاء جزيرة العرب (٤). واشترط الأمير محمد بن سعود على الإمام شرطين: - أن لا يرجع عنه إن نصرهم الله ومكنهم.

стр. 24

- أن لا يمنع الأمير من الخراج الذي ضربه على أهل الدرعية وقت الثمار. فقال الإمام: "أما الأولى: فابسط يدك، الدم بالدم والهدم بالهدم. وأما الثانية: فلعل الله يفتح عليك الفتوحات وتنال من الغنائم ما يغنيك عن الخراج" (١). واستمرت الدعوة إلى التوحيد والإخلاص لله ونبذ الشرك وأهله ومحاربة البدع، والدعوة إلى العودة إلى منهج السلف الصالح في العقيدة والعبادة، واستمر الإمام على ذلك إلى وفاته ﵀. وفاته: توفي الإمام ﵀ في العيينة بسبب مرض ألم به في أول شوال، ثم كانت وفاته في يوم الاثنين من آخر الشهر في عام ١٢٠٦ هـ (٢)، وقيل: "كانت وفاته آخر ذي القعدة من السنة المذكورة" (٣). ولعل "قول ابن غنام - أنه في أول شوال- أرجح لتقدمه في الزمن على ابن بشر ولمعاصرته له وشهوده زمن وفاته وتدوينه لتاريخه" (٤). وكان الإمام بلغ من العمر نحو اثنتين وتسعين سنة، وتوفي ولم يخلف مالاً يقسم بين ورثته (٥). مؤلفاته: أما عن مؤلفاته فهي كثيرة جداً، فقد قام بتأليف عدد من الكتب والرسائل، منها:

стр. 25

١ - كتاب الأصول الثلاثة: وهي معرفة الرب، ومعرفة دين الإسلام بالأدلة، ومعرفة الرسول ﷺ . ٢ - كتاب التوحيد: وهو من أشهر مؤلفاته، ذكر فيه التوحيد الذي أوجبه الله على عباده وخلقهم لأجله، وذكر ما ينافيه من الشرك الأكبر، أو ينافي كماله الواجب من الشرك الأصغر. ٣ - كتاب كشف الشبهات: وكشف فيه الشبهات التي يتعلق بها عباد القبور والأولياء. ٤ - كتاب القواعد الأربع: ومضمون هذه القواعد الأربع التي ذكرها الإمام ﵀: معرفة التوحيد ومعرفة الشرك. ٥ - كتاب أصول الإيمان: جمع فيه الإمام الأحاديث التي في الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله وما يتصل بذلك من أمور. ٦ - كتاب فضل الإسلام: وقد وضح فيه معتقده حول مفاسد البدع والشرك، وشروط الإسلام. ٧ - كتاب مسائل الجاهلية: وذكر فيه مئة وإحدى وثلاثين مسألة خالف الرسول ﷺ فيها معتقدات أهل الجاهلية. ٨ - كتاب السيرة: وهو ملخص من كتاب السيرة لابن هشام. ٩ - كتاب مختصر الهدي النبوي: وهو ملخص لكتاب زاد المعاد لابن القيم. ١٠ - كتاب شروط الصلاة وأركانها وواجباتها: وقد بينت هذه الرسالة شروط الصلاة، وذكرت أركانها وواجباتها. ١١ - كتاب ستة مواضع من السيرة: وهي رسالة مختصرة توضح ستة أحداث من السيرة النبوية، وهي: - الأول: قصة نزول الوحي. - الموضع الثاني: أنه لما قام ينذرهم عن الشرك، ويأمرهم بضده - وهو التوحيد- لم يكرهوا ذلك واستحسنوه، وحدثوا أنفسهم بالدخول فيه، إلى أن صرح بسب دينهم وتجهيل علمائهم، فحينئذ شمروا له ولأصحابه عن ساق

стр. 26

العداوة. - الموضع الثالث: قصة قراءته سورة النجم، بحضرتهم. - الموضع الرابع: قصة أبي طالب. - الموضع الخامس: قصة الهجرة. - الموضع السادس: قصة الردة، بعد موت النبي ﷺ . ١٢ - كتاب مجموع الحديث على أبواب الفقه: رتب فيه الأحاديث على أبواب الفقه، وذكر فيه ما يزيد على (٤٥٤٥) حديثا وأثرا. ١٣ - كتاب مختصر الإنصاف والشرح الكبير: وهو اختصار كتابين من أشهر وأوسع ما صنف في الفقه الحنبلي، "الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف" للمرداوي، والثاني: "الشرح الكبير" لابن قدامة المقدسي. ١٤ - كتاب مختصر الصواعق: وهو اختصار لكتاب الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة لابن القيم. ١٥ - كتاب مختصر فتح الباري، وهو اختصار لكتاب فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن حجر العسقلاني. ١٦ - كتاب مختصر الإيمان: وهو اختصار لكتاب الإيمان لشيخ الإسلام ابن تيمية. ١٧ - كتاب آداب المشي إلى الصلاة، والذي يشتمل على فقه الصلاة والزكاة والصيام. ١٨ - أحاديث في الفتن والحوادث ويشتمل على مائتي حديث. ١٩ - الخطب المنبرية، وهو عبارة عن مجموع لبعض خطب الإمام في موضوعات متنوعة. ٢٠ - الرسائل الشخصية، وهو عبارة الرسائل التي كان يرسلها الإمام للدعوة وبيان الحق والرد على المخالفين. ٢١ - تفسير آيات من القرآن الكريم. ٢٢ - رسالة في الرد على الرافضة. ٢٣ - منسك الحج.

стр. 27

وغيرها من المؤلفات (١).

стр. 28

ثانيًا: مجمل عقيدة الإمام سار الإمام الإمام محمد بن عبد الوهاب على عقيدة أهل السنة والجماعة، متبعًا في ذلك الكتاب والسنة بفهم السلف الصالح، موافقًا في ذلك للأئمة الأربعة: أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد بن حنبل ﵏، فجاء بالإسلام الصافي الخالي من الشوائب، فلم يبتدع شيئًا جديدا، بل سار على منهج السلف، يقول ﵀: " بل أقول - ولله الحمد والمنة وبه القوة: إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم دينا قيما ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين، ولست - ولله الحمد - أدعو إلى مذهب صوفي، أو فقيه، أو متكلم، أو إمام من الأئمة الذين أعظمهم، مثل ابن القيم (١)، والذهبي (٢)، وابن كثير (٣)، أو غيرهم، بل أدعو إلى الله وحده لا شريك له، وأدعو إلى سنة رسول الله ﷺ التي أوصى بها أول أمته وآخرهم، وأرجو أني لا أرد الحق إذا أتاني، بل أشهد الله وملائكته وجميع خلقه: إن أتانا منكم كلمة من الحق لأقبلنها على الرأس والعين; ولأضربن الجدار بكل ما خالفها من أقوال أئمتي، حاشا رسول الله ﷺ فإنه لا يقول إلا الحق" (٤).

стр. 29

وكانت جل دعوته إعادة الناس إلى تحقيق التوحيد والإخلاص لله، ونبذ الشرك وأهله، وترك البدع، الذي كثر في وقته من الاستغتاثة بالأموت، والتقرب لهم، والبناء على القبور والتعامل بالسحر وغيرها من مظاهر الشرك والبدع والتي تنافي عقيدة التوحيد أو تنقصها، ودعوة الناس لنبذ كل ما يخالف الإسلام (١). وقد بين الإمام ﵀ عقيدته في مواضع كثيرة من كتبه ورسائله، ومن ذلك رسالته التي بعث بها إلى أهل القصيم (٢)؛ لما سألوه عن معتقده؛ لذي يوضح فيها أنه كان متبعًا لما كان عليه سلف الأمة من القرون الثلاثة المفضلة، يقول ﵀: قوله ﵀ في مجمل عقيدته: "أشهد الله ومن حضرني من الملائكة، وأشهدكم أني أعتقد ما اعتقدته الفرقة الناجية: أهل السنة والجماعة من الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت، والإيمان بالقدر خيره وشره". قوله ﵀ في الأسماء والصفات: "ومن الإيمان بالله: الإيمان بما وصف به نفسه في كتابه على لسان رسوله ﷺ من غير تحريف ولا تعطيل، بل أعتقد أنّ الله ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، فلا

стр. 30

أنفي عنه ما وصف به نفسه، ولا أحرّف الكلم عن مواضعه، ولا ألحد في أسمائه وآياته، ولا أكيّف، ولا أمثّل صفاته تعالى بصفات خلقه؛ لأنه تعالى لا سميّ له ولا كفؤ له، ولا ند له، ولا يقاس بخلقه؛ فإنه سبحانه أعلم بنفسه وبغيره، وأصدق قيلاً وأحسن حديثاً، فنزّه نفسه عما وصفه به المخالفون من أهل التكييف والتمثيل، وعمّا نفاه عنه النافون من أهل التحريف والتعطيل فقال: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠)﴾ [الصافات: ١٨٠] ". قوله ﵀ في القدر: "والفرقة الناجية وسط في باب أفعاله تعالى بين القدرية (١) والجبرية (٢)، وهم في باب وعيد الله وسط بين المرجئة (٣) والوعيدية (٤) ". "وأومن بأن الله فعال لما يريد، ولا يكون شيء إلا بإرادته، ولا يخرج شيء عن مشيئته، وليس شيء في العالم يخرج عن تقديره، ولا يصدر إلا عن تدبيره، ولا محيد لأحد عن القدر المحدود، ولا يتجاوز ما خط له في اللوح المسطور".

стр. 31

قوله ﵀ في مسائل الإيمان والصحابة: "وهم وسط في باب الإيمان والدين بين الحرورية (١) والمعتزلة (٢)، وبين المرجئة والجهمية (٣)، وهم وسط في باب أصحاب رسول الله ﷺ بين الروافض (٤) والخوارج (٥) ". قوله ﵀ في القرآن: "وأعتقد أن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق منه بدأ وإليه يعود، وأنه تكلم به حقيقة، وأنزله على عبده ورسوله وأمينه على وحيه وسفيره بينه وبين عباده نبينا محمد ﷺ ".

стр. 32

قوله ﵀ في الإيمان باليوم الآخر: "وأعتقد الإيمان بكل ما أخبر به النبي ﷺ مما يكون بعد الموت، فأومن بفتنة القبر ونعيمه، وبإعادة الأرواح إلى الأجساد، فيقوم الناس لرب العالمين حفاة عراة غرلاً، تدنو منهم الشمس، وتنصب الموازين، وتوزن بها أعمال العباد، فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون، ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم في جهنم خالدون، وتنشر الدواوين فآخذ كتابه بيمينه، وآخذ كتابه بشماله. وأومن بحوض نبينا محمد ﷺ بعرصة (١) القيامة، ماؤه أشد بياضاً من اللبن، وأحلى من العسل. آنيته عدد نجوم السماء من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبداً، وأومن بأن الصراط منصوب على شفير جهنم يمر به الناس على قدر أعمالهم. وأومن بشفاعة النبي ﷺ وأنه أول شافع وأول مشفع، ولا ينكر شفاعة النبي ﷺ إلا أهل البدع والضلال، ولكنها لا تكون إلا من بعد الإذن والرضا كما قال تعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨]، وقال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وقال تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النجم: ٢٦]، وهو لا يرضى إلا التوحيد، ولا يأذن إلا لأهله، وأما المشركون فليس لهم من الشفاعة نصيب، كما قال تعالى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر: ٤٨]. وأومن بأن الجنة والنار مخلوقتان، وأنهما اليوم موجودتان، وأنهما لا يفنيان، وأنّ المؤمنين يرون ربهم بأبصارهم يوم القيامة، كما يرون القمر ليلة البدر لا يضامون في رؤيته". قوله ﵀ في الإيمان بالرسل والصحابة وكرامات الأولياء: "وأومن بأن نبينا محمداً ﷺ خاتم النبيين والمرسلين، ولا يصح إيمان عبد حتى يؤمن برسالته، ويشهد بنبوته، وأن أفضل أمته أبو بكر الصديق، ثم عمر الفاروق، ثم عثمان ذو

стр. 33

النورين، ثم علي المرتضى، ثم بقية العشرة، ثم أهل بدر، ثم أهل الشجرة أهل بيعة الرضوان، ثم سائر الصحابة ﵃، وأتولى أصحاب رسول الله ﷺ ، وأذكر محاسنهم، وأترضى عنهم، وأستغفر لهم، وأكف عن مساويهم، وأسكت عما شجر بينهم، وأعتقد فضلهم عملاً بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٠)﴾ [الحشر: ١٠]، وأترضى عن أمهات المؤمنين المطهرات من كل سوء، وأقر بكرامات الأولياء وما لهم من المكشفات إلا أنهم لا يستحقون من حق الله تعالى شيئاً، ولا يطلب منهم ما لا يقدر عليه إلا الله". قوله ﵀ في المؤمن العاصي: "ولا أشهد لأحدٍ من المسلمين بجنة ولا نار إلا من شهد له رسول الله ﷺ ، ولكني أرجو للمحسن، وأخاف على المسيء، ولا أكفر أحداً من المسلمين بذنب، ولا أخرجه من دائرة الإسلام". قوله ﵀ في مسائل الإمامة: "وأرى الجهاد ماضياً مع كل إمام براً كان أو فاجراً، وصلاة الجماعة خلفهم جائزة، والجهاد ماض منذ بعث الله محمداً ﷺ إلى أن يقاتل آخر هذه الأمة الدجال، لا يبطله جور جائر ولا عدل عادل. وأرى وجوب السمع والطاعة لأئمة المسلمين برهم وفاجرهم ما لم يأمروا بمعصية الله، ومن ولي الخلافة واجتمع عليه الناس ورضوا به وغلبهم بسيفه حتى صار خليفة وجبت طاعته، وحرم الخروج عليه". قوله ﵀ في أهل البدع: "وأرى هجر أهل البدع ومباينتهم حتى يتوبوا، وأحكم عليهم بالظاهر، وأكل سرائرهم إلى

стр. 34

الله، وأعتقد أن كل محدثة في الدين بدعة". قوله ﵀ في الإيمان: "وأعتقد أن الإيمان قول باللسان وعمل بالأركان واعتقاد بالجنان: يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، وهو بضع وسبعون شعبة أعلاها: شهادة أن لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، وأرى وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على ما توجبه الشريعة المحمدية المطهرة. فهذه عقيدة وجيزة حررتها وأنا مشتغل البال؛ لتطلعوا على ما عندي، والله على ما نقول وكيل ". هذه عقيدته التي يعتقدها ﵀، وهي موافقة لما عليه عقائد أهل السنة والجماعة من القرون المفضلة (١).

стр. 35

الفصل الأول الدعاوى المتعلقة بالتوحيد والإيمان وفيه ثلاثة مباحث: المبحث الأول: المراد بالتوحيد والإيمان. المبحث الثاني: عقيدة أهل السنة والجماعة في التوحيد والإيمان. المبحث الثالث: الدعاوى المتعلقة بالتوحيد والإيمان والجواب عنها.

стр. 36

المبحث الأول: المراد بالتوحيد والإيمان التوحيد لغة: هو تفعيل وحَّد، يقال: "وحّده وأحّده كما يقال ثناه وثلّثه" (١)، و"وحده توحيدا أي جعله واحدا" (٢). و هو "الحكم بأن الشيء واحد، والعلم بأنه واحد" (٣). قال أبو القاسم التيمي (٤): "التوحيد على وزن التفعيل وهو مصدر وحدته توحيدا، كما تقول: كلمته تكليما … ومعنى وحدته جعلته منفردا عما يشاركه أو يشبهه في ذاته وصفاته، والتشديد فيه للمبالغة؛ أي بالغت في وصفه بذلك. وقيل الواو فيه مبدلة من الهمزة، والعرب تبدل الهمزة من الواو، وتبدل الواو من الهمزة كقولهم وشاح وأشاح، وتقول العرب: أحّدهن لي، وحدّهن لي، أي جعلهن لي أحد عشر. ويقال: جاءوا آحاد آحاد أي واحدا واحدا، فعلى هذا فالواو في التوحيد أصلها الهمزة … وتقول العرب: واحد وأحِد ووَحْد ووحيد أي منفرد، فالله تعالى واحد أي منفرد عن الأنداد والأشكال في جميع الأحوال. فقولهم: وحَّدت الله: من باب عظمت الله، وكبرته، أي علمته عظيماً وكبيراً. فكذلك وحدته: أي علمته واحدا، منزها عن المثل في الذات والصفات" (٥). التوحيد اصطلاحًا:

стр. 37

التوحيد: هو الإيمان بالله وحده لا شريك له (١)، وهو إفراد الله بالخلق والتدبير، وإخلاص العبادة له، وترك عبادة ما سواه، وإثبات ما له من الأسماء الحسنى، والصفات العليا، وتنزيهه عن النقص والعيب (٢). فهو إقرار بالقلب واللسان بأن الله رب كل شيء ومليكه، وما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، وأنه على كل شيء قدير، وأنه الخالق لكل شيء، وأن له الأسماء الحسنى والصفات العلى، وأنه الإله الحق الذي لا يستحق العبادة سواه؛ فلا رب غيره ولا إله سواه ولا شريك ولا ند له، ثم إفراده بالعبادة وصرفها له بجميع أنواعها وإخلاص الدين له. الإيمان في اللغة: مادة أَمِنَ معناها في اللغة وثِق واطمأنَّ، والأمانة الوثوق (٣)، يقال: "ما أمنت أن أجد صاحبَه أي ما وثِقْت" (٤). قال الراغب الأصبهاني (٥) ﵀: "أصل الأمن طمأنينة النفس وزوال الخوف " (٦). والإيمان مصدر آمن يؤمن إيماناً فهو مؤمن (٧)، وأصل آمن أأمن بهمزتين لينت الثانية (٨)، وهو من الأمن ضد الخوف (٩).

стр. 38

قال شيخ الإسلام ابن تيمية (١) ﵀ في تعريفه للإيمان: " .. فإن اشتقاقه من الأمن الذي هو الإقرار والطمأنينة، وذلك إنما يحصل إذا استقر في القلب التصديق والإنقياد" (٢). وهذا الإقرار يشمل قول القلب الذي هو التصديق، وعمل القلب الذي هو الانقياد. أما معنى الإيمان: فهو التصديق مع الانقياد. وهو تارة يتعدّى بالباء وتارة باللام. فمن الأول - التعدي بالباء- يقال: آمن به قوم (٣) وكذّب به قومٌ، ومنه قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة: ٣]. أي يصدقون بأخبار الله عن الجنة والنار (٤). ومن الثاني - التعدي باللام- قوله تعالى مخبرا عن اليهود أنهم قالوا: ﴿وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ [آل عمران: ٧٣]، أي لا تقروا ولا تصدقوا (٥). ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ [يوسف: ١٧]، أي بمصدق لنا (٦). والفرق بينهما أن المتعدي بالباء هو تصديق المخبَر به، والمعتدي باللام هو تصديق المُخْبِر (٧). قال الحليمي (٨) ﵀: "فمن الناس من قال: آمنت به وآمنت له لغتان يعبَّر بهما عن

стр. 39

معنى واحد. والصحيح ما خالف هذا وهو قولهم آمنت به: يراد إثباته وتحقيقه والتصديق بكونه ووجوده، وقوله آمنت له: إنما يراد اتباعه وموافقته … والإيمان له القبول عنه والطاعة له" (١). الإيمان اصطلاحًا: الإيمان: إقرار باللسان، واعتقاد بالجنان، وعمل بالأركان، يزيد بطاعة الرحمن، وينقص بطاعة الشيطان (٢).

стр. 40

المبحث الثاني: عقيدة أهل السنة والجماعة في التوحيد والإيمان أولًا: عقيدة أهل السنة والجماعة في التوحيد: التوحيد هو إفراد الله بما يستحقه من الربوبية والألوهية والأسماء والصفات، وينقسم إلى ثلاثة أقسام: توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، وتوحيد الأسماء والصفات، أو إلى قسمين: توحيد معرفة وإثبات: وهو توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات، وتوحيد قصد وإرادة وطلب: وهو توحيد الألوهية (١)، فهذه عقيدة المسلمين، المؤمنين بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ . والمراد بتوحيد الربوبية: الاعتقاد الجازم بأنَّ الله وحده الخالق الرازق المحيي المميت المدبر لشؤون خلقه كلها لا شريك له في ذلك (٢). والمراد بتوحيد الألوهية (٣): إفراد الله وحده بالخضوع والذل والمحبة والخشوع وسائر أنواع العبادة لا شريك له. وهذا التوحيد هو الذي جاءت به الرسل ودعوا إليه أقوامهم، فالرسل مقررِون لتوحيد الربوبية داعون لتوحيد الألوهية كما أخبر الله عنهم (٤)، فقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾ [الأنبياء: ٢٥]، وقال تعالى: عن نوح ﵇: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٢٥) أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ (٢٦)﴾ [هود: ٢٥ - ٢٦]، وقال تعالى عن هود ﵇: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ (٥٠)﴾ [هود:
следующие страницы →