← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 145333

التفسير والمفسرون في العصر الحديث - فضل عباس

فضل حسن عباس

Полный текст (1 925 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

ثانيًا: رأينا أن اختلافات المفسرين كلها أو جلَّها ترجع إلى إعمال الرأي ويذل الطاقة والاجتهاد في فهم الآية الكريمة، وقد تذكر أقوال كثيرة تكون كلها محتملة في تفسير الآية، صحيح أن هناك اختلافات ترجع إلى اللغة أو تعدد القراءات المتواترة، لكن هذا القسم قليل إذا قيس مع ما هو ناشيء عن الاختلاف في الرأي والاجتهاد، والأمر الذي ينبغي أن نؤكده هنا أننا لن نجد اختلافًا عند المفسرين يرجع إلى الحديث النبوي الصحيح؛ ذلك لأنه إذا صح الحديث عن سيدنا رسول الله ﷺ فليس من الممكن أن يناقضه حديث صحيح آخر، حتى ما روي عن الصحابة وصح عنهم فإنه لا يتناقض كذلك، نعم قد تصح أكثر من رواية عن الصحابة أو عن أحد منهم، لكن يمكن الجمع بينها، ففي قول الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا﴾ [الأنبياء: ٣٠]. روي عن ابن عباس ﵄ أن السماوات والأرض كانتا كتلة واحدة ففتقهما الله تعالى وفصل كل واحدة عن الأخرى، وهناك رواية أخرى عنه أن السماوات كانت رتقًا ففتقها الله بالمطر، وأن الأرض كانت رتقًا ففتقها الله بالنبات. والروايات الكثيرة التي رويت عن الصحابة والتابعين جُلُّها كان الاختلاف فيها اختلاف تنوع، بمعنى أنه يمكن الجمع بينها كلها، وقد أشرت إلى هذه الحقيقة من قبل. وهكذا ندرك أن أكثر الاختلاف ناشئ عن الرأي والاجتهاد المبنيين على أسس صحيحة، فليس كل صاحب رأي يقبل رأيه، وليس كل من ادعى الاجتهاد يسمى مجتهدًا، وللشافعي رحمه الله تعالى ورضي عنه في الرسالة كلام عال في هذا الموضوع ولمن بعده من العلماء كذلك.

стр. 387

ثالثًا: ينتج مما تقدم أننا لسنا ملزمين بكل ما جاء في كتب التفسير وأقوال المفسرين. وليس كل خلاف جاء معتبرًا ... إلا خلافًا له حظ من النظر ولذا نجد بعضهم يرد أقوال بعض، فقد يرجح قول كان مرجوحًا عند كثير من المفسرين وقد يفتح الله لمتأخر ما لم يفتح به لمتقدم، فكتاب الله لا يخلق على كثرة الردّ، ولا تنقضي عجائبه. ولقد رأينا فيما قررناه من قبل أن هناك أقوالًا نقلها الأئمة ذوو الشأن كانت غير جديرة بالقبول، مثل تفسيرهم قوله تعالى: ﴿وَلَا يَسْتَثْنُونَ﴾ [القلم: ١٨] في سورة القلم أي (لم يقولوا إن شاء الله). رابعًا: قد يعرض لبعض الناس نقبة من فكر تدور بخلده فتشغل فكره أو تزيده حيرة وهي: كيف يختلف الناس في تفسير كتاب الله وهو بيِّن يسره الله للذكر، وأنزله بلسان عربي مبين، أليس هذا الاختلاف ظاهرة غير صحية ولا صحيحة؟ ثم أليس من الأجدى أن تكون الآراء في كتاب الله واحدة، ليس فيها هذا التنازع والتعارض؟ وكي نجيب عن هذا التساؤل إجابة دقيقة، حبذا أن نسترجع ما ذكرنا من أسباب اختلاف المفسرين وأن نسترجع الآيات التي اختلف فيها كذلك وسنجد أن هذا الاختلاف كان أمرًا إيجابيًا فيه ثراء للفكر وإغناء للمعنى، فيه حركة عقلية دؤوب، تفتر لك عن آراء وتكشف لك عن معانٍ وترتفع بك من السطحية، وتسمو بك. يقول البيضاوي "محتملات لا يتضح مقصودها لإجمال أو مخالفة ظاهر إلا بالفحص والنظر ليظهر منها فضل العلماء ويزداد حرصهم على أن يجتهدوا في تدبرها وتحصيل العلوم المتوقف عليها استنباط المراد بها فينالوا بها وبإتعاب القرائح في استخراج معانيها ... معالي الدرجات" (١). هذه واحدة.

стр. 388

أما الثانية فإننا إذا استعرضنا اختلافات المفسرين وجدناها بعيدة عن الأمور المجمع عليها في العقيدة والأحكام والأخلاق والقضايا المقطوع بها من أمور الكون والتاريخ بل هي خلافات فرعية تَصلح وتُصلح، وقد مرّ معنا آيات كثيرة مما اختلف فيه المفسرون، ليس فيها ما يناقض بعضه بعضًا أولًا، بحيث يدعو بعضها إلى حق وآخر إلى غيره، بل ليس فيها ما ينصر مذهبًا على مذهب من مذاهب الحقّ، إنها اختلافات في أمور مما يختلف فيه ذوو العقول الصحيحة، على أن هناك خطوطًا لا يمكن أن يتجاوزها أحد، إنها اختلافات ذات جدوى فكرية واجتماعية، وكلّ قول يتناقض مع هذه الأساسيات مرفوض مردود؛ لأن القرآن الكريم ليس فيه اختلاف قال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢] فنحمد الله أن جعلنا من أهل القرآن وصلى الله وسلم على نبي الهدى سيدنا محمد الذي أنزل الله عليه القرآن كتابًا متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله وعلى آله وصحبه والتابعين، وجزى الله أئمتنا الذين أنفقوا ما منحهم الله أوقاتًا وأقواتًا في خدمة هذا الدين كتابًا وسنة، ونسأل الله أن يجعلنا منهم إن ربي قريب مجيب، إن ربي رحيم ودود، إن ربي سميع الدعاء، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.

стр. 389

الباب الثالث اتجاهات التفسير وفيه ستة فصول: الفصل الأول: الاتجاه البياني. الفصل الثاني: الاتجاه الفقهي. الفصل الثالث: الاتجاه العقدي. الفصل الرابع: الاتجاه العلمي. الفصل الخامس: الاتجاه الموضوعي. الفصل السادس: التفسيرات المنحرفة.

стр. 390

تمهيد: ﴿وَقَالوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [العنكبوت: ٥٠ - ٥١]. حقًّا إنه آيات متعددة يجد كل باحث فيها بغيته وحاجته، فإذا وقف رجل البيان أمامها، يستجلي صورها التعبيرية وتراكيبها، وخصائص هذا التركيب، وجد معانيها تنساب كأنها جدول عذب يترقرق، وألفاظها تتسق كأنما هي نغمات عذبة تتدفق حيوية وجمال إيقاع. وإذا وقف أمامها عالم الفقه أو الاجتماع ليستجلي ما فيها من حكم وأحكام، وجد النظام البديع والقيم الإنسانية الخالدة، والأحكام التي لا يصلح النوع الإنساني إلا حينما يعيش في ظلالها، وإذا وقف أمامها الفيلسوف ورجل العقيدة وعالم الأخلاق والباحث في أسرار الكون، فإنها تمد هؤلاء جميعًا بقواعد مما يطلبون، أقصى مما تصل إليه نتائج أبحاثهم القائمة على أساس من البحث العلمي والمنطق الفلسفي، أما إذا أراد أن يعالجها من يتلمس فيها عوجًا ويتصيد مطعنًا، فإنه يرد خائبًا مدحورًا، ويرجع بخفي حنين خاسئًا وهو حسير. وسأحاول إن شاء الله في هذا الباب أن أتتبع النص القرآني في تلك الجهود المختلفة التي بذلها أصحابها، وهم يستخرجون كنوزه، ويفجرون عيون ماء الحياة منه، ليرتووا ويرووا صدى النفوس، وظمأ الأفئدة. وبهذا يتسنى لنا، أن نتعرف على تلك القيم الأدبية والفقهية والعقدية التي تكمن في النص القرآني، كيف لا وهو كتاب الإنسانية الخالد. كما سأعرض كذلك إلى هؤلاء الذين أرادوا أن ينحرفوا بالنص القرآني عن مداره، ويخرجوه عن مساره فأبى عليهم، واستعصى دون ما أرادوه، ولن يستقيم ذلك أبدًا. ذلك أن النص القرآني في فلكه العلوي، يربأ عن التبديل في لفظه ومعناه، وماذا يكون حال الحياة إذا غير فلك من أفلاكها

стр. 391

طريقه المستقيم؟ إنها الطامة إذن، وكذلك شأن هذا القرآن, الذي هو كما يقول الرافعي ﵀ (آيات منزلة من حول العرش، فالأرض بها سماء هو منها كواكب) (١). وسيكون هذا الباب فصولًا أخصص لكل اتجاه فصلًا فأبدأ بالاتجاه البياني فالاتجاه الفقهي الذي يشمل التشريعات السياسية والاجتماعية. وأما الفصل الثالث فأخصصه للاتجاه العقدي، وأفرد الاتجاه العلمي بفصل رابع، ويبقى الاتجاه الموضوعي فأجعله في فصل يلي ذلك. وأخصص الفصل السادس والأخير للتفسيرات المنحرفة، والشبهات التي أطلقها أعداء هذا القرآن حقدًا وبهتانًا. والله أسأل أن يرزقني توفيقًا في البحث من لدنه، وأن يفتح لي أبواب رحمته وفضله، وهو حسبي ونعم الوكيل.

стр. 392

الفَصْلُ الأوّل الاتجاه البيانيُّ ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٢ - ١٩٥]. سأعرض في هذا الفصل للموضوعات التالية: أولًا: خصائص القرآن. ثانيًا: تطور الدراسة البيانية للقرآن. ثالثًا: جهود اللغويين والنحويين وعلماء البيان. رابعًا: تصحيح أخطاء بعض الباحثين في هذا المضمار. خامسًا: مدرسة الشيخ محمد عبده وأثرها في الاتجاه البياني. سادسًا: دراسات متخصصة في هذا الاتجاه. سابعًا: كلمة أخيرة عن البيان القرآني. ثامنًا: رد افتراءات على البيان القرآني.

стр. 393

المبحث الأول خصائص القرآن الكريم نزل القرآن على سيدنا محمد عليه وآله الصلاة والسلام ليخرج الناس من الظلمات إلى النور، ولكنه يختلف عن الكتب التي سبقته، ذلك أن كل نبي ممن أنزل عليهم كتبًا، كان يؤيد بالمعجزة من أجل أن يصدقه قومه. فسيدنا موسى ﵊ أنزلت عليه التوراة كتابًا له يهتدي به قومه، أما معجزته فكانت شيئًا آخر: العصا واليد، وكذلك سيدنا عيسى ﵊، أعطي الإنجيل ومعه من المعجزات ما معه، لكن انفرد الكريم كان الكتاب والمعجزة معًا. من هنا كان لهذا القرآن خصائص، انفرد بها. فهو مع خلوده كتاب سماوي ومعجزة. ولقد نزل القرآن والعربية في أوجها قد اكتملت بيانًا، وبلغ العرب رشدهم اللغوى. من دقة في التعبير واختيار للألفاظ وتأثر بالفصيح من القول، يدلنا على ذلك تلك المساجلات النقدية التي كانت تعقده لها الندوات في الأسواق العامة والمنتديات الخاصة. وخبر حسان والخنساء خير دليل على ذلك (١). ولقد كان طبيعيًا أن يحاول العرلص معارضة القرآن، لأنه زلزل معتقداتهم ونعى عليهم كثيرًا من أعرافهم وسفه أحلامهم، ولكن مع ذلك كله، لم يستطيعوا أن يحوموا حوله بمعارضة، ولا أن يقربوا منه بمناقضة، ووقفوا مشدوهين أعيتهم

стр. 394

الحيلة، فبدأوا يتلمسون المطاعن وهم بباطلها موقنون، ويلقون الشبهات وهم بزيفها مقرون، وفي إيرادها مضطربون يدلك على هذا الاضطراب قوله سبحانه: ﴿بَلْ قَالوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ﴾ [الأنبياء: ٥]. حيث جاءت كلمة (بل) في مواضع متلاحقة، وفي هذا دليل على تخبط القوم فيما يقولون. ولقد وقف هؤلاء أمام القرآن يخالف ظاهرهم باطنهم، فبينما مشاعرهم ووجداناتهم تتأثر بالقرآن فيخشون هذا على أنفسهم، نجد ألسنتهم تنهى عنه وتنفر منه ﴿لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ [فصلت: ٢٦]. ولقد بلغ التعبير القرآني شأوا بعيدًا، وهو يصور ما يعانيه هؤلاء من صراع في داخل أنفسهم، حيث يقول: ﴿مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ﴾ (١) [هود: ٢٠]. لقد أثر القرآن فيهم جميعًا، مؤمنهم وكافرهم، فوقفوا جميعًا أمام عذوبته وهيمنته، فآمن من آمن وكفر من كفر. وإسلام سيدنا عمر ﵁، وتفكير الوليد وتقديره، حادثتان مشهورتان. وتأتي بعد ذلك مرحلة التحدي ليأتوا لمثل هذا القرآن، فلم يأتوا. ويرخي لهم العنان، وتحدث تنازلات: فليأتوا بعشو سور مفتريات كما يزعمون، وتستمر تلك التنازلات إلى سورة مثله. كل ذلك في مكة، وتأتي المرحلة الحاسمة في المدينة (٢) ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ ولكنهم لم يفعلوا ولن يفعلوا. فما هو ذلك السر الذي حال بينهم وبين ذلك، فتركوا رصف الحروف إلى تقلد السيوف: ذلك هو البيان القرآني بأوسع تدل عليه تلك الكلمات. فما الخطوات التي تدرج فيها ابتداء من ذلك العصر، مرورًا بما جادت به قرائح المفسرين والباحثين؟ وما الشبهات المثارة حول التفسير التي لو قدر لها أن تحيا في النفوس لا سمح الله، فإنها تأتي على تراث هذه الأمة، وبنيانها البياني والعلمي من القواعد.

стр. 395

المبحث الثاني: تطور الدراسة البيانية للقرآن بدأت حركة التأليف في المفسير في القرن الثاني الهجري، وبدأ معها جنبًا إلى جنب التفسير اللغوي للقرآن. وليس معنى هذا أن المعاني البيانية في القرآن لم تظهر إلا في هذا الوقت، فالعرب الذين انزل القرآن بلغتهم، كان البيان فيهم سجية ولهم طبعًا. والمطلع على تفسيراتهم يجد أن فيها حظًّا وافرًا من هذا الاتجاه، وعلى سبيل المثال نجد الرسول عليه وآله الصلاة والسلام، يفسر الرزق بالشكر في قوله تعالى: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة: ٨٢] (١) وابن عباس ﵄ يقول في قول الله تعالى: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ﴾ [البقرة: ٢٦٦] إنها ضربت مثلًا. ويقول في قول الله تعالى. ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [الحديد: ١٧] (٢)، إن المراد إحياء القلوب (٣) لأن إحياء الأرض معلوم، وهذا سيدنا عمر ﵁ يبين سر الإعجاز في قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠] يقول لو شاء الله تعالى لقال أنتم فكنا كلنا. ولكن قال: (كنتم في خاصة من أصحاب رسول الله ﷺ . ومن صنع مثل صنيعهم) رواه ابن جرير (٤) وابن أبي حاتم، وهذا عروة بن الزبير ﵁ يسأل السيدة عائشة ﵂، عن السعي بين الصفا والمروة، وعما أشكل عليه في ذلك تقول: (لو كان كما قلت، لقال الله تعالى. (فلا جناح عليه ألا يطوف بهما) (٥). فنحن نرى من هذه الآثار أن بعضها أشار إلى ناحية النظم، ويعضها أشار إلى الصور البيانية وما تحدث في النفوس من أثر، وهذان البابان أرقى ما تَوَصَّل إليه من دراسة الإعجاز.

стр. 396

المبحث الثالث جهود اللغويين والنحويين وعلماء البيان ومهما يكن من أمر فإن حركة التدوين اللغوي للقرآن الكريم، واكبت حركة التفسير بالمأثور كما أسلفت، وأول من أسهم في تلك الحركة اللغويون والنحاة، حيث ظهر كتاب (مجاز القرآن) لأبي عبيدة. ويظن السامع لأول وهلة أن هذا الكتاب يعالج المجاز الذي اصطلح عليه علماء البيان فيما بعد، ولكن من يقرأ الكتاب يدرك أن مؤلفه لم يقصد هذا، بل قصده الطريق الذي ينبغي أن يسلك لنتبين منه معنى الآية، من قولهم جزت الشيء أو جزت الطريق هو انتقال من اللفظ إلى المعنى، وظهر كتاب (معاني القرآن) للفراء. والفراء كما نعلم من أئمة النحو الكوفيين. ولقد ظهر ذلك الطابع في مؤلفه، كما ظهر فيه وفي سابقه - مجاز القرآن- أنواع من الإبداع التي يجدها من يتصفح الكتابين، والكتابان مطبوعان والحمد لله. أبو عبيدة: أما أبو عبيدة فيكفينا أن نقف مع كتابه (مجاز القرآن) وسنجد في هذا الكتاب كثيرًا من الأساليب البلاغية، والمباحث البيانية التي كانت أساسًا أفاد منه كل أولئك الدين جاءوا من بعده، والتي تدل كذلك على أصالة نشأة البلاغة العربية، وترد أقوال أولئك الذين يزعمون ويدعون أنها مزق من بلاغات الأمم السابقة، ويساورنا الشك فيما نقله صاحب (العمدة) عن الجاحظ حيث قال: طلبت علم الشعر عند الأصمعي، فوجدته لا يحسن إلا غريبه، فرجعت إلى الأخفش فوجدته لا يتقن إلا إعرابه، فعطفت على أبي عبيدة فوجدته لا يتقن إلا ما اتصل بالأخبار، وتعلق بالأيام والأنساب، فلم أظفر بما أردت إلا عند أدباء الكتاب كالحسن بن وهب ومحمد بن عبد الملك الزيّات وقال: (ولم أر غاية النحويين إلا كل شعر فيه

стр. 397

إعراب. ولم أر غاية رواة الشعر إلا كل شعر فيه غريب أو معنى صعب يحتاج إلى الاستخراج، ولم أر غاية رواة الأخبار إلا كل شعر فيه الشاهد والمثل) (١). فإن صح كان ذلك مستغربًا، يدعو إلى الحَيْرة ذلك أن الجاحظ - كما جاء عنه في كتاب (البيان والتبيين) - يقول عن أبي عبيدة: (لم يكن في الأرض خارجي ولا جماعي أعلم بجميع العلوم من أبي عبيدة)! (٢) فكيف نجمع بين الكلمتين؟ ! (٣). وعلى كل حال، فإن خير ما يعطينا صورة واضحة عن نفاسة الملحوظات البلاغية التي ذكرها أبو عبيدة، والتي تنتظم كثيرًا من علمي المعاني والبيان، والتي تدل على قدم راسخة للرجل في هذا المضمار، ما ذكره في الجزء الأول من كتابه - أعني: (مجاز القرآن). (قالوا: إنما أنزل القرآن بلسان عربي مبين، وتصداق ذلك في آية من القرآن، وفي آية أخرى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ [إبراهيم: ٤]، فلم يحتج السلف ولا الذين أدركوا وحيه إلى النبي ﷺ أن يسألوا عن معانيه لأنهم كانوا عرب الألسن، فاستغنوا بعلمهم عن المسألة عن معانيه، وعما فيه مما في كلام العرب مثله من الوجوه والتلخيص، وفي القرآن ما في الكلام العربي من وجوه الإعراب، ومن الغريب، والمعاني. ومن المحتمل من مجاز ما اختصر وفيه مضمر قال: ﴿وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا﴾ [ص: ٦]، فهذا مختصر فيه ضمير مجازه: انطلق الملأ منهم، ثم اختصر إلى فعلهم، وأضمر فيه: وتواصوا أن امشوا، أو تنادوا أن امشوا، أو نحو ذلك. ومن مجاز ما حُذف وفيه مضمو قال. ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا﴾ [يوسف: ٨٢]، فهذا محذوف فيه ضمير مجازه: واسأل أهل القرية،

стр. 398

ومن في العير. ومن مجاز ما جاء لفظه لفظ الواحد الذي له جماع منه، ووقع معنى هذا الواحد على الجميع قال: ﴿نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا﴾ [الحج: ٥]، في موضع، أطفالًا. وقال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات: ١٠]، فهذا وقع معناه على قوله: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات: ٩]، وقال: ﴿وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا﴾ [الحاقة: ١٧]، في موضع: الملائكة. ومن مجاز ما جاء لفظه لفظ الجميع الذي له وأحله منه، ووقع معنى هذا الجميع على الواحد قال: ﴿الَّذِينَ قَال لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ﴾ [آل عمران: ١٧٣]، والناس جميع، وكان الذي قال رجل واحد ﴿أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ﴾ [مريم: ١٩]، وقال: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩]، والخالق الله وحده لا شريك له. ومن مجاز ما جاء لفظه لفظ الجميع الذي له واحد منه، ووقع معنى هذا الجميع على الاثنين قال: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾ [النساء: ١١] فالأخوة جميع، ووقع معناه على أخوين، وقال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات: ١٠]، وقال: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] في مواضع يديهما. ومن مجاز ما جاء لا جماع له من لفظه، فلفظ الواحد منه ولفظ الجميع سواء قال: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ﴾ [يونس: ٢٢]، والفلك جميع وواحد، وقال: ﴿وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ﴾ [الأنبياء: ٨٢] جميع وواحد، وقال: ﴿فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ [الحاقة: ٤٧] جميع وواحد. من مجاز ما جاء من لفظ خبر الجميع المشرك بالواحد الفرد على لفظ خبر الواحد قال الله: ﴿أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا﴾ [الأنبياء: ٣٠] جاء فعل السماوات على لفظ الواحد لما أشركن بالأرض.

стр. 399

ومن مجاز ما جاء من لفظ خبر الحيوان والموات على لفظ خبر الناس قال: ﴿رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ [يوسف: ٤]، وقال: ﴿قَالتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت: ١١]، وقال للأصنام: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٦٥]، وقال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ﴾ [النمل: ١٨]، وقال: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٦] ومن مجاز ما جاءت مخاطبته مخاطبة الشاهد، ثم تُرِكَتْ وحُوِّلْت مخاطبته هذه إلى مخاطبة الغائب قال الله: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ﴾ [يونس: ٢٢]، أي: بكم. ومن مجاز ما جاء خبره عن غائب، ثم خوطب الشاهد قال. ﴿ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى (٣٣) أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى﴾ [القيامة: ٣٣ - ٣٤]. ومن مجاز ما يزاد في الكلام من حروف زوائد قال الله ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ [البقرة: ٢٦] وقال: ﴿فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ [الحاقة: ٤٧]، وقال: ﴿وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ﴾ [المؤمنون: ٢٠]، وقال: ﴿وَإِذْ قَال رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ﴾ [البقرة: ٣٠]، وقال: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ﴾ [الأعراف: ١٢]، مجاز هذا أجمع إلقاؤهن. ومن مجاز المكرر للتوكيد قال: ﴿رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ [يوسف: ٤]، أعاد الرؤية، وقال: ﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى﴾ [القيامة: ٣٤]، أعاد اللفظ، وقال: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وقال: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [المسد: ١]. ومن مجاز المقدم والمؤخر قال: ﴿فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ [الحج: ٥] أراد: ربت واهتزت. وقال: ﴿لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ [النور: ٤٠]، أي: لم يرها، ولم يكد.

стр. 400

ومن مجاز ما يحوَّل خبره إلى شيء من سببه، ويترك خبره هو قال: ﴿فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾ [الشعراء: ٤]، حوَّل الخبر إلى الكناية التي آخرها الأعناق. ومن مجاز ما يحوّل فعل الفاعل إلى المفعول، قال: ﴿مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ﴾ [القصص: ٧٦]، والعصبة هي التي تنوء بالمفاتح. ومن مجاز ما وقع المعنى على المفعول، وحُوِّل إلى الفاعل قال: ﴿كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ﴾ [البقرة: ١٧١]، والمعنى: على الشيء المنعوق به، وحُوِّل على الراعي الذي ينعق بالشاء. ومجاز ما قرأته الأئمة بلغاتها فجاء لفظه على وجهين أو أكثر، من ذلك قرأ أهل المدينة: ﴿فَبِمَ تُبَشِّرُونَ﴾ [الحجر: ٥٤]، فأضافوا بغير نون المضاف بلغتهم، وقال أبو عمرو: لا تضاف تبشرون إلا بنون الكناية، كقولك تبشرونني. ويقول عند قوله سبحانه: ﴿قَالوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ﴾ [البقرة: ٣٠]، جاءت على لفظ الاستفهام، والملائكة لم تستفهم ربها وقد قال ﵎: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾، ولكن معناها معنى الإيجاب: أي: إنك ستفعل. وقال جرير -فأوجب ولم يستفهم- لعبد الملك بن مروان: ألَسْتُم خَيْرَ مَنْ رَكِبَ المَطايا ... وأنْدَى العالمينَ بُطون راحِ وتقول -وأنت تضرب الغلام على الذنب: - ألست الفاعل كذا؟ ليس باستفهام، ولكن تقرير) (١). فأنت ترى أن ما ذكره أبو عبيدة ينتظم كثيرًا من مباحث علم المعاني، فقد أشار إلى مباحث الخبر والإنشاء، وخروج بعض أدوات الاستفهام -وهو من قسم الإنشاء- عما وضعت له، كما أشار إلى التقديم والتأخير، والالتفات والتغليب،

стр. 401

وغير ذلك مما لو تأملته لوجده فيه كثيرًا ممّا قرره العلماء فيما بعد. وقد نخالفه في بعض ما قروه هنا، وتفصيل ذلك في مواضع من كتابنا إعجاز القرآن المجيد. أما مباحث علم البيان فنجد أبا عبيدة في كتاب (مجاز القرآن) يحدثنا في مواضع كثيرة عن الكناية، والتشبيه، والمجاز العقلي، كما نجد حديثه عن الاستعارة في كتابه (النقائض) وإن لم يسمها باسمها، وإنما يعبر بكلمة النقل، ونحن نعلم أن الاستعارة ليست إلّا نقلًا للكلمة من المعنى الذي وُضِعَت إلى معنى آخر. استمع إليه معلقًا على بيت الفرزدق: لا قومَ أَكْرَمُ مِن تَميمٍ إذْ غَدتْ ... عُوذُ النِّساء يُسقْنَ كالآجالِ "قوله: عوذ النساء: هن اللاتي معهن أولادهن، والأصل في عوذ في الإبل التي معها أولادها، فنقله العرب إلى النساء، وهذا المستعار، وقد تفعل العرب ذلك كثيرًا". ذلكم هو أبو عبيدة، ولقد صدق الجاحظ فيما قال عنه وهو بحق كما قال ياقوت الحموي في معجم الأدباء: (إنه كان لا يفتش عن علم من العلوم إلا كان من يفتشه عنه يظن أنه لا يحسن غيره، ولا يقوم بشيء أجود من قيامه به) (١). الفراء: الفراء إمام لغوي اشتهر بالنحو، وكان من نحاة الكوفة، صاحب كتاب (معاني القرآن) ولا نعدم الملحوظات البلاغية في كتابه هذا، كالتقديم والتأخير وغيرهما من مباحث علم المعاني، كما أشار إلى بعض مباحث علم البيان: كالتشبيه والكناية وغيرهما وإن كان يغلب عليه طابع الإعراب ومن المآخذ التي أخذت على الفراء

стр. 402

عنايته بمراعاة الفاصلة، مقدمًا لها على كل اعتبار، فهو يرى مثلًا في قول الله. ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن: ٤٦] أن التثنية إنما جاءت لمراعاة الفاصلة، وإلا فهي جنة واحدة. وقوله: ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾ [البقرة: ١٦]. ربما قال القائل: كيف تربح التجارة وإنما يربح الرجل التاجر؟ وذلك من كلام العرب: ربح بيْعُك وخسر بيعُك، فحسن القول بذلك لأن الربح والخسران إنما يكونان في التجارة، فعلم معناه. ومثله من كلام العرب: هذا ليل نائم. ومثله من كتاب الله. ﴿فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ﴾ [محمد: ٢١] وإنما العزيمة للرجال، ولا يجوز الضمير المحذوف إلا في مثل هذاء فلو قال قائل. قد خسر عبدك، لم يجز ذلك، (إن كنت) تريد أن تجعل العبد تجارةً يُربح فيه أو يُوضَع لأنه قد يكون العبد تاجرًا فيربح أو يُوضَع (١)، فلا يعلم معناه إذا ربح هو من معناه إذا كان متجورًا فيه. فلو قال قائل: قد ربحتْ دراهمُك ودنانيرُك، وخسر بَزُّك ورقيقك، كان جائزًا لدلالة بعضه على بعض. وقوله: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا .. ﴾ [البقرة: ١٧]. فإنما ضرب المثل -والله أعلم- للفعل لا لأعيان الرجال، وإنما هو مَثَل للنفاق فقال: مثلهم بهمثل الذي استوقد نارًا ولم يقل: الذين استوقدوا. وهو كما قال الله: ﴿تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾ [الأحزاب: ١٩] وقوله: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [لقمان: ٢٨] فالمعنى -والله أعلم-: إلا كبعث نفس واحدة، ولو كان التشبيه للرجال لكان مجموعًا كما قال: ﴿كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾ [المنافقون: ٤] أراد القيم (٢) والأجسام، وقال: ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ

стр. 403

خَاوِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٧] فكان مجموعا إذ أراد تشبيه أعيان الرجال فأجرِ الكلام على هذا. وإن جاءك تشبيه جمع الرجال موحِّدًا في شعر فأجزِه. وإن جاءك التشبيه للواحد مجموعا في شعر فهو أيضا يراد به الفعل فأجزه كقولك. ما فِغلك إلا كفعل الحَمِير، وما أفعالكم إلا كفعل الذِّئب فابن على هذا، ثم تُلْقِي الفعل فتقول: ما فعلك إلا كالحَمِير وكالذِّئب. وإنما قال الله : ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ لأن المعنى ذهب إلى المنافقين فجمع لذلك. ولو وُحِّد لكان صوابًا، كقوله: ﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ (٤٣) طَعَامُ الْأَثِيمِ (٤٤) كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ﴾ [الدخان: ٤٣ - ٤٥] (ويغلي فمن أنت ذهب إلى الشجرة، ومن ذَكَّر ذهب إلى المهل. ومثله قوله : ﴿أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٤] للأمنة، و (يغشى) للنعاس. وقوله: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٨]. رُفعن وأسماؤهن في أول الكلام منصوبة لأن الكلام تمّ وانقضت به آية، ثم استؤنفت ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ في آية أخرى، فكانت أقوى للاستئناف، ولو تم الكلام ولم تكن آية لجاز أيضًا الاستئناف قال الله ﵎: ﴿جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً حِسَابًا (٣٦) رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمَنِ﴾ [النبأ: ٣٦ - ٣٧] (الرحمن) يرفع ويخفض في الإعراب، وليس الذي قبله بآخر آية. فأما ما جاءَ في رؤوس الآيات مستأنفًا فكثير؛ من ذلك قول الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالهُمْ﴾ [التوبة: ١١١] إلى قوله: ﴿وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ١١١]. ثم قال جل وجهه: ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ﴾ بالرفع في قراءتنا، وفي حرف ابن مسعود (التائبين العابدين الحامدين). وقال: ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ (١٢٥) اللَّهَ رَبَّكُمْ﴾ [الصافات: ١٢٥ - ١٢٦] يقرأ ونصبه على جهتين؟ ، إن شئت على معنى: تركهم صمًا بكمًا عميًا، وإن شئت اكتفيت بأن توقع الترك عليهم

стр. 404

في الظلمات، ثم تستأنف (صمًا) بالذم لهم. والعرب تنصب بالذم وبالمدح لأن فيه مع الأسماء مثل معنى قولهم: ويلًا له، وثوابًا له، وبُعدًا وسقيًا ورَعيًا. وقوله: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ .. ﴾ [البقرة: ١٩]. مردود على قوله: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾. ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ﴾ أو كمثل صيب، فاستغنى بذكر ﴿الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ فطُرح ما كان ينبغي أن يكون مع الصيب من الأسماء، ودل عليه المعنى، لأن المثل ضُرب للنفاق، فقال: ﴿فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ﴾ فشبّه الظلمات (١) بكفرهم، والبرق إذا أضاء لهم فمشوا فيه بإيمانهم، والوعد ما أتى في القرآن من التخويف. وقد قيل فيه وجه آخر قيل: إن الرعد إنما ذُكر مثلا لخوفهم من القتال إذا دُعوا إليه. ألا ترى أنه قد قال في موضع آخر. ﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ﴾ [المنافقون: ٤] أي يظنون أنهم أبدًا مغلوبون. ثم قال: ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ فنصب (حذر) على غير وقوع من الفعل عليه لم ترد يجعلونها حذرًا، إنما هو كقولك: أعطيت خوفًا وفَرَقًا. فأنت لا تعطيه الخوف، وإنما تعطيه من أجل الخوف فنصبه على التفسير ليس بالفعل، كقوله جل وعز: ﴿وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾ [الأنبياء: ٩٠] وكقوله: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ [الأعراف: ٥٥] والمعرفة والنكرة تفسِّران في هذا الموضع، وليس نصبه على طرح (من) (٢)، وهو مما قد يستدل به المبتدئ للتعليم.

стр. 405

وقوله: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا﴾ [البقرة: ٢٨] على وجه التعجب، والتوبيخ لا على الاستفهام المحض أي ولحكم كيف تكفرون وهو كقوله. ﴿فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ﴾ [التكوير: ٢٦] وقوله: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا﴾ المعنى -والله أعلم- وقد كنتم ولولا إضمار (قد) لم يجز مثله في الكلام. ألا ترى أنه قد قال في سورة يوسف ﴿وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ﴾ [يوسف: ٢٧]. والمعنى والله أعلم فقد كذبت، وقولك للرجل: (أصبحت كثر مالك لا يجوز إلا وأنت تريد: قد كثر مالك، لأنهما جميعًا قد كانا، فالثاني حال للأول، والحال لا تكون إلا بإضمار قد أو بإظهارها. وقوله: ﴿أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَال﴾ [البقرة: ٦٧] وهذا في القرآن كثير بغير الفاء وذلك لأنه جواب يستغني أوله عن آخره بالوقفة عليه، فيقال ماذا قال لك، فيقول القائل: قال كذا وكذا، فكأن حسن السكوت يجوز به طرح الفاء وأنت تراه في رؤوس الآيات، -لأنها فصول- حسنا. وقوله: ﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً﴾ [البقرة: ٨١]. وضعت (بلى) لكل إقرار في أوله جحد، ووضعت نعم للاستفهام الذي لا جحد فيه، فـ (بلى) بمنزلة (نعم)، إلا أنها لا تكون إلا لما في أوله جحد قال الله ﵎: ﴿فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالوا نَعَمْ﴾ [الأعراف: ٤٤] فـ (بلى) لا تصلح في هذا الموضع، وأما الجحد فقوله: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (٨) قَالوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا﴾ [الملك: ٨ - ٩] ولا تصلح ها هنا نعم أداة، وذلك أن الاستفهام يحتاج إلى جواب بـ (نعم) و (لا) ما لم يكن فيه جحد، فإذا دخل الجحد في الاستفهام لم يستقم أن تقول فيه (نعم) فتكون كأنك مقر بالجحد وبالفعل الذي بعده، ألا ترى أنك لو قلت لقائل قال لك: أمالك مال: فلو قلت نعم كنت مقرًا بالكلمة بطرح الاستفهام، وحده كأنك قلت: نعم مالي مال، فأرادوا أن يرجعوا عن الجحد ويقرأوا بما بعده فاختاروا (بلى) لأن أصله كان رجوعًا محضًا عن الجحد إذا قالوا ما قال عبد الله بل

стр. 406

زيد، فكانت (بل) كلمة عطف ورجوع لا يصلح الوقوف عليها، فزادوا فيها ألفًا يصلح فيها الوقوف عليه، ويكون رجوعًا عن الجحد فقط، وإقرارًا بالفعل الذي بعد الجحد، فقالوا (بلى) فدلت على معنى الإقرار والأنعام، ودل لفظ (بلى) على الوجوع عن الجحد فقط. وقوله، ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا﴾ [التوبة: ٥٤]. (أنهم) في موضع رفع لأنه اسم للمنع كأنك قلت: ما منعهم أن تقبل منهم إلا ذاك. و (أن) الأولى في موضع نصب (١). وليست بمنزلة قوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ﴾ [الفرقان: ٢٠] هذه فيها واو مضمرة، وهي مستأنفة (٢) ليس لها موضع. ولو لم يكن في جوابها اللام لكانت أيضًا مكسورة كما تقول: ما رأيت مسهم رجلًا إلا إنه ليُحسِن، وإلا إنه يحسن. يعرِّف أنها مستأنفة أن تضع (هو) في موضعها فتصبح وذلك قولك: ما رأيت منهم رجلًا إلا هو يفعل ذلك. فدلّت (هو) على استئناف إنّ. وقوله: ﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [التوبة: ٥٥]. معناه: فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم في الحياة الدنيا. هذا معناه، ولكنه أخِّر ومعناه التقديم -والله أعلم- لأنه إنما أراد: لا تعجبك أموالهم ولا أولادهم هي الحياة الدنيا إنما يريد الله ليعذبهم بها في الآخرة. وقوله. ﴿وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ أي تخرج أنفسهم وهم كفار. ولو جعلت الحياة الدنيا مؤخرة (٣) وأردت: إنما يريد الله ليعذبهم بالإنفاق كرها ليعذبهم بذلك في الدنيا، لكان وجهًا حسنًا.

стр. 407

وقوله: ﴿لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغَارَاتٍ﴾ [التوبة: ٥٧]. وهي الغيران واحدها غار في الجبال ﴿أَوْ مُدَّخَلًا﴾ يريد: سربا في الأرض. ﴿لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ﴾ مسرعين الجمح ها هنا: الإسراع. وقوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾ [التوبة: ٥٨]. يقول: يعيبك، ويقولون: لا يقسم بالسوية. ﴿فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا﴾ فلم يعيبوا. ثم إن الله ﵎ بيَّن لهم من الصدقات. فقال: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ [التوبة: ٦٠]. وهم أهل صُفَّة (١) رسول الله ﷺ ، كانوا لا عشائر لهم، كانوا يلتمسون الفضل بالنهار، ثم يأوون إلى مسجد وسول الله ﷺ ، فهؤلاء الفقراء. ﴿وَالْمَسَاكِينِ﴾: الطوافين على الأبواب ﴿وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾ وهم السعاة. ﴿وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ وهم أشراف العرب، كان رسول الله ﷺ يعطيهم ليجتر به إسلام قومهم. ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ يعني المكاتبين ﴿وَالْغَارِمِينَ﴾: أصحاب الدين الذين ركبهم في غير إفساد. وقوله: ﴿الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ﴾ [يونس: ٢٢]. قراءة العامة. وقد ذكر عن زيد بن ثابت (ينشركم) قرأها أبو جعفر المدني (٢) كذلك. وكل صواب إن شاء الله.

стр. 408

وقوله: ﴿جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ﴾ يعني الفُلك فقال: جاءتها، وقد قال في أول الكلام ﴿وَجَرَيْنَ بِهِمْ﴾ ولم يقل: وجرت، وكل صوب، تقول. النساء قد ذهبت، وذهبن. والفلك تؤنث وتذكر، وتكون واحدة وتكون جمعًا. وقال في سورة يس ﴿فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ [يس: ٤١] فذكر الفلك، وقال ها هنا: جاءتها، فأنث. فإن شئت جعلتها ها هنا واحدة، وإن شئت: جماعًا، وإن شئت جعلت الهاء في (جاءتها) للريح كانك قلت: جاءت الريح الطيبة ريح عاصف. والله أعلم بصوابه. والعرب تقول: عاصف وعاصفة، وقد أعصفت الريح، وعصفت وبالأنف لغة لبني أسد أنشدني بعض بني دبير: حتى إذا عصفت ريح مزعزعة ... فيها قطار ورعد صوته زجل (١) وقوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [يونس: ٢٣]. إن شئت جعلت خبر (البغي) في قوله (على أنفسكم) ثم تنصب (٢) (متاع الحياة الدنيا) كقولك: متعة في الحياة الدنيا. ولصلح الوفع ها هنا على الاستئناف كما قال (٣) ﴿لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ بَلَاغٌ﴾ [الأحقاف: ٣٥] أي ذلك (بلاغ) وذلك (متاع الحياة الدنيا) وإن شئت جعلت الخبر في المتاع. وهو وجه الكلام. وقوله: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى﴾ [يونس: ٢٦]. في موضع رفع. يقال إن الحسنى الحسنة. (وزيادة) حدثنا محمد قال حدثنا الفراء قال حدثني أبو الأحوص سلام بن سليم (٤) عن أيي إسحاق السبيعي عن رجل عن أبي بكر الصديق ﵀ قال: للذين أحسنوا الحسنى وزيادة: النظر إلى وجه

стр. 409

الرب ﵎. ويقال: (للذين أحسنوا الحسنى) يريد حسنة مثل حسناتهم (وزيادة) زيادة التضعيف كقوله: ﴿فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠]. وقوله: ﴿وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا﴾ [يونس: ٢٧]. رفعت الجزاء بإضمار (لهم) كأنك قلت: فلهم جزاء السيئة بمثلها كما قال ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ﴾ و ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾ والمعنى. فعليه صيام ثلاثة أيام، وعليه فدية. وإن شئت رفعت الجزاء بالباء في قوله. ﴿جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا﴾ والأول أعحب إلي. وقوله: ﴿كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا﴾ (قِطْعًا) (١). والقطع قراءة العامة. وهي في مصحف أبي (كأنما يغشى وجوههم قطع من الليل مظلم) فهذه حجة لمن قرأ بالتخفيف. وإن شئت جعلت المظلم وأنت تقول قِطْع قطعًا (٢) من الليل، وإن شئت جعلت المظلم نعتا للقطع، فإذا قلت قطعا كان قطعا من الليل خاصة، والقطع ظلمة آخر الليل ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾ [هود: ٨١]. وقوله: ﴿فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ﴾ [يونس: ٢٨]. ليست من زُلت إنما هي من زلت ذا من ذا: إذا فرّقت أنت ذا من ذا، وقال (فزيلنا) لكثرة الفعل. ولو قَلَّ لقلت: زِلْ ذا من ذا كقولك: مِزْ ذا من ذا. وقرأ بعضهم (فزايلنا بينهم) وهو مثل قوله: (يراءون ويرُّءون) (٣) (ولا تصعر ولا تصاعر) (٤) والعرب تكاد توفق بين فاعلت وفعّلت في كثير من الكلام، ما لم ترد

стр. 410

فعلت بي وفعلت بك (١)، فإذا أرادوا هذا لم تكن إلا فاعلت. فإذا أردت: عاهدتك وراءيتك وما يكون الفعل فيه مفردًا دهو الذى يحتمل فعلت وفاعلت. كذلك يقولون: كالمت فلانا وكلمته، وكانا متصارمين فصارا يتكالمان ويتكلمان. الجاحظ: وبعد ذلك جاء إمامٌ فذٌّ، انتهت إليه الرياسة دون منازع في دفاعه عن العربية، وسيبقى بحق رائدًا من أولئك الرواد القلائل، الذين جمعوا إلى سعة الإطلاع، وقوة الحافظة، وغزارة العلم، والاعتزاز بالتراث، والغيرة على الثقافة العربية والإسلامية، جمع إلى ذلك كله يقظة الذهن، وصدق العاطفة، وإرهاف الحس، وسلامة التفكير، وإحكام المنطق، والقدرة على الاستنتاج ذلكم هو الجاحظ، الذي خلَّد للتراث مكتبة تكاد تكون متكاملة، تنتظم المعارف التي كانت معروفة إلى عهده، فخلد بذلك أثرًا لا يخلِّده إلا الجهابذة النحارير. والذي يعنينا من هذا التراث تلك الملحوظات، أو قل: المباحث القيمة في قضايا البلاغة القرآنية، سواء بذلك ما وصل إلينا منها، أم لم يصل مما أشار إليه، أو أشار إليه العلماء من بعده، وهذه الملحوظات أو المباحث، تجدها أكثر ما تكون في كتابيه (البيان والتبيين) و (الحيوان)، فقد تحدّث في مواضع متعددة عن كثير من القضايا البلاغية كالإيجاز، والتشبيه، والمجاز، والاستعارة، والكناية، وكثير من الفنون البديعية، وهي مبثوثة في ثنايا كتبه، إلا أنه ينقصها حسن التبويب، والتنظيم، وليس في ذلك ما يعيبه، حيث كان ذلك طبيعة هذه المرحلة التي عاش فيها الجاحظ. لقد دافع الجاحط عن العربية، وردَّ على الشعوبيين الذين أرادوا أن ينالوا منها.

стр. 411

وقد وجدناه يخص الكلمة القرآنية بعناية، وهو يبين لنا خصائصها وأسرارها، فالقرآن الكريم تختار فيه اللفظة، التي تناسب الموضع الذي جاءت فيه، فقد يشترك لفظان أو أكثر في معنى، ولكن أحدهما يكون أكثر دقة، فيذكر في التنزيل وهكذا فألفاظ القرآن مختارة منتقاة، وإن كان سيظن لأول وهلة بأن بعضها مترادف، إلا أن بينها من دقة الفروق ما يخفى على الكثيرين، حتى ذوي النظر، يقول: (وقد يستخف الناس ألفاظًا ويستعملونها، وغيرها أحق بذلك منها ألا ترى أن الله ﵎ لم يذكر في القرآن الجوع، إلا في موضع العقاب أو في موضع الفقر المدقع والعجز الظاهر، والناس لا يذكرون السغب ويذكرون الجوع في حال القدرة والسلامة، وكذلك ذكر المطر لأنك لا تجد القرآن يلفظ به إلا في موضع الانتقام، والأمة وأكثر الخاصة يفصلون بين ذكر المطر وبين ذكر الغيث، ولفظ القرآن الذى عليه نزل أنه إذا ذكر الأبصار لم يقل الأسماع، وإذا ذكر سبع سماوات لم يقل الأرضين، ألا ترى أنه لا تجمع الأرض على أرضين ولا السمع أسماعًا، والجاري على أفواه العامة غير ذلك، لا يتفقدون من الألفاظ ما هو أحق بالذكر وأولى بالاستعمال، وقد زعم الفراء أنه لم يرد ذكر النكاح في القرآن إلا في موضع التزويج) (١). ولم تقف براعة الجاحظ ودقة فكره عند هذه القضية في اللفظة القرآنية، بل نجده يطلعنا على لطائف كثيرة لهذه اللفظة. من هذه اللطائف أنها قد تذكر اللفظة القرآنية لتسد مسدَّ ألفاظ كثيرة، فيستغني عن هذه الألفاظ جميعًا يقول: (وقد قال تعالى ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ﴾ فقال لنبيه ﴿قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ [المائدة: ٤] فاشتق لكل صائد وجارح وباز وصقر وعقاب وفهد وشاهين وزرق، ويئوبو وباشق وعناق الأرض من اسم الكلب) (٢).

стр. 412

ومن هذه اللطائف كذلك أن بعض الكلمات تذكر متصاحبة مع غيرها لا تكاد تفترق مثل الصلاة والزكاة، والجوع والخوف، والجنة والنار، والرغبة والرهبة، والمهاجرين والأنصار، والجن والإنس (١). فإذا تركنا حديث الألفاظ فإننا نجد حديث الجاحظ عن الصورة البيانية في القرآن حديثًا متعدد الأمثلة متنوع التطبيق، ومن أمثلته ما ذكره تفسيرًا لقول الله عن شجرة الزقوم ﴿طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾ إذ قال في سداد وتوفيق (٢): (زعم ناس أن رؤوس الشياطين ثمر شجرة تكون ببلاد اليمن لها منظر كريه، والمتكلمون لا يعرفون هذا التفسير، وقالوا ما عنى إلا رؤوس الشياطين المعروفين بهذا الاسم من فسقة الجن ومردتهم، فقال أهل الطعن والخلاف ليس يجوز أن يضرب المثل بشيء لم نره فنتوهمه، ولا وصفت لنا صورته في كتاب ناطق او خبر صادق، ومخرج الكلام يدلّ على التخويف بتلك الصورة والتفزيع منها وعلى أنه لو كان شيء أبلغ في الزجز من ذلك لذكره، فكيف يكون الشأن كذلك والناس لا يفزعون إلا من شيء هائل شنيع قد عاينوه، أو صوّره لهم واصف صدوق اللسان بليغ في الوصف، ونحن لم نعاينها ولا صورها لنا صادق، وعلى أن أكثر الناس من هذه الأمم التي تعايش أهل الكتابين وحملة القرآن من المسلمين ولم تسمع الاختلاف لا يتوهمون ذلك ولا يقفون عليه، ولا يفزعون منه فكيف يكون ذلك وعيدًا عامًّا؟ قلنا وإن كنا نحن لم نر صورتها قط ولا صوّر رؤوسها لنا صادق بيده ففى إجماعهم على ضرب المثل بقبح الشيطان حتى صاروا يضعون ذلك في مكانين أحدهما أن يقولوا لهو أقبح من الشيطان، والوجه الآخر أن يسمَّى الجميل شيطانًا على جهة التطير له كما تسمى الفرس الكريمة شوهاء، والمرأة الجميلة صماء قرناء

стр. 413

وخنساء وجرباء وأشباه ذلك على جهة التطير له، ففي إجماع المسلمين والعرب وكل من لاقينا، على ضرب المثل بقبح الشيطان دليل على أنه في الحقيقة أقبح من كل قبيح) (١) ولإدراك الجمال في هذا القول نذكر أن الشبهة التي وجهتا إلى الآية الكريمة تتلخص في أن تشبيه الشجرة برؤوس الشياطين لا يعطي انطباعًا ساطعًا تتضح به الصورة، لأن المشبه به مجهول لدى المخاطب، فكيف إذن يشبه معلوم بمجهول في منطق المتسائلين؟ وأذكر أن سؤالًا يدور حول هذه الآية، قيل إن أبا عبيدة قد أجاب عنه، وكان سببًا في تأليفه (مجاز القرآن) ولم أمل إلى تصديقه، وعلى فرض أن أبا عبيدة قده أجاب بأن العرب يستهولون الشيطان فتحدث القرآن عنه بما يدركون فإن إجابة الجاحظ إذا قورنت بإجابة أبي عبيدة تظهر الفرق الواضح بين إيجاز العالم وخيال الأديب المصوّر، لقد بدأ صاحب الحيوان فصوّر الاعتراض تصويرًا قويًّا نفاذًا لا يبلغه المعتوضون أنفسهم إذا قالوا عن ذواتهم حتى إذا أتضح للقارئ أتم اتضاح أتبعه بالرد المشبع المقنع ملتمسًا وسائل الإقناع بالمثل الشاهد والقول المتعارف لينتهي إلى أن الرؤية ليست كل شيء في دنيا التشبيه المبين، فللشعور النفسي اعتباره الأول، وفي أطوائه يكمن التأثير الوجداني المنشود، وتلك مسألة تلقفها البلاغيون بعد الجاحظ فذهبوا بها إلى أبعد الأشواط وتورط الذهنيون منهم في تمحل أمثلة مصنوعة تجعل التشبيه تارة بين مشبه عقلي ومشبه به حسّي وتارة على العكس من ذلك، وليتهم تركوا افتعال الشواهد إلى ما نطق به الأصلاء من ذوي البيان، بل ليتهم اهتموا بالبسط الأدبي اهتمام الجاحظ به إذا يُريحون وينفعون. نتحدث عن البسط الأدبي في مجال الاعتراض والرّد معًا لننصف الجاحظ من فرية ظالمة حاول ابن قتيبة أن يقذفه بها لحاجة في نفسه، فقد زعم أن الجاحظ

стр. 414

يؤلف كتابًا يذكر فيه حجج النصارى على المسلمين فإذا صار في الردّ عليهم تجوز في الحجة كأنه إنما أراد تنبيههم على ما لا يعرفون وتشكيك الضعفة من المسلمين! (١) ولا أدري كيف سمح صاحب هذا النقد على جلالة قدره وسمو علمه أن يسجله على نفسه، وهو يعلم أن كتاب الردّ على النصارى معروف متداول في عهده، ولا سبيل إلى ثلمه بهذه الغميزة البلقاء وقد أبقتا الأيام لنا جزءًا كبيرًا منه، فيسّر لنا أن نعصف بهذه الفرية إلى حيث تهوي بها الريح. بل إن ابن قتيبة إذا راجع منصفًا قول الجاحظ في ردّه ذاك لأدرك على الفور مقصده من شرح آراء خصومه شرحًا وافيًا بليغًا كيلا يدع بعد قوله مجالًا لمتخرص يتشبث بمأخذ، وهذا ما عناه إذ قال في دفاعه (وليعلم من قرأ هذا الكتاب وتدبر هذا الجواب، أننا لم نغتنم عجزهم، ولم ننتهز غرتهم وأن الإدلال بالحجة والثقة بالفلج والنصرة هو الذي دعانا إلى أن نخبر عنهم بما ليس عندهم) (٢)، وتلك لعمري منزلة من إنصاف الجاحظ ليس بعدها منزلة، وهي فوق دلالتها العقلية على مقدرته البالغة ذات دلالة خلقية بارعة تسمو به فوق الحيل الجدلية وألاعيب التغفل والانتهاز. ومحل هذا القول في مضمار الحديث عن التفسير البياني للجاحظ أن الرجل لا يترك توسعه الجدلي حين يورد شبه مخالفيه في هذا التفسير، بل يمتد ويفيض ويتسع حتى لا يبقى خلجة تجول في نفس معترض فإذا جلّى آراء مخالفيه بما لا يملكون من سحره الخالب عفي عليها بما يزلزل بناءها من القواعد، ولا أمتع للقارئ من أن ندع الجاحظ يقدّم له مثالًا رائعًا من تفسيره البياني حين تعرض إلى تأويل قول الله : ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا﴾ (٣).

стр. 415

وسنذكر مسألة كلامية، وإنما نذكرها لكثرة من يعترض في هذا ممّن ليس له علم بالكلام، ولو كان أعلم الناس باللغة لم ينفعك في باب الدين حتى يكون عالمًا بالكلام، وقد اعترض معترضون في قوله ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (١٧٥) وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ [الأعراف: ١٧٥ - ١٧٦] فزعموا أن هذا المثل لا يجوز أن يُضرب لهذا المذكور في صدر هذا الكلام لأنه قال ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا﴾ فما يشبه حال من أعطى شيئًا فلم يقبله ولم يذكر غير ذلك بالكلب الذي إن حملت عليه نبح وولى ذاهبًا وإن تركته شد عليك ونبح، مع أن قوله يلهث، لم يقع موقعه، وإنما يلهث الكلب من عطش شديد وحرّ شديد ومن تعب، وأما النباح والصياح فمن شيء آخر، قلت له إن قال: ﴿ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ فقد يستقيم أن يكون المراد لا يسمى مكذبا، ولا يقال لهم كذبوا إلّا وقد كان ذلك منهم مرارًا، فإن لم يكن ذلك فليس ببعيد أن يشبه الذي أوتي الآيات والأعاجيب والبرهانات والكرامات في بدء حرصه عليها، وطلبه له بالكلب في حرصه وطلبه، فإن الكلب يعطي الجد والجهد من نفسه في كل حالة من الحالات، وشبه رفضه وقذفه لها من يديه وردّه لها بعد الحرص عليها وفرط الرغبة فيها بالكلب إذا رجع ينبح بعد إطرادك له، وواجب أن يكون رفض قبول الأشياء الخطيرة النفيسة في وزن طلبها الحرص عليها والكلب إذا اتبع نفسه في شدة النباح مقبلًا إليك ومدبرًا عنك لهث واعتراه ما يعتريه عند التعب والعطش، على أننا ما نرمي بأبصارنا إلى كلابنا وهي رابضة وادعة، إلّا وهي تلهث من غير أن تكون هناك إلا حرارة أجوافها، والذي طبعت عليه من شأنها، إلّا أن لهث الكلب يختلف بالشدة واللين). فالاعتراض هنا يتوجه إلى التشبيه إذ ظن صاحبه أنه غير دقيق محكم في بابه،

стр. 416

وشبهته في ذلك تتلخص في أمرين: أحدهما أن المشبه وهو من أعطي شيئًا فلم يقبله، لا يشبه بكلب إن حملت عليه نبح أو تركته نبح لخفاء وجه الشبه بين الطرفين، وثانيهما أن لهاث الكلب لا يكون إلا من الحر والعطش والتعب، والكلب هنا لم يعانِ شيئًا من نحو هذه الثلاثة فلم عدل القرآن عن النباح المتوقع ذكره إلى اللهاث؟ ! . هذان هما الأمران اللذان دفعا بالشبهة إلى المعترض فاختلجت في نفسه اختلاجًا صوّره الجاحظ وافيًا دقيقًا دون انتقاص فإذا تم له أن يأتي بالاعتراض على أوضح وجوهه، عمد إلى المأخذ الأول فذكر أن قول الله في ختام الآية الكريمة ﴿ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ يَدلّ على أن المشبّه ليس هو من أعطي شيئًا فلم يقبله كما تصوّر المعترض ولكنه من كذب بالآيات حين توالت دلائلها الصادقة عليه، والتكذيب -بالتضعيف- لا يكون مرة واحدة وإنما هو إمعان في الرفض وإلحاح في الدفع مهما وضحت الدلائل وظهر اليقين، ومن يتوالى رفضه المكذب لكل دليل يقدّم إليه مع طلبه إياه، وحرصه عليه فهو شبيه بالكلب إذ يعطي الجد والجهد من نفسه في كل حالة من الحالات ثم يرجع كما كان نابحًا غير مستريح! فالمكذب إذن معاند لا يزال يلح، قدمت له الإقناع بالدليل أو تركته، ككلب في طريقك يقدم عليك نابحًا! ويتركك نابحًا! والتشبيه بعد ذلك من الدقة والبراعة بحيث يسكت كل لجاج! أمّا المأخذ الثاني ففي قول الله : ﴿إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ﴾ إذ توهم المعترض أن اللهاث. لا يكون من غير الحر والعطش والتعب! والكلب النابح في الطريق لا يعاني شيئًا من ذلك فيلهث، وقد قضى الجاحظ عليه حين قال (والكلب إذا أتعب نفسه في شدة النباح مقبلًا عليك ومدبرًا عنك لهث واعتراه ما يعتريه عند التعب والعطش، وهو أمر يدركه الأطفال قبل الرجال، فكيف جاز لمن يجد في نفسه الجرأة على نقد التشبيه أن يجهله، بل إن الجاحظ أستاذ علم الأحياء في عصره ليمهكنم خفيًا بالمعترض حين يقول: (على أننا ما نرمي بأبصارنا إلى كلابنا وهي رابضة وادعة إلا وهي

стр. 417

تلهث من غير أن تكون هناك إلا حرارة أجوافها والذي طبعت عليه من شأنها) فكأن الاعتراض الثاني قد مات سقطًا قبل أن يستهل ويمنح الحياة! هذا البسط في التفسير البياني قد يتحّول لدى الجاحظ إلى لمح وإشارة في بعض المواقف إذا لم يكن المجال مجال معارضة وحجاج، بل كان الأمر لا يعدو التقرير المؤيد بالشاهد، ولكل من الإسهاب والإيجاز موضعه المقبول في بابه، لأن المعارض في كثر أمره لجوج عنيد قد ينكر ضوء الشمس من رمد، فالحاجة إلى إفحامه تتطلب البسط والامتداد، أمّا غيره فحسبه أن يدرك من لمح الجاحظ ما يومئ إليه، بل عليه أن يتعدى الجاحظ إلى من جاء بعده ليرى كيف انتفعوا بإشارته السريعة في الحقل البياني فعكفوا عليها يمدون في أسبابها، ويفتقون من أكمامها حتى يفوح الورق الناعم بأمتع أرج، وبأشهى عبير، ومثال ذلك ما سطره البياني الكبير هي باب الكلام المحذوف حيث قال (١): (ومن الكلام كلام يذهب السامع منه إلى معاني أهله وإلى قصد صاحبه كقول الله ﵎ ﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى﴾ وقال: ﴿لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى﴾ وقال ﴿وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ﴾ وسئل المفسر عن قوله ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ فقال ليس فيها بكرة ولا عشى! وقال لنبيّه ﷺ ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ قال: (لم يشك ولم يسأل). فما تجد هنا آية ممّا ذكره الجاحظ إلّا أخذت نصيبها الكبير من المفسرين والبيانيين معًا، كل وفق منحاه! حتى غدت إشارات الجاحظ العابرة كإسهاب المطيل مورد علل ونهل، ومكان حظوة واحتفاء، وإن أديبًا يترك صداه القوي هى عقول تابعيه لجدير أن يحفظ له مكانه الجهير في قمة كل طود تسنم ذراه (٢).

стр. 418

وهناك ملحوظات كان لها أثر عند علماء الإعجاز وعلماء البلاغة على السواء في تعليقه على بعض آي القرآن الحكيم، نعرض لها في كتاب إعجاز القرآن المجيد إن شاء الله. جهود علماء البيان بعد الجاحظ إلى الباقلاني: وكما أسهم اللغويون والنحاة في خدمة كتاب الله، نجد أن غيرهم من علماء البيان، يسهم كذلك في هذا المضمار، وهنا تبدو ظاهرة الإعجاز في أبحاث هؤلاء، وإن كانوا سواء كان هؤلاء من المعتزلة أم من غيرهم، وإن كانوا بادي بدء من المعتزلة. ويأتي بعد الجاحظ ابن قتيبة، وهو وإن كان يخالف الجاحظ وغيره من المعتزلة، فيما ذهبوا إليه من مسائل الاعتزال -فإنه يسير مع الجاحظ في نظرية اللفظ- وتبقى هذه النظرية موضع جدال بين العلماء بين موافق ومخالف، وليس من غرضنا أن نتبع تلك النظرية وإنما كل الذي يهمنا في هذه الكلمة الموجزة، أن نسير مع الدراسات القرآنية لنرى كيف تفاعلت، وكيف تدرجت أطوارها إلى أن وصلت إلى ما هي عليه. وينبغي أن نلاحظ هنا أنه لا بد من أن نعرض لهؤلاء الذين كتبوا في الإعجاز مع المفسرين، ذلك لأنهما حلقة واحدة يتم بعضها بعضًا، كما سنتبينه إن شاء الله. ولابن قتيبة جهد طيب في الدراسات القرآنية، ويكفي دليلًا على هذا كتابه (تأويل مشكل القرآن) فقد وقف عند كثير من آي القرآن الكريم يجلّي ما فيها من بيان، مما كان له أثر عند علماء البلاغة والإعجاز فيما بعد، ويرد بعض الشبهات عن البيان القرآني، والكتاب زاخر بالموضوعات القرآنية المتعددة. وللأستاذ محمد رجب البيومي كلام طيب تحدث فيه عن ابن قتيبة، رأيت أن أنقله للقارئ هنا؛ وذلك أن هدفي من هذا الكتاب، وهدف الاستاذ البيومي مما

стр. 419

كتب واحد، وهو الحديث عن التفسير البياني وإسهام العلماء فيه، يقول الاستاذ محمد رجب البيومي: "الجاحظ خطيب المعتزلة وابن قتيبة خطيب أهل السنة! هكذا يقولون حيث يريدون أن يوجزوا الحديث عن ابن قتيبة فيقرنوه بالجاحظ أستاذه ليشيروا إلى بعض ما اتفق فيه الرجلان من سمات علمية لا تنكر، وإذا كان الجاحظ من الاشتهار بحيث لا يخفى على أحد فإن ابن قتيبة قد سما إلى كثير مما نال من المجادة العلمية، والنباهة الأدبية، فقد ترك آثارًا قوية في شتى فروع المعرفة من أدب وعلم ولغة وحديث وتفسير وفقه، كما أنه امتاز عن الجاحظ في دقة التبويب، والبعد عن الاستطراد وإصابة الهدف من أقرب طريق وإن لم يكن له فقهه القوي وعارضته الحادّة، ولمحاته الصائبة، وكأني بآثار ابن قتيبة الدينية في الفقه والحديث والتفسير، ودفاعه المخلص عن آراء أهل السنة قد جعلته في رأي بعض الدارسين رجل علم يميل إلى الأدب فحسب، لا رجل علم وأدب معًا! وذلك ظلم صريح للرجل، لأن لابن قتيبة في الحقل الأدبي وحده ما يضعه بين كبار الأدباء ورجال النقد في عصره، وما زال ما سطره في أدب الكاتب وفي الشعر والشعراء وغيرهما من آثاره الأدبية يدل على أنه لو اقتصر على الميدان الأدبي وحده لكان أحد أبطاله اللّامعين، ونحن نؤكد ذلك لنشير إلى أن روحه الأدبية الصافية قد تجلّت أظهر تجلية في تفسيره البياني للقراء حين سطر مؤلفه الجهير "تأويل مشكل القرآن" وهو ما نخصه اليوم بالحديث. "كان ابن قتيبة وعاء نظيفًا من أوعية العلم. دَرسَ ما كان يعج به عصره من ثقافات، واستوعب ما وقف عليه من ألوان العلوم والمعارف استيعاب الفاحص المنقّب، وقد انتفع أكبر الانتفاع بآثار من سبقه في الدراسات البيانية للقرآن، لأن كتاب "التأويل" يدل على أنه امتداد سابق مثمر لسابقيه، ولو لم يعرف القارئ شيئًا عن مؤلفه، وأخذ يقرؤه قراءة المقارن المحلّل لأدرك أن كاتبه قد تهيأ لتأليفه بعد أن

стр. 420

هضم مجاز القرآن لأبي عبيدة، ووقف على آراء الجاحظ في الحقيقة والمجاز والكناية والتعريض والإطناب والاختصار، وهذا ما نحمده لابن قتيبة، فإنه حين ألم بآراء سابقيه لم يسردها سرد الناقل، ولكنه أحكم تبويب كتابه إحكامًا يدلّ على دقة وبصر، فوضع كل رأى في موضعه المستريح، وهذا ما يجعل كتب الرجل بنوع عام أسهل تناولًا، وأقرب مأخذًا من كتب سابقيه مهما اختلفت النظرة العلمية بها ضيقًا وسعة وتشدّدًا وانطلاقًا، ومن يقارن عيون الأخبار لابن قتيبة بالبيان والتبيين للجاحظ يرى صاحب العيون قد قيد الآبد، وذلّل العسير. قال ابن قتيبة يتحدث عما حداه إلى تأليف "تأويل مشكل القرآن" (١): "وقد اعترض كتاب الله بالطعن ملحدون ولغوا فيه وهجروا، واتبعوا ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله بأفهام كليلة، وأبصار عليلة، ونظر مدخول، فحرفوا الكلم عن مواضعه، وعدلوه عن سبله، ثم قضوا عليه بالتناقض والاستحالة في اللحق وفساد النظم والاختلاف، وأدلوا في ذلك بعلل ولما أمالت الضعيف الغمر، والحدث الغر، واعترضت بالشبه في القلوب، وقدحت بالشكوك في الصدور، ولو كان ما نحلوا إليه على تقديرهم، وتأوّلهم لسبق إلى الطعن به من لم يزل رسول الله ﷺ يحتج عليه بالقرآن، ويجعله العَلم لنبوّته والدليل على صدقه ويتحداه في موطن بعد موطن على أن يأتي بسورة من مثله، وهم الفصحاء والبلغاء، والخطباء والشعراء، والمخصوصون بين جميع الآنام بالألسنة الحداد، واللدد في الخصام، مع اللب والنهى وأصالة الرأي وقد وصفهم الله بذلك في غير موضع من الكتاب، وكانوا مرة يقولون هو سحر، ومرة يقولون هو قول الكهنة، ومرة أساطير الأولين، ولم يحك الله عنهم ولا بلغنا في شيء من الروايات أنهم جدبوه (٢) من الجهة التي

стр. 421

جدبه منها الطاعنون، فأحببت أن أنضح عن كتاب الله، وأرمى من ورائه بالحجج النيرة، والبراهين البينة وأكشف للناس ما يلبسون". وإذن فقد وجهت للقرآن مطاعن قذف بها الزنادقة وأرباب المرض من منتحلي الثقافة والعلم فلبسوا على العامة بما يزعمونه من التناقض ووقوع اللحن، وعدم التوافق بين الشرط والجزاء، والذهاب بالمجاز والكناية إلى معان حقيقية لا يشهد بها السياق ثم الوقوف عند المتشابه، وما جاء مكررًا من المعاني مما يحسبون أن القرآن في ذلك كله قد خرج على الأسلوب العربي فيه، وهي أراجيف تجد صداها لدى البعيدين عن أسرار البيان، ودقائق البلاغة التي يعرفها الأصلاء من العرب عن طبع خالص، فجرت ألسنتهم نثرًا وشعرًا يمثل ما جرى به القرآن في منحاه التعبيري وإن ارتفع القرآن بمستواه البياني إلى أفق لا تشرئب إليه الأعناق فكان من هم ابن قتيبة أن يثبت أن الأسلوب القرآني يطرد مع النسق البياني لدى العرب إيجازًا وحذفًا وتشبيهًا واستعارة وكناية وتقديمًا وتأخيرًا، وأن ما يرجف به المغرضون لغو لا يقره مَنْ درس مذاهب العرب في القول، ومناحيها في البيان، وهو لذلك يقدم الباب الأول من كتابه بقوله (١): "وإنما يعرف فضل القرآن من كثر نظره واتسع علمه، وفهم مذاهب العرب وافتنانها في الأساليب، وما خصّ الله به لغتها دون جميع اللغات فإنه ليس في جميع الأمم أمة أوتيت من العارضة والبيان واتساع المجال ما أوتيه العرب خِصِّيصي من الله لما أرهصه في الرسول، وأرداه من إقامة الدليل على نبوّته بالكتاب، فجعله علمه كما جعل علم كل نبي من المرسلين من أشبه الأمور بما في زمانه المبعوث فيه" إلى أن يقول: "وللعرب المجازات في الكلام، ومعناها طرق القول ومأخذه ففيها الاستعارة والتمثيل، والقلب والتقديم والتأخير والحذف والتكرار والإخفاء والإظهار

стр. 422

والعريض والإفصاح والكناية والإيضاح ومخاطبة الواحد مخاطبة الجمع، والجمع خطاب الواحد، والواحد والجمع خطاب الاثنين والقصد بلفظ الخصوص لمعنى العموم، وبلفظ العموم لمعنى الخصوص مع أشياء كثيرة ستراها في أبواب المجاز إن شاء الله تعالى، وبكل هذه المذاهب نزل القرآن (١) ". وإذن فقد وضح مقصد المؤلف من كتابه! إنه الرد على من يجهلون الأسرار البيانية للأسلوب العربي فيرجفون ببعض الآيات القرآنية إرجافًا يصغى إليه الجهلاء ويعرض عنه العلماء! ولا بد من دفاع مجيد عن الحق يقوم به أديب متمكن النظر، قوى اللمح، وهو ما نهض صاحب التأويل به في مؤلفه الحاسم فلتتابعه في بعض مراحل الطريق. عدّد المؤلف مطاعن الناقدين فيما اعتلوا به في وجوه الاختلاف في القراءات وفي بعض ما يتوهم من اللحن النحوي فكتب فصلين قويين بدّد فيهما كل شبهة بما سطع به من حق منير، وسنتجاوزهما إلى غيرهما لبعدهما بعض البعد عمّا نعالجه من التفسير البياني، فإذا اتجهنا إلى باب التناقض والاختلاف فسنجد لوامع ساطعة من المنحى البلاغي في الشرح والتأويل تدل على نفاذ وعمق نعهدهما لدى المؤلف في كثير مما كتب، وقد أوضح الحديث عن المتشابه إيضاحًا بالغ الجودة، فبدأ القول مدافعًا عن دقة القرآن حين يعمد إلى ما يخاله الجاهل غموضًا، وما هو إلّا تفنن في البيان لا يكشف به وجه القول لكل ناظر، بل لمن تمرّس بالأسلوب البياني وعرف منحاه ومأتاه، وقد أفصح عن ذلك بقوله (٢): "وأما قولهم ماذا أراد بإنزال المتشابه في القرآن مَنْ أراد بالقرآن لعباده الهدى والتبيان، فالجواب عنه أن القرآن نزل بألفاظ العرب ومعانيها، ومذاهبها في الإيجاز والاختصار والإطالة والتوكيد والإشارة إلى الشيء وإغماض بعض المعاني حتى لا

стр. 423

يظهر عليه إلا اللقن (١) وإظهار بعضها وضرب الأمثال لما يخفى، ولو كان القرآن كله ظاهرًا مكشوفًا حتى يستوي في معرفته العالم والجاهل لبطل التفاضل بين الناس وسقطت المحنة وماتت الخواطر، ومع الحاجة تقع الفكرة والحيلة ومع الكفاية يقع العجز والبلادة ... وكل باب من أبواب العلم من الفقه والحساب والفرائض والنحو، منه ما يجل ومنه ما يدق ليرتقي المتعلم فيه رقبة بعد رتبة حتى يبلغ منتهاه ويدرك أقصاه، وتكون للعالم فضيلة النظر، وحسن الاستخراج، ولتقع المثوبة من الله على حسن العناية، ولو كان كل فن من العلوم شيئًا واحدًا لم يكن عالم ولا متعلم ولا خفي ولا جلي لأن فضائل الأشياء تعرف بأضدادها فالخير يعرف بالشر والنفع بالضر، والحلو بالمر، والقليل بالكثير، والصغير بالكبير والباطن بالظاهر وعلى هذا المثال كلام الرسول ﷺ وكلام صحابته والتابعين وأشعار الشعراء وكلام الخطباء ليس منه إلّا وقد يأتي فيه المعنى اللطيف الذي يتحير فيه العالم المتقتدم، ويقر بالقصور عنه النقاب المبرز". ونحن ننقل هذا القول لنناقشه إذ أن الموافقة التامة على ما جاء به مما يتعذر، لأن الله لم يأت بما يسمّى بالتشابه في القرآن ليفضل قومًا على قوم فلا يستوي في معرفته العالم والجاهل فيبطل التفاوت بين الناس وتسقط المحنة وتموت الخواطر كما أراد ابن قتيبة أن يقول، فحاشا له أن يعمد إلى هذا التفاضل - ولو في مجال البيان وحده فيؤصل حواجزه ويقيم رواسخه! إنما جاء بالمتشابه في البيان أجمعه -لا في القرآن وحده- لأن هناك من المعاني ما لا تفصح عنها الألفاظ إلا بعبارة توهم الاشتراك، ثم يجيء السياق فيفسح مجال الأخذ والرد في تفضيل معنى على معنى مما تدل عليه هذه العبارة المشتركة، والقارئ اللامح النفاذ هو الذي يصل إلى المعنى المراد جازمًا بصحته في ضوء ما يعهد من الأساليب، وبهذا كان المتشابه واضحًا لدى الراسخين من ذوي العلم يعرفون وجهه ويكشفون

стр. 424

نقابه! وحينئذ لا يعتبر متشابهًا إلّا لدى القاصرين المتحيرين، وإذن فما يسمى بالتشابه قد جاء في القرآن لأنه أحد لوازم التعبير الأدبي لا يتخلّى عنه أدب مبين، وقد امتلأ به حديث رسول الله وصحابته، وضرب المؤلف عليه شتى الأمثلة الرائعة من أقوال الشاعرين والناثرين. وإذا خالفنا ابن قتيبة في رأيه ذلك فإننا نقدّر رأيه القوى في إدراك ذوي العلم للمتشابه حين قال في حجاج سديد (١). "ولسنا ممن يزعم أن المتشابه في القرآن لا يعلمه الراسخون في العلم، وهذا غلط من متأوليه على اللغة والمعنى، ولم ينزل الله شيئًا من القرآن إلا لينفع عباده، ويدل به على معنى أراده، فلو كان المتشابه لا يعلمه غيره للزمنا للطاعن مقال وتعلق علينا بعلّة وهل يجوز لأحد أن يقول أن رسول الله ﷺ لم يكن يعرف المتشابه، وإذا جاز أن يعرف مع قوله تعالى ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ جاز أن يعرفه الربانيون من صحابته فقد علم عليًّا التفسير ودعا لابن عباس فقال اللهم علمه التأويل وفقهه في الدين ... حدثني محمد بن عبد العزيز عن موسى بن مسعود عن شبل عن ابن أبي نجيح عن مجاهد قال تعلمونه وتقولون آمنا به، ولو لم يكن للراسخين في العلم حظ في المتشابه إلا أن يقولوا ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ لم يكن للراسخين فضل على المتعلمين، بل على جهلة المسلمين، لأنهم جميعًا يقولون ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾. هذا قول جيد وأنا أراه من زاويتي الشخصية يدل على أن المتشابه ممّا لا سبيل إلى الابتعاد عنه ما دامت أوجه تنكشف لذوي البصيرة، ويتولون شرحه وتفسيره، حيث أنه من طبيعة كل لغة تتفتح ألفاظها عن مشتركات المعاني، وما كان للقرآن أن يحيد عنه وقد جاء بلسان عربي مبين ينحو منحى العرب في التعبير، وهل يظن ابن قتيبة -ومن وافقه على رأيه- أن من استشهد بهم من الشعراء والناثرين كانوا يأتون

стр. 425

المتشابه كيلا يستوي في معرفة أسلوبهم العالم والجاهل! إن كل أديب يتمنى في أعماقه أن يقرأه الناس جميعًا صغارًا وكبارًا نابهين وخاملين متفوقين ومتواضعين! فما ظنك بكتاب يسّره الله للذكر، وأنزله بلسان عربي مبين! . فإذا تركنا باب المتشابه إلى ما تلاه من القول عن (المجاز) نجد ابن قتيبة قد أحسن الاستشهاد بأمثلة رائعة من كتاب الله، وقد خصّ المجاز ببعض التفصيل إذ من جهته غلط كثير من الناس في التأويل وتشعبت بهم الطرق واختلفت النحل (١)، وقد طعن الطاعنون على القرآن بالمجاز فزعموا أنه كذب لأن الجدار في قوله تعالى ﴿فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ لا يريد. والقوية في قوله تعالى ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا﴾ لا تسأل وهذا ما نقضه ابن قتيبة لقوله الحاسم (٢). "هذا ومن أشنع جهالاتهم على سوء نظرهم وقلة أفهامهم، ولو كان المجاز كذبًا، وكل فعل ينسب إلى غير الحيوان باطلًا، كان أكثر كلامنا فاسدًا، لأنا نقول نبت البقل، وطالت الشجرة وأينعت الثمرة وأقام الجبل ورخص السعر، ونقول كان هذا الفعل منك في وقت كذا وكذا والفعل لم يكن وإنما كوّن، وتقول كان الله وكان بمعنى حدث، والله قبل كل شيء بلا غاية لم يحدث فيكون بعد أن لم يكن، والله تعالى يقول ﴿فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ﴾ وإنما يعزم عليه، ويقول ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾ وإنما يربح فيها، ويقول ﴿وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ﴾ وإنما كذب به، ولو قلنا للمنكر لقوله ﴿جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ كيف كنت أنت قائلًا في جدار رأيته على شفا انهيار، رأيت جدارًا ماذا؟ لم يجد بدًا من أن يقول جدارًا يهم أن ينقض، أو يكاد أن ينقض، أو يقارب أن ينقض، وأيا ما قال فقد جعله فاعلًا ولا أحسبه يصل إلى هذا المعنى في شيء من لغات العجم إلا بمثل هذه الألفاظ، وأنشدني السجستاني عن أبي عبيدة في مثل قول الله يريد أن ينقض:
следующие страницы →