قسم -كما تقول الكاتبة- وكيف يتفق هذا مع قوله سبحانه فيهم ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (٧٥) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ [الواقعة: ٧٥ - ٧٦] وقد أقسم الله ﵎ بنفسه وهذا أعرابي يسمع قوله تعالى: ﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾: "ويحهم من أغضب الجليل فاضطروه إلى الحلف" (١).
أما أن القسم بالواو لا يكون إلا في المحسوسات فترده آيات كثيرة نذكر منها على سبيل المثال قوله سبحانه ﴿وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ﴾ , وأما أن الله ﵎ يذكر الناس بالليل والنهار الحكمة منهما دون الحاجة إلى القسم مثل آية القصص، فقول نعجب له فنحن نعلم أن القرآن الكريم لم يلتزم أسلوبًا واحدًا فيما أراد تقريره، حتى في قضايا الأحكام.
بقيت قضية هامة وهي قول الكاتبة "هل كان العربي الأصيل في عصر المبعث لا يجد فرقًا بين الآيات المبدوءة بواو القسم ﴿وَالضُّحَى﴾ .. وبين القسم الصريح (أقسم بالضحى) .. تريد الكاتبة أن تقول إن العربي كان يدرك الفرق بين لفظ القسم صراحة وبين ذكر الواو النائبة عن القسم ومن أجل هذا فسرت. والضحى "بـ أقسم بالضحى" والليل بـ أقسم بالليل" ولما كان هذا الفعل (أقسم) لم يذكر في كتاب الله تعالى إلا مقترنًا بالنفي استنتجت أن الواو قد خرجت عن هذا الأصل.
وللإجابة عن تساؤل الكاتبة نرشد القارئ إلى كتاب أبي إسحاق الجرمي "أيمان العرب في الجاهلية" وسيجد بنفسه أن العرب عرفوا هذه الواو ولم يخرجوا بها عن أصلها كما خرجوا في الأمر والنهي والاستفهام نذكر من ذلك مثلا: "لا والسماء، لا والماء لا والطارقات، لا والساعات"، لا والقمر الطاحي (٢) "، وقد اشتهر قولهم "وأبيك": إن العربي حينما كانت تطرق مسامعه هذه الواو كان يدرك أنها للقسم، وكان إذا أراد أن يقسم كان يستغني بهذه الواو كذلك. نعم يمكن أن يكون هناك
стр. 352
فرق بين الواو والقسم الصريح من غير هذه الجهة. جهة القسم، وإنما من حيث المقسم عليه أو من حيث الغرض النفسي الذي يقصده المتكلم؛ فالله ﵎ مثلًا أقسم باليوم الموعود، تارة بالواو وتارة بالقسم الصريح وكذلك بمكة فقال ﴿وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ﴾ وقال ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ وقال ﴿وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾ وقال: ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ كل هذه أقسام.
بقي أن يتلمس البيانيون الحكمة التي جاء من أجلها القسم تارة بالواو وأخرى بغيرها، أما أن نذهب بالواو غير هذا المذهب فذلك لا يُسعف عليه النص بل هو اعتساف وتكلف.
وما ذهبت إليه من أن القسم بالواو لا بد أن يكون أمرًا محسوسًا، ومن هنا لا يمكن أن يراد بالنازعات الملائكة لأنهم كانوا لا يؤمنون بملائكة تنزع الأرواح ولو كانوا يؤمنون بها لآمنوا بالبعث، فهذا ما لا نرضاه من الكاتبة؛ ذلك لأن القوم كانوا يؤمنون بالملائكة، بل منهم من كان يعبدها، ولقد سجل القرآن هذا في أكثر من آية ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ ... إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ [الزخرف: ١٩ - ٢٠].
ولئن أمكن أن نفسر النازعات بالخيل فإن كثيرًا من الأقسام بالواو لا يمكن أن نفسره بالمحسوس -كما قلنا من قبل- قال تعالى: ﴿وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ (٢) وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾ ﴿وَالصَّافَّاتِ صَفًّا﴾ ﴿فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا﴾.
تلك بعض الملحوظات أحببت أن أسجلها هنا، ولا يظننّ أحد أنني أريد أن أقلل أو أوهن أو أهون مما قامت به الكاتبة فمعاذ الله أن نكونَ من الجاحدين وللمجتهد نصيب إن أخطأ. كل الذي لا نقره، ولا نرضاه أن نتنكر لجهود السابقين وأن نصفهم بما لا يليق بنا وبهم وليس معنى هذا أن نوافقهم في كل ما قالوه فكلٌّ منا يؤخذ منه ويردّ عليه إلا الذي لا ينطق عن الهوى.
جزى الله الكاتبة خيرًا وعفا عن زلاتها وزلاتنا وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وأكتفي بذكر هذه النماذج التي تثبت لنا أنّ مخالفة المفسّرين أمرٌ له عدّته وضوابطه، ولا يجوز أن تكون بالتشهّي أو لدافع شخصيّ أو طلبًا للشهرة.
стр. 353
الفَصْلُ الرَّابِع تذوق القرآن الكريم وفهمه لا بدّ له من التعمق في العربية
لقد أثّر القرآن الكريم في العرب حينما سمعوه -على الرغم من أنّ كثرهم لم يكونوا مؤمنين به- لكون العربيّة سجيّةً من سجاياهم، وكلما كان الإنسان ذا بصيرةٍ في اللغة كان أكثر قدرةً على فهم القرآن وتذوّق حلاوته، وهذه حقيقة لا يختلف فيها اثنان، لذا وجدنا أن كثيرًا من غير المسلمين من ذوي المعرفة بالعربية كانوا يقرّون دائمًا بأنّ علوّ أساليبهم وقوّة عارضتهم في اللغة وعظيم فصاحتهم يرجع إلى تأدّبهم بالقرآن الكريم. أمّا من كانت بضاعته في اللغة مُزْجاة فليس له من فهم القرآن الكريم إلّا حفظ الروايات ونقل الأقوال عن أصحابها.
يقول صاحب المنار (١) لا يتعظ الإنسان بالقرآن، فتطمئن نفسه بوعده، وتخضع لوعيده، إلا إذا عرف معانيه، وذاق حلاوة أساليبه، ولا يأتي هذا إلا بمزاولة الكلام العربي البليغ، مع النظر في بعض النحو كنحو ابن هشام وبعض فنون البلاغة كبلاغة عبد القاهر، وبعد ذلك يكون له ذوق في فهم اللغة يؤهله لفهم القرآن، قال الإمام أبو بكر الباقلاني -من زعم أنه يمكنه أن يفهم شيئًا من بلاغة القرآن، دون أن يمارس البلاغة بنفسه فهو كاذب مبطل".
يقول صاحب الكشاف عند قوله تعالى: ﴿قَالوا يَاشُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا﴾ [هود: ٩١].
" ﴿فِينَا ضَعِيفًا﴾ لا قوة لك ولا عزة فيما بيننا .. وعن الحسن "ضعيفًا" مهينًا، وقيل "ضعيفًا" أعمى. وحمير تسمي المكفوف ضعيفًا كما يسمّى ضريرًا، وليس بسديد، لأن "فينا" يأباه. ألا ترى أنه لو قيل إنا لنراك فينا أعمى لم يكن كلامًا؛ لأن
стр. 354
الأعمى أعمى فيهم وفي غيرهم" (١).
ويعلّق ابن المنيَّر ﵀ وهو الذي كثيرًا ما يقسو على الزمخشري بقوله: "وهذا من محاسن نكته الدالّة على أنه كان مليًا بالحذاقة في علم البيان" (٢). ويقول الإمام الطبري ﵀ عند تفسير قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [الشورى: ٢٣].
وقد ذكر أقوالًا كثيرة في الآية مثها: (إلا أن تودّوا قرابتي) أي يطلب منهم مودّة آل بيت النبوة، وهو قول مشتهر عند كثير من الناس. ولكن ابن جرير الطبري ﵀ يرفض هذا القول محتجًا باللغة قائلًا: لو كان هذا المعنى مرادًا لم يكن لدخول (في) معنى، ولكان النظم "إلّا مودّةَ القربى" (٣). وهكذا نجد أن الأئمة ﵏ كانوا يرجعون إلى اللغة لتأييد المعنى الراجح وردّ المعنى المرجوح.
ولقد كانت عناية العلماء منذ العصور الأولى، وبخاصة علماء التفسير والحديث بالتضلع من اللغة وإدراك أسرارها، ومعرفة أصولها أمرًا بدهيًا، فإن الذي يريد فهم القرآن الكريم حريّ به أن يكون ملمًا بها إفرادًا وتراكيب.
لنقف أمام هذه الآية الكريمة: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [سبأ: ٢٨].
ولتسل كثيرًا من الناس حتى من ذوي التخصص عن تفسير هذه الآية فإنهم سيجييون دون تردد، إن معنى هذه الآية الكريمة (ما أرسلناك أيها النبي إلا للناس جميعًا، فالآية تدل على عموم رسالته ﷺ ، فمعنى كافة للناس -إذن- للناس كافة، وهذا المعنى الذي فَسَّروا به الآية الكريمة رده المحققون من العلماء، لأكثر
стр. 355
من سبب، أما أولًا: فلسبب صناعي نحوي؛ لأن كافة ستعرب حالًا من الناس، وإذا كان صاحب الحال جارًا ومجرورًا فلا يجوز أن تتقدم الحال عليه وإلا كان ينبغي أن يقال وما أرسلناك إلا للناس كافة.
وأما ثانيًا: فلو كان هذا المعنى مرادًا من الآية الكريمة لجيء بـ (إلى) بدل اللام، أي وما أرسلناك إلا إلى الناس كافة؛ لذا جعل العلماء كلمة (كافة) تابعة للرسالة لا إلى الناس.
قال الزمخشري: " ﴿إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾ إلا إرسالة عامة لهم محيطة بهم؛ لأنها إذا شملتهم فقد كفّتهم أن يخرج منها أحد منهم، وقال الزجاج: المعنى أرسلناك جامعًا للناس في الإنذار والإبلاغ، فجعله حالًا من الكاف، وحق التاء على هذا أن تكون للمبالغة كتاء الراوية والعلّامة، ومن جعله حالًا من المجرور متقدمًا عليه فقد أخطأ، لأن تقدم حال المجرور عليه في الإحالة بمنزلة تقدم المجرور على الجارّ، وكم ترى ممن يرتكب هذا الخطأ ثم لا يقنع به حتى يضم إليه أن يجعل اللام بمعنى إلى؛ لأنه لا يستوي له الخطأ الأول إلا بالخطأ الثاني، فلا بد له من ارتكاب الخطأين" (١).
ولا تقلّ أهمية مسائل الصرف عن مسائل النحو في الكتاب العزيز. يقول الزركشي: "وفائدة التصريف حصول المعاني المختلفة المتشعبة عن معنى واحد، فالعلم به أهم من معرفة النحو في تعرّف اللغة؛ لأن التصريف نظرٌ في ذات الكلمة، والنحو نظر في عوارضها. قال ابن فارس (٢): من فاته علمه -أي الصرف- فاته المعظم، لأنا نقول "وجد" كلمة مبهمة، فإذا صرّفناها اتضحت، فقلنا في المال "وُجْدًا" وفي الضالة "وجدانًا" وفي الغضب "مَوْجدة" وفي الحزن
стр. 356
(وَجْدا) وقال تعالى: ﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ [الجن: ١٥] وقال تعالى: ﴿وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الحجرات: ٩] فانظر كيف تحول المعنى بالتصريف من الجور إلى العدل.
وقال الزمخشري في تفسير قوله تعالى: ﴿سَوَّلَ لَهُمْ﴾ [محمد: ٢٥] سهّل لهم ركوب المعاصي من السَّوَل وهو الاسترخاء, وقد اشتقه من السُّؤال من لا علم له بالتصريف والاشتقاق جميعًا.
وقال أيضًا: من بدع التفاسير أن (الإمام) في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾ [الإسراء: ٧١] جمع (أُمّ) وأن الناس يدعون يوم القيامة بأمهاتهم دون آبائهم لئلا يفتضح أولاد الزنا ...
وقال الراغب في قوله تعالى: ﴿فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا﴾ [البقرة: ٧٢] هو تفاعلتم, أصله: تدارأتم، فأريد منه الإدغام تخفيفًا, وأبدل من التاء دال فسكن للإدغام فاجتُلبت لها ألف الوصل، فحصل على افّاعلتم.
وقال ابن جني: من قال: اتخذت افتعلت من الأخذ, فهو مخطئ قال: وقد ذهب إليه أبو إسحاق الزجاج وأنكره عليه أبو عليّ، وأقام الدلالة على فساده، وهو أنّ ذلك يؤدي إلى إبدال الهمزة تاء, وذلك غير معروف" (١).
وإذا كان هذا في أمر النحو والصرف، فإن معرفة البيان أعظم أثرًا وأشد حاجة, بل هو ضرورة ملحة؛ لأنه يتصل به إعجاز القرآن الكريم.
وإذا أردنا أن ندرك حاجة المفسّر الذي يريد أن يسمو في تذوق القرآن الكريم والغوص على معانيه، والتحليق في استخراج كنوزه، إلى أن يكون ذا بصيرة ودراية واطلاع ومعرفة بأساليب اللغة أقول إذا أردنا معرفة هذا كله فخير ما يرشدنا إلى هذا
стр. 357
ما كتبه الإمام الزمخشري في مقدمة كشافه.
قال ﵀:
"ثم إنّ أملأ العلوم بما يغمر القرائح وأنهضها بما يبهر الألباب القوارح, من غرائب نكت يلطف مسلكها، ومستودعات أسرار يدق سلكها -علم التفسير الذي لا يتم لتعاطيه وإجالة النظر فيه كل ذي علم- كما ذكر الجاحظ في كتاب نظم القرآن، فالفقيه وإن برز على الأقران في علم الفتاوى والأحكام، والمتكلم وإن بزّ أهل الدنيا في صناعة الكلام، وحافظ القصص والأخبار وإن كان من ابن القرية أحفظ، والواعظ وإن كان من الحسن البصري أوعَظ، والنحوي وإن كان أنحى من سيبويه، واللغوي وإن علك اللغات بقوّة لحييه -لا يتصدّى منهم أحد لسلوك تلك الطرائق، ولا يغوص على شيء من تلك الحقائق إلّا رجلٌ قد برع في علمين مختصين بالقرآن هما علم المعاني وعلم البيان وتمهل في ارتيادهما آونة، وتعب في التنقير عنهما أزمنة، وبعثته على تتبع مظانهما همّة في معرفة لطائف حجة الله وحرصٌ على استيضاح معجزة رسول الله، بعد أن يكون آخذًا من سائر العلوم بحظّ، جامعًا بين أمرين تحقيق وحفظ، كثير المطالعات طويل المراجعات، قد رَجَعَ زمانًا ورُجِع إليه، وردَّ ورُدَّ عليه، فارسًا في علم الإعراب، مقدَّمًا في حملة الكتاب، وكان مع ذلك مسترسل الطبيعة مُنقادَها، مشتعلَ القريحة وقّادها، يقظان الحسّ درّاكًا للّمحة وإن لطف شأنها منتبهًا على الرمزة وإن خفي مكانها، لا كزًّا جاسيًا، ولا غليظًا جافيًا، متصرفًا ذا دراية بأساليب النظم والنثر مرتاضًا غير ريِّض (١) بتلقيح بنات الفكر، قد عرف كيف يرتّبُ الكلام ويؤلَّف، وكيف يُنظَمُ ويُرصَف، طالما دفع إلى مضايقه ووقع في مداحضه ومزالقه" (٢).
وقال الشاطبي ﵀ في الموافقات:
стр. 358
"فكل ما كان من المعاني العربية التي لا ينبني فهم القرآن إلا عليها فهو داخل تحت الظاهر، فالمسائل البيانية والمنازع البلاغية لا معدل بها عن ظاهر القرآن، فإذا فهم الفرق بين (ضيّق) في قوله تعالى: ﴿يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ [الأنعام: ١٢٥] وبين (ضائق) في قوله تعالى: ﴿وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ﴾ [هود: ١٢] , والفرق. بين النداء بيا أيها الذين آمنوا أو يا أيها الذين كفروا، وبين النداء بيا أيها الناس أو بيا بني آدم، والفرق بين ترك العطف في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ﴾ [البقرة: ٦] والعطف في قوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ [لقمان: ٦] وكلاهما قد تقدم عليه وصف المؤمنين والفرق بين تركه أيضًا في قوله: ﴿مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾ [الشعراء: ١٥٤] وبين الآية الأخرى ﴿وَمَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾ [الشعراء: ١٨٦] والفرق بين الرفع في قوله: ﴿قَال سَلَامٌ﴾ [الذاريات: ٢٥] والنصب فيما قبله من قوله ﴿قَالوا سَلَامًا﴾ والفرق بين الإتيان بالفعل في التذكر من قوله ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا﴾ [الأعراف: ٢٠١] وبين الإتيان باسم الفاعل في الإبصار من قوله: ﴿فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ أو فهم الفرق بين (إذا) و (إن) في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ﴾ [الأعراف: ١٣١] وبين "جاءتهم" و"تصبهم" بالماضي مع إذا، والمستقبل مع إن، وكذلك قوله: ﴿وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ [الروم: ٣٦] مع إتيانه بقوله "فرحوا" بعد (إذا) و ﴿يَقْنَطُونَ﴾ بعد "إن"، وأشباه ذلك من الأمور المعتبرة عند متأخري أهل البيان -فإذا حصل فهم ذلك كله على ترتيبه في اللسان العربي فقد حصل فهم ظاهر القرآن" (١).
وفي كلام هذين العلَميْن المبدعَيْن -رحمهما الله- دلالةٌ لا يرتاب فيها أحد على ما للعربية من أثر في فهم القرآن الكريم ودعوة صريحة للعناية بشأن هذه اللغة
стр. 359
لغةِ القرآن الكريم وتطبيقًا على ما ذكراه أسوق الأمثلة الآتية:
١ - في مجال التقديم والتأخير نقرأ قول الله تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨] فلقد قُدِّم الإنس هنا لأنّ المقام مقام تحدٍّ وهم المعنيون به.
ونقرأ قوله تعالى: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾ [الرحمن: ٣٣] ولما كان الجنّ أقدر على الحركة والتشكل قدّموا على الإنس في هذه الآية الكريمة.
ونقرأ قول الله تعالى في سورة البقرة: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٤] حيث قُدّمت هنا الأعمال الظاهرة للإنسان. لكننا نقرأ في سورة آل عمران: ﴿قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٢٩] فقد قُدّم هنا ما يخفيه الإنسان على ما يبديه. وما ذلك إلّا لأن الآية الكريمة جاءت في سياق موالاة غير المؤمنين، وهي من الأعمال التي لا يحبّ الموالون لغير المؤمنين إظهارها، بل تكون سرًّا بينهم وبين أعداء الله.
٢ - وفي مجال العطف وتركه نقرأ قول الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة-: ٥ - ٦]. حيث عطفت الجملة الثانية ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ على التي قبلها وتُركت الجملة الثالثة ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بلا عطف على حين نقرأ قول الله تعالى في سورة الأعراف ﴿أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ ونقرأ قول الله تعالى في سورة الانفطار ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ حيث جاء العطف بين هذه الجمل. وذلك كله إنما جاء من أجل دقّة المعنى الذي يقصد إليه القرآن (١).
стр. 360
٣ - وفي مجال تقييد الجملة بالشرط نقرأ قول الله تعالى في سورة البقرة ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٣٩] حيث جاءت الجملة الأولى التي ذُكر فيها فعل الخوف مقيّدة بـ (إنْ) والثانية التي ذُكر فيها الأمن مقيدة بـ (إذا). وعلماء البيان بينوا بيانًا شافيًا الفرق بين الأداتين: إنْ وإذا، حيث ذكروا أنّ (إذا) تكون للأمر المحقّق على عكس (إنْ).
- نقرأ قول الله تعالى في سورة الممتحنة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠] ونقرأ في الآية التي تليها: ﴿وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا﴾ [الممتحنة: ١١] ولمّا كان مجيء المؤمنات مهاجرات أمرًا محققًا شهد التاريخ بتحققه عُبِّر بـ (إذا) ولمّا كان ارتداد المرأة عن الإسلام أمرًا نادرًا أو غير واقع عُبِّر بـ (إنْ) (١).
٤ - صيغ الأفعال: أمّا في صيغ الأفعال فنقرأ التعبير بالفعل الماضي تارة وبالفعل المضارع تارة أخرى، وقد يكون ذلك في جملة واحدة مثل قوله تعالى: ﴿فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ [البقرة: ٨٧] وقد يكون في جملتين مختلفتين. قال تعالى: ﴿قَال هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾ [النمل: ٤٠] , على حين نقرأ في سورة لقمان: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾ [لقمان: ١٢] فانظروا -علمني الله وإياكم- كيف عُبّر عن الشكر بصيغتين مختلفتين.
وفي سورة النازعات نقرأ قول الله تعالى: ﴿يَقُولُونَ أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ (١٠) أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً (١١) قَالوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ﴾ [النازعات: ١٠ - ١٢] فلقد ذكر الفعل المضارع أولًا (يقولون) ثم ذكر الفعل الماضي (قالوا)، وهذا فيه ما فيه
стр. 361
من بديع النظم وعلو شأنه (١).
٥ - وضع الحروف المختلفة: قال تعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا﴾ [غافر: ١٣] وفي آية الأنفال: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ [الأنفال: ١١] وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الفتح: ٤] وفي آية أخرى: ﴿فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الفتح: ٢٦] كلتاهما في سورة الفتح (٢).
* احتمال الكلمة أكثر من معنى:
وقد تحتمل الكلمة أكثر من معنى فيجدّ العلماء السير ويجهدون الفكر ليختاروا المعنى الذي هو أليق بالآية الكريمة، فإن هذا القرآن -الذي هو أشرف الألفاظ وأصح المعاني وأحسن النظوم كما قال الخطابي ﵀ جدير أن نبحث فيه عن المعنى المختار الذي ليس فيه تكلف ولا شطط.
ومن هذا القبيل مثلًا: أن تكون الكلمة دالةً على الاستفهام أو النداء أو الاستفهام والنفي معًا، أو أن تصلح أن تكون اسمًا موصولًا أو حرفا نافيًا، وإليكم أمثلة لذلك كله:
أولًا: قال تعالى في سورة الزمر: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر: ٩].
ذكر ابن هشام ﵀ في مغني اللبيب أن الهمزة في قول الله تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ﴾ يمكن أن تكون للاستفهام، فيكون المقصود من الآية الكريمة بعد المنزلة ما بين القانتين القائمين وبين غيرهم؛ وذلك كالبعد بين الذين يعلمون والذين لا يعلمون، ويمكن أن تكون الهمزة للنداء، أي يا من هو قانت
стр. 362
آناء الليل، فيكون ذلك تشريفًا لهذه الفئة، كما شرفت في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾. ولكن الذي نطمئن إليه منسجمًا مع تدبر آي الذكر الحكيم أن الهمزة في الآية الكريمة للاستفهام لا للنداء؛ لأن الهمزة لم تستعمل للنداء في كتاب الله، ومن أراد مزيدًا فليرجع إلى مغني اللبيب في باب الهمزة.
ثانيًا: قال تعالى في سورة القمر: ﴿حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ﴾ [القمر: ٥] فـ (ما) في قوله تعالى: ﴿فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ﴾ يحتمل أن تكون للاستفهام، أي: أيُّ إغناء يمكن أن تغنيه النذر؟ أو أي شيء يمكن أن يفيد منه الكفرة؟ ويمكن أن تكون للنفي، أي لا تغني النذر عن هؤلاء شيئًا، ونحن نعلم أن أسلوب الاستفهام الإنكاري قد يكون أحيانًا أبلغ من أسلوب النفي الصريح، وهذا الذي قرره أئمة البيان والمفسرون.
ثالثًا: قال تعالى: ﴿لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلَا يَشْكُرُونَ﴾ [يس: ٣٥] اختلف المفسرون في معنى (ما) من قوله (وما عملته)، قال قوم: إنها نافية، والمعنى: أحيينا الأرض وجعلنا فيها جنات، وفجرنا فيها من العيون، ليأكلوا من هذا الثمر الذي ليس لهم فيه شيء يذكر، فهو منّة من الله تعالى لم تعمله أيديهم وقال آخرون: إن (ما) في الآية: اسم موصول والمعنى ليأكلوا من هذا الثمر وليأكلوا من الذي عملته أيديهم من غيره والذي يترجح سياقًا ونظمًا المعنى الأول: النفي؛ لأن المقام مقام امتنان وتفضل، فالأليق والألصق بالمعنى ما عرفت وهو أن تكون (ما) نافية لا اسمًا موصولًا.
ومثل هذا في كتاب الله حري أن تُضرب له أكباد الإبل وأن تنفق فيه الأوقات، لأنه خير الزاد وأفضل الأقوات.
رابعًا: من دقة المفسرين ﵏ وإجلالهم لكتاب الله ﵎، وعنايتهم بتفسيره ليحملوا الآية الكريمة على المعنى الألصق بها حتى لا يكون هناك أي شائبة تعكر على القارئ فهم الآية الكريمة، أقول من دقة المفسرين
стр. 363
-﵏ أنّهم قد يتركون المعنى القريب للكلمة ويبحثون لها عن معنى آخر تعين عليه اللغة. وإليكم هذا المثال.
قال تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا (٣٢) كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلَالهُمَا نَهَرًا (٣٣) وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَال لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا (٣٤)﴾ [الكهف: ٣٢ - ٣٤].
والمعنى القريب للثمر هو ما تحمله الشجر وبهذا فسره بعض المفسرين لكنّ بعض المحققين لم يرض هذا التفسير؛ لأنه يترتب عليه محظور ينبغي أن نجل القرآن الكريم عنه، بيان ذلك:
أنه جاء في الآية الكريمة ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا﴾ والأُكل هنا هو الثمر، فإذا فسرنا الثمر في قوله تعالى ﴿وَكَانَ لَهُ ثَمَر﴾ بما تحمله الشجر، كان ذلك تكرارًا ما عهدناه في أسلوب الكتاب الكريم؛ لذا ذهب بعض المحققين إلى أن معنى الثمر في الآية الكريمة أنواع المال من نقد أو ذهب وفضة وغير ذلك، وهذا أمر لا تنكره اللغة، قال الشهاب الألوسي ﵀:
"ثمر: أنواع المال كما في القاموس وغيره، ويقال ثَمَّر إذا تموَّل، وحمله على حمل الشجر كما فعل أبو حيان وغيره غير مناسب للنظم" (١). جزى الله أئمتنا عن كتاب الله وعنا خير الجزاء.
خامسًا: قال تعالى: ﴿قَالتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾ [مريم: ١٨].
سادسًا: قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ [الزخرف: ٨١].
ذهب بعض المفسرين إلى أنّ (إنْ) في الآيتين الكريمتين نافية. فمعنى "إنْ كنتَ ثقيفًا": ما كنتَ تقيًا، ومعنى "إن كان للرحمن ولد": ما كان للرحمن ولد.
стр. 364
ونحن نعلمُ أنّ (إن) قد جاءت نافية في كتاب الله في آيات كثيرة مثل قوله تعالى: ﴿إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ٢٣] ﴿إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ﴾ [الملك: ٢٠] ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا﴾ [النجم: ٢٣] ﴿وَلَئِنْ زَالتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [فاطر: ٤١] فـ (إنْ) في قوله "إنْ أمسكهما" نافية. ولكن ليس معنى هذا أنّ "إنْ" في كل آية ينبغي أن تكون نافية. وعلى الرغم من أنّ بعض المفسرين ذهب إلى أنّ "إنْ" في آيتي مريم والزخرف نافية. ولكن المحققين ذهبوا غير هذا المذهب ورأوا أنّ (إنْ) على بابها أيْ شرطيّة. فمعنى الآية الأولى: إني أعوذ بالرحمن منك حتى إنْ كنتَ تقيًّا، لأنّ مجيئك فيه ريبة مع علمها بأنه لا يمكن لأحد الوصول إليها إلّا زكريا ﵇. ومعنى الآية الثانية. إن كان للرحمن ولدٌ كما تزعمون فأنا أوّل العابدين له ولكن ليس الأمر كما زعمتم.
وهكذا نجد المفسّرين ﵏ يفترضون كل احتمال ليصلوا إلى المعنى الذي هو أليق ما يكون بتفسير الآيات الكريمات.
تلك بعض الشذرات التي تبين لنا ضرورة التضلع من اللغة لمن أراد أن يزداد فهمًا لكتاب الله فضلًا على من أراد أن يقوم بمهمة تفسير هذا الكتاب الكريم.
* اختلافهم في الأعاريب ناشئ عن اختلافهم في فهم المعنى:
والناظر في كتب التفسير وبخاصة تلك التي تُعنى بالاتجاه اللغوي يجد أنهم ﵃ يذكرون أكثر من وجه في إعراب الكلمة أو الجملة. والذي ينعم النظر يدرك أن هذه الأعاريب ليست فضلة من القول، بل تتصل بالمعنى اتصالًا مباشرًا وهذا يدلنا على أهمية اللغة بجميع فروعها في فهم القرآن الكريم وتذوق معانيه.
أولًا: عند قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٨] وما يشبهها مثل قوله سبحانه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ
стр. 365
أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥] وقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [البقرة: ٢٠٤] وقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٠٥] وهذا التركيب كثير في القرآن الكريم.
المعلوم بداهة أن الجارّ والمجرور في مثل هذه الجمل يكون خبرًا مقدمًا، وما بعده مبتدأ مؤخرًا، فإذا قلنا (على الله الاعتماد) و (من الله العون)، و (بالله الثقة) و (لله الأمر) فإن الجارّ والمجرور خبر مقدم، وما بعده مبتدأ مؤخر ولكن العلامة أبا السعود شيخ الإسلام ﵀ رحمة واسعة، ذهب مذهبًا آخر فقال: ومن الناس في محل رفع مبتدأ، فمن تبعيضية، والمعنى وبعض الناس من يقول آمنا، وبعض الناس يتخذ من دون الله أندادًا، وبعض الناس يجادل في الله بغير علم، وبعض الناس يعبد الله على حرف، ففي هذه الجمل كلها وغيرها مما يشبهها يعرب الجارّ والمجرور في محل الابتداء، وما بعده الخبر.
ولكن ما الذي حمل على هذا الإعراب؟
الناظر فيما قاله أبو السعود يجد الملحظ الدقيق الشفاف في فهم الكتاب الكريم فنحن نعلم أن المبتدأ ينبغي أن يكون معلومًا لدى المخاطبين، وأن الخبر هو الذي تتم به الفائدة. قال ابن مالك ﵀ في الألفية.
والخبر الجزء المتم الفائدة ... كالله برٌ والأيادي شاهدة
فإذا جعلنا (ومن الناس) خبرًا و (من يقول) مبتدأ، يصير التركيب هكذا "ومن يقول آمنا بالله وباليوم الآخر من الناس" و"من يعجبك قوله في الحياة الدنيا من الناس" و"من يجادل في الله بغير علم من الناس"، ومثل هذا التركيب لا فائدة فيه، ويجلّ عنه القرآن الكريم، لأن كون هؤلاء من الناس
стр. 366
أمر مفروغ منه، فلا يليق في أي كلام من كلام الناس، فما بالك بكلام الكبير المتعال؟ لكن إذا قلنا (بعض الناس يقول آمنا) وما يشبه هذا التركيب، فإن هذا كلام مفيد، يدلنا على أن الناس ليسوا سواء، فمنهم كذا، ومنهم كذا، أرايت إلى هذا الملحظ الدقيق في اختلافهم في الإعراب؟ !
ثانيًا: قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢)﴾ [البقرة: ٢١ - ٢٢].
أعرب بعضهم (الذي) في قوله ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا﴾ مبتدأ، وآخرون أعربوها صفة أو نعتًا لقوله ربكم في قول الله ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ ولكنّ العلامة أبا السعود اختار الإعراب الثاني، وهو أن (الذي) صفة لِـ (ربكم) وقال إن هذا الاختيار أليق بالمعنى، ذلكم لأن خاتمة الآية الثانية ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ فإذا قطعنا أول الآية عما قبلها فأعربنا (الذي جعل .. ) مبتدأ، كان النهي عن جعل الأنداد، لأن الله جعل الأرض فراشًا والسماء بناء وأنزل من السماء ماء.
أما إذا أعربنا (الذي) صفة لـ (ربكم)، كان النهي عن جعل الأنداد، لا من أجل ما ذكر فحسب، بل من أجل شيء زائد على ذلك، وهو أن الله ﵎ ربكم هو الذي خلقكم والذين من قبلكم، وهذا لا شك أليق بالمعنى، إذ كيف تجعل لله ندًّا وهو أنعم عليك بنعمة الخلق أولًا، ثم بنعمة البقاء حيث جعل لك فراشًا.
ثالثًا: قال تعالى في سورة النازعات: ﴿قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ (٨) أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ (٩)﴾ أعرب الزمخشري ﵀ (واجفة) صفة للقلوب، التي هي مبتدأ، وقوله ﴿أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ﴾ خبر مبتدأ، ولكن العلامة أبا السعود ﵀-
стр. 367
رأى رأيًا آخر، وهو أن قوله ﴿وَاجِفَةٌ﴾ هي الخبر وقوله ﴿أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ﴾ في محل الصفة.
والمعلوم أن الخبر عمدة، وأن الصفة فضلة، وأن وجيف القلوب أكثر هولًا وأشد أثرًا من خشوع الأبصار، وخشوع الأبصار أهون من وجيف القلوب، فكيف نجعل ما يدل على التهويل صفة، وما يدل على التهوين خبرًا وهذه عبارته ﵀ حيث يرد على صاحب الكشاف:
"قوله تعالى ﴿قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ﴾ أي يوم ترجف الراجفة وجفت القلوب، قيل: قلوب مبتدأ، ويومئذ متعلق بواجفة، وهي صفة لقلوب مسوغة لوقوعه مبتدأ، وقوله تعالى: ﴿أَبْصَارُهَا﴾ أي أبصار أصحابها ﴿خَاشِعَةٌ﴾ جملة من مبتدأ وخبر وقعت خبرًا لقلوب، وقد مر أن حق الصفة أن تكون معلومة الانتساب إلى الموصوف عند السامع حتى قالوا إن الصفات قبل العلم بها أخبار، والأخبار بعد العلم بها صفات، فحيث كان ثبوت الوجيف للقلوب وثبوت الخشوع لأبصار أصحابها سواء في المعرفة والجهالة كان جعل الأول عنوانًا للموضوع مسلم الثبوت مفروغًا منه، وجعل الثاني مخبرًا به مقصود الإفادة تحكمًا بحتًا، على أن الوجيف الذي هو عبارة عن شدة اضطراب القلب وقلقه من الخوف والوجل، أشد من خشوع البصر وأهول، فجعل أهون الشرين عمدة وأشدهما فضلة مما لا عهد له في الكلام، وأيضًا فتخصيص الخشوع بقلوب موصوفة بصفة معينة غير مشعرة بالعموم والشمول تهوين للخطب في موقع التهويل فالوجه أن يقال تنكير قلوب يقوم مقام الوصف المختص سواء حمل على التنويع كما قيل وإن لم يذكر النوع المقابل، فإن المعنى منسحب عليه، أو على التكثير كما في "شَرٌّ أَهَرَّ ذا ناب" فإن التفخيم كما يكون بالكيفيّة يكون بالكمية أيضًا، كأنه قيل: قلوب كثيرة يوم إذ يقع النفختان واجفة، أي شديدة الاضطراب (١).
стр. 368
رابعًا: وقد يذكرون وجوهًا كثيرة في إعراب الكلمة الواحدة دون تعليل اعتمادًا على فهم القارئ، وأكتفي بمثال واحد لهذا النوع:
قال الله تعالى في أول سورة الدخان: ﴿حم (١) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢) إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ (٣) فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (٤) أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (٥) رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦) رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (٧) لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (٨)﴾ [الدخان: ١ - ٨].
ففي قوله سبحانه ﴿رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ قالوا إن قوله ﴿رَبِّ﴾ يمكن أن تكون نعتًا ويمكن أن تكون بدلًا، ويمكن أن تكون عطف بيان، ولم يبينوا ما يتفرع على هذه الأعاريب من معانٍ، اعتمادًا على معرفة القارئ لما يكتبون.
والحق أن هذه الأعاريب، إنما نتجت عن الاختلاف في المعنى المراد، فمن جعل قوله سبحانه، ﴿رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ مدحًا وثناء على الله، أعربها نعتًا. ومن جعلها المقصود بالحكم أي إن رب السماوات والأرض من شأنه أن يكون قادرًا على إرسال الرسل وإنزال الآيات، فعلى هذا المعنى تكون بدلًا لأن البدل هو التابع المقصود بالحكم بلا واسطة كما يقولون. قال العلامة ابن مالك.
التابع المقصود بالحكم بلا ... واسطة هو المسمى بدلًا
ومن قال: إن المقصود من قوله ﴿رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ تسلية النبي ﷺ وثناء عليه، وإن قوله ﴿رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ جاءت توضيحًا لهذا أعربها عطف بيان فابحثوا -رحمني الله وإياكم وغفر لي ولكم، وهو حسبنا ونعم الوكيل، ونعم المولى ونعم النصير، وهو الفاتح بما شاء لمن شاء- إبحثوا
стр. 369
عن هذه الدقائق في فهم الكتاب العزيز، فإن أئمتنا ﵏ كما قلت، قد يذكرون الكلام مجملًا دون تفصيل اعتمادًا على فهم القارئ كما كانوا يعرفونه في زمانهم. فهذا هو العلامة أبو السعود يقول عند قوله تعالى ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ﴾ في سورة ق: "أَغَفلوا أو أَعَمُوا فلم ينظروا" (١).
هذه الجملة على إيجازها منه ﵀ تحمل معنى كبيرًا. يريد الشيخ ﵀ أن يقول: إن النظر في الآية الكريمة، إما أن يكون مقصودًا به الفكر، أي أفلم ينظروا، أي (أفلم يفكروا)، وإما أن يكون المقصود النظر بالعين أي (أولم يبصروا)، فإن كان الأول، أي إن النظر معناه الفكر، كان المعنى (أغفلوا فلم يفكروا) لأن المقابل للفكر الغفلة، وإن كان الثاني كان المعنى (أعموا فلم ينظروا) لأن المقابل للعمى الأبصار، فعضّوا -رحمكم الله، وبارك لي ولكم بالقرآن الكريم- على هذه اللطائف والدقائق بالنواجذ، فإن فيها خيرًا كثيرًا.
стр. 370
الفَصْلُ الخَامِس الآيات المختلف فيها بين المفسرين في سورة الحج أنموذج تطبيقي
يطلق بعضهم على مثل هذه الدراسات، التفسير المقارن، وأصبحت هذه المادة تدرس في بعض الجامعات، وبخاصّة في الدراسات العليا، وهي بحق تستحق من ذوي الشأن العناية اللائقة بها، ذلك لأن دراسة أقوال المفسرين فيما اختلفوا فيه من آيات ومحاولة ترجيح ما يستحق الترجيح ذات فوائد جمّة، فهو يضيّق نطاق الخلافات من جهة وينمي الفكر الإسلامي في فهم القرآن الكريم من جهة ثانية، ثم هو بعد ذلك مجال لفتح باب التنافس في استخراج كنوز هذا الكتاب الكريم من جهة ثالثة.
وإذا كانت بعض الجامعات، لها عناية بالدخيل في التفسير، حيث يكلّف بعض طلبة الدراسات العليا -الدكتوراه- بتتبع الدخيل في التفسير، فأرى أن هذا الموضوع قد يكون حريًّا بالدرس أكثر من أي موضوع آخر، ويا ليت هذا الأمر يدرس من قبل الأساتذة المتخصصين فتجمع هذه الدراسات من أول القرآن الكريم إلى آخره، وسنقف مع هذه السورة الكريمة، سورة الحج، محاولين أن نتتبع الآيات التي اختلف فيها المفسرون، ثم -وهذه المهمة التي هي أكثر صعوبة- نحاول الترجيح بين هذه الأقوال على أنني لن أذكر الآيات التي للسلف فيها أقوال كثيرة، لكنها متقاربة تؤول إلى شيء واحد، كاختلافهم في معنى قوله سبحانه: ﴿ثَانِيَ عِطْفِهِ﴾ حيث ذهب بعضهم إلى أنه وصف بذلك لتكبره، وآخرون قالوا: لاويًا رقبته، وقال آخرون يعرض عما يُدعى إليه. إن هذه الأقوال كلها ترجع إلى معنى واحد، وهي كثيرة جدًّا وبخاصة عند ابن جرير وأمثاله -رحمهم الله تعالى- لذا لن أعرض لهذه الأقوال.
стр. 371
ولم يكن اختيار سورة الحج بخاصة هدفا مقصودًا، لكن وجدت أن هذه السورة وسط من حيث الطول والقصر، ثم هي تجمع بين القرآن المكي والمدني، وتجمع بين موضوعات متعدّدة من حيث الأحكام وغيرها، وأسأل الله أن يلهمني الرشد والسداد، إن ربي رحيم ودود، إن ربي قريب مجيب, إن ربي سميع الدعاء.
* الآية الأولى: قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ [الحج: ١].
اختلف المفسرون، أتكون الزلزلة قبل البعث أم بعده؟ ورجح كثيرون ومنهم الطبري أنها تكون بعد البعث، أي بعد أن يقوم الناس لرب العالمين، ورجحوا هذا القول بما ورد من أحاديث عن الرسول ﷺ "يا آدم فيقول لبيك وسعديك والخير في يديك، فيقول: أخرج لي بعثَ النار قال وما بعث النار؟ قال من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين فعنده يشيب الصغير وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد" قالوا يا رسول الله: وأينا ذلك الواحد؟ فقال: أبشروا فإن منكم رجلًا ومن يأجوج ومأجوج ألفا، ثم قال: والذي نفسي بيده إني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة فكبرنا فقال أرجو أن تكونوا ثلث أهل الجنة فكبرنا، فقال: أرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة فكبرنا, فقال: وما أنتم في الناس إلا كالشعرة السوداء في جلد ثور أبيض أو كشعرة بيضاء في جلد ثور أسود" (١).
وذهب بعضهم إلى أن الزلزلة قبل هذا الموعد، وأظن أننا أكثر ميلًا إلى ترجيح هذا القول لما يأتي:
١ - لأن الحديث الذي استشهدوا به ليس نصًّا فيما نحن بصدده.
٢ - لأن الزلزلة هي ما يصيب الناس من صعق وفزع، أما بعد قيام الناس لرب
стр. 372
العالمين وبدء الحساب فيكون كل شيء انجلى خبره, نسأل الله أن يعيننا ويسلمنا في هذا اليوم العظيم.
* الآية الثانية: قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ﴾ [الحج: ٣] ثم قال تعالى بعد ذلك ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ﴾ [الحج: ٨].
ذهب بعض المفسرين إلى أن صدر الآية الثانية تأكيد لصدر الآية الأولى فهما حديث عن صنف واحد، وذهب بعض المحققين من المفسرين إلى غير هذا، فقالوا إن الآية الأولى تتحدث عن الأتباع والمستضعفين الذين رضوا في هذه الحياة أن يعطوا من أنفسهم الدنية، وأن يكونوا أذلاء، وأما الآية الثانية فتتحدّث عن المستكبرين، ولعل هذا القول حريّ بالقبول جدير بالترجيح للأسباب الآتية:
١ - لأنه جاء في خاتمة الآية الأولى قوله سبحانه ﴿وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ﴾ فهو متبع إذن لا يلوي على شيء من الرأي.
٢ - جاء عقب الآية الثانية قوله سبحانه: ﴿ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ فهو يصعر خدّه، ويرى أن له على غيره من الناس فضلًا.
* الآية الثالثة: قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ [الحج: ٤] اختلفوا هنا في مرجع الضمائر، فبعضهم رجع بعضها إلى الشيطان، فقال: كتب عليه أي على الشيطان المريد، فان هذا الشيطان المتبع -بفتح الباء- يضل المتبع -بكسر الباء- ويهديه إلى عذاب السعير.
وآخرون رجعوا الضمير الأول إلى المتبع بكسر الباء ولا أرى ثمرة ذات شأن لهذا الخلاف لذا قصرت القول فيه.
* الآية الرابعة: قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ [الحج: ٥].
ذكر الإمام الطبري ﵀ أقوالًا ثلاثة للعلماء في معنى المخلقة وغير المخلقة.
стр. 373
الأول: المخلقة ما كان خلقا سويًّا، وغير المخلقة ما دفعته الأرحام قبل أن يكون خلقًا.
الثاني: المخلقة التامة، وغير المخلقة غير التامة.
الثالث: المخلقة هي المصورة، وغير المخلقة غير المصورة.
ورجح ﵀ هذا الأخير، وحجته أنه بعد أن تتخلق المضغة وقبل أن تكون عظامًا تصور، فما صورت هي التي يتم خلق الإنسان منها، وما لم تصور تسقط غير مستفاد منها.
وهذه الأقوال الثلاثة متقاربة، وأصحاب هذه الأقوال متفقون على أن هذه المضغة قسمان، هناك مضغة مخلقة، وهي التي يتم منها خلق الإنسان، والقسم الثاني: مضغة غير مخلقة وهي التي تتلاشى قبل أن تخلق عظامًا، ولكنّ العلماء -بعد أن علّم الله الإنسان في هذا العصر من أحوال الأجنة ما لم يكن يعلم- ذهبوا مذهبًا آخر، فقالوا إن المخلقة وغير المخلقة قسم واحد كما تقول هذا الكتاب ممتع وغير ممتع، فهو ممتع بما فيه من قصص مفيدة، وغير ممتع بما فيه من حشو وألغاز، قالوا وكذلك مخلقة وغير مخلقة، فهي مخلقة من جهة، لأنها تظهر فيها بعض أعضاء الإنسان بالمجهر، ولا يظهر فيها بعضها الآخر، وأثبتوا ذلك بالصور التي لا تدع مجالًا لمرتاب، ويقيني أن هذا ما يرشد أليه النظم القرآني، لأن الله يمتن على الناس بأنه خلقهم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة، ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة، إذن الناس جميعًا الذين شاء الله لهم أن يعيشوا في هذا الكون خلقوا من مضغة مخلقة وغير مخلقة، فلو كانت المضغة غير المخلقة هي التي سقطت وتلاشت، لا يقال إنا خلقناكم من مضغة مخلقة وغير مخلقة، وإنما الخلق كان من المخلقة فحسب، ولو كان ذلك كذلك لبينه الكتاب الذي فيه تبيان كل شيء؛ لذا أختار ما وصل إليه العلم الحديث، وجل الله القائل ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ﴾.
стр. 374
* الآية الخامسة: قال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ﴾ [الحج: ١٥].
المعنى الإجمالي للآية الكريمة: أن من ظنّ أن الله لن يبلغه ما يصبو إليه فليأت بحبل يربط به نفسه، ثم يربطه بمكان عالٍ مرتفع، ثم ليقطع هذا الحبل، وليقض على نفسه، فإنه لن يُذهِب كيدُه غيظَه، وإنما ضرّ نفسه ليس إلا.
وقد اختلف المفسرون في هذه الآية في أكثر من موضع، ولكن أشهر الخلافات كان في مرجع الهاء في قوله تعالى: ﴿أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ﴾ فبعضهم رجع هذه الهاء إلى النبي ﷺ ومعنى الآية عنده، من كان يظن ألن ينصر الله نبيه فليفعل ما يشاء، وليشنق نفسه، فإن الله ناصر نبيه ﷺ ، واختار هذا المعنى الإمام الطبري.
ودذهب آخرون إلى أن الهاء ترجع إلى الشخص المتحدث عنه، إلى (من)، أي أيها الإنسان الذي يظنّ أن الله لن يبلغه ما يريد وعز عليه هذا ليفعل بنفسه ما يشاء.
والاختلاف الثاني في قوله تعالى (ينصر) فبعضهم حمل النصر على حقيقته المعروفة وبعضهم فسره بالرزق، قال ﴿أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ﴾ أن لن يرزقه.
والاختلاف الثالث: ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ﴾ [الحج: ١٥] اختلفوا في المقصود بالسماء، فقال بعضهم هي السماء المعروفة، وبعضهم قال: سقف البيت، وهذا خلاف لا يترتب عليه كبير فائده. وقد حاول ابن جرير ﵀ بقوة عارضته وسطوع حجته أن ينتصر للقول الأول، وهو أن المقصود الرسول ﷺ ، ولكن الذي يرجحه سياق الآيات، وقاله أكثر المحققين، وهو الذي يستحق الترجيح -مع اعتذارنا لابن جرير- هو أن الضمير في قوله (ينصره) يرجع إلى الشخص نفسه؛ لأن الرسول ﷺ لم يُتحدث عنه في الآيات الكريمات، ولأن الحديث قبل هذه الآية الكريمة عن الذي يعبد الله على حرف ويدعو من دون الله ما لا يضره ولا ينفعه. هذا الذي يترجح في فهم الآية الكريمة.
стр. 375
أما معنى النصر، فلا أرى أن يخصص بالرزق وحده، وإنما يُعنى به بلوغ الأماني، وقد ورد النصر في القرآن الكريم، في غير منازلة الأعداء في ساحات الحرب، قال تعالى في شأن سيدنا نوح ﵇: ﴿وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ [الأنبياء: ٧٧] ومعلوم أنه لم يكن بينهم حرب، وهكذا نرجح أنَّ معنى الآية:
أيها الإنسان الذي يظن أن لن يعطيه الله ما يشاء وما يطلب، فلتمدُدْ بسبب ... إلى آخر الآية والله أعلم بما ينزل.
* الآية السادسة: قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَال وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ﴾ [الحج: ١٨].
اختلفوا في كيفية العطف، لأن سجود الشمس والقمر والنجوم والدواب، يختلف عن سجود الإنسان، لأن سجود الإنسان باختياره، أما سجود تلك فانقيادها إلى ما أمر الله، فكيف يعطف بعضها على بعض، مع أن سجودها مختلف؟
فذهب بعضهم إلى أنه يمكن حمل اللفظ أي حمل السجود على الحقيقة والمجاز، ولكن الزمخشري ﵀ جعله من عطف الجمل لا من عطف المفردات، والمعنى عنده: ألم تر أن الله يسجد له من في السموات ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم الجبال والشجر والدواب ويسجد له كثير من الناس، فهو من عطف جملة على جملة، أي يسجد له الشمس ... الخ ويسجد له كثير من الناس، وهو توجيه حسن يفطن له مثل جارِ الله.
* الآية السابعة: قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: ٢٥] فعل الإرادة يتعدى بنفسه يقال: أردت الخير، وفي غير القرآن يقال: ومن يرد إلحادًا، ولكن مجيء النظم هكذا في كتاب الله، ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ﴾
стр. 376
قالوا لأن الفعل (يُردْ) هنا ضُمّن معنى الهمّ. بيان ذلك، أن الله لا يؤاخذ عباده إذا همّوا بسيئة، أي إذا أرادوا فعلها ولم يفعلوها، أما في البيت الحرام الذي تضاعف فيه الحسنات، فقالوا إن الإنسان مؤاخذ فيه بهمّه، فمن همّ بسيئة في غير مكة لا يؤاخذ عليها، بل تكتب له حسنة إن لم يعملها أما إذا همّ في البيت الحرام بمعصية، فإنه يؤاخذ على همّه وإن لم يعمل ما همّ به.
* الآية الثامنة: قال تعالى: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ [الحج: ٢٨].
ومع اختلافهم في تحديد هذه المنافع، إلا أنها تجمع خيري الدنيا والآخرة.
* الآية التاسعة: قال تعالى: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ [الحج: ٢٨].
بعضهم ذهب إلى أن الأيام المعلومات هي أيام التشريق، والذي اختاره ابن جرير والأكثرون أن الأيام المعلومات هي العشر من ذي الحجة، وأما أيام التشريق فهي المعدودات قال تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [البقرة: ٢٠٣].
* الآية العاشرة: قال تعالى: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٣٣].
قال بعضهم: العتيق هو القديم؛ لأنه أول بيت وضع للناس، وقال بعضهم: الكريم وقال: آخرون: العتيق الذي أعتقه الله من ظلم الجبارين، وهي معانٍ متقاربة، إلا أن العرف يرجح الأول.
* الآية الحادية عشرة: قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: ٣٢].
وسواء كانت الشعائر هي بعض أعمال الحج، أم كانت الذبائح، فإن ذلك كله محتمل قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾ [المائدة: ٢] فقد تطلق الشعائر ويراد بها كل ما ذكر مما يعمله الحاج.
стр. 377
وهكذا اختلافهم في المنافع في قوله تعالى: ﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [الحج: ٣٣] يرجع فيها إلى معنى الشعائر، فإن قلنا إن الشعائر هي الذبائح، فتكون المنافع هي ركوبها وحلبها، وإن قلنا إن الشعائر هي أعمال الحج، فالمنافع هي ما يبتغيه الإنسان من أجر الدنيا والآخرة.
* الآية الثانية عشرة: قال تعالى: ﴿وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ [الحج: ٣٦].
ومع اختلافهم في معنى القانع اختلافًا كثيرًا، إلا أن أرجح الأقوال أن القانع السائل، والمعتر الذي لا يسأل، وهذا ما رجحه كثير من العلماء، ومما قالوه في هذا: العبدُ حر إن قَنِع، والحر عبد إن قَنَعَ، فهناك قَنِع بكسر النون على وزن شرِب، وهناك قَنَع بفتحها على وزن فَتَح، فالأول من القناعة ولهذا قالوا العبد حر إن قنِع، أي إن العبد إذا لم يسأل فأخلاقه أخلاق الحر، والحر عبد إن قنَع بفتح النون، أي إذا سأل، فإن ذلك ينزله إلى مرتبة العبد، لأن السؤال لا يليق بذوي الكرامات.
* الآية الثالثة عشرة. قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [الحج: ٤٧].
اختلفوا في هذا اليوم فبعضهم جعله من أيام الدنيا مستدلًا بقوله تعالى: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [السجدة: ٥].
وبعضهم جعله من أيام الآخرة، ولعشاق التفسير العلميّ رأي آخر، والأولى أن نبقي تفسير مثل هذه الآيات على ما هو عليه والله أعلم بما ينزل.
* الآية الرابعة عشرة: قال تعالى: ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ (٤٢) وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ (٤٣) وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسَى فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ (٤٤)﴾ [الآيات: ٤٢ - ٤٤].
стр. 378
اختلف المفسرون في السر في مغايرة النظم، حيث قال سبحانه ﴿وَكُذِّبَ مُوسَى﴾ ولم يقل "قوم موسى" ومن هم المكذبون؟
ذكر بعض المفسرين أن المكذب له ﵊ القبط، وليسوا قومه، فإن قومه وهم بنو إسرائيل لم يكذبوه بأسرهم، ومن كذبه منهم تاب إلا اليسير، وتكذيب اليسير من القوم كلا تكذيب، ولم يأت النظم (كذب موسى القبط) بل جاء الفعل (كذب) مبنيًّا للمجهول فللإيذان بأن تكذيبهم له ﵊ في غاية الشناعة لكون آياته في كمال الوضوح (١).
إن التغير في النظم (كذبت قوم نوح ... وكذب موسى) يبدو -والله أعلم- لأمور عدة:
الأول: ما ذكره أبو السعود من أن موسى ﵇ أعطي من الآيات الكثيرة الواضحة، فتكذيبها مع كثرتها ووضوحها أشنع وأبشع.
الثاني: البيان أن سيدنا موسى ﵊ بعث لفئتين متناقضتين من الناس، هما:
١ - الفئة المستبدة الظالمة وهم قوم فرعون.
٢ - الفئة المستضعفة الذليلة وهم بنو إسرائيل.
فلو قال سبحانه (قوم فرعون) وحدهم لا يكفي، ولو قال (قوم موسى) وحدهم لا يكفي، فجاء النظم هكذا بـ (كذب) ليفي بالغرض المطلوب وليشمل المقصود وهم قوم فرعون وقوم موسى معًا.
الثالث: لبيان المعاناة الشديدة التي لاقاها سيدنا موسى ﵊ في دعوته -فلم يرسل إلى قوم فرعون وحدهم، ولا إلى بني إسرائيل فحسب،
стр. 379
بل إليهما معًا، ومن هنا فقد لقي من العنت ﵇ ما لقي، فجاء التعبير القرآني هكذا ليعطي هذا المعنى النفيس، وهذه الدرر الغالية.
* الآية الخامسة عشرة:
قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ [الآية: ٥٢].
والتمني على ما قال أبو مسلم: نهاية التقدير، ومنه المنيَّة وفاة الإنسان للوقت الذي قدره الله تعالى. والأمنية كما قال الراغب: الصورة الحاصلة في النفس من التمني، وقال بعضهم التمني القراءة، وكذا الأمنية.
وقد ربط بعض المفسرين بين هذه الآية وقصة الغرانيق، وفسروا التمني في الآية بالقراءة، وقصة الغرانيق ملخصها أن الرسول ﷺ كان يقرأ سورة النجم عند الكعبة، فلما بلغ قوله سبحانه: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (٢٠)﴾ [النجم: ١٩ - ٢٠] ألقى الشيطان في كلامه: (وإنها لهي الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجى) ففرح المشركون بهذا الوصف لهذه الأصنام الثلاثة اللات والعزى ومناة، ووصفها بالغرانيق العلى، وبأن شفاعتها ترتجى، فلما بلغ آخر السورة وهي قوله تعالى: ﴿فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا﴾ [النجم: ٦٢] سجد، فسجد المؤمنون والمشركون معه جميعًا.
وهذه الرواية يجعلونها تفسيرًا للآية الكريمة: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ ... ﴾ ولقد وقف الأئمة قديمًا وحديثًا من هذه القصة موقف التمحيص وبينوا فسادها من جهة النقل ومن جهة العقل:
- أمّا من جهة النقل، فإن هذه الرواية لم ترو في كتب السنة المعتد بها بأسانيد صحيحة أو مقبولة، ولا عبرة في نقلها من قبل بعض القصاص والمفسّرين الذين يولعون بنقل الأقاصيص والحكايات الغريمة دون تمحيص أو تثبت.
стр. 380
وأما من جهة العقل، فأولًا: إن هذا لو صح لتمسك به المشركون أعداء الإسلام في ذلك الوقت، ولكان له ردة فعل سيئة عند بعض المسلمين.
ثانيًا: إن كلمة الغرانيق مما لم يستعمله العرب وصفًا لآلهتهم شعرًا أو نثرًا، مما يجعلنا نجزم أن هذه الفرية لفقت فيما بعد.
ثالثًا: إن ما قبل هذه الآية وما بعدها فيه موقف حازم من قضية الأصنام، ومن أنها تخلق مجردة من الحياة: ﴿أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ﴾ [النحل: ٢١] فأي عاقل، بل أي عقل يمكن أن يصدق بهذه الحكاية التي ودت بحزم في جميع آي القرآن؟
رابعًا: إن شخصية النبي ﷺ كانت شخصية متوازنة كل التوازن، وبخاصة في قضايا الوحي، وقد عُرضت عليه حوادث لم يقطع ميها حتى نزل عليه الوحي، وإذا اجتهد في بعض هذه الحوادث كان ينزل عليه الوحي ليصحح له ويبين وجهة الحق؛ كما في قصة المجادلة.
خامسًا: هذه العبارة (عبارة الغرانيق) إما أن يكون النبي ﷺ قد قالها، وإما أن يكون الشيطان هو الذي نطق بها كما تحكي الروايات، وكلتا الروايتين مرفوضة، أما الاحتمال الأول فلأن النبي ﷺ نفسه كما جاء في مواضع كثيرة من القرآن لا يملك لنفسه شيئًا، ولو شاء الله ما تلا شيئًا من هذا القرآن قال الله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ﴾ [يونس: ١٦] بل إن القرآن نفسه يقرر أنه رحمة وفضل من الله، وأنهم يكادون يفتنونه عن بعض ما أوحي إليه، ولكن الله يثبته قال الله مبينًا ذلك: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ﴾ [الإسراء: ٧٣].
أما الاحتمال الثاني فهو أكثر بعدًا عن المنطق والواقع، فالقرآن بعيد أن يحوم حوله شيطان فالقارئ أول ما يقرأ القرآن يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، وهم لا يستطيعون ذلك أبدًا، والقرآن يبين هذه الحقيقة واضحة قال تعالى: ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ (٢١٠) وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ (٢١١) إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٠ - ٢١٢].
стр. 381
وأخيرًا فإن هذه الأحدوثة لم تعرف إلا في زمن متأخر، ويمكن الجزم بأنها من وضع الزنادقة في عصر متأخر، إن ما ادعوه مناف كل المنافاة لعصمة الأنبياء، والعصمة من المبادئ البدهية التي يتفق عليها العقل والنقل على السواء. ثم هي مختلفة الاختلاف كله عن البيان القرآني، ويدل على ذلك تلك الروايات المضطربة الظالمة فتارة يقولون: وهي الغرانيق العلى وتارة: الغرانقة العلى. وتارة شفاعتهن لترتجى، ولا ندري كيف يمكن أن يجمع بين قوله سبحانه: ﴿تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى (٢٢) إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا﴾ [النجم: ٢٢ - ٢٣] وبين هذه الفرية فكيف ترتجى شفاعة هذه الأحجار، وما هي إلا أسماء بدون مسميات ما أنزل الله بها من سلطان! (١).
* الآية السادسة عشرة: قال تعالى: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾ [الحج: ٥٦].
أي السلطان القاهر والاستيلاء التام والتصرف المطلق لله وحده بلا شريك.
"يَوْمَئِذٍ" قال الزمخشري، هذا التنوين عوض عن جملة، فهو يدل على غاية زوال المرية فتقدير الجملة: الملك يومئذْ تزول مريتهم (٢) ويؤمنون، لأنهم ما داموا في مرية في الدنيا فستزول هذه المرية يوم القيامة، ويؤمنون، ولن ينفعهم إيمانهم.
ولكن أبا السعود لم يقبل قول الزمخشري، وجعل التنوين عوضًا عن شيء آخر هو الساعة، التي هي مدار الحكم، فالحديث يدور على إتيان الساعة وظهور الملك الحق لله ، والمعنى: يومئذْ تأتي الساعة، ويثيب الله الطائعين ويعاقب العاصين.
قال أبو السعود: (وليس التنوين نائبًا عما تدل عليه الغاية من زوال مريتهم كما قيل، ولا عما يستلزمه ذلك من إيمانهم كما قيل، كما أن القيد المعتبر مع اليوم
стр. 382
حيث وسط بين طرفي الجملة يجب أن يكون مدارًا لحكمها، أعني كون الملك لله وما يتفرع عليه من الإثابة والتعذيب، ولا ريب في أن إيمانهم أو زوال مريتهم ليس ممّا له تعلق ما بما ذكر، فضلًا عن المدارية له، فلا سبيل إلى اعتبار شيء منهما مع اليوم قطعًا) (١).
* الآية السابعة عشرة: قوله سبحانه: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ [الحج: ٦٣].
النحويون مجمعون على أن الفعل المضارع يجب نصبه في مواضع منها أن يأتي بعد الاستفهام تقول لمن لم يستفد من تعليمك إيّاه: ألم أعلمك فتستفيد، ولمن أنعمت عليه فلم يقابل نعمتك بالشكر: "ألم أنعم عليك فتشكرَ" بنصب هذين الفعلين (تستفيد وتشكر).
لكن ما في الآية الكريمة جاء على خلاف هذه القاعدة، فالقراء مجمعون على رفع الفعل المضارع (تصبح)، وهذا يبين لنا عناية العلماء وهم يقفون أمام آي القرآن الحكيم ليبينوها للناس، قالوا إن الفعل المضارع إنما ينصب بعد الاستفهام إذا كان نتيجة له أو فرعًا عنه هذا أولًا.
وثانيًا: إن الفعل الذي دخل عليه الاستفهام ينبغي أن يكون سببًا للفعل الذي بعده كالمثالين السابقين، فكان ينبغي أن تكون الإفادة مسببة عن العلم، والشكر مسببًا عن الإنعام، فالنعمة سبب الشكر، والتعليم سبب الإفادة.
لكن ما في الآية الكريمة ليس من هذا القبيل، فكون الأرض مخضرة ليس مسببا عن الرؤية، ولنتدبر الآية الكريمة مرة أخرى ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً﴾ [الحج: ٦٣] فالفعل الذي دخل عليه الاستفهام قوله سبحانه (تر) وهذه الرؤية لا يمكن أن تكون سببًا في اخضرار الأرض، إنما السبب
стр. 383
فيها إنزال الماء ثم إنه لو نصب الفعل المضارع (تصبح) لتغير المعنى تغيّرًا تامًّا وهذه دقيقة من الدقائق حيث يصير المعنى: إن الأرض غير مخضرة.
وما أجمل كلمة الزمخشري ﵀ "فإن قلت: فما له رفع ولم ينصب جوابا للاستفهام؟ قلت: لو نصب لأعطى عكس الغرض لأن معناه إثبات الاخضرار فينقلب بالنصْب إلى نفي الاخضرار، مثاله أن تقول لصاحبك: ألم تر أني أنعمت عليك فتشكر، إن نصبت فأنت نافٍ لشكره شاكٍ تفريطه فيه، وإن رفعته فأنت مثبت للشكر. وهذا وأمثاله مما يجب أن يرغب له من اتسم بالعلم في علم الإعراب وتوقير أهله" (١).
* الآية الثامنة عشرة: قال تعالى: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ﴾ [آية: ٧٨].
اختلفوا في مرجع الضمير، فذهب الأكثرون إلى أن المقصود به هو اسم الجلالة، مستدلين بقراءة شاذة (الله سماكم المسلمين) وذهب بعضهم إلى أن مرجعه أبونا إبراهيم ﷺ ، وهذا القول رجحه أبو حيان في البحر المحيط.
وعندما نوازن بين القولين، يبدو لنا -والله أعلم بما ينزل- أن الضمير يرجع إلى أبينا إبراهيم ﷺ .
أما أولًا: فلأن ما استدلوا به من القراءة لا يصلح مرجحًا.
وأما ثانيًا: فلأنه لو كان الضمير يرجع إلى اسم الجلالة، لكان مجيء النظم على غير ما جاء عليه في الآية الكريمة؛ فلقد ذكر الضمير المنفصل في الآية الكريمة مرتين أولًا في قوله ﴿هُوَ اجْتَبَاكُمْ﴾، وهذا الضمير لا خلاف في رجوعه إلى الله ﵎. والثاني ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ﴾ وهذا الذي اختلف فيه فلو كان مرجع الضميرين واحدًا لقيل (هو اجتباكم
стр. 384
وسمّاكم)، أو (هو اجتباكم وهو سماكم) أما مجيء النظم على ما هو عليه فإنما يرجح ما ذهب إليه أبو حيان.
ثالثًا: إن الاجتباء من الله تعالى وحده، فهو الذي اجتبى إبراهيم، ومن خصهم سبحانه باجتبائه، ولقد جاء هذا في آيات كثيرة. قال تعالى: ﴿وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأنعام: ٨٧] وقال تعالى: ﴿شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [النحل: ١٢١] أما التسمية فيمكن أن تكون من غير الله تعالى فتكون من أبينا إبراهيم، وتكون هذه منقبة لأبينا إبراهيم ﵊.
رابعًا: قال تعالى: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ [البقرة: ١٢٨].
خامسًا: وصف الله خليله إبراهيم بالإسلام في آيات كثيرة: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [آل عمران: ٦٧] فإذا أضفنا إلى هذه كلها رجوع الضمير إلى أقرب مذكور، فإنه يترجح رجوع الضمير إلى الخليل ﷺ ، والله أعلم بما ينزل.
стр. 385
الخاتمة
بعد هذه المسيرة الطيبة التي عطرنا فيها أنفاسنا وألسنتنا, بعد هذا التطواف مع ما بذله المفسرون لتنقية التفسير من كل ما لا يليق بكتاب الله تعالى نستطيع أن نقرر الحقائق التالية:
أولًا: بذل المفسرون كل ما مُنحوه من طاقات، وأنفقوا كلّ ما عندهم من أوقات لتجلية المعنى الذي يتفق مع جلال الآيات الكريمات، والمفسرون ليسوا سواءً، فمنهم المحقق المدقق الذي لا يكتفي بنقل الأقوال وعَدِّها, بل يناقش كل قول ليعرضه على المعقول والمنقول، وهؤلاء قد يذكرون الأقوال الغريبة، من أجل أن يردوها وينبهوا على بطلانها, فمن ذلك مثلا ما نقله بعضهم في تفسير قوله تعالى: ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا﴾ [الأحزاب: ٢٧] قالوا إن المقصود بقوله ﴿أَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا﴾ النساء، وهذا قول يرده الحق والمنطق كما ترى.
ومن ذلك ما قاله بعضهم في تفسير قوله تعالى: ﴿قَال يَاإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ﴾ [ص: ٧٥] حيث قال "أم كنت من الملائكة الذين علت أقدارهم، والذين لم يؤمروا بالسجود لآدم, لأن الملائكة الذين أمروا بالسجود لآدم هم قسم من الملائكة، ولكن هناك قسمًا آخر هم أرفع شأنًا وأعلى منزلة من غيرهم من الملائكة لم يؤمروا بالسجود لآدم.
وقد تجد في طريقك وأنت تقرأ في كتب التفسير ما يشبه هذين القولين، لكنك -والحمد لله- ستجد الردّ الحاسم على مثل هذه الأقوال وما يشبهها مما هو دخيل على التفسير.
стр. 386
ثانيًا: رأينا أن اختلافات المفسرين كلها أو جلَّها ترجع إلى إعمال الرأي ويذل الطاقة والاجتهاد في فهم الآية الكريمة، وقد تذكر أقوال كثيرة تكون كلها محتملة في تفسير الآية، صحيح أن هناك اختلافات ترجع إلى اللغة أو تعدد القراءات المتواترة، لكن هذا القسم قليل إذا قيس مع ما هو ناشيء عن الاختلاف في الرأي والاجتهاد، والأمر الذي ينبغي أن نؤكده هنا أننا لن نجد اختلافًا عند المفسرين يرجع إلى الحديث النبوي الصحيح؛ ذلك لأنه إذا صح الحديث عن سيدنا رسول الله ﷺ فليس من الممكن أن يناقضه حديث صحيح آخر، حتى ما روي عن الصحابة وصح عنهم فإنه لا يتناقض كذلك، نعم قد تصح أكثر من رواية عن الصحابة أو عن أحد منهم، لكن يمكن الجمع بينها، ففي قول الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا﴾ [الأنبياء: ٣٠].
روي عن ابن عباس ﵄ أن السماوات والأرض كانتا كتلة واحدة ففتقهما الله تعالى وفصل كل واحدة عن الأخرى، وهناك رواية أخرى عنه أن السماوات كانت رتقًا ففتقها الله بالمطر، وأن الأرض كانت رتقًا ففتقها الله بالنبات.
والروايات الكثيرة التي رويت عن الصحابة والتابعين جُلُّها كان الاختلاف فيها اختلاف تنوع، بمعنى أنه يمكن الجمع بينها كلها، وقد أشرت إلى هذه الحقيقة من قبل.
وهكذا ندرك أن أكثر الاختلاف ناشئ عن الرأي والاجتهاد المبنيين على أسس صحيحة، فليس كل صاحب رأي يقبل رأيه، وليس كل من ادعى الاجتهاد يسمى مجتهدًا، وللشافعي رحمه الله تعالى ورضي عنه في الرسالة كلام عال في هذا الموضوع ولمن بعده من العلماء كذلك.
стр. 387
ثالثًا: ينتج مما تقدم أننا لسنا ملزمين بكل ما جاء في كتب التفسير وأقوال المفسرين.
وليس كل خلاف جاء معتبرًا ... إلا خلافًا له حظ من النظر
ولذا نجد بعضهم يرد أقوال بعض، فقد يرجح قول كان مرجوحًا عند كثير من المفسرين وقد يفتح الله لمتأخر ما لم يفتح به لمتقدم، فكتاب الله لا يخلق على كثرة الردّ، ولا تنقضي عجائبه.
ولقد رأينا فيما قررناه من قبل أن هناك أقوالًا نقلها الأئمة ذوو الشأن كانت غير جديرة بالقبول، مثل تفسيرهم قوله تعالى: ﴿وَلَا يَسْتَثْنُونَ﴾ [القلم: ١٨] في سورة القلم أي (لم يقولوا إن شاء الله).
رابعًا: قد يعرض لبعض الناس نقبة من فكر تدور بخلده فتشغل فكره أو تزيده حيرة وهي: كيف يختلف الناس في تفسير كتاب الله وهو بيِّن يسره الله للذكر، وأنزله بلسان عربي مبين، أليس هذا الاختلاف ظاهرة غير صحية ولا صحيحة؟ ثم أليس من الأجدى أن تكون الآراء في كتاب الله واحدة، ليس فيها هذا التنازع والتعارض؟
وكي نجيب عن هذا التساؤل إجابة دقيقة، حبذا أن نسترجع ما ذكرنا من أسباب اختلاف المفسرين وأن نسترجع الآيات التي اختلف فيها كذلك وسنجد أن هذا الاختلاف كان أمرًا إيجابيًا فيه ثراء للفكر وإغناء للمعنى، فيه حركة عقلية دؤوب، تفتر لك عن آراء وتكشف لك عن معانٍ وترتفع بك من السطحية، وتسمو بك. يقول البيضاوي "محتملات لا يتضح مقصودها لإجمال أو مخالفة ظاهر إلا بالفحص والنظر ليظهر منها فضل العلماء ويزداد حرصهم على أن يجتهدوا في تدبرها وتحصيل العلوم المتوقف عليها استنباط المراد بها فينالوا بها وبإتعاب القرائح في استخراج معانيها ... معالي الدرجات" (١). هذه واحدة.
стр. 388
أما الثانية فإننا إذا استعرضنا اختلافات المفسرين وجدناها بعيدة عن الأمور المجمع عليها في العقيدة والأحكام والأخلاق والقضايا المقطوع بها من أمور الكون والتاريخ بل هي خلافات فرعية تَصلح وتُصلح، وقد مرّ معنا آيات كثيرة مما اختلف فيه المفسرون، ليس فيها ما يناقض بعضه بعضًا أولًا، بحيث يدعو بعضها إلى حق وآخر إلى غيره، بل ليس فيها ما ينصر مذهبًا على مذهب من مذاهب الحقّ، إنها اختلافات في أمور مما يختلف فيه ذوو العقول الصحيحة، على أن هناك خطوطًا لا يمكن أن يتجاوزها أحد، إنها اختلافات ذات جدوى فكرية واجتماعية، وكلّ قول يتناقض مع هذه الأساسيات مرفوض مردود؛ لأن القرآن الكريم ليس فيه اختلاف قال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢] فنحمد الله أن جعلنا من أهل القرآن وصلى الله وسلم على نبي الهدى سيدنا محمد الذي أنزل الله عليه القرآن كتابًا متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله وعلى آله وصحبه والتابعين، وجزى الله أئمتنا الذين أنفقوا ما منحهم الله أوقاتًا وأقواتًا في خدمة هذا الدين كتابًا وسنة، ونسأل الله أن يجعلنا منهم إن ربي قريب مجيب، إن ربي رحيم ودود، إن ربي سميع الدعاء، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.
стр. 389
الباب الثالث اتجاهات التفسير
وفيه ستة فصول:
الفصل الأول: الاتجاه البياني.
الفصل الثاني: الاتجاه الفقهي.
الفصل الثالث: الاتجاه العقدي.
الفصل الرابع: الاتجاه العلمي.
الفصل الخامس: الاتجاه الموضوعي.
الفصل السادس: التفسيرات المنحرفة.
стр. 390
تمهيد:
﴿وَقَالوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [العنكبوت: ٥٠ - ٥١].
حقًّا إنه آيات متعددة يجد كل باحث فيها بغيته وحاجته، فإذا وقف رجل البيان أمامها، يستجلي صورها التعبيرية وتراكيبها، وخصائص هذا التركيب، وجد معانيها تنساب كأنها جدول عذب يترقرق، وألفاظها تتسق كأنما هي نغمات عذبة تتدفق حيوية وجمال إيقاع. وإذا وقف أمامها عالم الفقه أو الاجتماع ليستجلي ما فيها من حكم وأحكام، وجد النظام البديع والقيم الإنسانية الخالدة، والأحكام التي لا يصلح النوع الإنساني إلا حينما يعيش في ظلالها، وإذا وقف أمامها الفيلسوف ورجل العقيدة وعالم الأخلاق والباحث في أسرار الكون، فإنها تمد هؤلاء جميعًا بقواعد مما يطلبون، أقصى مما تصل إليه نتائج أبحاثهم القائمة على أساس من البحث العلمي والمنطق الفلسفي، أما إذا أراد أن يعالجها من يتلمس فيها عوجًا ويتصيد مطعنًا، فإنه يرد خائبًا مدحورًا، ويرجع بخفي حنين خاسئًا وهو حسير.
وسأحاول إن شاء الله في هذا الباب أن أتتبع النص القرآني في تلك الجهود المختلفة التي بذلها أصحابها، وهم يستخرجون كنوزه، ويفجرون عيون ماء الحياة منه، ليرتووا ويرووا صدى النفوس، وظمأ الأفئدة. وبهذا يتسنى لنا، أن نتعرف على تلك القيم الأدبية والفقهية والعقدية التي تكمن في النص القرآني، كيف لا وهو كتاب الإنسانية الخالد. كما سأعرض كذلك إلى هؤلاء الذين أرادوا أن ينحرفوا بالنص القرآني عن مداره، ويخرجوه عن مساره فأبى عليهم، واستعصى دون ما أرادوه، ولن يستقيم ذلك أبدًا. ذلك أن النص القرآني في فلكه العلوي، يربأ عن التبديل في لفظه ومعناه، وماذا يكون حال الحياة إذا غير فلك من أفلاكها