← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 145333

التفسير والمفسرون في العصر الحديث - فضل عباس

فضل حسن عباس

Полный текст (1 925 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

التفسير والمُفَسِّرون أساسياته واتجاهاته ومناهجه في العصر الحديث التفسير أساسياته واتجاهُه الجزء الأول الأستاذ الدكتور فضل حسن عبَّاس دار النفائس للنشر والتوزيع

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ [الفاتحة]. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٤) أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥)﴾ [البقرة].

стр. 3

التفسير والمفسرون أساسياته واتجاهاته ومناهجه في العصر الحديث (١)

стр. 4

حقوق الطبع محفوظة ١٤٣٧ هـ -٢٠١٦ م الطبعة الأولى رقم الإيداع لدى دائرة المكتبة الوطنية ١٤٨٨/ ٤ / ٢٠١٥ ٢٢٢ عباس، فضل حسن التفسير والمفسرون أساسياته واتجاهاته ومناهجه في العصر الحديث/ فضل حسن عباس. طـ ١ - عمان- دار النفائس للنشر والتوزيع-٢٠١٥ () ص. الواصفات: التفسير// المفسرون// القرآن الكريم/ تنويه مهم تحت طائلة المسائلة القانونية يمنع تصوير هذا الكتاب أو استخدامه بأنواع النشر كافة. دار النفائس للنشر والتوزيع -الأردن العبدلي -مقابل مركز جوهرة القدس ص. ب ٩٢٧٥١١ عمان ١١١٩٠ الأردن هاتف: ٠٠٩٦٢٦٥٦٩٣٩٤٠ فاكس: ٠٠٩٦٢٦٥٦٩٣٩٤١ Email: alnafaes@hotmail.com www.al-nafaes.com

стр. 5

مقدمة السلسلة الحمد لله رب العالمين، حمدًا طيبًا مباركًا فيه، والصلاة والسلام على سيد الخلق والمرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين ... وبعد: فإن الله تعالى قد أكرم هذه الأمة بهذا القرآن العظيم، الذي حقق لها النصر والسيادة، وحقق لها وللإنسانية جمعاء حضارة عظيمة، ومن هنا وجدنا العلماء يستخرجون الفوائد والثمرات، بل الكنوز من هذا القرآن العظيم. ولقد أكرم الله تعالى والدي، الأستاذ العلّامة الدكتور فضل حسن عباس، بأن كان في ركب هؤلاء العلماء الأفذاذ، درس ما كتبه السابقون، وهضمه بحق وتناوله بالشرح والتفصيل، والتدقيق والتمحيص والرد والترجيح. ومن هنا بدأ بكتابة سلسلة "التفسير والمفسرون، أساسيات واتجاهات مدارس ومناهج"، ولحاجة طلاب العلم لتلك الرسالة رأى أن يطبعها بعد أن يعيد صياغتها، ويغير في تركيبها، ويزيد عليها ما شاء الله له أن يزيد. وقد قسمها إلى ثلاثة أجزاء: الجزء الأول: التفسير أساسيته واتجاهاته: تحدث فيه عن معنى التفسير وأنواعه ومراحله وتطوره عبر السنين، كما تحدث فيه عن اختلاف المفسرين وأسباب الاختلاف وما يتعلق بالإسرائيليات، ثم تحدث عن اتجاهات التفسير من الاتجاه البياني والفقهي والاتجاه العقائدي والموضوعي ضاربًا الأمثلة والعلماء أصحاب هذه الاتجاهات، وتحدث المؤلف عن التفسيرات المنحرفة.

стр. 6

الجزء الثاني: تحدث المؤلف ﵀ فيه عن مدارس التفسير: وهي المدرسة العقلية الاجتماعية، والمدرسة العلمية، والمدرسة التربوية والوجدانية، ومدرسة الجمهور، وقد تحدث عن مناهج ثلة من العلماء ونماذج من تفسيراتهم ومحاسنهم. الجزء الثالث: تحدث فيه عن مناهج بعض المفسرين ومنهم الشيخ الأستاذ أبو الأعلى المودودي، والأستاذ سعيد حوى في تفسير الأساس، والأستاذ عزت دروزة والتفسير الحديث، والأستاذ عبد القادر ملا حويش وبيان المعاني، والشيخ الشنقيطي في أضواء البيان، وغيرهم. رحم الله والدي الدكتور فضل حسن عباس وجزاه خيرًا على جهوده العظيمة التي بذلها في خدمة هذا الكتاب، ورحم الله علماء هذه الأمة، ورحم الله المسلمين أحياءً وأمواتًا. اللهم اغفر لوالدي ولوالديه، واجعل هذا العمل خالصًا لوجهك الكريم وانفع به، واجعله ذخرًا له ولنا. رب اغفر لي ولوالدي ولمن دخل بيتي مؤمنًا وللمؤمنين والمؤمنات. رب اغفر لي ولوالدي وارحمهما كما ربياني صغيرًا. رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت عليّ وعلى والدي وأن أعمل صالحًا ترضاه وأصلح لي في ذريتي، وأصلح لوالدي في ذريته إني تبت إليك وإني من المسلمين، اللهم تقبل من والدي، وتجاوز عن سيئاته، وتقبل منا وتجاوز عن سيئاتنا. وصلَّى الله على سيد الخلق والمرسلين سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه. سناء فضل حسن عباس عمان في ١٥/ ٢٠١٥/١ م

стр. 7

مقدمة الحمد لله حمدًا يوافي نعمه ويكافئ مزيده. يا ربنا لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك يا الله. والصلاة والسلام على سيدنا محمد رسول الله الذي أرسله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبه والداعين بدعوته. اللهم صلِّ على سيدنا محمد الفاتح لما أغلق، والخاتم لما سبق، ناصر الحق بالحق، والهادي إلى صراطك المستقيم، وعلى آله وصحبه حق قدره ومقداره العظيم. اللهم صلِّ على سيدنا محمد خير البرية صلاة ترضيك وترضيه وترضى بها عنا يا رب العالمين. لقد حقق هذا القرآن لهذه الأمة من السؤدد والنصر في أقل الأزمنة وأقصر الطرق ما لم تكن تحلم به أبدًا. كما حقق للإنسانية كلها حضارة وارفة الظلال مشرقة الجوانب، ومن هنا عني الأئمة والعلماء باستخراج كنوزه وتجلية معانيه وتوضيح مقاصده. ولقد حرصت في كتابي هذا على شيئين: ١ - الإيجاز ما استطعت، وذلك لأن البحث بطبيعته بحث واسع لأنه يعرض اتجاهات التفسير ومناهج المفسرين، فكان لا بد لي من عدم الإطناب حتى لا يصبح الكتاب سفرًا ضخمًا. ٢ - محاولة إماطة كل شبهة تعرض لنا في بحثنا هذا، ذلك أن إماطة الأذى عن الطريق من شعب الإيمان، فكيف إذا كان عن طريق القرآن. والله أسأل أن يوفقنا لنقوم بما لهذا القرآن من حق علينا، وأن يجنبنا الزلل والخطأ وهو حسبنا ونعم الوكيل. ولقد شاء الله أن يكون هذا الكتاب الأول من السلسلة الموسومة بـ "اتجاهات التفسير ومناهج المفسرين في العصر الحديث" متضمنًا تمهيدًا وثلاثة أبواب.

стр. 8

فأما التمهيد فيعرض جهود الكاتبين في هذا المضمار. وأما الباب الأول: فأعرض فيه لنشأة التفسير وتطوره، والمراحل التي مرّ بها، وأقسامه، وما ورد على كل قسم من هذه الأقسام، والإسرائيليات. وأما الباب الثاني فأعرض فيه أسباب اختلاف المفسرين. أما الباب الثالث فسأعرض فيه اتجاهات التفسير كما تبدو لي كما هي في حقيقتها، وسأعرض ذلك بشيء من التفصيل مناقشًا كل ما أجده في طريق البحث من قضايا وأقوال لا بد من التعليق عليها، راجيًا من الله ﵎ أن لا يكون البحث تكرارًا لما قيل من قبل أو نقلًا من أسود إلى أبيض، وأن يجد فيه القارئ جدَّةً في المعلومات وفي المنهج وفي الأسلوب، وتلك نعمة من نِعَم الله أرجو الله أن يعينني على شكرها والوفاء بها. والله أسأل أن يكون هذا العمل خالصًا لوجهه وأن ينفع به، وأن يجعله ذخرًا، وأن يكون من العلم الذي ينتفع به، رب اغفر لي ولوالدي ولمن دخل بيتي مؤمنًا وللمؤمنين والمؤمنات، رب اغفر لي ولوالدي رب ارحمهما كما ربياني صغيرًا، رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت عليَّ وعلى والدي وأن أعمل صالحًا ترضاه وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين، رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت عليّ وعلى والدي وأن أعمل صالحًا ترضاه وأصلح لي في ذريتي إني تبت إليك وإني من المسلمين، واجعلنا اللهم من الذين تتقبل عنهم أحسن ما عملوا وتتجاوز عن سيئاتهم في أصحاب الجنة، وعد الصدق الذي كانوا يوعدون. وصلَّى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وبارك وسلَّم تسليمًا كثيرًا، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. فضل حسن أحمد عباس الثاني من شهر رجب من عام ألف وأربعمائة وخمسة وعشرين للهجرة النبوية الشريفة

стр. 9

التمهيد: جهود الكاتبين في هذا المضمار التفسير والمفسرون للدكتور محمد حسين الذهبي يقع هذا الكتاب في ثلاثة أجزاء. بدأه المؤلف ببيان معنى التفسير والتأويل، والفرق بينهما، وتحدث عن تفسير القرآن بغير لغته أو ما يسمى بالترجمة التفسيرية للقرآن، والترجمة الحرفية. وانتقل للحديث عن نشأة التفسير في عصر الرسول ﷺ والصحابة والتابعين، وهو يرى أن الإسرائيليات كانت مصدرًا من مصادر التفسير في عصر الصحابة والتابعين، وأن ابن عباس كغيره من الصحابة الذين اشتهروا بالتفسير كانوا يرجعون إلى أهل الكتاب ويأخذون عنهم ولكن كان ذلك في دائرة محدودة ضيقة تتفق مع القرآن وتشهد له، ويرد على جولد زيهر وأحمد أمين اللذين يدعيان أن الصحابة ومنهم ابن عباس كانوا يتوسعون في الأخذ عن أهل الكتاب (١). ثم يتحدث عن المرحلة التالية وهي مرحلة التدوين وهذه تبدأ من أواخر عهد بني أمية، وأول عهد العباسيين إلى يومنا هذا، وتدرج التفسير خلالها كثيرًا، واتجهت الكتب المؤلفة فيها اتجاهات متنوعة، أما في العصر الحاضر فقد غلب اللون الأدبي الاجتماعي على التفسير، ووجدت بعض محاولات علمية في كثير منها تكلف ظاهر وغلو كثير. ويتحدث الكاتب عن التفسير بالمأثور ويعني به تفسير القرآن بالقرآن وبما نقل عن الرسول ﷺ وما نقل عن الصحابة رضوان الله عليهم وما نقل عن التابعين، ويحدثنا عن تدرج التفسير بالمأثور وأسباب الضعف فيه، فمنها كثرة الوضع في

стр. 10

التفسير، وهو يرى أن التفسير الموضوع لا يخلو من قيمة علمية لأنه مهما كثر الوضع في التفسير فإن الوضع ينصب على الرواية نفسها. أما التفسير في حد ذاته فليس دائما أمرًا خياليًا بعيدًا عن الآية، وإنما هو في كثير من الأحيان نتيجة اجتهاد علمي له قيمته (١). وهذا قول فيه ما فيه. ومن أسباب الضعف: الإسرائيليات وحذف الأسانيد: ويرى أن دخولها في التفسير أمر يرجع إلى عهد الصحابة، ويستدل لذلك بأخذ ابن عباس عن أبي الجلد، ولكنه يرى أن أخذ ابن عباس عن أبي الجلد لم يكن كثيرا، كما لم يكن في كل الموضوعات كذلك، بل كان في أمور غير جوهرية، وذلك لأنّ ابن عباس ﵄ كان يشدد النكير على من يكثر النقل من الإسرائيليات. ويتحدث عن أشهر ما دون من كتب التفسير بالمأثور جامع البيان في تفسير القرآن للطبري، وبحر العلوم للسمرقندي، والكشف والبيان عن تفسير القرآن لأبي إسحاق الثعلبي، ومعالم التنزيل لأبي محمد الحسن البغوي، والمحرر الوجيز لابن عطية، وتفسير القرآن لابن كثير، والجواهر الحسان للثعالبي، والدر المنثور للسيوطي. بعد ذلك يتحدث عن التفسير بالرأي، وما يتعلق به من مباحث ويعرض بإيجاز أهم كتب التفسير بالرأي الجائز والتي منها مفاتيح الغيب للرازي وأنوار التنزيل وأسرار التأويل للبيضاوي، ومدارك التنزيل للنسفي، والبحر المحيط لأبي حيان وتفسير أبي السعود، وروح المعاني للآلوسي وغيرها، حيث يعرف في كل منها بالمؤلف، ثم بالتفسير وطريقة مؤلفه فيه. وينتقل للحديث عن التفسير بالرأي المذموم، أو تفسير الفرق المبتدعة، فيتحدث عن كثير من الفرق بالتفصيل ومن هذه الفرق -كما يرى- المعتزلة، حيث كان لهم موقفهم الخاص من تفسير القرآن الكريم، فقد أقاموا تفسيرهم على

стр. 11

أصولهم الخمسة كما أقاموا مذهبهم عليها، ويقول الشيخ إنهم ينكرون الأحاديث الصحيحة إذا عارضت آراءهم، ويتصرفون في القراءات المتواترة التي تخالف مذهبهم ومن ذلك مثلًا قوله. ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ فالقراءة الصحيحة عندهم (كلم اللهَ موسى) (١) ويذكر أهم كتب المعتزلة، ومنها تنزيه القرآن عن المطاعن للقاضي عبد الجبار وأمالي الشريف المرتضى، والكشاف للزمخشري. ويتحدث عن موقف الشيعة من تفسير القرآن الكريم، وهم -كما نعرف- انقسموا إلى أكثر من حزب، كل حزب منهم ذهب في التفسير حسب أهوائه وآرائه، والكاتب يقصر بحثه على طائفتين هما الإمامية الاثنا عشرية، والزيدية، حيث يبين موقف كل طائفة من تفسير القرآن الكريم. أما الإمامية، فإننا نجدهم يلقون على الأئمة نوعًا من التقديس، والتعظيم، إذ الأئمة هم أركان الأرض أن تميد بأهلها، وحجة الله البالغة على من فوق الأرض ومن تحت الثرى، ولذا فهم يعتقدون أن الإمام له صلة روحية بالله تعالى، وهم متأثرون كذلك بالمعتزلة في آرائهم، وهم لا يرون أن للقرآن ظهرًا وبطنًا فحسب، بل له سبعة وسبعين بطنًا كذلك .. إن الإمامية يجوزون أن يكون للآية الواحدة أكثر من تفسير واحد، مع التناقض والاختلاف بين هذه التفاسير (٢) وها هم وقد أحسوا بخطر موقفهم وتحرجه، فقرروا بعض المبادئ، وأوجبوا على الناس الاعتقاد بها ومن هذه أن الإمام مفوض من قبل الله في تفسير القرآن الكريم وأنه مفوض في سياسة الأمة، والتقية.

стр. 12

وقد كان للإمامية موقفهم من الأحاديث النبوية التي تخالف آراءهم، وكان بدهيًا أن يتخلص القوم من كل هذه الروايات إما بطريق ردها، وإما بطريق تأويلها والرد عندهم سهل ميسور. ومن أهم تفاسيرهم التي عرض لها الشيخ مرآة الأنوار ومشكاة الأسرار لمولى عبد اللطيف الكازراني، وتفسير الحسن بن علي الهادي العسكري. ومجمع البيان للطبرسي، وتفسير القرآن للسيد عبد الله العلوي وغيرها من التفاسير، وقد أطال الشيخ كثيرًا وهو يتحدث عن تفاسير الشيعة، حيث يذكر في كل تفسير ما ذكر في غيره، وكان يمكن أن يكتفي بما ذكره في تفسير واحد ويحيل عليها. ويتحدث عن الإسماعيلية (الباطنية) ويقول إنهم من الشيعة الإمامية التي تنسب إلى إسماعيل بن جعفر الصادق، ويلقبون بالباطنية أيضًا لقولهم بباطن القرآن دون ظاهره، أو لقولهم بالإمام الباطن المستور، وهذه الطائفة لا يمكن أن تكون داخلة في عداد طوائف المسلمين. وإنما هي في الأصل جماعة من المجوس رأوا شوكة الإسلام قوية لا تقهر وأبصروا عزة الإسلام، فرأوا أنهم لن يستطيعوا التخلص منه إلا عن طريق الاحتيال الذي يوصلهم إلى مآربهم (١). أما الفرقة الثانية التي تحدث عنها فهي الزيدية، وهذه الفرقة أقرب فرق الشيعة إلى مذهب أهل السنة، ولم يصلنا من كتبهم إلا فتح القدير للشوكاني (٢)، والثمرات اليانعة لشمس الدين يوسف بن أحمد، ويتساءل الكاتب هل هذا هو كل ما أنتجته هذه الطائفة، أو أن هناك كتبًا أخرى درست، أو لم يكتب لها الذيوع والانتشار؟ ويرجح أن تكون هناك كتب كثيرة في التفسير لهذه الطائفة، منها ما درس ومنها ما بقي إلى اليوم مطمورًا في بعض المكتبات الخاصة، إذ ليس من المعقول أن

стр. 13

لا يكون لطائفة إسلامية قامت من قديم الزمان، وبقيت محتفظة بتعاليمها ومقوماتها إلى يومنا هذا إلا كتابٌ أو كتابان، وقد أخذ يبحث عن كتبهم -كما يقول عن نفسه- فوجد في الفهرست لابن النديم أن لمقاتل بن سليمان -وعدّه من الزيدية- كتاب التفسير الكبير، وكتاب نوادر التفسير، ووجد أن صاحب كتاب شرح الأزهار وهو من كتب الزيدية يذكر تفسيرات عديدة للزيدية منها تفسير غريب القرآن للإمام زيد بن علي. ويختم حديثه عن الزيدية، بعرض كتاب فتح القدير للشوكاني. ويتحدث الكاتب عن فرقة الخوارج التي ظهرت بعد مقتل عثمان بن عفان ﵁، وقد افترقوا فرقًا: منها الأزارقة، والنجدات، والصفرية والإباضية، ويتحدث عن موقف الخوارج من التفسير، فهم عندما ينظرون إلى القرآن لا يتعمقون في التأويل ولا يغوصون وراء المعاني الحقيقية، ولا يكلفون أنفسهم عناء البحث عن أهداف القرآن وأسراره -كما يقول الشيخ- بل يقفون عند حرفية ألفاظه، وينظرون إلى الآيات نظرة سطحيّة، وربما كانت الآية لا تنطبق على ما يقصدون إليه ولا تتصل بالموضوع الذي يستدلون بها عليه، لأنهم فهموا ظاهرًا معطلًا، وأخذوا بفهم غير مراد. أما من حيث الإنتاج التفسيري للخوارج فهو قليل بالنسبة لفرق المعتزلة، والشيعة ومن الكتب الموجودة: داعي العمل ليوم الأجل، وهميان الزاد إلى دار المعاد، وتيسير التفسير لمحمد اطفيش، وكتب الخوارج الموجودة اليوم كلها للإباضية، ولعل السر في ذلك أن جميع فرق الخوارج ما عدا الإباضية بادت ولم يبق لها أثر، أما الإباضية فموجودون إلى يومنا هذا، ومذهبهم منتشر في بلاد المغرب وحضرموت، وعمان، وزنجبار، ويذكر الشيخ الذهبي بعض الأسباب التي جعلت إنتاج الخوارج في التفسير قليلًا، ومن هذه الأسباب أن الخوارج كان أكثرهم من البادية ولغلبة البداوة عليهم كانوا أبعد الناس عن التطور الديني والعلمي والاجتماعي وكانوا يمثلون الإسلام الأول في بساطته وعلى فطرته، والثاني أنهم

стр. 14

شغلوا بالحروب من مبدأ نشأتهم وكانت حروبًا قاسية طويلة ومتتابعة، والثالث أنهم مع ما هم عليه من شؤون -كانوا يخلصون لعقيدتهم ويتمسكون بإيمانهم إلى حد كبير، ويرون أن الكذب جريمة من أكبر الجرائم، فلعل هذا دعاهم إلى عدم الخوض في تفسير القرآن الكريم. وينتقل الكاتب للحديث عن التفسير الصوفي، والإشاري ثم التفسير الفلسفي، حيث دخلت الترجمة إلى بلاد المسلمين في العصر العباسي، وترجمت الكتب إلى اللغة العربية من اللغات المختلفة ومن هذه الكتب كتب الفلسفة، وقد قرأ بعض المسلمين هذه الكتب الفلسفية، فراقت لبعض منهم، ولم ترق لآخرين، والذين راقت لهم حاولوا التوفيق بينها وبين الدين عن طريقتين: الأولى: طريقة التأويل للنصوص الدينية والحقائق الشرعية بما يتفق مع الآراء الفلسفية أي. إخضاع تلك النصوص والحقائق إلى هذه الآراء حتى تسايرها وتتمشى معها. والثانية: شرح النصوص الدينية والحقائق الشرعية بالآراء والنظريات الفلسفية ومعنى هذا أن تطغى الفلسفة على الدين وتتحكم في نصوصه وهذه الطريقة أخطر من الأولى وأكثر شرًّا منها على الدين. ويأتي ببعض الشروح الفلسفية للقرآن، من مثل تفسير الفارابي، وتفسير إخوان الصفا وابن سينا الذي كان حريصًا كل الحرص على أن يوفق بين الدين والفلسفة والذي حكم النظريات الفلسفية في النصوص القرآنية فشرحها شرحًا فلسفيًا بحتًا، ومن تفسيره ما ذكره عند قوله تعالى ﴿مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ﴾ قال: هذه القوة التي توقع الوسوسة هي القوة المتخيلة بحسب صيرورتها مستعملة للنفس الحيوانية، ثم إن حركتها تكون بالعكس، فإن النفس وجهها إلى المبادئ المفارقة، فالقوة المتخيلة إذا جذبتها إلى الاشتغال بالمادة وعلائقها فتلك القوة تخنس أي تتحرك بالعكس وتجذب النفس الإنسانية إلى العكس، فلهذا سمي خناسًا.

стр. 15

وينتقل إلى الحديث عن تفسير الفقهاء فيتحدث عن نشأة هذا اللون من التفسير، ويذكر المؤلفات في التفسير الفقهي عند أهل السنة وغيرهم ويعرض لنا كتاب أحكام القرآن للجصاص الحنفي وأحكام القرآن للكيا الهراسي الشافعي، وأحكام ابن العربي المالكي، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي، وفي فقه الشيعة يعرض كتاب كنز العرفان لمقداد السيوري. ويتحدث عن الاتجاه العلمي في التفسير حيث يبدأ الحديث بتعريف التفسير العلمي، فهو التفسير الذي يحكم الاصطلاحات العلمية في عبارات القرآن ويجهد في استخراج مختلف العلوم والآراء الفلسفية منها. ويعرض آراء القائلين بهذا النوع ومنهم الغزالي والسيوطي والرازي، وآراء المنكرين وعلى رأسهم الشاطبي في كتابه الموافقات وهو يوافق الشاطبي في ما ذهب إليه لأنه لا يعقل من حيث اللغة أن تفسر ألفاظ القرآن بتلك المعاني التي حدثت بعد نزول القرآن بأجيال، في الوقت الذي نزلت هذه الألفاظ من عند الله، وتليت أول ما تليت على من كان حول النبي ﷺ ، ثم إذا ذهبنا مذهب أرباب التفسير العلمي وقلنا إن القرآن متضمن لكل العلوم، وألفاظه محتملة لهذه المعاني المستحدثة، أوقعنا أنفسنا في ورطة لا خلاص لنا منها إلا بما يخدش بلاغة القرآن أو يذهب بفطانة العرب، فإذا قلنا إن العرب كانوا يجهلون هذه المعاني الجديدة فمعنى ذلك أن القرآن غير بليغ لأنه لم يراع حال المخاطب (١). وفي خاتمة المطاف يعطي كلمة عامة عن التفسير وألوانه في العصر الحديث، فهو يرى أن الأوائل لم يتركوا للأواخر كبير جهد في تفسير كتاب الله، فقد وفوا التفسير حقه من الناحية اللغوية والبلاغية، والناحية الأدبية، والناحية النحوية والفقهية، والمذهيية، والكونية الفلسفية، ومن ثم كان عصر الركود والجمود، ثم

стр. 16

جاء العصر الحديث، وكانت معه النهضة العلمية الحديثة، فاتجهت أنظار العلماء للتخلص من نطاق الجمود، فتخلصوا من كثير من الاستطرادات العلمية ونقوا التفسير من الإسرائيليات، ومحصوا الأحاديث المروية عن الرسول ﷺ وألبسوا التفسير ثوبًا أدبيا اجتماعيًا، ويجمل ألوان التفسير في العصر الحديث (١) بما يلي: الأول: اللون العلمي. الثاني: اللون المذهبي. الثالث: اللون الإلحادي. الرابع: اللون الأدبي الاجتماعي. ويتحدث عن كل لون من هذه الألوان، كيف راجت في العصر الحاضر وعن الكتب التي تحدثت عن هذه الألوان. ويعني باللون المذهبي تفاسير الفرق والمذاهب، كالزيدية والإمامية والإباضية، وهذه الفرق ما تزال موجودة في العصر الحاضر، ولذلك بقي اللون المذهبي لتفسير القرآن قائمًا في العصر الحديث بمقدار ما بقي قائمًا من المذاهب الإسلامية. واللون الإلحادي يقصد به ما ورد من تفسيرات بعيدة عن كتاب الله تعالى، وقد ظهر من هؤلاء مَنْ حسب أن التجديد -ولو بتحريف كتاب الله- سبب لظهوره وشهرته فأخذ يثور على قدماء المفسرين ويرميهم جميعًا بالسفه والغفلة. ومنهم من تلقى من العلم حظًّا يسيرًا لا يرقى به إلى مصاف العلماء، ولكنه اغتر بما لديه فحسب أنه بلغ مبلغ الراسخين في العلم، ونسي أنه قل في علم اللغة نصيبه وخف في علم الشريعة وزنه، فراح ينظر في كتاب الله نظرة حرة لا تتقيد بأي

стр. 17

أصل من أصول التفسير، ثم أخذ يهذي بأفهام فاسدة تتنافى مع ما قرره أئمة اللغة وأئمة الدين. ومنهم من لم يرسم لنفسه نحلة دينية ولم يسر على عقيدة معروفة، ولكنه لعبت برأسه الغواية وتسلطت على قلبه وعقله أفكار وآراء من نحل مختلفة، فانطلق إلى القرآن وهو يحمل في قلبه ورأسه هذه الأمشاج من الآراء، فأخذ يؤوله بما يتفق معها، تأويلًا لا يقره العقل ولا يرضاه الدين. ويعرض الشيخ الذهبي نماذج للتفسير الإلحادي، كتبها أصحابها، ولكنه لا يذكر أحدًا باسمه أو لقبه، لأنه ربما كان هذا سببًا للفتنة وباعثًا على العداوة، وبخاصة وقد كان كثيرون منهم أحياء زمن الشيخ الذهبي ﵀ (١). أما اللون الرابع فهو اللون الأدبي الاجتماعي ويعني بذلك أن التفسير لم يعد يظهر عليه في هذا العصر ذلك الطابع الجاف الذي يصرف الناس عن هداية القرآن، وإنما ظهر عليه طابع آخر وتلون بلون يكاد يكون جديدًا وطارئًا على التفسير، وذلك هو معالجة النصوص القرآنية معالجة تقوم أولًا وقبل كل شيء على إظهار مواضع الدقة في التعبير القرآنية، ثم بعد ذلك تصاغ المعاني التي يهدف القرآن إليها في أسلوب شيق أخاذ، ثم يطلق النص القرآني على ما في الكون من سنن الاجتماع ونظم العمران، ويتحدث تحت -هذا اللون- عن مدرسة الأستاذ الشيخ محمد عبده. وبعد هذا العرض يجدر بنا أن نعرف أن هذا الكتاب هو أول كتاب عن تاريخ التفسير ومذاهب المفسرين في العصر الحديث، وهي رسالة قدمها الشيخ -يرحمه الله- لنيل درجة الأستاذية التي كانت تعرف بهذا الاسم، والطلاب الذين

стр. 18

يودون الحصول على هذه الدرجة، كان يسمى تخصصهم تخصص المادة، وهذا قبل أن يتأثر الأزهر بكلمتي ماجستير ودكتوراه، ولقد قدمها الشيخ في منتصف الأربعينيات، وكتبها الشيخ في أقل من سنتين، ومع أن هذا الكتاب كان مادة لكل من كتب في هذا الموضوع بعد الشيخ ﵀ فأكلهم أفاد منه سواء الذين أشاروا إليه أم لم يشيروا فإن هناك أمورًا حريًّا بها أن تسجل منها: أن الشيخ ﵀ يحرص كثيرًا على أن يثبت أن للقرآن ظهرًا وبطنًا، فيذكر ذلك في أكثر من موضع من كتابه، مع أن الأحاديث في ذلك لا يعول عليها، ولقد قلت للشيخ ﵀ وكان المشرف الأول على رسالتي (الدكتوراه) -إنني أخالفه في هذه القضية، وقد دللت على مخالفتي له، فقال - بكل رضًا وسرور- وهذه ميزة العالم الكريم- سأسرق هذه منك يا شيخ فضل عندما أطبع الكتاب مرة ثانية، ولكن ستكون سرقة شريفة، فرحم الله الشيخ الذهبي، وهكذا يعلمنا هؤلاء، الذوق والأدب مع العلم. - ومنها أن الشيخ ﵀ لم يتعمق كثيرًا في كثير مما تناوله، بل كان أسلوبه وصفيًا في كثير من الأحيان. - ومنها أنه كان يحمل -ولا أود أن أقول يقسو- على بعض المخالفين كلما مر معنا في حديثه عن المعتزلة، لأن بعضهم رد القراءة المتواترة في قول الله ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ وكحديثه عن بعض أجلة علماء الأزهر في تفسيره لقصة أيوب ﵊، حيث رد عليه الشيخ الذهبي ردًّا قاسيًا. - ومنها أنه كان يسهب كثيرًا في حديثه عن تفسيرات الفرق المتعددة. - ومنها أن حديثه عن التفسير في العصر الحديث كان موجزًا مقتضبًا.

стр. 19

مناقشة بعض الكاتبين للشيخ الذهبي ﵀: وبعد هذه الملحوظات التي ذكرتها، أرى أن أذكر مناقشة بعض الكتاب للشيخ الذهبي ﵀ في كتابه: أولًا: الدكتور إبراهيم خليفة: عند الحديث عن الفرق بين التفسير والتأويل يقول الذهبي: (والذي تميل إليه النفس من هذه الأقوال هو أن التفسير ما كان راجعًا إلى الرواية، والتأويل ما كان راجعًا إلى الدراية وذلك لأن التفسير معناه الكشف والبيان، والكشف عن مراد الله تعالى لا نجزم به إلا إذا ورد عن رسول الله ﷺ أو عن بعض أصحابه الذين شهدوا نزول الوحي وعلموا ما أحاط به من حوادث ووقائع، وخالطوا رسول الله ﷺ ورجعوا إليه فيما أشكل عليهم من معاني القرآن الكريم. وأما التأويل فملحوظ فيه ترجيح أحد محتملات اللفظ بالدليل، والترجيح يعتمد على الاجتهاد ويتوصل إليه بمعرفة مفردات الألفاظ واستنباط لغة العرب واستعمالها بحسب السياق، ومعرفة الأساليب العربية ومدلولاتها في المعاني من كل ذلك .. يقول الدكتور إبراهيم: ما قاله الشيخ ﵀ سواء في التفسير وفي التأويل جميعًا غير متجه عندنا. أما التفسير فحتى لو سلمنا له قضيّة اشتراط الجزم في الكشف عن مراد الله تعالى فإن ذلك لا يتوقف على كونه من طريق الرواية، بل يمكن أن يتحقق الجزم كذلك من قطع العقل بتعيين المعنى، واستحالة إرادة غيره من الكلمة أو الجملة القرآنية، كما في قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ وقوله: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ وقوله: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ إلى غير ذلك من الآيات المتكاثرة التي يقطع العقل بتعين معناها ويحيل إرادة غيره، كما يمكن أن يتحقق الجزم أيضًا من ظهور المعنى بنفسه بأن يكون اللفظ نصًّا فيه لا يحتمل غيره، فما ظنك واشتراط مثل هذا الجزم مما لا يسلم لقائله أصلًا، بل إن تيسر لنا في بعض المفردات أو التراكيب فذاك، وصح لنا حينئذ

стр. 20

القطع بإرادة المعنى من الكلمة أو العبارة، إما من الطريق الذي ذكره أو من الطريق الذي ذكرنا، وإلا فَلَنا أن نفسر بغلبة الظن، غاية الأمر أنا لا نقطع حينئذ بكون المعنى هو المراد لله تعالى، وبالتالي لا نطلق عبارة تفيد مثل ذلك القطع، بل نقول إنا لو طبقنا قانون أهل الأصول الذي لا يسع منصفًا أن يدفعه لرأينا أن الطريق الذي ذكره لتحقيق الجزم، وهو الرواية لا يمكن أن يحقق الجزم أيضًا، اللهم إلا في حال واحدة هي أن تكون الرواية قطعية الثبوت في نفسها بأن تكون قرآنًا أو حديثًا متواترًا عن النبي ﷺ ، أو مما وقع عليه الإجماع من الصحابة والتابعين من غير نكير ... أما التأويل فما كنا لنسلم له أصلًا أن كل دراية يجب أن تعد تأويلًا، حتى لو كانت مما يقطع به العقل أو يعينه كون اللفظ نصًّا لا يحتمل غير معناه بوجه من الوجوه، أو حتى يرجحه كون اللفظ ظاهرًا في معناه، ولم تقم قرينة توجب صرفه عن هذا المعنى حتى يصرف عنه، بل الوجه عندنا ولا نحسبه إلا عند كل منصف كذلك أن يعد هذا كله من قبيل التفسير، وأن يقصر التأويل على ما يكون استنباطه من اللفظ مفتقرًا إلى مزيد من إعمال الفكرة وإنعام النظرة أو يكون مما يستعصي دركه مع ذلك، وإنما يأتي صاحبه من طريق الفيض وإلهام منزل القرآن، لا ما يكون إدراكه على طرف الثمام غير محتاج إلى بذل شيء من التأمل أصلًا) (١). ويقول الدكتور إبراهيم بعد أن ينقل كلمة لجولدزيهر وهي قوله: (كذلك يصدق على القرآن ما قاله في الإنجيل العالم اللاهوتي التابع للكنيسة الحديثة بيترفيرتفلس: "كل أمرئ يطلب عقائده في هذا الكتاب المقدس، وكل امرئ يجد فيه على وجه الخصوص ما يطلبه" يقول: فكل تيار فكري بارز في مجرى التاريخ الإسلامي زاول الاتجاه إلى تصحيح نفسه على النص المقدس، وإلى اتخاذ هذا النص سندا على موافقته للإسلام، ومطابقته لما جاء به الرسول ﵊ (٢).

стр. 21

يقول الدكتور: لا نحسن الظن بهذه الكلمة كما فعل أستاذنا الدكتور الذهبي في كتابه (التفسير والمفسرون) حيث أورد هذه الكلمة في كتابه المذكور من الترجمة الأولى لكتاب هذا المستشرق والتي هي بعلم الدكتور علي حسن عبد القادر (١) بهذا النص (المرحلة الأولى لتفسير القرآن والنواة التي بدأ بها تتركز في القرآن نفسه وفي نصوصه نفسه، وبعبارة أوضح في قراءاته، ففي هذه الأشكال المختلفة نستطيع أن نرى أول محاولة للتفسير) أ. هـ. ثم لم ير ﵀ منها إلا إحتمال السلامة إذ يقول طيب الله ثراه: ومن أجل هذا .. يعني جميع ما ذكر ﵀ من أوجه تفسير القرآن بالقرآن، ومنها حمل قراءة على أخرى وحاجة ذلك إلى كثير من التدبر وإعمال النظر، نستطيع أن نوافق الأستاذ جولد زيهر على ما قاله في كتابه (المذاهب الإسلامية في تفسير القرآن) من أن المرحلة الأولى لتفسير القرآن .. الخ، وساق عبارة الرجل ثم قال .. نعم نستطيع أن نوافقه على أن المرحلة الأولى للتفسير تتركز في القرآن نفسه على معنى رد متشابهه إلى محكمه، وحمل مجمله على مبينه، وعامه على خاصه، ومطلقه على مقيده .. الخ. كما تتركز في بعض قراءاته المتواترة، وما كان من قراءات غير متواترة فلا يعول عليها باعتبارها تفسيرًا للنص القرآني، نعم نستطيع أن نوافقه على هذا إن أراده) أ. هـ. أقول: بل في كلمة الرجل هذه التي نقلها عنه الشيخ ﵀ في تلك الترجمة، أقول: في هذه الكلمة أولًا من التعميم الموهم خلاف الحق ما لا ينبغي أن يرتكب مثله ذو أثارة من التحقيق فضلًا على من يوهم سذّج قارئيه أنه على غاية منه، ذلك أن الرجل قد شرح في هذه العبارة بمقتضى تلك الترجمة عنه مراده من القرآن ومن نصوصه بكونه القراءات. وهو بهذا -إذن- يتجاهل كما ترى من نصوص القرآن مما لا شأن له باختلاف

стр. 22

القراءات ما له أعظم الاعتبار في هذا الباب، وما هو أهم بكثير، وأغلب من حيث الكمية والكيفية جميعًا، وأعظم مدخلًا في مضمار التفسير ولا ريب من اختلاف القراءات مما ضربنا منه مثلًا فيما سبق هذا البحث كبسط الموجز، وتقييد المطلق .. فهو إذن وبحكم منطق شرحه هذا يتجاهل كل هذا القدر الأغلب والأهم في هذا الباب، ويوهم أن في اختلاف القراءات وفيها فحسب قد تركزت المحاولة الأولى للتفسير والنواة التي بدأ بها على حدّ قوله ثم في شرح الرجل نفسه ثانيًا لاختلاف نص القرآن وقراءاته، وكيف أن هذا الاختلاف في زعمه اختلاف اضطراب، وأن فيهم مجافاة لما يفرد من كون نص القرآن الكريم على الله ما كذب وافترى، نقول في هذا الشرح ما يكشف أتم كشف عن منتهى سوء القصد من هذه الكلمة (١). ثانيًا: عرض الدكتور محمد إبراهيم الشريف لهذا الكتاب: وهذه خلاصة ما ذكره . استهدف هذا الكتاب كما يقول مؤلفه أن ينبه المسلمين على تراثهم التفسيري الذي اكتظت به المكتبة الإسلامية على سعتها وطول عهدها، وهو يرجو أن يكون لعشاق التفسير من وراء مجهوده موسوعة تكشف لهم عن مناهج أشهر المفسرين وطرائقهم التي يسيرون عليها في شرحهم لكتاب الله تعالى .. حتى لا يقصروا حياتهم على دراسة كتب طائفة واحدة أو طائفتين دون من عداهما من طوائف المفسرين، يقول في مناقشة كتاب الذهبي ﵀ (التفسير والمفسّرون) لا يهتم بالتحليل الكافي لكل التفاسير التي ذكرها، بالإضافة إلى أن أحكامه في الغالب عامة وقضاياه سطحية يعوزها التثبّت واليقين. كما أن مؤلفه ﵀ يعتقد أن الأولين لم يتركوا شيئًا لمن بعدهم اللهم إلا اليسير النادر فهو يقول: (والذي يقرأ كتب التفسير على اختلاف ألوانها لا يداخله شك في أن كل ما يتعلق بالتفسير من الدراسات المختلفة قد وفاه هؤلاء المفسرون

стр. 23

الأقدمون حقه من البحث والتحقيق) (١). أما مفهومه للتجديد في التفسير فهو مفهوم سلبي ينحصر في الاتجاه إلى تنقية القديم من التفسير وتطهيره من الإسرائيليات، ونقد الروايات الضعيفة أو الموضوعة، وإلباس التفسير ثويًا اجتماعيًا يظهر روعة القرآن ويربط آياته بالنظرات العملية الصحيحة. ويشير المؤلف إلى ألوان التفسير الحديث وهي أربعة ألوان: ١ - اللون العلمي ٢ - اللون المذهبي ٣ - اللون الإلحادي ٤ - اللون الأدبي والاجتماعي. ويناقش صاحب كتاب الاتجاهات الشيخ الذهبي في أكثر من قضية فيبين أن اللون المذهبي لم تعرفه البيئة المصرية حديثًا، وإن ما سماه باللون الإلحادي لا يوافقه عليه كثير من الدارسين وحري بهذا اللون أن يدرس تحت الأفهام المنحرفة أو الشاذة لنصوص القرآن الكريم .. ). ويعلل ذلك بأننا لو عددناه لونًا من ألوان التفسير لكان اعترافًا منا بشرعيته، علمًا بأنه (أبعد ما يكون عن خريطة التفسير لأنه يسقط من حسابه أسس التفسير وقواعده جميعها) (٢). كما يأخذ على هذه الدراسة قصورها عن استيعاب الدراسات المصرية الحديثة في التفسير لسبب أو لآخر، وهو أمر مخل بالصورة الصحيحة للجهود التفسيرية الحديثة في مصر. أما ما يسميه باللون الأدبي فلا يقصد بالأدبية في تعبيره ذلك المنهج الفني الذي ينظر فيه إلى النص القرآتي باعتباره نصا أدبيًا، وإنما يقصد المؤلف بالأدبية: إفراغ

стр. 24

معاني التفسير التي يهدف إليها القرآن الكريم في أسلوب شيق أخاذ وعبارة عصرية سهلة تخلص التفسير من الأساليب الجامدة المتحجرة. ويقول هي موضع آخر. يزعم الأستاذ الدكتور محمد حسين الذهبي هي كتابه (التفسير والمفسرون) أن فريقًا على رأسهم شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ قائلون بشمول بيانه ﷺ لجميع معاني القرآن. بدون استثناء مستندًا في هذا الزعم إلى ما قاله السيوطي في الإتقان، ثم في ما ساق من الشبهة له إلى طرف من مقالة شيخ الإسلام نفسه في مقدمته في أصول التفسير، وذلك إذ يقول الأستاذ ﵀ اختلف العلماء في المقدار الذي بينه النبي ﷺ من القرآن لأصحابه فمنهم من ذهب إلى القول بأن رسول الله ﷺ بيّن لأصحابه كل معاني القرآن كما بين لهم ألفاظه وعلى رأس هؤلاء ابن تيمية) أ. هـ. كذا ذكر السيوطي ﵀ ذلك في الإتقان على أنه أحد احتمالين فهمهما من كلام شيخ الإسلام ﵀ في هذه المقالة وفي غيرها، إذ يقول السيوطي: وقد صرح ابن تيمية فيما تقدم وغيره بأن النبي ﷺ بين لأصحابه تفسير جميع القرآن أو غالبه. ولكنك إذا نظرت إلى جميع ما قاله شيخ الإسلام ﵀ في هذه المقدمة نظرة منصفة لا تجتزيء فيها بمجرد ما تظهر الدلالة لك فيه من قول الشيخ وتبتر غيره مما ليس لك، بل تضم بعض قول الشيخ إلى بعض، نقول إذا نظرت إلى كلام شيخ الإسلام ﵀ هذه النظرة فإنك سترى أن مثل هذا الزعم مما لم يصحبه التوفيق بالكلية، كيف لا وإن فيما سنسوقه بين يديك من البدهيات الآتية ما يقضي بسقوط من يقول بمقتضى مثل هذا الزعم عن درجة صغار العقلاء، فضلًا عن أكابر العلماء من أمثال شيخ الإسلام ﵀ بل كيف لا ومعنا قرينتان مقالتان من قول شيخ الإسلام نفسه في هذه المجال صريحتان في أنه لا يمكن أن يعني بحال من الأحوال شمول البيان النبوي لجميع القرآن:

стр. 25

إحداهما: تصريحه أن أحسن طرق التفسير وأصحها أن يطلب أول ما يطلب من القرآن ذاته، وأنه حين يعيينا ذلك فحسب ننتقل إلى السنة .. أما القرينة الثانية من كلام الشيخ نفسه في هذه المقدمة فقوله بعد إذ فرغ من الحديث عن السنة (وحينئذ إذا لم نجد التفسير في القرآن ولا في السنة، رجعنا في ذلك إلى أقوال الصحابة .. ) (١). ويناقشه أيضًا في وصف هذا اللون بأنه اجتماعي، باعتبار أن هذا التخصيص يهدر كثيرًا من التيارات التي تجمعت في مدرسة المنار ويقلل من أهميتها. كما يأخذ عليه أنه يقبل ظاهرة التفسير العلمي في الاتجاه الهدائى -بينما يعترض على الظاهرة نفسها وينكرها إنكارًا شديدًا في اتجاه آخر، وفي الوقت الذي يعترض فيه على اللطائف والجواهر العلمية في تفسير الجواهر، باعتبارها تخرج بالتفسير عن أهدافه وأغراضه، يحاول تعليل استطرادات المنار بأن صاحبه رجل صحفي اتصل عن طريق مجلته بالناس فأراد أن يتمشى بكتابته مع الجميع فيثبت المتدين على دينه، ويرد الملحد عن إلحاده، ويكشف عن محاسن الإسلام (٢). وأخيرًا يأخذ على الشيخ إغفاله لقضية المناهج الفتية في التفسير والأنماط والأشكال الحديثة التي عبرت حقيقة عن اتجاهات التفسير الحديثة (٣). ونحن نوافق صاحب اتجاهات التفسير في جل ما ذكر من ملحوظات.

стр. 26

دراسات في مناهج المفسرين د. إبراهيم عبد الرحمن خليفة يبدأ كتابه بتمهيد يتحدث فيه عن معنى العلم، وعن بعض المبادئ حول علم مناهج المفسرين، وينتقل للحديث عن التفسير والتأويل وفائدة التفسير، والشروط التي لا بد منها فيمن يتصدى للتفسير ويتحدث عن أقسام التفسير ويرى أن التفسير يقسم عدة تقسيمات نظرًا لاعتبارات متعددة: وأول هذه الاعتبارات: أن ينظر إلى التفسير من حيث إمكان تحصيله واتساع دائرة هذا الإمكان وعدم ذلك، وهو بهذا الاعتبار ينقسم إلى أربعة أوجه كما روي عن ابن عباس (١): الأول: تفسير تعرفه العرب من كلامها. الثاني: تفسير لا يعذر أحد بجهالته. الثالث: تفسير يعلمه العلماء. الرابع: تفسير لا يعلمه أحد إلا الله. والاعتبار الثاني: أن ينظر إلى التفسير من جهة استمداده من الطريق المعتاد، نقلًا كان ذلك من القرآن أو كان رأيًا واجتهادًا أو بالطريق غير المعتاد وهو طريق الإلهام، ويقسم بهذا الاعتبار إلى ثلاثة أقسام: ١ - تفسير بالمأثور. ٢ - تفسير بالرأي. ٣ - تفسير بالفيض والإشارة.

стр. 27

والاعتبار الثالث: أن ينظر إلى التفسير من جهةكونه شرطًا لمجرد معنى اللفظ في اللغة ثم لمعنى الجملة أو الآية على سبيل التحليل التام والتفصيلي للنص القرآني وهو بهذا الاعتبار يقسم إلى: ١ - تفسير إجمالي. ٢ - تفسير تحليلي. والاعتبار الرابع: أن ينظر إلى التفسير من جهة خصوص تناوله لموضوع ما بعينه من موضوعات القرآن عاما كان ذلك الموضوع أو خاصًّا، وينقسم بهذا الخصوص إلى تفسير عام وتفسير موضوعي. ويبدو أنه يختار لأقسام التفسير الاعتبار الثاني، أي تقسيم التفسير إلى تفسير بالمأثور وتفسير بالرأي، إذ إنه يقصر الحديث عليهما (١). ويبدأ الحديث عن التفسير بالمأثور ومصادره وهي: القرآن، والسنة وكلام الصحابة وكلام التابعين على خلاف بين العلماء ويرى أن من تفسير القرآن بالقرآن التفسير بالقراءات المتواترة، أما القراءات الشاذة فلا يجوز أن نعدها من تفسير القرآن بالقرآن، وهو كلام حسن، ويعرض للمستشرقين الذين يستغلون القراءات الشاذة لينفثوا من خلالها حقدهم المسموم على القرآن وعلى المسلمين، وليسددوا منها سهامهم الطائشة ومطاعنهم الزائفة إلى هذا الكتاب العظيم. ويعرض ما ذكره المستشرق جولد زيهر في كتابه الخبيث (مذاهب التفسير الإسلامي) من مغالطات منها: أن عثمان بن عفان خالف الرسول ﷺ فيما فعله من جمع الناس على حرف واحد، ومنها قوله عن القرآن الكريم (النص الأصلي المفترض) وكأنه يرى أن للقرآن نصا أصليًا وآخر غير أصلي، ثم هو يشكك في

стр. 28

صحة النص الأصلي، ومنها ادعاؤه أن في القرآن اضطرابًا ينافي كون القرآن من عند الله إلى غير ذلك من افتراءات. ويتحدث عن المصدر الثاني من مصادر التفسير بالمأثور وهو السنة النبوية الشريفة، وذلك أن خير من يمكن أن يفسر القرآن، ومن ينبغي أن يطلب منه تفسيره بعد الله، هو رسوله ﷺ ، وهو ﷺ لا يمكن أن يخطيء في تفسير كتاب الله تعالى أو يقر على خطأ، ثم إن خير من يمكن أن يفسر الشيء من تكون أهم وظائفه تبيان ذلك الشيء. ويعرض لما ذكره الشيخ الذهبي من أن ابن تيمية يذكر أن النبي ﷺ قد فسر القرآن كله، ويرد هذا القول مبينًا بأنك لو قرأت كلام ابن تيمية كله لرأيت أنه لم يقل مثل هذا القول، ويطيل الدكتور النفس في رد القول بأن بيان السنة للقرآن قد شمله كله (١). وينتقل للحديث عن أوجه بيان السنة للقرآن، ومن ذلك بيانه ﷺ لمجملات القرآن، وتخصيصه ﷺ بعض الآيات، حيث خص آية الزنا بغير المحصن وبيانه لبعض مبهمات القرآن إلى غير ذلك مما ستعرفه فيما بعد. ويتحدث عن الوضع على رسول الله ﷺ ويعرض لما روي عن الإمام أحمد: (ثلاثة ليس لها أصل التفسير والملاحم والمغازي) وقد ذكر الدكتور إبراهيم المراد بهذه الكلمة إذ من العلماء من يرى أن المقصود أن غالب المرويات في هذه الموضوعات ليس لها أصل، ومنهم من يرى أن المقصود كتب خاصة، ويذكر أن بعض الجاهلين تعلق بظاهر هذه المقالة من الإمام أحمد فحملوها على إطلاقها، وغرضهم من ذلك التشكيك في جميع المنقول عن النبي ﷺ في التفسير، وإظهار أنه من المنتحل الموضوع الذي لا قيمة له أصلًا، وأول هؤلاء الجاهلين

стр. 29

المستشرقون ومن ترسم خطاهم كالأستاذ الباحث أحمد أمين (١). إن من التفسير المنسوب إليه ﷺ ما هو ثابت عنه بالأسانيد الصالحة للحجية قطعًا كما أن منه ما ليس بهذه الصفة، فأسانيده ضعيفة، بل موضوعة مختلفة كذلك. ويتحدث الكاتب عن نشأة الوضع والاختلاق، حيث نشأ الوضع في التفسير، مع نشأته في السنة والحديث، ومن العلماء من يرى أن الوضع في السنة نشأ في السنة الحادية والأريعين للهجرة، حيث آلت الأمور إلى أول خلفاء دولة بني أمية معاوية ﵁، وينتقل لذكر أسباب الوضع، التي منها العصبية المذهبية، والنزعة السياسية المتعصبة، والتعصّب الجنسي أو الشعوبية، والشهرة واستمالة قلوب العامة بذكر الغرائب والتطرف في حب الخير للناس مع السذاجة والجهل، والمكايدة للإسلام بإظهاره في مظهر المجافاة للمنطق السليم، ويذكر الأمثلة على الوضع. وينتقل للحديث عن المصدر الثالث من مصادر التفسير وهو الصحابة رضوان الله عليهم ويقول بأننا إذا لم نجد التفسير لا في الكتاب ولا في السنة، فإن المصدر الثالث الذي يجب الرجوع إليه حينئذ والذي هو المرتبة التالية لهما مباشرة هو أقوال الصحابة، وبعد أن ينقل أقوال العلماء في ما روي عن الصحابة، يذكر أن تفسيرهم منه ما يعطى حكم المرفوع، ومنه ما لا يعطى هذا الحكم، ومن الأول ما لا مدخل فيه للرأي، كان يكون حديثًا عن سبب نزول آية أو نحو ذلك وليس هذا الشرط الوحيد لإعطاء قول الصحابي حكم المرفوع، بل ثم شرط آخر نبهوا عليه، وهو أن لا يكون من نقل عنه مثل ذلك القول من الصحابة قد عرف بالأخذ عن بني إسرائيل أي في بعض الأحيان، وإلا لم يعط قوله حكم المرفوع، لاحتمال أن يكون من منقولاته عنهم.

стр. 30

أما إذا اختل الشرطان الآنفان أو أحدهما، لم يخل أمر ذلك المأثور عن الصحابة من حالين، الأول: أن يعرف كونه محلًا لاجماع الصحابة وأنه لم يشذ عن القول به أحد منهم. والثاني.: أن لا يعرف كونه محلًا للإجماع، بأنه كان مجالًا لاختلافهم، أو لا يعرف فيه إجماع ولا اختلاف، فالأول يجب الأخذ به، لأن الأمة معصومة في كل عصر من عصورها لا سيما عصر الصحابة، فقد روي عن النبي ﷺ قوله (لا تجتمع أمتي على الضلالة)، وأما الثاني فإنه يترجح عند أهل السنة والجماعة الأخذ بمقتضى مأثور الصحابة في تفسير القرآن، فهم أخبر الناس بالتنزيل وقد حضروا الوحي وشهدوا وقائع التنزيل، ولهم فوق هذا كله من العلم التام والعلم الصحيح ما ليس لسواهم، ويذكر أن الخلاف في التفسير عند الصحابة اختلاف تنوع لا اختلاف تضاد، ويتجلى لك من هذا الاختلاف مظاهر أربعة: الأول: أن يعبر كل واحد منهم عن المراد بعبارة غير عبارة صاحبه تدل على معنى في المسمى غير المعنى الآخر مع اتحاد المسمى. الثاني: أن يذكر كل منهم من الاسم العام بعض أنواعه على سبيل التمثيل. الثالث: أن يكون اللفظ محتملًا للأمرين إمّا لكونه مشتركًا لفظيًا في اللغة أو لكونه مشتركًا معنويًا. الرابع: أن يعبروا عن المعاني بألفاظ مقاربة لا مترادفة. وينتقل للحديث عن المفسرين من الصحابة، وهو لا يتحدث في هذا الجزء من كتابه إلا عن عبد الله بن عباس، ﵄ ويحدثنا عن مولده ونشأته وحرصه على طلب العلم وشدة تواضعه له ولأهله، وعلمه وفضله، فقد بلغ الذروة العليا من العلم لأسباب أربعة هي: ١ - دعاء النبي ﷺ .

стр. 31

٢ - حرصه الشديد على طلب العلم حيث لازم الرسول ﷺ منذ نعومة أظفاره فكان يسمع منه كثيرًا أو يشهد كثيرًا. ٣ - كتابته عن أصحاب رسول الله ﷺ ما كان يسمع منهم وعدم اتكاله على الحفظ. ٤ - توقد قريحته وقوة فطنته. وينقل نصوصًا تدل على عناية ابن عباس ﵄ بالعلم، وتدل على ذكائه وفطنته، وخلقه وحبه الخير للمسلمين، وتدل على ثقة الخلفاء به وتوليتهم له الإمارة، ويحدثنا عن الخصومة التي كانت بينه وبين عبد الله بن الزبير، واضطراره على أثر ذلك إلى النزول في الكوفة. وينتقل بعد ذلك إلى الحديث عن ابن عباس وتفسير القرآن الكريم، فابن عباس قد بلغ ذروة السنام في تفسير القرآن العظيم، حتى سمّي ترجمان القرآن. أما عن التفسير الوارد عن ابن عباس، فيقول إنه من المعلوم عند علماء الأمة عليهم رضوان الله أنه -أي ابن عباس- كان مقلًا في تفسير القرآن الكريم من الأخذ عن بني إسرائيل إلى حد الندرة، بل إلى حد العدم على زعم بعضهم، وكأن الكاتب يرجح أن ابن عباس أخذ عن بني إسرائيل ولكنه كان أخذًا قليلًا. ويعرض لما ذكره جولد زيهر من اتهام ابن عباس والصحابة بالإكثار من الأخذ عن بني إسرائيل وما ذكره أحمد أمين كذلك، . ويبين أن في هذا فرية عظيمة، وبعد أن يذكر بعض الروايات يقول، أيعقل أن يكون هؤلاء الصحابة الذين شهد لهم النبي ﷺ بالعدالة والفضل أن يخالفوه ﵇؟ فيأخذوا عن أهل الكتاب، ومن أين يستقيم في نصفة منصف أو سداد ذي منطق ورشد أن يركب أولئك الصفوة مخالفة من هو أحب إليهم من أنفسهم وأموالهم وأهليهم والناس أجمعين؟ ويعرض لما روي عن الرسول ﷺ في شأن بني إسرائيل "لا تسألوا أهل الكتاب

стр. 32

عن شيء" (١)، وقوله "حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج" (٢)، ويقول: إنه إن جاز التحديث عن بني إسرائيل بمعنى أخذ شيء عنهم حسبما هو المتبادر من حديث الإباحة ويؤكد قوله إن جاز فهو مشروط بشروط ثلاثة: الأول: عدم منافاته لشيء مما جاء في الكتاب أو السنة. الثاني: أن لا يكون في الاشتغال بذلك ما يشغل عن علم شيء من الكتاب والسنة. الثالث: ألا يكون من قبيل ما يعدّ الاشتغال بمثله ضربًا من العبث وضياع الوقت والجهد. ولا شك أننا بأي حال لا يجوز لنا الأخذ عن بني إسرائيل، فكيف يمكن للصحابة رضوان الله عليهم وعلى رأسهم ابن عباس أن يكونوا قد أخذوا عن بني إسرائيل (٣). وعرض الكاتب لأسانيد الروايات المتعددة عن ابن عباس، وبين الصحيح منها من السقيم ويسوق أخيرًا بعض النماذج التي ذكرها العلماء لما روي عن ابن عباس في التفسير ويتحدث عن تفسير تنوير المقباس من تفسير ابن عباس، ويذكر أن نسبة هذا التفسير إلى ابن عباس لا قيام لها إلا من الرواية التي ذكرها صاحب الإتقان وقال إنها سلسلة الكذب. وكنا نتمنى أن يتم المؤلف هذا الكتاب، فقد أكثر المؤلف من ذكر المقدمات، التي لا يذكرها أكثر الكاتيين في هذا العصر، كما توسع في كثير من المناقشات، التي كان يمكن أن تذكر بإيجاز على أن هذا الكتاب يقرب من أربعمائة صفحة، وقد وصل فيه المؤلف إلى مرويات ابن عباس ﵄ فلا زال في المرحلة الأولى من مراحل التفسير. جزى الله الكاتب خيرًا على ما كتب.

стр. 33

التفسير ورجاله محمد الفاضل بن عاشور كتيب من القطع الصغير، يقع في (٢٥٢ صفحة) يبدأ المؤلف فيه الحديث عن نشأة التفسير، ويبين فيه أن إجماع الأمة انعقد على أن كل لفظ في القرآن له معناه الإفرادي، وكل كلام له معناه التركيبي وأنه لم يرد في القرآن ما لا معنى له، وذكر أن الحاجة إلى التفسير، إنما هي حاجة عارضة نشأت من سببين الأول: أن القرآن لم ينزل دفعة واحدة وإنما كان نزوله وتبليغه في ظرف زمني متسع جدًّا، والسبب الثاني هو أن دلالات القرآن الأصلية التي هي واضحة بوضوح ما يقتضيه من الألفاظ والتراكيب تتبعها معان تكون دلالة التركيب عليها محل إجمال أو محل إبهام. ويتحدث عن التفسير بالمأثور، ويذكر من اشتهر من الصحابة بالتفسير، وعلى رأسهم ابن عباس ﵄، وعناصر التفسير عند ابن عباس أربعة: أسباب النزول، ومبهم القرآن، واللغة، والأخبار التي لم تجيء عن النبي ﷺ استفادها من الأمم الأخرى كأهل الكتاب، والعنصران الأخيران لا يصح اعتبارهما من التفسير بالمأثور لأن مرجعهما إلى الفهم والمعرفة العامة، ويتحدث الكاتب عن التفسير في عهد التابعين، وكان منهم الموثوق الذي أخذ التفسير عن ابن عباس، وكان هناك من افترى على ابن عباس، ومن هنا طرأ الاختلاط على التفسير بالمأثور فيما ورد عن ابن عباس وما ورد عن غيره ومن هنا قام العلماء بنقد الحديث وبيان الصحيح من السقيم. وقد انبرى أحد الأئمة الثقات من رجال الحديث في القرن الثاني إلى جمع الأخبار المتعلقة بالتفسير في كتاب وهو عبد الملك بن جريج، فكان أول من ألف في التفسير. ويتحدث الكاتب عن بعضه المؤلفين في التفسير بالمأثور وأولهم يحيى بن سلام وتفسيره من أقدم التفاسير الموجودة اليوم على الإطلاق، وهو يعد مؤسس طريقة التفسير النقدي، أو الأثري النظري التي سار عليها الطبري بعده واشتهر بها،

стр. 34

وتفسيره يقع في ثلاثين جزءًا من التجزئة القديمة أي في ثلاث مجلدات ضخمة بني على ذكر الأخبار مسندة وتعقبها بالنقد والاختيار. ويتحدث الكاتب عن الطبري، ويقول: "كان التفسير عندما انتهى إلى الطبري، في أوائل القرن الثالث نهرًا مؤبدًا، ذا ركام ورواسب، قد انصب إلى بحر خضم عباب، فامتزج بمائه وتشرب من عناصره، وصفا إليه من زبده وتطهر لديه من ركامه ورواسبه"، وهذا مثل مضروب لما كان للإمام الطبري الذي كان فقيهًا محدثًا، من رجال التاريخ، شاعرًا نحويًا وبيانيًا، وهو في تفسيره يفصح بيانه عن المعنى المراد من الآية معتمدًا ربط السياق متمسكًا بما يدور عليه المعنى من دلالة المفردات اللغوية على المعاني التي هي مستعملة فيها، ويستشهد بالشعر العربي، ويدعم ذلك بنقل الروايات المأثورة عن الصحابة والتابعين، وقبل ذلك عن رسول الله ﷺ ، وهو في ذلك يرجح ويختار قولًا، وبذلك أصبح تفسير الطبري تفسيرًا علميًّا يغلب فيه جانب الأنظار غلبة واضحة على جانب الآثار. وبعد الطبري صار أهل الأثر يعرضون بأهل التأويل -التفسير بالرأي- كما يعرض أهل السنة السلفيون بالمتكلمين أو يعرض الفقهاء أصحاب الحديث لأهل القياس ومن هنا عمد المحدثون إلى الأخبار الصحيحة يتتبعونها ليرجعوا للتفسير بالمأثور حرمته. ويرى الكاتب أن التفسير انشق على نفسه وأصبح أهله شيعتين، تتمسك إحداهما بالتفسير بالمأثور، وتتحرر الأخرى من التزامه حتى تتركه وتطعن فيه، ومن هنا قيض الله تعالى الإمام البخاري لينقي الحديث الصحيح الثابت من غيره، وقد مكن الإمام البخاري بصنيعه هذا للشيعتين من أهل التفسير: شيعة الآثار وشيعة الأنظار بسبب تقارب، ومهد لهم الطريق، إذ حصر الأحاديث المعتد بها في التفسير، وحكم على ما وراءها بالطرح، وبذلك اتسع مجال النظر والتأويل وضاق مجال الأثر والنقل، وقد مكن هذا الوضع لكثيرين أن يتذرعوا إلى الحط من شأن

стр. 35

الطريقة الأثرية، ولا شك في أن للأصول التي لْكون عليها مذهب المعتزلة تأثيرًا قويًّا في دفع التفسير العلمي في وجهته قدما يصادم به التفسير بالمأثور وينال منه، فإن من أصولهم تأويل متشابه القرآن الذي كان يمسك عن تأويله مذهب أهل السنة، ومن هنا جاء الارتباط الظاهر بين نشأة التفسير النظري وبلوغه أشده ولين مذهب الاعتزال، فقد كان الموغلون في التفسير العلمي من معاصري الطبري وأتباعه من المعتزلة مثل أبي على الجياني، وأبي مسلم الأصفهاني. وينتقل الكاتب للحديث عن نظرية إعجاز القرآن، حيث استقر عند المعتزلة من القرن الثالث على أنها أمر إيجابي، وعندما استقر الكلام السني على قواعد العقيدة الأشعرية في النصف الثاني من القرن الرابع عدل سريعًا إلى تقرير نظرية الإعجاز على نحو ما كان يقررها عليه المعتزلة، وقد حاول الباقلاني أن يفصل ما أجمله العلماء في إعجاز القرآن ببلاغته، ولكنه لم يستطع أن يفصح عن معنى البلاغة وحقائق أبوابها، فجاء عبد القاهر ليتم ما بدأه الباقلاني، فكان كتابه العجيب دلائل الإعجاز، الذي وضع فيه نظرية النظم وبذلك فتح باب بيان الوجه البلاغي المعجز للتركيب القرآني، وقد ولج هذا الباب الزمخشري وابن عطية في تفسيريهما. ويتحدث الكاتب عن الكشاف ويقارن بينه وبين تفسير ابن عطية، فابن عطية مغربي تمكن من الرجوع إلى مصادر لم تكن في تناول الزمخشري، أهمها تفسير المهدوي، والزمخشري مشرقي، وابن عطية سني والزمخشري معتزلي، والاختلاف بينهما في تأويل متشابه القرآن ابكريم، والفرق الثالث بينهما أن ابن عطية كان مالكيًا والزمخشري حنفيًا. ويتحدث الكاتب عن الرازي الذي جعل غايته أن يضع القرآن الكريم موضع الدراسة والبحث والتحليل، على منهج يرى تفوق الحكمة القرآنية على سائر الطرائق الفلسفية وانفرادها بهداية العقول البشرية إلى غايات الحكمة من طريق العصمة. ومن التفاسير التي تحدث عنها تفسير البيضاوي حيث اتبع في تفسيره منهج

стр. 36

الاختصار ودقة التعبير والتزام المصطلح العلمي والإشارة إلى ما يتفرع عن التعبير من معان يكتفى بحضورها في الذهن عن ذكرها، ثم تؤخذ مباني لما يأتي به التعبير بعدها. لقد عظم صيت الكتاب إذ وجد فيه الناس الضالة المنشودة من التفسير العلمي على الطريقة التحليلية اللفظية التي عظمت بها من قبل شهرة الكشاف، فقد روج التفسير الكشاف بأن مشى معه فيما يحبّب الناس فيه، وخلص منه ما كان ينفرهم منه. ويتحدث الكاتب عن بعض التفاسير مثل تفسير ابن عرفة الذي اشتهر في الأندلس وسلك مسلك الجمع والتحليل والإملاء، فتتلى الآية أو الآيات بين يديه ثم يأخذ معناها بتحليل التراكيب وإيراد كلام أئمة اللغة أو النحو على معاني المفردات ومفاد التراكيب، منشدًا على ذلك الشواهد وموردًا الأمثال والأحاديث وهذا التفسير لم يتولَ ابن عرفة بنفسه كتابته، ولكن طلبته هم الذين كتبوه. وينتقل للحديث عن تفسير أبي السعود وتفسير الآلوسي، فأبو السعود قد جمع بين تفسير الزمخشري وبين تفسير البيضاوي، ولكنه جاء بتحرير محكم وبيان دقيق وسبك متين، فتلقفه الناس بإعجاب وتقدير، وتفسير الآلوسي جاء جامعًا لأصناف التفاسير كلها، التفاسير العلمية السنية، والتفاسير العلمية الشيعية، والتفاسير الصوفية، جامعًا إلى ذلك الاعتناء بالفقه وآداب العربية من نحو وبلاغة، حيث اهتم بالمفردات والتراكيب، موردًا الآراء والحجج مناقشًا لها. ويختم كتابه بالحديث عن نهضة الإسلام في العصر الحديث، والإصلاح الديني على يد جمال الدين الأفغاني والشيخ محمد عبده، والشيخ محمد رشيد رضا بإيجاز. ذلكم هو كتاب ابن عاشور ﵀ وسبحان الله الذي من آياته اختلاف الألسنة والألوان والأمزجة والأساليب، وإذا كنا قد رجونا من قبل أن لا يسهب بعض الكاتبين في كتبهم، فنحن نرجو هنا أن يكون ابن عاشور ﵀ قد فصّل وأن يتجنب الاختصار والابتسار، والحق أن كتابة الرجل كانت تمتاز بالدقة العلمية والإنصاف، ولم تكن سطحية ساذجة، فرحم الله ابن عاشور، ورحم الله أباه، وجزاهما عن كتاب الله خيرًا.

стр. 37

الفكر الديني في مواجهة العصر الدكتور عفت الشرقاوي هذا الكتاب يُعنى بدراسة تحليلية لاتجاهات التفسير في العصر الحديث، يبتدئه بالحديث عن التفسير في مواجهة العصر، فيتحدث عن مراحل ثلاث للتفسير هي مرحلة التفسير العملي، يتحدث فيها عن التفسير زمن الرسول ﷺ ، وزمن الصحابة رضوان الله عليهم الذي تمثل بتفسيرات ابن عباس الذي كان يلتمس التفسير المنقول، ولكنه اتجه اتجاهًا لغويًا بعد رائده في تاريخ التفسير وواضع لبتته الأولى. والمرحلة الثانية مرحلة التأويل النظري، والتي ابتدأت بتفسير الطبري، وكان للمعتزلة في هذه المرحلة جهودهم المتعددة في التفسير، ولكن لم يصلنا من هذه الجهود إلا القليل وقد اتسعت آفاق النص أمام المعتزلة بسب ذوقهم البلاغي، وخصوبتهم الفكرية، والكشاف خير مثال على ذلك. وفي هذه المرحلة كذلك وجد التفسير الصوفي الذي يغالي في الاستنباط والتنقيب على أساس من العاطفة الخاصة التي لا تخضع لمنطق عام. ومن الكتب التي ميزت هذه المرحلة تفسير الرازي الذي يبدو فيه لعلم الكلام أهمية خاصة، حيث تتشقق المسائل فيه وتتنوع في براعة عظيمة اكتسبها التفسير من النشاط الكلامي الذي بلغ قمته في هذا العصر. وتأتي المرحلة الثالثة وهي مرحلة الركود، حيث ألفت كتب خلال العصر المغولي والعصر العثماني لا تزيد على تلخيض لجهد سابق، أو شرح، أو تعليق عليه، حتى انحدر النشاط التفسيري إلى مستوى الترديد. والوقوف عند تكرار المنقول، ومن تفاسير هذه المرحلة تفسير الخازن، والبغوي، والدر المنثور للسيوطي. هذا هو الفصل الأول من الكتاب (١).

стр. 38

أما الفصل الثاني فقد جعله للحديث عن التفسير الحديث بين أيدي الباحثين. عرض فيه لجهود بعض الكاتبين في مذاهب التفسير ومن ذلك ما كتبه جولد زيهر في كتابه مذاهب التفسير الإسلامي وما كتبه محمد حسين الذهبي في كتابه التفسير والمفسرون، وج: جومييه في كتابه تفسير المنار والشيخ طنطاوي جوهري في تفسيره الجواهر، وج يالجون في كتابه تفسير القرآن في العصر الحديث. أما الفصل الثالث فيعقده للحديث عن بواكير العالم الإسلامي وقضية التفسير، يحاول فيه دراسة الجانب الإيجابي من جهد المفكر المسلم المعاصر، ولذا فإنه سيقف في دراسته عند حدود تلك الجماعة التي حاولت الانتفاع بالجديد في حل مشكلات المجتمع المسلم الحديث، أما أولئك الرافضون لكل جديد باسم الحفاظ على القديم فلن يعنى بهم، ومن هؤلاء المفكرين الذين انتفعوا بالجديد في حل المشكلات جمال الدين الأفغاني، الذي يعد بحق أول مفسر في العصر الحديث. وفي الفصل الرابع يذكر أن التفسير الحديث قد أدى دورًا رئيسًا في الخدمة الاجتماعية بمعناها الواسع في مصر الحديثة ويرى الكاتب أن أيّ نهضة إنما هي في الحقيقة صدى لتجديد حقيقي يخلص الدين من زيف أضافته إليه عصور الانحطاط، ولا يستطيع منصف أن يتصور النهضة الأوروبية الحديثة من غير إصلاح ديني .. ولقد عرف العالم الإسلامي ما يشبه هذه النهضة في العصر الحديث، فارتبطت الحركة الإصلاحية بالتجديد الديني في كل مكان من العالم الإسلامي على تفاوت معنى التجديد، فكانت الحركة الأحمدية، لأحمد خان وحركة غلام أحمد (١) وحركة الوهابيين، والحركة المهدية في السودان وحركة المنار في مصر، بل إن

стр. 39

النهضة الحديثة في العالم الإسلامي تتجه أيضًا إلى التراث الماضي تحققه وتدرسه، وتزيل عنه غبار ركود طويل، ويتحدث الكاتب عن تعريف الدين. ويذكر أنه عند المسلمين لا يقف عند العقيدة، بل إنه يتجاوز ذلك إلى التشريع المنظم. إن حركات النهضة ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالتجديد الديني، لأن الدين في جوهره ثورة على الخضوع لغير الحق، ومن هنا فإن تاريخ التفسير يؤكد أن النص القرآني كان هو الأساس القوي الذي حاول المصلحون أو مدعو الإصلاح دعم موقفهم به، فقد واجه المفسرون ما ذهب إليه الزنادقة والملحدون، مستخدمين النص القرآني في الرد عليهم. وفي الفصل الخامس يتحدث عن الاتجاه الاجتماعي في التفسير وهو أحد الاتجاهات الواضحة والمبكرة في حركة التفسير في العصر الحديث، وهذا يدعو لعرض أهم القضايا الاجتماعية التي شغلت المفسرين في هذا العصر، ومن أهم هذه القضايا: التمدن الإسلامي، السياسة، الإصلاح الاجتماعي وهي قضايا متداخلة تلتقي في أكئر الأحيان حتى ليصعب التحديد الواضح بينها، ويتحدث عن موقف المفسرين تجاه هذه القضايا ويرى أن المفسر الحديث لم يتردد في قبول بعض الوسائل المادية المجلوبة من الغرب، ولكنه وقف طويلًا إزاء كثير من القيم المعنوية الجديدة محللًا ناقدًا، أو محاربًا مدافعًا، أو مناديًا داعيًا، فكان ذلك مؤذنًا بقضية (فتح باب الاجتهاد. في التفسير الحديث)، والمطالبة بفتح باب الاجتهاد إنما هي روح العصر التي أملت هذا الاتجاه على أكثر من مفسر في أكثر من بلد إسلامي، ويتحدث عن موقف بعض المفسرين المحدثين من هذه القضية. التفسير وروح المدنية: يذكر الكاتب أن المفسر الحديث يحاول تبني المثل العليا التي يدين بها المجتمع المعاصر، لأن هذه إنما هي قيم إسلامية كبيرة، إن مهمة المفسر أن يخلص القيم من آثار الزيف المتراكم ليثبت صلاحية الإسلام والمسلمين، وذلك أن الإسلام لا

стр. 40

يتعارض وقيم المدنية الحديثة، بل إنه يسايرها ويتفق معها وأكثر من ذلك فإنه يخلصها من آفاتها التي تكاد تنتهي إلى تدمير الإنسان ذاته، وفي التفسير الحديث حقيقتان كبيرتان وقف عندهما المفسوون، لأنهما مصدران أصيلان لتجديد الفكر الديني في مواجهة المدنية الحديثة هما العلم والحرية، ويعرض الكاتب لجهود المفسربن في ذلك، ويرى أن المفسر الحديث لا يترك مناسبة تتصل بالاتجاهات العلمية الحديثة من غير أن يحاول الكشف عن دعوة القرآن إلى العلم وحثه عليه، ولقد تحدثوا كذلك عن قضية المساواة، ووضحوا موقف القرآن منها، وموقف القرآن من الرقيق وردوا على من يزعم أن القرآن قد شرع الرق، أو ضربه على فئة من الناس أو جنس من الأجناس، فالإسلام نادى بالمساواة ودعا إلى تكريم الإنسان وهذه هي الحرية السياسية، وبينوا موقف الإسلام من الحرية الفكرية والدينية، وحرية المسكن وحصانته وحرمته، وتحدثوا عن موقف القرآن من إرادة الإنسان. ترجمة معاني القرآن: أثارت قضية ترجمة القرآن جدلًا شديدًا، فإذا كانت نصوص القرآن تؤكد صلاحية الإسلام لكل عصر ومصر، فإن كل هذا يحتم على المسلمين أن يقوموا بكتابة ترجمة للقرآن أو لمعانيه إلى لغات العالم. ويتحدث الكاتب عن الترجمة الحرفية. والترجمة التفسيرية للقرآن، وموقف علماء الأزهر منهما، والكاتب مع صاحب المنار في استحالة الترجمة الحرفية للقرآن الكريم، لأن استبدال كلمة واحدة بأخرى مرادفة يفقد النص جانبًا من أصالته وإعجازه. التفسير ومشكلاته السياسية: يرى الكاتب أن المفسرين كان لهم نشاط في القضايا السياسية، حيث عرضوا لبعض القضايا المهمة ومنها:
следующие страницы →