← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 145333

التفسير والمفسرون في العصر الحديث - فضل عباس

فضل حسن عباس

Полный текст (1 925 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

أم كانت معرفة كما في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ [العاديات: ٨] من هنا ذهب بعض العلماء إلى أن الخير هو المال في قوله ﴿إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ ولكن هذا القول ردّه حذّاق العلماء؛ لأنه يتنافى مع السياق واللغة والواقع وحكمة التشريع، إذ لا يقال لغة، إن علمتم فيهم مالًا، وإنما يقال: إن علمتم عندهم أو لهم. ولا يشترط للمكاتب الذي يريد الحرية أن يكون ذا مال، وحديث بريرة في الصحيح خير شاهد على ذلك، بل "يشترط فيه أن يكون قادرًا على الكسب لا أن يعيش كلًّا على المجتمع المسلم". ٧ - قال تعالى: ﴿إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ﴾ [المرسلات: ٣٢] والقصر في لغة العرب هو البيت، وبهذا فسّر الآية كثير من العلماء، وقال آخرون: إن القصر: إنما هو الحطب الغليظ، قالوا: وهذا الذي يناسب النار؛ لأنها توقد بالحطب. ٨ - قال تعالى: ﴿وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ [الأعراف: ٤٠] ذهب أكثر المفسرين إلى أن الجمل هو الحيوان المعروف، وقد سئل ابن مسعود ﵁ عن الجمل في الآية الكريمة فقال: هو زوج الناقة، وقال آخرون: إن المقصود بالجمل هو الحبل الغليظ الذي يستعمل في السفن واستدلوا لذلك ببعض القراءات الشاذة. ٩ - وقريب من هذا ولكن ليس من الوادي نفسه قوله سبحانه ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: ٣١] فقد اختلفوا فيما يجوز للمرأة أن تبديه. واختلافهم هذا يرجع إلى اختلافهم في معنى الزينة، فللزينة إطلاقان: فهي تطلق على ما تتزين به المرأة من حليّ وخضاب ومساحيق وثياب، وتطلق على البدن نفسه أي مواضع هذه الزينة. فالذين رأوا أن الزينة إنما هي موضعها أي الجسم فسّروا ما ظهر منها بالوجه والكفين والذين رأوا أن الزينة ما تتزين به، فسروا ما ظهر منها بما يصعب ويعسر إخفاؤه كالخاتم وما يشبهه.

стр. 282

أثر اختلاف المعنى اللغوي في اختلاف الحكم الفقهي: مرّ معك أيها القارئ الكريم عند حديثنا عن اختلاف التفسير الناشيء عن اختلاف القراءات - أن منه ما أنشأ اختلافًا في الأحكام الفقهية. كذلك الشأن في الاختلاف الناشيء من اللغة، قد ينجم عنه اختلاف في الأحكام الفقهية، من ذلك اختلافهم في معنى (القرء) في قول الله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] قال الحنفية: إن القرء هو الحيض، وقال الشافعية: إنه الطهر، ومن أجل هذا اختلفوا في تفسير قوله تعالى ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] قال الإمام البيضاوي ﵀ وهو شافعي - "فطلقوهن لعدتهن" أي وقتها، وهو الطهر، فإن اللام في الأزمان، وما يشبهها للتوقيت. ومن عدّ العدّة بالحيض علّق اللام بمحذوف مثل مستقبلات وظاهره يدلّ على أن العدّة بالأطهار" (١). ويشرح الشيخ زاده - وهو حنفي - كلام البيضاوي بما خلاصته: أن الذين عدّوا القرء الطهر وهم الشافعية، جعلوا اللام للتوقيت ومعنى كونها للتوقيت أي طلقوهن في وقت عدتهن. وعدتهنّ الطهر لأنَّ الطلاق المقبول شرعًا الذي لا يأثم صاحبه هو الذي يكون في حالة الطهر، فاللام في قوله "لعدتهنّ" متعلقة بقوله سبحانه "فطلقوهن" أي طلقوهن لعدتهن، أو في وقت عدتهن وهو الطهر. وهذا التفسير لا يتفق مع ما ذهب إليه الحنفية من أن القرء هو الحيض، إذ يصير المعنى عندهم. فطلقوهن لعدتهن. أي في حال عدتهن، وهي الحيض وهذا غير جائز، ولذلك جعلوا اللام متعلقة بمحذوف، أي فطلقوهن مستقبلات لعدتهن" أي لا تطلقوهن في حالة حيضهن، بل مستقبلات لعدتهن أي بعد أن ينتهي حيضهنّ، فالمرأة في حالة الحيض تنتظر الطهر، والذي ينتظر شيئًا يكون مستقبِلًا له، فالمرأة

стр. 283

تستقبل الطهر الذي تطلّق فيه. فمن فسّر القرء بالطهر - إذن - حمل الآية على ظاهرها دون تقدير، ومن فسّر القرء بالحيض قدّر محذوفًا، أي "قطلقوهن مستقبلات لعدتهن، التي هي الطهر. وهكذا نجد أن اختلاف اللغويين في معنى القرء نشأ عنه اختلاف في التفسير، وكتب أحكام القرآن والتفاسير الفقهية فيها كثير لمن أراد أن يستزيد". ومن الاختلاف في تفسير آيات الأحكام قوله سبحانه ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا (١٥) وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١٥ - ١٦]. ذهب جمهور المفسرين إلى أن هاتين الآيتين الكريمتين جاءتا في أحكام الزناة، وأن هذا الحكم رفع فيما بعد بما جاء في سورة النور من جلد الزاني مائة جلدة إن لم يكن محصنًا، وبما جاء في السنة برجمه إن كان محصنًا وبعض العلماء يسمي هذا نسخًا، وبعضهم لا يسميه نسخًا، لأن النسخ رفع الحكم الشرعي بدليل شرعي إذا لم يكن الحكم مؤقتًا، وفي هذه الآية الكريمة جاء مؤقتا وهو قوله تعالى: ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾، وسواء سميناه نسخًا، أم لم نسمه، فجمهور العلماء على أن الآيتين في أحكام الزناة، وعلى أن هذا الحكم رفع بما جاء في الكتاب والسنة. ولكن أبا مسلم الأصفهاني ذهب مذهبا آخر وهو أن هاتين الآيتين محكمتان، وليستا في أحكام الزناة، بل إن الآية الأولى وردت في أمر السحاق، وهو ما يكون بين النساء، والثانية وردت في اللواط، ويستند أبومسلم في رأيه إلى أنَّه روي عن مجاهد ﵁ وهو مَنْ هو مِن التابعين، وقد نقل الرازي لنا رأي أبي مسلم، ونقله العلماء عن الرازي، وأرى أن أطلعك أخي القارئ على ما لهذا الرأي وما عليه بما فصله خاتمة المحققين الشهاب الألوسي ﵀.

стр. 284

قال الألوسي ﵀ في روح المعاني: وذهب أبو مسلم إلى أنَّه لا نسخ لحكم الآيتين بل الآية الأولى في السحاقيات وهن النساء اللاتي تستمتع بعضهن ببعض وحدهن الحبس، والآية الثانية في اللائطين وحدهما الإيذاء، وأما حكم الزناة فسيأتي في سورة النور، وزيف هذا القول بأنّه لم يقل به أحد، وبأن الصحابة ﵃ اختلفوا في حكم اللوطي ولم يتمسك أحد منهم بهذه الآية، وعدم تمسكهم بها مع شدة احتياجهم إلى نص يدلّ على الحكم دليل على أن الآية ليست في ذلك، وأيضًا جعل الحبس في البيت عقوبة السحاق مما لا معنى له لأنه مما لا يتوقف على الخروج كالزنا، فلو كان المراد السحاقيات لكانت العقوبة لهن عدم اختلاط بعضهن ببعض لا الحبس والمنع من الخروج، فحيث جعل هو عقوبة دلّ ذلك على أن المراد باللاتي يأتين الفاحشة (الزانيات) وأجاب أبو مسلم بأنّه قول مجاهد وهو من أكابر المفسرين المتقدمين وقد قال غير واحد: إذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسبك به. على أنَّه تقرر في الأصول أن استنباط تأويل جديد في الآية لم يذكره المتقدمون جائز، وبأن مطلوب الصحابة رضي الله تعالى عنهم معرفة حدّ اللوطي وكمية ذلك، وليس في الآية دلالة عليه بالنفي والإثبات، ومطلق الإيذاء لا يصلح حدًا، ولا بيانًا للكمية فلذا اختلفوا، وبأن المراد من إمساكهن في البيوت حبسهن فيها واتخاذها سجنًا عليهن ومن حال المسجون منع من يريد الدخول عليه وعدم تمكينه من الاختلاط، فكان الكلام في قوة فامنعوهن عن اختلاط بعضهن ببعض على أن الحبس المذكور حدّ، وليس المقصود منه إلا الزجر والتنكيل، وأيد مذهبه بتمحيض التأنيث في الآية الأولى والتذكير في الآية الثانية، والتغليب خلاف الأصل، ويبعده أيضًا لفظ (منكم) فإن المتبادر منه من رجالكم كما في قوله تعالى: ﴿أربعة منكم﴾ وأيضًا لو كان كل واحد من الآيتين واردًا في الزنا يلزم أن يذكر الشيء الواحد في الموضع الواحد مرتين وأنه تكرير لا وجه له وأيضًا على هذا التقرير لا يحتاج إلى التزام النسخ في شيء من الآيتين بل يكون حكم كل واحدة منهما مقدرًا على حاله، وعلى ما قاله

стр. 285

الغير يحتاج إلى التزام القول بالنسخ وهو خلاف الأصل، وأيضًا على ما قالوه يكون الكتاب خاليًا عن بيان حكم السحاق واللواطة، وعلى ما قلناه يكون متضمنًا لذلك، وهو الأنسب بحاله، فقد قال سبحانه: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨] ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩]، وأجيب بأنا لا نسلم أن هذا قول مجاهد (١). * اختلافات ناشئة عن أسباب أُخَر: هناك اختلافات بين المفسّرين ليس منشؤُها اللغة أو القراءات وليست في آيات الأحكام كذلك، بل ترجع إلى أمر آخر قد يكون التاريخ وقد يكون غيره. وإليكم هذا المثال: وردت كلمة (مرَّتَيْن) في آيات كثيرة من كتاب الله. قال تعالى في شأن المنافقين: ﴿سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ﴾ [التوبة: ١٠١]. وفي السورة نفسها (سورة براءة) وفي شأن المنافقين أيضًا جاء قوله سبحانه: ﴿أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ﴾ [التوبة: ١٢٦]. وفي سورة الإسراء: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ﴾ [الإسراء: ٤]. وفي سورة القصص في شأن أهل الكتاب الذين آمنوا برسالة النبي ﷺ : ﴿أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا﴾ [القصص: ٥٤]. وفي سورة الأحزاب في شأن أمهات المؤمنين ﵅: ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾ [الأحزاب: ٣١]. فتفسير هذه الكلمة في بعض الآيات كان ظاهرًا ليس فيه اختلاف بين المفسّرين، وذلك في آيتي القصص والأحزاب. أمَّا آيتا براءة فقد اختلف فيهما المفسّرون. ففي

стр. 286

قوله تعالى: ﴿سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾ اختلف المفسرون أهما الفضيحة وعذاب القبر أم غير ذلك (١). إلَّا أن الاختلاف الذي كثر بين المفسّرين أقدمين ومحدثين كان في قوله سبحانه ﴿لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ﴾ فلقد اختلفوا أولًا في هاتين المرتين من حيث زمانهما، أمَضَتْ هاتان المرتان كلتاهما أم لا؟ ثمَّ اختلفوا ثانيًا في تعيين هاتين المرّتين على الفرضَيْن: المضيّ أو عدمه. ولشدّة هذا الاختلاف وكثرته نقَلَ الشيخ حسنين محمَّد مخلوف مفتي الديار المصرية الأسبق ﵀ في تفسيره "صفوة البيان" عن الجبّائي أنّ الله لم يعيّن هاتين المرّتين، فليجتهد كلٌّ بما يترجَّح لديه. وهكذا نرى أن أئمتنا المفسّرين ﵏ كانوا يحرصون على استنباط المعاني التي يرون أنها أقرب إلى مراد الله ﵎. أيهما يقدّم المعنى الشرعي أم اللغوي ؟ ذكر الإمام الزركشي وغيره من العلماء ﵏ أن الآية إذا احتملت معنييْن شرعيًا ولغويًا قدمنا المعنى الشرعي على اللغوي. ويظهر أن هذا ليس على إطلاقه، فقد نقدّم المعنى الشرعي إذا كان يؤيده السياق، لكننا نقدّم المعنى اللغوي إذا لم يكن هناك محظور ولم يدلّ عليه دليل. وإليك الأمثلة: ١ - جاء في سورة التوبة آيتان الآية الأولى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [التوبة: ١٠٣] والآية الثانية: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ [التوبة: ٨٤] فنحن نرجح المعنى اللغوي في الآية الأولى، فهؤلاء الذين أعطوا أموالهم خالصة لله وتطهيرًا وتزكية لنفوسهم يصليّ عليهم النبي ﷺ ، والصلاة في حالة الحياة هي الدعاء. أمّا الآية الثانية فإنما تُحمل

стр. 287

على صلاة الجنازة بدليل قوله سبحانه: ﴿مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾. ٢ - ومن الأمثلة على ذلك ما ورد من لفظ الزكاة في الآيات المكية مثل قوله سبحانه: ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (٦) الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [فصلت: ٦ - ٧] وقوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ﴾ [المؤمنون: ٤] فلا يمكن أن تحمل الزكاة هنا على الزكاة المفروضة التي فُرضت بعد الهجرة. ٣ - قوله تعالى: ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ (١٧) وَلَا يَسْتَثْنُونَ﴾ [القلم: ١٧ - ١٨] فالمعنى اللغوي لقوله ﴿لا يستثنون﴾ لا يتركون شيئًا للمساكين. أما المعنى الشرعي للاستثناء فهو الاستثناء في اليمين أي قول الحالف "إن شاء الله" وقد حمل كثير من المفسّرين هذه الآية على هذا المعنى أي أقسموا ليصرمنها مصبحين وكم يقولوا إن شاء الله. ومن المستغرب أنّ شيخ المفسِّرين ابن جرير الطبري وإمام البيان الزمخشري اقتصرا على هذا القول. والذي يبدو، بل الذي ينبغي أن تُحمل الآية عليه أنّ معنى قوله سبحانه ﴿ولا يستثنون﴾ أنهم أقسموا ليصرمنّ جنّتهم ولا يتركون شيئًا للفقراء والمساكين. ذلك لأنَّ معنى الاستثناء الشرعيّ إنّما عُرف بعد الهجرة وسورة (ن) مكية بإجماع، بل إنها ممّا نزل مبكرًا هذا أولًا، وأمَّا ثانيًا فلأنهم لو قالوا (إن شاء الله) فلا يُعدّ ذلك فضيلة لهم لأنهم علّقوا المشيئة على معصية. ومن هذا المثال ندرك أن أقوال المشاهير من العلماء أو إجماعهم على قول ليس له سند من الشرع أو اللغة لا يُلزَم أحدٌ بقبوله. وهذا لا ينتقص من قدرهم ﵏. بل نذهب إلى ما هو أبعد من ذلك وهو أننا قد نردّ بعض أقوال لمشاهير المفسّرين معتذرين كلّ العذر عن عدم قبولها، من ذلك مثلًا ما ذكره الإمام الطبري عند تفسير قوله سبحانه: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩] حيث ذكر أن أكثر العلماء رأوا أن المقام المحمود هو الشفاعة، وأنّ مجاهدًا - وهو من أشهر تلاميذ ابن عباس ﵁ خالف المفسّرين جميعًا، وقال: المقام المحمود معناه أن الله يُجْلس النبي ﷺ معه على العرش. ومع أنّ الطبري

стр. 288

رجّح المعنى الأوّل لكنه دافع دفاعًا قويًّا عن قول مجاهد، وأقام في دفاعه هذا الأدلة والبراهين. وسامح الله شيخ المفسّرين الطبري، فما كان لمثله أن يقبل هذا القول فضلًا عن أن يتبنّاه ويدافع عنه. ومن ذلك ما ذهب إليه ابن جرير الطبري ﵀ عند تفسير قوله سبحانه ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ [الأحزاب: ٣٧] في سورة الأحزاب، حيث فسّر الآية بما يتعارض مع القرآن الكريم أولًا، وبما لا يليق بمقام النبوة ثانيًا. وسامح الله الإمام الطبري وغفر له. * ليس كل ما اشتهر في التفسير جديرًا بالقبول: ليس كل قول اشتهر عند الناس في التفسير حريًّا بأن يُقبل، فضلًا على أن تكون له الصدارة، وفيما يلي بيان ذلك: أولًا: من ذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [الشورى: ٢٣]. المودة في القربى، المشتهر عند الناس أن هذه الآية نزلت في فضل أهل البيت ﵈، ولكن الإمام الطبري - وقد ذكر هذا القول - ذكر معه قولين آخرين، هما: ١ - إلَّا أن تودّوني في قرابتي منكم أي تراعوا ما بيننا من رحم القرابة. ٢ - أن تصلوا أرحامكم فيما بينكم، ولقد عدّ الإمام الطبري القول الأوّل مرجوحًا غير راجح واستند في قوله إلى اللغة، حيث قال ما خلاصته: لو كان القول الأوّل هو الراجح ما دخلت كلمة (في) بل كان النظم خاليًا منها هكذا "إلّا مودّة القربى" فتكون (أل) عوضًا عن الإضافة أي "إلَّا مودّة قرابتي أو قرابتكم" لذلك ضعّف القول الأوّل.

стр. 289

ثانيًا: قال تعالى في سورة الأحقاف: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ﴾ [الأحقاف: ١٠] فالمشتهر عند أكثر المفسرين أنّ الشاهد هو عبد الله بن سلام ﵁. لكنّ مسروقًا ﵀ وهو من أئمة التابعين يقسم أن هذه الآية لم تنزل في عبد الله بن سلام؛ لأنَّ عبد الله بن سلام أسلم بعد الهجرة، وسورة الأحقاف مكيّة باتفاق. وقد نصر ابن جرير الطبري هذا القول واستدلّ له بالسياق كذلك وهو أنّ ما قبل هذه الآية لم يكن فيه ذكر لأهل الكتاب. فمعنى الآية إذن: أخبروني إنْ كان هذا القرآن من عند الله وكفرتم أنتم به وشهد شاهد من بني إسرائيل وهو كليم الله موسى بن عمران على مثله أي شهد على مِثْلِ القرآن وبشَّرَ بالقرآن فآمن به قبل أن ينزل واستكبرتم أنتم ولكنّ ابن جرير الطبري - سامحه الله - بعد أن نَصَرَ هذا القول من حيث التاريخ والسياق عاد ليسوِّغ قبول القول الآخر وهو أن الشاهد عبد الله بن سلام، بحجة أن هذا هو الذي روي عن الصحابة سامح الله ابن جرير الطبري ورحمه ورضي عنه، فليته بقي على تمسّكه بالقول الذي أقام له الحجّة. ثالثًا: قال تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ (١٠) هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ (١١) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (١٢) عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ (١٣) أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ﴾ [القلم: ١٠: ١٤]. فالمشتهر عند المفسّرين أنّ معنى (زنيم) الدّعيّ أي ابن الزنا. وعلى الرغم من اشتهار هذا القول إلَّا أنَّه حريّ به أن يردّ وذلك لما يلي: ١ - لأنَّ كلمة (زنيم) لها في اللغة معانٍ كثيرة: منها الجاف الفظّ. ٢ - إنّ القرآن الكريم - وهو كتاب الأدب والحياة - لا يذكر مثل هذه الصفة، بل إنّ المتفق عليه عند الأئمة منذ عهد النبوة هو عدم التفرقة من حيث الحقوق والواجبات بين ابن الزنا وغيره.

стр. 290

وقد قال تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الإسراء: ١٥]. رابعًا: قال تعالى: ﴿وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ [القصص: ٢٣] ذكر أكثر المفسّرين أن الشيخ الكبير هو شعيب ﷺ وهذا قول يصعب أن يقام عليه دليل فلو كان الشيخ الكبير شعيبًا لنوّه القرآن أو أشار إلى شيء من ذلك. ولهذه المسألة موضع آخر (١). خامسًا: قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ [النساء: ١٥٩] المشتهر في تفسير هذه الآية أنها تدل على نزول المسيح ﵇. ومع أن هذا القول قد رجحه الإمام الطبري، إلا أن ما يرجحه كثير من المفسرن - ونميل إلى هذا الترجيح - أن الضمير في قوله تعالى: ﴿قبل موته﴾ لا يرجع إلى المسيح عيسى ﵇، بل إلى الكتابيّ نفسه أي وما من أحد من أهل الكتاب إلا ليؤمنن بالمسيح ﵇ إيمانًا صحيحًا، أي يؤمن بأنه رسول ليس إلهًا، (قبل موته) أي قبل موت هذا الكتابي، وذلك لما ورد في الأحاديث الصحيحة من أن الإنسان عند موته يرى منزلته، أمن أهل النار هو أم من أهل الجنة؟ وسيدرك في هذه اللحظة أن المسيح إنما هو رسول من رسل الله، فمعنى الآية إذن: كل واحد من أهل الكتاب سيعرف حقيقة المسيح ﵊ عندما تحضره الوفاة. سادسًا: قال تعالى في سورة طه: ﴿قَال فَمَا خَطْبُكَ يَاسَامِرِيُّ (٩٥) قَال بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي﴾ [طه: ٩٥ - ٩٦].

стр. 291

المشتهر عند المفسرين في تفسير هاتين الآيتين الكريمتين قصّة نسجت حولها كثير من الحكايات، خلاصتها: أنّ السامريّ رأى جبريل وهو نازل من السماء فنظر موضع قدم فرسه، فقبض قبضة من هذا التراب الذي مسّه قدم فرسه فوضعه مع الحليّ في النار، فكان منه هذا العجل، لأنَّ ما مسته قدم فرس الرسول يكون فيه حياة، فالرسول في الآية الكريمة جبريل. وهذه القصة الغريبة لم يرد فيها أثر صحيح من السنة المطهرة، فلا تزيد على أن تكون من أخبار القصاص، على أن الشهاب الألوسي ﵀ دافع عن هذا القول دفاعًا كثيرًا. وهناك قول آخر للمفسرين ذكره أبو مسلم بن بحر الأصفهاني، ورجحه الزمخشري واختاره الرازي، وتفسير الآية الكريمة على هذا القول كما يلي: قال فما خطبك يا سامريّ قال بصرت بما لم يبصروا به، أي عرفت ما لم يعرفوه، وكان يعني بذلك صنع التماثيل، فضعت هذا التمثال من الحليّ وكنت قد قبضت شيئًا من شريعتك، فالقبض هنا مجازي، أي اتبعت شيئًا من شريعتك ولكنني نبذته، ثمَّ اعترف بأن هذا ما سولت به نفسه له ونظن أن هذا القول أولى بالقبول مما اشتهر عند المفسرين. وأرى أن هذه النماذج كافية لبيان حقيقه هذا الأمر، وهو أنَّه ليس كل ما اشتهر جديرًا بالقبول. ولا أودّ أن أسترسل فكم من أقوال مشتهرة ذكرها المفسرون جديرة بالمراجعة والتمحيص. وجلّ الله ﵎ وصلَّى الله على نبيه المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى. ورحم الله الأئمة والعلماء فكلٌّ يؤخذ منه ويردّ عليه.

стр. 292

أكثر خلافات المفسّرين يَرجع إلى الرأي والاجتهاد وأمثلة لذلك: تلك بعض الاختلافات في التفسير التي يرجع الخلاف فيها إلى القراءات الصحيحة أو إلى اختلافهم في المعنى اللغوي للكملة؛ وما سوى هذين فإن الخلاف يرجع فيه إلى الرأي والاجتهاد. وهذا يتضح من الأمثلة الآتية: أولًا: قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٢]. اختلف المفسّرون في معنى الآية الكريمة فذهب بعضهم إلى أن المقصود بقوله "فلولا نفر من كلّ فرقة منهم طائفة" هم طلبة العلم، فالنفر في الآية الكريمة المقصود به طلب العلم وليس الجهاد، ويرى هؤلاء أنّ المؤمنين ينفر بعضهم إلى الجهاد وينفر بعضهم إلى طلب العلم. وقال آخرون إنّ المقصود بقوله "فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة" هو النفر إلى الجهاد، وهؤلاء في ذهابهم إلى الجهاد يتفقهون في الدين تفقّهًا عمليًا حتى إذا رجعوا إلى قومهم أنذروهم وعلموهم. ومن أصحاب الرأي الأوّل ابن عاشور في "التحرير والتنوير" والشيخ محمَّد أبو زهرة في تفسيره "زهرة التفاسير" ورجّح هذا الرأي من قبلهما صاحب روح المعاني. ومن أصحاب الرأي الثاني شيخ المفسّرين الطبري، وتبعه صاحب الظلال سيد قطب ﵏ جميعًا- وسأنقل لكم ما قاله ابن عاشور من أصحاب القول الأوّل، وما قاله سيد قطب من أصحاب القول الثاني. قال ابن عاشور ﵀: "وإذا قد كان من مقاصد الإسلام بثّ علومه وآدابه بين الأمّة وتكوين جماعات قائمة بعلم الدين وتثقيف أذهان المسلمين

стр. 293

كي تصلح سياسة الأمة على ما قصده الدين منها. من أجل ذلك عُقب التحريض على الجهاد بما يبين أن ليس من المصلحة تمحض المسلمين كلّهم لأنَّ يكونوا غزاة أو جندًا، وأن ليس حظ القائم بواجب التعليم دون حظ الغازي في سبيل الله من حيث إن كليهما يقوم بعمل لتأييد الدين، فهذا يؤيده بتوسيع سلطانه وتكثير أتباعه والآخر يؤيده بتثبيت ذلك السلطان وإعداده لأنَّ يصدر عنه ما يضمن انتظام أمره وطول دوامه، فإن اتساع الفتوح وبسالة الأمة لا يكفيان لاستبقاء سلطانها إذا هي خلت من جماعة صالحة من العلماء والساسة وأولي الرأي المهتمّين بتدبير ذلك السلطان" (١). وقال سيد قطب ﵀: "والذي يستقيم عندنا في تفسير الآية: أنّ المؤمنين لا ينفرون كافة ولكن تنفر من كلّ فرقة منهم طائفة - على التناوب بين من ينفرون ومن يبقون - لتتفقه هذه الطائفة في الدين بالنفير والخروج والجهاد والحركة بهذه العقيدة وتنذر الباقين من قومها إذا رجعت إليهم بما رأته وفقهته، من هذا الدين في أثناء الجهاد والحركة. والوجه في هذا الذي ذهبنا إليه - وله أصل من تأويل ابن عباس ﵄ ومن تفسير الحسن البصري واختيار ابن جرير وقول لابن كثير - أن هذا الدين منهج حركي لا يفقهه إلَّا من يتحرك به، فالذين يخرجون للجهاد أولى الناس بفقهه بما ينكشف لهم من أسراره ومعانيه وبما يتجلّى لهم من آياته وتطبيقاته العملية في أثناء الحركة به، أمَّا الذين يقعدون فهم الذين يحتاجون أن يتلقوا ممّن تحرّكوا؛ لأنهم لم يشاهدوا ما شاهد الذين خرجوا، ولا فقهوا فقههم، ولا وصلوا من أسرار هذا الدين ما وصل إليه المتحركون، وبخاصة إذا كان الخروج مع رسول الله ﷺ ، والخروج بصفة عامة أدنى إلى الفهم والتفقّه.

стр. 294

ولعلّ هذا عكس ما يتبادر إلى الذهن من أن المتخلفين عن الغزو والجهاد والحركة هم الذين يتفرّغون للتفقّه في الدين، ولكن هذا وهم ... إن فقه هذا الدين لا ينبثق إلّا في أرض الحركة ولا يؤخذ عن فقيه قاعد حيث تجب الحركة ... إن الفقه الإسلامي وليد الحركة الإسلامية فقد وجد الدين أولًا ثم وجد الفقه، وليس العكس هو الصحيح" (١). ونحن نرجح ما ذهب إليه شيخ المفسرين وصاحب الظلال - رحمهما الله - لانسجامه مع السياق. ثانيًا: قال تعالى: ﴿فَقَالوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ﴾ [طه: ٨٨]. اختلف المفسرون في مرجع الضمير في (فنسي)، فقال بعضهم إنه يعود إلى موسى ﵊، وقال آخرون إنّه يرجع إلى السامري. فعلى الأول يكون المعنى: هذا إلهكم وإله موسى فنسي موسى إلهه. فيكون قوله (فنسي) من كلام السامري. وعلى الثاني - وهو أن الضمير يرجع إلى السامري - يكون كلام السامري قد انتهى عند قوله ﴿إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى﴾، ثم قال تعالى (فنسي) أي فنسي السامري بطلان عمله ونسي الحق الذي كان يتبعه. وعلى الرغم من أن أكثر المفسرين رجحوا القول الأول، إلا أننا نرجح القول الثاني وذلك لأمرين: ١ - لأنّ هذا ما يرجحه النظم. ٢ - إنه - وإن كان السامريُّ جاحدًا- لا يبلغ به جهله وصفاقته إلى اتّهام موسى بالنسيان، وبنو إسرائيل الذين صنع لهم العجل كانوا أولى بالنسيان، لكن النسيان إنما يكون لشيء كان في الذاكرة من قبل، وقضية العجل ليست من هذا القبيل ومع ذلك فإن كلا القولين غير مستبعد.

стр. 295

ثالثًا: قوله سبحانه: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ﴾ [النور: ٤١]. اختلفوا في مرجع الضمير في قوله ﴿صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ﴾ فبعضهم رجعه إلى الله أي إن الله يعلم صلاة كل واحد من هذه الأجناس وتسبيحه، ولكنّ القول الذي أختاره أن الضمير يرجع إلى كل من الأجناس والأفراد، أي كل واحد من هؤلاء ممن في السماوات والأرض ومن الطير، يعلم صلاته وتسبيحه، أي يعلم عبادته التي علمه الله، أو ألهمه إياها، وإنما اخترت هذا القول لأنه لا يترتب عليه محظور، لأن خاتمة الآية ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ وهذه الخاتمة تغني عن أن نفسر الآية بالقول الأول. رابعًا: ومن الاختلاف في مرجع الضمير كذلك، قوله سبحانه: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (٦) وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ (٧) وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ [العاديات: ٦ - ٨]. فقد ذهب بعض المفسرين إلى أن الضمير في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ﴾ يرجع إلى الله ﵎، ولكن يضعف هذا القول أنه يلزم عليه تفكيك الضمائر، فإنه وإن صح من حيث الصناعة رجوع الضمير إلى الله تعالى في قوله ﴿وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ﴾ فإنه لا يصلح رجوعه إلى الله في قوله ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ فعلى هذا التفسير يكون لكل من الضميرين مرجع، وهذا تفكيك للنظم، فالصحيح والمقبول والأليق بالنظم الكريم أن يكون الضميران عائدين إلى الإنسان أي إن الإنسان على ذلك لشهيد، وإنه لحب الخير لشديد. خامسًا: ومن الآيات التي اختلف في تفسيرها المفسرون، قوله سبحانه ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ [النور: ٦١]. أهي في الجهاد كما جاء في سورة الفتح أم فيما يتعلق بشان الأكل، كما

стр. 296

جاء في قوله سبحانه فيما بعد ... ﴿وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ﴾ [النور: ٦١]. ولقد استغل بعض المستشرقين هذا الخلاف بين المفسرين، فادعى أن الآية مقحمة هنا، مستندًا في دعواه الباطلة إلى نص ذكره الإمام البيضاوي، لكنّ هذا المستشرق حرف هذا النص عن موضعه. وهذان القولان - أعني كون الآية في الجهاد، أو كونها تتصل بما ذكر من جواز الأكل من بيوت الذين ذكروا في الآية الكريمة - فيهما بُعد؛ أما الأول فلأنه ليس للجهاد ذكر في هذه الآيات، وأما الثاني، فإنّه لا تظهر هذه الرخصة في هذه الأصناف الثلاثة فيما يتصل بالأكل من البيوت، إلا بتكلّف بعيد؛ لذا رجح بعض المفسرين وهو ما أختاره أن أول هذه الآية تابع لما قبله من آيات الاستئذان وهذا هو المعقول في تفسير الآية الكريمة، لأن الآيات الثلاث قبل هذه الآية الكريمة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٨) وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَال مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٩) وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٦٠)﴾ [النور: ٥٨ - ٦٠] تتحدث عن الاستئذان وعن الرخصة للقواعد من النساء، ثم جاء مطلع هذه الآية متحدثا عن هذه الرخصة لهذه الأصناف. سادسًا: قال تعالى: ﴿وَالْفَجْرِ (١) وَلَيَالٍ عَشْرٍ (٢)﴾ [الفجر: ١ - ٢]. اختلف المفسرون في قوله "وليال عشر" فقال بعضهم إنها عشر ذي الحجة

стр. 297

وقال آخرون إنها العشر من المحرم، وذهبت فئة إلى أن المقصود بها العشر الأخيرة من رمضان، وهذه الروايات - وإن كان بعضها صحيحًا - فإنها ليست تفسيرًا للآية الكريمة إذ السورة مكية، وبيان فضيلة ما ذكروه لم يكن معروفا عند نزول السورة الكريمة، فإن فضيلة العشر من ذي الحجة، أو أيام المحرم، أو ليالي رمضان عُلم دْلك كله في المدينة المنورة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام. ثم إن فضيلة عشر ذي الحجة وعشر المحرم يرجع إلى النهار، كما ذكر العلماء، والقول الذي يرجع إلى الليالي هو قول واحد، هو العشر الأخيرة من رمضان؛ لأن فيها ليلة القدر، ولما لم يكن هناك أثر صحيح في تفسير الآية الكريمة رأينا العلماء يعملون الفكر ويجتهدون، فذهب المحققون منهم إلى أن قوله ﵎: ﴿وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ يقصد بها الليالي التي يكون القمر فيها أكثر سطوعًا ونورًا، ويكون فيها بدرًا، وهي العشر الوسط من الشهر، أي من الليلة الحادية عشرة إلى الليلة العشرين، واستدلوا لما ذهبوا إليه بما يلي: ١ - أنها جاءت منكرة (وليال عشر) ولو كان المقصود بها شيئًا مما تقدم لقيل "الليالي العشر" أي الليالي المعهودة من المحرم أو من رمضان أو من ذي الحجة، لكن مجيئها منكرة يدل على أن المقصود شيء آخر. ٢ - أن سورة الفجر نزلت في ظرف كان المسلمون يعانون فيه كثيرًا من أذى أهل مكة، فكانت السورة بشارة لهم بأنَّ هذا الليل القاسي المدلهم سيعقبه فجر يسطع نوره، ويتنفس صبحه أنفاس العافية، وهو قول له وجاهته، والله أعلم بما ينزل. وقد ذكر القاسمي ﵀ في تفسيره أن الليالي العشر هي التي تكون أكثر ظلامًا فهي الخمس الأولى والخمس الأخيرة من كل شهر قمريّ. وهذا ينافي السياق منافاةً تامّةً لأنّ السورة جاءت بشارة للرسول ﷺ -

стр. 298

وللمسلمين من أنّ هذا الليل المدلهمّ لا بدّ أن يطلع فجره ويتنفّس صبحه، فكيف يُجْمع بين الفجر والليالي المدلهمّة في الظلمة؟ إنْ للسياق نصيبًا كبيرًا في فهم الآيات الكريمات والترجيح بين الأقوال المختلفة. سابعًا: ومن الآيات التي اختلف المفسرون فيها على آراء كثيرة، تفسير العصر في قوله: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾ [سورة العصر]. ذهب بعضهم إلى أنها صلاة العصر، واستدلوا بما لهذه الصلاة من فضل ومنزلة، وقال آخرون إنه الدهر مستدلين بما جاء في بعض القراءات (والعصر ونوائب الدهر) - وهي قراءة تفسيرية - وقال آخرون إنه عصر النبي ﷺ مستدلين بما جاء في الحديث الصحيح الذي أخرجه الإمام البخاري "مثل المسلمين واليهود والنصارى كمثل رجل استأجر قومًا يعملون له عملًا إلى الليل فعملوا إلى نصف النهار فقالوا: لا حاجة لنا إلى أجرك فأستأجر آخرين فقال أكملوا بقية يومكم ولكم الذي شرطت، فعملوا حتى إذا كان حين صلاة العصر قالوا لك ما عملنا فاستأجر قومًا فعملوا بقية يومهم حتى غابت الشمس واستكملوا أجر الفريقين" (١). وقالوا إنه يؤخذ من هذا فضل النبي ﷺ حيث أقسم الله بعصره - زمانه - في هذه الآية وبمكانه في قوله ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ وبنفسه وعمره في قوله ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الحجر: ٧٢] وأخذوا من هذا الحديث أيضًا أن بعثة الرسول ﷺ كانت في آخر الساعة فما بين بعثة النبي ﷺ وبين قيام الساعة، كما بين العصر وغروب الشمس. وذهبت فئة رابعة إلى أن العصر هو الطرف الأخير من النهار، فلقد أقسم

стр. 299

الله بالصبح والضحى، وأقسم بالعصر. وإذا نظرنا في هذه الأقوال كلها، نرى أنفسنا مضطرّين إلى ترجيح القول الأخير، لأن الله ﵎ أقسم بالصبح على أن هذا القرآن قول رسول كريم في سورة التكوير، وأقسم بالضحى على أنّ الله ما ودع نبيه ﷺ ، وأقسم بالعصر على أن الإنسان لفي خسر، ومعنى ذلك أن الذي لا يبادر إلى عمل الخير، حتى يقرب انتهاء وقته في خسران. أما القول إنه صلاة العصر، فالآية مكية، وفضل صلاة العصر إنما عرف بعد الهجرة. وأما أنه الدهر، فهذا الإطلاق ليس شائعًا، أي إطلاق الدهر على العصر، وأما أنه عصر النبي ﷺ فلا يكفي لترجيح هذا القول الحديث السابق. إذن فالذي نرجّحه في معنى العصر الطرف الأخير من النهار. ثامنًا: قوله تعالى: ﴿وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾ [البروج: ٣] ساق ابن جرير الطبري ﵀ في معنى (الشاهد والمشهود) الأقوال الآتية: ١ - أن الشاهد يوم الجمعة، والمشهود يوم عرفة. ٢ - أن الشاهد يوم الأضحى والمشهود يوم عرفة. ٣ - أن الشاهد محمد ﷺ ، والمشهود يوم الجمعة في قول، ويوم عرفة في قول آخر. ٤ - أن الشاهد الله تعالى، والمشهود، قيل يوم القيامة، وقيل يوم الأضحى وقيل يوم الجمعة، ثم قال بعد أن ساق تلك الأقوال: "والصواب من القول في ذلك عندنا أن يقال: إن الله أقسم بشاهد شَهِد، ومشهود شُهِد، ولم يخبرنا بذلك أي شاهد وأي مشهود أراد، وكل الذي ذكرنا أن العلماء قالوا هو المعني مما يستحق أن يقال له شاهد ومشهود" (١).

стр. 300

تاسعًا: وليس الطبرى وحده ينهج هذا المنهج، بل هو نهج مشاهير المفسّرين وحذّاقهم، فعند تفسير قوله تعالى في آية الكرسي ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ [البقرة: ٢٥٥] يقول الشهاب الألوسي: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ أي أمر الدنيا (وما خلفهم) أي أمر الآخرة، وروي عكس ذلك. وقيل يعلم ما كان قبلهم، وما كان بعدهم، وقيل ما بين أيديهم من خير أو شرّ، وما خلفهم مما فعلوه كذلك، وقيل ما يدركونه وما لا يدركونه، أو يحسونه ويعقلونه، والكلّ محتمل ووجه الإطلاق فيه ظاهر (١). عاشرًا: وهناك آيات كثيرة ورد في تفسيرها أقوال كثيرة؛ لأن اللغة تحتملها من جهة، ولم يرد في تفسيرها حديث صحيح من جهة ثانية منها قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ﴾ [الأنعام: ٩٨]. إني لأعجب من أولئك الذين يدّعون أن عالمًا فضلًا على أن يكون إمامًا يرى أنه لا يجوز أن يفسر كتاب الله إلا بما صح عن رسول الله ﷺ ، وليست هناك آية من كتاب الله إلا وأعمل المفسرون فيها فكرهم وبذلوا فيها الجهد وتحملوا الجهد كذلك، ولنستمع إلى ما قالوا نتيجة هذا الجهد. قال الألوسي: أي لكم استقرار في الأصلاب أو فوق الأرض .. واستيداع في الأرحام أو في القبر، أو موضع استقرار واستيداع فيما ذكر. وجعل الصلب مقر النطفة والرحم مستودعها، لأنها تحصل في الصلب لا من قبل شخص آخر وفي الرحم من قبل الأب فأشبهت الوديعة فكأن الرجل أودعها ما كان عنده، وجعل وجه الأرض مستقرًا وبطنها مستودعا لتوطنهم في الأول، واتخاذهم المنازل والبيوت فيه وعدم شيء من ذلك في الثاني. وقيل: التعبير عن كونهم في الأصلاب أو فوق الأرض بالاستقرار لأنهما

стр. 301

مقرهم الطبيعي كما أن التعبير عن كونهم في الأرحام أو في القبر بالاستيداع لما أن كلا منهما ليس بمقرهم الطبيعي. وأخرج جماعة منهم الحاكم وصححه من طرق عن ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما-: أن المستقر الرحم والمستودع الأصلاب، ويؤيد تفسير المستقر بالرحم قوله تعالى. ﴿وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ﴾ [الحج: ٥] وأما تفسير المستودع بالأصلاب، فقال شيخ الإسلام: إنه ليس بواضح وليس كما قال، فقد ذكر الإمام بعد أن فرق بين المستقر والمستودع، بأن المستقر أقرب إلى الثبات من المستودع، ومما يدل على قوة هذا القول المعنى المروي عن ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما-: أن النطفة الواحدة لا تبقى في صلب الأب زمانًا طويلًا والجنين يبقى زمانًا طويلًا ولما كان المكث في الرحم أكثر مما في صلب الأب كان حمل الاستقرار على المكث في الرحم أولى، ويلزم ذلك أن حمل الاستيداع على المكث في الصلب أولى. وأنا أقول لعل حمل المستودع على الصلب باعتبار أن الله تعالى بعد أن أخرج من بني آدم ﵇ من ظهورهم ذريتهم يوم الميثاق وأشهدهم على أنفسهم وكان ما كان ردهم إلى ما أخرجهم منه فكأنهم وديعة هناك تخرج حين يشاء الله تعالى ... وروى تفسير المستودع بالدنيا والمستقر بالقبر ... وعن أبي مسلم الأصفهاني أن المستقر الذكر، لأن النطفة إنما تتولد في صلبه والمستودع الأنثى لأن رحمها شبيه بالمستودع لتلك النطفة" (١). أليس في هذا دليل على أن المسلمين لم يجمدوا وهم يتلون هذا القرآن العظيم، بل كانوا يتدبرونه، من أجل أن يصلوا إلى المعنى الذي يتفق مع قدسية هذا القرآن الكريم وجلاله.

стр. 302

حادي عشر: قال تعالى: ﴿وَالصَّافَّاتِ صَفًّا (١) فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا (٢) فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا (٣) إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ (٤)﴾ [الصافات: ١ - ٤]. ثاني عشر: قال تعالى: ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا (١) فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا (٢) فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا (٣) فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا (٤) إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ (٥) وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ (٦)﴾ [الذاريات: ١ - ٦]. ثالث عشر: قال تعالى: ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا (١) فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا (٢) وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا (٣) فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا (٤) فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا (٥) عُذْرًا أَوْ نُذْرًا (٦) إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ (٧)﴾ [المرسلات: ١ - ٧]. رابع عشر: قال تعالى: ﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا (١) وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا (٢) وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا (٣) فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا (٤) فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا (٥) يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ (٦)﴾ [النازعات: ١ - ٦]. خامس عشر: قال تعالى: ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا (١) فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا (٢) فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا (٣) فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا (٤) فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا (٥) إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (٦)﴾ [العاديات: ١ - ٦]. هذه أشياء أقسم الله بها، وهي تلتقي فيما يلي: ١ - كلها مختومة بالتاء. ٢ - كلها صيغ جمع. ٣ - من ذوات القسم بالواو. ٤ - العطف حينا بالواو وحينًا بالفاء. ولقد اختلف المفسرون في معاني هذه الأمور المقسم بها، والله أعلم بمراده. لكننا ونحن نتصفح أقوال المفسّرين نجد أن اختلافهم فيها ليس سواءً، فبعضها كثر الاختلاف فيه، وبعضها لا نكاد نجد فيه اختلافًا، وبعضها بينَ بينَ كما سنعرض، ويرجع ذلك إلى أن بعضها قد روي في تفسيرها آثار مقبولة، وبعضها

стр. 303

الآخر لا يحتمل وجوهًا متعددة في اللغة. أمّا ما كثر فيه الاختلاف فلأنه لم يشتهر في تفسيره أثرٌ ما، وفيه مجال واسع ممّا تحتمله اللغة. فأمّا العاديات وأخواتها فهم مجمعون على أنها الخيل التي تقابلُ العدوّ على تفصيل في وصفها (١). وأما الذاريات وما بعدها، فقد قيل إنها الرياح والسحب والسفن، وقيل إن المقصود بها كلها الرياح، وقد استندوا في ذلك إلى آثار روي بعضها عن الرسول ﷺ وبعضها عن الإمام علي كرّم الله وجهه. وأمّا الصّافات فقيل إنها الملائكة استنادًا إلى قوله تعالى في السورة نفسها ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (١٦٥) وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ (١٦٦)﴾ [الصافات: ١٦٥ - ١٦٦] وقيل إنّ المقصود بها جماعة المؤمنين التي تنزجر عن المعاصي وتتلو الذكر. أمّا تفسير قوله سبحانه ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا﴾ وما بعدها فذهب كثير من المفسّرين إلى أنها الرياح، وهذا ما ترجّحه اللغة وقال آخرون الملائكة. بقي من هذا النمط قوله سبحانه ﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا﴾ وهي أكثر ما اختلفت فيه أقوال المفسرين، فبعضهم رأى أنها الملائكة، وقال آخرون إنها الكواكب، وقال جماعة إنها الخيل، ومن أراد مزيدًا فليراجع كتب التفسير. ونجد الإمام الطبري - شيخ المفسرين ﵁ ييين أنه يمكن أن تُحمل الأمور المقسم بها على كلّ ما ذكر فيها من أقوال؛ لأنه لا تناقض بين هذه الأقوال جميعها، والقرآن كما نعلم حمّال ذو وجوه. قاعدة جليلة: إن ما ذكره الطبري والألوسي وغيرهما، نستنتج منه قاعدة جليلة، هي أنّ ما ورد

стр. 304

في تفسيره أثر صحيح لا يُقدَّم عليه قول آخر أيًّا كان، وما لم يكن كذلك، وكانت اللغة تعين على احتمال معانٍ متعددة له دون أن تتعارض مع السياق فلا بأس أن تُحمل الآية على هذه الأقوال كلها، وهذا ما سار عليه الإمام الطبري ﵀ وغيره من كبار المفسرين، وهذا من شأنه أن يفتح الباب أمام العلماء والباحثين والمحققين في فهم كتاب الله تعالى، فالقرآن الكريم - كما نعلم - لا تنقضي عجائبه ولا يخلق على كثرة الردّ، ولا تنتهى جدّته. * * * التفسيرات البعيدة عن اللغة والسياق: هذا كله إذا كان حمل الآية على كل ما ورد في تفسيرها من أقوال ممكنًا، أمّا إذا تعذّر ذلك لسبب ما فلا، كأن يكون التفسير غير منسجم مع اللغة أو يستبعده السياق فلا ينبغي أن يُقبل مثل هذا التفسير. ومن أمثلة ذلك: ١ - قوله سبحانه: ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الإسراء: ١] في أول سورة الإسراء حيث فسّر بعضهم السميع البصير بأنه رسول الله ﷺ وذلك لعود الضمير على أقرب مذكور ولأنّ الرسول ﷺ كان في هذه المواطن البعيدة عمّا يدركه البشر يسمع ويبصر. وهذا تأويل بعيده جدًّا، لأنّ السميع البصير لم يذكر في القرآن الكريم وصفًا لغير الله. ٢ - قوله سبحانه ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (٢١٧) الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (٢١٨) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٧ - ١٢١٩] فسّر بعضهم قوله تعالى: ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾ بمعنى أن الله يرى تقلبك في أصلاب الساجدين من آبائك من لدن آدم ﵇ إلى زمن ولادتك. وهذا قول بعيد جدًّا لا تعين عليه اللغة ولا السياق، وليس فيه كبير مدح وثناء، فإن المعنى الظاهر للآية أن الله ﵎ يراك حين قيامك في الصلاة ويراك في حال سجودك. وقيل: معنى

стр. 305

(تقلبك في الساجدين) (١) مراقبتك لأصحابك وهم يصلون، ونحن نرجح القول الأول. ٣ - قوله سبحانه: ﴿فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق: ٢٢] حيث قال بعضهم إن المقصود في هذا الخطاب رسول الله ﷺ . وهذا من أغرب التفاسير وأبعدها، لأنه يبتر سياق النظم من جهة ولا يعين عليه المعنى من جهة أخرى. والمقصود بهذا الانسان الذي بدأ الحديث عنه في قوله سبحانه: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦]. فالحديث إذن عن هذا الإنسان الذي كان في غفلة عن الموت، فقبل الآية المذكورة قوله سبحانه ﴿وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ (٢١) لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ (٢٢) وَقَال قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾ [ق: ٢١ - ٢٣] فسباق الآية ولحاقها يردّ التفسير الآنف ذكره. ٤ - وقريب من هذا وإن كان أقل غرابة وبعدًا تفسيرهم قوله تعالى ﴿مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ﴾ [الحج: ١٥] حيث ذكروا أن الضمير يرجع إلى سيدنا رسول الله ﷺ ، وهذا لا يرجحه سياق الآية الكريمة وسيأتي لذلك مزيد تفصيل في تفسير هذه الآية إن شاء الله عند تفسير بعض آيات سورة الحجّ. الاختلاف الناشئ عن التفسير العلمي: ولنختر بعض النماذج التي كان اختلاف المفسرين فيها ناشئًا عن التفسير العلمي في العصر الحديث. لقد كان كل الذي مر معنا من آيات كريمات اختلف حولها المفسرون مرجعه المفسرون قبل العصر الحديث، ولا بد حتى نوفي هذا الموضوع حقه أن نختار بعض النماذج التي كان للمحدثين فيها رأي.

стр. 306

١ - قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ [الرعد: ٤١] وقال تعالى: ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ [الأنبياء: ٤٤]. اختلف المفسرون في الآيتين فذهب بعضهم إلى أن المقصود ما يفتح به الله على المسلمين من بلاد أعدائهم، فكم من بلاد كانت في حوزة أعداء الإسلام ففتحها الله لعباده. وبالتالي نقصت أرض المشركين (١). وقال آخرون: إن معنى قوله (تنقصها من أطرافها) أي نهلك ساداتها ورجالاتها من ذوي الشأن والسؤدد وهذا إطلاق معروف في اللغة، لكن بعض المفسرين في العصر الحديث فهم من الآية معنى آخر. يقول الأستاذ رشيد رشدي العابري ﵀ في كتاب (بصائر جغرافية): غير أن الأرض على الرغم من الدلائل المذكورة القطعية على كرويتها بصورة عامة فإنها غير تامة وغير منتظمة التكوير، فتنقص الأرض عن استدارتها قليلًا من جهتين: الأولى: من طرفيها الشمالي والجنوبي حيث القطبان، والثانية: من جهة أطراف محيطها بصورة عامة. أما من الجهة الأولى: من طرفيها الشمالي والجنوبي. حيث القطبان فهي مفلطحة وناقصة التكوير خلافًا لطرفي خط استوائها، فإنها منبعجة وبشكلها هذا دعيت هندسيًّا بأنها قطع ناقص مجسم ولذلك قل قطرها القطبي عن قطرها الاستوائي فطول قطبي الاستوائي الأرضي (١٢٧٥٤.٨) كيلو متر، وطول قطرها القطبي (١٢٧١٢.٢) كيلو متر، فالفرق بينهما (٤٢.٦) كيلو متر ونسبة هذا الفرق كنسبة (١/ ٢٩٩) وبرهن العلماء على أن الأرض أخذت هذا الشكل نتيجة دورانها حول نفسها، وهذه الظاهرة لم تعرف حتى (١٦٧٢ م) ...

стр. 307

وأما من الجهة الثانية فتتنقص الأرض من أطراف محيطها بوجه عام، فسطح الأرض ليس مستديرًا استدارة منتظمة بل إنه على شكل هرم مثلث نظرًا إلى توزيع اليابس والماء ولمقابله قارة إلى محيط، وتدعى هذه الظاهرة، بنظام (نتراهيدي) وذلك بالملاحظتين التاليتين: أ- إذا لاحظنا توزيع القارات نرى أنها تتخذ شكل مثلث يتجه أحد رؤوسه إلى الجنوب، وهذا ظاهر واضح في أفريقيا والأمريكيّتَيْن، وإن كان هذا الأمر أقل ظهورًا في آسيا وأوروبا ومع ذلك فإن كلًّا منها تنتهي من الجنوب بأشباه جزر ثلاثة تتتهي برؤوس أيضًا. ب- أن كل كتلة من اليابس يقابلها في الغالب من الناحية المضادة لها من سطح الأرض مساحة من المحيط أي إن كل ارتفاع قاري يقابله انخفاض وإن كان هذا النظام ليس مطردًا وفيه بعض الشذوذ، ولكنه مع ذلك ظاهر ظهورًا يستدعي الانتباه، فبينما القطب الشمالي يغمره المحيط، نجد القطب الجنوبي يابسًا مرتفعًا، وكذلك نرى معظم نصف الكرة الشمالي اليابس يقابله المحيطات العظيمة من الجنوب. فالظاهرتان المذكورتان الدالتان على تناقص الأرض من أطرافها في كرويتها وثبوتها من الناحية العلمية ثبوتا قاطعا مما يسّر للأذهان تفسير الآيتين الكريمتين اللتين صدّرنا بهما هذا البحث تفسيرًا واضحًا لا شائبة فيه من تأويل بعيد عن ظاهر اللفظ، وألقى على المعجزة ضوءًا ساطعًا أنار الأفكار وآتاها قوة من الفهم لأسرار الآية الكونية العظيمة (نقص الأرض من أطرافها) وما يتبع ذلك من قواعد علمية تهدي البشر إلى حقيقة الكون ثم معرفة خالقه ومبدعه " (١). وهناك لفتة بيانية في الآيتين أذكرها للقارئ وهي أنّ آية سورة الرعد جاءت

стр. 308

هكذا "أولم يروا" وأن آية سورة الأنبياء جاءت هكذا "أفلا يرون". ونحن نعلم أنّ (لم) تقلب المضارع إلى الماضي فهذا النقصُ أمرٌ ثابت ماضيًا كما في سورة الرعد وحاضرًا ومستقبلًا كما في سورة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. ٢ - قوله تعالى ﴿مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ [الحج: ٥] وسنتحدث عن هذه الآية فيما بعد عند تفسير بعض آيات سورة الحج. ٣ - قوله تعالى: ﴿وَتَرَى الْجِبَال تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ﴾ [النمل: ٨٨]. ذهب جل المفسرين إلى أن هذا سيكون في الآخرة حينما تدك الجبال ثم تكون كالعهن المنفوش، ثم تنسف نسفًا وتمرّ مرّ السحاب، غير أن بعض العلماء المحدثين رأى أن لهذه الآية الكريمة معنى آخر يسنده العلم الحديث. يقول الأستاذ رشيد العابري: "هذه الآيات (١) تشير إشارة صريحة إلى أن الجبال تدك دكًا وتنسف نسفًا، فتصبح اليابسة في سوية واحدة عن سطح البحر وهي مسطحة منبسطة لا ارتفاع فيها ولا انخفاض وذلك في يوم ما وهو ما يدعى يوم القيامة، وإذا أمعنا النظر في الآيات المذكورة وجدنا أن النسف والدك قد يقعان على حالتين الأولى أن الجبال تدك دكة واحدة بدليل الآية ﴿وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَال فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً﴾ [الحاقة: ١٤]، الحالة الثانية: أن يقع النسف والدك على التتابع والتعاقب بدليل الآية ﴿إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا﴾ [الفجر: ٢١] أي تدك دكات متعاقبة ... يقول الأستاذ محمد محيي الدين عبد الحميد ... "إن معناه دكًا بعد دك، أنه كرر

стр. 309

الدكّ عليها وتتابع حتى صارت الأرض هباء منبثًا" وفي هذه الظاهرة إذن وجهتان نظرًا إلى الآيات المذكورة الأولى أن تنسف الجبال وتسوى دفعة واحدة في آن واحد. والوجهة الثانية: أن تدك وتنسف على دفعات متعددة متوالية في أزمان متطاولة حتى تكون على سوية واحدة فهل حقق العلم هاتين الوجهتين من هذه الظاهرة الطبيعية: أجل قد حققهما وأيدهما". وتحدث الكاتب عن هاتين الوجهتين وقال. "من هذا يتضح لنا أن الحركات الجبلية في الأزمنة القديمة مهما كانت عنيفة ومهما كان لها من الأثر في العصور الجيولوجية الأولى، ومن تكوين جبال شاهقة ضخمة واسعة الانتشار فإن قدم ومضي العصور قد أزال أكثر معالمها وحولها إلى هضاب منبسطة أو سهول منحوته أو جبال منخفضة وذلك بتأثير قوة الظاهرة، أما سلاسل الجبال الشاهقة المترامية الأطراف والتي تختط القارات الحالية والتي هي أقوى وأبرز ظاهرات تضاريس سطح الأرض في الوقت الحاضر، فهذه كلها تقريبًا من بقايا العصور الجيولوجية الحديثة التي لم تؤثر عليها عوامل التعرية بعد ولكن قد يأتي يوم عليها أيضًا فتتحول إلى هضاب منبسطة أو إلى سهول متموجة وحتى سهول منخفضة وذلك بتأثير الظواهر الجوية وغيرها التي دعيت بالقوة الظاهرة. أما القوة الباطنة التي لها الأثر البليغ الآن في تكوين التضاريس من رفع وخفض، فسيأتي يوم عليها يقل تأثيرها بصورة تدريجية وذلك بضياع جزء من الحرارة الكامنة تحت القشرة الأرضية مباشرة وذلك بالشع من جهة وبتأثير القشرة الأرضية الباردة المحيطة بالكرة الحرارية من جهة أخرى وإن استغرق ملايين السنين، وهذه الظاهرة الطبيعية تؤدي بالنتيجة إلى ازدياد سمك القشرة الأرضية وحينذاك تكون القشرة الأرضية أكثر تماسكًا. واندماجًا وأكثر مقاومة للاندفاعات الجوفية الأرضية سواء أكانت بركانية أو زلزالية" (١).

стр. 310

ويقول عند قوله تعالى: ﴿وَتَرَى الْجِبَال تَحْسَبُهَا جَامِدَةً﴾ وهي موضع حديثنا: وما جاءت به التفاسير المعتبرة، نرى أن لها وجهتين لا ثالث لهما. فالوجهة الأولى: تبين مصير الجبال في يوم القيامة حيث تؤول إلى هباءات متناثرة في السماء كأنها سحابة متحركة بالفضاء .. أما الوجهة الثانية فهي تشير إشارة صريحة إلى حركة الأرض اليومية حول نفسها والفضائية حول الشمس بحيث نرى الجبال جامدة صامدة على سطح الأرض، ولكنها هي في الحقيقة متحركة بحركتي الأرض وفي الواقع إن كل نقطة على سطحها هي في حركة مستمرة لا استقرار لها ولكن لا نحس ولا نشعر بهذه الحركة والوجهة الأخيرة هذه أقرب من الأولى إلى الحقيقة لما جاء في آخر الآية ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ من حيث. لا يتلاءم إتقان الصنعة مع التخريب والتدمير، بل يتواءم مع الإنشاء والتعمير بحركتي الأرض الخارقتين بتأثير الجاذبية، دون خلل واضطراب يصييان الأرض من جراء الحركتين المذكورتين. فيها لها من صعنة متقنة اتقانًا تحير العقول الجبارة (١) نكتفي بهذه النماذج، ومن دراستنا لها نجد أن أقل أسباب الاختلاف بين المفسرين ما يرجع إلى السنة المطهرة، فليس هناك قولان كان سببهما حديثين مختلفين، وإنما يرجع إلى اللغة من حيث ورود أكثر من معنى للكلمة، أو مرجع الضمير أو غير ذلك مما يمكن أن نستنتجه من أسباب، كما رأينا أن السياق يساعدنا كثيرًا في حل كثير من الإشكالات، وسنزيد هذا المعنى إيضاحًا في آخر هذا المبحث، حينما نختار سورة أنموذجًا لمعرفة ما فيها من اختلاف المفسرين. * التجرد الحقّ أساس لفهم القرآن الكريم: إن حديثنا عن قواعد التفسير ودعائمه من لغة ومأثور وسياق، وما يتصل بذلك كله، إنما يكون مجديًا ومفيدًا إذا كان القارئ أو المفسر متجردًا من جميع المؤثرات الخارجية والداخلية، أعني أن لا يكون متكئًا على قول ما، أو معجبًا برأي ما، يريد أن يحمل القرآن عليه، ولقد رأينا - كما حدثتك من قبل - من يتمحل

стр. 311

في فهم القرآن الكريم، ويتكلف تكلفًا يبعده عن مواطن الحق والصواب. ١ - ولا زلت أذكر أنه قبل سنين، جاءني بحث من إحدى الجامعات، لأحد المدرسين لتحكيمه وتقويمه، وكان الأخ الباحث ممن يرون رأيًا ما في بعض أمور العقيدة، وكان مما قاله ونقله وهو يتحدث عن الوقف في آي القرآن الكريم، وعرض للآية الكريمة في سورة الأنعام، ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ﴾ [الأنعام: ٣] فكان رأي الأخ الباحث، أنه ينبغي أن يكون الوقف عند قوله تعالى: ﴿فِي السَّمَاوَاتِ﴾ فنقرأ الآية هكذا، (وهو الله في السموات) ونقف هنا، ونبدأ مستأنفين: (وفي الأرض يعلم سركم وجهركم)، ويقول إن هذا الرأي وإن كان ابن كثير لم يرتضه، فإن شيخ المفسرين ابن جرير ﵀ قد أرتضاه، وبعد تقويمي للبحث أكدت، أن ابن جرير-﵀ لم يقل هذا الرأي، ونقلت قول ابن جرير في صلب التقويم، ثم جاءني البحث من جهة رسمية أخرى، وإذ بالباحث لم يغيّر في البحث شيئًا، ثم جاءني البحث مرة ثالثة، وإذ هو على حاله. فقد أبى الباحث أن يرجع عما كتبه ... وأنا أعجب من مثل هذا الإصرار على خطأ. أنا لا أحجر على الكاتب أن يرى ما يرى، وأن يقول ما يقول، لكن الذي لا يرضاه أحد، ويأباه الشرع الحنيف، ويرده العقل السليم أن نقوّل العلماء ما لم يقولوه، وأن ندّعي على ابن جرير-﵀ ما هو بريء منه، وما أظن أن الباحث لم يرجع إلى تفسير الطبري، لكن يظهر أنه قرأ في تفسير القرطبي عند تفسير هذه الآية، أن رأي ابن جرير الوقف عند قوله سبحانه (في السموات) وأنا على يقين من أن القرطبي لم يكن قد اطلع على تفسير ابن جرير، لأن تفسير ابن جرير لم يعثر عليه إلا متأخرًا، فلم يكن معروفًا عند المشارقة، فضلًا على أن يكون معروفًا عند المغاربة .. كم كان من الخير لهذا الباحث، أن يرجع إلى الحق، وبخاصة فيما يتصل بكتاب الله ﵎. ٢ - قرأت في كتاب أسباب اختلاف المفسرين "عند تفسير قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ

стр. 312

الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [الحج: ٤١] قال أبو بكر الجصاص: وهو صفة الخلفاء الراشدين الذين مكنهم الله في الأرض وهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃، وفيه الدلالة الواضحة على صحة إمامتهم لإخبار الله تعالى بأنهم إذا مكنوا في الأرض قاموا بفروض الله عليهم، وقد مكنوا في الأرض فوجب أن يكونوا أئمة قائمين بأوامر الله، مُنتهين عن زواجره ونواهيه، ولا يدخل معاوية في هؤلاء؛ لأن الله إنما وصف بذلك المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم، وليس معاوية من المهاجرين بل هو من الطلقاء [الأحكام ٣/ ٢٤٦]، وما كان أغنى الجصاص عن التنصيص على إخراج معاوية من تلك الأوصاف لولا هوى في نفسه وتعصب لمعتقده، قال الذهبي تعقيبًا على ذلك: "وما كان أولى بصاحبنا أن يترك هذا التحامل على معاوية الصحابي، ويفوض أمره إلى الله ولا يلوي مثل هذه الآيات إلى ميوله وهواه" [التفسير والمفسرون: ٢/ ٤٤٣]. ٣ - ومن الإنصاف أن أشكر الكاتب، وأدعو للذهبي بالرحمة، فهذا أمر يستحق الشكر، لكنني قرأت في اليوم نفسه، كتابًا آخر (١)، جاء فيه ما يلي. "وفي قوله": ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ قال ابن القيم: وفي تفسير علي ابن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ قال: الذين يقولون إن الله على كل شيء قدير، وهذا من فقه ابن عباس وعلمه بالتأويل ومعرفته بحقائق الأسماء والصفات، فإن أكثر أهل الكلام لا يوفون هذه الجملة حقها، ولو كانوا يقرون بها، فمنكرو القدر وخلق أفعال العباد لا يقرون بها على وجهها، ومنكرو أفعال الرب القائمة به لا يقرون بها على وجهها، بل يصرحون أنه لا يقدر على فعل يقوم به، ومن لا يقر بأن الله سبحانه كل يوم هو في شأن يفعل ما يشاء، لا يقر بأن الله على كل شيء قدير، ومن لا يقر بأن قلوب العباد بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء وأنه سبحانه يقلب القلوب حقيقة، وأنه إن شاء أن يقيم القلب أقامه،

стр. 313

وإن شاء أن يزيغه أزاغه لا يقر بأن الله على كل شيء قدير، ومن لا يقر بأنه استوى على عرشه بعد أن خلق السموات والأرض، وأنه ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا يقول: من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له، وأنه نزل إلى شجرة فكلم موسى كلمة منها، وأنه ينزل إلى الأرض قبل يوم القيامة حين تخلو من سكانها، وأنه يجيء يوم القيامة فيفصل بين عباده، وأنه يتجلى لهم ويضحك، وأنه يريهم نفسه المقدسة، وأنه يضع رجله على النار، فيضيق بين أهلها، وينزوي بعضها إلى بعض، إلى غير ذلك من شؤونه وأفعاله التي من لم يقر بها لم يقر بأنه على كل شيء قدير، فيالها كلمة من حبر الأمة، وترجمان القرآن" وأنا لا أود أن أعلق على مثل هذا القول، لكني ما كنت أود أن يصدر عن نحرير مثل ابن القيم ﵀، وأن ينقله أخ كاتب، تلمس في كتابته رواء الفكر، والجدّة في التأصيل، وأتساءل أيّ مسلم وأيُّ مؤمن حتى أولئك الذين ليسوا على هذه الملة ينكر أن الله على كل شيء قدير؟ أيجوز أن نقوّل الناس ما لم يقولوه؟ أيجوز أن نأخذ النتائج من غير المقدمات؟ ! ما كان ينبغي أن نلزم الناس بما نفهمه من أقوالهم، أو بما ينبغي أن نردّ عليهم به، وإنما ينبغي أن تكون نظرتنا للناس سواءً، فلا نقبل قولًا لأن قائله فلان أو نرد قولًا لأن قائله علّان، وكلٌّ يؤخذ منه ويردّ عليه إلا سيد المعصومين ﷺ . ٤ - ويقول الكاتب الفاضل: "ومما يجدر التنبيه عليه هنا أنه قد يرد عن السلف تفسير لبعض صفات الله بلازمها، فيظن القارئ لها أن السلف يؤولون صفات الله سبحانه، وهذا ليس بصواب، وذلك لأن الأصل عند السلف هو أن صفات الله على الحقيقة، ولا يجوز التأويل، فإذا رأيت مثل هذا فاعلم أنهم لا يؤولون، لأنه لم يرد عن أحدهم أنه أنكر الصفة، وفرق بين إنكار الصفة والتفسير باللازم" (١). ما أجمل أن يسع بعضنا بعضًا فيما اتفقنا عليه، وأن يعذر بعضنا بعضًا فيما اختلفنا فيه.

стр. 314

الفَصْل الثَّالثِ مخالفة المفسرين من البدهي أن المفسرين ﵏ وإن كانوا أئمة أعلامًا، فإنّهم يؤخذ منهم ويرد عليهم، ومن هنا وجدنا أن الردّ على المفسرين قد اشتهر في القديم والحديث، ولا أتحدث هنا عن المخالفات المنكرة للمفسرين، التي يكون مصدرها الأهواء أو الفرق أو النحل الباطلة أو الجهل، وإنما أذكر المخالفات التي لها نصيبٌ ولو كان ضئلًا من النظر، وسأكتفي بذكر بعض النماذج، ولن أثقل عليك أيها القارئ الكريم: وقفة موجزه مع المفسّرين: ١ - يذكر أبو عبيدة في مجاز القرآن عند تفسير قوله تعالى في سورة الأنفال ﴿وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ﴾ [الأنفال: ١١] مجازه: . يُفرِغ عليهم الصبر وينزله عليهم فيثبتون لعدوهم" (١). ولكن هذا القول من أبي عبيدة لا يعجب الإمام الطبري فهو يقول: وقد زعم بعض أهل العلم بالغريب من أهل البصرة، أن مجاز قوله "ويثبت به الأقدام" يفرغ عليهم الصبر، وينزله عليهم فيثبتون لعدوهم، وذلك خلاف لقول جميع أهل التأويل من الصحابة والتابعين وحسب قول خطأً أن يكون خلافًا لقول من ذكرنا، وقد بينا أقوالهم فيه، وأن معناه وثبتت أقدام المؤمنين بتلبيد المطر الرمل حتى لا تسوخ فيه أقدامهم وحوافر دوابهم" (٢). ٢ - عند تفسير أبي حيان لقوله سبحانه ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا﴾ [يوسف: ٢٤] يقول: طوَّل المفسرون في تفسير هذين الهمَّين، ونسب بعضهم ليوسف ما لا

стр. 315

يجوز نسبته لآحاد الفساق، والذي أختاره أن يوسف ﵇ لم يقع منه همّ البتة بل هو منفي لوجود رؤية البرهان ... ولا التفات إلى قول الزجاج: ولو كان الكلام (ولهمّ بها) كان بعيدًا، فكيف مع سقوط اللام؛ لأنه يوهم أن قوله (وهمّ بها) هو جواب لولا، ونحن لم نقل بذلك، وإنما هو دليل الجواب، وعلى تقدير أن يكون نفس الجواب، فاللام ليست بلازمة لجواز أن ما يأتي جواب لولا إذا كان بصيغة الماضي باللام وبغير لام، تقول: لولا زيد لأكرمتك، ولولا زيد أكرمتك فمن ذهب إلى أن قوله (وهم بها) هو نفس الجواب، لم يبعد، ولا التفات لقول ابن عطية أن قول من قال إن الكلام قد تم في قوله "ولقد همت به" وأن جواب (لولا) في قوله وهم بها، وأن المعنى لولا أن رأى البرهان لهمّ بها، فلم يهم يوسف ﵇، قال: وهذا قول يرده لسان العرب، وأقوال السلف انتهى، أما قوله يرده لسان العرب، فليس كما ذكر، وقد استدل من ذهب إلى جواز ذلك بوجوده في لسان العرب، قال الله تعالى: ﴿إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا﴾ [القصص: ١٠] أي لكادت تبدي به وأما أقوال السلف، فنعتقد أنه لا يصح عن أحد منهم شيء من ذلك؛ لأنها أقوال متكاذبة يناقض بعضها بعضًا مع كونها قادحة في بعض فساق المسلمين، فضلًا عن المقطوع لهم بالعصمة، والذي روي عن السلف لا يساعد عليه كلام العرب! لأنهم قدروا جواب لولا محذوفًا، ولا يدل عليه دليل لأنهم لم يقدروا (لهمّ بها) ولا يدل كلام العرب إلا على أن يكون المحذوف من معنى ما قبل الشرط؛ لأن ما قبل الشرط دليل عليه، ولا يحذف الشيء لغير دليل عليه، وقد طهرنا كتابنا هذا عن نقل ما في كتب التفسير مما لا يليق ذكره، واقتصرنا على ما دل عليه لسان العرب، ومساق الآيات التي في هذه السورة مما يدل على العصمة" (١).

стр. 316

ومع أن كلام أبي حيان لا غبار عليه ألبتة، لكننا وجدنا من بعض الكاتبين المحدثين، من يحمل حملةً قاسية على أبي حيان، يقول الدكتور محمد بن صالح الفوزان: "فهم السلف للقرآن حجة يحتكم إليه لا عليه، ولذا فإن ورود تفسير من تفاسيرهم مبني على فهمهم لغتهم يكون حجة يرجع إليها، وقد أغرب أبو حيان في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾ [يوسف: ٢٤] حيث قال: والذي روي عن السلف لا يساعد عليه كلام العرب، لأنهم قدّروا جواب (لولا) محذوفًا، ولا يدل عليه دليل، لأنهم لم يقدروا (لهمّ بها)، ولا يدل كلام العرب إلا على أن يكون المحذوف من معنى ما قبل الشرط، لأن ما قبل الشرط دليل عليه، ولا يحذف الشيء لغير دليل عليه، فقوله ﵀: "والذي روي عن السلف لا يساعد عليه كلام العرب" قول غريب، فهل أبو حيان أعلم من السلف، الذين نزل بلغتهم القرآن - بكلام العرب؟ وهل أبو حيان أعلم بمعاني كلام الله منهم؟ كل هذا بغض النظر عن المرويات التي رويت عنهم، لأن المراد هنا هو قضية المنهج الذي انتهجه أبو حيان في هذه العبارة" (١). إن أبا حيان قد رد ما روى عن السلف من روايات لا يقرها القرآن الكريم ولا السنة الشريفة، ولِمَ لا يكون أبو حيان أعلم باللغة من كثير منهم، ولا نعني هنا -بالطبع- الصحابة وكبار التابعين، لأن الروايات التي لا تليق بيوسف ﷺ لم ترو عن هؤلاء وإنما رويت عمن جاء بعدهم، وكلمة السلف كلمة يمتد بها الزمن عشرات السنين، بل مئات السنين. ٣ - يقول المراغي في تفسير قوله تعالى: ﴿وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ﴾ [الصافات: ٧] أي وحفظنا السماء أن يتطاول لدرك جمالها، وفهم محاسن نظامها الجهال والشياطين المتمردون من الجن والإنس، لأنهم غافلون عن

стр. 317

آياتنا، معرضون عن التفكر في عظمتها، فالعيون مفتحة ولكن لا تبصر الجمال، ولا تفكر فيه حتى تعتبر بما فيه. ﴿لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى﴾ [الصافات: ٨] أي إن كثيرًا من أولئك الجهّال والشياطين محبوسون في هذه الأرض غائبة أبصارهم عن الملأ الأعلى، لا يفهمون رموز هذه الحياة وعجائبها، ولا ترمي نفوسهَم إلى التطلع إلى تلك العوالم العليا والتأمل في إدراك أسرارها والبحث في سر عظمتها. ﴿وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ (٨) دُحُورًا﴾ [الصافات: ٨ - ٩] أي وقد قذفتهم شهواتهم، وطردتهم من كل جانب، فهم تائهون في سكراتهم، تتخطفهم الأهواء والمطامع والعداوات والإحن، فلا يبصرون ذلك الجمال الذي يشرق للحكماء، ويسهر أنظار العلماء، ويتجلى للنفوس الصافية، ويسحرها بعظمته، وهم ما زالوا يدأبون على معرفة هذا السر حتى ذاقوا حلاوته، فخروا ركعا سجدًا، مذهولين من ذلك الجمال والجلال. ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ﴾ [الصافات: ٩] أي وأولئك لهم عذاب دائم، بتقصيرهم عن البحث في سر عظمة هذا الكون، والْوصول بذلك إلى عظمة خالقه وبديع قدرته، ثم بيّن من وققهم الله وأنعم عليهم ممن ظفروا بالمعرفة فقال. ﴿إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾ [الصافات: ١٠] أي إلا من لاحت له بارقة من ذلك الجمال، وعنت له سانحة منه، فتخطفت بصيرته كالشهاب الثاقب، فحن إلى مثلها، وصبت نفسه إلى أختها، وهام بذلك الملكوت العظيم، باحثًا عن سر عظمته ومعرفة كنه جماله، وهم من اصطفاهم الله من عباده، وآتاهم الحكمة من لدنه وأيدهم بروح من عنده، وهم أنبياؤه وأولياؤه، الذين أنعم عليهم من الصديقين والشهداء والصالحين" وفي سورة الملك يقول: (١)

стр. 318

"وقصارى القول أن هذه الكواكب - كما هي زينة الدنيا، وأسباب لرزق ذوي الصلاح من الأنبياء والعلماء والحكماء - هي أيضًا سبب لتكون الأرزاق المهيجة لشياطين الإنس والجن، فهذا العالم قد اختلط فيه الضر بالنفع، وأعطى لكل ما استعد له، فالنفوس الفاضلة والنفوس الشريرة، استمدت من هذه المادة المسخرة المقهورة، فصارت سببًا لثواب النفوس الطيية، وعذاب النفوس الخبيثة، وصار لهم فيها رجوم وظنون، إذ هم قد استمدوا شيطنتهم، من مظاهر الطبيعة الناشئة من الحرارة والضوء. أما عند تفسيره لقول الله تعالى: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا﴾ [الجن: ٨] فيقول: فمن يستمع الآن يجد له شهابًا رصدا، أي فمن يرم أن يسترق السمع اليوم، يجد له شهابًا رصدًا لا يتخطاه ولا يتعداه بل يهلكه ويمحقه. وإنا لنؤمن بما جاء في الكتاب الكريم من أن الجن كانوا يسترقون السمع، ومُنعوا من ذلك بعد بعثته ﷺ ولكن لا نعرف كيف كانوا يسترقون السمع، ولا نعرف الحرس الذين منعوهم ولا المراد بالشهب التي كانت رصدًا لهم والجن أجسام نارية فكيف تحترق من الشهب. ويرى قوم أن مقاعد السمع هي مواضع الشبهة التي يوسوس بها الجن في صدور الناس، ليصدوهم عن اتباع الحق، والحرس - هي الأدلة العقلية التي نصبها سبحانه لهداية عباده، والشهب الأدلة الكونية التي وضعها في الأنفس والآفاق. وعلى هذا يكون المعنى - أن القرآن الكريم بما نصب من الأدلة العقلية والأدلة الكونية، حرس الدين من تطرق الشبه التي كان الشياطين يوسوسون بها في صدور الزائغين، ويحوكونها في قلوب الضالين، ليمنعوهم من تقبل الدين والاهتداء بهديه، فمن يفكر في إلقاء الشكوك والأوهام في نفوس الناس بعدئذ يجد البراهين التي تقتلعها من جذورها.

стр. 319

هناك تأويلات كثيرة خرج بها أصحابها عن مدلولات اللفظ ومقتضى السياق، فلقد أول اليقين في قوله تعالى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر: ٩٩] بالوصول وقالوا إن من وصل فليس بحاجة إلى عبادة. وأول "البحرين" في قوله تعالى: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ﴾ [الرحمن: ١٩] بفاطمة وعلي ﵄، و (البرزخ) بمحمد ﷺ ، وقال بعضهم إن أول حرف في القرآن هو الباء وآخر حرف هو السين، وهما يكونان كلمة (بس) أي "القرآن وبس" - وما أكثر التأويلات التي أشاعها أصحابها، ولكنها يقينًا ليست بأبعد مما ذهب إليه الشيخ المراغي في تفسيره. لقد خرج الشيخ عن السياق واللغة ورأي جمهور المفسرين، فالذين خطفوا الخطفة حولهم الأستاذ من الشياطين إلى الأنبياء والأولياء والمقربين. ثم أهؤلاء الذين قرأوا القرآن على مكث متدبرين، أيكونون بحاجة إلى الخطفة يخطفونها؟ وهذه الشهب التي ملئت بها السماء لرجم مسترقي السمع، يجعلها الشيخ أنواعًا من الحجج والأنوار. إن هذه التأويلات التي أعجب بها الشيخ ونقلها في تفسيره أقرب ما تكون إلى التأويلات الباطنية، وقد وصلت إلينا من طرق كثيرة ومدارس متعددة، كمدرسة أحمد خان في الهند الذي أنعم عليه الإنجليز بلقب (سير). نعم ليس معنى هذا أن نحجر على العقول في فهم كتاب الله ﵎، ولكن في حدود السياق واللغة والمأثور، وكل خروج كالذي رأيناه في تفسير المراغي، مردود مرفوض جملة وتفصيلًا، لأنه - مع ما فيه من مخالفة وشطط - يغري سفهاء العقول بالقرآن، فيؤولون ألفاظه ويحرفون معانيه. ٤ - يفسر بعض الكاتبين آيات قصة أيوب ﵇، ويحملها على غير ما تحمل عليه، فقد فسر قوله تعالى: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ﴾ [ص: ٤١] بإعراض الناس واستهزائهم بالدعوة والداعين، فإن ذلك من عمل الشيطان،

стр. 320

فشكوى الأنبياء لم تكن إلا بسبب إعراض أممهم عن الاستجابة، وحزنهم لم يكن إلا بسبب بطء في سير الدعوة، واستدل بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾ [النمل: ٧٠]. أما قوله ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ﴾ فالمراد بقوله (اركض) عقد العزيمة وتأكيدها، واستتمام الثقة وإكمالها؛ وذلك لأن الشكوى تشعر بالوهن وعدم القوة في السير إلى الغاية لذلك، هذا ما كان من جواب تلك الشكاية. أما قوله ﴿هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾ [ص: ٤٢] لما كان تردد المرء في غايته ووهن عزيمته مرضًا يضايق الصدور كان عقد العزيمة، واستكمال الثقة غسلا للروح من صدئها، وشفاء للنفس من مرضها، فالمراد من المغتسل هو عقد العزيمة واستكمال الثقة، وهنا يكون اسم الإشارة راجعًا إلى الركض بالرجل التي هى كناية عن عقد العزيمة. ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ﴾ [ص: ٤٣] أي هدينا أهله فآمنوا به واستجابوا لدعوته، وهدينا له مثلهم من غير أهله فالهبة هنا هي الهداية والإرشاد، لا هبة الخلق، لأن ما يهتم به الأنبياء، هو أن يهدي الله بهم لا أن يولد لهم. وقوله تعالى: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾ [ص: ٤٤] أي لا ترفع في وجوه قومك رمحًا ولا عصا ولا تغلظ لهم في القول، بل لوح لهم في وجوههم بالرياحين ولا تأثم بالغلظة. وهذه التأويلات - كما نرى - بعيدة كل البعد عن مدلول اللفظ القرآني ولا ينبغي أن نحمل الألفاظ ما لا تحمل. وقفة مطوّلة مع بنت الشاطئ: ١ - عند حديث الدكتورة عائشة عبد الرحمن عن قوله تعالى: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ تقول: السورة تبدأ بهذه الجملة الخبرية القصيرة، لكن الرازي أخرجها من
следующие страницы →