← Тафсир

Тафсир · id 14533

اللباب في تفسير الاستعاذة والبسملة وفاتحة الكتاب

سليمان اللاحم

Полный текст (441 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

اللّبَاب فِي تَفْسِير الإستعاذة والبسملة وفاتحة الْكتاب تأليف الدكتور سُلَيْمَان بن إِبْرَاهِيم اللاحم دَار الْمُسلم للنشر والتوزيع

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ المقدمة الحمد لله الذي أمر بالاستعاذة عند قراءة القرآن، فقال- ﴿فَإِذَا قَرَاتَ الْقُرْآَنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ (١). والحمد لله الذي افتتح كتابه بالحمد فقال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. وحمد نفسه على إنزاله، فقال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا﴾ (٢). وافتتح سوره سورة سورة بقوله- تعالى- ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ سوى سورة براءة، لما له في ذلك من الحكمة ﴿وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ﴾ (٣). أحمده-تعالى - على أن هدانا للإسلام، وخصنا بالقرآن، وجعلنا من خير أمة أخرجت للناس. فلك الحمد ربي بالإيمان، ولك الحمد بالقرآن، ولك الحمد بإرسال محمد ﷺ خير الأنام، ولك الحمد على نعمك التي لا تحصى على الدوام. ولك الحمد على أن وفقت خلاصة من العباد، نذروا أنفسهم وأوقاتهم لخدمة هذا القرآن حفظًا وتجويدًا، وتعلمًا وتعليمًا، ودراسة

стр. 3

وتفسيرًا، واستخراجًا لما فيه من الهداية، وبيان العقائد والأحكام، والحلال والحرام، ولما اشتمل عليه من الأخلاق والآداب والمواعظ الجسام. ينفون عنه انتحال المبطلين وتأويل الجاهلين. كل ذلك تحقيقًا لوعدك، حيث قلت، وقولك الحق: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (١). وصلى الله وسلم، وبارك على المعلم الأول أفضل الحامدين، وخيرة الشاكرين، وسيد الخلق أجمعين، نبينا محمد الذي أنزل الله عليه هذا الكتاب ليخرج الناس به من الظلمات إلى النور. قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ (٢). فقام به ﷺ حتى تفطرت قدماه (٣)، وأقرأه أمته وبلبغهم إياه، وعلمهم ما فيه من الهداية والأحكام، وأوصاهم قبل وفاته ﷺ بقوله: «إنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب، وأنا تارك فيكم ثقلين أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله واستمسكوا

стр. 4

به. . . ثم قال: وأهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي. . .» الحديث (١). فجزاه الله عن الإسلام والمسلمين خير ما يجزى نبيًا عن أمته، فقد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، حتى أتاه اليقين، فعليه من الله أزكى الصلاة، وأتم التسليم. ورضي الله عن صحابته الكرام، الذين كانوا إذا تعلموا عشر آيات من القرآن لم يتجاوزها حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل، فتعلموا القرآن والعلم والعمل جميعًا (٢)، تعلموه، وعملوا بما فيه، وعلموه من بعدهم، ونقلوه بحروفه ومعانيه وأحكامه إلى أقطار الدنيا كلها، فرضي الله عنهم، وجزاهم عن الإسلام والمسلمين خيرًا. ورحم الله من جاء بعدهم، من سلف هذه الأمة من التابعين وتابعيهم، ومن تبعهم، الذين قاموا بخدمة هذا الكتاب، بما دونوا من مؤلفات فيها بيان معانيه وأحكامه، وحلاله وحرامه، وناسخه ومنسوخه، ومحكمه ومتشابهه، وأسباب نزوله، ومكيه ومدنيه وسائر علومه فرحمهم الله، وجزاهم عن الإسلام والمسلمين خيرًا. وعم بالرحمة كل من رفع بهذا الكتاب رأسا، أو قدم له خدمة، مبتغيًا بذلك وجه الله والدار الآخرة وبعد:

стр. 5

فإن الاشتغال بعلم كتاب الله- تعالى- هو أجل عمل وأشرفه، وأرفعه مترلة، كما قال ﷺ في الحديث الصحيح الذي رواه عثمان بن عفان ﵁: «خيركم من تعلم القرآن وعلمه» رواه البخاري (١). ولا شك أن الهمم قد قصرت، والموانع من اللحاق بأهل العزم قد كثرت. حتى أصبح ما نقرأه في سير علمائنا السابقين وما قاموا به من جهود في التعليم والتأليف أشبه شيء بالخيال ﵏ رحمة واسعة وجزاهم عن الإسلام والمسلمين خيرًا، ونظمنا في سلكهم، ولو بالتشبه بأولئك الأماجد الأخيار، وكما قيل: فتشبهوا إ ن لم تكونوا مثلهم ... إن التشبه بالكرام فلاح «وما لا يدرك جله لا يترك كله». ولقد كان من أهم الأسباب التي دعتني إلى الكتابة في هذا الموضوع ما يلي: أولًا: أن الاستعاذة عند والبسملة هما المدخل لكتاب الله - تعالى- فقد أمر - تعالى - بالاستعاذة عند قراءة القرآن، وافتتح سوره كلها سوى براءة بـ (بسم الله الرحمن الرحيم)، فيشرع للمسلم أن يفتتح قراءته بهما، في الصلاة أو خارجها، وأن يعرف معناهما وأحكامهما.

стр. 6

ثانيًا: أنني رأيت كلام أهل العلم ﵏ على الاستعاذة والبسملة والفاتحة مفرقًا في كتب التفسير والقراءات، وكتب الحديث والفقه والأحكام، لا يجمعه كتاب على وجه تتم به الفائدة، لا من كتب التفسير، ولا من غيرها. ثالثًا: أن سورة الفاتحة: افتتح الله بها كتابه العزيز، وهي أعظم وأفضل سورة في القرآن الكريم. رابعًا: أن هذه السورة تحوي من المعاني والفوائد والأحكام الشيء الكثير، وقد جاء في الأثر أنها تتضمن جميع معاني القرآن الكريم، وبهذا قال بعض أهل العلم كما سيأتي بيانه. ولهذا أفردها بعض أهل العلم بالتأليف كابن القيم في كتابه القيم «مدارج السالكين بيين منازل ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾» وناهيك به من كتاب، كما خصصها جمع من المفسرين بجزء كبير من تفسيره كالرازي مثلا فقد تكلم عليها في مجلد كبير من تفسيره، وكذا أطال الكلام في تفسيرها إمام المفسرين الطبري والحافظ ابن كثير وشيخنا عبد الرحمن الدوسري-﵏ جميعًا-. خامسًا: أن هذه السورة مما يجب على كل مسلم تعلمها وفهم معانيها إذ عليها مدار صحة الصلاة وبطلانها. فأردت بهذا العمل أن أجمع شتات كلام أهل العلم - على الاستعاذة والبسملة والفاتحة، وذلك حسب الإمكان راجيًا أن يكون هذا البحث بمثابة مدخل لتفسير كتاب الله -تعالى.

стр. 7

وقد سميت هذا الكتاب: اللباب في تفسير الاستعاذة، والبسملة، وفاتحة الكتاب وبيان ما اشتمل عليه كل منها من المعاني والفوائد والأحكام. وقد قسمت الكلام إلى بابين: الباب الأول: الاستعاذة والبسملة - معناهما، وأحكامها- وفيه فصلان: أ- الفصل الأول الاستعاذة - معناها - وأحكامها - وفيه ثمانية مباحث. ب- الفصل الثاني: البسملة معناها - وأحكامها- وفيه تسعة مباحث. الباب الثاني: تفسير سورة الفاتحة، معناها، وأحكامها وفيه فصلان: الفصل الأول: تفسير سورة الفاتحة وبيان ما فيها من المعاني والفوائد والأحكام. الفصل الثاني: الأحكام التي تتعلق بسورة الفاتحة وفيه مبحثان. وقد حرصت على أن أقدم للقارئ خلاصة لأصح ما جاء عن أهل العلم والتحقيق في تفسير الاستعاذة والبسملة (١) وهذه السورة العظيمة،

стр. 8

سورة الفاتحة. وبذلت في ذلك جهدي وطاقتي، مع قلة البضاعة وكثرة المشاغل والعوائق. وقد اعتمدت اعتمادًا كبيرًا على كتب المحققين من علمائنا ﵏ سواء في التفسير أو غيره، وخاصة كتاب «مدارج السالكين» للإمام العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى - فقد اعتمدت عليه اعتمادًا كبيرًا - خاصة في الكلام على سورة الفاتحة، ونقلت عنه في كثير من المواضع، لأنني لم أجد من تكلم عن هذه السورة بمثل كلامه- رحمه الله تعالى-، وقد أشفقت أن أختصر كلامه أحيانًا فتجيء عبارتي قاصرة عن الوفاء بمضمون كلامه الذي هو في غاية الدقة والتحقيق وحسبي أني أحلت إليه. والله أسأل أن يرزقني وجميع إخواني المسلمين الإخلاص في القول والعمل إنه جواد كريم بر رؤوف رحيم. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 9

الباب الأول الاستعاذة والبسملة، معناهما، وأحكامهما وفيه فصلان: الفصل الأول: الاستعاذة، معناها، وأحكامها وفيه ثمانية مباحث الفصل الثاني: البسملة، معناها، وأحكامها وفيه تسعة مباحث

стр. 10

قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَاتَ الْقُرْآَنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيم﴾ سورة النحل، الآية: ٩٨ أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

стр. 11

الفصل الأول الاستعاذة، معناها، وأحكامها وفيه ثمانية مباحث: المبحث الأول: صيغ الاستعاذة الصحيحة. المبحث الثاني: أركان الاستعاذة. المبحث الثالث: الاستعاذة ليست بآية من القرآن. المبحث الرابع: إعراب الاستعاذة ومعناها. أ - إعرابها. ب - معناها. المبحث الخامس: أحكام الاستعاذة. أ - مكان الاستعاذة من القراءة. ب - حكمها عند قراءة القرآن في الصلاة أو خارجها. ج - هل يتعوذ في الصلاة في كل ركعة، أو في الركعة الأولى فقط. د - حكم الجهر بها أو الإسرار. المبحث السادس: المواضع التي تشرع فيها الاستعاذة. المبحث السابع: بيان أن شيطان الجن أعظم ضررًا من شيطان الإنس، ومن النفس «المذمومة». المبحث الثامن: السبيل للخلاص من شر الشيطان ومكايده.

стр. 12

المبحث الأول صيغ الاستعاذة الصحيحة الصيغة الأولى: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم . وعلى هذا اللفظ دل الكتاب والسنة. قال الله - تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَاتَ الْقُرْآَنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ (١). وعن سليمان ين صرد ﵁ قال: استبَّ رجلان عند النبي ﷺ ونحن عنده جلوس، وأحدهما يسب صاحبه، مغضبا، قد احمر وجهه،.فقال النبي ﷺ «إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه ما يجد، لو قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فقالوا للرجل: ألا تسمع ما يقول النبي ﷺ فقال: إني لست بمجنون» متفق عليه (٢). وهذه الصيغة هي المختارة عند أكثر القراء (٣). منهم: أبو عمرو البصري، وعاصم بن أبي النجود الكوفي، وعبد الله ابن كثير المكي (٤). وبها كان يتعوذ جمهور السلف من الصحابة والتابعين

стр. 13

منهم: عمر بن الخطاب وابنه عبد الله بن عمر (١) ﵄. وهي اختيار: أبي حنيفة (٢)، والشافعي (٣)، وأحمد بن حنبل (٤) ﵏. قال مكي بن أبي طالب القيسي في كتابه «الكشف عن وجوه القراءات السبع (٥)»: «الذي عليه العمل وهو الاختيار أن يقول القاراء: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. للآية». وقال ابن عطية في «تفسيره» (٦): «وأما لفظ الاستعاذة، فالذي عليه جمهور الناس، هو لفظ كتاب الله - تعالى: ﴿أعوذ بالله من الشيطان الرجيم﴾». الصيغة الثانية: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم . يدل على هذا اللفظ، ما جاء في حديث أبي سعيد الخدري ﵁ في دعاء الرسول ﷺ إذا قام إلى الصلاة في الليل، وفيه:

стр. 14

ثم يقول: «أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم - الحديث وسيأتي بتمامه» (١). كما استدل له بقوله - تعالى -: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (٢) وبقوله- تعالى-: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (٣). وهي اختيار طائفة من القراء (٤) منهم حمزة (٥)، وسهل بن أبي حاتم (٦)، وهي مروية عن عمر بن الخطاب ﵁ (٧) - وبها يقول الحسن البصري (٨) ومحمد بن سيرين (٩)، والحسن بن صالح (١٠)، والشافعي (١١)، وأحمد بن حنبل، في رواية النيسابوري (١٢).

стр. 15

قال أبو عمرو الداني في جامعه: «إن على استعماله عامة أهل الأداء، من أهل الحرمين، والعراقيين، والشام» (١). الصيغة الثالثة: أعوذ بالله السميع العليم، من الشيطان الرجيم، من همزه ونفخه ونفثه . يدل على هذا اللفظ، ما رواه أبو سعيد الخدري ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة بالليل كبر، ثم يقول: «سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك، ثم يقول: «أعوذ بالله السميع العليم، من الشيطان الرجيم، من همزه ونفخه ونفثه» (٢). وقد خصها بعض أهل العلم بقيام الليل لحديث أبي سعيد. الصيغة الرابعة: اللهم إني أعوذ بك من الشيطان الرجيم، وهمزه ونفخه ونفثه .

стр. 16

يدل على ما راوه عبد الله بن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ قال: «اللهم إني أعوذ بك من الشيطان الرجيم، وهمزه ونفخه ونفثه» (١). وهي مروية عن بعض أهل العلم، منهم الحسن البصري (٢)، وإسحاق بن راهويه (٣). الصيغة الخامسة: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، إن الله هو السميع العليم (٤). جمعًا بين أدلة الصيغة الأولى، وأدلة الصيغة الثانية والثالثة. وبها قرأ نافع وابن عامر والكسائي (٥)، وهي مروية عن حمزة وعن أبي عمرو وقد رُويت عن عمر بن الخطاب ﵁ ومحمد بن سيرين (٦)

стр. 17

وهي اختيار سفيان الثوري (١) والأوزاعي (٢)، ومسلم بن يسار (٣)، وأحمد في رواية، اختارها القاضي أبو يعلى، وابن عقيل (٤). الصيغة السادسة: أعوذ بالله العظيم، وبوجهه الكريم، وسلطانه القديم، من الشيطان الرجيم . لما رواه عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ عن النبي ﷺ أنه كان إذا دخل المسجد قال: «أعوذ بالله العظيم، وبوجهه الكريم، وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم» (٥). وهناك صيغ أخرى رويت عن بعض القراء، وبعض أهل العلم. منها: أعوذ بالله العظيم، من الشيطان الرجيم (٦). ومنها: أعوذ بالله العظيم، السميع العليم، من الشيطان الرجيم (٧). ومنها: أعوذ بالله العظيم، من الشيطان الرجيم، إن الله هو السميع

стр. 18

العليم (١). ومنها: أعوذ بالله السميع العليم، من الشيطان الرجيم، إن الله هو السميع العليم (٢). ومنها: أستعيذ بالله، أو نستعيذ بالله، من الشيطان الرجيم (٣). ومنها: أعوذ بالله القوي، من الشيطان الغوي (٤). ومنها: أعوذ بالله المجيد، من الشيطان المريد (٥). ومنها أعوذ بالله من الشيطان الرجيم وأستفتح الله وهو خير الفاتحين (٦). ومنها أعوذ بالله السميع، الرحمن الرحيم، من الشيطان الرجيم، وأعوذ بك رب أن يحضرون، أو يدخلوا بيتي الذي يؤويني (٧). ومنها: رب أعوذ بك من همزات الشيطان، وأعوذ بك رب أن

стр. 19

يحضرون، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، إن الله هو السميع العليم (١). ومنها: أعوذ بالله السميع العليم من همزات الشياطين، وأعوذ بالله أن يحضرون (٢). وهذه الصيغ وإن رويت عن بعض السلف، فإن أقل أحوالها الجواز، وما صح عن المصطفى ﷺ هو الأولى بالأتباع. * * *

стр. 20

المبحث الثاني أركان الاستعاذة تتكون الاستعاذة - كما يقول بعض أهل العلم (١) - من خمسة أركان هي: أ- صيغة الاستعاذة ولفظها، وقد تقدم. ب- المستعيذ، وهي المؤمن الذي رضي بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد ﷺ نبيًا ورسولًا، ونطق بالاستعاذة، وواطأ عنده القلب اللسان، فأيقن أن هذه الاستعاذة تحميه، بإذن الله بن الشيطان الرجيم. ج - المستعاذ به وهو الله - جل وعلا - الذي من استعاذ به أعاذه، وأجاره وعصمه، وحفظه وحماه، كما أعاذ مريم ابنة عمران وذريتها وعصمها بسبب دعاء والدتها امرأة عمران وإعاذتها إياها بالله من الشيطان الرجيم، كما ذكر الله عنها أنها قالت: ﴿رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ * فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾ (٢). وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ما

стр. 21

من مولود يولد إلا نخسه الشيطان، فيستهل صارخا إلا ابن مريم وأمه» (١). فالاستعاذة إنما تكون بالله - جل وعلا -، وأسمائه الحسنى، وصفاته العليا، وكلماته التامة، التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر. وأكثر ما ورد في القرآن الاستعاذة باسمه - تعالى. «الله». قال الله - تعالى-: ﴿فَإِذَا قَرَاتَ الْقُرْآَنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ (٢) وقال - تعالى-: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمُ﴾ (٣). وقال - تعالى-: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (٤) وقال- تعالى-: ﴿إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ (٥) وقال موسى ﵇ فيما ذكر الله عنه: ﴿أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ

стр. 22

مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ (١) وقال يوسف ﵇ ﴿مَعَاذَ اللَّهِ﴾ (٢). أي عياذًا بالله. كما وردت الاستعاذة كثيرًا باسمه- تعالى-: «الرب». قال الله -تعالى-: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾، ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾. وقال موسى ﵇: ﴿إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ﴾ (٣). وقال ﵇: ﴿وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ﴾ (٤). أو بمضمر يعود على الرب: قال -تعالى-: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ * وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ﴾ (٥). وقال نوح ﵇: ﴿رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ﴾ (٦) وقالت امرأة عمران: ﴿رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ

стр. 23

الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ (١) ووردت الاستعاذة باسمه الرحمن مرة واحدة. قال الله- تعالى- عن مريم ﵍: ﴿قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾ (٢). وفي الحديث «أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق» (٣). «أعوذ بكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر من شر ما خلق وبرأ وذرأ» الحديث (٤). ولا تصح الاستعاذه بغير الله، فيما لا يقدر عليه إلا الله، لأن الاستعاذة بالمخلوق في أمر لا يقدر عليه إلا الله لا تدفع شرًا، ولا تجلب خيرًا، بل مما يزيد المستعيد خوفًا ورهقًا. قال -تعالى- في سورة الجن: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ (٥). د- الركن الرابع من أركان الاستعاذة: المستعاذ منه، وهو الشيطان الرجيم، أعاذنا الله منه.

стр. 24

هـ - الركن الخامس من أركانها: المطلب الذي من أجله يستعيذ المسلم، وهو السلامة في دينه وديناه، من الشيطان ووسوسته ومكايده وجميع شروره. قال الله تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ * مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ﴾ (١). وقال تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (٩٧) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ﴾ (٢) وقال ﷺ «اللهم فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، رب كل شيء ومليكه، أشهد أن لا إله إلا أنت، أعوذ بك من شر نفسي، ومن شر الشيطان وشركه، وأن أقترف على نفسي سوءًا، أو أجره إلى مسلم» (٣) قال ابن القيم في «إغاثة اللهفان» (٤) بعد أ، ذكر هذا الحديث: «فتضمن هذا الحديث الشريف، الاستعاذة من الشر وأسبابه، وغايته، فإن الشر كله، إما أ، يصدر من النفس، أو من الشيطان، وغايته: إما أن يعود على العامل أو على أخيه المسلم ..»

стр. 25

وقال الطبري (١) ﵀ في كلامه على معنى الاستعاذة: «أستجير بالله - دون غيره، من سائر خلقه - من الشيطان، أن يضرني في ديني، أو يصدني عن حق يلزمني لربي». وقال ابن كثير (٢) ﵀ «أستجير بجناب الله من الشيطان الرجيم، أن يضرني في ديني أو دنياي أو يصدني عن فعل ما أمرت به، أو يحثني على فعل ما نهيت عنه». ...

стр. 26

المبحث الثالث الاستعاذة ليست بآية من القرآن الكريم أمر الله بالاستعاذة عند القراءة بقوله - تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَاتَ الْقُرْآَنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ (١) فهذه الآية هي الأصل في مشروعية الاستعاذة، عند، القراءة، وهى مشتملة على جل ألفاظ صيغة الاستعاذة «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم» التي هي أصح الصيغ. وقد أجمع العلماء على أن الاستعاذة بهذا االلفظ ليست آية حكى ذلك ابن عطية (٢) وغيره (٣). وقال ابن تيمية (٤): «لكن الاستعاذة ليست بقرآن، ولم تكتب في المصاحب، وإنما فيه الأمر بالاستعاذة، وهذا قرآن». * * *

стр. 27

المبحث الرابع إعراب الاستعاذة، ومعناها أ - إعرابها: لعل من المناسب إعراب الآية التي هي الأصل في مشروعية الاستعاذة عند القراءة. وهي قوله - تعالى -: ﴿فَإِذَا قَرَاتَ الْقُرْآَنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ (١) لأنها مشتملة - كما أشرت سابقًا - على جل ألفاظ صيغة الاستعاذة المختارة وهي: «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم». فقوله ﴿فَإِذَا قَرَاتَ الْقُرْآَنَ﴾ فإذا: الفاء للاستئناف، وإذا: اسم شرط غير جارم مبني على السكون، في محل نصب مفعول فيه، ظرف زمان، متعلق بجوابه «استعذ». قرأت: قرأ فعل ماضٍ مبني على السكون لا تصاله بالضمير، والتاء ضمير للمخاطب مبني على الفتح في محل رفع فاعل. القرآن: مفعول به منصوب. فاستعذ: الفاء رابطة لجواب الشرط. استعذ: فعل أمر مبني على السكون الظاهر والفاعل ضمير مستتر وجوبًا تقديره: أنت. بالله: الباء حرف جر، ولفظ الجلالة اسم مجرور بالباء وعلامة جره الكسرة الظاهرة على آخره، والجار والمجرور متعلقان بـ (استعذ).

стр. 28

من الشيطان: من حرف جر، والشيطان أسم مجرور بمن، وعلامة جره الكسرة الظاهرة على آخره. والجار والمجرور متعلقان بـ (استعذ). الرجيم: صفة للشيطان مجرورة مثله، وعلامة جرها الكسرة الظاهرة على آخرها. ب - معناها: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. أعوذ: فعل مضارع، يقال: عذت أعوذ، كما يقال: عاذ يعوذ عوذًا وعياذًا، ومعاذا (١). قال يوسف ﵇ ﴿مَعَاذَ اللَّهِ﴾ (٢) أي عياذًا بالله. أعوذ بالله بمعنى أعتصم به (٣)، كما جاء في حديث أبي هريرة في الدعاء عند دخول المسجد «اللهم اعصمني من الشيطان الرجيم» (٤). قال الحصين بن الحمام يخاطب قبيلته (٥): وعوذي بأفناء العشيرة إنما ... يعوذ الذليل بالعزيز ليعصما

стр. 29

وقال الراجز (١): قالت وفيها حيدة وذعر ... عوذي بربي منكم وحجر أي: اعتصامي بربي. وبمعنى: ألتجاء إلى الله. قال ابن فارس (٢): «العين والواو والذال أصل صحيح، يدل على معنى واحد، وهو الالتجاء إلى الشيء». وبمعنى: أستجير بالله (٣)، وأتحرز به (٤)، واستعين به (٥). وأمتنع به من المكروه (٦)، وأتعلق به (٧)، وأتحيز إليه (٨)، وألوذ به (٩).

стр. 30

ويقال: إن العياذة لدفع الشر، واللياذة لطلب الخير. قال ابن كثير (١): «والعياذة تكون لدفع الشر، واللياذ يكون لطلب الخير كما قال المتنبي (٢): يا من ألوذ به فيما أؤمله ... ومن أعوذ به ممن أحاذره لا يجبر الناس عظما أنت كاسره ... ولا يهيضون عظما أنت جابره لكن بعض أهل اللغة - كما تقدم - على أنهما بمعنى واحد. قال ابن منظور (٣): «الملاذ مثل المعاذ». بالله: الباء للاستعانة (٤)، وقيل للإلصاق (٥). الله: علم على ذات الرب - جل وعلا، وأصل أسمائه ، ومعناه: المألوه المعبود محبة وتعظيمًا. وسيأتي تفصيل الكلام فيه في البسملة - إن شاء الله. وجملة أعوذ بالله خبرية تتضمن طلب الإعاذة (٦). من الشيطان: من لابتداء الغاية.

стр. 31

الشيطان: مأخوذ عند جمهور أهل اللغة ومحققيهم من شطن بمعنى: بعد، يقال: بئر شطون، أي: بعيدة القعر والمدى (١). قال النابغة الذبياني (٢): نأت بسعاد عنك نوى شطون ... فبانت والفؤاد بها رهين والشطن الحبل، أو الحبل الطويل (٣) قال عنترة (٤): يدعون عنتر والرماح كأنها ... أشطان بئرٍ في لبان الأدهم فأشطان جمع شَطَن وهو الحبل الطويل. فالنون فيه أصلية. قال ابن فارس (٥): «الشين والطاء والنون أصل مطرد ويدل على البعد». والشيطان على وزن فيعال، للدلالة على أنه بلغ الغاية في البعد (٦). وقيل: إنه مأخوذ من «شاط يشيط، إذا هاج واشتد غضبًا، وهلك

стр. 32

واحترق وبطل، وعلى هذا فالنون فيه زائدة (١). والصحيح القول الأول. قال سيبويه (٢): «العرب تقول تشيطن». وقال الطبري (٣): بعدما ذكر القول بأنه مشتق من «شطن»: «ومما يدل على أن ذلك كذلك قول أمية بن أبي الصلت: (٤). أيما شاطنٍ عصاه عكاه ... ثم يلقى في السجن والأكبال قال الطبري: ولو كان فعلان من شاط يشيط لقال أيما شائطٍ، ولكنه قال: أيما شاطن، لأنه من شطن يشطن فهو شاطن» (٥). و «أل» في «الشيطان» للجنس (٦)، فهو يشمل كل متمرد، عات، خارج عن الطاعة، من الجن، والإنس، والدواب، وكل شيء (٧)،

стр. 33

ولهذا جمع في قوله- تعالى- ﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ﴾ (١). وقيل أل فيه للعهد (٢). والصحيح الأول. وهو يكون من الإنس والجن، كما قال الله - تعالى -: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾ (٣). وقال -تعالى- ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ (٤).، أي: شياطين إنس يعوذون بشياطين جن. وقال - تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ* مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ * مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ * الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ * مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ (٥) أي شياطين جن وإنس يوسوسون في صدور الناس. وقال تعالى: ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾ (٦) أي شياطين إنس بإنس. قال جرير (٧): أيام يدعونني الشيطان من غزلٍ ... وهن يهوينني إذ كنت شيطانًا ويكون من الحيوانات كما جاء في حديث عبد الله بن الصامت أبي

стр. 34

ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا قام أحدكم يصلي، فإنه يستره إذا كان بين يديه مثل آخرة الرحل، فإذا لم يكن بين يديه مثل آخرة الرحل، فإنه يقطع الصلاة الحمار والمرأة. والكلب الأسود». قلت: يا أباذر، ما بال الكلب الأسود من الكلب الأحمر، من الكلب الأصفر؟! قال: يا ابن أخي، سألت رسول الله ﷺ ، كما سألتني، فقال: «الكلب الأسود شيطان» (١). وعن زيد بن أسلم عن أبيه أن عمر بن الخطاب ﵁ ركب برذونا فجعل يتبختر به، فجعل يضربه، فلا يزداد إلا تبخترا، فنزل عنه، وقال: ما حملتموني إلا على شيطان، ما نزلت عنه حتى أنكرت نفسي (٢). وإنما سمي المتمرد من كل شيء شيطانًا لمفارقته لبني جنسه في أخلاقه، وأفعاله، وصفاته، وطباعه، ومباعدته لهم، وبسبب فسقه، وبعده عن الحق والهدى والخير، وعن رحمة الله - تعالى - (٣). الرجيم: فعيل بمعنى مفعول أي: مرجوم (٤) كسعير بمعنى:

стр. 35

مسعور. مأخوذ من الرجم: وهو الرمي بفعل أو قول (١). فمن الرجم بالفعل: الرجم والرمي بالحجارة. قال ابن فارس (٢): الراء والجيم والميم، أصل واحد، يرجع إلى وجه واحد، وهو الرمي بالحجارة. ومن الرجم بالقول قوله - تعالى ﴿رَجْمًا بِالْغَيْبِ﴾ (٣)، أي قولًا بالظن. وقوله- تعالى - عن آزر أنه قال لإبراهيم ﵇ ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ (٤) أي لأرمينك بسيء القول. قال المرقش الأصغر (٥): وإني وإن كلت قلوصي لراجمٌ ... بها وبنفسي يا فطيم المراجم ومنه القذف بالزنى، فإنه رجم ورمي بالقول. والشيطان مرجوم بالفعل والقول: أي فعلًا وقولًا، حسًا ومعنى. فهو مرجوم فعلًا وحسًا بإخراجه من الجنة وطرده عنها، وعن الملأ الأعلى وبإهباطه من السموات إلى الأرض (٦).

стр. 36

قال الله - تعالى: ﴿قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا﴾ (٢). وقال تعالى: ﴿قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ * وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ﴾ (٣). وقال تعالى: ﴿قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ * وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ﴾ (٤). وهو مرجوم حسًا وفعلًا بالشهب. قال الله- تعالى ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِير﴾ (٥). وقال- تعالى: ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ * وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ * لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ * دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ * إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾ (٦). وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ * وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ * إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ﴾ (٧)، وقال تعالى: ﴿وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا﴾ (٨). وقال - تعالى: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا * وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ

стр. 37

مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآَنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا﴾ (١). وهو مرجوم قولًا ومعنى لأن الله بعد أن أبعده ورجمه بالفعل بإخراجه من الجنة، ومن بين الملأ الأعلى. وطرده من جواره، وسلط عليه الرمي بالشهب حكم عليه أيضًا باللعنة فهو ملعون بلعنة الله إلى يوم القيامة مقضي عليه بالخيبة والخسران، ومطرود عن رحمة الله، وعن كل خير (٢). قال الله - تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ﴾ (٣) وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ﴾ (٤)، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا * لَعَنَهُ اللَّهُ﴾ (٥). وقيل: فعيل بمعنى فاعل، لأنه يوسوس للناس، ويزين لهم المعاصي، وطرق الشر، ويحثهم عليها، ويبعدهم عن الخير، ويكيد لهم في ذلك كله، أنواع المكايد (٦). قال ابن كثير: «والأول أشهر وأصح» (٧). هذا هو معنى أصح صيغ الاستعاذة:

стр. 38

«أعوذ بالله من الشيطان الرجيم» وقد جاء في الصيغ الأخرى بعض الزيادات ففي الصيغة الثانية زيادة: السميع العليم. وهما اسمان من أسماء الله - تعالى - فالسميع مشتق من صفة السمع وهو على وزن «فعيل» صفة مشبهة وصيغة مبالغة، يدل على أنه جل وعلا ذو السمع الذي وسع جميع الأصوات. قال تعالى: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ (١). وقال تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ (٢). قالت عائشة ﵂ (الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات، لقد جاءت المجادلة إلى النبي ﷺ وأنا في ناحية البيت، تشكو زوجها، وما اسمع ما تقول. فأنزل الله ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ (٣). والعليم: اسم من أسماء الله مشتق من العلم. والعلم هو إدراك المعلوم على ماهو عليه (٤) إدراكًا جازمًا. وعليم على وزن «فعيل» صفة

стр. 39

مشبهه وصيغة مبالغة يدل على أنه تعالى ذو العلم الواسع التام المحيط بالأشياء كلها جملة وتفصيلًا، في أطوارها الثلاثة، قبل الوجود، وبعده، وبعد العدم، كما قال موسى ﵇ حينما سئل عن القرون الأولى ﴿قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾ (١). فلا يعترى علمه جل وعلا جهل سابق، ولا نسيان لاحق. وجاء في الصيغة الثالثة والرابعة زيادة: من همزه ونفخه ونفثه. فهمز الشيطان: الموتة - بضم الميم، وهي الخنق: نوع من الجنون والصرع (٢).

стр. 40

ونفخه: الكبر (١). ونفثه: النفث: الشعر، لأنه ينفث من الفم (٢). وقيل: السحر (٣) ولا مانع من حمله عليهما معًا فالشعر والسحر كلاهما من نفث الشيطان لكن المراد بالشعر هنا الشعر المذموم، في الأغراض السيئة كنصرة الباطل وأهله، والهجاء المقذع، والغزل الماجن، والمدح المفرط، ونحو ذلك. أما الشعر المحمود، في الأغراض الشريفة السامية، كالانتصار للحق، والحث على الفضائل، ومكارم الأخلاق، والتحذير من الرذائل ومساوئ الأخلاق فهذا ليس من نفث الشيطان. قال تعالى: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ * أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ * وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ * إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ
следующие страницы →