← Тафсир

Тафсир · id 14533

اللباب في تفسير الاستعاذة والبسملة وفاتحة الكتاب

سليمان اللاحم

Полный текст (441 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

قال الله - تعالى: ﴿قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا﴾ (٢). وقال تعالى: ﴿قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ * وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ﴾ (٣). وقال تعالى: ﴿قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ * وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ﴾ (٤). وهو مرجوم حسًا وفعلًا بالشهب. قال الله- تعالى ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِير﴾ (٥). وقال- تعالى: ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ * وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ * لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ * دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ * إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾ (٦). وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ * وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ * إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ﴾ (٧)، وقال تعالى: ﴿وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا﴾ (٨). وقال - تعالى: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا * وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ

стр. 37

مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآَنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا﴾ (١). وهو مرجوم قولًا ومعنى لأن الله بعد أن أبعده ورجمه بالفعل بإخراجه من الجنة، ومن بين الملأ الأعلى. وطرده من جواره، وسلط عليه الرمي بالشهب حكم عليه أيضًا باللعنة فهو ملعون بلعنة الله إلى يوم القيامة مقضي عليه بالخيبة والخسران، ومطرود عن رحمة الله، وعن كل خير (٢). قال الله - تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ﴾ (٣) وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ﴾ (٤)، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا * لَعَنَهُ اللَّهُ﴾ (٥). وقيل: فعيل بمعنى فاعل، لأنه يوسوس للناس، ويزين لهم المعاصي، وطرق الشر، ويحثهم عليها، ويبعدهم عن الخير، ويكيد لهم في ذلك كله، أنواع المكايد (٦). قال ابن كثير: «والأول أشهر وأصح» (٧). هذا هو معنى أصح صيغ الاستعاذة:

стр. 38

«أعوذ بالله من الشيطان الرجيم» وقد جاء في الصيغ الأخرى بعض الزيادات ففي الصيغة الثانية زيادة: السميع العليم. وهما اسمان من أسماء الله - تعالى - فالسميع مشتق من صفة السمع وهو على وزن «فعيل» صفة مشبهة وصيغة مبالغة، يدل على أنه جل وعلا ذو السمع الذي وسع جميع الأصوات. قال تعالى: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ (١). وقال تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ (٢). قالت عائشة ﵂ (الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات، لقد جاءت المجادلة إلى النبي ﷺ وأنا في ناحية البيت، تشكو زوجها، وما اسمع ما تقول. فأنزل الله ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ (٣). والعليم: اسم من أسماء الله مشتق من العلم. والعلم هو إدراك المعلوم على ماهو عليه (٤) إدراكًا جازمًا. وعليم على وزن «فعيل» صفة

стр. 39

مشبهه وصيغة مبالغة يدل على أنه تعالى ذو العلم الواسع التام المحيط بالأشياء كلها جملة وتفصيلًا، في أطوارها الثلاثة، قبل الوجود، وبعده، وبعد العدم، كما قال موسى ﵇ حينما سئل عن القرون الأولى ﴿قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾ (١). فلا يعترى علمه جل وعلا جهل سابق، ولا نسيان لاحق. وجاء في الصيغة الثالثة والرابعة زيادة: من همزه ونفخه ونفثه. فهمز الشيطان: الموتة - بضم الميم، وهي الخنق: نوع من الجنون والصرع (٢).

стр. 40

ونفخه: الكبر (١). ونفثه: النفث: الشعر، لأنه ينفث من الفم (٢). وقيل: السحر (٣) ولا مانع من حمله عليهما معًا فالشعر والسحر كلاهما من نفث الشيطان لكن المراد بالشعر هنا الشعر المذموم، في الأغراض السيئة كنصرة الباطل وأهله، والهجاء المقذع، والغزل الماجن، والمدح المفرط، ونحو ذلك. أما الشعر المحمود، في الأغراض الشريفة السامية، كالانتصار للحق، والحث على الفضائل، ومكارم الأخلاق، والتحذير من الرذائل ومساوئ الأخلاق فهذا ليس من نفث الشيطان. قال تعالى: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ * أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ * وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ * إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ

стр. 41

وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا﴾ (١) أي انتصروا للحق وأهله. ولقد كان الشعر في صدر الإسلام من أقوى أسلحة الدعوة وأعظمها. فعن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: «اهجوا قريشًا، فإنه أشد عليهم من رشق بالنبل»، فأرسل إلى ابن رواحة، فقال: «أهجهم»، فهجاهم، فلم يرض، فأرسل إلى كعب بن مالك، ثم أرسل إلى حسان بن ثابت، فلما دخل عليه، قال حسان: قد آن لكم أن ترسلوا إلى هذا الأسد الضارب بذنبه، ثم أدلع لسانه، فجعل يحركه، فقال: والذي بعثك بالحق، لأفرينهم بلساني، فري الأديم. فقال رسول الله ﷺ : «لا تعجل، فإن أبا بكر أعلم قريش بأنسابها، وإن لي فيهم نسباً، حتى يلخص لك نسبي» فأتاه حسان، ثم رجع فقال: يا رسول الله، قد لخص لي نسبك، والذي بعثك بالحق لأسلنك منهم، كما تسل الشعرة من العجين. قالت عائشة فسمعت رسول الله ﷺ يقول لحسان: «إن روح القدس، لا يزال يؤيدك، ما نافحت عن الله ورسوله» وقالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «هجاهم حسان فشفى واشتفى». قال حسان: هجوت محمدًا فأجبت عنه ... وعند الله في ذاك الجزاء

стр. 42

هجوت محمدًا برًا تقيًا ... الخ (١) وعن البراء بن عازب ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول لحسان بن ثابت: «اهجهم، أو هاجهم، وجبريل معك» متفق عليه (٢). وعن أبي هريرة ﵁ «أَّن عمر مر بحسَّان، وهو ينشد الشعر في المسجد فلحظ إليه، قد كنت أنشد، وفيه من هو خير منك. ثم التفت إلى أبي هريرة، فقال: أنشدك الله! أسمعت رسول الله ﷺ يقول: «أجب عني، اللهم أيده بروح القدس» قال: اللهم نعم. متفق عليه (٣). وقد كان ﷺ ينشد مع أصحابه- رضوان الله عليهم- يوم الخندق: والله لولا أنت ما اهتدينا ... ولا تصدقنا ولا صلينا فأنزلن سكينة علينا ... وثبت الأقدام إن لاقينا إن الألى قد بغوا علينا ... وإن أرادوا فتنة أبينا (٤)

стр. 43

وكان يقول - أيضًا - يوم الخندق: «اللهم إن العيش عيش الآخرة فاغفر اللهم للأنصار والمهاجرة». فقالوا مجيبين له: نحن الذين بايعوا محمدًا ... على الجهاد ما بقينا أبدًا (١) وكان ﵊ ينشد يوم حنين: أنا النبي لا كذب ... أنا ابن عبه المطلب (٢) ومما يدل على أهمية الشعر في صدر الإسلام، وأنه كان من أقوى أسلحة الدعوة، ما جاء في قصة الأعشى، عندما جاء ليسلم، حاملًا قصيدته المأثورة المشهورة: ألم تغمض عيناك ليلة أرمدًا ... وبت كما بات السليم مهدًا والتي جاء فيها: فآليت لا أرثي لها من كلالة ... ولا حفى حتى تلاقي محمدًا متى ما تناخي عند باب ابن هاشم ... تراحي وتلقي من فواضله ندا نبيا يرى ما لا يرون وذكره ... أغار لعمري في البلاد وأنجدا له صدقات ما تغب ونائل ... وليس عطاء اليوم مانعه غدا

стр. 44

أجدك لم تسمع وصاة محمد ... نبي الإله حيث أوصى وأشهدا إذا أنت لم ترحل بزاد من التقى ... ولاقيت بعد الموت من قد تزودا ندمت على ألا تكون كمثله ... وأنك لم ترصد لما كان أرصدا الخ. فقد قابله المشركون، فعرضوا عليه أن يرجع تلك السنة وأعطوه مائة ناقة، وذلك اتقاء لسانه، وخوفًا أن يكون في جانب الدعوة إلى الله، فقبل ذلك، على أن يعود من العام القابل فيسلم، وفي رجوعه، سقط من دابته على رقبته، فمات (١). والخلاصة أن المعنى العام للاستعاذة بصيغتها: ألجأ إلى الله وأعتصم به وبأسمائه الحسنى وصفاته العليا وكلماته التامة التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر من الشيطان الرجيم، ونزغاته ووساوسه، وأسأل الله العصمة منه، والحفظ والصيانة والسلامة من جميع شرور الشيطان.

стр. 45

المبحث الخامس أحكام الاستعاذة أ - مكان الاستعاذة من القراءة: قال الله - تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَاتَ الْقُرْآَنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ (١). ظاهر الآية أن الاستعاذة محلها بعد القراءة. وقد تمسك بهذا الظاهر بعض القراء، فنقل ذلك عن حمزة (٢)، وأبي حاتم السجستاني (٣)، ورويَ ذلك- أيضًا- عن أبي هريرة (٤) ﵁ , ومحمد بن سيرين (٥)، وإبراهيم النخعي (٦)، وداود الظاهري (٧) وحكاه

стр. 46

القرطبي (١) وغيره عن مالك واستغرب ذلك ابن العربي (٢) واحتج بعضهم لهذا القول بأن الاستعاذة بعد القراءة تدفع الإعجاب بعد فراغ القراءة (٣)، وتكون سببًا للاستفادة من التلاوة، وحفظها وثباتها (٤). وجمهور أهل العلم والتحقيق على أن الاستعاذة مشروعة قبل القراءة، وأن معنى قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَاتَ الْقُرْآَنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ وأي: فإذا أردت قراءة القرآن فاستعذ بالله، كقوله - تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ (٥) أي: إذا أردتم القيام إلى الصلاة (٦)، وكقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا﴾ (٧) أي: إذا أردتم القول، وكقوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ (٨) أي: إذا أردتم سؤالهن، فاسألوهن من وراء حجاب،

стр. 47

وكقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَة﴾ (١) أي إذا أردتم مناجاة الرسول ﷺ (٢). قال القرطبي (٣): «فأوقع الماضي، مكان المستقبل، كقول الشاعر: إني لأتيكم لذكر الذي مضى ... من الود واستئناف ما كان في غد (٤) أي ما يكون في غد. وعلى هذا المعنى دلت السنة، كما جاء في حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة بالليل كبر، ثم يقول: «سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك، ثم يقول: الله أكبر كبيرا، ثم يقول: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، من همزه ونفخه ونفثه» (٥). وهذا القول هو الصحيح. قال الجصاص (٦): «وقول من قال: إن الاستعاذة بعد الفراغ من القراءة شاذ، وإنما الاستعاذة قبل القراءة، لنفي وساوس الشيطان عند القراءة، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى

стр. 48

أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ﴾ (١)، فإنما أمر الله بتقديم الاستعاذة قبل القراءة لهذه العلة». بل حكي الإجماع عليه. قال مكي في كتابه «الكشف عن وجوه القراءات السبع» (٢): «فإن قيل: فإن ظاهر النص أن يتعوذ القارئ بعد القراءة، لأنه قال ﴿فَإِذَا قَرَاتَ الْقُرْآَنَ فَاسْتَعِذْ﴾ والفاء بعدما قبلها، تتبعه هو أصلها، فالجواب: أن المعنى على خلاف الظاهر، معناه: فإذا أردت قراءة القرآن فاستعذ بالله، ودل على ذلك الإجماع أن الاستعاذة قبل القراءة، ودليل هذا المعنى قوله تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَاسُنَا﴾ (٣)، فوقع في ظاهر التلاوة أن مجيء البأس بعد الهلاك، وليس المعنى على ذلك، إنما معناه: وكم من قرية أردنا إهلاكها، فجاءها بأسنا. فمجيء البأس، بعد إرادة الهلاك، وقبل الهلاك، وكذلك التعوذ، المأمور به، يكون بعد إرادة القراءة، وقبل القراءة، على أصل الفاء». وقد ضعف ابن الجزري (٤) صحة المروي في هذا، عن حمزة وأبي حاتم، وأبي هريرة وابن سيرين والنخعي، في أنها بعد القراءة، وقال: «محلها قبل القراءة إجماعًا، ولا يصح قول، بخلافه، عن أحد ممن

стр. 49

يعتبر قوله». واتفق القراء، على مشروعية التعوذ، قبل البسملة، في ابتداء السور، واختلفوا فيما إذا ابتدأ القارئ بوسط السورة، هل يتعوذ، أو يبسمل، أو يجمع بينهما. والصحيح أنه يتعوذ فقط. ويقف بعد الاستعاذة ثم يقرأ، ويجوز أن يصل الاستعاذة بالقراءة (١). واستثنى بعض أهل العلم، مثل قوله - تعالى: ﴿الله لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ (٢) وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ﴾ (٣)، وقوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ (٤)، وقوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ (٥)، ونحوها من الآيات، نظرًا لما في الاستعاذة قبلها من قبح اللفظ. قالوا: ففي مثل هذه المواضع يستعيذ ثم يبسمل (٦). وهذا الاستثناء لا دليل عليه، بل الدليل على خلافه، لأن الأمر بالاستعاذة عام لكل قراءة للقرآن، من أي موضح منه كانت القراءة، والبسملة - على الصحيح - لا تشرع إلا في أول السورة. والتعليل بقبح

стр. 50

اللفظ لا يكفي مسوغًا للبسملة وسط السورة بلا دليل، لكن كما يشرع الوقف على كثير من آي القرآن لمراعاة اللفظ والمعنى، فكذلك ينبغي أن يقف القارئ بعد الاستعاذة ويسكت قليلًا في مثل هذه المواضع المذكورة، وبهذا يزول القبح.

стр. 51

ب - حكمها عند قراءة القرآن، في الصلاة أو خارجها: اختلف أهل العلم في حكم الاستعاذة عند القراءة. فذهب بعض أهل العلم إلى أنها واجبة في الصلاة وخارجها (١). منهم عطاء (٢)، واختاره ابن حزم في المحلي (٣)، وانتصر له. وقد استدل من ذهب إلى هذا القول بظاهر الآية ﴿فَإِذَا قَرَاتَ الْقُرْآَنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ (٤). قالوا فالأمر يقتضي الوجوب، كما استدلوا بمواظبة الرسول ﷺ على التعوذ وتعليمه ذلك لأصحابه، وبأن شر الشيطان يجب دفعه بكل وسيلة، وأعظم وسيلة لدفعه هي اللجوء إلى الله، والاستعاذة به من شر الشيطان، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب (٥). فعلى هذا إذا نسي القارئ أن يستعيذ قطع القراءة فتعوذ، وابتدأ من حيث وقف، وقيل من أول الحزب.

стр. 52

وجمهور أهل العلم من الصحابة والتابعين، ومن بعدهم، على أن الاستعاذة مستحبة، قبل كل قراءة للقرآن، سواء كان ذلك في الصلاة، أو خارجها. وهذا مروي عن ابن عمر، وأبي هريرة (١)، وعطاء بن أبي رباح، والحسن البصري، وابن سيرين، وإبراهيم النخعي، والأوزاعي، والثوري (٢). وهو قول أبي حنيفة، وأصحابه (٣)، وأحمد بن حنبل، وأصحابه (٤)، وإسحاق (٥)، وهو الذي اختاره أكثر الشافعية، وصححوه عن الشافعي (٦). وحملوا الأمر في الآية: ﴿فَإِذَا قَرَاتَ الْقُرْآَنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ على الندب والاستحباب، كقوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ (٧) وقوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ (٨). وقد استدلوا لهذا القول بأن الرسول ﷺ يذكر كثيرًا من الآيات

стр. 53

ضمن الأحاديث التي صحت عنه - وما نقل عنه ﷺ أنه كان يستعيذ، فدل هذا على أن الأمر هنا ليس للوجوب. وقال الطبري (١): يستدل له بإجماع الجميع على عدم وجوبها (٢). وقال السرخسي في «المبسوط» (٣) بعد أن ذكر قول عطاء بوجوبها: «وهو مخالف للإجماع السلف فقد كانوا مجمعين على أنها سنة». وقال ابن عطية (٤): «أجمعوا على استحسان ذلك والتزامه في كل قراءة في غير الصلاة». وقال ابن هبيرة في «الافصاح» (٥): «واتفقوا على أن التعوذ في الصلاة على الإطلاق قبل القراءة سنة إلا مالكًا، فإنه قال: لا يتعوذ في المكتوبة». وقال النووي في «التبيان» (٦): «ثم إن التعوذ مستحب وليس بواجب، وهو مستحب لكل قاراء، سواء كان في الصلاة أو هي غيرها». وقال ابن كثير (٧): «وجمهور العلما، على أن الاستعاذة مستحبة،

стр. 54

ليست بمتحتمة، يأثم تاركها». ومعلوم أن التعوذ في إنما شرع للتلاوة المجردة، وشرع في البصلاة لأجل التلاوة (١)، لا لأنه من واجبات الصلاة أو سننها، بل لأنه مستحب قبل قراءة القرآن مطلقًا، لعموم قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَاتَ الْقُرْآَنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٩٨)﴾ فذلك شامل للقراءة في الصلاة وفي غيرها. وإذا قطع القراءة في غير الصلاة لعذر كعطاس أو كلام يتعلق بمصلحة القراءة فإنه لا يعيد الاستعاذة، وأما لو قطعها إعراضًا عن القراءة، أو لكلام لا يتعلق بالقراءة، فإنه يستأنف الاستعاذة استحبابًا (٢). ج - هل يتعوذ في الصلاة في كل ركعة، أو في الركعة الأولى فقط: أكثر أهل العلم، على أن قراءة الصلاة كلها كقراءة واحدة، يكفي فيها الاستعاذة مرة واحدة، في الركعة الأولى. منهم عطاء (٣) والحسن البصري (٤)

стр. 55

والنخعي (١) والثوري (٢) وابن سيرين (٣) وطاوس (٤)، وأبو حنفة (٥)، والشافعي (٦)، وأحمد في رواية عنه (٧) واذا نسي أن يتعوذ الركعة الأولى، تعوذ في الركعة الثانية عند الشافعي (٨). وقال الإمام أحمد «إن نسي التعوذ حتى شرع في القراه ة لم يعد إليه لذلك» (٩). واستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَاتَ الْقُرْآَنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾. وبحديث أبي هريرة ﵁ قال: «كان رسول الله ﷺ إذا نهض من الركعة الثانية استفتح القراءة، ولم يسكت» (١٠). قال ابن القيم - ﵀ - في «زاد المعاد» (١١) بعدما ذكر الرواية عن أحمد: «الاكتفاء باستعاذة واحدة أظهر - ثم استدل بحديث أبي

стр. 56

هريرة ثم قال: «وإنما يكفي استعاذة واحدة، لأنه لم يتخلل القراءتين سكوت، بل تخللهما ذكر، فهي كالقراءة الواحدة، إذا تخللها حمد الله، أو تسبيح، أو تهليل، أو صلاة على النبي ﷺ ونحو ذلك». وعلى هذا فيكتفي المصلي بالاستعاذة في الركعة الأولى، ثم يبسمل، ويقرأ الفاتحة، فإن قرأ بعدها من أول سورة بسمل فقط، وإن قرأ من وسط السورة تركهما معًا، أما في بقية الركعات فيبسمل مع الفاتحة، وفي أول السورة فقط، ولا يستعيذ، لا مع الفاتحة ولا مع ما يقرأ بعاها. وذهب بعض العلماء إلى أن المصلي يتعوذ في كل ركعبة، لأن كلل ركعة لها قراءة مستقلة. وهو مروي عن النخعي (١) وابن سيرين (٢). وهو أحد الوجهين عند الشافعية (٣)، بل صححه بعضهم. قال النووي قي «التييات» (٤): «ويستحب التعوذ في الصلاة في كل ركعة على الصحيح من الوجهين عند أصحابنا». وهو رواية عن الإمام أحمد (٥). واختاره ابن حزم في

стр. 57

«المحلي» (١). وذهب الإمام مالك إلى أنه لا يتعوذ الرجل في المكتوبة، ولكن يتعوذ في قيام رمضان، وفي رواية في النافلة (٢). د - حكم الحهر بها، أو الإسرار: أما في غير الصلاة فذهب جمهور القراء إلى أن القارئ، يجهر بالاستعاذة. قال مكي في «التبصرة» (٣): «المختار لجميع القراء، المعول عليه، أن يبدأ بأعوذ بالله من الشيطان الرجيم» يعني جهرًا. وذهب بعض القراء إلى أن القاراء يُسر بالاستعاذة. وهو مروي عن حمزة (٤)، ونافع (٥)، وقيل: إن نافعًا لا يتعوذ (٦). قال مكي في «الكشف عن وجوه القراءات السبع» (٧) بعدما ذكر

стр. 58

القول بالأسرار: «لئلا يظن ظان أو يتوهم متوهم أمه من القرآن، أو أنه فرض لازم». أما الذين اختاروا الجهر بها فقالوا: قد عُلم يقينًا أنها ليست من القرآنن فلا محذور في الجهر بها، وهو أولى لإغاظة الشيطان، ودفع وساوسه، وتعليم الجاهل، وتذكير المستمع إلى غير ذلك من فوائد الجهر بها. هـ - وأما حكم الجهر بها في الصلاة: فهذهب جمهور العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من القراء والفقهاء إلى مشروعية الأسرار بالاستعاذة في الصلاة: منهم الخلفاء الأربعة (١)، وعبد الله بن عمر (٢)، وعبد الله بن مسعود (٣)، وإبراهيم النخعي (٤). وبه قال أبو حنيفة (٥)، وأحمد بن حنبل (٦)، وهو وجه في مذهب

стр. 59

الشافعي (١)، وقول مالك في قيام الليل (٢). وذهب بعض أهل العلم إلى الجهر بالاستعاذة في الصلاة وهو مروي عن أبي هريرة (٣). وهو اختيار الشافعي في «الإملاء» (٤) قال: «يجهر بالتعوذ، وإن أسر فلا يضر». وقال بعضهم بالتخيير بين الجهر والإسرار. وهو وجه في مذهب الشافعي (٥). قال ابن أبي ليلى: «الإسرار والجهرسواء، هما حسنان» (٦). والصحيح من أقوال أهل العلم، الإسرار بها، وعدم الجهر، إلا لحاجة كتعليم ونحوه. قال السرخسي (٧): «لأن الجهر بالتعوذ لم ينقل عن رسول الله ﷺ ، ولوكان يجهر به لنقل نقلًا مستفيضًا ...».

стр. 60

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية (١): «الجهر بالتعوذ أحيانًا للتعليم ونحوه لا بأس به، كما كان عمر بن الخطاب، يجهر بدعاء الاستفتاح مدة (٢) ... وأما المداومة على الجهر بذلك، فبدعة، مخالفة لسنة رسول الله ﷺ وخلفائه الراشدين، فأنهم لم يكونوا يجهرون بذلك دائمًا، بل لم ينقل أحد عن النبي ﷺ أنه جهر الاستعاذة والله أعلم». وقال ابن الجزري (٣) «المختار في الصلاة الاخفاء». ولكن إذا جهر الإمام ولم يسكت، قهل يستعيذ المأموم، أولًا، فيه قولان لأهل العلم، وهما روايتان عن الإمام أحمد (٤)، القول الأول يستعيد، والثاني لا يستعيذ. قال ابن تيمية (٥) «هو أصح، وهو قول أكثر العلماء كذلك والشافعي، وكذا أبو حنيفة فيما أظن». قلت وقد اختار القول الأول بأنه يستعيذ كما يبسمل - وإن لم يسكت الإمام - تبعًا لقراءة الفاتحة بعض أهل العلم (٦). ****

стр. 61

المبحث السادس المواضع التي تشرع فيها الاستعاذة تشرع الاستعاذة في مواضع كثيرة منها ما يلي: ١ - عند قراءة القرآن، قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَاتَ الْقُرْآَنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٩٨)﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آَيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٢)﴾ (٢). ٢ - عند حصول نزغ من الشيطان، ووسوسة للإنسان، قال الله تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَّمِيعُ عَلِيمُ﴾ (٣). وقال تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٦)﴾ (٤). وقال تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (٩٧) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ﴾ (٥). وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ (٢٠١)﴾ (٦). ٣ - عندما يوسوس الشيطان للمسلم في معتقده بربه. فعن أبي

стр. 62

هريرة ﵁ عن النبي ﷺ فقال: «يأتي الشيطان أحدكم، فيقول: من خلق كذا؟ من خلق كذا؟ حتى يقول من خلق ريك، فإذا بلغه فليستعذ بالله ولينته» متفق عليه (١). ٤ - عندما يلبس الشيطان، على الإنسان في صلاته. فعن عثمان بن أبي العاص ﵁ أنه أتى النبي ﷺ فقال: يارسول الله، إن الشيطان قد حال بيني وبين صلاتي، وقراءتي، يلبسها علي فقال رسول الله ﷺ : «ذاك شيطان، يقال له خنزب، فإذا أحسسته، فتعوذ بالله منه، واتفل على يسارك ئلائًا، قال: ففعلت ذلك، فأذهبه الله عني» رواه مسلم (٢). وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إذا نودي للصلاة أدبر الشيطان، وله ضراط حتى لايسمع التأذين، فإذا قضي الندا، أقبل، حتى إذا ثوب بالصلاة أدبر، حتى إذا قضي التثويب أقبل، حتى يخطر بين المرء فى نفسه، يقول: اذكر كذا، اذكر كذا، لما لم يكن يذكر، حتى يظل الرجل لا يدري كم صلى»، متفق عليه (٣). ٥ - عند الغضب، فقد أخرج البخاري ومسلم عن سليمان بن صرد ﵁ قال استبَّ رجلان عند النبي ﷺ ونحن عنده

стр. 63

جلوس، وأحدهما يسب صاحبه، مغضبًا قد احمر وجهه، فقال النبي ﷺ «إني لأعلم كلمة لو قالها، لذهب عنه ما يجد، لو قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. فقالوا للرجل: ألا تسمع ما يقول النبي ﷺ فقال: إني لست بمجنون» (١). ٦ - عندما يرى الإنسان رؤيا يكرهها، فعن أبي قتادة ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقو ل: «الرؤيا من الله والحلم من الشيطان، فإذا رأى أحدكم شيئًا يكرهه، فلينفث عن يساره ثلاثًا، ويتعوذ بالله من شرها، فإنها لن تضره»، وفي رواية: «وليتعوذ بالله من شر الشيطان وشرها ... ، فإنها لن تضره» متفق عليه (٢). وعن جابر بن عبد الله ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إذا رأى أحدكم الرؤيا يكرهها، فليبصق عن يساره، وليتعوذ بالله من الشيطان، ويتحول عن جنبه الذي كان عليه» رواه مسلم (٣). ٧ - عند دخول المسجد. فعن عبد الله بن عمره بن العاص عن النبي ﷺ أنه: كان إذا دخل المسجد قال: «أعوذ بالله العظيم، وبوجهه الكريم، وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم» (٤).

стр. 64

وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إذا دخل أحدكم المسجد، فليسلم على النبي ﷺ ثم ليقل اللهم افتح لي أبواب رحمتك، وإذا خرج فليسلم على النبي، وليقل اللهم اعصمني من الشيطان الرجيم» (١). ٨ - عند سماع نهيق الحمار، ونُباخ الكلاب. فعن أبي هريرة ﵁ أن النبي قال: «إذا سمعتم صياح الديكة فسلوا الله من فضله، فإنها رأت ملكًا، وإذا سمعتم نهيق الحمار، فتعوذوا بالله من الشيطان، فإنه رأى شيطانًا» متفق عليه (٢). وعن جابر بن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «إذا سمعتم نباح الكلاب، ونهيق الحمر بالليل فتعوذوا بالله فإنهن يرين مالا ترون» رواه أبو داود (٣). ٩ - عند نزول منزل. فعن خولة بنت حكيم قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من نزلا منزلًا، ثم قال: أعوذ بكلمات الله التامات، من شر ما خلق، لم يضره شيء، حتى يرتحل من منزله ذلك» رواه

стр. 65

مسلم (١). ١٠ - عند دخول الخلاء - فعن أنس ﵁ قال: كان النبي ﷺ إذا دخل الخلاء قال: «اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث» (٢). ١١ - عندما يجد الإنسان وجعًا في جسده. فعن عثمان بن أبي العاص أنه شكا إلى رسول الله ﷺ فقال له رسول الله ﷺ : «ضع يدك على الذي يألم من جسدك، وقل: بسم الله ثلاثًا، وقل سبع مرات: أعوذ بالله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر» رواه (٣). ١٢ - عند الصباح والمساء وعند النوم. عن أبي هريرة أن أبا بكر الصديق ﵁ قال يا رسول الله مرني بكلمات أقولهن، إذا أصبحت، وإذا أمسيت، قال «قل اللهم فاطر الموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، رب كل شيء ومليكه، أشهد أن لا إله إلا أنت، أعوذ بالله من شر نفسي، وشر الشيطان وشركه. قال: قلها إذا أصبحت وإذا أمسيت وإذا أخذت مضجعك» (٤).

стр. 66

١٣ - عند الفزع من النوم: عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ قال: «إذا فزع أحدكم من النوم، فليقل: أعوذ بكلمات الله التامة من غضبه وشر عباده، ومن همزات الشياطين. وأن يحضرون» (١). ١٤ - كما يشرع للمسلم أن يعوذ أولاده: فعن ابن عباس ﵄ قال: «كان النبي ﷺ يعوذ الحسن والحسن، ويقول: «أن أباكما كان يعوذ بها إسماعيل وإسحاق: أعوذ بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة ومن كل عين لامة» رواه البخاري (٢). إلى غير ذلك من الدافع والأوقات، التي تتأكد فيها مشروعية الاستعاذة، قال الله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (٩٧) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ (٩٨)﴾ (٣). قال ابن زيد: «في كل شيء من أمري» (٤).

стр. 67

المبحث السابع بيان أن شيطان الجن أعظم ضررًا من شيطان الإنس ومن النفس «المذمومة» أ- شيطان الجن أعظم ضررًا من شيطان الإنس: قال ابن كثير (١) في كلامه على الاستعاذة: «وهي استعانة بالله، واعترافه له بالقدرة، وللعبد بالضعف والعجز، عن مقاومة هذا العدو المبين الباطني، الذي لا يقدر على منعه، ودفعه إلا الله، الذي خلقه، ولا يقبل مصانعة، ولا يدارى بالإحسان، بخلاف العدو من نوع الإنسان، كما دلت على ذلك آيات من القرآن، في ثلاث من المثاني، وقال تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا (٦٥)﴾ (٢). وقد نزلت الملائكة لمقاتلة العدو البشري، فمن قتله العدو الظاهر البشري كان شهيدًا، ومن قتله العدو الباطني كان طريدًا، ومن غلبه العدو الظاهري كان مأجورًا، ومن قهره العدو الباطني، كان مفتونًا، أو موزورًا، ولما كان الشيطان، يرى الإنسان من حيث لا يراه، استعاذ منه بالذي يراه، ولا يراه الشيطان» (٣).

стр. 68

وقال ابن كثير - أيضًا (١) -: «فإن الشيطان لا يكفه عن الإنسان إلا الله، ولهدا أمر - تعالى - بمصانعة شيطان الإنس، ومداراته بإسداء الجميل إليه، ليرده طبعه عما هو فيه من الأذى، وأمر بالاستعاذة به من شيطان الجن، لأنه لا يقبل رشوة، ولا يؤثر فيه جميل، لأنه شرير بالطبع، ولا يكفه عنك إلا الذي خلقه، وهذا المعنى في ثلاث آيات من القرآن، لا أعلم لهن رابعة: قوله: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَامُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩)﴾ (٢) فهذا ما يتعلق بمعاملة الأعداء من البشرن ثم قال ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٠٠)﴾ (٣)، وقال تعالى في سورة: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ (٩٦) وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (٩٧) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ (٩٨)﴾ (٤)، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٣٥) وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٦)﴾ (٥) قال ابن الجزري (٦):

стр. 69

شيطاننا المغوي عدو فاعتصم ... بالله منه والتجى وتعوذ وعدوك الإنسان دار وداده ... تملكه وادفع بالتي فإذا الذي فشيطان الإنس، قد ينفع فيه العفو، أو الأمر بالمعروف، أو الإعراض، أو الإحسان. أما شيطان الجن، فلا يعصم منه إلا الاستعاذة بالله منه، لأن شيطان الجن متسلط، لا يريد إلا إغواء الإنسان، وإهلاكه، وهو خفي لا يرى كما قال تعالى: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ﴾ (١). ولأنه يجري من ابن آدم مجرى الدم، كما قال ﷺ «إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم» (٢). فامره خطير، وكيده عجيب (٣)، فهو يتدرج بالإنسان - إن وجد سبيلًا إليه - حتى يوقعه بالكفر ويكبه في النار. قال تعالى: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ﴾ (٤)، وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا﴾ (٥). وإن لم يستطيع إيصاله إلى الكفر، بل إلى أعظم دركاته، فإنه

стр. 70

لا يكف حتى يوصله إلى أقصى حد يمكنه إيصاله إليه، ولو كان دون الكفر، فيوقعه في البدعة، فإن لم يستطع أوقعه في الكبائر، فإذ لم يستطع أوقعه في الصغائر، فإن لم يستطع ثبطه عن الطاعات وشغله بالمباحات، فإن لم يستطع شغله بالمفضول عن الفاضل، فإن لم يستطع ذلك أتاه من باب الإعجاب والكبر والرياء، وهذا - في الغالب - مدخله على كثير من العباد والعلماء وذوي الجاه والسلطان والكرم والشجاعة ونحوهم، فليحذر العاقل اللبيب، من ذلك فإن الشيطان عندما يعجز عن حمله على ترك واجب أو انتهاك محرم ظاهر، فإنه يأتيه من هذا المدخل الخفي فيحبط عمله، وهو لا يدري. فإن لم يدرك منه شيئًا من هذه المراتب وأعيته فيه الحيل سلط عليه حزبه من شياطين الإنس والجن يبدعونه ويفسقونه ليشوش عليه قلبه ويمنع الناس من الانتفاع به فيبقى في مدافعة وتسلط هؤلاء الشياطين لا يفتر جتى يأتيه من ربه اليقين (١). ب- الشيطان أعظم ضررًا على الإنسان من النفس «المذمومة» (٢)، بل إن النفس المذمومة كل ما يحصل منها من شر وفساد، إنما هو بسبب تزيين الشيطان، ووسوسته، لأنها مركب الشيطان، والأداة لتنفيذ شره، ولهذا أكثر الله في القرآن الكريم من ذكر الشيطان، وذمه، والتحذير منه، في مواضع كثيرة جدًا. وأمر بالاستعاذة منه عند قراءة القرآن. بينما ذكر النفس المذمومة في ثلاثة مواضع فقط، في قوله -

стр. 71

تعالى: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوء﴾ (١)، وقوله: ﴿وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَة﴾ (٢)، وقوله: ﴿وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى﴾ (٣). ولم يأمر بالاستعاذة منها في موضع واحد من القرآن، وإنما جاءت الاستعاذة من شرها بالسنة، كما في حديث أبي هريرة، في تعليم النبي ﷺ لأبي بكر كلمات يقولهن إذا أصبح، وإذا أمسى، وإذا أخذ مضجعه، وفيهن أمره ﷺ له أن يقول «أعوذ بالله من شر نفسي» (٤). وفي خطبة الحاجة كما في حديث ابن مسعود قال: علمنا رسول الله ﷺ خطبة الحاجة: «إن الحمه لله نستعينه ونستغفره ونعوذ به من شرور أنفسنا ... الحديث» (٥). ****

стр. 72

المبحث الثامن السبيل للخلاص من شر الشيطان ومكايده ابتلى الله آدم وذريته، بعداوة إبليس لهم، عداوة متأصلة، قديمة منذ أن تكبر عن السجود لآدم وحسده، وتسبب في إخراجه من الجنة، قال الله - تعالى: ﴿يَا بَنِي آَدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآَتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ (٢٧)﴾ (١). وقال تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ (٦)﴾ (٢). وقال تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا (٥٣)﴾ (٣). وقال تعالى: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا (٥٠)﴾ (٤). وقد أقسم - لعنه الله - على أنه سيعمل جاهدًا على إغواء بني آدم، فقال: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٨٣)﴾ (٥)، وقال - أيضًا - ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٣٩)﴾ (٦)، وقال: ﴿فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (١٦)﴾ (٧).

стр. 73

وقد جعل الله له سلطانًا على الذين يتولونه، فقال: ﴿إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ (١٠٠)﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَولَادِ وَعِدْهُمْ﴾ (٢). وقد طلب أن يُنظر إلى يوم القيامة، فأعطاه الله ذلك، ابتلاء واختبارًا للعباد، فقال تعالى: ﴿قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (٨٠) إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (٨١)﴾ (٣). وهو ساع بكل الوسائل والحيل، إلى إغواء بني آدم، وإهلاكهم، فعلى المسلم أن يحذر من هذا العدو، وأن يعلم أن أسباب الخلاص منه، وأسباب حفظ الله للعبد من شر الشيطان ومكايده تتلخص فيما يلي:- أولًا: بالإيمان والعمل الصالح، ولزوم الكتاب والسنة، وطاعة الله - تعالى - والتوكل عليه، قال الله - تعالى: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٩٩)﴾ (٤)، وقال تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ (٥).

стр. 74

وعن جندب بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : «من صلى الصبح فهو فى ذمة الله ...» الحديث رواه مسلم (١) ومفهوم هذا الحديث، وأمثاله أن من لم يصل الصبح فليس في ذمة الله، بل هو عرضه لتخبط الشيطان. وهكذا - بلا شك - كل تقصير في أداء ما أوجب الله - تعالى، فهو سبب لفقدان الأمان، الذي وعد الله به أهل الإيمان (٢)، ومقرب من المخاوف ومصائد الشيطان. ثانيًا: البعد عن معاصي الله لأن ما يصيب الإنسان من مصائب، ومنها تسلط الشيطان، فهو بسبب الذنوب والمعاصي .. قال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ (٣٠)﴾ (٣) وقال تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٤١)﴾ (٤). فينبغي تطهير القلب والنفس والجوارح عن كل ما نهى الله عنه، من الاعتقادات والأعمال التي تكون مجلبة للشيطان وسببًا لبعد الملائكة عن الإنسان. كالتعلق بالغناء والمزامير، قال تعالى مخاطبًا الشيطان: ﴿وَاسْتَفْزِزْ

стр. 75

مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ﴾ (١). وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «الجرس مزامير الشيطان» رواه مسلم (٢). وكاقتناء الصور والتماثيل والكلاب. فعن ابن عمر ﵄ أن جبريل قال للنبي ﷺ : «إنا لا ندخل بيتًا فيه صور ولا كلب» رواه البخاري (٣). عن أبي طلحة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا تدخل الملائكة بيتًا فيه كلب ولا صورة تماثيل» متفق عليه (٤). وكاقتناء الصليب، فعن عائشة ﵂ «أن النبي ﷺ لم يكن يترك في بيته شيئًا فيه تصاليب إلا نقضه» (٥). إلى غير ذلك من المعاصي الظاهرة والباطنة التي ينبغي البعد عنها والحذر منها. ثالثًا: الاستعاذة بالله من الشيطان وهمزاته ووساوسه، وجميع شروره، والحذر منه، والاعتصام بالله - تعالى - والالتجاء إليه،
следующие страницы →