المبحث الأول: المراد بالتوحيد والإيمان
التوحيد لغة:
هو تفعيل وحَّد، يقال: "وحّده وأحّده كما يقال ثناه وثلّثه" (١)، و"وحده توحيدا أي جعله واحدا" (٢).
و هو "الحكم بأن الشيء واحد، والعلم بأنه واحد" (٣).
قال أبو القاسم التيمي (٤): "التوحيد على وزن التفعيل وهو مصدر وحدته توحيدا، كما تقول: كلمته تكليما … ومعنى وحدته جعلته منفردا عما يشاركه أو يشبهه في ذاته وصفاته، والتشديد فيه للمبالغة؛ أي بالغت في وصفه بذلك.
وقيل الواو فيه مبدلة من الهمزة، والعرب تبدل الهمزة من الواو، وتبدل الواو من الهمزة كقولهم وشاح وأشاح، وتقول العرب: أحّدهن لي، وحدّهن لي، أي جعلهن لي أحد عشر. ويقال: جاءوا آحاد آحاد أي واحدا واحدا، فعلى هذا فالواو في التوحيد أصلها الهمزة …
وتقول العرب: واحد وأحِد ووَحْد ووحيد أي منفرد، فالله تعالى واحد أي منفرد عن الأنداد والأشكال في جميع الأحوال. فقولهم: وحَّدت الله: من باب عظمت الله، وكبرته، أي علمته عظيماً وكبيراً.
فكذلك وحدته: أي علمته واحدا، منزها عن المثل في الذات والصفات" (٥).
التوحيد اصطلاحًا:
стр. 37
التوحيد: هو الإيمان بالله وحده لا شريك له (١)، وهو إفراد الله بالخلق والتدبير، وإخلاص العبادة له، وترك عبادة ما سواه، وإثبات ما له من الأسماء الحسنى، والصفات العليا، وتنزيهه عن النقص والعيب (٢).
فهو إقرار بالقلب واللسان بأن الله رب كل شيء ومليكه، وما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، وأنه على كل شيء قدير، وأنه الخالق لكل شيء، وأن له الأسماء الحسنى والصفات العلى، وأنه الإله الحق الذي لا يستحق العبادة سواه؛ فلا رب غيره ولا إله سواه ولا شريك ولا ند له، ثم إفراده بالعبادة وصرفها له بجميع أنواعها وإخلاص الدين له.
الإيمان في اللغة:
مادة أَمِنَ معناها في اللغة وثِق واطمأنَّ، والأمانة الوثوق (٣)، يقال: "ما أمنت أن أجد صاحبَه أي ما وثِقْت" (٤).
قال الراغب الأصبهاني (٥) ﵀: "أصل الأمن طمأنينة النفس وزوال الخوف " (٦).
والإيمان مصدر آمن يؤمن إيماناً فهو مؤمن (٧)، وأصل آمن أأمن بهمزتين لينت الثانية (٨)، وهو من الأمن ضد الخوف (٩).
стр. 38
قال شيخ الإسلام ابن تيمية (١) ﵀ في تعريفه للإيمان: " .. فإن اشتقاقه من الأمن الذي هو الإقرار والطمأنينة، وذلك إنما يحصل إذا استقر في القلب التصديق والإنقياد" (٢).
وهذا الإقرار يشمل قول القلب الذي هو التصديق، وعمل القلب الذي هو الانقياد.
أما معنى الإيمان: فهو التصديق مع الانقياد. وهو تارة يتعدّى بالباء وتارة باللام. فمن الأول - التعدي بالباء- يقال: آمن به قوم (٣) وكذّب به قومٌ، ومنه قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة: ٣]. أي يصدقون بأخبار الله عن الجنة والنار (٤).
ومن الثاني - التعدي باللام- قوله تعالى مخبرا عن اليهود أنهم قالوا: ﴿وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ [آل عمران: ٧٣]، أي لا تقروا ولا تصدقوا (٥).
ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ [يوسف: ١٧]، أي بمصدق لنا (٦).
والفرق بينهما أن المتعدي بالباء هو تصديق المخبَر به، والمعتدي باللام هو تصديق المُخْبِر (٧).
قال الحليمي (٨) ﵀: "فمن الناس من قال: آمنت به وآمنت له لغتان يعبَّر بهما عن
стр. 39
معنى واحد. والصحيح ما خالف هذا وهو قولهم آمنت به: يراد إثباته وتحقيقه والتصديق بكونه ووجوده، وقوله آمنت له: إنما يراد اتباعه وموافقته … والإيمان له القبول عنه والطاعة له" (١).
الإيمان اصطلاحًا:
الإيمان: إقرار باللسان، واعتقاد بالجنان، وعمل بالأركان، يزيد بطاعة الرحمن، وينقص بطاعة الشيطان (٢).
стр. 40
المبحث الثاني: عقيدة أهل السنة والجماعة في التوحيد والإيمان
أولًا: عقيدة أهل السنة والجماعة في التوحيد:
التوحيد هو إفراد الله بما يستحقه من الربوبية والألوهية والأسماء والصفات، وينقسم إلى ثلاثة أقسام: توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، وتوحيد الأسماء والصفات، أو إلى قسمين: توحيد معرفة وإثبات: وهو توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات، وتوحيد قصد وإرادة وطلب: وهو توحيد الألوهية (١)، فهذه عقيدة المسلمين، المؤمنين بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ .
والمراد بتوحيد الربوبية: الاعتقاد الجازم بأنَّ الله وحده الخالق الرازق المحيي المميت المدبر لشؤون خلقه كلها لا شريك له في ذلك (٢).
والمراد بتوحيد الألوهية (٣): إفراد الله وحده بالخضوع والذل والمحبة والخشوع وسائر أنواع العبادة لا شريك له.
وهذا التوحيد هو الذي جاءت به الرسل ودعوا إليه أقوامهم، فالرسل مقررِون لتوحيد الربوبية داعون لتوحيد الألوهية كما أخبر الله عنهم (٤)، فقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾ [الأنبياء: ٢٥]، وقال تعالى: عن نوح ﵇: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٢٥) أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ (٢٦)﴾ [هود: ٢٥ - ٢٦]، وقال تعالى عن هود ﵇: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ (٥٠)﴾ [هود:
стр. 41
٥٠] (١).
والمراد بتوحيد الأسماء والصفات: الإيمان الجازم بأسماء الله وصفاته الواردة في الكتاب والسنة، وإثباتها دون تحريف أو تعطيل أو تكييف أو تمثيل (٢).
و "الأصل في هذا الباب أن يوصف الله بما وصف به نفسه وبما وصفه به رسله نفيًا وإثباتًا، فيثبت لله ما أثبته لنفسه وينفي عنه ما نفاه عن نفسه، وقد علم أن طريقة سلف الأمة وأئمتها: إثبات ما أثبته من الصفات من غير تكييف ولا تمثيل ومن غير تحريف ولا تعطيل، وكذلك ينفون عنه ما نفاه عن نفسه مع إثبات ما أثبته من الصفات من غير إلحاد لا في أسمائه ولا في آياته، فإن الله تعالى ذم الذين يلحدون في أسمائه وآياته، كما قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٨٠)﴾ [الأعراف: ١٨٠]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٤٠)﴾ [فصلت: ٤٠]، فطريقتهم تتضمن إثبات الأسماء والصفات مع نفي مماثلة المخلوقات: إثباتًا بلا تشبيه وتنزيهًا بلا تعطيل، كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، ففي قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ رد للتشبيه والتمثيل، وفي قوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ رد للإلحاد والتعطيل" (٣).
ولكل قسم من هذه الأقسام الثلاثة ضدٌ؛ "فإذا عرفت أن توحيد الربوبية هو الإقرار بأن الله تعالى هو الخالق الرازق المحي المميت المدبر لجميع الأمور المتصرف في كل مخلوقاته لا شريك له في ملكه، فضد ذلك هو اعتقاد العبد وجود متصرف مع الله غيره فيما لا يقدر عليه إلا الله (٤).
стр. 42
وإذا عرفت أنَّ توحيد الأسماء والصفات هو أن يدعى الله تعالى بما سمى به نفسه ويوصف بما وصف به نفسه ووصفه به رسوله محمد ﷺ وينفى عنه التشبيه والتمثيل، فضد ذلك أشياء (١):
أحدها: أن ينكر شيئا من الأسماء أو مما دلت عليه من الصفات والأحكام، كما فعل أهل التعطيل.
الثاني: أن يُسمي اللهَ بما لم يسم به نفسه، وذلك لأن أسماء الله تعالى توقيفية؛ فتسمية الله تعالى بما لم يسم به نفسه ميل بها عما يجب فيها.
الثالث: أن يعتقد أن هذه الأسماء دالة على أوصاف المخلوقين فيجعلها دالة على التمثيل.
الرابع: أن يشتق من أسماء الله تعالى أسماء الأصنام، كما فعل المشركون في اشتقاق العزى من العزيز، واشتقاق اللات من الإله.
الخامس: تعطيل الله عن صفات كماله ونعوت جلاله، أو تشبيه صفاته بصفات خلقه، وقد قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، وقال تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا (١١٠)﴾ [طه: ١١٠].
وإذا عرفت أن توحيد الإلهية هو إفراد الله تعالى بجميع أنواع العبادة ونفي العبادة عن كل ما سوى الله ﵎ فضد ذلك (٢) هو صرف شيء من أنواع العبادة لغير الله ، وهذا هو الغالب على عامة المشركين وفيه الخصومة بين جميع الرسل وأممها" (٣).
стр. 43
وفي بيان دلالة القرآن على أنواع التوحيد؛ يقول ابن القيم ﵀ بعد أن ذكر أن كل طائفة تسمي باطلهم توحيدا: "وأما التوحيد الذي دعت إليه رسل الله ونزلت به كتبه، فوراء ذلك كله، وهو نوعان: توحيد في المعرفة والإثبات وتوحيد في الطلب والقصد.
فالأول: هو حقيقة ذات الرب تعالى وأسمائه وصفاته وأفعاله وعلوّه فوق سمواته على عرشه وتكلمه بكتبه وتكليمه لمن شاء من عباده وإثبات عموم قضائه وقدره وحكمه.
وقد أفصح القرآن عن هذا النوع جدّ الإفصاح. كما في أول سورة الحديد، وسورة طه، وآخر سورة الحشر، وأول سورة تنزيل السجدة، وأول سورة آل عمران، وسورة الإخلاص بكاملها، وغير ذلك.
النوع الثاني: مثل ما تضمنته سورة ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون: ١]، وقوله: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ [آل عمران: ٦٤] الآية، وأول سورة تنزيل الكتاب -الزخرف- وآخرها، وأول سورة يونس ووسطها وآخرها، وأول سورة الأعراف وآخرها، وجملة سورة الأنعام، وغالب سور القرآن، بل كل سورة في القرآن فهي متضمنة لنوعي التوحيد".
ثم ذكر ﵀ قولاً كلياً في تضمن القرآن للتوحيد في كل آياته فقال: " إن كل آية في القرآن فهي متضمنة للتوحيد، شاهدة به، داعية إليه، فإن القرآن: إما خبر عن الله، وأسمائه وصفاته وأفعاله، فهو التوحيد العلمي الخبري، وإما دعوة إلى عبادته وحده لا شريك له، وخلع كل ما يعبد من دونه، فهو التوحيد الإرادي الطلبي، وإما أمر ونهي، وإلزام بطاعته في نهيه وأمره، فهي حقوق التوحيد ومكملاته، وإما خبر عن كرامة الله لأهل توحيده وطاعته، وما فعل بهم في الدنيا، وما يكرمهم به في الآخرة، فهو جزاء توحيده، وإما خبر عن أهل الشرك، وما فعل بهم في الدنيا من النكال، وما يحل بهم في العقبى من العذاب، فهو خبر عمن خرج عن حكم التوحيد. فالقرآن كله في التوحيد وحقوقه وجزائه، وفي شأن الشرك وأهله وجزائهم … " (١).
قال الشوكاني ﵀ (٢): "واعلم أن إيراد الآيات القرآنية على إثبات كل مقصد من هذه
стр. 44
المقاصد، وإثبات اتفاق الشرائع عليها، لا يحتاج إليه من يقرأ القرآن العظيم، فإنه إذا أخذ المصحف الكريم وقف على ذلك في أي موضع شاء، ومن أي مكان أحب، وفي أي محل منه أراد، ووجده مشحوناً به من فاتحته إلى خاتمته" (١).
وقال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي (٢) ﵀: "وقد دل استقراء القرآن العظيم على أن توحيد الله ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
الأول: توحيده في ربوبيته، وهذا النوع من التوحيد جبلت عليه فِطر العقلاء، قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف: ٨٧]، وقال: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٣١)﴾ [يونس: ٣١]، وهذا النوع من التوحيد لا ينفع إلا بإخلاص العبادة لله …
الثاني: توحيده جل وعلا في عبادته. وضابط هذا النوع من التوحيد هو تحقيق معنى "لا إله إلا الله"، وهي متركبة من نفي وإثبات؛ فمعنى النفي منها: خلع جميع أنواع المعبودات غير الله كائنة ما كانت في جميع أنواع العبادات كائنة ما كانت.
ومعنى الإثبات منها: إفراد الله -جل وعلا- وحده بجميع أنواع العبادات بإخلاص، على الوجه الذي شرعه على ألسنة رسله عليهم الصلاة والسلام … وهو الذي فيه المعارك بين الرسل وأممهم ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (٥)﴾ [ص: ٥].
ومن الآيات الدالة على هذا النوع من التوحيد قوله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [محمد: ١٩] الآية …
стр. 45
النوع الثالث: توحيده -جل وعلا- في أسمائه وصفاته" (١).
ومن الآيات التي جمعت أقسام التوحيد الثلاثة (٢) قول الله ﵎ في سورة مريم: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا (٦٥)﴾ [مريم: ٦٥].
يقول الشيخ عبد الرحمن بن سعدي (٣) ﵀ مبيناً دلالة الآية على ذلك: " … اشتملت -أي الآية- على أصول عظيمة على توحيد الربوبية، وأنه تعالى رب كل شيء وخالقه ورازقه ومدبره، وعلى توحيد الألوهية والعبادة، وأنه تعالى الإله المعبود، وعلى أن ربوبيته موجبة لعبادته وتوحيده، … واشتملت على أن الله تعالى كامل الأسماء والصفات عظيم النعوت جليل القدر وليس له في ذلك شبيه ولا نظير ولا سمي، بل قد تفرد بالكمال المطلق من جميع الوجوه والاعتبارات" (٤).
وهذه الأقسام الثلاثة للتوحيد لها دلائل كثيرة في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ :
١ - فمن أدلة توحيد الربوبية قول الله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢]، وقوله: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٤]، وقوله: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ﴾ [الرعد: ١٦]، وقوله: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٤) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٨٥) قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٨٦) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٨٧) قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٨) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ (٨٩)﴾ [المؤمنون: ٨٤ - ٨٩]، وقوله: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [غافر: ٦٤]، وقوله: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ
стр. 46
عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (٦٢)﴾ [الزمر: ٦٢]، وغيرها من الآيات.
٢ - ومن أدلة توحيد الألوهية قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [الفاتحة: ٢]؛ لأن الله معناه المألوه المعبود، وقوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥]، وقوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١)﴾ [البقرة: ٢١]، وقوله: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (٢) أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٢ - ٣]، وقوله: ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي (١٤) فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾ [الزمر: ١٤ - ١٥]، وقوله: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)﴾ [البينة: ٥]، وغيرها من الآيات.
٢ - ومن أدلة توحيد الأسماء والصفات قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ [الفاتحة: ٣ - ٤]، وقوله: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الإسراء: ١١٠]، وقوله: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى (٨)﴾ [طه: ٨]، وقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، وآخر سورة الحشر، وغيرها من الآيات.
العلاقة بين أنواع التوحيد:
إن العلاقة بين أنواع التوحيد هي علاقة استلزام وتضمن (١)، فتوحيد المعرفة والإثبات - وهو توحيد الربوبية والأسماء والصفات- مستلزم لتوحيد الألوهية الذي هو التوحيد العملي،
стр. 47
بمعنى أن الإيمان بوحدانية الرب الخالق الرازق المحيي المميت وبكافة أسمائه وصفاته يستلزم الموحد أن يعبد الله ويوحده في ألوهيته؛ لأنه ما دام أقر واعترف بربوبية الله، وأنه وحده الخالق المالك المتصرف المدبر، وأن له الأسماء الحسنى والصفات العلى؛ فيلزم من ذلك أن يفرده بالعبودية (١).
وأما توحيد الألوهية فهو متضمن لتوحيد الربوبية والأسماء والصفات، بمعنى أن الإيمان بوحدانية الله وصرف العبادة له لا يحصل إلا ممن أقر بأن هذا الإله المعبود رب العالمين، لأن العبادة لا تصرف حقيقة إلا للرب المتصف بالكمال المنزه عن النقص.
وعلى هذا إذا علم العبد أن ربه لا شريك له في خلقه وأمره وأسمائه وصفاته نتج عنه أن يعمل على طاعته وعبادته، ومن عبد إلهه ووحده يكون قد اعترف أولًا بأنه لا رب غيره يشركه في خلقه وأمره، وأنه هو الخالق المالك المتصرف الذي له الأسماء الحسنى والصفات العلى (٢).
يقول ابن القيم ﵀: "والإلهية التي دعت الرسل أممهم إلى توحيد الرب بها هي: العبادة والتأليه، ومن لوازمها توحيد الربوبية الذي أقر به المشركون فاحتج الله عليهم به، فإنه يلزم من الإقرارِ به الإقرارُ بتوحيد الإلهية" (٣).
وقال ابن أبي العز (٤) ﵀: "وتوحيد الإلهية متضمن لتوحيد الربوبية دون العكس، فمن لا يقدر على أن يخلق يكون عاجزًا، والعاجز لا يصلح أن يكون إلهًا" (٥).
стр. 48
ثانيًا: عقيدة أهل السنة والجماعة في الإيمان
الإيمان عند أهل السنة والجماعة قول وعمل، ولا يكون العبد مؤمنا إلا أن يصدق بقلبه، ويقرَّ بلسانه، ويعمل بجوارحه.
قال الإمام الشافعي ﵀: "وكان الإجماع من الصحابة والتابعين من بعدهم ممن أدركنا: أن الإيمان: قول، وعمل، ونية، لا يجزئ واحد من الثلاثة عن الآخر" (١).
وقال محمد بن حسين الآجري (٢) ﵀ في باب "القول بأن الإيمان تصديق بالقلب، وإقرار باللسان، وعمل بالجوارح، لا يكون مؤمناً إلا أن يجتمع فيه هذه الخصال الثلاث "، قال: "اعلموا رحمنا الله وإياكم أن الذي عليه علماء المسلمين أن الإيمان واجب على جميع الخلق، وهو تصديق بالقلب وإقرار باللسان وعمل بالجوارح.
ثم اعلموا أنه لا تجزاء المعرفة بالقلب والتصديق إلا أن يكون معه الإيمان باللسان نطقاً، ولا تجزاء معرفة القلب ونطق اللسان حتى يكون عمل بالجوارح، فإذا كملت فيه هذه الثلاث الخصال كان مؤمناً، دل على ذلك الكتاب والسنة وقول علماء المسلمين .. " (٣).
ويقول الإمام الأوزاعي -رحمه الله تعالى-: "لا يستقيم الإيمان إلا بالقول، ولا يستقيم الإيمان والقول إلا بالعمل، ولا يستقيم الإيمان والقول والعمل إلا بنية موافقة للسنة.
وكان من مضى من سلفنا لا يفرقون بين الإيمان والعمل، العمل من الإيمان، والإيمان من العمل، وإنما الإيمان اسم يجمع، كما يجمع هذه الأديان اسمها، ويصدقه العمل، فمن آمن بلسانه، وعرف بقلبه، وصدق بعمله، فتلك العروة الوثقى التي لا انفصام لها، ومن قال بلسانه،
стр. 49
ولم يعرف بقلبه، ولم يصدق بعمله، لم يقبل منه، وكان في الآخرة من الخاسرين" (١).
وعلى هذا المعتقد أئمة الدعوة، يقول الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀: "فالإيمان بإجماع السلف محله القلب والجوارح جميعا" (٢).
وقال الشيخ عبد الرحمن بن حسن (٣) ﵀: فلا يصدق الإيمان الشرعي على الإنسان إلا باجتماع الثلاثة: التصديق بالقلب وعمله، والقول باللسان، والعمل بالأركان، وهذا قول أهل السنة والجماعة، سلفا وخلفا" (٤).
ويقول الشيخ عبد الله أبا بطين (٥) ﵀: "ومذهب أهل السنة والجماعة: أن الإيمان تصديق بالقلب، وقول باللسان، وعمل بالجوارح" (٦).
وقال العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي ﵀ في بيان حد الإيمان وتفسيره بأنه: " التصديق الجازم، والاعتراف التام بجميع ما أمر الله ورسوله بالإِيمان به، والانقياد ظاهراً وباطناً، فهو تصديق القلب، واعتقاده المتضمن لأعمال القلوب، وأعمال البدن، وذلك شامل للقيام بالدين كله؛ ولهذا كان الأئمة والسلف يقولون: الإِيمان: قول القلب واللسان، وعمل القلب واللسان والجوارح، وهو: قول، وعمل، واعتقاد، يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية، فهو يشمل عقائد الإِيمان، وأخلاقه، وأعماله" (٧).
стр. 50
والأدلة على دخول هذه الأمور في مسمى الإيمان كثيرة، منها: قوله تعالى عن تصديق القلب وإيقانه: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (٣٣) لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (٣٤)﴾ [الزمر: ٣٣ - ٣٤]، وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (٧٥)﴾ [الأنعام: ٧٥]، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾ [الحجرات: ١٥]، وقال تعالى في المرتابين الشاكين ﴿يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٦٧].
وفي حديث الشفاعة: «يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله وفي قلبه من الخير ما يزن شعيرة» (١).
وقوله تعالى في ذكر بعض أعمال القلوب من الإخلاص والمحبة والإنقياد والإقبال على الله والتوكل عليه ولوازم ذلك وتوابعه، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الأنعام: ٥٢]، وقال: ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى (١٩) إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى (٢٠)﴾ [الليل: ١٩ - ٢٠]، وقال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤]، وغير ذلك من النصوص الدالة على وجوب التوكل والخوف والرجاء والخشية والخضوع والإنابة وغيرها من أعمال القلوب.
ومنها قوله تعالى بالنطق بالشهادتين: شهادة ألا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، والإقرار بلوازمهما، قال الله تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٦)﴾ [البقرة: ١٣٦]، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا﴾ [القصص:
стр. 51
٥٣]، وقال تعالى: ﴿وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ﴾ [الشورى: ١٥]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٣)﴾ [الاحقاف: ١٣]، وقال ﷺ : «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا ألا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله .. » (١).
ومنها قوله تعالى في الأعمال التي تؤدى باللسان كتلاوة القرآن وسائر الأذكار من التسبيح والتحميد والتكبير والدعاء والاستغفار وغير ذلك: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ (٢٩)﴾ [فاطر: ٢٩]، وقال: ﴿وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ [الكهف: ٢٧]، وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٤٢)﴾ [الأحزاب: ٤١ - ٤٢].
ومنها الأدلة فيما ما يتعلق بعمل الجوارح، وهو العمل الذي لا يؤدى إلا بها، مثل: القيام والركوع والسجود، والمشي إلى المساجد وإلى الحج والجهاد في سبيل الله، قال الله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨]، وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧) وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾ [الحج: ٧٧ - ٧٨]، وقال تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (٦٣) وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا (٦٤)﴾ [الفرقان: ٦٣ - ٦٤] (٢).
ومن الأدلة الصريحة في ذلك حديث وفد عبد القيس، وفيه قوله ﷺ : «آمركم بالإيمان بالله وحده»، وقال: «أتدرون ما الإيمان بالله وحده»؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: «شهادة أن لا إله إلا الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وأن تعطوا من المغنم الخمس» (٣).
стр. 52
المبحث الثالث: الدعاوى المتعلقة بالتوحيد والإيمان والجواب عنها
أثار المعاصرون المناوئون لدعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ في باب التوحيد والإيمان عدة دعاوى، وعند تأمل أغلبها نجد أنها متكررة مع أسلافهم، ومما ذكروا من الدعاوى (١):
الأولى: إدعاء النبوة وانتقاص الرسول ﷺ (٢).
الثانية: الزعم بأن الإمام مشبه مجسم (٣).
الثالثة: تنزيل آيات في المشركين على المسلمين (٤).
الرابعة: تحريم التوسل، وعدم التفريق بين التوسل المشروع والتوسل الممنوع (٥).
الخامسة: منع الاستشفاع بالنبي ﷺ مطلقًا، وعدم التفريق بين الاستشفاع المشروع والاستشفاع الممنوع (٦).
السادسة: هدم الأبنية والقبور، والنهي عن شد الرحال لزيارتها، وعدم التفريق بين الزيارة المشروعة والزيارة الممنوعة (٧).
стр. 53
السابعة: تقسيم التوحيد إلى ثلاثة أقسام (١).
الثامنة: إنكار دعاء الموتى (٢).
وأضافوا عليها ما يلي:
стр. 54
المطلب الأول: دعوى أن الإمام يعتقد: أن توحيد المشركين في الربوبية توحيد كامل
من الدعاوى المعاصرة التي أثيرت ضد دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ دعوى أن الإمام وأتباعه يعتقدون أن توحيد المشركين في الربوبية توحيد كامل.
يقول عثمان بن مصطفى النابلسي: "لكن الوهابيون يحملون الربوبية على الإلهية كما مر في كلام مؤسسهم عن سؤال الملكين، وعن قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾ [الحج: ٤٠]، وقوله: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا﴾ [الأنعام: ١٦٤]، وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [فصلت: ٣٠]، ولا يقولون بمعنى يشملهما معاً في هذه النصوص، وذلك لاعتقادهم بتوحيد المشركين في الربوبية توحيداً كاملاً، فلم يدعهم القرآن ولا النبي ﷺ إلى الربوبية لأنها حاصلة عندهم" (١).
ثم ذكر بعض الأدلة التي فيها ذكر الألوهية وأن معنى الإله في جميع هذه الآيات وغيرها هو الرب، فقال:
"قال تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٦٣].
فيكون معناها: وربكم رب واحد، لا رب إلا هو.
وقال تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥].
فيكون معناها: الله لا رب إلا هو.
وقال تعالى: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٨].
فيكون المعنى: لا رب إلا هو يحيي ويميت.
وقال تعالى: ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٦٢].
وقال تعالى: ﴿إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [النحل: ٢٢].
стр. 55
فيكون معنى الإله في جميع هذه الآيات وغيرها هو الرب، ويكون معنى كلمة التوحيد: لا رب إلا الله!! والوهابية يخالفون ذلك أشد المخالفة، مع أن المؤمن بالربوبية إيماناً تامّاً لن يشرك في الإلهية لتلازمها كما قدمنا" (١).
ثم نقل عن الشيخ عبد العزيز ابن باز ﵀ على حسب فهمه- أن الشيخ يقول بأن توحيد المشركين توحيد كامل: "قال ابن باز في فتاواه (٢/ ٤٢): ( … لأن الخصومة بين الرسل والأمم في توحيد العبادة، وإلا .. فالأمم تقر بأن الله ربها وخالقها ورازقها، وتعرف كثيراً من أسمائه وصفاته، ولكن النزاع والخصومة من عهد نوح إلى يومنا هذا في توحيد الله بالعبادة).
وقال في فتاواه (٢/ ٥): (فقد اطلعت على الكلمة التي كتبها أخونا في الله العلامة الشيخ عمر بن أحمد المليباري في معنى لا إله إلا الله، وقد تأملت ما أوضحه فضيلته في أقوال الفرق الثلاث في معناها. وهذا بيانها: الأول: لا معبود بحق إلا الله. الثاني: لا مطاع بحق إلا الله. الثالث: لا رب إلا الله، والصواب: هو الأول، كما أوضحه فضيلته).
فلم يقل إن الصواب هو اشتمالها على الكل، بل حصر معناها في الألوهية دون الربوبية.
وسبق تصريحه بأن المشركين مقرون بكمال الله تعالى في ذاته وفي أسمائه وفي صفاته وفي أفعاله وبأنه لا شبيه له ولا ند له ولا مثيل له" (٢).
حقيقة هذه الدعوى:
هذه الدعوى قديمة (٣)، وهي مبنية على تعريف التوحيد، والاقتصار فيه على الربوبية، وأن تعريف كلمة التوحيد "لا إله إلا الله" بأنها لا قادر على الاختراع إلا الله، أو لا خالق إلا الله، وأن الله واحد في أفعاله لا شريك له (٤).
стр. 56
وفي هذه الدعوى يزعم المناوئ أن هذه الدعوة المباركة تقول بأن المشركين يقرون بتوحيد الربوبية، وأن من أقر بتوحيد الربوبية فإنه يستلزم توحيد الألوهية، وهذا الأمر - حسب زعمه- أوقعهم في التناقض؛ لأنها لا تقول بتوحيد المشركين في الألوهية؛ لكن لما بينت هذه الدعوة المباركة مرادها بذلك، وأن توحيد المشركين في الربوبية لا ينفعهم إن لم يحققوا توحيد الألوهية، وأن توحيدهم في الربوبية توحيد ناقص؛ أراد المخالف أن يثبت تناقض الدعوة فأضاف أن الدعوة تزعم بأن توحيد المشركين في الربوبية توحيد كامل؛ فإذا كان توحيد المشركين في الربوبية توحيدا كاملا فإنه يستلزم توحيد الألوهية؛ وهذا الأمر يخالف ما تقول به الدعوة - حسب زعمه-.
الجواب عن هذه الدعوى:
أولا: أن القول بأن المشركين يقرون بتوحيد الربوبية، هذ أمر قد أثبته الله في كتابه في آيات كثيرة (١)، قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (٦١)﴾ [العنكبوت: ٦١]،، وقال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (٩)﴾ [الزخرف: ٩].
وقال تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (١٠٦)﴾ [يوسف: ١٠٦]. قال ابن جرير (٢) ﵀ في تفسير هذه الآية: " يقول تعالى ذكره: وما يُقِرُّ أكثر هؤلاء الذين وصَفَ صفتهم بقوله: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ (١٠٥)﴾ بالله أنه خالقه ورازقه وخالق كل شيء ﴿إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾، في عبادتهم الأوثان والأصنام، واتخاذهم من دونه أربابًا، وزعمهم أنَّ له ولدًا، تعالى الله عما يقولون" (٣).
ثم أخرج ابن جرير بسنده إلى ابن عباس ﵄ قال: "من إيمانهم، إذا قيل لهم: مَنْ خلق
стр. 57
السماء؟ ومن خلق الأرض؟ ومن خلق الجبال؟ قالوا: الله. وهم مشركون".
وقال عكرمة ﵀: " تسألهم: مَنْ خلقهم؟ ومن خلق السماوات والأرض، فيقولون: الله. فذلك إيمانهم بالله، وهم يعبدون غيره".
وعن مجاهد ﵀ قال: " إيمانُهم قولهم: الله خالقنا ويرزقنا ويميتنا.، فهذا إيمان مع شرك عبادتهم غيرَه".
وعن قتادة ﵀ قال: "إنك لست تلقى أحدًا منهم إلا أنبأك أن الله ربه، وهو الذي خلقه ورزقه، وهو مشرك في عبادته" (١).
فدلت هذه الأقوال على أن المشركين يعترفون بالربوبية؛ ولكنهم يشركون في الألوهية.
قال المقريزي (٢) ﵀: "ولا ريب أن توحيد الربوبية لم ينكره المشركون، بل أقرّوا بأنه سبحانه وحده خالقهم، وخالق السموات والأرض، والقائم بمصالح العالم كله، وإنما أنكروا توحيد الإلهيّة والمحبّة"، إلى أن قال: " من عدل به غيره فقد أشرك في ألوهيّته ولو وحّد ربوبيّته، فتوحيد الربوبيّة هو الذي اجتمعت فيه الخلائق مؤمنها وكافرها، وتوحيد الإلهيّة مفرق الطرق بين المؤمنين والمشركين" (٣).
ثانيًا: الآيات التي ذكر فيها المخالف أن الدعوة المباركة حملت فيها آيات الربوبية على الألوهية، وهي قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾ [الحج: ٤٠]، الخ. وكذلك:
ثالثًا: الآيات التي فسر فيها المخالف الألوهية بالربوبية، وهي قوله تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٦٣]، الخ.
فإن من عقيدة أهل السنة والجماعة - كما سبق في المبحث الثاني من هذا الفصل-
стр. 58
العلاقة بين توحيد الربوبية والألوهية؛ وأن توحيد الربوبية يستلزم توحيد الألوهية، وتوحيد الألوهية يتضمن توحيد الربوبية، ويصح التعبير بأحدهما عن الآخر حيث إن الإله لا يكون كذلك إلا باتصافه بالربوبية. والرب المالك لكل شيء هو وحده المستحق للعبادة (١).
وهذا التلازم لا يصدق إلا في حق الله تعالى؛ إذ هو الحق في ربوبيته وألوهيته؛ ولذلك فإن مصداق الرب عين مصداق الإله في نفس الأمر، وهو أن الله تعالى هو وحده مستحق للعبادة، فله الألوهية والعبودية على خلقه، وهو سبحانه الرب المتفرد بالخلق والملك والتدبير (٢).
وهذه القضية وهي أن الإله هو الرب قضية صحيحة في نفسها، وكذلك قضية صحيحة في اعتقاد الموحدين، أما في حال المشركين فلا، كما سبق عند قوله تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (١٠٦)﴾ [يوسف: ١٠٦].
رابعًا: أن الإمام وأتباعه لم يقل أحد منهم بأن المشركين يقرون بتوحيد الربوبية الإقرار الكامل، وإنما المراد تقرير ما ثبت في القرآن عن المشركين من اعترافهم بالخالق الرازق المدبر لشؤون الخلق، قال الله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (٦١)﴾ [العنكبوت: ٦١]، ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (٩)﴾ [الزخرف: ٩]، وغيرها من الآيات.
بل إن الإمام وأتباعه يذكرون عن المشركين بعض ما يقع منهم من الشرك كالاستسقاء بالأنواء والتطير واعتقاد النفع والضر في آلهتهم إلى غير ذلك (٣)، مما هو شرك في الربوبية.
قال تعالى مخبراً عن المشركين: ﴿إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٥٤)﴾ [هود: ٥٤]، وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (٢٤)﴾ [الجاثية: ٢٤]، وقال تعالى:
стр. 59
﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (٨٢)﴾ [الواقعة: ٨٢].
وقد ذكر أهل التفسير أنهم كانوا ينسبون الفضل في نزول المطر إلى الأنواء (١).
خامسًا: أن الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ قد قرر أن من أسبابِ الغلطِ الحاصلِ في توحيد الألوهية الغلطُ في توحيد الربوبية، وأن الرجل إذا حقق توحيد الربوبية تحقيقاً كاملاً فإن ذلك يستلزم منه توحيد الألوهية. وهذا يناقض ما ذكره المخالف.
قال ﵀: "فأما توحيد الربوبية، فهو: الأصل، ولا يغلط في الإلهية إلا من لم يعطه حقه، كما قال تعالى فيمن أقر بمسألة منه: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [الزخرف: ٨٧] " (٢).
إذا لا يقع الغلط في توحيد الإلهية إلا لمن لم يُعط توحيد الربوبية حقه، فإن أتى بشيء منه كالإقرار بأصل الوصف الخلق والرزق والتدبير لا على وجه التمام ولم يوجد لازمها فحينئذٍ يكون لديه خلل في الإقرار بالتوحيد.
وقال ابن القيم ﵀: "والإلهية التي دعت الرسلُ أُمَمَهم إلى توحيد الرَّبِّ بها: هي العبادة والتأله، ومن لوازمها: توحيد الربوبية الذي أقر به المشركون، فاحتج الله عليهم به، فإنه يلزم من الإقرار به الإقرار بتوحيد الإلهية" (٣).
سادسًا: أن المخالف ذكر أن الدعوة المباركة تقول بأن توحيد المشركين في الربوبية توحيد كامل، ولم يذكر مصدر ذلك الكلام - وأنّى له ذلك-.
стр. 60
المطلب الثاني: دعوى أن توحيد الربوبية لا يستلزم توحيد الألوهية، وتوحيد الألوهية لا يتضمن توحيد الربوبية
من الدعاوى المعاصرة التي أثيرت ضد دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ دعوى أن توحيد الربوبية لا يستلزم توحيد الألوهية، وأن توحيد الألوهية لا يتضمن الربوبية.
نقل عثمان مصطفى النابلسي قول الشيخ محمد بن عثيمين
﵀ في تقرير استلزام توحيد الربوبية لتوحيد الألوهية، وتضمن الألوهية للربوبية ما نصه: (واعلم أن الإقرار بالربوبية يستلزم الإقرار بالألوهية، وأن الإقرار بالألوهية متضمن الإقرارَ بالربوبية.
أما الأول: فهو دليل ملزم، أي إن الإقرار دليل ملزم لمن أقر به أن يقر بالألوهية؛ لأنه إذا كان الله وحده هو الخالق وهو المدبر للأمور وهو الذي بيده ملكوت كل شيء، فالواجب أن تكون العبادة له وحده لا لغيره.
والثاني: متضمن للأول، يعني أن توحيد الألوهية يتضمن توحيد الربوبية؛ لأنه لا يتأله إلا للرب الذي يعتقد أنه هو الخالق وحده وهو المدبر لجميع الأمور .
ثم قال: " أولاً: هل هذا التلازم بين قسمي التوحيد عقلي كالتلازم بين تعدد الآلهة وفساد الكون؟ أم هو عادي كالتلازم بين طلوع الشمس ووجود النهار؟ أم هو شرعي كلزوم المهر بالخلوة؟
أياً كان التلازم فهو لا يلائم الرؤية الوهابية، فإنّهم يرون جواز وجود التوحيد الكامل في الربوبية، مع انتفاء التوحيد في الألوهية، فكيف يكون توحيد الربوبية مستلزماً للألوهية؟
وإذا كان التوحيد في الربوبية يستلزم التوحيد في الألوهية، والمشركون لم يوحدوا في الألوهية، فهذا يدل على أنّهم لم يوحدّوا أيضاً في الربوبية، لأن انتفاء اللازم يدل على انتفاء الملزوم، كما أن انتفاء وجود النهار يدل على انتفاء طلوع الشمس، فقول ابن عثيمين: "أي إن الإقرار دليل ملزم لمن أقر به أن يقر بالألوهية" يدلّ على أنّ إقرار المشركين لم يكن إقراراً حقيقياً،
стр. 61
وإلا لأقروا بالألوهية، وهذا يخالف ما ذهبوا إليه" (١).
ثم قال: "وتمييز الوهابية بين التوحيدين وقولهم بأن توحيد الربوبية يستلزم الألوهية، يدلّ على تغاير قسمي التوحيد، فيرون أنّ توحيد الربوبية يلزم من عدمه انتفاء توحيد الألوهية، لكن لا يلزم من وجوده تحقق التوحيد في الألوهية، فهو إذن شرط لتوحيد الألوهية والشرط خارج عن حقيقة الشيء مغاير له، ثم يقولون أنّ توحيد الألوهية متضمِّن لتوحيد الربوبية، ولا يلزم من تحقق التوحيد في الربوبية التوحيدُ في الألوهية، ولكن يلزم من انتفائه انتفاء التوحيد في الإلهية، فهو إذن ركنٌ لتوحيد الألوهية! فكيف يصبح توحيد الربوبية شرطاً للإلهية وركناً منه في نفس الوقت [كذا]؟! أليس هذا اضطراباً في الفهم!، ألا يعنى هذا أن الشيء صار شرطاً لأمر هو داخل فيه؟! فالشيء يكون ضمن غيره لا يستلزمه، لأن ذلك يعني استلزامه أمراً هو جزء منه أصلاً، فهل يُعقل أن يكون توحيد الربوبية مستلزماً أمراً هو جزء منه! فيكون جزء الشيء شرطاً له أو شرطه جزءاً من حقيقته! " (٢).
حقيقة هذه الدعوى:
هذه الدعوى لها تعلق بالدعوى السابقة من جهة تعريف التوحيد واستلزام توحيد الربوبية لتوحيد الألوهية، وتضمن توحيد الألوهية لتوحيد الربوبية.
فيزعم المناوئ لدعوة الإمام أن هذه الدعوة المباركة تقول: بأن توحيد الربوبية يستلزم توحيد الألوهية، وهذا الأمر غير واقع في الحقيقة؛ لأنهم يقولون: إن المشركين يقرون بتوحيد الربوبية ومع ذلك لم يقروا بتوحيد الألوهية.
ثم يقول: وبناء على كلام أتباع هذه الدعوة المباركة فإن انتفاء اللازم - وهو توحيد الألوهية- يدل على انتفاء الملزوم - وهو توحيد الربوبية -، وهذا يدل على أن المشركين لم يقروا بتوحيد الربوبية؛ ليتوصل بذلك إلى تناقض أتباع الدعوة التي تقول بأن المشركين يقرون بتوحيد الربوبية. وأضاف في هذه الدعوى السؤال عن نوع هذا التلازم بين التوحيدين، هل هو عقلي
стр. 62
أو شرعي أو عادي. وهل توحيد الربوبية شرط لتوحيد الألوهية، أو ركن فيه.
الجواب عن هذه الدعوى:
أولًا: أن هذه الدعوى ومثلها التي قبلها مبنية على تفسيرهم لكلمة التوحيد " لا إله إلا الله"، بقولهم " لا خالق إلا الله"، أو " لا قادر على الاختراع إلا الله".
ثانيًا: أنه سبق في الدعوى السابقة بأن الإمام محمد بن عبد الوهاب وأئمة الدعوة لما قالوا بأن المشركين يقرون بتوحيد الربوبية لم يقولوا بأنهم يقرون به الإقرار الكامل بأن الله تعالى هو رب كل شيء ومليكه، وهو الخالق المدبر للأمور كلها، والمتصرف في الكون كله، لم يكن له أي شريك في ملكه، ولم يكن له أي ولي من الذل، لا أحد ولا شيء راد لأمره، ولا معقب لحكمه، ولا يوجد هناك من يماثله أو ينازعه في أي معنى من معاني ربوبيته؛ وإلا لو وجد منهم هذا الإقرار لوحدوه في الألوهية وأن سبب شرك المشركين في الألوهية هو غلطهم في الربوبية.
ثالثًا: قوله: "أنه يلزم من عدم توحيد الربوبية انتفاء توحيد الألوهية" صحيح وحق، فإن من لم يُفرد الله في ربوبيته، فإنه لن يُفرد الله في ألوهيته، وهذا الأمر لا يعرف له مخالف من المسلمين.
رابعًا: قوله: "لكن لا يلزم من وجوده - أي توحيد الربوبية - تحقق التوحيد في الإلهية". فهذا كما سبق إن كان توحيد الربوبية كاملاً فإنه يتحقق توحيد الألوهية، لكن إن حصل فيه الغلظ والخطأ، فإن توحيد الألوهية لن يتحقق كاملا.
خامسًا: نوع التلازم بين توحيد الربوبية والألوهية تلازم عقلي، فإن توحيد الربوبية يستلزم توحيد الألوهية، فمن حقق توحيد الربوبية تحقيقا كاملا فلا بد أن يوحد الله في ألوهيته، ولكن المشركين لما حصل عندهم الغلظ في توحيد الربوبية نتج عن ذلك الغلط في توحيد الألوهية (١).
سادسًا: قوله: "فهو إذن - أي توحيد الربوبية - شرط … الخ".
فإن أئمة الدعوة لم يذكروا أن توحيد الربوبية شرط لتوحيد الألوهية، لوجود فرق بين دلالة الالتزام والشرط، فالشرط هو إلزام الشيء والتزامه، وهو علامة على وجود الشيء، فهناك علاقة
стр. 63
وارتباط بين أمرين، الأول هو الشرط، والثاني هو المشروط، وهذا الارتباط بين الشرط والمشروط، قد يكون العقل هو الذي اقتضاه، أو العادة، أو الشرع، أو اللغة؛ فالارتباط واللزوم بين الشرط والمشروط في الشرط العقلي، العقل هو الذي حكم بوجود هذه العلاقة والارتباط بين الشرط والمشروط؛ فلا يمكن وجود المشروط بدون الشرط عقلاً (١).
والشرط العقلي، ما لا يمكن وجود الفعل بدونه عقلاً (٢).
أما الالتزام فهو دلالة اللفظ على لازمِ مسماه الخارج، وهي دلالة عقلية (٣).
سابعًا: أن للمنهج القرآني مسلكين في تقرير دلالة الربوبية على الألوهية:
أحدهما: دلالة أن الله تعالى هو المتفرد بالخلق والتدبير.
والثاني: دلالة أن الله تعالى هو المتفرد بهبة النعم الظاهرة والباطنة (٤).
ويمكن أن نمثل للاستدلال بتوحيد الربوبية على توحيد الألوهية بما يلي: قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢)﴾ [البقرة: ٢١ - ٢٢].
فهذا خطاب لجميع بني آدم يأمرهم الله تعالى فيه بالعبادة وهذا هو توحيد الألوهية ثم يأتي بعد ذلك البرهان الساطع والدليل القاطع على وجوب توحيد الألوهية وهو أنه الخالق لهم ولآبائهم الأولين، وأنه المنعم عليهم بأن جعل لهم الأرض ممهدة ومستقرة، وجعل السماء فوقهم مبنية، ورزقهم بالماء وهو ما لا يصبرون على تركه ولم يجعله مِلْكاً لأحد بل أنزله من السماء للجميع، وأخرج لهم الرزق من الأرض ليأكلوا منه أو يبيعوا.
قال ابن جرير ﵀: " يُذكِّرُ ربّنا جلّ ذكره -بذلك من قِيله- عبادَهُ نعمَه عندهم
стр. 64
وآلاءه لديهم؛ ليذْكروا أياديَه عندهم، فينيبوا إلى طاعته -تعطُّفًا منه بذلك عليهم، ورأفةً منه بهم، ورحمةً لهم، من غير ما حاجة منه إلى عبادتهم، ولكن ليُتم نعمته عليهم ولعلهم يهتدون" (١).
وقد أشار ابن كثير ﵀ إلى دلالة هذه الآية على توحيد الألوهية من خلال بيان ما انفرد الله تعالى به من الربوبية، كما أشار إلى المسلكين السابقين حيث يقول: "شرع ﵎ في بيان وحدانية ألوهيته، بأنه تعالى هو المنعم على عبيده، بإخراجهم من العدم إلى الوجود، وإسباغه عليهم النعم الظاهرة والباطنة" إلى أن قال: "ومضمونه: أنه الخالق الرازق مالك الدار، وساكنيها، ورازقهم، فبهذا يستحق أن يعبد وحده ولا يُشرك به غيره" (٢).
وقال تعالى: ﴿وَالصَّافَّاتِ صَفًّا (١) فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا (٢) فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا (٣) إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ (٤) رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ (٥)﴾ [الصافات: ١ - ٥].
قال ابن القيم ﵀: "وأقسم سبحانه بذلك على توحيد ربوبيته وإلهيته، وقرر توحيد ربوبيته فقال: ﴿إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ (٤) رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ (٥)﴾ [الصافات: ٤ - ٥]. وهذا من أعظم الأدلة على أنه إله واحد ولو كان معه إله آخر لكان الإله مشاركاً له في ربوبيته، كما شاركه في إلهيته، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً".
ثم نبه إلى أن هذه الطريقة من قواعد القرآن في تقرير توحيد الألوهية فقال: "وهذه قاعدة القرآن يقرر توحيد الإلهية بتوحيد الربوبية، فيقرر كونه معبوداً بكونه خالقاً رازقاً وحده" (٣).
وقال تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (١٦٣) إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٦٤)﴾ [البقرة: ١٦٣ - ١٦٤].
فهذه الآية اشتملت على توحيد الألوهية في بدايتها: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾
стр. 65
وذكرت الدليل على توحيد الألوهية وهو توحيد الربوبية في قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ مع الإشارة إلى أن هذا الدليل دليل عقلي من خلال قوله تعالى: ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾.
قال ابن كثير ﵀ على هذه الآية: "ثم ذكر الدليل على تفرده بالإلهية بتفرده بخلق السموات والأرض وما فيهما وما بين ذلك مما ذرأ وبراً من المخلوقات الدالة على وحدانيته" (١).
وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٩٥)﴾ [الأنعام: ٩٥].
قال ابن سعدي في بيان المعنى المستدل عليه في الآية هو "ألوهيته واستحقاقه للعبادة وهو مأخوذ من قوله: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ﴾ أي: الذي فعل وانفرد بخلق هذه الأشياء وتدبيرها هو الله الذي له الألوهية والعبادة على خلقه أجمعين" (٢).
والمراد بقوله: ﴿فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ أي: "كيف تصرفون عن الحق وتعدلون عنه إلى الباطل، فتعبدون معه غيره؟! " (٣).
وقد فسّر ابن جرير هذه الآية تفسيراً عاما تضمن بيان دلالة هذه الآية على توحيد الألوهية عن طريق توحيد الربوبية فقال: "يقول تعالى ذكره إن الذي له العبادة، أيها الناس دون كل ما تعبدون من الآلهة والأوثان هو الله الذي فلق الحب، يعني: شق الحبّ من كل ما ينبت من النبات، فأخرج منه الزرع" (٤).
стр. 66
المطلب الثالث: دعوى عدم صحة إطلاق توحيد الألوهية بمعنى العبادة
من الدعاوى المعاصرة التي أثيرت ضد دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ دعوى أنه لا يصح إطلاق توحيد الألوهية بمعنى العبادة وأنه لحن، وأن الذي يصح هو إطلاق الإلهية، أي أن الله متصف بالصفات التي لأجلها استحق العبادة من الخلق والقدرة.
يقول محمد بن صالح الغرسي في التفريق بين الألوهية والإلهية وما ينبني على ذلك: " كلمة الألوهية بمعنى العبادة، ويقال فيها: أُلوُهَة وإلهة، وقال أهل اللغة: التأله هو التعبد والتنسك، والتأله هو التعبيد، وقالوا: إله على وزن فِعال هو بمعنى مفعول، أي: مألوه بمعنى معبود، سواء كان معبوداً بحق أم بباطل، فالإله هو المعبود (انظر: لسان العرب والقاموس المحيط).
فظهر من هذا أن الألوهية بمعنى العبادة، وليس بمعنى الكون إلهاً، وأن إطلاقه على هذا المعنى في كلام كثير من العلماء لحن، وإنما الذي يصح إطلاقه على هذا المعنى هو كلمة "الإلهية" مصدر جعلي (١) من كلمة الإله، وهو الذي استعمله المحققون من العلماء، فمعنى لا إله إلا الله لا معبود بحق إلا الله، بمعنى لا متصف بالصفات التي لأجلها استحق أن يكون معبوداً إلا الله، وهذه الصفات هي المسماة بخواص الإلهية، وهي خلق العالم وتدبيره وتربيته أي تبليغه إلى الكمال شيئاً فشيئاً، والغنى المطلق عن غيره، وافتقار ما سواه إليه وتفرده بحق التشريع، ويتفرع عن هذه الصفات وينبني عليها استحقاق العبادة.
فظهر من هذا أن توحيد الإلهية أي إفراد الله تعالى بالعبادة متفرع عن توحيد الربوبية ومنبني عليه وملازم له، فالناس إنما يعبدون من يعتقدون فيه الربوبية سواء اعتقدوا فيه ربوبية كبيرة مطلقة، وهذا ما أثبته المتألهون لله تعالى، أم اعتقدوا فيه ربوبية محدودة صغيرة مستمدة من
стр. 67
الرب الأكبر، وهذا ما كان يعتقده في معبوديهم معظم أصناف الذين كانوا يعبدون إلهاً أو آلهة من دون الله، فإن معظمهم كانوا يعبدونهم بناء على اعتقادهم أن الله تعالى قد فوض إليهم التصرف في بعض الأمور، وتخلى لهم عنها، بمعنى أن الله تعالى قد خولهم ربوبية صغيرة ومحدودة فاستحقوا بذلك أن يُعبدوا استعطافاً لرحمتهم، وابتعاداً عن غضبهم وسخطهم. فمن أجل أنهم اعتقدوا فيهم الربوبية اعتقدوا فيهم الإلهية" (١).
حقيقة هذه الدعوى:
هذه الدعوى قديمة، ولها تعلق بأصل الاسم الأحسن " الله"، هل هو مشتق أو ليس بمشتق؟ وما أصل اشتقاقه؟ وعليه فإنه يكون غير مشتق، ويكون معنى الإلهية أي أن الله المتصف بالصفات التي لأجلها استحق أن يكون معبودا، ففسره بتوحيد المعرفة والإثبات (٢). وهذا القول قد حكاه الرازي (٣) في شرحه لأسماء الله الحسنى وغيره (٤).
الجواب عن هذه الدعوى:
أولا: هذه الدعوة لها تعلق بالدعويين السابقتين من جهة تعريف التوحيد وقصره على توحيد الربوبية، ومن جهة استلزام توحيد الربوبية لتوحيد الألوهية، وفي هذه الدعوى زاد المناوئ التفريق بين توحيد الألوهية والإلهية، فجعل متعلق الإلهية اتصاف الرب بالصفات التي لأجلها
стр. 68
استحق العبادة لا استحقاقه للعبادة، وجعل متعلق الألوهية فعل العبد، الذي هو العبادة، وأن هذا الأخير لحن. فصار الكلام مرده إلى مفهوم التوحيد وقصره على توحيد الربوبية.
ثانيا: أن معنى الإله في اللغة: مصدر أله يأله فهو إله، وقد بين الزجاجي معناه فقال: "فإله "فِعال" بمعنى "مفعول" كأنه مألوه أي معبود مستحق للعبادة يعبده الخلق ويؤلهونه" (١). فهو الذي يستحق العبادة، وهو الله تعالى المستحق لها دون من سواه (٢).
و "أصل إله ولاه من الوله والتحيّر وقد أبدلت الواو همزة لانكسارها فقيل: إله كما قيل وعا إعاء" (٣).
والتحيّر والوله يكون من العباد إلى الله تعالى، جاء في لسان العرب: "وأصله من أَلِه يأله إذا تحير، يريد إذا وقع العبد في عظمة الله وجلاله وغير ذلك من صفات الربوبية، وصرف وَهْمَه إليها، أبغضَ الناسَ حتى لا يميل قلبُه إلى أحد" (٤). فالتحيّر حصل لما له من استحقاق العبادة، وهو في حقيقته راجع للعبادة.
وجاء فيه أيضا: "وأصل إلهٍ وِلاهٌ، فقلبت الواو همزة كما قالوا للوشاح إشاح وللوجاح وهو الستر إجاح، ومعنى وِلاهٍ أن الخلق يَوْلَهُون إليه في حوائجهم، ويضرعون إليه فيما يصيبهم، ويفزعون إليه في كل ما ينوبهم كما يوله كل طفل إلى أمه" (٥). وهذا المعنى يعود -أيضاً- إلى المعنى السابق (٦).
ويلاحظ أن معاني الفعل (أله) تتنوع بحسب لزومه أو تعديه، كما أنه يختلف المعنى بحسب الحرف الذي عُدي به، لكن الجميع يرجع إلى معنى واحد عام وهو العبادة، ولهذا سمى
стр. 69
العرب الشمس إلاهة لما عبدوها (١).
والتأله: التعبد، ومنه قول رؤبة بن العجاج:
لله در الغانيات المُدّهِ … سبحن واسترجعن من تألهي
أي: من تعبدي (٢).
وقد بين الزجاج معنى (التأله) فقال: "ويقال: تأله فلان، إذا فعل فعلاً يقربه من الإله" (٣).
وقد رد ابن جرير معنى (التأله) إلى معنى (الإله) فقال: "ولا شك أن التأله، والتفعل من (أله يأله) " (٤).
والألوهية: العبادة قال ابن سيده: "والإلاهة، والألوهة، والألوهية العبادة" (٥).
وقد قرأ ابن عباس ﵄: "ويذرك وإلاهتك" بكسر الهمزة، أي: وعبادتك كما فسرها ابن عباس نفسه (٦)، وهذا هو اختيار ثعلب وعلل لذلك بقوله: "لأن فرعون كان يُعبد ولا يَعْبد" (٧).
فلفظ الجلالة (الله) مشتق من الإله (٨)، وعندما بين ابن عباس ﵄ ما يدل عليه من معنى قال: " (الله) ذو الألوهية والمعبودية على خلقه أجمعين" (٩).
فلفظ الجلالة (الله) لا يؤخذ منه صفة فعليه كالخلق والرزق، ونحو ذلك وإنما يدل على صفة ذاتية هي استحقاقه تعالى للعبادة، وهذا يدل على خطأ فهم أهل الكلام لمعنى (الإله) ولما يدل عليه اسمه تعالى: (الله) حيث فهموا أنه يدل على صفة فعلية هي الخلق والقدرة على
стр. 70
الاختراع، وقد بين الخليل بن أحمد عدم صحة دلالة اسم الله تعالى (الله) على صفة فعلية فقال: "وليس (الله) من الأسماء التي يجوز منها اشتقاق فعل، كما يجوز في (الرحمن الرحيم) " (١).
ثالثًا: إن معنى الإله في الاستعمال الشرعي لم يتغير عما هو عليه في اللغة، فهو إله على وزن فِعال بمعنى مفعول: أي معبود.
فالإله في الشرع هو المألوه المعبود محبة ورجاء ورغبة وتوكلاً واستعانة واستغاثة.
رابعا: مما يدل على أن الإله بمعنى المعبود في الكتاب قوله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (٦٤)﴾ [آل عمران: ٦٤]، واتفق المفسرون على أن قوله: ﴿أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ﴾ تفسير لقوله: ﴿كَلِمَةٍ﴾ (٢)، وقد قال ابن جرير في معنى ﴿كَلِمَةٍ﴾: هي قوله: لا إله إلا الله (٣).
وبناء على هذا يكون معنى (لا إله إلا الله) أي ألا نعبد إلا الله، وإذا قابلت بين هاتين الجملتين تحصّل لك أن الإله بمعنى المعبود بأوضح ما يكون.
ومما يدل على ذلك -أيضاً- قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ (٢٧) وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢٨)﴾ [الزخرف: ٢٦ - ٢٨]، حيث قال ابن جرير في قوله: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً﴾: "وجعل قوله: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ [الزخرف: ٢٦ - ٢٧]، وهو قول لا إله إلا الله كلمة باقية في عقبه، وهم ذريته، فلم يزل في ذريته من يقول ذلك من بعده" (٤).
ووجه الاتفاق بين معنى قوله: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾، وقول لا إله
стр. 71
إلا الله هو أن الشهادة مشتملة على جزئين في المعنى:
١ - النفي في قوله: "لا إله".
٢ - والإثبات في قوله: "إلا الله".
وهذان المعنيان موجودان في الآية بحيث يمكن أن نفسر معنى (الإله) عندما نطابق بين المعنيين:
فقوله: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾ موافق لقوله: "لا إله"؛ لأن كليهما نفي في المعنى، ويلاحظ أن الآية تشتمل على (العبادة) الموافقة لمعنى (الإله).
وقوله: ﴿إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ موافق لقوله: "إلا الله".
خامسا: أنه حصل الخلط عند المناوئين في تعريف توحيد الألوهية، حيث عرف كثير من الأشاعرة (١) كلمة (إله) بأنه القادر على الاختراع، فمن ذلك ما نسبه البغدادي (٢) إلى أبي الحسن الأشعري (٣) فقال: "واختلف أصحابنا في معنى الإله: فمنهم من قال إنه مشتق من الإلهية، وهي: قدرته على اختراع الأعيان، وهو اختيار أبي الحسن الأشعري" (٤)، ثم اختار البغدادي القول بأنه غير مشتق!
стр. 72
وقد حكى الرازي هذا القول ذاكراً دليله دون أن يسمى قائله، فقال في صدد حكاية مذاهب الناس في أصل اشتقاق اسم الله تعالى (الله) قال: "القول السابع: الإله من له الإلهية، وهي القدرة على الاختراع، والدليل عليه أن فرعون لما قال: ﴿وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٢٣]، قال موسى في الجواب: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الشعراء: ٢٤]، فذكر في الجواب عن السؤال الطالب لماهية الإله: القدرة على الاختراع، ولولا أن حقيقة الإلهية هي القدرة على الاختراع لم يكن هذا الجواب مطابقاً لذلك السؤال" (١).
والجواب عن هذا الكلام من ثلاثة أوجه:
الوجه الأول: إن فرعون كان متظاهراً بإنكار وجود رب العالمين، بل كان يدّعي أنه رب العالمين بقوله: ﴿فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات: ٢٤]، وقال تعالى: ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ﴾ [الزخرف: ٥٤]، وقال: ﴿فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ [غافر: ٣٧]. ولذلك كان سؤاله بقوله: ﴿وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٢٣]، سؤالاً عن وصف الرب تعالى وليس سؤالاً عن الماهية، إذ السؤال عن ماهية الشيء فرع الإقرار به، وهو لا يقر بالله متظاهراً، فمن لم يقر بشيء لا يسأل عن ماهيته (٢)، فمن سأل عن ماهية الإنسان فقال: ما الإنسان؟ فإن ذلك فرع إقراره بوجوده، وكذلك هنا (٣).
ويوضح هذا - أن السؤال عن الوصف وليس الماهية- آية أخرى وهي: ﴿قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَامُوسَى﴾ [طه: ٤٩]، ومعلوم أن (من) لا يسأل بها عن ماهية الشيء وحقيقته، وإنما حقيقة معنى الإلهية هي: استحقاق الله للعبادة بما له من صفات الكمال وتنزهه عن صفات النقص.
الوجه الثاني: إنه لو كان معنى إله: القادر على الاختراع كان معنى لا إله إلا الله أي: لا خالق إلا الله ولا قادر على الاختراع إلا هو، وهذا المعنى كان يقول به المشركون، ولذلك يحتج الله عليهم بمعرفتهم هذه بقوله: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢]، أي
стр. 73
تعلمون أنه لا رب لكم غيره، كما نُقل ذلك عن جمع من المفسرين (١).
فلو كان المعنى ما ذكره هؤلاء المتكلمون لما استقام الإنكار على المشركين الذين يقرون بأن الله هو خالقهم وخالق كل شيء، وإنما كان شركهم في الألوهية (٢).
الوجه الثالث: إن هذا القول غير معروف عند أهل اللغة، ولذلك لم يحتج من قال بهذا القول بشاهد من شواهد لغة العرب، ولا بنقل إمام معتبر من أئمة اللغة (٣).
والإلهية: مصدر صناعي من اسم الإله، يراد به اتصاف الرب بكونه إلهًا في نفسه، والمعنى استحقاق الرب جل وعلا أن يُعبد وتُصرف إليه وجوه القربة، واتصافه بما يوجب إفراده بالعبادة من الربوبية وصفات الكمال.
والألوهية: العبادة وصرف أنواعها لله ، وهي بمعنى الإلهة.
فالإلهية صفة من صفات ربوبية الله ، والألوهية هي صرف أفعال العباد التي يستحقها الله جل وعلا إليه وحده، فالأولى صفة الخالق والثانية القصد إليه بأفعال المخلوقين. وعلى هذا فتوحيد الإلهية داخل في توحيد المعرفة والإثبات لا في توحيد الطلب والقصد، ومن فسر لا إله إلا الله بمعنى الإلهية فقد قصرها على المعرفة والإثبات ولم يدخل فيها توحيد الطلب والقصد، وكان مفسرًا لكلمة التوحيد بالربوبية حقيقة.
ومعنى لا إله إلا الله يشمل المعرفة والطلب، فمن المعرفة معرفة أن الله منفرد باستحقاق العبادة، ومن اعتقد هذا الاعتقاد لم يكن موحدًا لله توحيدًا حقيقيا حتى يجمع إلى ذلك عمله به وقصده إليه بأن يُفرد الله وحده بالعبادة ويجتنب عبادة غيره.
سادسا: الفهم الخاطئ للتعريف المشهور لكلمة التوحيد: لا معبود بحق إلا الله، فظنوا أن معنى الإله في كلمة التوحيد متعلّقٌ بكلمة: "بحق"، والحق أن معنى الإله هو في كلمة "معبود"، أما كلمة "بحق" فهي قيد لإخراج المألوهات من دون الله، وهذا ظاهر إذا تأملت أن كلمة الإله
стр. 74
التي تعني المعبود ليس فيها تخصيص ذلك بالمعبود بحق ولا دون حق؛ بل متعلق بالعابد فمن عبد شيئًا فهو إلههُ، أما قولهم "بحق" في شرح لا إله إلا الله فإنما هو إظهار للجواب المقدر بعد لا النافية للجنس؛ لأن التقدير "لا إله (حقٌّ) إلا الله"، وليس داخلاً في لفظ الإله؛ بل هو مقدر في سياق الجملة.
ومعنى لا إله إلا الله مفسر في قول الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ (٢٧) وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢٨)﴾ [الزخرف: ٢٦ - ٢٨]؛ فتبرأ إبراهيم ﵇ من الآلهة المعبودة من دون الله ولم يتولَّ إلا الله، وجعل هذا الأمر كلمةً باقيةً في عقبه وهي كلمة التوحيد، فليست مجرد التكذيب بالآلهة أو اعتقاد استحقاق الله للعبادة، بل هي البراءة الفعلية من كل ما يُعبد من دون الله وعبادة الله وحده، فهذه هي الكلمة التي عليها مدار الدين وهي أصل الإيمان واليقين (١).
سابعًا: ما يترتب على هذا القول والغلط من لوازم فاسدة، فإنه لو اقتصر على تفسير "لا إله إلا الله" بمعنى الإلهية للزم كون إبليس مؤمنًا؛ فإنه يعتقد ويوقن بأن الله سبحانه هو وحده المستحق للعبادة، ويعلم أن ما يفعله ويدعو إليه ضلال مبين وغواية، ومع ذلك فإنه كافر بالله غير موحد، ولا يقول أحد من أهل الإسلام إن إبليس ممن يشهد ألا إله إلا الله فضلاً عن كونه من الموحدين، فكذلك كل من أقر باستحقاق الله للعبادة ثم أعرض أو استكبر أو عبد غير الله معه ولو معتقدًا بطلان ما يفعل؛ فإنه يكون على كلامهم موحدا.
ثامنًا: أن دعوة الرسل والأنبياء جميعا إلى كلمة التوحيد لا إله إلا الله، وقد فسروا هذه الكلمة بفعل الأمر الذي يقتضي الامتثال والعمل، فليس الأمر مجرد استحقاق الله أن يعبد؛ بل الألوهية حقيقة عبادته كما دعا إليه الأنبياء والرسل جميعًا. ولهذا يقول الرسل والأنبياء فيما أخبرنا الله من دعواتهم: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦]، وأخبر عن عيسى ﵇: ﴿وَقَالَ الْمَسِيحُ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾ [المائدة: ٧٢]، وفي آخر المائدة: ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾
стр. 75
[المائدة: ١١٧]، وعن نوح ﵇: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [المؤمنون: ٢٣]، وعن هود ﵇: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٦٥]، وعن صالح ﵇: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٧٣]، وعن شعيب ﵇: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٨٥]، ومثله عن غيرهم من الرسل والأنبياء، وكانت هذه دعوة خاتم النبيين محمد ﷺ .
وبهذا يتبين صحة إطلاق توحيد الألوهية بمعنى العبادة.