← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 14530

الإنباه إلى حكم تارك الصلاة

عبد الله بن مانع الروقي

Полный текст (56 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

الإنباه إِلَى حكم تَارِك الصَّلَاة ويليه ملحوظات على كتاب الصَّلَاة للعلامة مُحَمَّد نَاصِر الدّين الألباني بقلم: أبي مُحَمَّد عبد الله بن مَانع الروقي

стр. 2

مقدمة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ إن الحمدلله نحمده , ونستعينه, ونستغفره , ونعوذ بالله من شرور أنفسنا , وسيئات أعمالنا , من يهده الله فلا مضل له, ومن يضلل فلا هادي له , وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له , كلمة قامت بها الأرض والسماوات , وفطر الله عليها جميع المخلوقات , وعليها أُسست المللة , ونصبت القبلة , ولأجلها جردت سيوف الجهاد, وبها أمر الله جميع العباد , وهي كلمة الإسلام , ومفتاح دار السلام , وأساس الفرض والسنة , ومن كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة. وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وخيرته من خلقه , وأمينه على وحيه أرسله الله رحمة للعالمين , وقدوة للسالكين , وحجة على المعاندين , وحسرة على الكافرين , أشرقت برسالته الأرض بعد ظلمتها.

стр. 3

وتألفت به القلوب بعد شتاتها , فصلوات الله وملائكته عليه وآله وسلم تسليماً كثيراً (١). وعلى صحبة عصابة الإيمان , وعسكر القرآن , وجند الرحمن , ألين الأمة قلوباً , وأعمقها علماً, وأقلها تكلفاً , وأحسنها بياناً, وأعمها نصيحة, وأقربها إلى الله وسيلة , فالعلم علمهم , والفهم فهمهم , لما خصهم الله تعالى من توقد الأذهان , وفصاحة اللسان , وسعة العلم, وسهولة الأخذ , وحسن الإدراك وسلامة القصد, وتقوى الرب, فالعربية طبيعتهم وسليقتهم, والمعاني الصحيحة مركوزة في فطرهم وعقولهم , ولا حاجة بهم إلى النظر في الإسناد وعلله , ولا إلى النظر في الأصول وقواعده , بل قد غنوا عن ذلك كله , فليس في حقهم , إلا أمران: أحدهما: قال تعالى كذا , أو قال رسوله كذا. الثاني: معناه كذا , وكذا.

стр. 4

وهم أسعد الناس بهاتين المقدمتين , وأحظى الأمة بهما , فقواهم مجتمعة عليهما, وأما المتأخرون فقواهم متفرقة , وهممهم متشعبة , فالعربية وتوابعها قد أخذت من قوى أذهانهم شعبة , والأصول وقواعده قد أخذت منها شعبة , وعلم الإسناد , وأحوال الرواة قد أخذ منها شعبة. فإذا وصلوا إلى النصوص النبوية-إن كان لهم همم تسافر إليها - وصلوا إليها بقلوب وأذهان قد كلَّت من السير في غيرها, وأوهن قواهم مواصلة السرى في سواها , فأدركوا من النصوص ومعانيها بحسب تلك القوة. والمقصود: أن الصحابة ﵃ -أغناهم الله عن ذلك كله, فاجتمعت قواهم على تينك المقدمتين فقط مع ماخصوا به من قوى الأذهان وصفائها , صحتها وقوة إدراكها , وقلة الصوارف , وكثرة المعاون, وقرب العهد بنور النبوة (١)

стр. 5

فرضي الله عن القوم , فإن فضائلهم لا يسطرها خطاب , ولا يتسع لها كتاب. أما بعد: فإن الصلاة أمرها عظيم , وخطبها جسيم , وقد أنزلها الله من دينه المنزلة العلية , والرتبة السَّنية , فهي عمود الإسلام , وشعار أهله , وأول ما يحاسب عليه العبد من دينه يوم الدين , والتي أخبر الرسول ﷺ بأنها آخر ما يفقد من الدين, بل أخبر بكفر تاركها , ونقل ذلك عن الأصحاب. قال شيخ الإسلام ابن تيمية (٢٠/ ٩٧ - مجموع الفتاوى): " وتكفير تارك الصلاة هو المشهور عن جمهور السلف من الصحابة والتابعين" أ. هـ. وقد أبدى النبي ﷺ في أمرها وأعاد حتى حفظ عنه في أمرها ما لم يحفظ عنه في غيرها من أبواب العلم , فالآثار فيها أكثر الآثار , وما نقل في فضلها , وصفتها ,

стр. 6

وأنواعها , وأحكامها , وسننها , وتوابعها , لا يدانيه نقل آخر, حتى قال أبو حاتم ابن حبًّان: " إن في أربع ركعات يصليها الإنسان ستمائة سُنَّة عن النبي" (١). وقد ذكرت فيما بين يديك أخي جانباً من عظمة هذه الشعيرة, انتقيته من كلام الحبر البحر الذي لا ساحل له, فارس المعقول , والمنقول, المتَفَنِّن الموهوب, الموفق , الذي ملئ علماً وديناً وعقلاً من قرنه إلى قدمه, المجدد بلا شك , شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية , نّور الله ضريحه , وأعلى درجته. آمين. وذكرت ضابط تكفير تارك الصلاة وذكرت فيما بين ذلك فوائد ملحقة بالموضوع , ومكملة له.

стр. 7

والله أسأله أن يتقبله مني , وأن ينفع به كاتبه وقارئه وسامعه , وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. قاله كاتبه: أبو محمد عبدالله بن مانع الروقي

стр. 8

فصل قال شيخ الإسلام ﵀ (٧/ ٦٠٩): " تنازع العلماء في تكفير من يترك شيئا من هذه الفرائض الأربع بعد الاقرار بوجوبها, فأما الشهادتان إذا لم يتكلم بهما مع القدرة فهو كافر باتفاق المسلمين، وهو كافر ظاهراً وباطناً عند سلف الأمة وأئمتها، وجماهير علمائها، وذهبت طائفة من المرجئة، وهم جهمية المرجئة: كجهم , والصالحى, وأتباعهما إلى أنه إذا كان مصدقاً بقلبه كان كافرا في الظاهر دون الباطن, وقد تقدم التنبيه على أصل هذا القول، وهو قول مبتدع في الإسلام لم يقله أحد من الأئمة , وقد تقدم أن الإيمان الباطن يستلزم الإقرار الظاهر بل وغيره، وأن وجود الايمان الباطن تصديقاً وحُباً وانقياداً بدون الإِقرار الظاهر ممتنع (١).

стр. 9

وأما الفرائض الأربع فإذا جحد وجوب شيء منها بعد بلوغ الحجة فهو كافر، وكذلك من جحد تحريم شيء من المحرمات الظاهرة المتواتر تحريمها، كالفواحش والظلم والكذب والخمر ونحو ذلك. وأما من لم تقم عليه الحجة مثل: أن يكون حديث عهد بالإسلام، أو نشأ ببادية بعيدة لم تبلغه فيها شرائع الاسلام ونحو ذلك (١)، أو غلط فظن أن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يستثنون من تحريم الخمر، كما غلط في ذلك الذين استتابهم عمر , وأمثال ذلك، فإنهم يستتابون وتقام الحجة عليهم، فإن أصروا كفروا

стр. 10

حينئذٍ ولا يحكم بكفرهم قبل ذلك, كما لم يحكم الصحابة بكفر قدامة بن مظعون وأصحابه لما غلطوا فيما غلطوا فيه من التأويل (١). وأما مع الإقرار بالوجوب إذا ترك شيئاً من هذه الأركان الأربعة ففي التكفير أقوال للعلماء هي روايات عن أحمد ... : أحدها: أنه يكفر بترك واحد من الأربعة حتى الحج-وإن كان في جواز تأخيره نزاع بين العلماء- فمتى عزم على تركه بالكلية كفر، وهذا قول طائفة من السلف، وهي إحدى الروايات عن أحمد اختارها أبو بكر. الثاني: أنه لا يكفر بترك شيء من ذلك مع الاقرار بالوجوب، وهذا هو المشهور عند كثير من

стр. 11

الفقهاء من أصحاب أبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وهو إحدى الروايات عن أحمد اختارها ابن بطة (١). والثالث: لا يكفر إلا بترك الصلاة، وهي الرواية الثالثة عن أحمد وقول كثير من السلف، وطائفة من أصحاب مالك، والشافعى، وطائفة من أصحاب أحمد. والرابع: يكفر بتركها , وترك الزكاة فقط ... . والخامس: بتركها، وترك الزكاة إذا قاتل الإمام عليها دون ترك الصيام والحج وهذه المسألة لها طرفان ... : أحدهما: في إثبات الكفر الظاهر ... . والثاني: في إثبات الكفر الباطن ... .

стр. 12

فأما الطرف الثاني فهو مبنى على مسألة كون الإيمان قولاً وعملاً كما تقدم , ومن الممتنع أن يكون الرجل مؤمناً إيماناً ثابتاً في قلبه بأن الله فرض عليه الصلاة والزكاة والصيام والحج ويعيش دهره لا يسجد لله سجدة، ولا يصوم رمضان، ولا يؤدي لله زكاة، ولا يحج إلى بيته، فهذا ممتنع، ولا يصدر هذا إلا مع نفاق في القلب وزندقة لا مع إيمان صحيح, ولهذا إنما يصف سبحانه بالامتناع عن السجود الكفار كقوله: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ﴾ [القلم: ٤٢، ٤٣]. وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما، من حديث أبي هريرة وأبي سعيد وغيرهما في الحديث الطويل-حديث التجلي-: (أنه إذا تجلى تعالى لعباده يوم القيامة سجد له المؤمنون , وبقي ظهر من كان يسجد في الدنيا رياء

стр. 13

وسمعة مثل الطبق لا يستطيع السجود ...) (١). فإذا كان هذا حال من سجد رياء، فكيف حال من لم يسجد قط؟ وثبت أيضاً: (أن النار تأكل من ابن آدم كل شيء إلا موضع السجود, فان الله حرم على النار أن تأكله) (٢) فعلم أن من لم يكن يسجد لله تأكله النار كله, وكذلك ثبت في الصحيح:" أن النبي ﷺ يعرف أمته يوم القيامة غراً محجلين من آثار الوضوء" (٣) ، فدل على أن من لم يكن غراً محجلاً لم يعرفه النبى ﷺ ، فلا يكون من أمته. وقوله تعالى: ﴿كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إِنَّكُم مُّجْرِمُونَ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا

стр. 14

يَرْكَعُونَ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات: ٤٦ - ٤٩] وقوله تعالى: ﴿فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ﴾ [الإنشقاق: ٢٠ - ٢٣] , وكذلك قوله تعالى: ﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى وَلَكِن كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ [القيامة: ٣١ - ٣٢] ,وكذلك قوله تعالى: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ﴾ [المدثر: ٤٢ - ٤٧] , فوصفه بترك الصلاة، كما وصفه بترك التصديق، ووصفه بالتكذيب والتولي والمتولي هو: العاصي الممتنع من الطاعة , كما قال تعالى: ﴿سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُوْلِي بَاسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِن تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِن تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُم مِّن قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الفتح: ١٦]

стр. 15

وكذلك وصف أهل سقر بأنهم لم يكونوا من المصلين، وكذلك قرن التكذيب بالتولي في قوله: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى عَبْدًا إِذَا صَلَّى أَرَأَيْتَ إِن كَانَ عَلَى الْهُدَى أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى أَرَأَيْتَ إِن كَذَّبَ وَتَوَلَّى أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى كَلَّا لَئِن لَّمْ يَنتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ﴾ [العلق: ٩: ١٦] , وأيضاً في القرآن علق الأخوة في الدين على نفس إقام الصلاة وإيتاء الزكاة، كما علق ذلك على التوبة من الكفر، فاذا انتفي انتفت الأخوة (١) , وأيضا فقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: (العهد الذي بيننا وبينهم

стр. 16

الصلاة فمن تركها فقد كفر) (١) , وفي المسند:" من ترك الصلاة متعمداً فقد برئت منه الذمة" (٢). وأيضا فإن شعار المسلمين الصلاة، ولهذا يعبر عنهم بها فيقال: اختلف أهل الصلاة، واختلف أهل القبلة، والمصنفون لمقالات المسلمين يقولون: مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين وفي الصحيح: (من صلى صلاتنا، واستقبل قبلتنا، وأكل ذبيحتنا، فذلك المسلم له ما لنا، وعليه ما علينا) (٣) , وأمثال هذه النصوص كثيرة في الكتاب والسنة. وأما الذين لم يُكفِّروا بترك الصلاة ونحوها, فليست لهم حجة إلا وهي متناولة للجاحد كتناولها

стр. 17

للتارك، فما كان جوابهم عن الجاحد كان جواباً لهم عن التارك؛ مع أن النصوص علقت الكفر بالتولي كما تقدم، وهذا مثل استدلالهم بالعمومات التي يحتج بها المرجئة كقوله: (من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه. . . أدخله الله الجنة) (١) ونحو ذلك من النصوص. وأجود ما اعتمدوا (٢) عليه قوله ﷺ : (خمس صلوات كتبهن الله على العباد في اليوم والليلة فمن حافظ عليهن كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة ومن لم يحافظ عليهن لم يكن له عند الله عهد إن شاء عذبه وإن شاء أدخله الجنة) (٣) ...

стр. 18

قالوا: فقد جعل غير المحافظ تحت المشيئة، والكافر لا يكون تحت المشيئة، ولا دلالة في هذا , فإن الوعد بالمحافظة عليها (١)، والمحافظة فعلها في أوقاتها كما أمر وكما قال تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلاَةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨] وعدم المحافظة يكون مع فعلها بعد الوقت، كما أخر النبي ﷺ صلاة العصر يوم الخندق، فأنزل الله آية الأمر بالمحافظة عليها، وعلى غيرها من الصلوات، وقد قال تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم: ٥٩] فقيل لابن مسعود وغيره: ما إضاعتها؟ فقال: تأخيرها عن وقتها. فقالوا: ما كنا نظن ذلك إلا تركها. فقال: لو تركوها لكانوا كفاراً (٢).

стр. 19

وكذلك قوله: ﴿فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون: ٤ - ٥] ذمهم مع أنهم يصلون، لأنهم سهوا عن حقوقها الواجبة، مِن فعلها في الوقت، وإتمام أفعالها المفروضة، كما ثبت في صحيح مسلم عن النبي صلى ﷺ أنه قال: (تلك صلاة المنافق , تلك صلاة المنافق يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرني شيطان قام فنقرها أربعاً لا يذكر الله فيها إلا قليلاً) (١) فجعل هذه صلاة المنافقين لكونه أخرها عن الوقت، ونقرها. وقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه ذكر الأمراء بعده الذين يفعلون ما ينكر, وقالوا يا رسول الله أفلا نقاتلهم؟ قال: (لا ما صلوا) (٢) وثبت عنه أنه قال: (سيكون أمراء يؤخرون الصلاة عن وقتها فصلوا الصلاة لوقتها ثم اجعلواصلاتكم معهم

стр. 20

نافلة) (١) فنهى عن قتالهم إذا صلوا، وكان في ذلك دلالة على أنهم إذا لم يصلوا قوتلوا، وتبين أنهم يؤخرون الصلاة عن وقتها، وذلك ترك المحافظة عليها لا تركها , وإذا عرف الفرق بين الأمرين، فالنبى ﷺ ، إنما أدخل تحت المشيئة من لم يحافظ عليها لا من ترك، ونفس المحافظة يقتضي أنهم صلوا، ولم يحافظوا عليها ولا يتناول من لم يحافظ، فإنه لو تناول ذلك قتلوا كفاراً مرتدين بلا ريب، ولا يتصور في العادة أن رجلاً يكون مؤمناً بقلبه، مقراً بأن الله أوجب عليه الصلاة، ملتزماً لشريعة النبي ﷺ وما جاء به، يأمره ولي الأمر بالصلاة فيمتنع، حتى يقتل، ويكون مع ذلك مؤمناً في الباطن قط لا يكون

стр. 21

إلا كافراً، ولو قال: أنا مقر بوجوبها غير أني لا أفعلها، كان هذا القول مع هذه الحال كذباً منه، كما لو أخذ يلقي المصحف في الحش ويقول: أشهد أن ما فيه كلام الله، أو جعل يقتل نبياً من الأنبياء ويقول: أشهد أنه رسول الله، ونحو ذلك من الأفعال التي تنافي إيمان القلب، فإذا قال: أنا مؤمن بقلبي مع هذه الحال كان كاذباً فيما أظهره من القول. فهذا الموضع ينبغي تدبره فمن عرف ارتباط الظاهر بالباطن زالت عنه الشبهة في هذا الباب، وعلم أن من قال من الفقهاء: أنه إذا أقرّ بالوجوب وامتنع عن الفعل لا يقتل، أو يقتل مع إسلامه , فإنه دخلت عليه الشبهة التي دخلت على المرجئة والجهمية، والتي دخلت على من جعل الإرادة الجازمة مع القدرة التامة التي لا يكون بها شيء من الفعل، ولهذا كان الممتنعون من قتل هذا من الفقهاء بنوه على

стр. 22

قولهم في [مسألة الإيمان] وأن الأعمال ليست من الإيمان وقد تقدم أن جنس الأعمال من لوازم إيمان القلب، وأن إيمان قلب التام بدون شيء من الأعمال الظاهرة ممتنع، سواء جعل الظاهر من لوازم الإيمان أو جزء من الإيمان كما تقدم بيانه. وحينئذٍ فإذا كان العبد يفعل بعض المأمورات، ويترك بعضها، كان معه من الإيمان بحسب ما فعله، والإيمان يزيد وينقص، ويجتمع في العبد إيمان ونفاق؛ كما ثبت عنه في الصحيح أنه قال: (أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها، إذا حدّث كذب، وإذا ائتمن خان، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر) (١).

стр. 23

وبهذا تزول الشبهة في هذا الباب، فإنّ كثيراً من الناس بل أكثرهم في كثير من الأمصار لا يكونون محافظين على الصلوات الخمس، ولا هم تاركيها بالجملة بل يصلون أحياناً، ويدعون أحياناً، فهؤلاء فيهم إيمان ونفاق، وتجري عليهم أحكام الإسلام الظاهرة في المواريث ونحوها من الأحكام , فإن هذه الأحكام إذا جرت على المنافق المحض ـ كابن أُبي وأمثاله من المنافقين ـ فلأن تجرى على هؤلاء أولى وأحرى "أ. هـ.

стр. 24

فصل وقال ﵀ في موضع آخر (٢٢/ ١٩): "ودل الكتاب والسنة، واتفاق السلف على الفرق بين من يضيع الصلاة فيصليها بعد الوقت (١)، والفرق بين من يتركها. ولو كانت بعد الوقت لا تصح بحال لكان الجميع سواء لكن المضيع لوقتها كان ملتزماً لوجوبها، وإنما ضيّع بعض حقوقها وهو الوقت، وأتى بالفعل فأما من لم يعلم وجوبها عليه جهلاً وضلالاً، أو علم الإيجاب ولم يلتزمه فهذا إن كان كافراً فهو مرتد، وفي وجوب القضاء عليه الخلاف المتقدم لكن هذا شبيه بكفر النفاق ".

стр. 25

فصل وقال ﵀ في موضع آخر (٣/ ٤٢٧): "وعماد الدين الذي لا يقوم إلا به هو الصلوات الخمس المكتوبات، ويجب على المسلمين من الاعتناء بها ما لا يجب من الاعتناء بغيرها. وكان عمر بن الخطاب ﵁ يكتب إلى عماله: "إن أهم أمركم عندي الصلاة، فمن حفظها وحافظ عليها حفظ دينه، ومن ضيعها كان لما سواها من عمله أشد إضاعة (١). وهي أول ما أوجبه الله من العبادات، والصلوات الخمس تولى الله إيجابها بمخاطبة رسوله ﷺ ليلة المعراج. وهي آخر ما وصى به النبي ﷺ أُمته وقت فراق الدنيا، جعل يقول: (الصلاة الصلاة وما ملكت أيمانكم) (٢)

стр. 26

وهي أول ما يحاسب عليه العبد من عمله (١)، وآخر ما يفقد من الدين (٢)، فإذا ذهبت ذهب الدين كله وهي عمود الدين فمتى ذهبت سقط الدين .... " (٣)

стр. 27

فصل استدل بعضهم (١) بألفاظ وردت في بعض الأحاديث, كقوله ﷺ :"إذا خلص المؤمنون من النار وأمنوا فوالَّذي نفسي بيدِه ما مجادَلةُ أحدِكم لصاحبِه في الحقِّ يكونُ له في الدُّنيا بأشدَّ من مجادلةِ المؤمنين لربَّهم في إخوانِهم الَّذين أُدخِلوا النَّارَ". قال: يقولون: ربَّنا! إخوانُنا كانوا يُصلُّون معنا، ويصومون معنا، ويحُجُّون معنا، ويجاهدون معنا فأدخلتهم النَّارَ! قال: فيقولُ: اذهبوا، فأخرِجوا من عرفتم منهم. وقال بعد ذلك: فيقولون: ربَّنا! قد أخرجنا من أمرتَنا. قال: ثمَّ يعودون فيتكلَّمون , فيقولُ: أخرِجوا من كان في قلبِه مثقالُ دينارٍ من إيمانِ ,فيُخرِجون خلقًا كثيرًا .. الحديث (٢).

стр. 28

قال: إن المؤمنين لما شفعهم الله في إخوانهم المصلين , والصائمين , وغيرهم في المرة الأولى , فأخرجهم من النار بالعلامة , فلما شفعوا في المرات الأخرى, وأخرجوا بشراً كثيراً , لم يكن فيهم مصلون بداهة, وإنما فيهم من الخير كل حسب إيمانهم .. الخ والجواب أولاً عن هذا أن يقال: " ليس في الحديث أن الآخرين لا يصلون , فقوله: لم يكن فيهم مصلون بداهة , إنما هو تحميل للنص مالا يحتمل , وتعلق بما لا متعلق فيه. ثانياً: يقال: إن الأولين كانوا يصلون , ويصومون , فهم عندهم محافظة في الجملة , وهذا ظاهر فإنه عبّر عنهم بلفظة: "كان" وبعدها صيغة المضارع. قال الشنقيطي -العلامة الأصولي-في أضواء البيان (٢/ ٢٤٣): "وقد تقرر في الأصول أن صيغة

стр. 29

المضارع بعد لفظة كان في نحو يفعل كذا , تدل على كثرة التكرار , والمداومة على ذلك الفعل" (١) وأما من بعد هؤلاء, فليسوا كذلك فعندهم تقصير ونقص وإخلال بالفروض المذكورة , أما أنهم لا يصلون أبداً فهذا لا يفيده النص بوجه. ويقال كذلك: هذا مفهوم - لو فهم منه ترك الصلاة , وقد عرفت أن ذلك لا يفهم منه- وهو معارض بمنطوق الأحاديث المصرحة بالكفر , والمنطوق مقدم على المفهوم , وقد ذكر أهل العلم أن مثل هذه النصوص من العام المخصوص بالنصوص الدالة على الكفر. وكذلك استدلاله برواية أحمد عن عائشة ﵂ مرفوعاً بلفظ: "الدواوين عند الله ثلاثة ... " الحديث وفيه:" وأما الديوان الذي لا يعبأ

стр. 30

الله به شيئاً , فظلم العبد نفسه فيما بينه وبين ربه من صوم يوم تركه, أو صلاة تركها , فإن الله يغفر ذلك, ويتجاوز إن شاء الله ... " (١) وذكر الشيخ أنه يشهد لحديث أبي سعيد الخدري ﵁ (٢) , وقد رجعت للحديث المذكور - أَعني حديث عائشة -فوجدته ضعيفاً كما قال الشيخ في حاشية الطحاوية [ص:٣٢٦ - حديث رقم: (٣٨٤)] , وهو إنما ذكره هنا كشاهد لحديث أبي سعيد في المعنى , وقد علمت التحقيق في حديث أبي سعيد , وأنه لا دلالة فيه , فعلى أي شيء يشهد حديث عائشة-﵂؟! وهو لا يقوم بنفسه! فسقط التمسك به بالكلية , والحمد لله. وأما قوله: يجب أن تحمل كل أدلة الفريق المكفر

стр. 31

للتارك للصلاة , يعني على المصر والممتنع مع تهديد الحاكم له بالقتل. (١) أقول: هم يأبون ذلك , وهم أغنياء بالنصوص الشرعية , وما فيها من تعليلات وأوصاف , وحملها -أعني أدلة المكفر للتارك للصلاة- على الإصرار والإمتناع .. الخ, إلغاء لوصف الشارع الذي علق الحكم به , واعتبار وصف لم يجعله الشارع مناطاً للحكم. فنصوص الشرع: "العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة, فمن تركها فقد كفر" (٢) فعبر بالترك وهو يقولون: فمن أصر.

стр. 32

وقوله: " بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة" (١) وهم يقولون: الإصرار على الترك , وهذا عمر بن الخطاب ﵁ يقول: "لاحظ في الإسلام لمن ترك الصلاة " (٢) , وهذا عبدالله بن شقيق يقول: "كان أصحاب رسول الله ﷺ لا يرون شيئاً من الأعمال تركه كفر غير الصلاة " (٣). والقول بأنه لا يكفر إلا إذا امتنع عن الصلاة وأصر على تركها؟ ليس بشيء , لأنه يقال: هذا فيه دلالة على غلط كفره واسكتباره , ولا يقال إنه لم يكفر حتى

стр. 33

أصر , بل هو كافر بالترك , وإن أصر وامتنع فهذا كفر آخر أقبح (١) وهذا أوضح. قال ابن رجب: "ظاهر كلام أحمد وغيره من الأئمة الذين يرون كفر تارك الصلاة: أن من تركها كفر بخروج الوقت عليه, ولم يعتبروا أن يستتاب , ولا أن يُدعى إليها وعليه يدل كلام المتقدمين من أصحابنا, لقوله ﷺ : " بين الرجل وبين الكفر ترك الصلاة" (٢).

стр. 34

حقيقة الترك الذي يكفر صاحبه اعلم أخي أن ما ترجح من خلال النصوص من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ أن ترك الصلاة كفر أكبر مخرج من الملة (١). ويفهم من كلام شيخ الإسلام أنه إذا ترك أحياناً وصلى أحياناً , أنه تجري عليه أحكام الإسلام الظاهرة في المواريث ونحوها من الأحكام , وقال: إن النبي

стр. 35

- ﷺ أدخل تحت المشيئة من لم يحافظ لا من ترك (١) " , وكذلك قال: إن الأئمة كانوا يؤخرون الصلاة عن وقتها , وذلك ترك المحافظة عليها لا تركها. وقال شيخ الإسلام في منهاج السنة النبوية (٥/ ٢١٠ - ٢١١): " وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: في الأمراء الذي يؤخرون الصلاة عن وقتها: " صلوا الصلاة لوقتها , واجعلوا صلاتكم معهم نافلة" , وهم إنما كانوا يؤخرون الظهر إلى وقت العصر (٢) , والعصر إلى وقت الإصفرار , وذلك مما هم مذمومون عليه , ولكن ليسوا كمن تركها أو فوتها حتى غابت الشمس , فإن هؤلاء أمر النبي ﷺ بقتالهم , ونهى عن قتال أولئك , فإنه لما ذكر أنه سيكون أمراء يفعلون ويفعلون , قالوا:

стр. 36

أفلا نقاتلهم؟ قال: لا ما صلوا" (١) , وقد أخبر عن هذه الصلاة التي يؤخرونها , وأمر أن تصلى في الوقت, وتعاد معهم النافلة, فدل على صحة صلاتهم , ولو كانوا لم يصلوا لأمر بقتالهم". وقال (٥/ ٢١٠):" ولهذا كان الذي اتفق عليه العلماء أنه يمكن إعادة الصلاة في الوقت الخاص والمشترك كما يصلي الظهر بعد دخول العصر، ويؤخر العصر إلى الاصفرار فهذا تصح صلاته وعليه إثم التأخير، وهو من المذمومين في قوله تعالى ﴿: فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون﴾ [سورة الماعون: ٤ - ٥] وقوله ﴿: فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات﴾ [سورة مريم: ٥٩] فإن تأخيرها عن الوقت الذي يجب فعلها فيه هو

стр. 37

إضاعة لها, وسهو عنها بلا نزاع أعلمه بين العلماء , وقد جاءت الآثار بذلك عن الصحابة والتابعين. وقال أيضاً (٥/ ٢١٨):" والوقت المشترك بين الظهر , والعصر ,والمغرب ,والعشاء وقت لجواز فعلهما جميعاً عند العذر، وإن فعلتا لغير عذر ففاعلهما آثم، لكن هذه قد فعلت في وقت هو وقتها في الجملة ... . وقد أمر النبي ﷺ بالصلاة خلف الأمراء الذين يؤخرون الصلاة، ونهى عن قتالهم، مع ذمهم وظلمهم. وأولئك كانوا يؤخرون الظهر إلى العصر، فجاءت طائفة من الشيعة ,فصاروا يجمعون بين الصلاتين في وقت الأولى دائما من غير عذر، فدخل في الوقت المشترك من جواز الجمع للعذر، من تأويل الولاة وتصحيح الصلاة مع إثم التفويت، ما لم يدخل في التفويت المطلق , كمن يفطر شهر رمضان عمداً ويقول: أنا أصوم في شوال، أو يؤخر الظهر والعصر عمداً، ويقول: أُصليهما بعد المغرب، ويؤخر المغرب

стр. 38

والعشاء ويقول: أصليهما بعد الفجر، أو يؤخر الفجر ويقول: أصليها بعد طلوع الشمس، فهذا تفويت محض بلا عذر أ. هـ. والذي يظهر لي الفرق بين التأخير في الوقت المشترك (١) والتأخير المحض أو الترك فقد ذكر عن أصحاب القسم الثاني أن النبي ﷺ أمر بقتالهم كما تقدم عنه قريباً, وقد ذكر شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى (٢٢/ ٦١) أن مؤخرها عن وقتها (٢) فاسق , والأئمة لا يقاتلون بمجرد الفسق. فهذا تصريح منه باختلاف حكم من أخر الصلاة حتى خرج وقتها المشترك. كالظهرين والعشاءين , أو فوّت الفجر حتى طلعت الشمس بأن هذا تفويت محض , ولذلك قال في المنهاج (٥/ ٢٣٠): "وكثير من

стр. 39

العامة والجهال يعتقدون جواز تأخيرها إلى الليل بأدنى شغل، ويرى أن صلاتها بالليل خير من أن يصليها بالنهار مع الشغل، وهذا باطل بإجماع المسلمين، بل هذا كفر .. " وقال بعد ذلك: "وقول القائل: إنها تصح وتقبل وإن أثم بالتأخير، فجعلوا فعلها بعد الغروب كفعل العصر بعد الاصفرار، وذلك جمع بين ما فرق الله ورسوله بينه .. "أ. هـ. وأقول: وإذا كان الرسول ﷺ أخبر عن الأمراء أنهم يميتون الصلاة ويخنقونها , وهم إنما كانوا يؤخرون الظهر إلى وقت العصر , والعصر إلى الاصفرار (١) , فليت شعري! ما حال من أخرهما إلى غروب الشمس أو لم يصلهما؟! وأما شيخ الإسلام فغاية ما نقل عنه أن من يصلي أحياناً ويترك أحياناً تجري عليهم أحكام الإسلام الظاهرة - وأنا أقول بذلك- لأن أمر مثل هذا لا ينضبط , وأما أن الشيخ يحكم بأنه مسلم أو ناج في

стр. 40

الآخرة, أو تحت المشيئة فأين ذلك من كلامه؟ (١) وهو قد قال: "إن هذه الأحكام إذا جرت على المنافق المحض كعبد الله بن أُبي وأمثاله من المنافقين فلأن تجري على هؤلاء أولى وأحرى". وخلاصة ما تبين لي في ضبط ما يكفر به التارك أنه إن أخر الظهرين أو أحدهما حتى تغرب الشمس , أو العشاءين أو أحدهما حتى يطلع الفجر , أو الفجر حتى تطلع الشمس أنه يكفر بذلك (٢) , وأما تأخير الظهر إلى العصر , أو المغرب إلى العشاء فلا على ما
следующие страницы →