وحينما أتحدث عن البحر المحيط لأبي حيان أأتحدث عنه من الجانب النحوي فحسب؟ مع أن البحر بحر، فيه ما فيه من أنواع الدرر وصنوف اللآلئ.
ثمَّ بدأتْ محاولة جمع تلك المدارس في جامعة واحدة، والذي أعلمه أن أول من حاول هذه المحاولة هو الإمام السيوطي، كما حدثنا هو نفسه عن ذلك، وجعل كتابه (الإتقان) مقدمة لهدا التفسير يقول السيوطي (وقد جعلته مقدمة للتفسير الكبير الذي شرعت فيه، وسميته مجمع البحرين، ومطلع البدرين الجامع لتحرير الرواية، وتقرير الدراية، ومن الله استمد التوفيق والهداية، والمعونة والرعاية، إنه قريب مجيب) (١). ولكن هذه الجامعة لم يهيأ لها أن تفتح أبوابها لجماهير الدارسين، حتى جاء القرن الثاني عشر الهجري، إذ قيض الله لهذه الأمة عالمًا فذًا ذكيًا محققًا، ذلكم هو شهاب الدين الآلوسي البغدادي، فوضع تفسيره (روح المعاني) فجاء جامعة قرآنية، لم يهمل فيها مسائل المتكلم، ولا مشكلات النحوي ولا روايات الأثري، ولا آراء الفقيه، ولا نكات البياني، ولا قضايا العلم والكون، ولا نفحات الصوفي أو شطحاته فكان روح المعاني روح أقوال كل هؤلاء، يزين ذلك كله تحقيق الرجل لكل تلك المسائل، وإفاضته في ذلك كله. وبهذا التفسير ختمت المرحلة الثانية، لتبدأ مرحلة جديدة هي التفسير في العصر الحديث. فرحم الله علامة الرافدين أبا الثناء شهاب الدين الآلوسي وجزاه الله عن تحقيقه خير الجزاء. ومن الإنصاف أن نسجل هنا أن جامع البيان لابن جرير وكشاف الزمخشري ومفاتح الغيب للرازي، هي الأفلاك التي تدور حولها جميع كتب التفاسير في مرحلة التدوين.
ولا يفوتني قبل التحدث عن المرحلة الثالثة، أن أذكر أن المرحلة الثانية التي استغرقت ما يزيد على عشرة قرون، كانت غنية كل الغنى بنفائس الدرر في تفسير القرآن الكريم، فيما أنتجته عقول الأئمة الأعلام، ودبجته أيديهم. فهناك مئات
стр. 247
التفاسير، وعشرات المدارس غير الذي حدثتك عنه.
إن هذه المرحلة، أعني مرحلة التدوين، ملأت مئات الخزائن من المؤلفات، التي يحتاج عدها فحسب إلى مجلدات، فما بالك بالتعريف بها، فضلًا على التفصيل والتعليق، إن ذلك أمر لا يستطيع أيّ فرد أن يقوم به، بل هو يحتاج إلى أكثر من فريق، وذلك كله ليس كثيرًا على هذا الكتاب الخالد، كتاب الله، الذي لا تنقضي عجائبه ولا يخلق على كثرة الرد، فرحم الله أئمتنا وأجزل لهم في العطاء وجزاهم خير الجزاء.
التفسير في العصر الحديث (١)
يختلف الباحثون في تحديد العصر الحديث، والذي أراه أن هذا يختلف باختلاف الأمم أولًا، وباختلاف العلوم المتحدث عنها ثانيًا، فالعصر الحديث عند الأوروبيين مثلًا يختلف عنه عندنا، ومؤرخو الأدب العربي يجعلون ابتداءه مطلع القرن التاسع عشر، إلا أنّ العصر الحديث للتفسير، إنما ابتدأ في رأيي بظهور تفسير الإمام الشيخ محمَّد عبده، وذلك في نهاية القرن التاسع عشر. ولعل خير شاهد على ذلك، هذا البون الشاسع من حيث الموضوع والأسلوب في التفسير بين الآلوسي الذي توفي سنة ١٢٧٠ هـ - أي بعد ولادة الشيخ محمَّد عبده بست سنين - وتفسير الشيخ محمَّد عبده. فلقد كان منهج الشيخ في التفسير وأسلوبه وموضوعاته التي عرض لها، كان ذلك كله جديدًا يختلف عما ألفه الناس من الناحية التقليدية في التفسير. ولئن كان يغلب على اتجاه التفسير في هذه المرحلة، الطابع الاجتماعي، فإن مدرسة الإمام في التفسير كاتت النواة لجميع الاتجاهات التي اتسعت دائرتها فيما بعد، وأهمها الاتجاه البياني والفقهي (٢) والعلمي والعقدي
стр. 248
والسياسي والاجتماعي والاتجاه الموضوعي. وهناك مع كل أسف تفسيرات منحرفة عن جادة الصواب، بعضها عن قصد وبعضها عن غير قصد.
والتفسير في العصر الحديث يتسع باتساع الزمن، فلئن بدأ بالإمام محمَّد عبده ﵀ إلا أننا نجد له اليوم أعلامًا ومدارس، وهذا أمر طبعي، فارتباط المسلمين بكتابهم أمر حيوي، تحتمه الظروف، فلا حياة لهم إلا به، وسنحاول في هذا الكتاب إن شاء الله بفضل الله ومنته وتيسيره، أن تقدم لك خلاصة، أرجو أن تكون جمّة الفوائد، طيبة الجنى، دانية القطوف، وارفة الظلال، تجد فيها تفصيلًا لما أجمل من قبل.
راجيًا من الله التوفيق، فهو ولينا في الدنيا والآخرة، له الفضل وحده، وعليه التوكل والاعتماد وهو حسبي ونعم الوكيل.
стр. 249
البَابُ الثَّاني أسباب اختلاف المفسِّرين
وفيه خمسة فصول:
الفصل الأوّل: اختلاف المفسّرين وأسبابه.
الفصل الثاني: الرأي المختار في أسباب اختلاف المفسرين.
الفصل الثالث: مخالفة المفسّرين.
الفصل الرابع: تذوق القرآن وفهمه لا بد له من التعمق في العربية.
الفصل الخامس: الآيات المختلف فيها بين المفسّرين في سورة الحجّ - أنموذج تطبيقي.
стр. 250
الفَصْلُ الأَوّل اختلاف المفسّرين وأسبابه
* مقدّمات لا بدّ منها:
هذا هو الباب الثاني من هذا الكتاب وهو واسطة عقده ولبّ ثمراته. ولقد جهدتُ فيه ما يسّر الله وما مكنّني فيه فأكثرتُ فيه من الأمثلة التي توسم بالجدّة محاولًا تجلية أمورٍ من الأهمية بمكانٍ تتصل بموضوع التفسير من هنا فإنني أرجو من ذوي التخصص الدقيق والراغبين في الدراسات القرآنية العناية بهذا الموضوع راجيًا أن يجدوا فيه بغيتهم وأن يحلّ كثيرًا مما يدور في خلدهم وأن يفتح لهم أبواب البحث في موضوعات قرآنية تمسّ الحاجة إليها. وما توفيقي إلَّا باللهِ عليه توكّلت وإليه أنيب.
ولن أعرض في هذا الباب للخلافات التي ليس لها حظ من النظر، وأعني بذلك الخلافات المذمومة التي سلكها أصحاب النّحَل الباطلة وذوو الأهواء والجهلة من الأقدمين والمحدَثين. ولقد أشرتُ إلى شيء من هذه الخلافات عند حديثي عن التفسير بالرأي.
والاختلاف بين الناس فطرةٌ فطر الله الناس عليها، وقد ذكر الله ﵎ في آيات كريمات من آي القرآن الحكيم بعض هذه الاختلافات ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ﴾ [الروم: ٢٢] ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: ١٩٠] وقد يكون الاختلاف بين الناس رحمةً من أجل عمارة هذا الكون. والاختلاف بين المفسّىرين - وقد وعدنا أن نتجنب الاختلافات المذمومة - اختلافٌ تتسع به الآفاق والمدارك وتهذّب به الأفكار وتُصقَلُ به الآراء فيعرف راجحها من مرجوحها.
стр. 251
والقرآن الكريم كتاب الله يتسع لكلّ ما هو حقّ إذا كان لا يتعارض مع مراد الله ﵎، وهذا ما روي عن أمير المؤمنين عليّ ﵇: "القرآن حمَّالٌ ذو وجوه".
الخلافات الفقهية والعقدية:
والاختلافات بين المفسّرين منها ما يرجع إلى اختلافهم في تفسير آيات الأحكام، أو الاختلاف العقدي.
أولًا: الخلافات الفقهية:
وهذا هو أكثر ما اختلف فيه العلماء، يدلّنا على هذا هذه الأسفار الضخمة الثمينة التي كُتبت في أحكام القرآن. وليس على القارئ إلَّا أن يرجع إلى تفسير آية في "أحكام القرآن" للجصّاص أو أحكام القرآن لابن العربي أو غيرهما من الكتب التي أُلّفت في هذا الموضوع.
فمن خلافاتهم في تفسير آيات الأحكام على سبيل المثال:
١ - اختلافهم في تفسير قوله تعالى: ﴿فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨] حيث اختلفوا في أيّ المساجد يحرم دخولها على غير المسلمين.
٢ - اختلافهم في تفسير آية القصاص في قول الله ﵎: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾ [البقرة: ١٧٨] حيث اختلفوا أيقتل الحرّ بالعبد والرجلُ بالمرأة والمسلم بغيره؟
٣ - اختلافهم في تفسير قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] حيث اختلفوا أواجبة العمرة أم سنّة؟
٤ - قال تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦]. ذهب أكثر العلماء إلى أنّ من تمتع بالعمرة لا يجوز له أن يذبح الهدي قبل يوم النحر. وذهب الشافعية إلى أنَّه يمكنه ذلك بعد انتهائه من العمرة. بيان ذلك إنّ علّة
стр. 252
الهدي أداء العمرة ثمّ أداء الحجّ. لكنّ الشافعيّة قالوا: إذا تحقّق جزء العلّة وهو أداء العمرة صحّ تقديم الهدي. وشبيه هذا اختلافهم فيمن حلف على شيء وأراد إتيانه: أيأتيه قبل أن يكفّر عن يمينه؟ قال بعضهم. لا بدّ من أن يكفِّر أوّلًا. وقال آخرون: يمكنه أن يأتي الذي حلفَ على إتيانه ثمّ يكفِّر بعد ذلك.
ثانيًا: الخلافات العقديّة:
هناك خلاف آخر بين العلماء، لكنّه في آيات العقيدة، حيث كان الخلاف بين كثير من الأشاعرة والمعتزلة ثمَّ بينهما وبين الحنابلة وبخاصّة شيخ الإِسلام ابن تيمية ﵏ جميعًا. وسأكتفي بذكر مثالٍ أو مثالين لكلّ نوع من هذه الخلافات، لأنها كثيرة مبثوثة في كتب التفسير والعقائد والأحكام. فمن الخلافات العقديّة مثلًا:
- اختلافهم عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦] وقد جاءت هذه الآية الكريمة في محاجّة أبينا إبراهيم أبي الأنبياء وشيخ الحنفاء ﵌ قومه "قال أتعبدون ما تنحتون والله خلقكم وما تعملون" حيث احتُجَّ بهذه الآية على المعتزلة الذين يرون أن العبد يخلق أفعال نفسِه، فرأى خصومُهم أنّ هذه الآية تردّ عليهم فقالوا إنَّ (ما) في قوله تعالى: ﴿خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦] مصدريّة، فالمعنى "والله خلقكم وعملكم" فعلى هذا التفسير تكون أفعال العباد مخلوقةً لله تعالى، ولكنّ المنصفين - ومنهم الإمام الطبري ﵀ ذهبوا غير هذا المذهب فقالوا: إنّ (ما) اسم موصول والمعنى "كيف تعبدون هذه الأصنام التي تنحتونها من الحجر والخشب وغيرهما والله هو الذي خلقكم وخلق هذه الموادّ التي تنحتون أصنامكم منها". وهذا التفسير هو الذي يؤيده سياق الآيات. ولا يظُنَّنَ ظانٌّ أنني أنتصر لمذهبٍ ما في هذه القضيّة، لكن الذي يعنيني أنْ لا يكون هناك تكلف في تفسير كتاب الله تعالى.
- ومن هذه الخلافات العقدية اختلافهم في تفسير الكرسي في قوله تعالى:
стр. 253
﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ فقد نقل الطبري أقوالًا متعددة في تفسير الكرسي بدأها بما روي عن ابن عباس ﵄ من أن الكرسي هو العلم واستدلَّ له بشواهد من القرآن واللغة، وذكر أقوالًا أخرى منها أن الكرسيّ على حقيقته، ومنها أنَّه العرش أو موضع القدمين (١). ولستُ بصدد الترجيح بين هذه الأقوال إذ مثل هذا له مكان آخر، كما أنني لا أودّ أن أتوسّع في هذين النوعين من الخلاف إذ محلّهما كتب الفقه والعقائد.
الخلافات بين المفسرين: أهي في التفسير بالنقل أم في التفسير بالرأي ؟
قسمنا التفسير من قبل إلى تفسير بالنقل وتفسير بالرأي، ونتساءل هنا: أهذا الاختلاف بين المفسرين في التفسير بالنقل أم في التفسير بالرأي؟ والذي يبدو لنا أن جل الاختلاف إن لم يكن كله إنما هو في التفسير بالرأي، أما التفسير بالمنقول فلا نكاد نجد فيه خلافًا، وقد نجد تعددًا في كثير من الروايات، لكن عند إنعام النظر نجدها متحدة من حيث المعنى.
يقول الإمام الشاطبي ﵀. "من الخلاف ما لا يعتدّ به وهو ضربان:
أحدهما: ما كان من الأقوال خطأ مخالفًا لمقطوع به في الشريعة، وقد تقدَّم التنبيه عليه.
والثاني: ما كان ظاهره الخلاف وليس في الحقيقة كذلك، وأكثر ما يقع ذلك في تفسير الكتاب والسنة، فتجد المفسّرين ينقلون عن السلف في معاني ألفاظ الكتاب أقوالًا مختلفة في الظاهر، فإذا اعتبرتها وجدتها تتلاقى على العبارة كالمعنى الواحد، والأقوال إذا أمكن اجتماعها والقول بجميعها من غير إخلال بمقصد القائل فلا يصح نقل الخلاف فيها" (٢).
стр. 254
ويقول شيخ الإِسلام ابن تيمية ﵀ بعد أن ذكر أن الاختلاف نوعان اختلاف تضادّ واختلاف تنوع "وهذا القسم الذي سميناه اختلاف تنوع كل واحد فيه من المختلفين مصيب فيه بلا تردد، ولكن الذم واقع على من بغى على الآخر فيه" (١).
ويقول محمَّد بن نصر المروزي ﵀: "وجهل قوم هذه المعاني فإذا لم توافق الكلمة الكلمة قالوا هذا اختلاف" (٢).
ويقول الإمام الزركشي ﵀:
"يكثر في معنى الآية أقوالهم واختلافهم، ويحكيه المصنفون للتفسير بعبارات متباينة الألفاظ، ويظن من لا فهم عنده أن في ذلك اختلافًا فيحكيه أقوالًا، وليس كذلك، بل يكون كل واحد منهم ذكر معنى ظهر له من الآية، وإنما اقتصر عليه لأنه أظهر عند ذلك القائل، أو لكونه أليق بحال السائل، وقد يكون بعضهم يخبر عن الشيء بلازمه ونظيره، والآخر بمقصوده وثمرته، والكلّ يؤول إلى معنى واحد غالبًا، والمراد الجميع فليتفطن لذلك، ولا يفهم من اختلاف العبارات اختلاف المرادات كما قيل:
عباراتنا شتّى وحسنك واحد ... وكلٌّ إلى ذاك الجمال يشير
. . . وكثيرًا ما يذكر المفسرون شيئًا في الآية على جهة التمثيل لما دخل في الآية فيظن بعض الناس أنَّه قصر الآية على ذلك" (٣).
ولا أراني في حاجة إلى الإكثار من ذكر الأمثلة فهي قضية واضحة وما على القارئ الكريم إلا أن يرجع إلى تفسير ابن الجوزي "زاد المسير" إذا أرد المزيد.
стр. 255
* آراء الكاتبين في أسباب اختلاف المفسرين
تحدّث العلماء والمفسّرون قديمًا وحديثًا عن أسباب اختلاف المفسّرين في تفسير آي كتاب الله العزيز، وقد أُلّفت في هذا كتب وبحوث خاصّة. ممّن تحدث عن ذلك قديمًا الإمام المفسّر الشهير ابن جزي ﵀، ففي مقدمة تفسيره (كتاب التسهيل لعلوم التنريل) وضع مقدمة عقد الباب الخامس منها للحديث عن أسباب الخلاف بين المفسّىرين والوجوه التي يرجح بها بين أقوالهم.
قال ﵀: "فأما أسباب الخلاف فهي اثنا عشر:
الأوّل: اختلاف القراءات.
الثاني: اختلاف وجوه الإعراب وإن اتفقت القراءات.
الثالث: اختلاف اللغويين في معنى الكلمة.
الرابع: اشتراك اللفظ بين معنيين فأكثر.
الخامس: احتمال العموم والخصوص.
السادس: احتمال الإطلاق أو التقييد.
السابع: احتمال الحقيقة أو المجاز.
الثامن: احتمال الإضمار أو الاستقلال.
التاسع: احتمال الكلمة زائدة.
العاشر: احتمال حمل الكلام على الترتيب وعلى التقديم والتأخير.
الحادي عشر: احتمال أن يكون الحكم منسوخًا أو محكمًا.
الثاني عشر: اختلاف الرواية في التفسير عن النبي ﷺ وعن السلف ﵃" (١).
стр. 256
وأتبع ابن جزي ذلك بذكر وجوهٍ للترجيح عند التعارض وهي عنده اثنا عشر وجهًا كذلك (١).
وقد ذكر شيخ الإِسلام ابن تيمية بعض أسباب الخلاف وأنواعه في مقدمته في أصول التفسير.
وذكر الطوفي بعض أسباب الخلاف في كتابه "الإكسير في علم التفسير".
وحديثًا ألفت رسائل وكتب مستقلة في هذا الموضوع منها رسالة دكتوراه للدكتور الشيخ سعود بن عبد الله الفنيسان بعنوان "اختلاف المفسرين أسبابه وآثاره".
وأفرد الدكتور فهد بن عبد الرحمن الرومي مبحثًا خاصًّا لهذا في كتابه "بحوث في أصول التفسير ومناهجه" ومثله الشيخ مساعد بن سليمان الطيار في كتابه "فصول في أصول التفسير"، وأفرد الدكتور محمَّد بن عبد الرحمن بن صالح الشايع كتابًا خاصًّا للموضوع بعنوان "أسباب اختلاف المفسّرين" ذكر فيه عشرين سببًا هي: (٢)
١ - اختلاف القراءات في الآيات: الأصل في القراءات التوافق، وإنما تُعدّ القراءتان المتواترتان كالآيتين عند تعارضهما في المعنى وعدم إمكان حملهما على معنى واحد (٣). وقد مثل لهذا السبب بأمثلة منها قوله تعالى:
﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥] ففي (اتَّخذوا) قراءتان سبعيتان: واتَخَذوا، بفتح الخاء على المضيّ، و"اتّخِذوا" بكسر الخاء على الأمر، ويستدل بالأولى على سنّيّة الصلاة خلف المقام وبالثانية على وجوبها.
٢ - ما يتعلق بحديث الرسول ﷺ بلوغًا أو ثبوتًا أو فهمًا ومن أمثلة هذا السبب قوله
стр. 257
تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢] حيث فُسّر الظلم بالشرك للحديث الشريف الذي أورده الشيخان في تفسير الآية (١).
٣ - احتمال الإحكام أو النسخ: ومن أمثلته قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ [البقرة: ٢١٩] حيث قيل إنّها منسوخة بآية الزكاة وقيل إنها محكمة غير منسوخة فإما أنها باقية في صدقة التطوع، وإما أن المقصود بالعفو الزكاة بعينها.
٤ - احتمال العموم أو الخصوص: ومن أمثلته قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَال لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣]. فلفظة الناس الأولى عامّة والمراد بها خاص وهو رجل بعينه أو جماعة بعينها وقد عُرف هذا بالإطلاع على سبب النزول.
٥ - احتمال الإطلاق أو التقييد: ومن أمثلته قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١٢] حيث جاء تقييد ميراث الزوجين في هذه الآية وجاء إطلاقه في غيرها.
٦ - احتمال الحقيقة أو المجاز: ومن أمثلته قوله سبحانه: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [المائدة: ٦٤] حيث نقل الكاتب عن أبي حيان ميله إلى حمل هذه الآية ومثيلاتها ممَّا يوهم التجسيم على معانٍ مجازيّة، ثمَّ ردّ ذلك التأويل وضعَّفه.
٧ - احتمال اللفظ تعدد المعاني لا على سبيل الاشتراك: ومن أمثلته قوله تعالى: ﴿وَقَال الرَّسُولُ يَارَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ [الفرقان: ٣٠] ساق الكاتب ثلاثة أقوال للمفسّرين في معنى الهجران هي هجر القرآن بالإعراض عنه، أو أن يقولوا فيه هجرًا أي قبيحًا، أو أن يجعلوه هجرًا من الكلام وهو ما لا نفع فيه. ثمّ قرّب المعنى الأوّل وضعّف الثاني والثالث. وهذا من الاختلاف في الروايات وكلّها متقاربة يمكن الجمع بينها.
٨ - إجمال اللفظ: والاختلاف بسبب الإجمال كثيرٌ ومن أمثلته قوله تعالى: ﴿كُلُوا
стр. 258
مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأنعام: ١٤١].
فقد ورد لفظ (الحق) في الآية مجملًا، لذا اختُلف في المقصود به على أقوال، أولها: زكاة الزروع، وثانيها: الصدقة، وثالثها: أن هذا الحق كان مفروضًا قبل الزكاة ثمَّ نُسخ بها.
٩ - الاختلاف في وجوه الإعراب: مثاله قوله تعالى: ﴿قَال فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ [المائدة: ٢٦].
ففي إعراب "أربعين" قولان: الأوّل أنها منصوبة بمحرّمة، وعليه يُوقف على قوله "يتيهون في الأرض" والمعنى أن التحريم والتيه مدّتهما أربعون سنة. والثاني أنها منصوبة بالفعل "يتيهون"، وعليه يُوقف على قوله "محرمة عليهم" والمعنى أن التحريم كان مؤبدًا، وأن التيه كان أربعين سنة. وأشار الكاتب إلى أن المعنى هنا أثر فيه كل من الإعراب والوقف، والحقّ هو العكس فالمعنى هو الذي أثر في الإعراب والوقف.
١٠ - الاختلاف في مرجع الضمير: ومثاله قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾ [الانشقاق: ٦] فقد اختلف في مرجع الضمير في قوله "فملاقيه" فقيل إنه عائد إلى قوله "كدحًا" وقيل إنّه عائد إلى قوله "ربك". وكلاهما صحيح. والخلاف في مرجع الضمير يعود إلى الخلاف في المعنى لا كما ذكر الكاتب.
١١ - الاشتراك اللفظي: وقد مثّل له بأمثلة للاشتراك في الاسم والفعل والحرف. ومن الأمثلة التي ساقها قوله تعالى: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾ [طه: ١٥] فالإخفاء ورد في اللفظ بمعنيين متضادّين هما الكتم والإظهار وقد ورد التفسير بكليهما.
стр. 259
١٢ - احتمال الكلام التقديم والتأخير، وتقدير إعادة الترتيب: ذكر الكاتب أن السيوطي جعله قسمين:
الأوّل: ما أشكل معناه بحسب الظاهر، فلمّا عرف أنَّه من باب التقديم والتأخير اتّضح. والثاني: ما ليس كذلك، وهو الذي لا يتوقف فهم معناه على تقدير التقديم والتأخير، وإنما لتقديمه أسباب وأسرار، على أن الأصل إقرار الكلام على نظمه وترتيبه، فلا يصار إلى القول بالتقديم والتأخير إلا بمحجّة وقرينة.
وقد مثل الكاتب لهذا السبب بأمثلة منها قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [البقرة: ١٨٠] والتقدير: كتب عليكم الوصية إذا حضر أحدكم الموت. والمواد قبل حضور الموت؛ لأنه إذا حضر موته فهو في شغل شاغل. والحق أن ليس في هذه الآية خلاف بين المفسِّرين وإنما تقديم الشرط على قوله الوصية لحكم بيانية ليس محلّ ذكرها هنا.
١٣ - احتمال وجود حذف واحتياج الكلام إلى تقدير محذوف مثاله قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ [الجاثية: ٢٣] فقد اختلف في قوله سبحانه: "وأضله الله على علم" بحسب اختلاف التقدير فقيل: على علم من العبد بضلال نفسه، وقيل على علم من الله تعالى بضلال العبد. وهذا يرجع إلى الاختلاف في المعنى لا كما ذكر الكاتب.
١٤ - احتمال كون الكلمة صلة في سياق الكلام. وقد أشار الكاتب في الحاشية إلى أن بعض المفسّرين عبروا بأنّها زائدة، لكن تأدّبًا مع القرآن الكريم ودفعًا لسوء الفهم يعبّر بالصلة (١)، ومثل لها الكاتب بأمثلة منها قوله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (٧٥) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ [الواقعة: ٧٥ - ٧٦] فقد اختلف في (لا) بين كونها صلةً لتأكيد الكلام وتقويته، وبين كونها نافيةً للقسم نفسه أو
стр. 260
نافيةً لكلام مقدّر، ولكنّ التحقيق أن هذا قسم بدليل قوله تعالى: "وإنه لقسم لو تعلمون عظيم".
١٥ - الاختلاف في الاستثناء في نوعه وعَوْده: مثاله قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣] فقد اختُلف في عَوْد الاستثناء في قوله ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ وفي نوعه، فقيل: إنه استثناء متصل مختص بقوله ﴿وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ﴾ وبناءً عليه يقتضي المعنى تحريم المذكورات إلَّا ما أُدركتْ ذكاته ممّا أكل السبع، وقيل: إنه استثناء منقطع، وبناءً عليه يقتضي المعنى تحريم المذكورات كلها، لكن ما ذكيتم أنتم فهو الذي يحلّ لكم وقيل: إنه استثناء متصل راجع على كل ما يمكن عوده إليه من المذكورات ممّا يمكن ذكاته قبل موته. وهو قول جمهور العلماء وأقول ما دام هذا قول جمهور العلماء فغيره مردود، ثمّ إن هذا ناشيء عن اختلافهم في أصل المسألة، وليس مرده الاستثناء في الآية الكريمة.
١٦ - الاختلاف في معاني الحروف: من أمثلته قوله تعالى: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ﴾ [الزخرف: ٦٠] فقد اختلف في تفسيرها للاختلاف في معنى "من" في قوله "منكم" فقيل. المعنى "لجعلنا بدلكم". فتكون "من" هنا للبدلية. وقيل: المعنى: ولو نشاء لقلبنا الخِلقة فجعلنا بعضكم ملائكة يخلفون من ذهب منكم فتكون "من" للتبعيض والحق أن الاختلاف في المعنى هو الذي نشأ عنه الاختلاف في معنى "من" فالإعراب فرع المعنى دائمًا، وليس كما قال الكاتب.
١٧ - إغفال دلالة سياق الآية: مثاله قوله تعالى: ﴿وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ﴾ [الواقعة: ٢٩] فقد ذكر بعض المفسّرين أن الطّلح هو الموز، واعترض بعض أهل اللغة بأن الطّلح عند العرب هو شجر كثير الشوك، وردّ الكاتب اعتراضهم لأنَّ سياق الآيات سياق امتنان.
١٨ - التعصب المذهبي: ومن أمثلته قوله تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٢] أشار الكاتب إلى أن الجصاص استدلّ بالآية على أنَّه يجوز للمرأة أن تعقد على نفسها دون وليّ ولا إذن وليّ.
стр. 261
وهو خلاف قول الجمهور فقد صحّ في الحديث الشريف خلافه.
١٩ - الاختلاف العقدي: مثاله قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (١٤) يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ (١٥) وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ﴾ [الانفطار: ١٣: ١٦] أشار الكاتب إلى استدلال المعتزلة بالآية على خلود العصاة من أهل الكبائر في النار وردَّ ذلك.
٢٠ - اختلاف المفسّرين في مفهوم عصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام: فقد اختلف أهل الفرق في هذا فمنهم من يرى أن الأنبياء معصومون من وقت مولدهم، والثاني من وقت بلوغهم بحيث لا يجوز عليهم ارتكاب الكفر والكبائر قبل النبوة، ومنهم من يرى أن العصمة بعد النبوة، وهم أهل السنة، ومثّل الكاتب بقوله تعالى: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى﴾ [عبس: ١ - ٢] وقوله تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ [الضحى: ٧] وبعد أن ذكر أقوال المفسّرين انتصر لقول أهل السنّة.
وأقول: سامح الله الكاتب فليس في هذا خلاف معتبر بين المفسّرين على اختلاف مذاهبهم.
* ملحوظات على ما ذكروه من أسباب الاختلاف:
وهذه الأسباب التي ذكروها لنا عليها أكثر من ملحظ بالاضافة إلى ما ذكرناه من قبل:
أولًا: ما فيها من تداخل، فهناك عدة أسباب ترجع إلى اللغة، أو إلى الاختلاف العقدي، فالاختلاف في مفهوم عصمة الأنبياء مثلًا ناشئ عن خلاف عقدي، وكذلك الاختلاف في الاستثناء وعود الضمير يرجعان إلى المعنى.
ثانيًا: قولهم إنّ الاختلاف في التفسير ناشئ عن الاختلاف في الإعراب وهذا كلام غير مقبول فإنّ من المسلّمات عند العلماء أن الإعراب فرع المعنى، فالمعنى
стр. 262
هو الأساس والأصل، والحركات الإعرابية دوالٌّ على المعاني، فهي تعبر عن المعنى المقبول في الآية، لكن لا يجوز أن نقول إن الاختلاف في التفسير ناشئ عن الاختلاف في الإعراب، فالصحيح أنّ اختلاف المعنى نشأ عنه اختلاف الإعراب، لا أنّ اختلاف الإعراب نشأ عنه اختلافُ المعنى، ومن ثمّ اختلاف التفسير وإليكم هذه الأمثلة:
١ - قال تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾ [البقرة: ١٠٢].
للمفسّرين أكثر من رأي في فهم الآية الكريمة: ذهب كثيرون إلى أنّ هناك ملكين نزلا إلى الأرض يعلّمان الناس السحر ونسجوا حول هذا الموضوع قصصًا عجيبة. وذهب المحققون إلى أنّ هذا من الإسرائيليات التي ينبغي أن ننزه القرآن عنها وقالوا: ليس هناك ملكان نزلا. وقد فُصّل هذا في موضعه.
ونتج عن هذا الاختلاف في فهم المعنى اختلاف في الإعراب، فعلى الرأي الأوّل تكون (ما) اسمًا موصولًا والمعنى: يعلّمون الناس السحر والذي أُنزل على الملكين. وعلى الرأي الثاني تكون (ما) نافية والمعنى: ولمْ ينزلْ على الملكين شيءٌ.
فقد رأيَنْا إذَنْ أنّ اختلاف الإعراب نشأ عن اختلاف المعنى وليس العكس.
٢ - قال تعالى: ﴿لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلَا يَشْكُرُونَ﴾ [يس: ٣٥].
اختلفوا في معني قوله: وما عملته أيديهم. فقال بعضهم: إنّ المعنى: ليأكلوا من ثمر هذا الشجر وليأكلوا مما عملته أيديهم من أنواع الطعام الذي منّ الله به عليهم، وعلى هذا المعنى تكون (ما) اسمًا موصولًا. وقال آخرون - وهو الذي يتفق مع سياق الآيات الكريمات - إنّ المعنى: ليأكلوا من ثمره وهذا
стр. 263
الثمر منّة من الله ونعمة لم تعمله أيديهم ويؤيد هذا المعنى قوله تعالى: ﴿أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ [الواقعة: ٦٤] على هذا المعنى تكون (ما) نافيةً.
٣ - قال تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: ٢٢].
يظنّ كثير من الناس أنّ المعنى: جاء ربُّك وجاءَ الملكُ صفوفًا صفوفًا.
وبناءً عليه تكون الواو الثانية في قوله (والملك) عاطفةً.
ولكن التحقيق الذي لا معدل عنه: أنّ المعنى: جاء ربك والملكُ مصطفّون صفوفًا صفوفًا، وبناءً عليه تكون الواو الثانية في قوله (والملك) حالية.
٤ - قال تعالى: ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ (١) وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ (٢) وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ (٣) لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ [البلد: ١: ٤].
اختلف المفسّرون في المراد من قوله تعالى: ﴿وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ قال بعضهم: المعنى أقسم بهذا البلد وبوالد وما ولد وأنت مستحَلٌّ به، أيْ إنهم استحلّوا حرمتك وآذوك في هذا البلد الحرام، وعلى هذا المعنى تكون جملة (وأنت حل بهذا البلد) معترضةً بين القسمين: أعني القسم بالبلد الحرام والقسم بوالد وما ولد.
وقال آخرون: معنى قوله ﴿وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ أي: وأنت مقيمٌ بهذا البلد. وعليه يكون القسم بهذا البلد حال إقامتك فيه.
وقال غيرهم: جملة (وأنت حلّ بهذا البلد) هي وعدٌ من الله لسيدنا رسول الله ﷺ بأنّ الله سيمنّ عليه بعد هجرته بفتح مكة فتصير حلالًا له. وهذا من قبيل الإعجاز القرآني في الإخبار بالمغيبات. ويؤيد هذا قوله ﷺ : "إنّ الله حرّم مكة، وإنما أحلّت لي ساعة من نهار". وعلى هذين المعنيَيْن الثاني والثالث تكون جملة "وأنت حلّ بهذا البلد" حالية.
وأكتفي بهذه الأمثلة لبيان أن الإعراب فرع المعنى وليس المعنى فرع الإعراب كما يُفهم من عبارة كثير من الكاتبين.
стр. 264
وقريب من هذا قول بعضهم إن من أسباب اختلاف المفسرين اختلاف القرّاء في الوقف والوصل، وهذا مردود كذلك، لأن اختلافهم في الوقف والوصل ناشئ عن اختلاف المعنى، فالشأن في الوقف والوصل كالشأن في الإعراب فكلاهما فرع عن المعنى. وهذه أمثلةٌ للاختلاف في الوقف والوصل.
اختلاف التفسير المسبِّب للاختلاف في الوقف والوصل:
أولًا: قال تعالى: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ١ - ٢] ذكر الزمخشري ﵀ أن الأليق بالبلاغة أن تكون هذه الجمل الأربع مستقلة كلٌّ على حدة: الأولى "ألم". الثانية "ذلك الكتاب". الثالثة: "لا ريب فيه". الرابعة "هدى للمتقين".
هذا هو المشهور عند المحققين من العلماء، لكن رأينا بعضهم يجعلها ثلاث جمل: الأولى "ألم". الثانية "ذلك الكتاب لا ريب". الثالثة "فيه هدى للمتقين".
ولا شكّ أن الأليق بالنظم الكريم هو الأوّل، فعليه يكون الكتاب كلُّه هدى. أمَّا على الثاني فيكون فيه هدى.
ثانيًا: قال تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾ [البقرة: ١٠٢].
للمفسرين آراء في تفسير الآية الكريمة، فبعضهم يرى أن هناك ملكين كانا يعلمان الناس السحر بما أنزل عليهما، وذهب آخرون وهو ما أرجحه أن لا ملكين، وإليكم بيان ذلك:
لقد نُسجت قصص كثيرة حول تفسير الآية الكريمة جُلّها ممّا لا يتفق مع شرع الله، ويتنافى مع عصمة الملائكة والأنبياء ﵇ وهؤلاء يرون أن (ما) في الآية الكريمة اسم موصول، واختلفوا في محله من
стр. 265
الإعراب، فبعضهم يرى أن محله الجرّ؛ لأنه معطوف على ملك سليمان والمعنى عند هؤلاء: إن هؤلاء اليهود اتبعوا ما تقوله الشياطين على ملك سليمان وعلى الذي أنزل على الملكين، وذهب آخرون إلى أن محله النصب معطوف على (ما) في قوله واتبعوا ما تتلو الشياطين والمعنى واتبع اليهود ما تتخرص به الشياطين على ملك سليمان، واتّبعوا ما أنزل على الملكين.
ولكنّ أكثر المفسرين رأى أنَّه في محلّ نصب معطوف على السحر، والمعنى ولكنّ الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر ويعلمونهم ما أنزل على الملكين.
وعلى هذه الأقوال جميعها لا يوقف على كلمة السحر، بل ينبغي أن توصل بما بعدها ﴿يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ﴾. هذا كله إذا عددنا ما اسما موصولًا.
لكنّ المحققين من العلماء ذهبوا مذهبًا آخر، وفهموا الآية فهمًا نرجو أن يكون أقرب إلى السداد، فهم ينكرون القصة من أساسها، ينكرون أن هناك ملكين أنزل عليهما من السماء ما يتصل بالسحر من أجل تعليم الناس، ينكرون هذا من أساسه، و (ما) عند هؤلاء المحققين ليست اسما موصولًا، بل هي حرف نفي، والمعنى: أنَّه ليس هناك ملكان أنزل عليهما شيء من هذا، فـ (ما) نفي للقيد والمقيد، أي لم ينزل شيء على الملكين، لأنه ليس هنا ملكان وهذا الرأي - كما قلت - ذهب إليه كثير من المحققين وهو ما أختاره؛ لأنه أكثر انسجامًا مع قيم القرآن الكريم وفطرة الإِسلام وعلى هذا الرأي ينبغي أن يقف القارئ عند قوله سبحانه ﴿يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ ثمَّ يستأنف ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ﴾ أي لم ينزل على الملكين شيء، لأنه ليس هناك ملكان بهذه الصفة (١) أرأيتم عناية العلماء بالمعنى الذي هو الأليق في فهم الآية الكريمة وكيف يتأثر الإعراب والوقف في تنوع هذه المعاني؟
стр. 266
ثالثًا: قال تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥].
للقرّاء طريقان في الوقف فبعضهم وقف عند قوله "من ربه" ثمَّ استأنف "والمؤمنون كلٌ آمن" فيكون المؤمنون مبتدأ وما بعده خبره، وبعضهم وقف عند قوله "والمؤمنون" واستأنف "كلٌ آمن" فيكون "والمؤمنون" معطوفًا على "الرسول".
والذي هو أوفق وأعظم دلالة على منصب الرسول ﷺ الأوّل لا ريب؛ لأنَّ إيمان الرسول مختلف عن إيمان غيره، فهو إيمان مكاشفة وعيان. وهذا ما ذهب إليه المحققون من الأئمة والجهابذة من المفسّرين. قال العلّامة أبو السعود ﵀: "وتغيير سبك النظم الكريم عمّا قبله لتأكيد الإشعار بما بين إيمانه ﵇ المبني على المشاهدة والعيان وبين إيمانهم الناشيء عن الحجة والبرهان من التفاوت البين والاختلاف الجلي كأنهما متخالفان من كل وجه حتى في هيئة التركيب الدالّ عليهما وما فيه من تكرير الإسناد لما في الحكم بإيمان كل واحد منهم على الوجه الآتي من نوع خفاء محوج إلى التقوية والتأكيد أي كل واحد منهم آمن" (١).
رابعًا: قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ [آل عمران: ٣٠].
وقف الأكثرون عند قوله "من سوء" واستأنف "تودّ لو أن بينها وبينه أمدًا بعيدًا" فيكون المعنى: يوم يجد كل إنسان عمله خيرًا أو شرًّا ثمَّ استؤنف فقيل "فماذا يكون موقف فاعل الشرّ؟ " قيل: تودّ لو أنّ بينها وبينه أمدًا بعيدًا.
стр. 267
وبعضهم وقف عند قوله "محضرًا" ثمَّ استأنف "وما عملت من سوء تودّ لو أن بينها وبينه أمدًا بعيدًا" فعلى الأوّل يكون قوله "وما عملت من سوء" معطوفًا على قوله "ما عملت من خير". ويكون قوله (تودّ) كلامًا مستأنفًا أو جملة حاليّة.
وعلى الثاني يكون قوله "وما عملت من سوء" مبتدأ خبره "تودّ". والذي يتفق مع جزالة النظم ويرجحه المعنى الأوّل لأنَّ الله ﵎ يبيّن أن كل إنسان سيجد ما عمل من خير أو شرّ.
خامسًا: قال تعالى: ﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا﴾ [القصص: ٢٥] وقف الأكثرون عند قوله "على استحياء" ووقفت فئة عند قوله "تمشي" فعلى الأوّل يكون المشي على الاستحياء، وفي الثاني يكون القول على الاستحياء، وكلاهما خير للمرأة، لأنَّ سيدنا رسول الله ﷺ يقول: "الحياء خير كلّه. والحياء لا يأتي إلا بخير" (١).
سادسًا: قال تعالى: ﴿فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ﴾ [القصص: ٣٥] وقف الأكثرون عند قوله "إليكما" فيكون المعنى: إن لكما الغلبة بما أكرمناكما به من آيات لا بالكثرة ولا بالقوّة ويجوز الوقف عند قوله "بآياتنا" ثمَّ يُبْتدأ "أنتما ومن اتبعكما الغالبون" ويكون المعنى: إنَّ عدم وصولهم إليكم وتمكّنهم منكم بقدرة الله وآياته.
سابعًا: قال تعالى في سورة الفتح في وصف الصحابة رضوان الله عنهم وعليهم: ﴿ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ﴾ [الفتح: ٢٩].
حيث وقف بعضهم عند قوله تعالى: ﴿فِي الْإِنْجِيلِ﴾ فيكون المثل واحدًا
стр. 268
في الكتابين. ووقف آخرون عند قوله "في التوراة" وابتدؤوا بقوله "ومثلهم في الإنجيل" فيكون هناك مَثَلان لهم ﵃ أحدهما في التوراة وهو قوله ﴿وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ وثانيهما في الإنجيل وهو قوله ﴿كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ. . .﴾ [الفتح: ٢٩].
ثامنًا: قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ﴾ [الحديد: ١٩] وقف بعضهم عند قوله تعالى: "الشهداء" فيكون المعنى: إن هؤلاء المؤمنين بالله ورسله إيمانًا كاملًا لهم هاتان الصفتان العظيمتان: الأولى: "الصديقون" والثانية: "الشهداء" ويكون المقصود بالشهداء هنا الشهود على غيرهم، وذلك كقوله تعالى ﴿وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ﴾ [هود: ١٨]. ووقف بعضهم عند قوله ﴿أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ﴾ وابتدأ بقوله ﴿وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ﴾. فيكون المقصود بالشهداء الذين استشهدوا في سبيل الله حيث قدموا أنفسهم الغالية في سبيل الله كما نراه الآن في فلسطين والعراق وأفغانستان من مقاومة لقوى البغي والطغيان فجزاهم الله خير الجزاء. على أننا في هذه الآية نرجح الأوّل وهذا هو الأوفق بالسياق.
تاسعًا: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا (٤٢) فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا﴾ [النازعات: ٤٢ - ٤٣] قال بعض المفسرين: معنى قوله "فيم أنت من ذكراها" أي في أيّ شيء أنت من معرفتها، إن معرفة الساعة من شأن علّام الغيوب، لا يجلّيها لوقتها إلا هو، فيكون قوله (فيم أنت من ذكراها) جملة مستقلة.
وقال آخرون (فيم) إنكار لسؤالهم، أي لِمَ يسألون هذا السؤال، وهم لا يعملون من أجلها؟ ثمَّ ابتدئ الكلام بقوله. أنت من ذكراها، أي إرسالك وأنت خاتم الأنبياء عليك وعليهم صلوات الله وسلامه من علاماتها، وهذا يؤيده قوله ﷺ : "بعثت أنا والساعة كهاتين وأشار إلى
стр. 269
إصبعيه الشريفين: السبابة والوسطى".
وعلى هذا المعنى يكون الوقف على قوله (فيم) ثمَّ يبتدأ بقوله "أنت من ذكراها".
وأكتفي بهذه الأمثلة. وخلاصة القول إن الاختلاف في فهم المعنى هو الذي ينشأ عنه الاختلاف في الإعراب أو الاختلاف في الوقف والوصل.
إن هذه قضية لها شأنها وخطرها، وهكذا نجد أنهم قد بالغوا في التكثر من أسباب اختلاف المفسرين وتفريعها وتشعيبها بلا داعٍ، وكان الأولى جمع القضية في أسباب رئيسة يندرج تحتها كثير مما ساقوه ومثلوا له.
стр. 270
الفَصْلُ الثَّاني الرأي المختار في أسباب اختلاف المفسّرين
إذا كنا لا نقرّ الاختلاف في التفسير بالمنقول كما ذكره بعض الأفاضل أفنرجع اختلافات العلماء في التفسير كلها إلى اختلافهم في الرأي والاجتهاد؟ ليس الأمر كذلك. فهناك اختلافات ليس مبعثها الرأي والاجتهاد، بل مبعثها أمور أخرى وإليكم بيانها:
يرجع الاختلاف الذي ليس مبعثه الرأي إلى أنواع ثلاثة:
أولًا: الاختلاف فيما صحّ عن سيدنا رسول الله ﷺ .
ثانيًا: الاختلاف الناشئ عن اختلاف القراءات الصحيحة.
ثالثًا: اختلافهم فيما مرجعه اللغة، وأعني بها احتمال الكلمة أكثر من معنى لغويّ.
أولًا: الاختلاف فيما صحَّ عن الرسول ﷺ -:
وهذا النوع يكاد يكون غير موجود إذ لا يُعقل أن يصحّ حديث عن الرسول ﷺ في تفسير آية ثمّ يصحّ حديث آخر يناقضه ويعارضه، فمثل هذا لا يُقبل من آحاد الناس فكيف بمن لا ينطق عن الهوى؟ فإذا صحّ الحديث عن الرسول الكريم عليه أفضل الصلاة وأتمّ التسليم فلا يُعْدَل عنه إلى قول آخر. اللهم إلَّا إذا كان هذا القول الآخر لا يتعارض مع الحديث الصحيح. مثال ذلك ما ورد عن الرسول ﷺ في تفسير الكوثر من قوله تعالى ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ من أنَّه نهر في الجنّة، وقد ورد عن ابن عباس ﵄ أنّ صيغة (الكوثر) تدلّ على الخير الكثير ومن هذا الخير النهر في الجنّة، فلا يطنَّنَ ظانٌ أن قول ابن عباس مناقض لقول
стр. 271
الرسول ﷺ ، فمن فضل الله علينا أنَّه ليست هناك روايات في التفسير تثبت عن الرسول ﷺ بينها تعارض.
ثانيًا: الاختلاف بسبب تعدد القراءات (١):
ما كان منشأ الاختلاف فيه القراءات الصحيحة مقبول قطعًا؛ لأنه إما أن يمكن الجمع بين هذه القراءات من حيث المعنى وهو كثير، وإن لم يمكن الجمع فلا يكون ثمّ تناقض بين هذه التفاسير، فمن ذلك مثلًا:
١ - الاختلاف في قوله تعالى. ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾ [البقرة: ٣٧] "حيث ورد (آدم) فاعلًا في بعض القراءات، و (كلمات) فاعلًا في قراءة أخرى.
٢ - ومن ذلك اختلاف القراءات في قوله سبحانه ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ [الأعراف: ٥٧] في سورة الأعراف، حيث قرأها عاصم بالباء، والباقون بالنون، إلا أن منهم من ضم النون والشين معًا (نُشُرا)، ومنهم من ضم النون وسكّن الشين (نُشْرا) ومنهم من فتح النون وسكّن الشين (نَشْرا)، ونحن نعلم أن قراءة الباء تختلف من حيث المعنى عن قراءة النون.
٣ - ومنه ما ورد في أول سورة البقرة في قوله سبحانه ﴿وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾ [البقرة: ٩] و ﴿وما يخادعون إلا أنفسهم﴾ وفي الآية ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [البقرة: ١٠] من الكذب أو ﴿يُكَذِّبُونَ﴾ من التكذيب.
٤ - ومنه قوله سبحانه ﴿وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾ [التكوير: ٢٤] بالضاد المعجمة أي ببخيل وفي قراءة "بظنين" بالظاء المعجمة أي بمتَّهم، ومثل هذا كثير.
٥ - وهناك اختلاف قد يدِقُّ توجيهُه. من ذلك ما جاء في قول الله تعالى: ﴿وَقَدْ
стр. 272
مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَال﴾ [إبراهيم: ٤٦] فهناك قراءة بنصب الفعل المضارع "تزولَ" وهناك قراءة برفعِه. والتوجيه الإعرابي للقراءة الأولى أن تكون (إنْ) نافية بمعنى (ما) والمعنى "ما كان مكرُهم ليزيلَ الجبال" فهو تهوينٌ من شأن مكرهم، فـ"إنْ" نافية واللام هي لام الجحود التي يُنْصب بعدها الفعل المضارع. وأما القراءة الثانية "لَتزولُ" بفتح اللام ورفع الفعل فتوجيهها إعرابيًا أنّ (إن) مخفّفة من الثقيلة تفيد التوكيد، واللام في (لتزول) هي الفارقة بين (إنْ) النافية و (إنْ) المخفّفة، والمعنى (إنَّ مكرهم يزيل الجبال لشدته" فهو ليس تهوينًا كما في القراءة الأولى، بل هو تهويل لمكرهم، فهما معنيان لا يمكن الجمع بينهما، لذلك حمل العلماء الجبال في القراءة الأولى التي هوّنت مكرهم على المجاز، وحملوا الجبال في القراءة الثانية على الحقيقة. والمعنى على الأولى "ما كان مكرهم ليزيل الإيمان الراسخ من قلوبكم ويزحزح قلوبكم عن الإيمان، فالإيمان راسخ كالجبال، لا يستطيعون بمكرهم إزالته وقد ثبت هذا تاريخيًا.
ويكون المعنى على القراءة الثانية وإن مكرهم لشدته يزيل الجبال الراسيات.
٦ - ومن ذلك ما ورد في قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾ [يوسف: ١١٠].
قرأ الكوفيون: كذبوا بالتخفيف، وقرأ الباقون كذبوا بالتشديد، وقد اشتهر الخلاف بين السيدة عائشة وابن عباس ﵃ حول هذه الآية الكريمة، ومعنى قراءة التشديد أن الرسل استيأسوا وأيقنوا أن المرسل إليهم قد كذبوهم، فالضمير في (كذِّبوا) للرسل، وترى السيدة عائشة ﵂ أن معنى قوله ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾ أي أيقن الرسل أن اتباعهم الذين آمنوا بهم قد كذبوهم لما تأخر النصر.
стр. 273
أما قراءة التخفيف فلها توجيهان:
أحدهما: أن الظن بمعنى التوهم وحديث النفس، والمعنى أن الرسل لما طال انتظارهم توهموا وحدثتهم أنفسهم أنهم كذبوا وأخلفوا، ويؤيد هذا ما في الآية الأخرى في سورة البقرة قولهم ﴿مَتَى نَصْرُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢١٤].
وثانيهما: هو أن أتباع الرسل هم الذين ظنوا أن الرسل قد كذبوا. وقد روي هذا عن سعيد بن جبير كذلك فعلى الأوّل ضمير ظنوا يرجع إلى الرسل، وعلى الثاني إلى المرسل إليهم ويكون الظن على الأوّل التوهم وحديث النفس كما قلنا. أما على الثاني فيكون الظن على حقيقته أو بمعنى اليقين.
وحجة السيدة عائشة أن الرسل لا يمكن أن يكون منهم ذلك فقالت: معاذ الله لم تكن الرسل لتظن ذلك بربها" (١) وحجة ابن عباس: أنهم بشر يعتريهم ما يعتري البشر من الشك.
والذي يبدو لنا أن كلا من القراءتين ترشد المسلمين وتوجههم وهم يحملون لواء الدعوة إلى الله، فالقراءة الأولى تبيّن لهم إذا تيقنوا من إعراض المدعوين ويئسوا من إيمانهم، فحري بهم أن يطمئنوا لنصر الله سبحانه ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الأنعام: ٣٤]، ومنها قوله سبحانه: ﴿وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَمَا بَلَغُوا مِعْشَارَ مَا آتَيْنَاهُمْ فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ [سبأ: ٤٥].
أما القراءة الثانية فإنها تبيّن للمسلمين أن ما يكون من خطرات النفس وهواجسها بسبب تأخر النصر لا ينبغي أن يفل عزائمهم أو أن يضعف إرادتهم، فهواجس النفس ووساوس الشيطان لا تنقطع ولكن ينبغي أن يكونوا منها على حذر.
قراءة التشديد تعلمنا أن لا نيأس، وقراءة التخفيف ترشدنا أن نتغلب على
стр. 274
الوساوس والهواجس وخطرات النفوس، فلكل قراءة وجهة حري بالدعاة إلى الله أن يحسبوا لها حسابًا وهم يقارعون الباطل والشر ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠١] والرسل سادة المتقين.
٧ - وهناك مثال آخر في الاختلاف في القراءات، هذه القراءة أعمل العلماء فيها أفكارهم وأكدّوا فيها أذهانهم بل كُتبت فيها الرسائل الكثيرة وكانت بحقٍّ مثالًا يدلّ على عناية أئمتنا بهذا الكتاب الكريم. تلكم هي الآية الكريمة في سورة هود ﵇ ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ﴾ [هود: ٨١].
فقراءة ابن كثير وأبي عمرو "امرأتُك" بضم التاء، وباقي السبعة بفتحها "امرأتَك".
والتوجيه الإعرابي يسهُل لكلّ من هاتين القراءتين، فيمكن أن تكون قراءة الرفع على البدلية من "أحدٌ" وقراءة النصب على الاستثناء. وهي قضية خلافية بين النحويين فمثل هذا النمط من الاستثناء يجريه بعض النحاة على البدلية ويعضُهم على الاستثناء. ومثله قوله سبحانه ﴿مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٦٦] وفي قراءة "إلَّا قليلًا". وهناك توجيه آخر لقراءة النصب وهو أن قوله تعالى "إلا امرأتَك" ليس استثناءً من "أحد" بل هو استثناء من قوله سبحانه "بأهلك" فالمعنى على قراءة الرفع أن امرأته سَرَت معهم لكنها التفتت فأصابها ما أصاب قومها.
والمعنى على قراءة النصب أن امرأته لم تسرِ معهم فأصابها ما أصاب قومها وهي على مكانها، فالمعنى هنا "فأسر بأهلك إلَّا امرأتَك" أي إنه لم يؤمر باصطحابها. هذان توجيهان لقراءة النصب على كون الاستثناء متصلًا، أحدهما أنَّه استثناء من قوله تعالى "أحد" والآخر أنَّه استثناء من قوله تعالى: "بأهلك"
стр. 275
أمَّا التوجيه الثالث لقراءة النصب فهو أن الاستثناء منقطع وعليه يكون المعنى "ولا يلتفتْ منكم أحدٌ لكن امرأتَك" فكأنّها ليست من أهله.
إنَّ التوجيه الإعرابي ليس فيه إشكال لدى العلماء، ولكن الإشكال فيما يتصل بالمعنى، فقد ذكر الزمخشري أنّ هناك روايتين في التفسير إحداهما جاء فيها أنّ امرأته قد سَرَت معهم فالتفتت وهذه الرواية تؤيد قراءة الرفع، والرواية الأخرى أن امرأته لم تسرِ معهم وهذا يؤيد قراءة النصب.
قال الزمخشري ﵀: "قرئ "فأسرِ" بالقطع والوصل، و"إلا امرأتك" بالرفع والنصب. . . فإنْ قلتَ: ما وجه قراءة من قرأ "إلا امرأتَك" بالنصب؟ قلت: استثناها من قوله "فأسر بأهلك" والدليل عليه قراءة عبد الله: "فأسرِ بأهلك بقطعٍ من الليل إلا امرأتَك" ويجوز أن ينتصب عن لا يلتفت، على أصل الاستثناء وإن كان الفصيح هو البدل، أعني قراءة من قرأ بالرفع، فأبدلها عن أحد وفي إخراجها مع أهله روايتان: روي أنَّه أخرجها معهم، وأُمر أنْ لا يلتفت منهم أحد إلَّا هي، فلما سمعت هدّة العذاب التفتت وقالت: يا قوماه، فأدركها حجر فقتلها. ورُوي أنَّه أُمر بأن يخلفها مع قومها فإن هواها إليهم، فلم يسرِ بها. واختلاف القراءتين لاختلاف الروايتين" (١).
لكن الذي قاله الزمخشري كان مثار نقاشٍ حادّ بين العلماء، فقد ردّه كثيرٌ من علماء اللغة والأصول والتفسير. ومن هؤلاء الشيخ ابن الحاجب.
قالوا: إنَّ القراءتين متواترتان، أما الروايتان فلا شكّ أن إحداهما غير صحيحة لأنَّ امرأة لوط إمّا أن تكون قد خرجت معهم فأسري بها، أو لم تخرج معهم ولم يُسْرَ بها، وإن كنّا لا نستطيع أن نجمع بين الروايتَيْن ويجب أن نردّ إحداهما فلا يجوز أن نفسّر بهما القراءتين المتواترتَيْن. هذه خلاصة ما
стр. 276
اعترضوا به عليه. ولكنّ الأمر لم يقف عند هذا الحدّ، فقد رأينا من تصدّى للدفاع عن الزمخشري قال السمين ﵀ قد أطال الكلام في هذه القضيّة - بعد أن نقل عبارة الزمخشري السابقة:
"قال الشيخ (١): "وهذا وهم فاحش، إذ بني القراءتين على اختلاف الروايتين من أنَّه سَرى بها أو لم يَسْر بها، وهذا تكاذُبٌ في الإخبار يستحيل أن تكون القراءتان - وهما من كلام الله تعالى - يترتبان على التكاذب".
قلتُ: وحاشَ لله أن تترتب القراءتان على التكاذب، ولكن ما قاله الزمخشري صحيح. الفرض أنَّه قد جاء في التفسير القولان، ولا يَلْزم من ذلك التكاذبُ، لأنَّ من قال إنه سَرى بها يعني أنها سَرَتْ هي بنفسها مصاحبةً لهم في أوائل الأمر، ثمَّ أخذها العذاب فانقطع سراها، ومن قال إنه لم يسرِ بها، أي: لم يأمرها ولم يأخذها وأنه لم يَدُم سُراها معهم بل انقطع فصحَّ أن يُقال: إنه سرى بها ولم يَسْرِ بها، وقد أجاب الناس بهذا، وهو حَسَن" (٢).
وممن جوَّد النقل في هذه المسألة وأطال النَفَس خاتمة المحققين الشهاب الألوسي ﵀ فقد أجاد وذكر ما يشبع ويشفي الغلّة فليراجعه من شاء حيث كتب في ذلك عدة صفحات من القطع الكبير قال بعد أن ذكر كلام الزمخشري:
"نعم. يردُ على قوله: (واختلافُ القراءتين لاختلاف الروايتين) أنَّه يلزم الشكّ في كلام لا ريب فيه من رب العالمين. ويجاب بأن معناه اختلاف القراءتين جالب وسبب لاختلاف الروايتين كما تقول: السلاح للغزو أي أداة وصالح مثلًا له. ولم يُرِدْ أن اختلاف القراءتين لأجل اختلاف الروايتين قد
стр. 277
حصل، ولا شك أن كل رواية تناسب قراءة وإنْ أمكن الجمعُ، وأمّا قوله: وأمر أن لا يلتفت منهم أحد إلَّا هي فنقل للرواية لا تفسيرٌ للفظ القرآن" (١).
٨ - كل ما ذكرتُه من الاختلاف في القراءات ممّا سبق يرجع إلى اللغة وإلى المعنى. وهناك اختلاف في القراءات ينشأ عنه اختلاف في الأحكام الفقهية مثل قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] والآية في شأن الحيَّض من الأزواج حيث قرئ الفعل المضارع بالتخفيف "يطهُرن" وبالتشديد "يطّهّرن" ونشأ عن ذلك خلاف بين الأئمة في توقيت جواز الوطء.
٩ - ومن ذلك الاختلاف في القراءة في قوله سبحانه: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦] فهناك قراءتان صحيحتان: كسر لام وأرجلكم وفتحها، وقد نشأ عن هذا اختلاف في مسح الأرجل أو غسلها.
إن اختلاف القراءات لثروة عظيمة تغني المعنى وتفتح آفاقًا للنظر في كتاب الله ﵎.
ثالثًا: الاختلاف الناشئ عن اللغة:
أنزل الله كتابه ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الزمر: ٢٨] والمتدبر لكتاب الله، عليه أن يتئد ويتأنى فيما يجب أن تُفَسّر به الآية الكريمة، فقد ترد الكلمة في آية فتُحمَل على معنى، وقد ترد هذه الكلمة نفسها في آية أخرى فتُحمل على معنى آخر.
ولنضرب لكم مثلًا لتوضيح هذه القضية:
قال تعالى في سورة الفتح: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ
стр. 278
فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ [الفتح: ٢٩] ووردت كلمة "كفّار" في سورة الحديد في قوله سبحانه: ﴿كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ﴾ [الحديد: ٢٠] فكلمة "كفّار" في الآية الأولى لا تُحْمل إلَّا على معنى واحد هو أنهم غير المؤمنين. أمَّا كلمة "كفّار" في الآية الثانية فقد تُحمَل على معنى آخر وهم "الزُّرّاع" لأنَّ الزارع يسمّى كافرًا لأنه يستر الحَبّ في الأرض، والكفر هو السَّتْر وهذا هو المعنى الراجح لكلمة "كفّار" في سورة الحديد.
والاختلاف الناشئ عن اللغة قد يكون مرجعه الاشتراك، والاشتراك أن يكون للفظ أكثر من معنى، وقد تكون هذه المعاني متضادة فيدخل في قسم الأضداد، وقد يكون مرجعه غير ذلك كما سنبينه إن شاء الله في الأمثلة الآتية:
١ - قوله سبحانه: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [البقرة: ٢٠٥].
فلقد اختلف المفسرون في معنى قوله سبحانه (تولى)، فقال بعضهم: معناها أدبر وأعرض وقال آخرون: صار ذا منصب وولاية، وهذا الفعل صالح لهذين المعنيين إلا أن الذي نراه أقرب في فهم الآية الكريمة، هو المعنى الأوّل، وهذا ما يؤيده سياقها وسباقها، فهي حديث عن هذا الذي يعجبك حديثه، وتروقك حلاوة لسانه وتسمع لقوله إذا قال، مؤكدًا ذلك بالأيمان المغلظة وبشهادة الله على ما في قلبه، وهو ذو لدد في خصومته، فإذا ترك مجلسك وأعرض عنك، كان فعله كله شرًّا، يناقض كل ما سمعته منه. هذا هو الأليق بمعنى التولي.
أما تفسير التولي بالمنصب والولاية، فهو بعيد من جهة، ثمَّ إن التفسير الأوّل يغني عنه من جهة أخرى؛ لأنه إذا أعرض كان منه هذا الشر، فما بالك إذا كان ذا منصب وولاية، وهكذا ينبغي أن نوازن بين الأقوال التي ترد في
стр. 279
تفسير الآية الكريمة لنفسر الآية الكريمة بأصحها وأفضلها وأرجحها، والله أعلم بما ينزل.
٢ - قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ [البقرة: ٢٠٨] وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾ [الأنفال: ٦١]، وقوله تعالى: ﴿فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ﴾ [محمد: ٣٥] فالسلم في الآية الأولى يرى أكثر المفسرين أن المراد به الإِسلام، فهو أمر للمؤمنين أن يدخلوا في الإِسلام كافّة أي أن يأخذوا شرائع الإِسلام كلها لأنَّ الدين كلّ لا يتجزّأ، فـ (كافّة) ترجع إلى الإِسلام لا إلى المؤمنين، أي "ادخلوا في الإِسلام كله" فلا تتركوا أمرًا من أوامره أو نهيًا من نواهيه. بينما السلم في الآيتين الأخريين يراد به المسالمة والصلح، فالآية الثانية تبيّن للنبي عليه وآله الصلاة والسلام، وللمسلمين أن الأعداء إن مالوا إلى المسالمة دون أن يكون لكم عندهم حقوق وكنتم في مركز قويّ فأجيبوهم، أما الآية الثالثة فتحذر المسلمين من أن يخضعوا إلى عدوّ الله وعدوّهم، وأن يضعفوا ويستسلموا كما هو الحال في هذه الأيام. وهكذا ترى كيف يرجّح السياق حمل الكلمة على المعنى الأليق بها من حيث اللغة.
٣ - قوله سبحانه: ﴿قَالوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (١٥٣) مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [الشعراء: ١٥٣ - ١٥٤] هذا ما قالته ثمود لنبي الله صالح ﵊، ثمَّ جاء قوله سبحانه في السورة نفسها: ﴿قَالوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (١٨٥) وَمَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾ [الشعراء: ١٨٥ - ١٨٦].
وكلمة (مسحَّر) لها معنيان في اللغة:
أ - الذي يأكل ويشرب، واستدلوا له بقول السيدة عائشة ﵂: "توفي رسول الله ﷺ وهو بين سحري ونحري" (١).
стр. 280
ب - المسحور الذي أصابه مَسّ. ولقد حمل بعض المفسرين الآيتين على المعنى الأوّل، وبعضهم على المعنى الثاني (١). وذهب آخرون إلى أن لكلّ من الآيتين معنى خاصًّا بها (٢).
٤ - قال تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾ [التكوير: ١٧] قالوا: عسعس تحمل معنيين أقبل وأدبر، وينبغي أن تُحمل الآية على أحد المعنيين، فرجّح بعضهم حملها على المعنى الثاني: "أدبر" مستدلًا لهذا الترجيح بقول الله ﵎، ﴿كَلَّا وَالْقَمَرِ (٣٢) وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ﴾ [المدثر: ٣٢ - ٣٣] في سورة المدثر.
وأقول: إن الليل ذكر في القرآن الكريم بقيود وأوصاف متعددة منها: الآية السابقة ﴿وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ﴾ [المدثر: ٣٣] ومنها ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ [الليل: ١] إلى غير ما هنالك من آيات كريمات وكلّ قيد من هذه الأوصاف جاء لحكمة وسبب، فإذا أردنا أن نرجح أحد القولين فيجب أن نتفهم سياق الآيات تفهّمًا تامًّا.
٥ - قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ [القلم: ٣] ذكر صاحب الكشاف لقوله (غير ممنون) معنيين: "الأوّل غير مقطوع" كقوله تعالى: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود: ١٠٨] الثاني: غير ممنون عليك به" (٣).
ولا مانع من الجمع بين هذين المعنيين، لأنه ليس بينهما تضادّ كالآية السابقة.
٦ - قال تعالى ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: ٣٣] وقد وردت كلمة "خير" في القرآن الكريم مرادًا بها المال سواء كانت نكرة كما في قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ١٨٠] فقد أجمعوا على أن المقصود من (الخير) في الآية المال الكثير.
стр. 281
أم كانت معرفة كما في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ [العاديات: ٨] من هنا ذهب بعض العلماء إلى أن الخير هو المال في قوله ﴿إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ ولكن هذا القول ردّه حذّاق العلماء؛ لأنه يتنافى مع السياق واللغة والواقع وحكمة التشريع، إذ لا يقال لغة، إن علمتم فيهم مالًا، وإنما يقال: إن علمتم عندهم أو لهم.
ولا يشترط للمكاتب الذي يريد الحرية أن يكون ذا مال، وحديث بريرة في الصحيح خير شاهد على ذلك، بل "يشترط فيه أن يكون قادرًا على الكسب لا أن يعيش كلًّا على المجتمع المسلم".
٧ - قال تعالى: ﴿إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ﴾ [المرسلات: ٣٢] والقصر في لغة العرب هو البيت، وبهذا فسّر الآية كثير من العلماء، وقال آخرون: إن القصر: إنما هو الحطب الغليظ، قالوا: وهذا الذي يناسب النار؛ لأنها توقد بالحطب.
٨ - قال تعالى: ﴿وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ [الأعراف: ٤٠] ذهب أكثر المفسرين إلى أن الجمل هو الحيوان المعروف، وقد سئل ابن مسعود ﵁ عن الجمل في الآية الكريمة فقال: هو زوج الناقة، وقال آخرون: إن المقصود بالجمل هو الحبل الغليظ الذي يستعمل في السفن واستدلوا لذلك ببعض القراءات الشاذة.
٩ - وقريب من هذا ولكن ليس من الوادي نفسه قوله سبحانه ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: ٣١] فقد اختلفوا فيما يجوز للمرأة أن تبديه.
واختلافهم هذا يرجع إلى اختلافهم في معنى الزينة، فللزينة إطلاقان: فهي تطلق على ما تتزين به المرأة من حليّ وخضاب ومساحيق وثياب، وتطلق على البدن نفسه أي مواضع هذه الزينة.
فالذين رأوا أن الزينة إنما هي موضعها أي الجسم فسّروا ما ظهر منها بالوجه والكفين والذين رأوا أن الزينة ما تتزين به، فسروا ما ظهر منها بما يصعب ويعسر إخفاؤه كالخاتم وما يشبهه.
стр. 282
أثر اختلاف المعنى اللغوي في اختلاف الحكم الفقهي:
مرّ معك أيها القارئ الكريم عند حديثنا عن اختلاف التفسير الناشيء عن اختلاف القراءات - أن منه ما أنشأ اختلافًا في الأحكام الفقهية. كذلك الشأن في الاختلاف الناشيء من اللغة، قد ينجم عنه اختلاف في الأحكام الفقهية، من ذلك اختلافهم في معنى (القرء) في قول الله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] قال الحنفية: إن القرء هو الحيض، وقال الشافعية: إنه الطهر، ومن أجل هذا اختلفوا في تفسير قوله تعالى ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] قال الإمام البيضاوي ﵀ وهو شافعي - "فطلقوهن لعدتهن" أي وقتها، وهو الطهر، فإن اللام في الأزمان، وما يشبهها للتوقيت. ومن عدّ العدّة بالحيض علّق اللام بمحذوف مثل مستقبلات وظاهره يدلّ على أن العدّة بالأطهار" (١).
ويشرح الشيخ زاده - وهو حنفي - كلام البيضاوي بما خلاصته: أن الذين عدّوا القرء الطهر وهم الشافعية، جعلوا اللام للتوقيت ومعنى كونها للتوقيت أي طلقوهن في وقت عدتهن. وعدتهنّ الطهر لأنَّ الطلاق المقبول شرعًا الذي لا يأثم صاحبه هو الذي يكون في حالة الطهر، فاللام في قوله "لعدتهنّ" متعلقة بقوله سبحانه "فطلقوهن" أي طلقوهن لعدتهن، أو في وقت عدتهن وهو الطهر.
وهذا التفسير لا يتفق مع ما ذهب إليه الحنفية من أن القرء هو الحيض، إذ يصير المعنى عندهم. فطلقوهن لعدتهن. أي في حال عدتهن، وهي الحيض وهذا غير جائز، ولذلك جعلوا اللام متعلقة بمحذوف، أي فطلقوهن مستقبلات لعدتهن" أي لا تطلقوهن في حالة حيضهن، بل مستقبلات لعدتهن أي بعد أن ينتهي حيضهنّ، فالمرأة في حالة الحيض تنتظر الطهر، والذي ينتظر شيئًا يكون مستقبِلًا له، فالمرأة
стр. 283
تستقبل الطهر الذي تطلّق فيه. فمن فسّر القرء بالطهر - إذن - حمل الآية على ظاهرها دون تقدير، ومن فسّر القرء بالحيض قدّر محذوفًا، أي "قطلقوهن مستقبلات لعدتهن، التي هي الطهر.
وهكذا نجد أن اختلاف اللغويين في معنى القرء نشأ عنه اختلاف في التفسير، وكتب أحكام القرآن والتفاسير الفقهية فيها كثير لمن أراد أن يستزيد".
ومن الاختلاف في تفسير آيات الأحكام قوله سبحانه ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا (١٥) وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١٥ - ١٦].
ذهب جمهور المفسرين إلى أن هاتين الآيتين الكريمتين جاءتا في أحكام الزناة، وأن هذا الحكم رفع فيما بعد بما جاء في سورة النور من جلد الزاني مائة جلدة إن لم يكن محصنًا، وبما جاء في السنة برجمه إن كان محصنًا وبعض العلماء يسمي هذا نسخًا، وبعضهم لا يسميه نسخًا، لأن النسخ رفع الحكم الشرعي بدليل شرعي إذا لم يكن الحكم مؤقتًا، وفي هذه الآية الكريمة جاء مؤقتا وهو قوله تعالى: ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾، وسواء سميناه نسخًا، أم لم نسمه، فجمهور العلماء على أن الآيتين في أحكام الزناة، وعلى أن هذا الحكم رفع بما جاء في الكتاب والسنة.
ولكن أبا مسلم الأصفهاني ذهب مذهبا آخر وهو أن هاتين الآيتين محكمتان، وليستا في أحكام الزناة، بل إن الآية الأولى وردت في أمر السحاق، وهو ما يكون بين النساء، والثانية وردت في اللواط، ويستند أبومسلم في رأيه إلى أنَّه روي عن مجاهد ﵁ وهو مَنْ هو مِن التابعين، وقد نقل الرازي لنا رأي أبي مسلم، ونقله العلماء عن الرازي، وأرى أن أطلعك أخي القارئ على ما لهذا الرأي وما عليه بما فصله خاتمة المحققين الشهاب الألوسي ﵀.
стр. 284
قال الألوسي ﵀ في روح المعاني:
وذهب أبو مسلم إلى أنَّه لا نسخ لحكم الآيتين بل الآية الأولى في السحاقيات وهن النساء اللاتي تستمتع بعضهن ببعض وحدهن الحبس، والآية الثانية في اللائطين وحدهما الإيذاء، وأما حكم الزناة فسيأتي في سورة النور، وزيف هذا القول بأنّه لم يقل به أحد، وبأن الصحابة ﵃ اختلفوا في حكم اللوطي ولم يتمسك أحد منهم بهذه الآية، وعدم تمسكهم بها مع شدة احتياجهم إلى نص يدلّ على الحكم دليل على أن الآية ليست في ذلك، وأيضًا جعل الحبس في البيت عقوبة السحاق مما لا معنى له لأنه مما لا يتوقف على الخروج كالزنا، فلو كان المراد السحاقيات لكانت العقوبة لهن عدم اختلاط بعضهن ببعض لا الحبس والمنع من الخروج، فحيث جعل هو عقوبة دلّ ذلك على أن المراد باللاتي يأتين الفاحشة (الزانيات) وأجاب أبو مسلم بأنّه قول مجاهد وهو من أكابر المفسرين المتقدمين وقد قال غير واحد: إذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسبك به. على أنَّه تقرر في الأصول أن استنباط تأويل جديد في الآية لم يذكره المتقدمون جائز، وبأن مطلوب الصحابة رضي الله تعالى عنهم معرفة حدّ اللوطي وكمية ذلك، وليس في الآية دلالة عليه بالنفي والإثبات، ومطلق الإيذاء لا يصلح حدًا، ولا بيانًا للكمية فلذا اختلفوا، وبأن المراد من إمساكهن في البيوت حبسهن فيها واتخاذها سجنًا عليهن ومن حال المسجون منع من يريد الدخول عليه وعدم تمكينه من الاختلاط، فكان الكلام في قوة فامنعوهن عن اختلاط بعضهن ببعض على أن الحبس المذكور حدّ، وليس المقصود منه إلا الزجر والتنكيل، وأيد مذهبه بتمحيض التأنيث في الآية الأولى والتذكير في الآية الثانية، والتغليب خلاف الأصل، ويبعده أيضًا لفظ (منكم) فإن المتبادر منه من رجالكم كما في قوله تعالى: ﴿أربعة منكم﴾ وأيضًا لو كان كل واحد من الآيتين واردًا في الزنا يلزم أن يذكر الشيء الواحد في الموضع الواحد مرتين وأنه تكرير لا وجه له وأيضًا على هذا التقرير لا يحتاج إلى التزام النسخ في شيء من الآيتين بل يكون حكم كل واحدة منهما مقدرًا على حاله، وعلى ما قاله
стр. 285
الغير يحتاج إلى التزام القول بالنسخ وهو خلاف الأصل، وأيضًا على ما قالوه يكون الكتاب خاليًا عن بيان حكم السحاق واللواطة، وعلى ما قلناه يكون متضمنًا لذلك، وهو الأنسب بحاله، فقد قال سبحانه: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨] ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩]، وأجيب بأنا لا نسلم أن هذا قول مجاهد (١).
* اختلافات ناشئة عن أسباب أُخَر:
هناك اختلافات بين المفسّرين ليس منشؤُها اللغة أو القراءات وليست في آيات الأحكام كذلك، بل ترجع إلى أمر آخر قد يكون التاريخ وقد يكون غيره. وإليكم هذا المثال:
وردت كلمة (مرَّتَيْن) في آيات كثيرة من كتاب الله. قال تعالى في شأن المنافقين: ﴿سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ﴾ [التوبة: ١٠١].
وفي السورة نفسها (سورة براءة) وفي شأن المنافقين أيضًا جاء قوله سبحانه: ﴿أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ﴾ [التوبة: ١٢٦].
وفي سورة الإسراء: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ﴾ [الإسراء: ٤].
وفي سورة القصص في شأن أهل الكتاب الذين آمنوا برسالة النبي ﷺ : ﴿أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا﴾ [القصص: ٥٤].
وفي سورة الأحزاب في شأن أمهات المؤمنين ﵅: ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾ [الأحزاب: ٣١].
فتفسير هذه الكلمة في بعض الآيات كان ظاهرًا ليس فيه اختلاف بين المفسّرين، وذلك في آيتي القصص والأحزاب. أمَّا آيتا براءة فقد اختلف فيهما المفسّرون. ففي