في الأحاديث القولية فقط، ومن يرى أن تفسيرات الرسول ﷺ قليلة يستند إلى حديث السيدة عائشة (ما كان رسول الله ﷺ يفسر شيئًا من القرآن إلا آيًّا بعدد علمهن إياه جبريل) (١).
ويذكر الكاتب أن السنة عرضت لبعض القضايا العقدية، وذلك مثل رؤية الله تعالى في قوله: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ [الأنعام: ١٠٣]، ويرى أن الرسول ﷺ لم يعرض لتفسير ألفاظ القرآن الكريم من الناحية اللغوية، وأن تفسيره لكلمة (أعدوا) ولكلمة (الظلم) لا يعد من هذا القبيل (٢).
ومن القضايا التي لم يفسرها الرسول ﷺ المتشابهات التي استأثرها الله بعلمه، والآيات الكونية، والحقائق العلمية، وحكمة التشريع، وأسرار إعجاز القرآن الكريم، تلك التي تدل على صدق الرسول ﷺ .
وفي المبحث الثاني يتحدث عن تفسير الصحابة
فالصحابة هم ورثة الرسول ﷺ ، فقد كانوا أعلم الناس بتفسير كتاب الله حيث نزل بلغتهم التي يعرفون فقه ألفاظها وتراكيبها وأسبابها، أما ما وراء الألفاظ والمعاني من الاستنباطات الدقيقة فلم يكن يعرفه العلماء من الصحابة وهذا ما يراه ابن خلدون، ولكن الذهبي يخالف في ذلك ويذهب إلى أن الصحابة لم يكونوا كلهم يفهمون معاني الألفاظ والتراكيب.
إن الصحابة لم يكونوا كلهم على درجة واحدة من المستوى العقلي، فقد أوتي
стр. 72
بعضهم حظًّا وقوة من الاستنباط العقلي أمثال عبد الله بن عباس، وأُبي بن كعب وغيرهم .. وقد كان الخلاف في التفسير بينهم قليلًا، وإن كان فهو اختلاف تنوع لا تضاد.
أما مصادر التفسير عندهم فهي: اللغة والقرآن الكريم والسنة والاجتهاد والإسرائيليات.
وهو يرى أن الرسول ﷺ قد وجه الصحابة إلى كيفية التعامل مع التوراة، فقد نهاهم في البداية عن قراءة التوراة خوفًا من الخلط والتشويه والتشكيك، ثم لما رسخ الإسلام، لم يعد يخاف عليهم الرسول ﷺ فقال: (لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم) ثم لمَّا تكامل نزول الآيات، لم يبق حرج في الاطلاع فقال: (بلغوا عني ولو آية وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج) (١).
لقد تمخضت عن جهود الصحابة الكرام في تفسير القرآن مدارس تفسيرية كبرى، تتلمذ فيها كبار التابعين وهي مدرسة مكة التي أسسها عبد الله بن عباس ومدرسة المدينة وأسسها أبيّ بن كعب، ومدرسة الكوفة التي أسسها عبد الله بن مسعود .. ومع أن التابعين أخذوا علومهم عن الصحابة، لكن تفسيرهم لم يرق إلى تفسير الصحابة، ويقول: إن تفسير التابعين ليس حجة؛ لأنهم زادوا على تفسيرات الصحابة فيما يتعلق بالكلمة والتركيب وسبب النزول.
أما المبحث الثالث فكان لحركة تدوين التفسير فقد كان التفسير جزءًا من الحديث، ولقد بدأ التدوين بالانتشار المحدود كلما ابتعد الناس عن زمن النبي ﷺ ، وقد دونت السنّة النبوية نتيجة كثرة الوضع على الرسول ﷺ ، على أن تدوين التفسير بدأت تتميز ملامحه في عصر التابعين، وفي العصر العباسي الأول بدأ العلماء بتأليف التفسير، فقد وصلنا تفسير يحيى بن سلام، ومنها تفسير ابن جرير
стр. 73
الطبري، وهؤلاء فسروا القرآن بضوابط شتى من تفسير القرآن بالقرآن أو بالسنّة أو باللغة أو بالاستنباط العقلي أو ببعض الروايات، ويعرض الكاتب للطبري من حيث أسلوبه المتميز في تفسير القرآن وغزارة علمه في العربية والحديث، ومن حيث آراؤه التي يعرضها في تفسيره وذلك بترجيحه بين الروايات.
ويرى أن منهج الطبري الذي اعتمد فيه على الأثر والبيان والتاريخ، والنظر هو المنهج المتكامل الذي أثّر فيمن جاء بعده من المفسرين، وهذا المنهج الأصولي هو المنهج الإسلامي الصحيح المتبع منذ عصر الصحابة إلى اليوم، وقد تفرع عن مدرسة الطبري مدارس تفسيرية اقتربت أن تشكل اتجاهات ذات ملامح عرفت بها في أخبار المنهج الأصولي الشامل، ومنها المدرسة اللغوية التي غلب فيها جانب الذوق والبيان.
أما الفصل الثاني فتحدث فيه عن مدارس المنهج الأصولي في تفسير القرآن الكريم ومن هذه المدارس:
المدرسة اللغوية:
اهتم العلماء على مر العصور بالمعاني اللغوية لألفاظ القرآن الكريم، ولذا ظهر الكثير من التفاسير التي تعنى بهذه القضية منها معاني القرآن للفراء، حيث اهتم بضبط الألفاظ القرآنية من خلال حديثه عن القراءات وضبطها وتصحيحها، ومنها كتاب معاني القرآن للأخفش، ومجاز القرآن لأبي عبيدة، ومعاني القرآن للزجاج، وكانت كتب المعاني هذه أساسًا لظهور تفاسير لغوية كبيرة منها التفسير البسيط للواحدي، وتفسير الكشاف للزمخشري الذي اهتم بالمسائل اللغوية والتخريجات النحوية اهتمامًا واضحًا، ومنها مجمج البيان للطبرسي والبحر المحيط لأبي حيان وهذا الأخير يعد أوسع تفسير.
ويدخل ضمن التفسير اللغوي التفسير البياني الذي يتعلق بتركيب القرآن ولغته من
стр. 74
حيث الحقيقة والمجاز والتشبيهات والكنايات والإيجاز والإطناب والتقديم والتأخير، وقد كانت بذوره ترجع إلى الرسول ﷺ ، وقد كثرت هذه اللفتات البيانية في كتب المفسرين، ولو رجعت لكتاب مجاز القرآن لأبي عبيدة (١) وجدته مليئًا بمثل هذه الأمور، وممن عني بهذه القضايا الجاحظ في كتبه وهو لم يقف عند الدراسات البيانية المعاصرة له فقط، ولكن خطا بها خطوة كبيرة نحو لم الشعث والتجديد (٢).
وقد نحا نحو الجاحظ ابن قتيبة الذي كان أكثر تنظيمًا وترتيبًا وتوسعًا، فقد تناول لغة القرآن من حيث هي أداة للتعبير ومن ثم أتبعها ببيان قيمها الجمالية والأدبية، واستشهد للاستعارة بأمثلة كثيرة من القرآن الكريم.
ثم كانت الدراسات الإعجازية التي عنيت بتلك الوجوه البيانية، وكان من أهم تلك الدراسات إعجاز القرآن للواسطي (٣)، والنكت في إعجاز القرآن للرماني، وبيان إعجاز القرآن للخطابي، وإعجاز القرآن للباقلاني، الذي قام فيه بتحليل بعض السور القرآنية، ويرى الدكتور زغلول سلام أن الباقلاني عرض للوحدة الموضوعية في السورة القرآنية، ويرى الدكتور رجب البيومي أن الباقلاني لم يتجه إلى الوحدة الفنية، ويوافق الكاتب البيومي في أن الباقلاني لم يقصد الوحدة الموضوعية في كلّ ما كتب.
ومن هذه الكتب التي عنيت بالإعجاز، دلائل الإعجاز لعبد. القاهر الجرجاني، الذي وضع نظرية النظم، هذه النظرية التي لم تكن قبل الجرجاني مجرد
стр. 75
ملاحظات، وإنما قامت على دراسات دقيقة واضحة وذلك فيما كتبه الخطابي والباقلاني وعبد الجبار، لكنها لم تتكامل إلا على يد الجرجاني.
وممن عني بالدراسات البيانية الزمخشري في الكشاف الذي طبق نظرية الجرجاني، تلك النظرية التي كانت بحاجة إلى ذوق الزمخشري الأدبي النقدي المرهف وإلى غزارة علمه بأسرار العربية، لأن ذلك التطبيق كان يقوم أساسًا على تحليل التركيب القرآني وبيان خصائصه، ويمثل الكاتب ببعض الأمثلة من تفسير الزمخشري.
وممن عني بالدراسات البيانية الرازي في تفسيره، الذي أدخل شيئًا جديدًا في دراسة الإعجاز القرآني، وهو اهتمامه الواضح بترتيب الآيات وتحليلها وبيان أسباب مجيئها على صورتها والاستدلال على إعجازها، وانصب جلُّ اهتمامه على ترتيب الكلمات بجانب ترتيب الآيات والسور .. إن الرازي يعد مكملًا لما بدأ به الزمخشري والجرجاني، ويرد الكاتب على البيومي الذي يرى أن الرازي قد وضع تفسيره لا ليهتم بنماذج الجمال القرآني، بل ليجعل من العلوم الإسلامية منطقًا وأصولًا وفلسفة وتوحيدًا وجدلًا، ويرى أن المتصفح لتفسير الرازي يجد غير ما ذكره محمد رجب البيومي.
وفي العصر الحاضر جاء الشيخ محمد عبده بالدعوة إلى تغير مناهج الدراسة والعودة إلى المنابع الأولي في فهم الدين والحياة والأدب، وقد جاء ليجدد منهج الشيخ عبد القاهر في النظرية البيانية الجمالية إلى القرآن، وعالج الأنماط البلاغية سواء أكانت في المعاني أم في البيان، ثم تفرع عن مدرسة الإمام محمد عبده اتجاه سمي بالاتجاه الأدبي في تفسير القرآن حمل لواءه الشيخ أمين الخولي الذي يرى أن التفسير هو النظر في القرآن من حيث هو كتاب العربية أكبر وأثرها الأدبي العظيم.
ومن أخطر ما دعا إليه أن العرض القرآني للقصة أدبي لا يرجع إليه في تاريخ ولا يسمى ذلك من نظر أصحابه إليه وتقديرهم إياه بما يشاءون دون الموافقة أو
стр. 76
المناقضة بينه وبين حقائق تثبتها التجربة ويقررها التاريخ القريب المنهج من العلم أو العلمي المنهجي.
وممن عني بالدراسات البيانية في العصر الحاضر الدكتورة عائشة عبد الرحمن بنت الشاطئ في كتابها التفسير البياني، وهي فيما كتبته لا تلزم نفسها باتباع رأي مفسر واحد دائمًا، وإنما تختار الرأي الذي يحقق ذوقها الأدبي في فهم الآية سواء أكان ذلك الرأي للرازي أم للزمخشري أم للأصفهاني أم لغيرهم.
ولم يحصل تطور حقيقي في مجال التفسير البياني في العصر الحديث إلا على يد الأستاذ سيد قطب الذي أصدر التصوير الفني، وسيد قطب لم يبدأ من الفراغ وإنما بدأ من نظرية الجرجاني وطوّرها إلى رحاب التصوير الفني الشامل، وأكتشاف الخصائص العامة لأسلوب التعبير القرآني ساعده ذلك ذوق أبي رفيع وحس شاعري مرهف، وعلم بخصائص نص البيان العربي القديم.
المدرسة النقلية:
وترجع جذور هذه المدرسة إلى صحابة رسول الله ﷺ ، الذين نقلوا السنّة النبوية التي كانت تفسيرًا للقرآن، ثم انتقلت هذه المرويات عن طريق التابعين وتابعيهم فكونت طريقًا في التفسير في إطار المنهج الأصولي الذي يستعين من خلال مدارسه كلها بضوابط التفسير المعروفة مع غلبة جانب رواية التفسير بالمأثور عليه.
وقد اشتهر في هذه المدرسة الطبري، والثعلبي صاحب تفسير الكشف والبيان عن تفسير القرآن الذي عني بالروايات التفسبرية، ولكنه توسع في ذكر الإسرائيليات دون أن يعقب عليها بنقد، ومن رواد هذه المدرسة ابن كثير، الذي ذكر الروايات التفسيرية وكان يعقب عليها بالجرح والتعديل وهو يرجح ويضعف ويفند بعض هذه الروايات، ومن ميزة تفسيره أنه ينبه على الإسرائيليات ويفند ما يحتاج منها إلى تفنيد.
стр. 77
ومن تفاسير هذه المدرسة الدر المنثور للسيوطي الذي لم يخلط مع الروايات. أي شيء آخر ولم يتحر الصحة فيما جمع .. إن التفسير المأثور لا يتصور أن يحصل فيه تطور لأن الأصل فيه هو نقل ما ورد عن الرسول ﷺ والسلف الصالح، وهذا لا يمكن تغييره، وإنما يجب أن ينقل بدقة وأمانة.
المدرسة العقلية:
يبدأ الكاتب بتعريف العقل ويذكر أنه إدراك الأشياء بالفطرة أو بالعلم على ما هي عليه أو هو معان مجتمعة في الذهن تكون مقدمات تستنبط بها المصالح والأغراض، وقد نبه القرآن الإنسان على استخدام عقله ليتدبر به، فاستعمل القرآن كلمة اللب والتفكير، ولو أحصينا في القرآن مشتقات كلمة عقل وفكر وفقه وفهم وغيرها، لجمعنا مئات الآيات التي تدل دلالة قطعية على تعظيم العقل.
لقد كان الصحابة يجتهدون في معاني القرآن كلما ظهرت الحاجة إلى ذلك، ولكنهم لم يتوسعوا كثيرًا في استعماله، ومع ذلك وجدنا ابن عباس يفسر الكرسي بالعلم، ويد الله بالقوة، وهذه التأويلات العقلية جرت في إطار قواعد اللغة العربية.
ويرى الكاتب أن ما مرت به الأمة من تطور داخل في الصراع السياسي والفكري في المجتمع الإسلامي، في حدث من سقوط الخلافة الراشدة وقيام الدولة الأموية، ومن ثم ظهور الأحزاب السياسية أمثال الشيعة والخوارج والمرجئة وغيرها .. إن التطور الفكري لم يحدث نتيجة عوامل خارجية، وإنما هي عوامل داخلية.
ويرد الكاتب ما ذهب إليه المستشرقون من أن المسلمين قد تأثروا بما وصلوا إليه من الفقه الإسلامي والقضايا العقلية بغيرهم، ويرى أن الفقه بني على أصول الشريعة، وحركة الجدال العقلي نبع من تطور المجتمع الإسلامي، وكذلك حركة الزهد والتصوف والفلسفة إنما هي وليدة المجتمع المسلم.
стр. 78
ويتحدث الكاتب عن المعتزلة وأصولهم التي منها المنزلة بين المنزلتين والوعد والوعيد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
ويتحدث عن العقل عند المعتوْلة، وهم يقصدون به العقل العام الذي هو الحد المشترك بين العقول والذي يعتمد على المدركات الحسية والمعارف الضرورية الأولية والمعارف المكتسبة، وهذا العقل وضعه الله في البشر قبل مجيء الشرائع، فهو السابق، والدليل السمعي مرتب عليه، فالعقل هو الذي يحسن الأشياء وهو الذي يقبحها عندهم.
إن إيمان المعتزلة بالعقل البرهاني كان من أجل إثبات حقائق الشرع، وليس معنى هذا أنهم يعتقدون أن قول النبي ﷺ ليس صدقًا في ذاته، لقد توصل المعتزلة إلى تقرير مبادئهم مستندين إلى فهمهم لكتاب الله وسنة رسوله ﷺ في إطار القواعد الأصولية النقلية واللغوية العقلية.
إن المعتزلة لم يردوا الأدلة النقلية التي تتعارض مع العقل، ولكنهم أَوَّلوها في ضوء التأويل اللغوي، ويدافع الكاتب في هذه القضية عن المعتزلة، فهم مثلًا ردوا الأحاديث الواردة في الرؤية لأنَّها لا تقوى في نظرهم على معارضة الحكم القطعى القرآني (لا تدركه الأبصار)، ولماذا نستغرب وها هم بعض الفقهاء يردون أحاديث صحيحة لأنَّها لا تقوى على معارضة عام القرآن، ويمثل لذلك بالحنفية الذين يردون أحاديث صريحة في باب الأحكام.
إن المعتزلة كانوا أئمة اللغة العربية، ولذلك لجأوا إلى التأويل في قضايا كثيرة وخاصة آيات الصفات.
الأشاعرة:
خرج عن المعتزلة أحد أذكيائهم وهو أبو الحسن الأشعريّ، الذي حاول التوفيق بين النقل الذي تبناه أهل الحديث والعقل الذي تبناه المعتزلة، ويتحدث الكاتب عن
стр. 79
آراء الأشعري التي خالف بها المعتزلة حيث أثبت لله صفة القدرة والكلام والسمع، وبيَّن أن العبد لا يقدر على خلق الفعل ويقدر على كسبه، وقال إن كلام الله قديم غير مخلوق ولا حادث ولا مبتدع، وقال إن الفاسق في مشيئة الله إن شاء عفا عنه وإن شاء عذبه، وذهب إلى أن الحسن ما حسنه الشرع وليس العقل، والقبيح ما قبحه الشرع.
والأشاعرة في منهجهم التفسيري لم يخرجوا عن المنهج الأصولي الذي يقوم على أساس التأويل في ضوء قواعد اللغة وتفسير القرآن بالقرآن وبالسنّة وبقوانين العقل، والإمام الرازي يعد وارث علوم الأشاعرة وأحد كبار علماء الإسلام، وإننا نجده يتحرك في داخل ضوابط المنهج الأصولي في التفسير ولا يحيد عنه، فهو في استدلالاته ومناقشاته يرجع إلى الأصل اللغوي ويعتقد أن تفسير كلام الله بكلام هو أقرب الطرق إلى الصواب، ولا يرفض التفسير بالمأثور.
الماتريدية:
وهم المنسوبون إلى الإمام أبي منصور محمد بن محمود الماتريدي تلقى العلم على تلامذة أبي حنيفة وكونوا معا أسس المدرسة الماتريدية في تأسيس علم أهل السنة والجماعة على أسس وقواعد متينة.
ولو قارنا بين الماتريدي والأشعري، وجدناهما يتحركان في إطار واحد، فمذهبهما واحد في الصفات، والكلام النفسي، ورؤية الله تعالى، ومسألة أفعال العباد، ومصير الفاسق، والشفاعة، فهما يتفقان في أصول المسائل الاعتقادية لأهل السنة، ولكنهما قد يختلفان في بعض المسائل الفرعية، وذلك مثل رؤية الله حيث ذهب الأشعري إلى جوازها عقلًا، وذهب الماتريدي إلى جوازها نقلًا وعقلًا.
أما منهج الماتريدي في التفسير، فهو يعتمد على العقل بإرشاد من الشرع، ويستعين على فهم القرآن، لأن النظر العقلي عنده من مصادر العلم، فهو يأخذ
стр. 80
بحكم العقل فيما لا يخالف الشرع، فإن خالف فلا بد من الخضوع لحكم الشرع.
ويذكر الكاتب أن الرجوع إلى العقل في التفسير لا يقتصر على المعتزلة والأشاعرة، بل إننا نجد أشد الناس تمسكًا بمذهب السلف، يلجاون إلى استخدام العقل في تفسير كتاب الله تعالى، ويمثل لذلك بابن تيمية، حيث إنه لم يكن عدوًا للعقل، بل كان عدوًا للفلسفات المنحرفة.
أما الفصل الثالث فيتحدث فيه عن المنهج الفلسفي في تفسير القرآن:
يقول الكاتب: إن تطور الأوضاع الفكرية الداخلية في العالم الإسلامي، وبدء ترجمة الفلسفات الأجنبية وخاصة اليونانية، وهجوم متفلسفة الأديان على أسس العقائد الإسلامية، دفع جمعًا من المسلمين إلى دراسة الفلسفات المترجمة، من منطلق أن القرآن قد حث على النظر العقلي والتصدي للمنكرين والملاحدة ومحرفي الأديان.
وهؤلاء الفلاسفة المسلمون حاولوا الرجوع إلى القرآن للتوفيق بين نصوصه، وبين ما ثبت من وجهة نظرهم في العقل من اليقينيات، ومع أنهم كانوا أقلّ تفسيرًا وتحليلًا للنصوص القرآنية، إلا أنهم لم يستطيعوا الابتعاد عن ميدان التعامل مع نصوص الوحي الإلهي.
ومن هؤلاء الفلاسفة: الكندي والفارابي وابن سينا وابن رشد.
ويخلص الكاتب إلى أن المنهج الفلسفي في التفسير قد اتخذ طريقين:
الأول: طريق التعمق والتحليل الدقيق لمعنى الآية ضمن المنهج الأصولي في التفسير، وهو الطريق الذي اتبعه الكندي وابن رشد.
الثاني: طريق إخضاع نصوص القرآن إلى فلسفات أجنبية دون ضابط والوصول إلى نتائج باطلة شرعًا وعقلًا.
стр. 81
وفي الفصل الرابع تحدث عن المنهج العرفاني في تفسير القرآن:
ويذكر الكاتب أن المقصود بذلك المعرفة التي تأتي عن طريق الرياضة والكشف.
لقد كانت الرياضة الروحية تتحرك داخل النبوة؛ لأنَّها تقوم عند الصوفيين على التأمل العميق في التوحيد والعبودية التامة لله عن طريق تصفية القلب واستقامة السلوك، ولكنها فيما بعد خرجت على الإسلام، وانحرفت عنه، وقد عرف النظام العرفاني بالغنوص عند الأمم التي كانت قبل الإسلام.
ويتناول الكاتب ضمن هذا المنهج: التفسير الإشاري ، والتفسير الصوفي، والتفسير الباطني.
التفسير الإشاري:
والإشارة تعني الإيماء، والمقصود به: التأملات التي تحصل عن طريق ما ينقدح في ذهن المفسر العارف في حالة استغراقه في الوجد والرياضة الروحية. لإدراك أمور لطيفة لها ارتباط ومناسبة مع ظواهر الآيات ..
ولذا اشترطوا ألا تصطدم تلك الحقائق المستنبطة مع ظاهر الآيات القرآنية، والكاتب يرى أن التفسير الإشاري بهذا المعنى الشرعي قديم يعود إلى عهد الصحابة، ويستدل لذلك بتفسير ابن عباس لسورة النصر (١).
إن التفسير الإشاري ما هو إلا محاولات عقلية ذكية تعمق في معاني الآيات وما ينطبق منها على النفس وآلافاق المرتبطة بالألفاظ وسياق الأسلوب ويساعد في الوصول إليها قوة الإيمان وإخلاص العبادة وصفاء النفس والبعد عن الهوى .. وقد تطور التفسير الإشاري شيئًا فشيئًا، حيث أفرد بالتأليف، ومن أقطابه سهل التستري
стр. 82
إلا أنه لم يبق في إطار الفهم الأصولي للآية، بل بدا في كثير من الأحيان يستقل عنه معتمدًا على ما يتخيله المفسر الإشاري أنه الكشف والإلهام ولا حجة تقوم بادعاء الكشف والإلهام.
إن التفسير الإشاري إذا لم ينضبط بضوابط فهم النص يكون تفسيرًا عرفانيًا غنوصيًا لا دليل عليه من داخل الآية ولا من خارجها .. وقد نقل الألوسي مجموعة كبيرة من هذه الإشارات، وكان كثير منها بعيدًا عن روح الآيات القرآنية.
التفسير الصوفي:
التصوف هو الأخذ بالحقائق واليأس مما في أيدي الخلائق، وأصله العكوف على العبادة والانقطاع إلى الله تعالى والإعراض عن زخرف الدنيا وزينتها والزهد فيما يقبل عليه الجمهور من لذة ومال، والخلوة للعبادة.
والفكر الصوفي المستقيم الذي تضبطه ضوابط القرآن الكريم، لم يستطع أن يسيطر على عالم التصوف سيطرة كاملة وقد ظهرت منذ عصر الجنيد بوادر انحرافات واضحة .. (١) إن الفلسفات الأجنبية العرفانية قد أثرت في أفكار هذا الاتجاه الصوفي الفلسفي من أصحاب الحلول والإشراق والوحدة وقد أثبت الباحثون القدماء والمحدثون ذلك، أمثال ابن تيمية، وأحمد أمين.
ويتحدث الكاتب عن التفسير المنسوب لابن عربي المسمى بـ (تفسير القرآن الكريم) ويرى أن نسبته ليست صحيحة لابن عربي، وقد صحح الباحثون أن نسبته إلى الباطني القاشاني الأندلسي الشهير، وابن عربي عندما يتحدث عن تفسيره (الجمع والتفصيل في أسرار معاني التنزيل) يقول بأنه رتبه على الحديث في كلّ آية على ثلاث مقامات: مقام الجمال، ومقام الجلال، ومقام الكمال .. والتفسير الذي نسب إليه ليس فيه شيء من هذا، وما يرجح ذلك كذلك أن ابن عربي وإن صدرت
стр. 83
منه أقوال تخالف الدين فلا يلبث أن يرجع إلى الصواب، بينما صاحب هذا التفسير يسير في طريق الضلالة الباطنية من أول تفسيره إلى آخره.
التفسير الباطني:
والباطنية هي كبرى حركات التحريف في تاريخ الإسلام، وقد اتبع الباطنيون مع من خاطبوهم أساليب خطيرة لنقلهم من مرحلة إلى أخرى، حتى ينسلخ المدعو نهائيًا من دينه ويؤمن بدين جديد، وأول من أنشأ الباطنية جماعة من اليهود والمجوس والمزدكية وشرذمة من الوثنيين .. إن هذا المذهب ظاهره الرفض وباطنه الكفر المحض، وهو يحصر مدارك العلوم في قول الإمام المعصوم، ويعزل العقول عن الاختلافات والمعلم المعصوم عندهم هو المستبصر، المطلع من الله تعالى على جميع أسرار الشرائع، وهو يهدي إلى الحق، ويكشف عن المشكلات، وهم يوافقون اليهود والنصارى والمجوس في معتقداتهم ويقرونهم عليها.
ويرى الكاتب أن التفسير الباطني تسرب إلى تفاسير وكتب معينة لفرق أخرى، منها: (الأصول من الكافي للكليني)، فقد ورد في تفسيره ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ أي يطفئوا ولاية أمير المؤمنين علي بأفواههم ﴿وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ﴾ أي متم الإمامة والإمامة هي النور.
إن التفاسير الباطنية لا تتصل بتفسير القرآن أو محاولة فهمه، ولكنها لتصل بمذاهب ونحل كونتها مصادر الثقافات والأديان الغريبة عن طبيعة الإسلام.
ويقرر الكاتب أخيرًا أنه في ظل هذه التأويلات الباطنية استغل أعداء الإسلام عبر التاريخ سذاجة كثير من المسلمين وغفلتهم وأميتهم ففرضوا عليهم من حيث لا يشعرون الكفر والشرك والانحراف وتقديس الأئمة والصالحين، ونشروا الخرافة والبدع والأسطورة وحولوها إلى دين جديد غير دين الإسلام الذي يعرفه علماء الإسلام في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وإجماع علمائه واجتهاد مجتهديه.
стр. 84
وإذا كان الله تعالى قد أخذ الميثاق الغليظ على العلماء في كتابه الكريم كي يبينوا للناس الحقائق الاسمية ولا يكتموها، فإن الواجب يقضي عليهم أن يراجعوا تاريخ التطور الفكري قي حضارتنا الإسلامية ليقوموا بجرد كامل للأفكار الهادمة، والمبادئ الباطلة، والاتجاهات الخرافية والأسطورية فيها، كي يفضحوها بالعلم والمنطق والبرهان، ليعود الإسلام عند المسلمين صافيًا نقيًا يوجه الجيل الجديد إلى الإيمان العميق، والعلم الدقيق بالقوانين المادية وتسخيرها، وإحداث التغيير المطلوب في مجتمعاتنا الإسلامية المتأخرة نحو حياة الأصالة، والحضارة والعقلانية.
ويعقد الفصل الخامس للحديث عن المدرسة الحديثة في التفسير فقد كان المسلمون قي القرن الثالث عشر الهجري يعيشون أوضاعًا متخلفة بعيدة عن هداية القرآن .. لقد خبت جذوة الفكر وتوقفت الحركة العلمية التجريبية، واصطبغت عقلية الأمة الإسلامية بصبغة التواكل والقعود والخرافة، وهذه الأوضاع أطمعت الاستعمار في احتلال العالم الإسلامي لتقييد حركته الحضارية وهذه الأوضاع السيئة دفعت العلماء المتنورين إلى التفكير بإخلاص لإنقاذ العالم الإسلامي من مأساته، وكانت القاعدة التي انطلقوا منها لبناء نظراتهم إلى مسائل الكون والحياة والقرآن الكريم.
وقد بدأت تلك الدراسات والإصلاحات مع القرن الرابع عشر الهجري على يد جمال الدين الأفغاني الذي يعد مؤسس المنهج الحديث في التفسير في القرن الرابع عشر الهجري .. لقد تكلم الأفغاني في أسس التفسير ووضح ملامحه، وهاجم المناهج التفسيرية التي أقحمت علوما ومصطلحات غريبة عقلية ولغوية ونقلية، فحجبت حقائق القرآن عن الناس، ودعا إلى فهم القرآن والسنة وأعمال السلف الصالح.
ثم جاء الشيخ محمد عبده، الذي تأثر بشيخه الأفغاني، وكان يلقي دروسًا في
стр. 85
التفسير في الجامع الأزهر، وفسَّر خمسة أجزاء من القرآن قبل أن يتوفى، ثم أكمل تفسيره وسار على منهجه محمد رشيد رضا. لقد وضع هؤلاء الثلاثة المنهج الذي ينبغي أن يسير عليه من أراد تفسير القرآن وهو يتلخص بما يلي.
١ - بيان سنن الله في الخلق ونظام الاجتماع البشري وأسباب ترقي الأمم وتدنيها وقوتها وضعفها.
٢ - بيان أن الإسلام دين سيادة وسلطان جمع بين سعادة الدنيا وسعادة الآخرة.
٣ - إن المسلمين ليس لهم جنسية إلا دينهم، فهم إخوة لا يجوز أن يفرقهم نسب ولا لغة ولا حكومة.
لقد أراد الشيخ رشيد أن يجمع بين العقل والنقل ولذا فقد أخذ على المفسرين إخضاعهم النصوص القرآنية الواضحة على القواعد العلمية والفلسفية والأصولية الحادثة دون أن ينطلقوا من ضوابط صحيحة في التفسير اتفق عليها المحققون من علماء القرآن.
وقد انتقد السيد رشيد المؤولين لبعض المتشابهات لمخالفتهم ما كان عليه السلف، فانتقد المفسرين الكلاميين المعتزلة والأشاعرة، ومنهم الإمام الرازي، وقد شن حملاته الشديدة على الصوفية وأفكارهم وبدعهم رافضًا تفسيراتهم الإشارية، وقد قام السيد رشيد بتحقيقات جيدة لتنقية التفسير من الإسرائيليات الكثيرة والأخبار الضعيفة، إن دراسة صاحب المنار للحديث وعلم الجرح والتعديل واطلاعه على قوانين الحياة وقواعد العمران البشري مكنه من نقد سند الإسرائيليات، وقد خالف جمهور العلماء في تعديل كعب الأحبار ووهب بن منبه.
إن المدرسة الحديثة اتبعت منهجًا لها في التفسير وهو يتلخص فيما يلي:
١ - تفسير الآيات ضمن معاني الألفاظ التي كانت متداولة بين العرب أيام نزول القرآن.
стр. 86
٢ - عدم الإكثار من الموضوعات والأبحاث اللغوية والنحوية والبلاغية التي أرهقت التفاسير السابقة؛ لأنَّها تحجب هداية القرآن عن البشرية.
٣ - الانطلاق من أن القرآن أنزله الله دستورًا وحياة للإنسان، ولذا فعمل المفسر توصيل هداية القرآن إلى العقول والقلوب.
٤ - الاستفادة من العلوم المتنوعة والثقافات الإنسانية المتعددة الحديثة في تفسير القرآن الكريم.
٥ - القيام بمراجعة الرصيد الحضاري الفكري وغربلته بإبعاد العناصر الدخيلة فيه وتنقيته مما علق به من الانحرافات والإسرائيليات والأخبار الضعيفة والخرافية.
٦ - القضاء على التعصب المذهبي في المجتمع الإسلامي وبيان خطره الكبير على وحدة الأمة.
٧ - معالجة أسباب تأخر المجتمع الإسلامي وأمراضه الكثيرة.
٨ - رد الغزوات الفكرية الاستعمارية التي شنت على الإسلام عقيدة وشريعة وتاريخًا.
لقد كان معتمد المفسرين المحدثين على تلك المدرسة مدرسة محمد عبده .. إن العقلانية التي تحركت فيها هذه المدرسة لم تكن غريبة على الإسلام، ولكنها تحركت لظروف الحياة الجديدة في أوسع دائرة أصولية ممكنة.
التفسير العلمي:
مما عرض له الكاتب التفسير العلمي، حيث يرى أن الرازي والغزالي وغيرهم من العلماء ذكروا أن القرآن فيه الكثير من الاستدلالات على قدرة الله تعالى وعلمه وحكمته بأحوال السماوات والأرض وتعاقب الليل والنهار، وكيفية أحوال الفضاء
стр. 87
والظلام وأحوال الشمس، ويرى أن العلماء قد أخطأوا في فهم رأي الشاطبي، في ذهب إليه الشاطي ليس معارضًا لما ذهب إليه الغزالي والرازي، إذ هم لم يدّعوا أن القرآن الكريم فيه تفاصيل العلوم بالفعل، وإنما قرروا أنه يحتوي على مبادئ تلك العلوم والمعارف بالقوة (١).
ويذكر الكاتب أن التفسير العلمي يمكن أن يتخذ مظهرين الأول تسخير الحقائق العلمية في كشف مدلول الآية القرآنية، والثاني: تفسير آية قرآنية بحقائق علمية أو نظرية علمية محددة المعالم (٢).
مناقشة لبعض ما ذكره الكاتب:
١ - يقول الكاتب إن من يرى أن الرسول ﷺ لم يفسر القرآن الكريم كله يستدل بحديث السيدة عائشة ما كان رسول الله ﷺ يفسر شيئًا من القرآن إلا آيا بعدد علمهن إياه جبريل، وهذا الحديث طعن فيه الطبري فهو من رواية محمد بن جعفر الزبيري وهو متروك ومنكر الحديث، هذا من حيث السند أما من حيث المتن، فهو لا يصح كذلك، إذ لو كان الرسول ﷺ لا يفسر إلا ما يعلمه إياه جبريل ﵇، فكيف لغيره من الصحابة، بل لمن بعدهم أن يفسر آية واحدة من القرآن، لأن التفسير حينئذ سيكون توقيفيًا، وفي هذا إشكال يحملنا على رد الحديث.
٢ - يذكر الكاتب أن من القضايا التي لم يفسرها الرسول ﷺ المتشابهات التي استأثرها الله بعلمه والآيات الكونية .. ، وهذه من القضايا التي يركز عليها الكاتبون في التفسير الأثري.
стр. 88
إن قضية المتشابهات وكونها مما استأثر الله بعلمه، لم تكن من القضايا المعروفة زمن الصحابة أو مما يشغلهم، فهم يعلمون أن من القرآن ما هو محكم وما هو متشابه، ولكنه لم يرد عنهم أن المتشابه لا يعلمه إلا الله تعالى، إنهم كانوا يفهمون القرآن الكريم باعتبارهم أهل الفصاحة والبلاغة، ولذا لم يكونوا ليسألوا الرسول ﷺ إلا عن أمور غابت عنهم، لأن القرآن الكريم إلى جانب كونه كتابا عربيًا، فهو كتاب سماوي من عند الله تعالى.
٣ - يذكر الكاتب أن الرسول ﷺ نهى الصحابة في البداية عن قراءة التوراة خوفًا من الخلط والتشويه والتشكيك، ثم لما رسخ الإسلام لم يبق حرج في الاطلاع فأباح لهم ذلك .. وهذا يخالف ما أرشدهم إليه الرسول ﷺ ، فإنه ﵇ كان ينهى الصحابة عن الرجوع إلى أخبار أهل الكتاب، فها هو ﵊ ينهى عمر بن الخطاب حينما رآه يقرأ صحيفة من التوراة وقد غضب، يقول له (لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء فإنهم لن يهدوكم، وقد ضلوا وإنكم إما أن تكذبوا بحق أو تصدقوا بباطل، والله لو كان موسى بين أظهركم ما حل له إلا أن يتبعني) (١) وهذا ابن عباس وعمر بن الخطاب ﵃ جميعًا - يفهمون ما أرشدهم إليه الرسول ﷺ ، فينهون عن الرجوع إلى أهل الكتاب، ولو كان الرسول ﷺ سمح لهم بالإطلاع، لما ثبت عن الصحابة النهي عن الرجوع إلى أهل الكتاب، وستأتي هذه القضية مفصلة إن شاء الله.
٤ - يرى الكاتب أن الزمخشري في كشافه قد اهتم بالمسائل اللغوية والتخريجات النحوية. والمطلع على الكشاف يرى الزمخشري قد اهتم بالمسائل اللغوية حقًّا، سواء ما يتعلق بأصل الكلمة والاستشهاد لها مما ورد في شعر العرب، أم ما يتعلق بالبلاغة والبيان، أما التخريجات النحوية فإن الزمخشري لم يعن بهذه القضية كثيرًا، فهو في كثير من الأحيان - إن عرض لهذه القضية - يكتفي بوجه واحد للإعراب، ولا يعنى بتلك التخريجات كما كان ممن جاء بعده.
стр. 89
٥ - يذكر الكاتب أن الرازي عني بالدراسات البيانية، واهتم اهتمامًا واضحًا بترتيب الآيات وتحليلها وبيان أسباب مجيئها على صورتها والاستدلال على إعجازها .. وهو يعد مكملًا لما بدأ به الزمخشري والجرجاني .. إن هذا الكلام غير دقيق، فالرازي لا يعد مكملًا للزمخشري وذلك أن جل القضايا البيانية التي ذكرها، أخذها من كشاف الزمخشري، فهو - إذن - اعتمد اعتمادًا كبيرًا على ما ذكره الزمخشري، وغيره من المفسرين، ثم إن ما ذكره البيومي من أن الرازي قد وضع تفسيره لا ليهتم بنماذج الجمال القرآني، بل ليجعل من العلوم الإسلامية منطقًا وأصولًا وفلسفة وتوحيدًا وجدلًا، صحيح وليس كما يقول الكاتب، فإن الرازي قد عرض لهذه القضايا البلاغية، لكنه عني عناية كبيرة بالقضايا الأخرى، مما جعل كثرين يحكمون على تفسيره بأنه فيه كلّ شيء إلا التفسير. وإن كنا لا نهضم الرازي حقه، فهو ﵀ قد جعل تفسيره موسوعة، تضم كلّ شيء، ولكن غلبت القضايا المتعلقة بالعلوم الإسلامية والفلسفة على غيرها من القضايا.
٦ - يرى الكاتب أن حركة الجدال العقلي نبع من تطور المجتمع الإسلامي، وكذلك حركة الزهد والتصوف والفلسفة، فإنها وليدة المجتمع المسلم، والحقيقة أن هذه ليست كلها وليدة المجتمع المسلم، ولكن المجتمع المسلم استقى بعضها من غيره من المجتمعات، كالمجتمع اليوناني والهندي أي من الأمم الشرقية.
٧ - يذكر الكاتب أن الفكر الصوفي قد دخلته بوادر الانحرافات وذلك منذ عصر الجنيد، والمطلع على تاريخ الصوفية، وما كان في عصر الجنيد يكاد يجزم أن هذه الانحرافات ما ظهرت إلا بعد عصر الجنيد رحمه الله تعالى.
وبعد فإن جهد الكاتب مشكور، نسأل الله أن يجزيه عن جهده خيرًا.
стр. 90
تعريف الدارسين بمناهج المفسرين الدكتور صلاح الخالدي
يبدأ كتابه بتعريف مصطلح (مناهج المفسرين) وبيان أهميته، ويفرق بين المنهج والطريقة ويرى أنه يجب التفريق بين المنهج والطريقة في الدراسات الإسلامية والأدبية أو العلمية أو الفكرية أو غيرها. فالمنهج هو الخطة المرسومة المحددة التي تتمثل في القواعد والأسس والمنطلقات التي تعرف عليها المفسر والتي انطلق منها في فهمه للقرآن والتي التزم بها في تفسيره له، هذه الأسس كانت ضوابط له ولتفسيره. أما الطريقة فهي الأسلوب الذي سلكه المفسر أثناء تفسيره لكتاب الله، والطريق التي عرض تفسير كتاب الله من خلالها، ويقرب القضية بالمثال الهندسي.
ويتحدث في الفصل الأول عن معنى التفسير والتأويل والفرق بينهما، وينتقل للحديث عن مراحل التفسير ويقسمها إلى أربع مراحل هي:
المرحلة الأولى: مرحلة التأسيس التي بدأت على يد الرسول ﷺ ثم الصحابة والتابعين وقد ظهر في هذه المرحلة اتجاه التفسير المأثور، والاتجاه اللغوي البياني.
والمرحلة الثانية: مرحلة التأصيل، حيث تم ترسيخ المنهج الأصيل لعلم التفسير المنهج الذي يقوم على أسس وقواعد متينة، وقد أرسى هذه الأسس إمام المفسرين أبو جعفر محمد ين جرير الطبري، وقام هذا المنهج على تفسير القرآن باللغة والمأثور واجتهادات المفسرين.
والمرحلة الثالثة: التفسير في طور التفريع، حيث صار المفسرون يتوسعون ويستطردون ويرددون الكثير من القضايا، بعضها لا يتصل اتصالًا وثيقًا بالتفسير، وقد كان كلّ مفسر يفسر وفق العلم الذي مهر فيه وغلب عليه، وبذلك تحول التفسير من المنهج الجامع إلى المنهج الغالب وظهر في هذه المرحلة اتجاه؛ التفسير بالمأثور والبياني، والعقلي والفقهي والتفسير القريب من المنهج الجامع فقد كان
стр. 91
مفسرو هذا الاتجاه قريبين من المنهج الجامع الأصيل الذي أرسى معالمه الإمام الطبري وكان هؤلاء المفسرون يقتدون بالإمام الطبري ويحاولون أن يقتربوا منه، فظهرت في تفاسيرهم الأسس الثلاثة للمنهج الجامع وهي: اللغة، والأثر والاستنباط على تفاوت بينهم في تحقيق هذه الأسس الثلاثة وكانوا في هذا دون مستوى الإمام الطبري لكنهم استفادوا من ذلك المنهج الرائد. ومن هذه التفاسير تفسير الواحدي وابن عطية والقرطبي وابن كثير.
والمرحلة الرابعة: مرحلة التجديد وهذه كانت في القرن الرابع عشر.
وفي الفصل الثاني: تحدث الكاتب عن العلوم الضرورية التي لا بد منها للمفسر، وصفات وآداب المفسر، وأحسن طرق التفسير والتي هي: تفسير القرآن بالقرآن، ثم بالسنة، ثم بأقوال الصحابة، ثم بأقوال التابعين ثم باللغة العربية، ثم استنباط معانيه ودلالاته وأحكامه، وعرض كذلك الكاتب لاختلاف المفسرين، وأهم أسباب هذا الخلاف.
وعرض بعد ذلك لأهم أخطاء المفسرين، وقد صنفها في ثلاثة أصناف:
الأول: الخطأ في الهدف والقصد والباعث: ويعني بذلك أصحاب الأهواء.
الثاني: الخطأ في منهج النظر في القرآن: وأصحاب هذا الخطأ لم يحصلوا العلوم الضرورية للمفسر ولم يراعوا أحسن الطرق في التفسير، فوقعوا في أخطاء مع حسن مقصدهم.
الثالث: الخطأ في بعض الجزئيات الفرعية.
ونقل عن ابن تيمية ما ذكره من أخطاء منهجية، ومنها الخطأ في الدليل أو المدلول أو هما معًا، ويُقصد بأصحاب هذا المنهج قوم اعتقدوا معاني للقرآن فحملوا الألفاظ عليها، فإذا كان المعنى باطلًا فقد وقعوا في خطأ في الدليل والمدلول، وإن كان المعنى حقًّا كان خطؤهم في الدليل ومن الفريق الأول - الذين
стр. 92
أخطأوا في الدليل والمدلول - طوائف من أهل البدع كالشيعة والخوارج.
ويذكر كذلك أن سيد قطب تحدث عن خطأ جذري أصيل وقع فيه بعض المفسرين قديمًا وحديثًا قادهم إلى نتائج خاطئة في تعاملهم مغ الثغرات وخرجوا بتفسيرات خاطئة، وهذا الخطأ هو دخولهم عالم القرآن بمقررات سابقة .. ويعود بعد ذلك ليسجل أخطاء المفسرين ويعددها.
وينتقل ليحدثنا عن الضوابط التي ينبغي على دارسي التفسير مراعاتها عند تقييم أي تفسير والتي منها المعرفة التامة لعصر المفسر، والمعرفة التامة لشخصيته، وتحديد قواعد منهجه، والموضوعية في البحث، والنظرة المتزنة للمفسر.
وفي الفصل الثالث يحدثنا عن تفسير القرآن بالقرآن، وتفسيره بالسُّنة، والمقدار الذي فسره الرسول ﷺ من القرآن، ويذكرنا في هذا المقام بما روي عن ابن عباس من أن التفسير على أربعة أوجه. وجه تعرفه العرب من كلامها، وتفسير لا يعذر أحد بجهالته، وتفسير يعلمه العلماء، وتفسير لا يعلمه إلا الله، ويرى أن الذي بينه الرسول ﷺ ليس إلا الذي يعلمه العلماء كاستنباط الأحكام واستخراج الدلالات من الألفاظ.
ويبين أن تفسير النبي ﷺ لا يقتصر على الجانب النظري وهو الذي يشمل الأحاديث القولية، ولكنه يشمل الجانب العملي ويعني به تطبيق الرسول ﷺ لأحكام القرآن وتخلقه بأخلاقه وغير ذلك، وهذا قد لا يفطن له بعض الدارسين والباحثين كما يقول.
وفي الفصل الرابع يتحدث عن التفسير بالمأثور، تعريفه ومصادره ويذكر أن الذهبي أدرج تفسير القرآن بالقرآن ضمن هذا الاتجاه، ولكنه يتحفظ على ذلك ويرفضه لأن القرآن كلام الله وليس كلام بشر، وليس خاضعًا لمقاييس نقل الروايات وتمحيص الأقوال والأخبار، فهو ثابت يقينًا، ويقول إن الذي يتحقق فيه معنى
стр. 93
المأثور في اللغة والاصطلاح هو ما روي عن الرسول ﷺ أو الصحابة أو التابعين. واسمه الآخر أي المأثور - يؤكد هذا المفهوم وهو التفسير النقلي الذي يقوم على نقل الأقوال والروايات عن السلف. ويحدثنا بعد ذلك عن قواعد التفسير بالمأثور وضوابطه، ونلاحظ أنه يذكر أول قاعدة تفسير القرآن بالقرآن، فهو الأساس لما بعده من التفسير بالمأثور، مع أنه لم يعده من المأثور كما ذكرنا عنه.
وينتقل للحديث عن الخطوات التي مر بها التفسير بالمأثور وهي: الأولى في طور المشافهة، والثانية: تدوين التفسير بالمأثور مع الحديث، والثالثة تدوينه مسندًا مستقلًا عن الحديث، والرابعة تأليف تفاسير كاملة مسندة مأثورة، ثم حذف الإسناد من التفسير المأثور، وعرض لأسباب الضعف في رواية التفسير، وتوسع في الحديث عن بعض الصحابة والتابعين من حيث حياتهم ومنهجهم في التفسير، ونلاحظ أنه يركز على أن الأساس في منهجهم هو تفسير القرآن بالقرآن، وقد عرض لعبد الله بن عباس (١) والحسن البصري، وسفيان الثوري.
وينتقل للحديث عن السيوطي وتفسير الدر المنثور، وقد ذكر هذا المثال لأنه أحب في هذا المبحث أن يذكر (مثالًا للتفسير بالمأثور المجرد، وهو تفسير كامل للقرآن الكريم حسب ترتيب المصحف) ونلاحظ أنه يضع عنوان (الدر المنثور في التفسير بالمأثور)، ولكنه يتحدث تحت هذا الموضوع عن كتب جلال الدين السيوطي التفسيرية، وفي التفسير بشكل عام، وفي التفسير بالمأثور بشكل خاص، ولم يتحدث عن الدر المنثور موضوعه إلا أسطرًا نقلها من مقدمته.
ويأتي الفصل الخامس، ويتحدث فيه عما يسميه التفسير الأثري النظري، ويعني به الذي يجمع بين جانبين، التفسير بالمأثور، والتفسير بالرأي، وذكر من هذه التفاسير ابن جرير الطبري، ومن هذه التفاسير تفسير بقي بن مخلد على الرغم من
стр. 94
أن تفسيره مفقود، وتفسير الواحدي المسمى بالوسيط، وابن عطية في تفسيره المحرر الوجيز وابن الجوزي في تفسيره زاد المسير، والقرطبي في تفسير الجامع لأحكام القرآن، والشوكاني في تفسيره فتح القدير، ويكتفي على الأغلب في التعريف بهذه التفاسير، أقول يكتفي بنقل مقدمة كلّ مصنف ولكنه يفرد مبحثًا خاصًّا لتفسير ابن جرير الطبري، وآخر لتفسير ابن كثير، فيتحدث عن ترجمة المؤلف وتفسيره، ومنهجه في التفسير.
ويأتي الفصل السادس، ويفرده للحديث عن التفسير بالرأي المحمود، حيث عرف به وبين آراء العلماء في جوازه أو عدمه، ثم رجح الجواز، ومن ثم بين شروط التفسير بالرأي وتحدث بعد ذلك عن أشهر المفسرين بالتفسير بالرأي: ومن هؤلاء البيضاوي في تفسيره أنوار التنزيل والنسفي في تفسيره مدارك التنزيل، والقُمي النيسابوري في تفسيره غرائب القرآن ورغائب الفرقان وأبي حيان الأندلسي في تفسيره البحر المحيط، وأبي السعود العمادي في تفسيره إرشاد العقل السليم والإمام الآلوسي في تفسيره روح المعاني، وهو يعرف بهذه التفاسير - كما فعل سابقًا - من خلال مقدمة مصنفيها، ذاكرًا، ما قاله الذهبي في التفسير والمفسرين عنها، ولكنه يفرد بحثًا خاصًّا لتفسير الإمام الفخر الرازي، فيتحدث عن ترجمة الفخر الرازي ثم يعرف بتفسير الرازي مفاتيح الغيب، ويعرض لمقولة بعضهم من أن الرازي لم يفسر القرآن كله، وبين أن الدكتور محسن عبد الحميد في كتابه الرازي مفسرًا ناقش هذه القضية وخلص إلى أن الرازي هو الذي كتب تفسيره من أول سورة الفاتحة إلى نهاية سورة الناس، ثم بين هدف الرازي من تأليف تفسيره، وبيَّن نهجه في ذلك التفسير، وأهم مميزات التفسير، وأهم المآخذ عليه.
والفصل السابع يخصه للحديث. عن الاتجاهات المنحرفة: والانحراف في تفسير القرآن هو تفسيره بالرأي المذموم، ويتحدث عن الأخطاء التي يقع فيها المفسر، تلك الأخطاء التي حدثنا عنها في الفصل الثاني، ويذكر مظاهر الانحراف في
стр. 95
التفسير وهي أربعة:
١ - أن يكون المعنى الذى يريد المفسر نفيه أو إثباته صوابًا في نفسه وليس خطأ لكن اللفظ القرآني لا يدل عليه.
٢ - أن يكون المعنى الذي يريد المفسر نفيه أو إثباته صوابًا في نفسه، واللفظ القرآني لا يدل عليه فيسلب اللفظ القرآني معناه الظاهري وينفيه ويجعله غير مراد، ويحمله على المعنى الذي لا يدل عليه اللفظ ومن ذلك تفسير التستري لقوله ﴿وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ [البقرة: ٣٥] حيث قال (لم يرد الله معنى الأكل في الحقيقة، وإنما أراد معنى مساكنة الهمة بشيء هو غيره).
٣ - أن يكون المعنى الذي يريد المفسر نفيه أو إثباته خطأً في نفسه، واللفظ القرآني لا يدل عليه فيحمل اللفظ القرآني عليه ومع ذلك لا ينفي المعنى القرآني الحقيقي الذي دل عليه ظاهر اللفظ، ومن ذلك تفسير ابن عربي لقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ﴾ [المزمل: ٨] حيث قال: (اذكر اسم ربك: الذي هو أنت، أي: اعرف نفسك ولا تنسها فينساك الله).
٤ - أن يكون المعنى الذي يريد المفسر نفيه أو إثباته خطأً في نفسه، واللفظ القرآني لا يدل عليه لْيحمل اللفظ القرآني عليه ولكي يكون حمله مقبولًا، يسلب لفظ القرآن ما دل عليه، وينفي عنه معناه المراد.
ويتحدث بعد ذلك عن أشهر الفرق المنحرفة في التفسير، ومن هذه الفرق الإسماعيلية وهي فرقة باطنية كافرة حرفت معاني القرآن الكريم.
ومن الفرق الباطنية الإسماعيلية والقاديانية والبابية والبهائية.
أما الفرق التي حرفت معاني القرآن في تفسيراتها فمن أشهرها فرقة المعتزلة، والشيعة التي انقسمت إلى عدد كبير من الطوائف منها الزيدية، والإمامية الاثنا عشرية، ومن تلك الفرق الخوارج والمتصوفة، ومدعو التجديد في العصر الحاضر
стр. 96
الذين يدعون إلى التجديد المفتوح في تفسير القرآن، التجديد غير المنضبط بالضوابط والشروط المنهجية لمن يريد أن يفهم القرآن ويفسره، بحيث يقول من شاء في تفسير القرآن بلا علم، وعد من تلك التفاسير المعاصرة:
الهداية والعرفان لأبي زيد الدمنهوري، والجواهر في تفسير القرآن للشيخ طنطاوي جوهري، وتفسير القرآن لعبد الكريم الخطيب، ويذكر أن الانحراف في هذه التفاسير ليس على مستوى واحد، فالدمنهوري كان مغرضًا خبيثًا، أما الشيخ الطنطاوي فقد كان عالمًا فاضلًا صادق النية، أما الانحراف في تفسيره فكان في خروجه عن النص القرآني الذي يفسره إلى المباحث العلمية المعاصرة واستطراداته العلمية العديدة وغلوه ومبالغته في ذلك، أما الدكتور عبد الكريم الخطيب فهو يبالغ في اعتماد دور العقل وجعله حاكمًا على النص القرآني، ويرجع الدكتور صلاح القارئ إلى ما كتبه الدكتور عبد المجيد المحتسب في كتابه التفسير في العصر الراهن عن تفسير الخطيب.
ويتحدث عن أشهر التفاسير المنحرفة، والتي منها تفسير مجمع البيان للطبرسي، حيث يعرف بالتفسير من خلال مقدمة صاحبه، وبما ذكره الذهبي، ويعده من أجود تفاسير الشيعة وأكثرها اعتدالًا.
ومنها البرهان في تفسير القرآن لهاشم البحراني، وهو من التفاسير المتأخرة للشيعة ويعرف بالتفسير مما ذكره المؤلف في مقدمته.
ومنها تفسير هميان الزاد لمحمد يوسف اطفيش، وحقائق التفسير لأبي عبد الرحمن السلمي، والتأويلات النجمية لنجم الدين داية وهو تفسير صوفي من تفاسير الصوفية المغرقين في التأويل ومنها تفسير الكشاف للزمخشري، والدكتور صلاح يفرد مبحثًا خاصًّا للكشاف، حيث يترجم للزمخشري ويعرف بتفسيره ذاكرًا مقدمة الكشاف، ثم التفاسير التي اعتمدت على الكشاف، ثم يتحدث بإيجاز عن منهج الزمخشري في تفسيره.
стр. 97
ويعقد الفصل الثامن للتفسير في العصر الحديث: الذي بدأ من نهاية القرن التاسع عشر الميلادي أو بداية القرن العشرين، وقد شهد تحكم المادية الجاهلية الغربية في العالم وظهر فلاسفة ومفكرون لا دينيون مثل هيجل وماركس ودوركايم، وشهد تقدم أوروبا وتأخر وانحطاط المسلمين، ومن هنا قامت حركات إسلامية دعت الأمة إلى العودة إلى الإسلام وظهرت مدارس فكرية إسلامية انطلقت من تفسير القرآن في إصلاح المجتمع، وأشهر هذه المدارس: مدرسة الشيخ محمد عبده، ويذكر الدكتور صلاح أن الشيخ الذهبي عد الشيخ محمد عبده رائد اللون الأدبي الاجتماعي، بينما عده آخرون مؤسسًا للمدرسة العقلية التي تعتمد على تحكيم العقل تحكيمًا مبالغًا فيه في فهم النص القرآني، وعلى التوفيق بين الإسلام والحضارة الغربية، ومنها مدرسة الإخوان المسلمين التي أسسها الشهيد حسن البنا سنة ١٩٢٨ م، وقد ظهر مفكرون إسلاميون عديدون ينتمون إلى هذه الحركة، منهم: سيد قطب والشيخ سعيد حوى رحمهما الله تعالى.
ويتحدث عن اتجاهات التفسير في العصر الحديث بإيجاز، ومنها الاتجاه الأثري والعقلي والعلمي والاجتماعي والبياني، والاتجاه الدعوي الحركي ويتمثل في (ظلال القرآن) لسيد قطب.
ويعرض لأعلام المفسرين في العضر الحديث ومنهم الشيخ محمد رشيد رضا، فقد عرض الدكتور صلاح لترجمة الشيخ رشيد، ومكانته عند شيخه محمد عبده، ويعرفنا بالتفسير من خلال مقدمة المنار، ويقسم الأجزاء الاثني عشر من تفسير المنار، بالنسبة إلى ما أخذه الشيخ رشيد عن أستاذه الشيخ محمد عبده إلى ثلاثة أقسام:
الأول: التفسير للشيخ محمد عبده نصًّا وروحًا تقريبًا حيث كان ينقل ما قاله شيخه في دروسه وينشره في مجلة المنار، ولما أعده للطباعة عرضه على شيخه فأجازه واعتمده وهذا في الجزء الأول من تفسير المنار.
стр. 98
الثاني: التفسير لمحمد رشيد رضا نصًّا ولمحمد عبده روحًا وهذا في الأجزاء الأربعة التالية حيث كان رشيد رضا يؤلف التفسير وهو متأثر بما ألقاه محمد عبده في دروسه، وهناك فرق بين الجزء الأول والأجزاء الأربعة التالية له، حيث كان الشيخ رشيد يتوسع في التفسير الأثري النظري.
الثالث: التفسير لمحمد رشيد رضا نصًّا وروحًا وفكرًا ومنهجًا، وهذا يظهر في الأجزاء السبعة الباقية، حيث كانت شخصية الشيخ رشيد أوضح ظهورًا في تلك الأجزاء وبدأ يتجه نحو المنهج الجامع للتفسير، ويكثر من التفسير بالمأثور واللغة والتوجيه، وكانت هذه الأجزاء كثر نضوجًا ومنهجية وعلمية وسلفية وموضوعية.
ومن أعلام المفسرين في العصر الحديث الشيخ جمال الدين القاسمي في تفسير محاسن التأويل ويتحدث بإيجاز عن التفسير من خلال مقدمة القاسمي.
ومن الأعلام محمد الأمين الشنقيطي في تفسيره أضواء البيان، حيث يكتفي المؤلف بنقل مقدمة الشنقيطي للتعريف بتفسيره، وكذلك الأمر بالنسبة لتفسير التحرير والتنوير لمحمد الطاهر بن عاشور، والتفسير المنير للدكتور وهبة الزحيلي، حيث يعرفنا بتلك التفاسير من خلال المقدمة التي يضعها المؤلف .. وهو يفرد مبحثًا خاصًّا للحديث عن سيد قطب ومنهجه في تفسير الظلال.
مناقشة الكاتب في بعض ما ذهب إليه:
وما ذكره الدكتور صلاح لا يخلو من مناقشة:
١ - فمن ذلك ذكره أن تفسير القرآن بالقرآن لا يعد ضمن الاتجاه المأثور، ودليل ذلك اسمه الثاني التفسير النقلي وهذا ليس دليلًا لما ذهب إليه، فإن الحديث منقول، وأقوال الصحابة منقولة، ومن قبلهما القرآن الكريم منقول كذلك، وإذا كنا نفسر القرآن بما ورد عن الرسول ﷺ فمن باب أولى أن تفسر آيات القرآن
стр. 99
بعضها ببعض، وقد وجهنا لذلك رسول الله ﷺ ، وصاحب البيت أعلم بما في البيت كما يقولون. ثم إن الأستاذ صلاح عند حديثه عن قواعد التفسير جعل تفسير القرآن بالقرآن الأساس لما بعده من التفسير بالمأثور وجعله القاعدة الأولى له، وهذا يتناقض مع ما ذكره أولًا من أن تفسير القرآن بالقرآن لا يعد ضمن الاتجاه المأثور.
إن تفسير القرآن بالقرآن يمكن أن نعده من المأثور أولًا: إذا صح عن الرسول ﷺ كتفسير الظلم بالشرك في قوله ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾، أو صح منه شيء عن الصحابة رضوان الله عليهم.
ثانيًا: ما لم يحتمل تأويلًا كتفسير الكلمات التي وردت في قوله ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾ بما جاء في سورة الأعراف ﴿قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣)﴾ [الأعراف: ٢٣] وإنما اقتصرت على هذين الأمرين لأننا رأينا الكثيرين يكثرون من تفسير القرآن بالقرآن مع أن ذلك غير مسلم لهم، وهناك تفسيران يحمل كلّ منهما هذا الاسم (تفسير القرآن بالقرآن) أحدهما (أضواء البيان) للعلامة الشنقيطي ﵀، والآخر (التفسير القرآني للقرآن) للأستاذ عبد الكريم الخطيب ولن يستطيع أحد أن يدعي أنهما كذلك.
٢ - يتحدث الكاتب عما يسميه التفسير الأثري النظري، - وهو كما قلت - يعني به الذي يجمع بين التفسير بالمأثور والتفسير بالرأي، ويذكر أن مؤسس هذه الطريقة يحيى بن سلام كما ينقل عن ابن عاشور .. إن هذه التسمية لا تدل لما ذكره فإن الأثري ما يقابل الرأي، والنظري يقابل العملي أو التطبيقى، والتفسير بالمأثور والتفسير بالرأي أظنه كله يدخل تحت هذا القسم النظري. ثم إن ابن جرير الطبري كان الأساس الذي اعتمد عليه المفسرون فيما بعد، وما أظن أن الطبري قد اطلع عل تفسير يحيى بن سلام حتى جعله الأساس لتفسيره، وإلا لأشار إليه رحمهما الله تعالى.
стр. 100
٣ - إن الكاتب - كما قلت - يكتفي لتعريفنا بكتب التفسير بنقل مقدمات المفسرين أنفسهم في الغالب، وما دام الكتاب في مناهج المفسرين وما دام الكاتب قد عرض لهذه التفاسير، فلا بد أن يتحدث عن مناهجهم ولو قليلًا، ولا يكتفي بذكر مقدماتهم كما فعل الذهبي، ومن ذلك مثلًا تفسير الزحيلي، حيث ذكر مقدمته، واكتفى بها، وهذا لا يجوز، إذ لا بد من الإتيان ببعض الآيات التي فسرها، ليكون نموذجًا تطبيقيًا، يعرف القارئ عن طريقه بالكتاب. وكان حريا أن يناقشه، إذ يتحدث الدكتور الزحيلي في مقدمة تفسيره أنه نقل حديثه عن الإعراب من الأنباري، وحديثه عن البلاغة من صفوة التفاسير، وهذا أمر عجب كلّ العجب لا ينبغي ولا يليق بمفسر وكان حريًا به أن لا يجعل لهما - أعني الإعراب والبلاغة - نصيبًا في تفسيره، وهذه القضية سنناقشها في الجزء الثالث من هذا الكتاب إن شاء الله (١).
٤ - يتحدث الكاتب عن التفسير المنحرف، ويذكر أن من الفرق التي حرفت معاني القرآن الكريم فرقة المعتزلة وفرقة الشيعة، ويعد من التفسيرات المنحرفة الجواهر في تفسير القرآن لطنطاوي جوهري، والهداية والعرفان لأبي زيد الدمنهوري، وتفسير القرآن لعبد الكريم الخطيب. وسامح الله الكاتب كيف يذكر تفسير طنطاوي والخطيب مع الدمنهوري، مع أنه يقول إن الدمنهوري معرض خبيث وطنطاوي عالم فاضل .. إن التفسير المنحرف هو الذي انحرف به أصحابه عن جادة الصواب لأغراض خبيثة، وقد سماه الأستاذ الذهبي التفسير الإلحادي، وسماه الأستاذ مصطفى الطير التفسير المَرَضي. إن تفسير الجواهر وإن كان فيه بعض التجاوزات والهفوات، إلا أنه والحق يقال فيه
стр. 101
الكثير من القضايا المفيدة وكذلك الأمر بالنسبة لتفسير الخطيب، والكاتب يرجعنا إلى ما كتبه عبد المجيد المحتسب عن الخطيب، مع أن د. عبد المجيد -كما قلت من قبل- اشتغل في غير فنه، وكتابه مليء بالأخطاء العلمية، والأغلاط والافتراءات، وهو يرى أن الخطيب متأثر بمحمد عبده، وإن كنا لا نرى ذلك من خلال تفسيره.
والطامة الكبرى أن الدكتور صلاح سامحه الله يذكر ضمن المفسيرات المنحرفة تفسير الطبرسي وتفسير الكشاف والبيان، فالطبرسي يكاد يكون معتدلًا، فهو ينقل أقوال المفسرين جميعًا، الشيعة منهم وأهل السنة وهو يعده من أجود تفاسير الشيعة وأكثرها اعتدالًا، فكيف يذكره -إذن- ضمن التفاسير المنحرفة؟
والزمخشري وإن كانت له اعتزالياته في التفسير، فإن أحدًا لا ينكر أنه كان المعتمد في التفسير، وها هي التفاسير بين أيدينا لا نجد تفسيرًا ألف بعد الكشاف إلا وكان الكشاف مرجعه والعلماء يذكرون هذا المفسير ضمن الاتجاه البياني، فكيف يحيف كاتبنا على الإمام الزمخشري، ويغمطه حقه ويجعل تفسيره ضمن التفسيرات المنحرفة؟
٥ - يذكر الكاتب أن الرسول ﷺ لم يفسر من القرآن إلا ما يعلمه العلماء كاستنباط الأحكام واستخراج الدلالات من الألفاظ، بعد أن يذكر تقسيم ابن عباس للتفسير، والذي أنبه عليه أن هذه الرواية لم تثبت عن ابن عباس هذا أولًا، وثانيًا: إذا كان هذا التفسير يعلمه العلماء فلم فسره النبي ﷺ ؟ ولم لجأ إليه الصحابة لسؤاله عن بعض الآيات، والصحابة هم العلماء بالقرآن الكريم وقضاياه! ! .
جزى الله الكاتب على جهده خيرًا
стр. 102
وأيُّ جهد بعد هذا الحشد ؟
وقد يتساءل كثير من الناس بعد هذا التطواف بين هذه المؤلفات لهذه الثلة من الكاتبين، ما الداعي إلى كتبٍ جديدة قد تثقل كاهل القارئ؟ ! وهو تساؤل في محله.
وأجيب عن هذا التساؤل، بأنني من كثر الناس بعدًا عن أن أثقل على القارئ من حيث جيبهُ أو مكتبته أو وقته، والقراء يعلمون، إن وجدت ما يغني في المكتبة، فإني لا أكتب شيئًا. ولكن إذا رجعنا إلى الكتب التي تحدثت عنها، فإننا سنجد أن الكتاب الذي أودّ أن أقدمه إلى القراء، ليس في الكتب السابقة ما يغني عنه، لا لأنني أدّعي أن الكاتبين غير أكفاء، فمعاذ الله وأستغفر الله، ولكنّ هذه الكتب السابقة كان بعضها قد اقتصر فيه مؤلفوه على المقدمات والمبادئ، وبعضها كان الحديث فيها مجملًا وبعضها لم يعرض أصحابها إلى التفسير في العصر الحديث، إلا عرضًا موجزًا وبعضها كان نهج المؤلفين فيها منهجًا وصفيًا فحسب.
أما الكتاب الذي أودّ أن أقدمه للقارئ (اتجاهات التفسير ومناهج المفسرين في العصر الحديث) فليس كتابًا وصفيًا، وإنما سأسير فيه على المنهج التحليلي، مفصلًا فيه كثيرًا من القضايا التي تعني القارئ في هذا العصر، مناقشًا فيه أقوال المفسرين في هذا العصر، بما لا بد منه.
إن كثيرًا من الآراء والمناهج للمفسرين في العصر الحديث، على تعدد مشاربهم واتجاهاتهم، لا بد من تنبيه القارئ على ما فيها من إيجابيات وسلبيات؛ لذا فإن المكتبة القرآنية يظهر أنها بحاجة ماسة إلى دراسة موضوعية لما كتب من تفاسير للقرآن الكريم أو ما كتب حول هذا القرآن. كما أن هناك قضايا كتبت على أنها مسلّمات لا بدّ لها من مناقشة.
стр. 103
الباب الأول التفسير معناه أنواعه ومراحله
وفيه. خمسة فصول:
الأول: التفسير والتأويل والحاجة إليهما.
الثاني: من مراحل التفسير: التفسير قبل عصر التدوين.
الثالث: أنواع التفسير: التفسير الأثري والتفسير بالرأي.
الرابع: الإسرائيليات وموقف العلماء منها.
الخامس: التفسير في عصر التدوين.
стр. 104
الفصل الأول التفسير والتأويل والحاجة إليهما
وفيه مباحث:
المبحث الأول: التفسير والتأويل.
المبحث الثاني: ما روي عن ابن عباس في أقسام التفسير ومناقشته
المبحث الثالث: الحاجة إلى التفسير.
стр. 105
المبحث الأول التفسير والتأويل
معنى التفسير والتأويل والفرق بينهما:
لدى النظر في تاريخ التفسير ونشأته نجد أن العلماء عرضوا للفرق أو التفريق بين كلمتي تفسير وتأوبل، فالتفسير أصله من الفسر، وهو الكشف (١)، ويستعمل في الحسيات والمعنويات. الفسر والسفر كلاهما في معنى الكشف (٢)، إلا أن العلامة الآلوسي في مقدمة تفسيره يقول: "إن ذلك مما لا يسفر له وجه". والذي أراه أن ما ذهب إليه علامة الرافدين من إنكار الصلة بين الفسر والسفر، لا يؤيده فقه اللغة واستعمال ألفاظها.
أما التأويل فهو من الأَوْل، وهو الرجوع ومنه آل إليه الأمر.
وإذا أردنا أن نتعرف الفرق بين هاتين الكلمتين، فإن خير ما يعيننا على ذلك، ويغنينا عن التشعب في القول، وكثرة التخبط في الحديث، كتاب الله، القرآن الكريم حيث ذكرت فيه الكلمتان. أما كلمة (التفسير) فقد وردت في الكتاب الكريم مرة واحدة، في معرض الرد على الكافرين، وهم يثيرون الشبهات حول القرآن. قال تعالى: ﴿وَقَال الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا * وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ [الفرقان: ٣٢ - ٣٣]، أي لا يأتونك بمثل مما يحيك في صدورهم إلا رددناه بأحسن بيان.
стр. 106
أما كلمة (تأويل) فقد وردت في الكتاب العزيز في مواضع متعددة وسياقات مختلفة:
١ - ما يتصل بالمتشابه، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: ٧].
٢ - ما يتصل بتأويل الرؤيا، قال تعالى: ﴿وَقَال يَاأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا﴾ [يوسف: ١٠٠]. وفي السورة نفسها في رؤيا الملك ﴿وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ﴾ [يوسف: ٤٤].
٣ - في تأويل الأعمال وبيان ما يقصد منها، قال تعالى حاكيًا عن العبد الصالح، يخاطب موسى ﵊: ﴿سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ [الكهف: ٧٨]، وبعد أن شرح له ذلك شرحًا تامًّا، قال: ﴿ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ [الكهف: ٨٢].
٤ - وردت كلمة (تأوبل) في صحة ما ينبئ عنه القرآن، وأنه أمر محقق الوقوع. قال تعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾ [يونس: ٣٩].
وإذا تأملنا هذه الآيات الكريمة، نستطيع أن ندرك الدقة في الفرق بين التفسير والتأويل من تعبيرات القرآن نفسها. فالمواضع التي عبر فيها بالتأوبل، بحاجة إلى الرويّة وإعمال الفكر، وإلى عملية عقلية. ولا أدل على ذلك من استعمال كلمة (التأويل) في شأن المتشابه وتأويل الرؤى وأمر موسى ﵇، وما حدث بينه وبين العبد الصالح الخضر.
أخرج الإمام البخاري عن السيدة عائشة ﵂، مرفوعًا إلى رسول الله عليه وآله الصلاة والسلام، عند تفسير قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ [آل عمران: ٧]، فإذا رأيتم الذين يتبعون ما
стр. 107
تشابه منه فأولئك الذين سماهم الله فاحذروهم (١).
ندرك من هذا إذًا أن استعمالات القرآن كما يشير الحس اللغوي، تفرق بين التفسير والتأويل. وإليه ذهب كثير من الكاتيين القدامى (٢) كما يعرف ذلك من كلامهم، ولقد أدرك الراغب الأصفهاني هذا الفرق بفهمه الدقيق للقرآن، فلقد كان ﵀ على قدر عظيم من الثقافة اللغوية والدينية. فذكر في مقدمته (٣) فروقًا بين التفسير والتأويل منها:
١ - أن التفسير أعم. وأن التأويل أخص، وأن هذه الخصوصية أتت من جهتين اثنتين:
أ- إن التفسير بيان غريب الألفاظ، وبيان لفظة يستطاع بها فهم نص متضمن لها. أما التأويل فهو بيان الجمل ومعانيها. وهذا يؤكد ما سبق أن قلناه من أنّ التأويل بحاجة إلى الدقة وإعمال الفكر.
ب- إن التأويل أكثر ما يكون استعماله في الكتب الإلهية، وهذه الكتب بحاجة إلى أن يتروى فيها أكثر من غيرها، فلا يلقى الكلام فيها جزافًا، بخلاف التفسير فإنه يستعمل فيها وفي غيرها.
٢ - أن التفسير يختص بالرواية، والتأويل يختص بالدراية، والرواية لا تحتاج إلى إعمال الفكر، فإنها قول مسلم به ما دام قد ثبتت صحته.
إذا عرفنا هذا فلسنا مع صاحب روح المعاني (٤) الذي ينكر الفرق بين التفسير والتأويل من الناحية اللغوية، وإن كان يفرق بينهما من الناحية العرفية. وهذا
стр. 108
نص عبارته: قال ﵀ بعد أن بين بعض آراء المتقدمين (وعندي أنه إن كان المراد الفرق بينهما بحسب العرف، فكل الأقوال فيه، ما سمعتها وما لم تسمعها، مخالفة للعرف اليوم. إذ قد تعورف من غير نكير أن التأويل إشارة قدسية ومعارف سبحانية، تكشف من سجف العبارات للسالكين، وتنهلّ من سحب الغيب على قلوب العارفين. والتفسير غير ذلك، وإن كان المراد الفرق بينهما بحسب ما يدل عليه اللفظ مطابقة، فلا أظنك في مرية من رد هذه الأقوال، أو بوجه ما فلا أراك ترضى إلا أن في كل كشف إرجاعًا، وفي كل إرجاع كشفًا فافهم) ونستميح العلامة عذرًا وإن كنا لا ندانيه رتبة إن كان فهمنا قد خالف فهمه بل إن ما ذهب إليه ﵀ من الفرق بينهما من حيث العرف، كان في زمنه هو، والعرف يختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة، ويظهر أن العرف في زماننا الآن غير ما ذكره ﵀.
وممّا تقدم، يكون مجال التفسير وميدانه:
أولًا: الروايات التي صحت عن المعصوم صلوات الله وسلامه عليه.
ثانيًا: تفسير الكلمات اللغوية التي هي من الغريب أو ما يشبهه، والتي لا اختلاف في فهمها عند اللغويين.
ومن هنا ندرك السّر فيما دعا به سيدنا رسول الله ﷺ لعبد الله بن عباس ﵄ (اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل) (١) فلا يعقل أن يكون التأويل هو حفظ الروايات عن ظهر قلب.
وإذا أردت أن تتبين الفرق الواضح بين التفسير والتأويل، بعدما قلته ونقلته لك، فإني أذكرك بما ورد عن عبد الله بن عباس ﵄ في قوله سبحانه: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ﴾ [البقرة: ٢٦٦] فقد روى البخاري أن عمر بن الخطاب قال: فيم ترون هذه الآية نزلت، قالوا: الله أعلم،
стр. 109
فغضب عمر فقال، قولوا نعلم أو لا نعلم فقال ابن عباس: (في نفسي منها شيء يا أمير المؤمنين) فقال عمر: يا ابن أخي قل ولا تحقر نفسك، قال ابن عباس (ضربت مثلًا لعمل، قال عمر: أي عمل؟ قال. (لرجل غني يعمل بطاعة الله ، ثم بعث الله له الشيطان فعمل بالمعاصي حتى أغرق أعماله) (١).
وكذلك تفسيره لسورة النصر، فقد قال ابن عباس (كان عمر يدخلني مع أشياخ بدر فكان بعضهم وجد في نفسه، فقال: لمَ يدخل هذا معنا، ولنا أبناء مثله، فقال عمر: إنه من قد علمتم، فدعاني ذات يوم فأدخلني معهم فما رأيت أنه دعاني يؤمئذ إلا ليريهم، قال: ما تقولون في قول الله تعالى ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ فقال بعضهم أمرنا أن نحمد الله ونستغفره إذا نصرنا وفتح علينا، وسكت بعضهم فقال لي: (كذلك نقول يا ابن عباس؟ فقلت: لا، قال فما تقول؟ قلت هو أجل رسول الله ﷺ أعلمه له، قال ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ وذلك علامة أجلك فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا، فقال عمر: ما أعلم منها إلا ما تقول (٢).
فالذي ذكره الحبر من باب التأويل، لا من باب التفسير، لأن التفسير كما قلنا من قبل هو بيان الروايات، أو التفسير اللغوي للكلمات، وما ذكره في تفسير الآية ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ﴾ ليس من قبيل هذا ولا ذاك، حيث بين أنها ضربت مثلًا كما سيمر معنا. أما سورة النصر، فالذي ذكره الصحابة لعمر ﵁ وعنهم جميعًا، وقد سألهم عن هذه السورة كان من قبيل التفسير، إنهم فسروا له الألفاظ التي جاءت في السورة الكريمة -كما سيمر معنا- أما ما فهمه ابن عباس ﵄ فقد كان من باب التأويل، لأنه كان وراء ما يفهم من اللفظ، فقد فهم من السورة الكريمة ما فهم لأن النبي عليه وآله الصلاة والسلام، أرسله الله ليبلغ
стр. 110
الرسالة، وليكوّن أمة، فكانت تلك الغاية من إرساله، فلما تحققت هذه الغاية، وجاء نصر الله والفتح، ودخل الناس في دين الله أفواجًا، فلقد بلَّغْتَ ما عليك أيها النبي، فما عليك إلا أن تشتغل بذكرنا، وأن تلحق بالرفيق الأعلى.
التأويل -إذن- ما يفهم من الآية، وراء ما تعطيه الألفاظ، أي أن نتدبر الآيات، والتدبر أن لا نكتفي بمعنى اللفظ، بل أن نتجاوزه، والتدبر من الدبر وهو الوراء، فالتدبر -إذن- البحث عما وراء الألفاظ ذلكم هو الفرق بين التفسير والتأويل، ولا يظن أحد أن التأويل والتدبر شيء واحد، فقد يكون التأويل طريقًا إلى التدبر، إلا أن التدبر لا بد فيه من التأثر بالقرآن الكريم، ولذلك أثنى الله على المتدبرين، قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ [ص: ٢٩] وذم الذين لا يتدبرون بقوله ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ [النساء: ٨٢] فإذا فتح الله للإنسان باب فهم في كتابه، فأحرى به أن يكون من المتدبرين.
على أن كلتا الكلمتين في أيامنا بدأت تحل محل صاحبتها، بل إن المفسرين الأقدمين في كتبهم استعملوا الكلمتين، فبعضهم سمى مؤلفه تاويلًا، كما هو شأن الزمخشري والبيضاوي، وبعضهم سماه تفسيرًا، والله ولي كل أمر، وهو حسبنا ونعم الوكيل.