← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 145333

التفسير والمفسرون في العصر الحديث - فضل عباس

فضل حسن عباس

Полный текст (1 925 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

الاختصار ودقة التعبير والتزام المصطلح العلمي والإشارة إلى ما يتفرع عن التعبير من معان يكتفى بحضورها في الذهن عن ذكرها، ثم تؤخذ مباني لما يأتي به التعبير بعدها. لقد عظم صيت الكتاب إذ وجد فيه الناس الضالة المنشودة من التفسير العلمي على الطريقة التحليلية اللفظية التي عظمت بها من قبل شهرة الكشاف، فقد روج التفسير الكشاف بأن مشى معه فيما يحبّب الناس فيه، وخلص منه ما كان ينفرهم منه. ويتحدث الكاتب عن بعض التفاسير مثل تفسير ابن عرفة الذي اشتهر في الأندلس وسلك مسلك الجمع والتحليل والإملاء، فتتلى الآية أو الآيات بين يديه ثم يأخذ معناها بتحليل التراكيب وإيراد كلام أئمة اللغة أو النحو على معاني المفردات ومفاد التراكيب، منشدًا على ذلك الشواهد وموردًا الأمثال والأحاديث وهذا التفسير لم يتولَ ابن عرفة بنفسه كتابته، ولكن طلبته هم الذين كتبوه. وينتقل للحديث عن تفسير أبي السعود وتفسير الآلوسي، فأبو السعود قد جمع بين تفسير الزمخشري وبين تفسير البيضاوي، ولكنه جاء بتحرير محكم وبيان دقيق وسبك متين، فتلقفه الناس بإعجاب وتقدير، وتفسير الآلوسي جاء جامعًا لأصناف التفاسير كلها، التفاسير العلمية السنية، والتفاسير العلمية الشيعية، والتفاسير الصوفية، جامعًا إلى ذلك الاعتناء بالفقه وآداب العربية من نحو وبلاغة، حيث اهتم بالمفردات والتراكيب، موردًا الآراء والحجج مناقشًا لها. ويختم كتابه بالحديث عن نهضة الإسلام في العصر الحديث، والإصلاح الديني على يد جمال الدين الأفغاني والشيخ محمد عبده، والشيخ محمد رشيد رضا بإيجاز. ذلكم هو كتاب ابن عاشور ﵀ وسبحان الله الذي من آياته اختلاف الألسنة والألوان والأمزجة والأساليب، وإذا كنا قد رجونا من قبل أن لا يسهب بعض الكاتبين في كتبهم، فنحن نرجو هنا أن يكون ابن عاشور ﵀ قد فصّل وأن يتجنب الاختصار والابتسار، والحق أن كتابة الرجل كانت تمتاز بالدقة العلمية والإنصاف، ولم تكن سطحية ساذجة، فرحم الله ابن عاشور، ورحم الله أباه، وجزاهما عن كتاب الله خيرًا.

стр. 37

الفكر الديني في مواجهة العصر الدكتور عفت الشرقاوي هذا الكتاب يُعنى بدراسة تحليلية لاتجاهات التفسير في العصر الحديث، يبتدئه بالحديث عن التفسير في مواجهة العصر، فيتحدث عن مراحل ثلاث للتفسير هي مرحلة التفسير العملي، يتحدث فيها عن التفسير زمن الرسول ﷺ ، وزمن الصحابة رضوان الله عليهم الذي تمثل بتفسيرات ابن عباس الذي كان يلتمس التفسير المنقول، ولكنه اتجه اتجاهًا لغويًا بعد رائده في تاريخ التفسير وواضع لبتته الأولى. والمرحلة الثانية مرحلة التأويل النظري، والتي ابتدأت بتفسير الطبري، وكان للمعتزلة في هذه المرحلة جهودهم المتعددة في التفسير، ولكن لم يصلنا من هذه الجهود إلا القليل وقد اتسعت آفاق النص أمام المعتزلة بسب ذوقهم البلاغي، وخصوبتهم الفكرية، والكشاف خير مثال على ذلك. وفي هذه المرحلة كذلك وجد التفسير الصوفي الذي يغالي في الاستنباط والتنقيب على أساس من العاطفة الخاصة التي لا تخضع لمنطق عام. ومن الكتب التي ميزت هذه المرحلة تفسير الرازي الذي يبدو فيه لعلم الكلام أهمية خاصة، حيث تتشقق المسائل فيه وتتنوع في براعة عظيمة اكتسبها التفسير من النشاط الكلامي الذي بلغ قمته في هذا العصر. وتأتي المرحلة الثالثة وهي مرحلة الركود، حيث ألفت كتب خلال العصر المغولي والعصر العثماني لا تزيد على تلخيض لجهد سابق، أو شرح، أو تعليق عليه، حتى انحدر النشاط التفسيري إلى مستوى الترديد. والوقوف عند تكرار المنقول، ومن تفاسير هذه المرحلة تفسير الخازن، والبغوي، والدر المنثور للسيوطي. هذا هو الفصل الأول من الكتاب (١).

стр. 38

أما الفصل الثاني فقد جعله للحديث عن التفسير الحديث بين أيدي الباحثين. عرض فيه لجهود بعض الكاتبين في مذاهب التفسير ومن ذلك ما كتبه جولد زيهر في كتابه مذاهب التفسير الإسلامي وما كتبه محمد حسين الذهبي في كتابه التفسير والمفسرون، وج: جومييه في كتابه تفسير المنار والشيخ طنطاوي جوهري في تفسيره الجواهر، وج يالجون في كتابه تفسير القرآن في العصر الحديث. أما الفصل الثالث فيعقده للحديث عن بواكير العالم الإسلامي وقضية التفسير، يحاول فيه دراسة الجانب الإيجابي من جهد المفكر المسلم المعاصر، ولذا فإنه سيقف في دراسته عند حدود تلك الجماعة التي حاولت الانتفاع بالجديد في حل مشكلات المجتمع المسلم الحديث، أما أولئك الرافضون لكل جديد باسم الحفاظ على القديم فلن يعنى بهم، ومن هؤلاء المفكرين الذين انتفعوا بالجديد في حل المشكلات جمال الدين الأفغاني، الذي يعد بحق أول مفسر في العصر الحديث. وفي الفصل الرابع يذكر أن التفسير الحديث قد أدى دورًا رئيسًا في الخدمة الاجتماعية بمعناها الواسع في مصر الحديثة ويرى الكاتب أن أيّ نهضة إنما هي في الحقيقة صدى لتجديد حقيقي يخلص الدين من زيف أضافته إليه عصور الانحطاط، ولا يستطيع منصف أن يتصور النهضة الأوروبية الحديثة من غير إصلاح ديني .. ولقد عرف العالم الإسلامي ما يشبه هذه النهضة في العصر الحديث، فارتبطت الحركة الإصلاحية بالتجديد الديني في كل مكان من العالم الإسلامي على تفاوت معنى التجديد، فكانت الحركة الأحمدية، لأحمد خان وحركة غلام أحمد (١) وحركة الوهابيين، والحركة المهدية في السودان وحركة المنار في مصر، بل إن

стр. 39

النهضة الحديثة في العالم الإسلامي تتجه أيضًا إلى التراث الماضي تحققه وتدرسه، وتزيل عنه غبار ركود طويل، ويتحدث الكاتب عن تعريف الدين. ويذكر أنه عند المسلمين لا يقف عند العقيدة، بل إنه يتجاوز ذلك إلى التشريع المنظم. إن حركات النهضة ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالتجديد الديني، لأن الدين في جوهره ثورة على الخضوع لغير الحق، ومن هنا فإن تاريخ التفسير يؤكد أن النص القرآني كان هو الأساس القوي الذي حاول المصلحون أو مدعو الإصلاح دعم موقفهم به، فقد واجه المفسرون ما ذهب إليه الزنادقة والملحدون، مستخدمين النص القرآني في الرد عليهم. وفي الفصل الخامس يتحدث عن الاتجاه الاجتماعي في التفسير وهو أحد الاتجاهات الواضحة والمبكرة في حركة التفسير في العصر الحديث، وهذا يدعو لعرض أهم القضايا الاجتماعية التي شغلت المفسرين في هذا العصر، ومن أهم هذه القضايا: التمدن الإسلامي، السياسة، الإصلاح الاجتماعي وهي قضايا متداخلة تلتقي في أكئر الأحيان حتى ليصعب التحديد الواضح بينها، ويتحدث عن موقف المفسرين تجاه هذه القضايا ويرى أن المفسر الحديث لم يتردد في قبول بعض الوسائل المادية المجلوبة من الغرب، ولكنه وقف طويلًا إزاء كثير من القيم المعنوية الجديدة محللًا ناقدًا، أو محاربًا مدافعًا، أو مناديًا داعيًا، فكان ذلك مؤذنًا بقضية (فتح باب الاجتهاد. في التفسير الحديث)، والمطالبة بفتح باب الاجتهاد إنما هي روح العصر التي أملت هذا الاتجاه على أكثر من مفسر في أكثر من بلد إسلامي، ويتحدث عن موقف بعض المفسرين المحدثين من هذه القضية. التفسير وروح المدنية: يذكر الكاتب أن المفسر الحديث يحاول تبني المثل العليا التي يدين بها المجتمع المعاصر، لأن هذه إنما هي قيم إسلامية كبيرة، إن مهمة المفسر أن يخلص القيم من آثار الزيف المتراكم ليثبت صلاحية الإسلام والمسلمين، وذلك أن الإسلام لا

стр. 40

يتعارض وقيم المدنية الحديثة، بل إنه يسايرها ويتفق معها وأكثر من ذلك فإنه يخلصها من آفاتها التي تكاد تنتهي إلى تدمير الإنسان ذاته، وفي التفسير الحديث حقيقتان كبيرتان وقف عندهما المفسوون، لأنهما مصدران أصيلان لتجديد الفكر الديني في مواجهة المدنية الحديثة هما العلم والحرية، ويعرض الكاتب لجهود المفسربن في ذلك، ويرى أن المفسر الحديث لا يترك مناسبة تتصل بالاتجاهات العلمية الحديثة من غير أن يحاول الكشف عن دعوة القرآن إلى العلم وحثه عليه، ولقد تحدثوا كذلك عن قضية المساواة، ووضحوا موقف القرآن منها، وموقف القرآن من الرقيق وردوا على من يزعم أن القرآن قد شرع الرق، أو ضربه على فئة من الناس أو جنس من الأجناس، فالإسلام نادى بالمساواة ودعا إلى تكريم الإنسان وهذه هي الحرية السياسية، وبينوا موقف الإسلام من الحرية الفكرية والدينية، وحرية المسكن وحصانته وحرمته، وتحدثوا عن موقف القرآن من إرادة الإنسان. ترجمة معاني القرآن: أثارت قضية ترجمة القرآن جدلًا شديدًا، فإذا كانت نصوص القرآن تؤكد صلاحية الإسلام لكل عصر ومصر، فإن كل هذا يحتم على المسلمين أن يقوموا بكتابة ترجمة للقرآن أو لمعانيه إلى لغات العالم. ويتحدث الكاتب عن الترجمة الحرفية. والترجمة التفسيرية للقرآن، وموقف علماء الأزهر منهما، والكاتب مع صاحب المنار في استحالة الترجمة الحرفية للقرآن الكريم، لأن استبدال كلمة واحدة بأخرى مرادفة يفقد النص جانبًا من أصالته وإعجازه. التفسير ومشكلاته السياسية: يرى الكاتب أن المفسرين كان لهم نشاط في القضايا السياسية، حيث عرضوا لبعض القضايا المهمة ومنها:

стр. 41

- الصراع ضد الأجنبي. - مسألة نظام الحكم. - قضية الوحدة. ويرى أن الاتجاه السياسي في التفسير كان بشير الجهود الجديدة في تفسيرهم، وكل ما نجد بعد ذلك من نزعات اجتماعية في سنوات تالية، إنما كان مسبوقًا بهذا الوعي الشديد في مكافحة المستعمر، ويبدو أن إدراك الأمة لمشكلتها السياسية أسبق من إدراكها لمشكلتها الاجتماعية، بل إن الملامح المبكرة للاتجاه الاجتماعي في التفسير كانت سياسية الطابع .. ولقد كان جمال الدين رائدًا لهذا الاتجاه فقد كان يؤمن بضرورة الدين للمجتمع، وقد عاب على المسلمين تخاذلهم في مقاومة الاستعمار الإنجليزي .. ومن ثم صار هدف الحركات الإسلامية حيث آثروا أن يباشروا حركة الإصلاح وتربية الأمة في الداخل، قبل الولوج بها في الصراع العسكري وتأثروا في ذلك بمحمد عبده، ويتحدث عن مواقف المفسرين على تعدد جنسياتهم تجاه هذه القضايا السياسية. التفسير والإصلاح الاجتماعي: لقد ارتبطت حركة الإصلاح الاجتماعي في كل مجتمع إسلامي بحركة التجديد الديني التي تعاود الرجعة إلى تراثنا الأصيل، ويتحدث الكاتب في هذا الفصل عما يتصل بقضية الإصلاح من الجانب الفردي والعملي، ويقف عند ثلاث مسائل كانت تشغل جانبًا من جهود المفسرين في هذا الصدد وهي قضية المرأة، ومسألة الإصلاح الاقتصادي، والجانب التهذيبي. وقد تحدث الكاتب عن قضية تحرر المرأة وسفورها وقضية التعدد والطلاق. وموقف المفسرين من هذه القضايا وفي مسألة الإصلاح الاقتصادي تحدث عن عناية المفسرين بتنمية المال وقيمته، ومحاولتهم تصحيح المفهوم الأولى لحقيقة

стр. 42

المال كما يصورها القرآن الكريم، وتحدث عن الملكية والصراع الذي يدور بين النظامين الشيوعي والرأسمالي. وفي ختام الحديث عن التفسير الاجتماعي يذكر الكاتب أن جهد المفسر المحدث، إنما كان في اختيار رأي من جملة الآراء التي كان المفسر القديم يحشدها دون ترجيح في أغلب الأحيان. لقد كان اختيار الفكرة من بين عديد من الأفكار التي يقدّمها المفسر القديم وترجيح هذا الاختيار بالتعليل الواضح، وتطبيق فكرة النص على ملابسات العصر الحديث عمل المفسر الحديث ويسجل الكاتب للمفسرين المحدثين بعثهم للمفهوم الاجتماعي للدين بعد أن عاش المسلمون قرونًا يباعدون بين الدين والحياة (١). الاتجاه الأدبي في التفسير الحديث: يذكر الكاتب أن حركة التفسير في العالم الإسلامي شهدت إلى جانب النشاط الاجتماعي اتجاهًا آخر أوسع آفاقًا هو الاتجاه الأدبي الذي يتناول القرآن باعتباره الفن العربي الأقدس محللًا وجوه الإعجاز البياني للنص، وتحدث عن المعجزة وطبيعتها، وعن القرآن وطبيعة الإعجاز ومن القضايا الكبرى في التفسير الأدبي الحديث، القصة القرآنية، ويعرض لرسالة الفن القصصي لمحمد خلف الله، ويتحدث عن المنهج المقارن في تفسير القصة القرآنية، ويعني بذلك مقارنة القصة القرآنية مع القصة في التوراة كما فعل مالك بن نبي في الظاهرة القرآنية حيث عقد مقارنة بين القرآن الكريم وبين التوراة في قصة يوسف ﵊. ومن قضايا الاتجاه الأدبي، التفسير البياني للقرآن الكريم، والتفسير الموضوعي، والتفسير النفسي، فقد ذكر بعض الباحثين أن قضية الإعجاز الأدبي

стр. 43

للقرآن إنما تفهم على وجهها الصحيح إذا اتصل تفسير هذا الإعجاز بفهم عالم النفس البشرية (فالقرآن قد راعى قواعد نفسية عن مظاهر الاعتقاد ومسارب الانفعال ونواحي التأثير وجوانب الانقياد) فالنظر النفسي يهدي المفسر الحديث إلى تعليل صحيح للإعجاز. التفسير العلمي للقرآن أو علم الكلام الجديد: ويختم كتابه بهذا الفصل الذي يتحدث فيه عن الإعجاز العلمي ويذكر آراء العلماء في التفسير العلمي. وقد انقسم العلماء في بيان موقف القرآن من العلم قسمين. قسم يأخذ بتحكيم المصطلح العلمي في التفسير، وحمل العبارة القرآنية على وجه يطابق ما وصلت إليه علوم العصر، والقسم الثاني ينكر هذا الاتجاه ويفرق بين الحقيقة الدينية والنتائج العلمية. ويذكر أن الاتجاه نحو التفسير العلمي يتزايد مع الزمن ويلقى رواجًا بين القراء. (إن الجهود الجديدة في التفسير تكشف عن الآفاق الواسعة، التي يمكن أن يمتد إليها تفسير النص القرآني في شتى المجالات، وكلما تقدمت مباحث الاجتماع والآداب والعلم كشفت عن جوانب جديدة للنص لا تنتهي عند حد مما يؤكد أن النص القرآني نص خصيب خالد متجدد ثري). هذا عرض موجز لما ورد في كتاب الدكتور عفت الشرقاوي. وأصل هذا الكتاب رسالة ماجستير، هي "اتجاهات التفسير في العصر الحديث في مصر" والموضوعات التي طرقها الكاتب -كما رأينا- موضوعات تكاد تكون عامة، فهي بعيدة عن كثير من القضايا العلمية التي تتصل باللغة والأحكام والعقيدة، ومع هذا فلقد أسهم الكتاب والكاتب بما لا ينكر في تاريخ التفسير في العصر الحديث، لكن عدم تضلع الكاتب في القضايا الشرعية كان له أثر في عدم استيفاء كثير من الموضوعات.

стр. 44

اتجاهات التجديد في تفسير القرآن الكريم في مصر الدكتور محمد إبراهيم الشريف يقع الكتاب فيما يقرب من ثمانمائة صفحة، جعله كاتبه في ثلاثة أبواب: الباب الأول، تمهيدات على طريق الدراسة: احتوى فصولًا ثلاثة: الفصل الأول: مصطلحات وقضايا تفسيرية وفيه يتحدث الكاتب عن موقف العلماء والمفسرين من الغزو الفكري، فمنهم الطامعون بالسلطة الذين استجابوا لمخططات الاستعمار ومنهم الثابتون الذين نهضوا لفضح مخططات الاستعمار ومقاومتها. وتحدث عن موقف المفسر الحديث وتأثره إلى حد ما بعلائق ورواسب من تلك البدع والفلسفات، فالمفسر الحديث لم يتردد في قبول بعض الوسائل المادية الغربية لكنه وقف إزاء كثير من القيم المعنوية الجديدة محللًا ناقدًا أو محاربًا مدافعًا، فكان ذلك مؤذنًا. بفتح باب الاجتهاد في التفسير الحديث. ويفرق المؤلف بين الاتجاه والمنهج، فيرى أن الاتجاه: مجموعة الآراء والأفكار والنظرات والمباحث التي تشيع في عمل فكري بصورة أوضح من غيرها وتكون غالبة على ما سواها، ويحكمها إطار نظري أو فكرة كلية تعكس بصدق مصدر الثقافة التي تأثر بها صاحب التفسير ولونت تفسيره بلونها، ويمثل لذلك باتجاهي التفسير المأثور والتفسير بالرأي، ويذكر أن الاتجاه الواحد قد يصطبغ بصبغة الحديث أو اللغة أو الفقه أو غير ذلك. أما المنهج فهو الطريقة التي يسلكها كل مفسر فقد كانت لكل منهم طريقة خاصة ذاتية، بحيث يمكن القول باعتبار ما إن مناهج التفسير تتنوع وتثعدد بتنوع وتعدد المفسرين أنفسهم، فلكل منهم مسلك خاص". ويبين أن طريقة المفسر كانت هي الطريقة التقليدية بتتبع آيات القرآن حسب

стр. 45

ترتيبها في المصحف، لكن كل مفسر كان له مسلك معين في عرض الآيات وتفسير المفردات، وبيان علاقة بعضها ببعض وما ورد حولها من آثار وما تحمله من دلالات وأحكام، والعصر الحديث أبرز إشكالات معينة وطرقا جديدة تختلف عن الطريقة التقليدية في تتبع الآيات، ومن هذه الأشكال: المنهج الموضوعي، والمنهج التقليدي الموضوعي، ومنهج المقال التفسيري وهذه المناهج ساعدت على ظهور اتجاهات جديدة في التفسير. والفصل الثاني يتحدث فيه المؤلف عن التفسير المصري الحديث عند الدارسين، وقد جعله في مبحثين الأول عند المستشرقين، والثاني عند المسلمين، وقد تناول في المبحث الأول ثلاث دراسات المستشرقين: جولد زيهر في كتابه. مذاهب التفسير الإسلامي، وج: جومييه في كتابيه: تفسير المنار والشيخ طنطاوي جوهري، وج: بالجون في كتابه تفسير القرآن في العصر الحديث وقد أسفرت دراساتهم عن مجموعة من النتائج أهمها: ١ - اتهام جهود التفسير الحديث بالجمود والتعصب المذهبي ورميها بالتعلق بأهداب الماضي وانعدام روح التجديد فيها. ٢ - الغض من قيمة هذه الجهود، ومحاولة إظهار ما فيها من عيوب. ٣ - تحديد مفهوم التجديد بما يخدم أغراضهم ويوافق أهدافهم من تدمير للقيم وإفساد للفكر الإسلامي الأصيل. أما المبحث الثاني، فتحدث الكاتب فيه عن كتاب (التفسير والمفسرون) للذهبي، وقد عرضنا عند حديثنا عنه لما ذكره الدكتور محمد الشريف عنه، ومن الكتب التي تناولها بالبحث: كتاب اتجاه التفسير في العصر الحديث لمصطفى الطير، الذي يجعل كل اتجاهات التفسير اتجاهًا واحدًا، ويقتصر على الدراسات المصرية الحديثة، ومفهوم التجديد عنده إنما هو في أسلوب العرض،

стр. 46

ويتحدث عن كتاب الفكر الديني في مواجهة العصر، للدكتور عفت شرقاوى ويرى أن هذه الدراسة الوحيدة التي نجحت في اكتشاف الأشكال الفنية التي ظهرت في مناهج التفسير المصري ونبهت عليها، ثم تناول المؤلف في الفصل الثالث ثلاث دراسات أخرى باعتبارها أعمالًا جزئية هي منهج الإمام محمد عبده في تفسير القرآن الكريم للدكتور عبد الله شحاتة، والتفسير ورجاله للشيخ محمد الفاضل بن عاشور، واتجاهات التفسير في العصر الراهن للدكتور المحتسب. الباب الثاني: التجديد التفسيري وبذوره في مدرسة المنار ويتحدث في الفصل الأول من هذا الباب عن حقيقة التجديد وهي تعني تغيير الصورة التي ألفها المسلمون وغيرهم عن دينهم وتطهيره من أدناس وقيم أنظمة أخرى علقت به وتحكمت في المسلمين طويلًا، والعود بهم سريعًا إلى خط الإسلام الواضح ونظامه المقرر في نظرته إلى الحياة الإنسانية وتصوره المعين للإنسان والكون الذي يعيش فيه، ويبين المؤلف صعوبة التجديد وذلك لأن واقع المسلمين المتخلف ليس من الإسلام في شيء ولكنه عوارض لاحقة بالمسلمين أحدثها عدو خبيث أو صديق جاهل، وأن النظم غير الإسلامية لم تمثل بين يدي المسلمين على حقيقتها بل واجهمت الناس لابسة قناع الإسلام، ويتحدث الكاتب عن ضرورة التجديد، ومن دواعي هذا التجديد أولًا: مناهضة الدعوات القائمة ضد الأديان والإسلام خاصة، والتي لم تعدم لها أنصارًا ودعاة من أبناء المسلمين أنفسهم، وثانيًا: الفارق الهائل بين الثقافة الغربية في جانبها العقلي المادي والثقافة الإسلامية التي ظلت راكدة طوال الخمسة قرون الأخيرة. وثالثًا: السرعة التي يندقع بها المسلمون في حياتهم نحو الغرب لسد الفجوة الواسعة بينهما. إن النص القرآني هو الأساس القوي الذي ينطلق منه المجددون فهو القاعدة الثقافية المهمة في الحضارة الإسلامية على مر العصور، والرجوع إلى الكتاب والسنة هو عدة الفكر الإسلامي في مراجعة ذاته للتخلص من زيف تضفيه عليه

стр. 47

ظروف تخلف اجتماعي وسياسي، أو لمواجهة ثقافة دخيلة ونحل وافدة. أما حقيقة التجديد في التفسير فهي كما يرى الكاتب استلهام آيات القرآن الكريم للتوجيه والهداية في كل ما يعترض حياتنا مما يمس العقيدة أو الأخلاق أو يدخل في بناء اجتماعنا وسياستنا واقتصادنا، بما يكشف عن وفاء القرآن بحاجة البشرية على أن يكون رائدنا في استلهام النص ألا نفرض عليه ثقافتنا وعلومنا، وللتجديد التفسيري ثلاثة جوانب: الاتجاه الهدائي التوجيهي، والاتجاه العلمي والاتجاه الأدبي، وهناك ثلاثة مناهج أو أشكال تفسيرية جديدة هي التفسير بالمقال، والتفسير الموضوعي، والتفسير التقليدي الموضوعي. ويتحدث الكاتب عن أسس التجديد التفسيري ومنها: احتواء مدلول النص القرآني على حقائق فكر القرون المتطاولة مع مسايرته في خطاب العرب لأحوالهم وأساليب حياتهم وما اعتادوا عليه. ومنها مخاطبة العامة والخاصة بالخطاب الواحد فيفهم كل واحد فهمًا يناسب ذكاءه وقدرته العقلية، ومنها ما يرجع إلى الواقع السّيّء الذي آل إليه المسلمون في القرون الأخيرة، وأسمهم علماؤهم فيه بنصيب وافر، أو يرجع إلى الأصول الشرعية والقواعد الدينية العامة. ويعقد الفصل الثاني ليتحدث فيه عن بذور التجديد الفكرية والمنهجية في مدرسة المنار، ويبين فيه أن الإمام محمد عبده وقف أمام القرآن الكريم يفسره ليجعله صيحة البعث ونور الشروق، وقد جعل هذا التفسير دروسًا يتطرق فيها إلى ما يتصل بالآيات المفسرة من السنن الاجتماعية والأخلاق والعقائد. وبذلك كان تفسيره تفسيرًا عقليًا، وقد كشف الإمام عن كثير من بذور التفسير حيث دعا إلى درس اللغة ألفاظًا وتاريخًا، وإلى درس البيان العربي من مصادره الأولى ليمكن تحصيل الدقة في فهم النص وتفسيره، ولفت إلى دراسة أصول الاجتماع الإنساني ليكون المفسر على علم بأساليب الحياة وأنماط السلوك فيها، ثم العلم بوجه هداية البشر كلهم بالقرآن.

стр. 48

الباب الثالث: اتجاهات التجديد ويتحدث في الفصل الأول عن قضايا الاتجاه الهدائي، ويعرض فيه لفكرة الهداية القرآنية وموقعها عند المفسرين، فمدرسة المنار أسهمت في نهضة الشرق وتخليصه من الوهم والتقليد والضعف- ورأت أن تناول القرآن ينبغي أن يسهم في خلق وعي اجتماعي وثقافي جديد، ويوطئ السبل أمام الحرية الفكرية، هذا وقد حاول أصحاب الاتجاه الهدائي استخلاص وجوه الهداية والعظة حول محتويات السورة القرآنية، ووضعها في مكان خاص بها قبل تفسير السورة القرآنية أو بعده، ومن المؤكد أن المفسر الحديث قد أفاد كثيرًا من منهج القرآن الهدائي وأسلوبه الفريد الذي أحدث به ثورة إنسانية، ومدرسة المنار ترى أن حشر العلوم المادية في التفسير من الصوارف عن هداية القرآن الكريم، ولكن هذا الموقف اهتز وتلاشى تدريجيًا خلال التفسير التطبيقي فهناك عقائد ارتبطت البرهنة عليها بآيات الله الكونية، وقامت حجة القرآن فيها على النظر من ملكوت الله وتعرف أسرار الكون، أما أصحاب الاتجاه العلمي فهم يرون أن الهداية القرآنية تتحقق بسلوك طريق العلم الذي سلكوه، وفسروا على أساسه آيات الله الكريمة، ويستشهدون لذلك بإيمان كثير من العلماء الماديين واقتناعهم بهذا القرآن بعد أن عرفوا سبقه إلى مجالات علمية كثيرة. ويتحدث الكاتب عن ترتيب القرآن، ويعرض لآراء الغربيين الذين يرون أن لو رتب القرآن ترتيبًا تاريخيًا أو منطقيًا أو موضوعيًا على غرار كتبهم المقدسة. ويذكر أن للقرآن ترتيبين أحدهما الترتيب الحالي المعروف بالترتيب التوقيفي والثاني ترتيب النزول الذي يساير حركات النفس الإنسانية وتفاعلها مع الدعوة الجديدة. ويرى أن القرآن بهذين الترتيبين أصبح وحده هو الكتاب الذي يعطيك منهجًا عالميًا جامعًا محكمًا فهو منهج لتأسيس دعوة وأسلوب إقناع بعقيدته وطريقة تبشير وإنذار، ودحض كامل لمنطق الإلحاد، وهو أسلوب حياة وبناء حضارة ودستور للعالم كله.

стр. 49

وعرض الكاتب بعد ذلك لبعض القضايا مبينًا موقف مدرسة المنار منها، ومن هذه القضايا: ١ - الاجتهاد ونقض التقليد ٢ - السياسة والوطن ٣ - العلم. ٤ - الحرية ٥ - الاقتصاد الإسلامي. ويعرض بعد ذلك لأهم محاولات الاتجاه الهدائي، فمن المنهج التقليدي الموضوعي تفسير القرآن الكريم للشيخ شلتوت، ومن المنهج الموضوعي دستور الأخلاق في القرآن الكريم للدكتور محمد عبد الله دراز، ومن المقال التفسيري الدنيا في نظر القرآن لمحمد فريد وجدي. ويتحدث الكاتب عن الاتجاه الأدبي، والشيخ أمين الخولي هو صاحب الدعوة إلى الاتجاه الأدبي، ويتحدث عن منهجه ويذكر بعض المآخذ على ما كتبه ويستعرض بعد ذلك رأي الدكتور دراز في الوحدة العضوية، وموقف الأدبيين في التفسير العلمي الذين يجوزون التفسير على أساس من القواعد العلمية الحديثة المكتشفة في بعض العلوم كعلم النفس وعلم الاجتماع. ويبين المؤلف تحت عنوان الإعجاز القرآني والتفسير النفسي ارتباط الاتجاه الأدبي بمباحث الإعجاز النفسي الذي يقوم على إدراك ما استخدمه القرآن من ظواهر نفسية ونواميس روحية أدار عليها بيانه، مستدلًا وهاديًا ومقنعًا ومجادلًا. ويعرض لأهم محاولات الاتجاه الأدبي، ومنها: في ظلال القرآن لسيد قطب، ومنها العفو في الإسلام لمهدي علام، وأسرار النظم في إعجاز القرآن لمصطفى صادق الرافعي، ويعرض لأهم محاولات الاتجاه العلمي ومنها الجواهر في تفسير القرآن الكريم لطنطاوي جوهري. هذا عرض موجز سريع لكتاب الدكتور محمد إبراهيم الشريف، وهذا الكتاب يكاد يكون مستوعبًا للذين كتبوا عن التفسير من حيث مناهجهم وأساليبهم، ومع ذلك لا يخلو الكتاب من مآخذ، نعرض لها إن شاء الله في هذا الكتاب.

стр. 50

اتجاهات التفسير في العصر الراهن د/ عبد المجيد عبد السلام المحتسب الكاتب بعيد عن قضايا التفسير والمفسرين، بدأت صلته بالتفسير عند تسجيله رسالة الدكتوراه، التي كان موضوعها تفسير أبي حيان، ولم تكن لديه الأصول التي تمكنه من الكتابة عن تفسير أبي حيان، ولا نودّ أن نستطرد في بحث ليس له فائدة، ولا أدل على ما قلته وأقوله من هذا الكتاب الذي نتحدث عنه الآن، اتجاهات التفسير في العصر الراهن، حيث خلط فيه كثيرًا حتى في القضايا البدهية، فتحدث حديثًا يشوبه الهوى، فيه كثير من الخلط ومجانبة الصواب، والنيل من كثير من رجال الأمة. يتحدث مؤلف الكتاب عن اتجاهات التفسير المتعددة، بعد أن يمهد للموضوع بالحديث عن أوضاع المسلمين العامة منذ أوائل القرن التاسع عشر. ومن هذه الاتجاهات: ١ - الاتجاه السلفي، الذي يرتد إلى السلف الصالح من المفسرين القدامى، ويتمثل هذا الاتجاه في تفسير القاسمي المسمى محاسن التأويل، والتفسير الحديث لدروزة، والتفسير القرآني للقرآن لعبد الكريم الخطيب. ٢ - الاتجاه العقلي التوفيقي يوفق بين الإسلام ويين الحضارة الغربية، ويتمثل في تفسير الشيخ محمد عبده. ٣ - الاتجاه العلمي. ولا بد من الإشارة إلى أن هذا الكتاب يحتوي الكثير من الأخطاء العلمية، ذلك لأن كاتبه بعيد عن مجال التفسير كل البعد، ولذلك نجده يخلط بين الاتجاه السلفي وغيره، فهو يعد تفسير الأستاذ دروزة تفسيرًا سلفيًا، ومن أخطاء هذا الكاتب الأخرى:

стр. 51

أ- يذكر أن القاسمي يميل إلى النزعة العلمية في التفسير، حيث ينقل عن أحد أطباء عصره مضار لحم الخنزير، ويعلق بقوله (ولا حاجة للمفسر في الجري وراء ذلك). إن الحديث عن لحم الخنزير ومضاره لا أظنه يصلح للحكم على المفسر بأنه يميل إلى النزعة العلمية، وذلك أن المفسرين منذ القدم تحدثوا عن لحم الخنزير ومضاره. ب - يقول عن صاحب التفسير الحديث محمد عزة دروزة: إنه متأثر بمنهج أبي حيان الأندلسي الذي وضعه في مقدمة تفسيره البحر المحيط، والمطلع على التفسير الحديث، لا يجد صاحبه متأثرًا ولو أدنى تأثر بتفسير البحر المحيط، وقد كنت أذكر هذا الأمر، فقال لي أحدهم: بأنه سأل الشيخ محمد دروزة إن كان قد اطلع على تفسير البحر المحيط، فقال إنه لم يسمع به، ولم يره! ! فكيف يمكن أن يقال بعد ذلك إنه متأثر بأبي حيان، ثم إن التفسير الحديث ليس تفسيرًا سلفيًا كما يذكر الكاتب. ج - مما يدل أيضًا على عدم فهم الكاتب، أنه لا يرتضي أن يوصف الله تعالى بأنه (مدبر الكون الأعظم) ويرى بأن هذا الوصف يوافق قول الماسونية عن الله تعالى بأنه (مهندس الكون الأعظم). ويقول إن الأعظم صيغة أفعل التفضيل وهي توحي بمدبر للكون أقلّ عظمًا منه وهذا جهل، وعلى ما قاله الكاتب لا ينبغي أن نقول: "الله أكبر" ومن ذلك اعتراضه على كلمة الأستاذ عبد الكريم الخطيب (أي لسبب حرمة الحياة الإنسانية وقداستها وكرامتها فرضي الله على بني إسرائيل هذا الفرض، فهو لا يوافقه على كلمة (قداستها) إذ هذه العبارة قد ينخدع بها كثير من المسلمين المثقفين، فضلًا عن السذج والجهلة، فالحياة هي خلق من خلق الله مثل خلقه الكون والإنسان والحياة يدركها الإنسان بمفرده فإذا مات لم يعد يدركها، والقداسة تعني التنزيه عن النقص، ولا يتنزه عن

стр. 52

النقص إلا الله تعالى. وما ذكره غير صحيح، فإن الله قد وصف نفسه بهذا في مثل قوله. ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ﴾، وكذلك صيغة أفعل التفضيل في مثل قوله: الأكرم وقوله ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ﴾ وقول الرسول ﷺ (إن ربك هو الأجود). ٤ - الكاتب يحمل حملة شعواء على الشيخ محمد عبده، فهو يرى بأن النزعة الإصلاحية التي جاء بها الشيخ محمد عبده، وإن كانت تتصل جذورها بالإسلام ومواقف بعض علماء المسلمين، فمانها تاثرت بشكل قوي بمفاهيم الفكر الرأسمالي. ٥ - ويقول إن اتجاه محمد عبده في تفسير القرآن، يمثل مرحلة الدفاع عن الإسلام وكأنه في قفص الاتهام، وهو يرى أن حياة الشيخ محمد عبده الفكرية، والسياسية تنقسم إلى قسمين، يتميز أحدهما عن الآخر، القسم الأول، هو الذي عمل فيه تحت إشراف الأفغاني وكان فيه خادمًا لأهدافه، يرى بعينه ويعمل بعقله، ويكتب بوحيه، والقسم الثاني هو الذي عمل فيه بعد عودته إلى مصر في ظل صداقة اللورد كرومر والمستر بلنت. ٦ - ويتحدث في صفحات كثيرة عن الماسونية، ويذكر أن محمد عبده كان ماسونيًا مثل أستاذه جمال الدين الإيراني المتأفغن. ودليل ذلك أن محمد عبده أسس جمعية دينية سرية من أهدافها التقريب بين الأديان الثلاثة وكان القس إسحاق تيلر راعي الكنيسة الإنجليزية أحد الأعضاء العاملين في تلك الجمعية .. ثم إن الذي يدرس الماسونية يلاحظ أن عمل محمد عبده منسجم مع مبادئها وأهدافها القريبة والبعيدة. ٧ - ويقول عنه: (الذي يمعن النظر في أقوال محمد عبده، يدرك مباهاته وتفاخره بمعرفة علم الكون ومعرفة أحوال البشر، ولا جدال في أن محمد عبده

стр. 53

ينطلق من قاعدة منهجية هي الدفاع عن الإسلام وكأنه في قفص الاتهام، فأوقع نفسه في ورطة كان في غنىً عنها وهذه الورطة تثمثل في إقحام القرآن في ميدان العلوم وأنه موافق لما تجدد منها. ٨ - ومن ذلك اتهامه للشيخ محمد عبده بأنه لا يلتزم الوقوف عند النص القطعي بل نجده يخالف منهجه فيخوض في مبهمات القرآن مستعينًا بما عرف من مستحدثات العلوم على شرحها وتوضيحها ويمثل لذلك بتفسير الشيخ محمد عبده لقوله ﴿وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا﴾ إنه يقع الاضطراب في نظام الكواكب فيذهب التماسك بينها ولا يكون فيها ما يسمى سماء إلا مسالك وأبوابًا لا يلتقي فيها بشيء وذلك هو خراب العالم. ولا أظن أن دارسًا يعتقد أن هذه هي المبهمات، إن من المعلوم بداهة أن الشيخ محمد عبده كان أبعد الناس عن تفسير المبهمات بل إن مدرسة الشيخ محمد عبده كانت بجميع أعلامها كذلك. ٩ - ومن حملته على الشيخ محمد عبده، اتهامه بأنه لم يلح على فتح باب الاجتهاد لمصلحة الإسلام والمسلمين. بل ليستطيع التوفيق ما أمكنه بين الإسلام وبين الحضارة الغربية أو ليلائم بين أحداث الحياة المتجددة التي هي ليست من صنع أحكام الإسلام ومقاييسه في الحياة وبين تعاليم الإسلام، وذلك ليزيل الفجوة المتأصلة عند المسلمين والعداء الدفين لكل ما هو من الغرب الصليبي، ومن هنا نستطيع أن نقول: أنَّ إلحاح محمد عبده على فتح باب الاجتهاد ومحاربة التقليد كانت كلمة حقٌّ يراد بها الباطل. ١٠ - ومما يدل على عدم فهم الكاتب كذلك حديثه عن اعتماد الشيخ محمد عبده على العقل وحده حيث أوقعه ذلك في الأخطاء الشنيعة، يذكر أن العبادات وبعض الأحكام الشرعية لا يمكن أن يخوض فيها العقل أو يوجد

стр. 54

لها علة .. ثم يقول: وعلى سبيل المثال لا الحصر فإن الشرع أوجب التعفف أي غض البصر بالنسبة إلى الحرة الشوهاء شعرها وبشرتها مع أن الطبع لا يميل إليها، ولم يوجب غض البصر بالنسبة إلى الأمة الحسناء التي يميل إليها الطبع، وأيضًا فقد أوجب الله القطع في سرقة القليل دون غصب الكبير، وأوجب الجلد على القاذف بالزنا بخلاف القاذف بغير الزنا مع أنه قد يكون أفظع منه كالقذف بالكفر، وشرط في شهادة الزنا أربعة رجال واكتفى بشهادة القتل باثنين مع أن القتل أغلظ من الزنا. وقوله: (وأتاح لحركة محمد عبده التوفيقية الحياة بعض الشيء اعتماده على فكرة أن ما لا يخالف الإسلام ولم يرد نص على النهي عنه يجوز أخذه، وهذه فكرة باطلة من أساسها ويقول ويتضح من تدقيق الأدلة أن أخذ أي حكم من غير ما جاء به الشرع أخذ لحكم كفر؛ لأنه أخذ لغير ما أنزل الله). ١١ - ويقول عن الشيخ محمد عبده: (إنه لم يكن داعيًا إلى تصحيح جذري للأوضاع القائمة في مصر وفي غيرها من بلاد المسلمين التي كانت أوضاعًا صاغها النظام الرأسمالي المطبق بقوة الاحتلال بل نجده ينحو نحوًا فيه مهادنة وخضوع لأحكام النظام الرأسمالي ومعالجاته ومقاييسه في الحياة، ونحن نعلم أن طريقة الرسول ﵇ في نشر الدعوة الإسلامية كانت تعتمد على التكتل حول الإسلام ثم الانطلاق والجهر. بالدعوة ثم التماس النصرة لإقامة حكم الله في الأرض بإقامة دولة الإسلام. ١٢ - وهو يرى أن القاسمي وعبد الكريم الخطيب متأثران بالشيخ محمد عبده في التفسير وعند حديثه عن طه حسين وكتابه الشعر الجاهلي - يرى أن الشيخ محمد عبده - في نظره - هو الذي فتح هذه السبيل أمام طه حسين ومن هم على شاكلته، والرابطة التي تربط هؤلاء: جرأة على دين الله، نزعة علمانية

стр. 55

عقلية غلابة، تعظيم لمفكري الغرب ومنهم المستشرقون، تهجم على الأزهر ورجاله وتنقيب عن عيوبه وهفوات رجاله ورقة في الدين تصل إلى حد الكفر. ١٣ - ومما يدل على عدم دقة الكاتب فيما يكتب، تعريفه للتفسير العلمي بأنه: هو التفسير الذي يتوخى أصحابه إخضاع عبارات القرآن للنظريات والاصطلاحات العلمية وبذل أقصى الجهد في استخراج مختلف مسائل العلوم والآراء الفلسفية منها. ١٤ - يدعي أن الشيخ رشيد رضا ينعى على من اتجه في تفسيره الاتجاه العلمي، ولكن الدارس لتفسير المنار يجد أن الشيخ لم ينكر التفسير العلمي. هذا بعض ما ذكره الكاتب، وهو يدل على خلو الكاتب عن الاتصاف بالقواعد البدهية، لأيّ كاتب فضلًا على أن يكون كاتبًا في تاريخ التفسير، ومن هذه القواعد التي لم تهيأ للكاتب عدم الإنصاف والقسوة التي لا مسّوغ لها، وعدم فهم القضايا البدهية، فهو يدعي مثلًا أن الشيخ محمد عبده يخوض في مبهمات القرآن مستدلًا بقوله، ﴿وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا﴾، مع أن ما نقله عن الشيخ لا يعد من المبهمات كما قلنا ثم إن المطلع على تفسير الشيخ محمد عبده يدرك من أول وهلة أن الشيخ ﵀ كان ينهى عن الخوض في تفسير مبهمات القرآن، بل يذكر أننا يجب علينا أن نسكت عما سكت الله عنه ورسوله ﷺ . إن هذا الكتاب مليء بالأغلاط والافتراءات، والأخطاء العلمية لذا لا بد من أن نبه طلاب العلم والدارسين على وجوب الحذر مما جاء في هذا الكتاب. إن الكتاب يكاد يكون كله أو جله تهجمًا على الشيخ محمد عبده ﵀، فضلًا على ما في الكتاب من قضايا لا توجد إلا في عقل الكاتب وقلمه وكتابه. ورحم الله من قال: (من اشتغل في غير فنه رأيت منه العجائب).

стр. 56

اتجاهات التفسير في القرن الرابع عشر الدكتور فهد ين عبد الرحمن الرومي يقع هذا الكتاب في ثلاثة أجزاء، يبدأ الجزء الأول بتمهيد يتحدث فيه عن نشأة التفسير ومراحله ويبدؤها بمرحلة الصحابة رضوان الله عليهم، وهو يرى أن الصحابة كانوا يأخذون عن بني إسرائيل، ثم يتحدث عن مرحلة التابعين، مرحلة عصر التدوين، ومرحلة التصنيف ومرحلة سادسة هي ما يتعلق بأهواء ومذاهب من يكتبون التفسير (١). وعرض لمناهج التفسير عند السابقين التي تعددت بتعدد الاتجاهات، فمنها الاتجاهات العقائدية حيث رأينا مناهج كثيرة تحت هذا الاتجاه منها منهج أهل السنة، ومنهج المعتزلة والشيعة والباطنية، والخوارج والصوفية، والاتجاه العلمي الذي يشمل منهج المفسير بالمأثور ومنهج التفسير الفقهي، والتفسير العلمي التجريبي (٢). الاتجاه العقائدي: ويتحدث فيه عن نشأة الفرق، ثم منهج أهل السنة والجماعة في تفسير القرآن الكريم، ويطيل الحديث عن عقيدة أهل السنة، ثم يتحدث عن أسس التفسير عندهم، وهي تفسير القرآن بالقرآن، وتفسيره بالسنة، وبأقوال الصحابة والتابعين وتفسيره بعموم لغة العرب، ومن تلك الأسس أن العبرة في التفسير بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وترك الأطناب فيما أُبهم من القرآن، والتقليل من شأن الإسرائيليات (٣).

стр. 57

ويتناول نماذج من تفسير أهل السنة والجماعة في العصر الحديث، ويعرض لقضية تنزيه الله تعالى عن البداء وغيرها من القضايا، ثم يدرس بعض التفاسير دراسة خاصة ومن هذه التفاسير: تفسير أضواء البيان ﷺ إيضاح القرآن بالقرآن لمحمد الأمين بن محمد المختار الجكني الشنقيطي، والمفسر يذكر أن غرضه بيان آيات العقيدة، ومن هذه القضايا العقدية التي ذكرها الأسماء والصفات، وإثبات الرؤية والاستواء ويد الله وغيرها من القضايا، ويتحدث الكاتب عن دقة المفسر في استخراج الأحكام فإن الله قد آتاه قسطًا وافرًا من الفهم العميق. ومن التفاسير التي عرضها: تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان للشيخ عبد الرحمن بن ناصر بن عبد الله الم سعدي الناصري التميمي، وهو وإن كان شاملًا لآيات القرآن الكريم كلها، إلا أنه ليس من التفاسير المطولة، ويعرض نماذج من تفسيره، منها ما يتعلق برؤية الله تعالى، والاستواء والعرش، وأصحاب الكبائر ومحبة الصحابة. ومن تلك التفاسير: محاسن التأويل لمحمد جمال الدين أبو الفرج القاسمي، وتفسيره يقع في سبعة عشر مجلدًا جعل الجزء الأول منها مقدمة لتفسيره، والقاسمي كثيرًا ما ينقل نقولًا طويلة عن علماء السلف كالإمام أحمد بن حنبل وابن تيمية وابن القيم وابن كثير وابن جرير وغيرهم. وهو في حديثه عن هذه التفاسير يعرض لنماذج معينة هي الأسماء والصفات، إثبات رؤية الله، الاستواء والعرش، كلام الله، سلامة القرآن من التحريف، الإمامة والعصمة، الميزان، الصراط، القضاء والقدر وأهل الشفاعة والولاء والبراء، وأهل البيت والشفاعة. ويذكر بعد ذلك أن هذا المنهج هو أسلم المناهج، ولكن هناك فرق بين مفسري أهل السنة قديمًا ومفسريهم حديثًا، إن المفسرين القدامى يعرضون عقيدة أهل السنة بالتفصيل، ويردون على شبهات الخصوم وعلى الملل والنحل الباطلة، ثم يذكرون

стр. 58

العقيدة الصحيحة، أما المفسر حديثًا فلا يكاد يعرض لبيان تفسير باطل يرد عليه، أو نحلة منحرقة يبطلها. والفرق الثاني أن المفسرين المحدثين طهروا تفاسيرهم من الإسرائيليات، والفرق الثالث عناية كثير من المفسرين في العصر الحديث بتطبيق التفسير على المجتمع وتوجيه الأمة إلى ما ينبغي أن يكونوا عليه حسب توجيهات القرآن، ورابعا برز في تفسير المعاصرين الاهتمام بالتفسير العلمي التجريبي وخامسًا: الميل إلى اختصار العبارات وهذا أبى إلى اختصار الأبحاث: وينتقل الكاتب ليتحدث عن منهج الشيعة في تفسير القرآن، فيعرف بالشيعة ويتحدث عن بداية ظهور التشيع، وفرق الشيعة الإمامية والإمامية الاثني عشرية وغيرهم ويعرض أصول كلّ فرقة منهم. أما عن طريقتهم في التفسير، فأصح الطرق عندهم تفسير القرآن بالقرآن، ثم بأقوال الرسول ﷺ ، وهم لا يعدون الصحابة والتابعين مصدرًا من مصادر التفسير إلا إذا ثبت أن قولهم حديث نبوي، ولذلك يعدُّ المصدر الثالث أقوال الأئمة، والرابع: الإجماع شرط أن يكون الإمام المعصوم من المجمعين، أو إذا كان الإجماع يعتمد على دليل معتبر أو كان كاشفًا عن رأيه في المسألة. والخامس: العقل، ولكن لا يدخل فيه القياس والمصالح والاستحسان، ولهذا كله كانت لهم آراء فقيهة انفردوا بها بناء على هذه الأصول. ومما يرد في تفاسيرهم قضية الظاهر والباطن، فالقرآن عندهم له ظهر وبطن، ومعنى ذلك أن للقرآن مراتب من المعاني المرادة بحسب مراتب أهله ومقاماتهم، ومن القضايا التي تعرض عندهم قضية تحريف القرآن، حيث يرى بعض الشيعة أن القرآن فيه تحريف بمعنى أن المصحف الذي بين يدي الشيعة لا يشتمل على جميع القرآن الذي نزل من السماء، فقد ضاع بعضه من الناس، ويرى أن هذا القول ذهب إليه الأقدمون منهم أما المحدثون فلا يذهبون هذا المذهب، ومن هؤلاء الذين لا

стр. 59

يرون تحريف القرآن الكريم الإمام الخوئي والشيخ محمد رضا المظفر، ومحمد الحسين آل كاشف الغطاء (١). ويعرض لنماذج من تفاسيرهم فيما يتعلق بالإمامة والبداء والغيبة الصغرى والكبرى، والرجعة، والتقية، أما أهم كتب التفسير عند الإمامية فهي تفسير الميزان للسيد محمد حسين الطباطبائي والتفسير الكاشف لمحمد جواد مغنية والتفسير المبين لمحمد جواد مغنية، والبيانا في تفسير القرآن للإمام السيد أبي القاسم الخوئي والفرقان في تفسير القرآن لمحمد الصادقي. ويتناول كتاب الميزان بالبحث، وهو كتاب لم يؤلف للعامة - في رأيه - بل للعلماء لما فيه من أبحاث دقيقة، وهو من أحسن التفاسير في العصر الحديث لولا ما فيه من التشيع ومن مزاياه هذه الأبحاث الواسعة الشاملة التي يوردها في تفسير الآيات. ويتحدث عن الإسماعيلية، ويذكر أنه لم يجد لهم تفسيرًا لا في القديم ولا الحديث ثم ينتقل للحديث عن الجمهوريين وهم أتباع محمود محمد طه، ويسمون أنفسهم (المسلمون) ويطلقون على دعوتهم الرسالة الثانية، وزعيمهم محمود طه من متطرفي الباطنية والمتصوفة، وهو يزعم بأن الرسول ﷺ لما بعث في مكة جاء بالإسلام ولما لم يطق الناس تلقي الإسلام انتقل إلى المدينة ودعا إلى الإيمان فأجابوه، فمحمد ﷺ جاء بالإيمان وفصله، أما الإسلام فلم يفصله، فرسالته تسمى الرسالة الثانية لزعمه أن الرسالة الأولى المحمدية كانت للإيمان والثانية للإسلام، والرسالة الأولى لا تصلح للقرن العشرين. وينتقل في الفصل الثالث للحديث عن الإباضية ومنهجهم في التفسير، ويتحدث عن آرائهم في بعض القضايا العقدية كرؤية الله التي ينكرونها، والميزان والصراط،

стр. 60

وأنهما معنويان وليسا ماديين وهم يوالون أبا بكر وعمر، أما عثمان فليس له عندهم مثل منزلة صاحبيه، فهو في رأيهم أحدث أمورًا لم يعمل بها صاحباه قبله، وأما علي فهو إمام بالإجماع، ولكنه فيما بعد دخل عليه داخل هو الأشعث بن قيس الذي أضله عن طريقه، وهو يعتقد فيه أنه يريد الحق، ويدعو إليه، وهو بطانة سوء لعلي. ومن التفاسير الإباضية: ١ - تفسير داعي العمل ليوم الأمل، الشيخ محمد بن يوسف اطفيش. ٢ - هميان الزاد إلى دار المعاد للمؤلف نفسه. ٣ - تيسير التفسير، للمؤلف كذلك. والمفسر يعرض لأسماء السور في تفسيره وللمكي والمدني وعدد آيات السورة وكلماتها وحروفها وفضلها، وهو يطيل كثيرًا في تفسيره فهو يذكر ما يصح في تفسير الآية وما لا يصح، ويطيل فيما أبهم في القرآن، وهو يكثر من الأخذ بالإسرائيليات، ويهتم بالمسائل النحوية واللغوية والبلاغية. ويتحدث عن القضايا العقدية في تفسيره، ومن بينها موقف المفسر من المذاهب الأخرى كالمعتزلة والصفرية إحدى فرق الخوارج - والصوفية. وأخيرًا يعرض منهج الصوفية، ويعرض لنشأتهم وعقائدهم، وأقسام التصوف فهو ينقسم إلى تصوف نظري فلسفي يقوم على دراسات وأبحاث فلسفية، والثاني تصوف عملي يقوم على التقشف والزهد والتفاني في الطاعة، وعليه فهو ينقسم إلى تفسير صوفي نظري، وتقسير صوفي فيضي إشاري والتفسير الإشاري يرتكز على رياضة روحية يأخذ بها الصوفي نفسه حتى يصل إلى درجة تنكشف له فيها. وقد اشترط العلماء لقبول هذا التفسير الإشاري: ١ - ألا يتنافى وظاهر النظم القرآني الكريم.

стр. 61

٢ - أن يكون له شاهد شرعي يؤيده. ٣ - أن لا يكون له معارض شرعي أو عقلي. ٤ - أن لا يدعى أن التفسير الإشاري هو المراد وحده دون الظاهر. ومن أهم التفاسير في هذا المنهج: ١ - بيان السعادة في مقامات العبادة سلطان محمد بن حيدر الخجندي؟ . ٢ - أسرار القرآن - السيد محمد ماضي أبو العزائم. ٣ - ضياء الأكوان في تفسير القرآن - أحمد سعد العقاد. ويتحدث عن هذه التفاسير، ويبين بعد ذلك أننا ينبغي أن نفرق بين نوعين من التفسير: هما التفسير الإشاري والتفسير الرمزي، فالأول حقٌّ، والثاني يعتمد على الذوق والترقي في مقاماتهم، حتى يصل المتصوف مقام العرفان فتفيض عليه مكنونات العلم وأسرار المعرفة، وتفاسيرهم هذه لا تخضع لقاعدة ولا لأصل، بل تختلف باختلاف مقام الصوفي ومواجده وذوقه، ولذلك تجد تفسيراتهم غير مفهومه وليس وراءها طائل. المنهج الفقهي: ويعرض فيه بعض المسائل يقارن فيها بين فقه أهل السنة - والجماعة والشيعة والإباضية، ومن ذلك غسل الرجلين في الوضوء، وصلاة الجمعة، والخمس في الغنائم، وإرث الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ونكاح المتعة، ويذكر أن هذا النوع من التفسير لم يؤلف فيه الكثير، بل هي مؤلفات عديدة وهي: نيل المرام في تفسير آيات الأحكام تأليف محمد صديق حسن، وكتاب روائع البيان في تفسير آيات الأحكام للصابوني، وتفسير آيات الأحكام لمحمد علي السايس، وقبس من التفسير الفقهي للدكتور الشافعي عبد الرحمن السيد، ودراسات في تفسير بعض آيات الأحكام للدكتور كمال جودة أبو المعاطي، وهذه كلها في فقه أهل السنة، أما الكتب المؤلفة في فقه الشيعة، فمنها تفسير الميزان وتفسير الكاشف.

стр. 62

والمنهج الثالث الذي ذكره هو المنهج الأثري، أو التفسير المأثور، وأصح طرقه تفسير القرآن بالقرآن، ثم تفسيره بالسنة ثم بأقوال الصحابة، ويذكر أنه لم يجد من يعنى بهذا النوع في القرن الرابع عشر ومن يوليه اهتمامه، وهذا مما يؤسف له، ويود ويقول بأنه نظر في التفاسير التي بين يديه في القرن الرابع عشر فوجد أكثرها اهتمامًا بالتفسير بالمأثور تفسيرين هما: أضواء البيان في إيضاح القرآن لمحمد الأمين الشنقيطي، والموجز في تفسير القرآن الكريم (المصفى) الجامع بين صحيح المأثور وصريح المعقول تأليف محمد رشدي حمادي، وقد أفرد كلًّا منهما بدراسة موجزة. وبعد أن يعرض ما في هذه الكتب يقول: إن ميدان التفسير بالمأثور يعاني قلة خائضي عبابه وقد كان يتمنى أن يقوم من أتاه الله سعة في العلم بتأليف أو بجمع الآيات التي يفسر بعضها بعضا ويضم إليها الأحاديث الصحيحة المرفوعة إلى الرسول ﷺ ويرتب ذلك حسب ترتيب المصحف .. ويرى أن بعض المفسرين لم يهتموا بهذا اللون لاعتقادهم أن بعضهم قد انصرفوا عن هذا اللون من التفسير، وإيراد بعضهم الآخر التفسير بالمأثور بالمعنى من غير إيراد الآيات أو الأحاديث بنصوصها، وانشغال بعض ثالث بمباحث أخرى على حساب التفسير بالمأثور، وقد يكون هناك تعليلات أخرى (١). وينتقل إلى الفصل الثالث وهو المنهج العلمي التجريبي، ويبين للقارئ بأنه لا يكاد يجد في كتب المفسير العلمي من يذكر تعريفه، ولم يجد من عرفه إلا الأستاذ أمين الخولي، حيث قال: هو التفسير الذي يحكم الاصطلاحات العلمية في عبارة القرآن ويجتهد في استخراج مختلف العلوم والآراء الفلسفية منها (٢) وتناول العلماء

стр. 63

بعده هذا التعريف دون تغيير، ويرى المؤلف قصور هذا التعريف، وذلك لاستخدام كلمة (تحكيم) وفي هذا التعبير شيء من القسوة، وكذلك استخراج الآراء الفلسفية، والتفسير العلمي لا يشمل الآراء الفلسفية، والأولى أن يعرف بقولنا: هو اجتهاد المفسر في كشف الصلة بين آيات القرآن الكريم الكونية ومكتشفات العلم التجريبي على وجه يظهر به إعجاز للقرآن يدل على مصدره، وصلاحيته لكل زمان ومكان). ويتحدث عن موقف العلماء من التفسير العلمي، فيذكر آراء المؤيدين ومنهم الغزالي والزركشي والسيوطي، وآراء المعارضين وعلى رأسهم الشاطبي، ومنهم أبو حيان الأندلسي وينقل عن أبي حيان نصا يرد فيه على الرازي. حيث يعد ما يذكره الرازي من التخليط والتخبيط في أقصى درجة (١). ويذكر أن العلماء في العصر الحديث الذين يؤيدون الاتجاه العلمي، يختلفون عن الأقدمين، حيث إن الأقدمين جعلوا الحقيقة القرآنية أصلًا، وذكروا ما يؤيد هذه الحقيقة من نظريات أو حقائق علمية. أما المحدثون فجعلوا الحقيقة العلمية أو النظرية هي الأصل، ويقول إنه لا يعمم هذا القول، بل إن أكثر المحدثين كذلك (٢).

стр. 64

ويتحدث عن موقف المعاصرين من التفسير العلمي حيث انقسموا إلى ثلاثة أقسام: متطرفين في التأييد، ومتطرفين في الرفض، ومعتدلين، وينقل أقوال ثلاثة من العلماء من كلا الطرفين المؤيدين والمعترضين، ومن المعترضين الشيخ محمود شلتوت، والشيخ أمين الخولي، والأستاذ محمد حسين الذهبي ومحمد عزة دروزة وعباس العقاد وغيرهم، ويذكر أهم المؤلفات في هذا الاتجاه بإيجاز، ثم يعرض لبعض نماذج من التفسير التجريبي في العصر الحديث، ويعود مرّة أخرى فيتحدث عن تفسير طنطاوي جوهري (الذي انحرف عن جادة الصواب في تفسير القرآن الكريم انحرافًا لا يقبله ذو ذوق سليم فضلًا عن الخبير بشروط التفسير) كما يقول الكاتب لقد حمل المفسر النصوص القرآنية ما لا تحتمل وأدخل العلوم والنظريات التي لم يستقر قرارها (١). ويتناول بالتفصيل كناب كشف الأسرار النورانية القرآنية لمحمد بن أحمد الإسكندراني، وهو آخر علماء الطب وغيره من الكتب. وهو يرى أننا بحاجة في هذا العصر لمؤلف في التفسير العلمي التجريبي تؤلفه مجموعة من العلماء في الشريعة وفي التفسير وفي اللغة وفي العلوم الحديثة يجتمعون ويقررون ما يوافق الحقائق القرآنية ذات الدلالة الصريحة، ويقيسون إليها الحقائق العلمية الثابتة التي قر قرارها وأمن ثبوت زيفها وبطلانها، يثبتونه لا على أن تفسير وإنما كشاهد وزيادة لبيان معاني الآية ومدلولاتها.

стр. 65

منهج المدرسة العقلية الاجتماعية الحديثة في التفسير: وما كتبه هنا اختصار لكتابه (منهج المدرسة العقلية الحديثة في التفسير) يبدأ هذا الموضوع بالحديث عن العقل في القرآن ومكانة العقل في الإسلام، ثم يتحدث عن نشأة المدرسة العقلية التي ابتدأت بجمال الدين الأفغاني ومحمد عبده، أما الأسس التي تقوم عليها هذه المدرسة فهي: أولًا: الوحدة الموضوعية في القرآن. ثانيًا: الوحدة الموضوعية في السورة القرآنية. ثالثًا: تحكيم العقل في التفسير، ويناقش أولئك الذين يرفعون من العقل إلى مرتبة تصل بالنفس الانسانية إلى مراتب الكمال، أمثال الشيخ عبد العزيز جاويش، والشيخ محمد عبده، والأستاذ محمد فريد وجدي، ويقول: إذا كانت العقول قادرة على هذا في الحكمة من إرسال الرسل؟ (١) رابعا: إنكار التقليد وذمه والتحذير منه. خامسًا: التقليل من شأن التفسير بالمأثور. سادسًا: التحذير من التفسير بالإسرائيليات. سابعًا: الشمول في القرآن الكريم. ثامنًا: القرآن هو المصدر الأول في التشريع. تاسعًا: التحذير من الإطناب. وأخيرًا: الإصلاح الاجتماعي، ويتناول بالبحث موضوع الحرية وقضية المرأة، وبعض القضايا في تفسير المنار.

стр. 66

وفي الجزء الثالث يتحدث الكاتب عن المنهج البياني، ومنهج التذوق الأدبي، والتفسيرات المنحرفة. المنهج البياني في التفسير: ويتحدث عن البلاغة والفصاحة، بلاغة الرسول ﷺ وصحابته، ويعرض للكتب البلاغية وإعجاز القرآن منذ عصر التدوين، ثم لتطور التفسير البياني في العصر الحديث على يد الشيخ محمد عبده ويضرب الأمثلة لذلك، ويرى أن المنهج البياني في المفسير خاص بالقرن الرابع عشر وهو لا يعني أبدًا نفي الدراسات البيانية في القرون الماضية، وإنما يعني أن الدراسات السابقة لم تصل في مقصدها إلى ما وصلت إليه في القرن الرابع عشر الهجري، ثم إن الدراسات السابقة كانت وسيلة وليست غاية، أما الدراسات في هذه الفترة فهي غاية تدرس النص القرآني، فالدراسات الحديثة إذن أصلت الدراسة البيانية للقرآن. ويتحدث عن المراحل التي يمر بها المفسر الواحد في العصر الحديث لتطبيق المنهج البياني في التفسير وهي: ١ - التفسير الموضوعي. ٢ - الترتيب الزمني للآيات ذات الموضوع الواحد. ٣ - الدراسة وهي تضم دراسة حول القرآن، ودراسة في القرآن حيث تتناول المفردات والمركبات والكاتب في كلّ هذا يأخذ عن الأستاذ أحمد أمين. ويأتي بالدراسة التطبيقية عند أحمد آمين مما سماه التفسير الأدبي للقرآن وجعل موضوعه في أموالهم)، والأستاذ قدم لموضوعه بآيات لتحدث عن المال لكنه لم يرتبها حسب النزول، وهذه مخالفة للمنهج الذي يدعو إليه، وخالف منهجه ثانيًا بأن نظر في هذه الآيات نظرة شاملة وقل نظره في مفرداتها.

стр. 67

ويتحدث عن الدكتورة عائشة عبد الرحمن بنت الشاطئ، ويرى بأنها وقعت في تفسيرها في ثلاثة أخطاء الأول قصورها في الاستقراء، والثانى أنَّها تحدد المعنى قبل الاستقراء وهذا عمل لا مسوغ له، والثالث اعتدادها الشديد باستقرائها فهي تقلل وتستصغر من شأن المفسرين. ومن الكتب التي تتاولتها بالبحث كتاب الفن القصصي للدكتور محمد أحمد خلف الله. وينتقل إلى الفصل الثاني: منهج التذوق الأدبي في التفسير: ويقصد بالتذوق الأدبي "الموازنة بين الذات والموضوع، فللذات حقها في جانب الاستغراق في النص والشعور به بحيث لا يصل إلى الاستغراق الصوفي التام الذي يطغى على النص وعلى جانب الجمال الاجتماعى فيه، وللموضوع حقه في التزام مدلوله اللغوي وحدوده الشرعية والتنبيه الدقيق على المعنى الصحيح السليم، والتزام أبعاد معانيه ومدلولاته بحيث لا يتجاوزها فيشطح. إن الموازنة بين الذات والموضوع هي التي تستقر بصاحبها في ميدان التذوق الأدبي، وبقدر الموازنة يكون الاستقرار فيه، فإن طغت الذات على الموضوع خرج عن نطاقه إلى نطاق التفسير الصوفي الذي يعتمد على الأوهام أكثر مما يعتمد على الحقائق، وجنح بصاحبه إلى الخيال الجارف الذي لا يعتمد على قواعد ثابتة، ولا أصول راسخة بل يموج ويضطرب كما تضطرب الريشة في الهواء، ومن هنا نفذ الباطنيون إلى الإلحاد في تفسير القرآن الكريم حيث لا ارتباط بالنص ولا بمدلوله، بل انسلاخ منه. والتذوق الأدبي للقرآن حركة نفسية، وانطباع ذاتي لا يملك الإنسان له ردًّا، ولا يستطيع له منعًا، بل لا بد أن يظهر أثره في خلجات سامعه وسكناته شاء ذلك أم أبى، وهذا ما أدركه المشركون من قبل. ويعرض في هذا الفصل لكتاب في ظلال القرآن لسيد قطب ﵀.

стр. 68

وأخيرًا يأتي الباب الخامس: الاتجاهات المنحرفة في تفسير القرآن الكريم، ويفرق الكاتب بين التفسير الملحد والتفسير الكافر، فالتفسير المخطئ لآية من آيات القرآن بحيث لا يخالف ما علم من الدين بالضرورة، ولا يهدم جانبًا من جوانبه يسمى إلحادًا، أما التفسير الذي يؤدي إلى إنكار أصل من أصول الدين وصرفه إلى معان لا تدل عليها لغة ولا دين، بل الذي ينكرها ويرفضها فإن هذا يسمى كفرًا. إن المجتمع الإسلامي قد عانى وما زال يعاني من مستنبطي الإلحاد الذين ينشرون إلحادهم على الملأ باسم البحث العلمي والحرية العلمية .. ويتحدث عن ظاهرة في الدول العربية وهي أنه ما اعتدى أحد من المنتسبين إلى الإسلام على الإسلام إلا وتبوأ منصبًا كبيرًا في الدولة وكأنه مكافاة له على إلحاده - مهما علت الصيحات ضده والانتقادات والاعتراضات ضد أفكاره وآرائه، لكن هذه الصيحات لا تلبث أن تهدأ وتسكن ويعقبها تولي هذا الملحد ذلكم المنصب وكأني ألمح هناك يدًا تدفعه إلى الإلحاد ويدًا أخرى تدفع له الثمن، وأيدي أخرى تدافع عنه وتقاتل" ويتحدث عن الأسباب التي جرفت بعضهم إلى تيار الإلحاد. ويعرض أنموذجًا للتفسير الإلحادي، كتاب الهداية والعرفان في تفسير القرآن بالقرآن لمحمد أبي زيد. ويتحدث عن منهج القاصرين في تفسير القرآن الكريم، ويقصد بهم طائفة لم يطلبوا العلم الشرعي ولم يدرسوه في مدارسهم بل تقاذفتهم المدارس في نواح شتى ليس منها علوم الشريعة، وصاروا يكتبون حتى اشتهروا، ثم رأوا أن الأنظار من مختلف المستويات، ومختلف الاتجاهات تتجه إلى رقعة الأبحاث الشرعية، والدراسات القرآنية خاصة، فتسللوا إلى هذه الرقعة ويدأوا ينشرون تفاسيرهم لآيات قرآنية، وهم يحسبون أن علوم الشريعة لا تحتاج إلى أكثر من تقليب النظر في العبارات ثم إبداء الرأي، من غير أن يكون لصاحبها الدراية في شروط التفسير،

стр. 69

ومن غير أن يدركوا شروط المفسر، وأصبحوا ينظرون إلى آيات القرآن الكريم كما ينظرون إلى مقالة أدبية. ويعرض نماذج مما ذكره عباس العقاد، والأستاذ عبد الرزاق نوفل، وكتاب (القرآن - محاولة لفهم عصري) لمصطفى محمود. والفصل الأخير في المنهج الإلحادي يعرضه للون اللامنهجي في التفسير، وقد ذكر هذا اللون لأنه حرص على استقصاء اتجاهات التفسير، ويتساءل هل أصحاب هذا اللون من التفسير مجانين حقًّا؟ أم أنهم عقلاء كتبوا كما يكتب أولئك، ولماذا فعلوا هذا؟ ويعرض مثالا لذلك تفسير سورة الإخلاص، حيث يقول الذي فسرها وهو محمد أحمد الشمالي: قل خبر مقدم بمعنى فرد لا أحد له، فيقال مثلًا: رجل قل، هو ضمير مبتدأ مؤخر خبره قل وهو أيضًا في مقام مفعول به للجملة الفعلية التي تليه، الله أحد: أي إن الله أحّده بمعنى جعله واحدًا، أو بمعنى جعله حدًا، أو بمعنى جعله حادًا .. " وقد وصف مجلس المجمع الفقهي الإسلامي في الكويت هذا التفسير بإنه لا يدل على شيء سوى الاختلاط العقلي، ويرى أن صاحبه من المختلين عقليًا، وأنه هذيان لا يبلغه هذيان المحمومين وأنه عبث بآيات الله وبكتابه. ويعرض أخيرًا لرسالة الفتح لصاحبها عبد الرحمن فراج باعتبارها أنموذجًا على هذا اللون. هذه خلاصة موجزة سريعة لما ورد في هذه الأجزاء الثلاثة لكتاب اتجاهات التفسير في القرن الرابع عشر لصاحبه الدكتور فهد عبد الرحمن بن سليمان الرومي. وهو جهد مشكور، وكثير مما ذكره لا يخلو من مناقشة، ولكن نخشى أن يطول الكتاب.

стр. 70

كتاب تطور تفسير القرآن/ دراسة جديدة د. محسن عبد الحميد هذا الكتاب من بين الكتب التي جاءت تتحدث عن تطور تفسير القرآن الكريم، ومروره بمراحل كثيرة، حيث إن كتاب الله تعالى احتوى كلّ الموضوعات اللازمة للبشرية من عقائد وأصول وأحكام وقصص الأولين، والمنهج العلمي السديد في التقليد والتدبر، ولذا كان هذا القرآن بحاجة إلى تفسير على مر العصور .. والكاتب يقسم كتابه إلى فصول، يبدأ الفصل الأول بالحديث عن التفسير قبل عصر التدوين وبعده ويقسمه الكاتب إلى مباحث ثلاثة. الأول: تفسير القرآن في عهد الرسول ﷺ فقد أنزل القرآن على النبي ﷺ ، حيث أمره الله بتبليغه للناس كافة، وفعل ذلك ﷺ ولم يكتم شيئًا منه، ويرد الكاتب تلك الفرية التي أثارها المنافقون من أن الرسول ﷺ قد كتم شيئًا من القرآن، وأمره الله تعالى بأن يبين للناس ما نزل اليهم، والمقصود بالبيان تفسير المجمل وشرح المشكل، وقد فعل ذلك النبي ﷺ . ولكن هل بيَّن الرسول ﷺ معاني القرآن كلها جملة وتفصيلًا؟ الجواب بكل تأكيد لا، فهو لم يفضل القرآن الكريم كله، ولم يبين للصحابة ما لا يحتاجونه في زمانهم وقد فسر الرسول ﷺ آيات القرآن بعضها ببعض، وشرح من الألفاظ ما غاب عن الصحابة وذلك مثل كلمة الظلم، والصلاة الوسطى، وبين لهم مجمل القرآن الكريم وخصص ما جاء في القرآن عامًّا، ويمثل الكاتب لذلك بقوله تعالى: (حتى تنكح زوجًا غيره) فقد جاءت السنة لتخصص هذا الحكم العام حيث قال الرسول ﷺ (حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك) (١). ويقول الكاتب إن السنَّة كلها جاءت بيانًا للقرآن الكريم، إذ الموضوع لا ينحصر

стр. 71

في الأحاديث القولية فقط، ومن يرى أن تفسيرات الرسول ﷺ قليلة يستند إلى حديث السيدة عائشة (ما كان رسول الله ﷺ يفسر شيئًا من القرآن إلا آيًّا بعدد علمهن إياه جبريل) (١). ويذكر الكاتب أن السنة عرضت لبعض القضايا العقدية، وذلك مثل رؤية الله تعالى في قوله: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ [الأنعام: ١٠٣]، ويرى أن الرسول ﷺ لم يعرض لتفسير ألفاظ القرآن الكريم من الناحية اللغوية، وأن تفسيره لكلمة (أعدوا) ولكلمة (الظلم) لا يعد من هذا القبيل (٢). ومن القضايا التي لم يفسرها الرسول ﷺ المتشابهات التي استأثرها الله بعلمه، والآيات الكونية، والحقائق العلمية، وحكمة التشريع، وأسرار إعجاز القرآن الكريم، تلك التي تدل على صدق الرسول ﷺ . وفي المبحث الثاني يتحدث عن تفسير الصحابة فالصحابة هم ورثة الرسول ﷺ ، فقد كانوا أعلم الناس بتفسير كتاب الله حيث نزل بلغتهم التي يعرفون فقه ألفاظها وتراكيبها وأسبابها، أما ما وراء الألفاظ والمعاني من الاستنباطات الدقيقة فلم يكن يعرفه العلماء من الصحابة وهذا ما يراه ابن خلدون، ولكن الذهبي يخالف في ذلك ويذهب إلى أن الصحابة لم يكونوا كلهم يفهمون معاني الألفاظ والتراكيب. إن الصحابة لم يكونوا كلهم على درجة واحدة من المستوى العقلي، فقد أوتي

стр. 72

بعضهم حظًّا وقوة من الاستنباط العقلي أمثال عبد الله بن عباس، وأُبي بن كعب وغيرهم .. وقد كان الخلاف في التفسير بينهم قليلًا، وإن كان فهو اختلاف تنوع لا تضاد. أما مصادر التفسير عندهم فهي: اللغة والقرآن الكريم والسنة والاجتهاد والإسرائيليات. وهو يرى أن الرسول ﷺ قد وجه الصحابة إلى كيفية التعامل مع التوراة، فقد نهاهم في البداية عن قراءة التوراة خوفًا من الخلط والتشويه والتشكيك، ثم لما رسخ الإسلام، لم يعد يخاف عليهم الرسول ﷺ فقال: (لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم) ثم لمَّا تكامل نزول الآيات، لم يبق حرج في الاطلاع فقال: (بلغوا عني ولو آية وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج) (١). لقد تمخضت عن جهود الصحابة الكرام في تفسير القرآن مدارس تفسيرية كبرى، تتلمذ فيها كبار التابعين وهي مدرسة مكة التي أسسها عبد الله بن عباس ومدرسة المدينة وأسسها أبيّ بن كعب، ومدرسة الكوفة التي أسسها عبد الله بن مسعود .. ومع أن التابعين أخذوا علومهم عن الصحابة، لكن تفسيرهم لم يرق إلى تفسير الصحابة، ويقول: إن تفسير التابعين ليس حجة؛ لأنهم زادوا على تفسيرات الصحابة فيما يتعلق بالكلمة والتركيب وسبب النزول. أما المبحث الثالث فكان لحركة تدوين التفسير فقد كان التفسير جزءًا من الحديث، ولقد بدأ التدوين بالانتشار المحدود كلما ابتعد الناس عن زمن النبي ﷺ ، وقد دونت السنّة النبوية نتيجة كثرة الوضع على الرسول ﷺ ، على أن تدوين التفسير بدأت تتميز ملامحه في عصر التابعين، وفي العصر العباسي الأول بدأ العلماء بتأليف التفسير، فقد وصلنا تفسير يحيى بن سلام، ومنها تفسير ابن جرير

стр. 73

الطبري، وهؤلاء فسروا القرآن بضوابط شتى من تفسير القرآن بالقرآن أو بالسنّة أو باللغة أو بالاستنباط العقلي أو ببعض الروايات، ويعرض الكاتب للطبري من حيث أسلوبه المتميز في تفسير القرآن وغزارة علمه في العربية والحديث، ومن حيث آراؤه التي يعرضها في تفسيره وذلك بترجيحه بين الروايات. ويرى أن منهج الطبري الذي اعتمد فيه على الأثر والبيان والتاريخ، والنظر هو المنهج المتكامل الذي أثّر فيمن جاء بعده من المفسرين، وهذا المنهج الأصولي هو المنهج الإسلامي الصحيح المتبع منذ عصر الصحابة إلى اليوم، وقد تفرع عن مدرسة الطبري مدارس تفسيرية اقتربت أن تشكل اتجاهات ذات ملامح عرفت بها في أخبار المنهج الأصولي الشامل، ومنها المدرسة اللغوية التي غلب فيها جانب الذوق والبيان. أما الفصل الثاني فتحدث فيه عن مدارس المنهج الأصولي في تفسير القرآن الكريم ومن هذه المدارس: المدرسة اللغوية: اهتم العلماء على مر العصور بالمعاني اللغوية لألفاظ القرآن الكريم، ولذا ظهر الكثير من التفاسير التي تعنى بهذه القضية منها معاني القرآن للفراء، حيث اهتم بضبط الألفاظ القرآنية من خلال حديثه عن القراءات وضبطها وتصحيحها، ومنها كتاب معاني القرآن للأخفش، ومجاز القرآن لأبي عبيدة، ومعاني القرآن للزجاج، وكانت كتب المعاني هذه أساسًا لظهور تفاسير لغوية كبيرة منها التفسير البسيط للواحدي، وتفسير الكشاف للزمخشري الذي اهتم بالمسائل اللغوية والتخريجات النحوية اهتمامًا واضحًا، ومنها مجمج البيان للطبرسي والبحر المحيط لأبي حيان وهذا الأخير يعد أوسع تفسير. ويدخل ضمن التفسير اللغوي التفسير البياني الذي يتعلق بتركيب القرآن ولغته من

стр. 74

حيث الحقيقة والمجاز والتشبيهات والكنايات والإيجاز والإطناب والتقديم والتأخير، وقد كانت بذوره ترجع إلى الرسول ﷺ ، وقد كثرت هذه اللفتات البيانية في كتب المفسرين، ولو رجعت لكتاب مجاز القرآن لأبي عبيدة (١) وجدته مليئًا بمثل هذه الأمور، وممن عني بهذه القضايا الجاحظ في كتبه وهو لم يقف عند الدراسات البيانية المعاصرة له فقط، ولكن خطا بها خطوة كبيرة نحو لم الشعث والتجديد (٢). وقد نحا نحو الجاحظ ابن قتيبة الذي كان أكثر تنظيمًا وترتيبًا وتوسعًا، فقد تناول لغة القرآن من حيث هي أداة للتعبير ومن ثم أتبعها ببيان قيمها الجمالية والأدبية، واستشهد للاستعارة بأمثلة كثيرة من القرآن الكريم. ثم كانت الدراسات الإعجازية التي عنيت بتلك الوجوه البيانية، وكان من أهم تلك الدراسات إعجاز القرآن للواسطي (٣)، والنكت في إعجاز القرآن للرماني، وبيان إعجاز القرآن للخطابي، وإعجاز القرآن للباقلاني، الذي قام فيه بتحليل بعض السور القرآنية، ويرى الدكتور زغلول سلام أن الباقلاني عرض للوحدة الموضوعية في السورة القرآنية، ويرى الدكتور رجب البيومي أن الباقلاني لم يتجه إلى الوحدة الفنية، ويوافق الكاتب البيومي في أن الباقلاني لم يقصد الوحدة الموضوعية في كلّ ما كتب. ومن هذه الكتب التي عنيت بالإعجاز، دلائل الإعجاز لعبد. القاهر الجرجاني، الذي وضع نظرية النظم، هذه النظرية التي لم تكن قبل الجرجاني مجرد

стр. 75

ملاحظات، وإنما قامت على دراسات دقيقة واضحة وذلك فيما كتبه الخطابي والباقلاني وعبد الجبار، لكنها لم تتكامل إلا على يد الجرجاني. وممن عني بالدراسات البيانية الزمخشري في الكشاف الذي طبق نظرية الجرجاني، تلك النظرية التي كانت بحاجة إلى ذوق الزمخشري الأدبي النقدي المرهف وإلى غزارة علمه بأسرار العربية، لأن ذلك التطبيق كان يقوم أساسًا على تحليل التركيب القرآني وبيان خصائصه، ويمثل الكاتب ببعض الأمثلة من تفسير الزمخشري. وممن عني بالدراسات البيانية الرازي في تفسيره، الذي أدخل شيئًا جديدًا في دراسة الإعجاز القرآني، وهو اهتمامه الواضح بترتيب الآيات وتحليلها وبيان أسباب مجيئها على صورتها والاستدلال على إعجازها، وانصب جلُّ اهتمامه على ترتيب الكلمات بجانب ترتيب الآيات والسور .. إن الرازي يعد مكملًا لما بدأ به الزمخشري والجرجاني، ويرد الكاتب على البيومي الذي يرى أن الرازي قد وضع تفسيره لا ليهتم بنماذج الجمال القرآني، بل ليجعل من العلوم الإسلامية منطقًا وأصولًا وفلسفة وتوحيدًا وجدلًا، ويرى أن المتصفح لتفسير الرازي يجد غير ما ذكره محمد رجب البيومي. وفي العصر الحاضر جاء الشيخ محمد عبده بالدعوة إلى تغير مناهج الدراسة والعودة إلى المنابع الأولي في فهم الدين والحياة والأدب، وقد جاء ليجدد منهج الشيخ عبد القاهر في النظرية البيانية الجمالية إلى القرآن، وعالج الأنماط البلاغية سواء أكانت في المعاني أم في البيان، ثم تفرع عن مدرسة الإمام محمد عبده اتجاه سمي بالاتجاه الأدبي في تفسير القرآن حمل لواءه الشيخ أمين الخولي الذي يرى أن التفسير هو النظر في القرآن من حيث هو كتاب العربية أكبر وأثرها الأدبي العظيم. ومن أخطر ما دعا إليه أن العرض القرآني للقصة أدبي لا يرجع إليه في تاريخ ولا يسمى ذلك من نظر أصحابه إليه وتقديرهم إياه بما يشاءون دون الموافقة أو
следующие страницы →