← Тараджим

Тараджим · id 145334

المقفى الكبير

المقريزي

Полный текст (3 152 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

ـ[المقفى الكبير]ـ المؤلف: تقي الدين المقريزي (المتوفى: ٨٤٥ هـ = ١٤٤٠ م) المحقق: محمد اليعلاوي الناشر: دار الغرب الاسلامي، بيروت - لبنان الطبعة: الثانية، ١٤٢٧ هـ - ٢٠٠٦ م عدد الأجزاء: ٨ (الأخير فهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ عرّف السخاوي (ت ٩٠٢) التاريخ بأنّه «الوقت الذي تضبط به الأحوال من مولد الرواة والأئمّة ووفات [هم]» (١) فجعل لعلم التراجم المنزلة الأولى. أمّا الحوادث والماجريات فهي منه في المحلّ الثاني: «ويلتحق به ما يتّفق من الحوادث والوقائع الجليلة». ويبرّر هذا التفضيل لفنّ التراجم، أو ما يسمّى أيضا علم الرجال أو الطبقات أو الوفيات، بحاجة المرء إلى التعرّف على تواريخ الرواة في ولاداتهم ووفياتهم، علاوة على أحوالهم الأخرى من صحّة العقل والبدن، ومدى ارتحالهم في طلب العلم من مختلف الأمصار، وتعرّضهم إلى الجرح والتعديل، حتى يعرف مقدار الوثوق بهم وبروايتهم. والرواية المقصودة إنّما هي رواية الحديث النبويّ الشريف، فهو في نظره «أساس الإسلام، وأصل الأحكام، ومبيّن الحلال والحرام» (٢). فلا غرو أن يصبح عنده «علم التاريخ فنّ [ا] من فنون الحديث النبويّ» (٣). وقد أكّد المستشرق فرانز روزنتال، الذي اختصّ بدراسة المؤرّخين المسلمين، على هذه الصلة فقال: «كتب التراجم نشأت بدافع تدعيم علمي الحديث والفقه» (٤). ولا عجب كذلك أن يسمّى كتاب وفيات الأعيان «تاريخ ابن خلّكان». وقبله كان «تاريخ» البخاري كتاب رجال سند، وكذلك طبقات ابن سعد وطبقات خليفة بن خيّاط. تمّ وقع التفريع والاختصاص، إمّا بحسب صنوف العلم: طبقات القرّاء- وفيات النقلة- معجم الأدباء ... وإمّا بحسب المذاهب والنحل: الحنابلة- الشافعيّة- المعتزلة- الصوفيّة ... وإمّا بحسب الأزمنة والعصور: رجال القرنين السادس والسابع (كتاب الروضتين) - البدر الطالع (ما بعد القرن السابع) - تراجم المائة الثامنة (الدرر الكامنة) - الضوء اللامع (تراجم القرن التاسع) إلخ ... وإمّا حسب الأصقاع والبلدان: تاريخ بغداد للخطيب البغدادي- تاريخ دمشق للحافظ ابن عساكر- تاريخ نيسابور- تاريخ مكّة ...

стр. 3

وإلى هذا الصنف ينتسب كتاب «المقفّى» للمؤرّخ المصري الكبير تقيّ الدين المقريزيّ. ولذلك يسمّيه السخاوي نفسه تارة «تاريخ مصر» وتارة «تاريخ المقريزي» (١) مع أنّ المقريزي ألّف أيضا تواريخ في الحوادث والماجريات، منها اتّعاظ الحنفاء وكتاب السلوك. وقد نبّه المقريزي إلى هذه الميزة في المقفّى فقال: «كتابنا الكبير المقفّى هو كتاب تراجم ووفيات، كما أنّ هذا الكتاب (السلوك) كتاب حوادث وماجريات» (٢). فهو كتاب تراجم مصريّة أي تراجم أعيان ولدوا بمصر ونشئوا بها أو طرءوا عليها فتعلّموا بها أو اتّخذوها مقرّا دائما. وقد تفوق نسبة الطارئين والزائرين المارّين نسبة الأصيلين المقيمين، ممّا يبعد الكتاب عن أن يكون «معجما قوميّا» بالمعنى المعاصر للقوميّة، لا سيّما وأنّ الكتاب وصل إلينا مبتور الأوّل والآخر، فلا يمكن لنا أن نعرف منهج المقريزيّ في تصنيفه، ولا الغاية التي قصد إليها، ولا الأسّ الذي بنى عليه اختياره. وأقصى ما نظفر به هو إشارات عابرة في غضون بعض التراجم نفهم منها أنّه يذكر كلّ من عاش بمصر من الأعيان ومن ورد عليها، حتّى من دخلها ميتا في تابوت! ولا نعرف كذلك السرّ في وسمه بالمقفّى؟ وقد لاحظ الصفدي في الوافي (١/ ٦٣) أنّ «المقفّى اسم من أسماء الرسول ﷺ ». فهل ختم به المقريزيّ كتبه كما كان محمد خاتم الرسل؟ . والمقفّى وصل إلينا ناقصا مبتورا، في خمسة أجزاء تتضمّن بعض حروف المعجم دون البعض، زيادة على ما نفتقده فيها من تراجم يصرّح المقريزي نفسه بأنّه أنجزها في الكتاب. وهذه الأقسام تتوزّع كما يلي: - جزء بالمكتبة الوطنية بباريس (٣) يشمل بعض التراجم من حرف الطاء وترجمة وحيدة من الظاء، وجانبا وافرا من حرف العين، عبد الله وأضرابه، دون علي وعمر، والمجموع ١٥٩ ترجمة. - ثلاثة أجزاء بالمكتبة الجامعيّة بليدن (٤) مرتّبة ل ١ ول ٢ ول ٣، تشمل نحو عشرين ترجمة من حرف الهمزة، وترجمتين في الكاف، وثلاثا في اللام، ثم جانبا كبيرا- وربّما كاملا- من المحمّدين. ومجموعها ٢١٢٦ ترجمة (٨٤٨+ ٦٩٥+ ٥٨٣). وهذه الأجزاء الأربعة هي التي عرفها المستشرقون منذ القرن التاسع عشر، وبعض الدارسين في عصرنا الحاضر، فوصفوها ونبّهوا إليها ونشروا أو ترجموا نماذج منها أو مجموعات مختصّة كما فعل الإيطالي أماري بالصقلّيّين من المترجمين (٥) أو حبيب الزيّات بأصحاب النوادر والفكاهات (٦). وهي جميعا مسوّدات بخطّ المقريزيّ كما نبّه إلى ذلك دارسوها الأوّلون مثل دوزي (٧) وكاترومير، وكما يتّضح من مقارنة خطّها بخطّ الصفحات النموذجيّة من مخطوط كتاب السلوك التي صدّر بها المرحوم محمد

стр. 4

مصطفى زيادة طبعته لهذا الكتاب، وهو خطّ مؤلّفه كما بيّن المحقّق. هذا، وسنفصّل الحديث عن هذه المخطوطات «الأوروبيّة» حين نقدّم الكتاب إلى الطباعة. أمّا الآن فنبحث في القسم الخامس- وهو في الواقع الأوّل لأنّه يفتتح بالهمزة ويتواصل حتى الخاء- وهو مخطوط المكتبة السليمية بإسطنبول (١) الذي لم يحظ بكشف ولا وصف، ما عدا وثيقة التثبّت من صحّة عنوانه وصحّة نسبته إلى المقريزي، وهي وثيقة محرّرة سنة ١٢٤٦/ ١٨٢٩ من شخص اسمه عبد الباقي لم يذكر صفته ولا تاريخ الحصول على المخطوط ولا مصدره. وهو مخطوط حقيق بالبحث الدقيق عن طرق وصوله إلى المكتبة التركيّة: فهو الجزء الوحيد، من أقسام المقفّى الخمسة، الذي وصل إلينا في شكل نهائيّ، لا في مسوّدة. وهو ليس مكتوبا بخطّ المقريزي السريع المضطرب، بل هو مكتوب بخطّ أنيق نظيف متأنّ- وإن كان صعب القراءة أحيانا لقصور الناسخ عن فهم الكلمة. ثمّ إنّه أكمل مادّة وأوضح نسقا وأبين تنظيما من أجزاء باريس وليدن: فتراجمه مسترسلة من حرف الهمزة إلى الخاء، دون انقطاع فجائيّ كما في مخطوط ليدن ١ بين الهمزة والكاف، ودون اختصار محيّر كما في مخطوط باريس الذي حصر حرف الظاء في ترجمة ظافر الحدّاد وحده. ولهذا الجزء خاصّيّة أخرى، ولكنّها تبعث على التساؤل: فقد ذكرت فيه كافّة التراجم من حرف الهمزة التي يفتتح بها جزء ليدن ١ - وهي نحو عشرين ترجمة- دون أن تتكرّر في المقابل بقيّة تراجم الهمزة من جزء السليميّة- وهي نحو سبعمائة ترجمة- في جزء ليدن. ومخطوط ليدن هو مسوّدة المؤلّف كما قلنا. فكان من المفروض أن يكون هو الأوفر مادّة: فكيف نفسّر فقره- في حرف الهمزة على الأقلّ- بإزاء ثراء المخطوط التركيّ في هذا الحرف؟ فهل ضاعت منه بقيّة تراجم الهمزة، وما يليها إلى حرف اللام؟ وفي المقابل، من أين استقى ناسخ السّليميّة التراجم الزائدة على مسوّدة ليدن؟ . ولا مانع من أنّ نعتبر أنّ الأصل الذي اعتمد عليه ناسخ المخطوط التركيّ كان أيضا مسوّدة، وربّما كان مسوّدة بخطّ المقريزيّ: فالناسخ أبقى على الثغرات والبياض الذي يترك لتعميره فيما بعد بمعلومة مدقّقة غابت عن المؤلّف عند تحرير «جذاذته» كيوم الوفاة أو شهرها، أو اسم بعض الشيوخ، أو بعض المواضع والبلدان، فأرجأ الإكمال إلى فترة التبييض أو التحرير النهائيّ، ولكنّه مات قبل أن يبيّض أو يكمل الكتاب- ذاك ما يقولهمترجمو المقريزيّ كما سنرى، وذاك ما نلاحظه بكثرة في الأجزاء الأوروبيّة من الكتاب وهي كما قلنا بخطّ المؤلّف. وقد يبلغ البياض أسطرا كثيرة، وقد تقف الترجمة عند قول المؤلّف: ومن شعره ... ولا شعر. بل ربّما اقتصر على تسجيل اسم المترجم دون أيّ معلومة أخرى، في انتظار أن يجمع مادّة الترجمة. وافتراضنا أنّ الأصل الذي نقل عنه مخطوط السليميّة كان هو أيضا مسوّدة، هذا الافتراض يستوجب وجود أكثر من مسوّدة واحدة، نظرا للتفاوت بين هذا الأصل المفترض ومسوّدة ليدن. هذه جملة من التساؤلات في خصوص أصول المقفّى ومدى اكتماله، وطرق انتقاله إلى تركيا وإلى

стр. 5

ليدن وباريس، وخلوّ موطنه الأصليّ- مصر- من أيّة نسخة منه. ولا يمكن الإجابة عنها إلّا بعد نشر الكتاب كاملا- أي بأجزائه المنقوصة الخمسة هذه- وبعد دراسة تراجمه بالتدقيق، والوقوف عند كلّ إشارة شخصيّة من المؤلّف فيه، وتتّبع أثره في كتب التراجم والتواريخ اللاحقة- فنحن نعرف على الأقلّ أنّ السخاوي اطّلع عليه، فالكتاب موجود في بداية القرن العاشر- وكذلك بعد الاطّلاع على مادّة معجمه الآخر، في تراجم معاصريه، الذي سمّاه «درر العقود الفريدة في تراجم الأعيان المفيدة» والذي نسأل الله أن يعيننا على تحقيقه أيضا ونشره (١). وجزء السليميّة يحتوي على نحو ١٤٠١ ترجمة في ٤٤٩ ورقة- أي نحو ٩٠٠ صفحة. وكلّ صفحة تحتوي على ٣١ سطرا، ومقاسها- حسب إشارة المصوّرة التي بأيدينا- ١٨ ٥، ٢٦ سم. والتراجم فيه مسترسلة من الهمزة إلى الخاء دون توقّف ولا استراحة ولا تهوئة. واسم المترجم يكتب بلون مميّز وخطّ غليظ. وبين الفينة والفينة نجد في الطرّة إشارة بخطّ مغاير تنبّه إلى التراجم الهامّة كترجمة إبراهيم بن أدهم أو أحمد ابن تيميّة، أو إلى وجود الترجمة عند ابن حجر، دون إشارة إلى الكتاب المقصود من كتب هذا الحافظ. وقد رأينا- بعد نشرنا مختارات من الكتاب مخصوصة بأعلام من الفترة الفاطميّة بالمغرب (٢) - أن ننشر الكتاب بكامل أجزائه الموجودة. فبدأنا بمخطوط السليميّة لأنه يبدأ بحرف الهمزة- وقد تبرّك المقريزي بإبراهيم خليل الرحمن إذ جعله فاتحة الكتاب. وننشر من هذا المخطوط القسم المشتمل على حرف الهمزة- مادة إبراهيم وأحمد- ثمّ ننشر بعده إن شاء الله بقيّة الأحرف حتّى إذا فرغنا من جزء السليميّة، ثنّينا بمخطوط باريس، ثم نختم بأجزاء ليدن. ونذيّل المجلّد الأخير بفهرس أبجديّ لكافّة المترجمين، وبفهرس عامّ للأعلام المذكورين. أما فهرس كل مجلّد فيسير على ترتيب المؤلّف، وليس ترتيبه أبجديا دائما- فقد بدأ بإبراهيم تبرّكا كما قال، قبل «أبان». ونذكر إثر كلّ ترجمة المصادر الإضافيّة التي استعنّا بها لضبط النصّ وتصويبه وإكماله. فالقارئ يعلم مشقّة التحقيق على نسخة واحدة فريدة، إذ تنعدم المقابلة ويستعصي التثبّت. ولكنّ المقريزي، من

стр. 6

حسن حظّنا- وإن كان ذلك له محلّ تهمة وريبة من السخاوي مثلا- كان ينقل كثيرا، إمّا من كتبه هو كالخطط والاتّعاظ والسلوك، وإمّا من كلام غيره كتاريخ بغداد وتاريخ ابن عساكر وطبقات السبكيّ، وهي كتب مطبوعة. وهكذا فكلّما أضفنا زيادة أو صوّبنا، ذكرنا المصدر المساعد على ذلك، فإذا عجزنا عن التقويم، نبّهنا القارئ إلى ذلك. وفي خصوص التراجم المكرّرة، اكتفينا منها بالأكثر وضوحا والأغزر مادّة، وألغينا مكرّرات الهمزة في مخطوط ليدن ١ فأدمجناها في مخطوط السليميّة. حان الآن أن نعرّف بالمقريزيّ، وهو الغنيّ عن التعريف نظرا لشهرة كتاب الخطط، وكتاب اتّعاظ الحنفاء وكتاب السلوك. فهو تقيّ الدين أحمد بن عليّ بن عبد القادر المقريزيّ. أصل أسرته من بعلبك بلبنان الحاليّ. انتقل أبوه إلى القاهرة فتولّى بعض الخطط الديوانية وولد له بها أحمدنا سنة ٧٦٦ فنشّأه تنشئة أبناء الموسرين فحفظ القرآن وسمع الحديث ولا سيّما على جدّه للأم، وهو المحدّث شمس الدين ابن الصائغ الحنفيّ. أمّا أبوه فكان حنبليا. وعند وفاة والده، تحوّل المقريزي إلى المذهب الشافعيّ. فلعلّه كان يطمح إلى بعض المناصب الديوانية في الدولة المملوكيّة التي تصانع الشوافع، أصحاب المذهب السائد في البلاد. وبالفعل تعلّق المقريزيّ بخدمة الظاهر برقوق ثم ابنه الناصر فدخل معه دمشق وشغل بها عدّة مناصب من نظر دواوين وتدريس، إلّا أنّه رفض منصب القضاء. وحجّ مرارا وجاور بمكّة مدّة وألّف هناك كتبا. وتولّى بالقاهرة وظيفة الحسبة ونظر الجامع الحاكميّ، وخطابة الجامع العتيق بالفسطاط. ولعلّ هذه المناصب المختلفة أثّرت في تكوينه وميوله فنراه في المقفّى، يكثر من تراجم المحدّثين والحفّاظ والفقهاء، وخصوصا الشافعيّين منهم، ويهتمّ فيه وفي غيره من كتبه بأحوال الحياة العامّة من سعر البضائع، وأحكام السوق، والأكيال والموازين. على أنّه لا يهمل الأدب والشعر فهو نفسه أديب بشهادة معاصره ابن حجر فيه: «وله النظم الفائق والنثر الرائق»، لذلك لا يترك فرصة تمرّ دون أن «يتحفنا» بأبيات قاض أو زاهد أو محدّث، وله ولع خاصّ بالكتابة الزخرفيّة التي اشتهر بها القاضي الفاضل ثمّ العماد صاحب الخريدة وابن فضل الله صاحب المسالك، فلا يتردّد في إيراد الفقرات، بل الصفحات، من هذه الصنعة المتعمّلة المتكلّفة، وهي لعمري للمحقّق عذاب، لأنّه لا يتمكّن من تحقيقها، والمصادر الإضافيّة لا تنقلها لأنّ أصحابها- ربّما- لا يشاطرون المقريزي ولعه هذا. وعاد المقريزي إلى القاهرة فاعتزل الوظائف وانقطع ببيته فاشتغل بالتأليف التاريخيّ خاصة، فبلغت مصنّفاته نحو المائتين. غير أنّها متفاوتة الأحجام، فإلى جانب الكتاب الضخم، مثل «السلوك في معرفة دول الملوك» وهو في تاريخ الأيّوبيّين والمماليك (١) نجد الرسالة القصيرة مثل «النزاع والتخاصم بين بني أميّة وبني هاشم» وبإزاء اتّعاظ الحنفاء (٢) وهو في تاريخ الفاطميّين بمصر، نجد «إغاثة الأمّة بكشف الغمّة» في وصف المجاعة والأوباء بمصر في عهود الاضطراب السياسيّ.

стр. 7

ولم تكن اهتماماته مصريّة فقط: فقد ألّف في «بناء الكعبة» وفي ملوك الإسلام بأرض الحبشة، وفي الأوزان والمكاييل، وفي تمجيد آل البيت- دون أن يكون شيعيّا. وأوفر ترجمة له نجدها عند السخاوي في الضوء اللامع (١) وفي «التبر المسبوك» الذي ذيّل به السخاويّ كتاب المقريزيّ: السلوك (٢). إلّا أنّه كما ألمحنا يتحامل عليه كثيرا ويتّهمه بالسطو على مؤلّفات سابقيه والجهل بأخبار الأوّلين والآخرين، حتى إذا وجد ثناء عليه من شيخه ابن حجر قال: إنّه يبالغ! وقد تحدّث عن هذه الحملة المرحوم محمد مصطفى زيادة في ترجمته له (٣). كما ترجم له فرانز روزنتال في دائرة المعارف الإسلامية (٤). وتوفيّ المقريزي في آخر رمضان سنة ٨٤٥. بقيت قضيّة اكتمال الكتاب أو وفاة المؤلّف قبل إتمامه. فقد ذكر السخاوي أنّ الكتاب بلغ ستّة عشر مجلّدا وأنّ المقريزي كان يقول: «لو كمل (المقفّى) على ما أروم لجاوز الثمانين مجلّدا» واستنتج المرحوم الشيّال من هذه الكلمة أن المقريزي «توفيّ قبل أن يتمّه» (٥). ولا نفهم نحن منها أنّه لم يتمّه، بمعنى أنّه توقّف في بعض الحروف ولم يزد. بل نفهم أنّه جمع ما كان ينوي جمعه من التراجم، فأثبتها في مسوّدته، إلّا أنّه ترك فيها ثغرات وبياضا كثيرا، واعتزم أن يعود إليها بالزيادة والإكمال فلم تسعفه المقادير. فعبارة السخاوي تفسّر في نظرنا وجود البياض في الأجزاءالواصلة إلينا، ولكنّها لا تبرّر فقدان حروف كاملة كالدال والذال والراء ... الخ. ولا تبرّر بالخصوص فقدان بعض التراجم التي أعلن المؤلّف عن وجودها في الكتاب (٦). وإنّ هذه لمعضلة أخرى من معضلات هذا الكتاب، نرجو أن يأتينا المستقبل بما يساعد على حلّها، وحسبنا الله ونعم الوكيل. تونس في ١٤ ذي الحجة ١٤٠٨ ٢٨/ ٧/ ١٩٨٨ محمد اليعلاوي

стр. 8

مقدمة الطبعة الثانية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من المعلوم أنّ المقريزي لم يكمل معجمه الكبير «المقفّى» الذي خصّصه للداخلين إلى مصر أو القاطنين بها. ولا نعرف مقدار ما أنجزه منه ولا أشعرنا السخاوي بذلك. على أنّ المؤلّف نفسه ذكر في غضون الكتاب تراجم من حروف مختلفة لم نعثر عليها، لا في النسخ التي وصلت إلينا بخطّه- وهي مخطوطات ليدن الأولى وباريس- ولا في نسخة السليميّة المنقولة عن مخطوط مجهول. وفقدان هذه التراجم المعلن عنها من النسخ التي بنينا عليها طبعتنا الأولى يبعث على الظنّ أنّ المادّة التي أنجزها المقريزي أوفر بكثير من المادّة الحاصلة لدينا. يدلّ على هذه السواقط ما عثرنا عليه في معجمه الثاني «درر العقود الفريدة» المخصّص لأعيان وقته، من تراجم لا تمّت إلى عصره بصلة فألحقناها- وكانت الطبعة الأولى على وشك الظهور- مؤقّتا بالجزء الثامن جزء الفهارس. ويدلّ عليها أيضا ما عثرت عليه مكتبة جامعة ليدن أخيرا من تراجم معروفة- وأخرى مجهولة- بخطّ المقريزي مدرجة في نحو خمسمائة ورقة مضطربة الترقيم متفاوتة الوضوح والتماسك. لم نعلم بهذا الاكتشاف إلّا بعد أن سلّمنا الكتاب إلى الطبع، ولكنّا بادرنا إلى مراسلة السيد ج. ج. ويتكام J.J.Witkam أمين مكتبة جامعة ليدن حتى نشتري نسخة مصوّرة من هذه الورقات التي جاء بها القدر فنلحقها إذا أمكن بطبعتنا. لكنّ الأمين المذكور لم يجبنا لا سلبا ولا إيجابا. وفهمنا حين اطّلعنا على الفصل القصير الذي نشره بدوريّة كيراندوا) Quaerendo المجلّد ٩/ ١ من سنة ١٩٧٩ ص ٣٥٣) سبب سكوته، فقد قال: إنّ حالة الورقات من التفكّك والتداخل وتلطّخها بالموادّ اللزجة لا تسمح بعرضها للجمهور إلا بعد سنوات من الإصلاح والترميم. وكان بإمكانه أن يجيبنا بهذا الجواب أو أن يحيلنا إلى هذه النشريّة. على كلّ حال اقتنينا شريطا من هذه الورقات- وقد سجّلت تحت رقم. OR.١٤.٥٣٣ فاكتشفنا أنّها تتضمّن جانبا كبيرا من تراجم نسخة السليميّة، لا كلّ التراجم- فقد خلت من ترجمة

стр. 9

الحجّاج بن يوسف مثلا والمنصور الفاطميّ ومن كلّ إبراهيم ومن كلّ خالد- وفي المقابل زادت على مخطوط استنبول بنحو سبعين ترجمةلبعض الأحمدين (١) والمماليك وطائفة من الخديجات. وقد بدا لنا من المعقول أن ندرج هذه التراجم الجديدة في الأجزاء المناسبة لحروفها وأن نحوّل التراجم من حرف العين التي وضعناها مؤقتا في آخر الجزء الثامن- جزء الفهارس- إلى مكانها المعقول أيضا وهو الجزء الرابع. ويبقى الجزء الثامن جامعا لفهارس الأجزاء السبعة بزياداتها أو تصويباتها التي أنجزناها بفضل المقارنة مع الأوراق المكتشفة: فقد أصلحنا نصيبا وافرا من الأغلاط، وسددنا كثيرا من الفراغ وصوّبنا قراءات خاطئة اضطرّنا إليها الاعتماد على مخطوطة وحيدة هي من خطّ غير المؤلّف. من تلك النقائص ما نبّه إليه الدكتور ماهر الجرّار (الأبحاث سنة ١٩٩٤ ص ٩٧ - ١٠٦) عند استعراض التراجم الأولى للكتاب فبادرنا إلى تداركها في هذه الطبعة الثانية مع الاعتراف له بالجميل على نقده اللطيف الصريح، وكم وددنا أن يمضي في نقده إلى ما بعد الصفحات الأولى الأربعين! . كما أفادنا صديقنا البشير البكوش محقّق رياض النفوس للمالكيّ وأنموذج الزمان لابن رشيق وكتاب العمر لحسن ح. عبد الوهاب، والدرّة الخطيرة لابن القطّاع بملاحظات صائبة عملنا على اتّباعها، فله أيضا الشكر الجزيل. ولعلّ الأيام تطالعنا- قريبا أو بعيدا- بأجزاء أخرى من المقفّى ضائعة أو مدرجة في غير محلّها فما ذاك على الله بعزيز والحمد لله ربّ العالمين. محمد اليعلاوي تونس، جانفي ٢٠٠٤

стр. 10

مخطوط السليميّة، الورقة ١ ب بسم الله الرحمن الرحيم وبه نثق حرف الألف نبدأ بإبراهيم، تبرّكا بسيّدنا إبراهيم خليل الرحمن صلوات الله وسلامه عليه. ١ - إبراهيم الخليل (١) إبراهيم بن آزر- ويقال لآزر تارح- بن نوحور بن سروغ بن رعو بن فالغ بن عيبر بن شالخ (٢) بن أرفخشاذ بن سام بن نوح بن لامخ بن مثوشالح بن حنوح- وهو إدريس- بن يارذ بن مهلائيل بن قنن بن أنوش بن شيت بن آدم ﷺ وعلى سائر الأنبياء والمرسلين. [ضبط أسماء أجداده]: هذه الأسماء كلّها ليست بعربيّة، وقد خبط في ضبطها كثير من نقلة الأخبار لبعدهم عن معرفة العبرانيّة. والصواب في ذلك ما وقع في التوراة إذ هذه الأسماء ليست ممّا يدخله النسخ والتبديل، وهي هناك كما أوردته لك هنا. وأزيدك أيضا بيانا بضبطها بالحروف، فإنّها إنّما كتبت في التوراة بالقلم العبرانيّ، وقد منّ الله بعد معرفتها بالقلم العبرانيّ أن يسّر ضبطها بالحروف العربيّة: فإبراهيم كان اسمه «أبرام» بفتح الهمزة وسكون الباء الموحّدة وضمّ الراء المهملة ثم ألف بعدها ميم، ومعنى ذلك تقريبا «رفيع القدر» فسمّاه الله تعالى «أبروهام» وصار معناه: أبو جمهور الأحزاب. وعرّبته العرب فقالت: «إبراهيم» بكسر الهمزة وسكون الباء الموحّدة وفتح الراء المهملة وكسر الهاء ثمّ ياء آخر الحروف ساكنة بعدها ميم. وقالت أيضا: «إبراهام» بفتح الهاء، وبهما جاء تنزيل العزيز الحكيم في القرآن المجيد. وسمع أيضا «إبرهم». قال عبد المطّلب بن عبد مناف بن أساف: نحن آل الله في بلدته، لم يزل ذاك على عهد إبرهم. وتارح- بفتح التاء المثنّاة من فوق ثمّ ألف ساكنة بعدها راء مهملة مفتوحة ثم حاء مهملة. ونوحور بضمّ النون وسكون الواو وضمّ الحاء المهملة، وبعدها واو ثمّ راء مهملة. وسروغ بفتح السين المهملة وضمّ الراء المهملة ثمّ واو ساكنة بعدها غين معجمة. ورعو: بضمّ الراء والعين المهملتين ثم واو.

стр. 11

وفالغ بفاء مفتوحة بعدها ألف ثمّ لام مفتوحة وغين معجمة. وهذه الفاء ليست في اللغة. وبعضهم يقول: «فالج» بالجيم. ويقال [ ... ] كما هي في اللغة العربيّة لكنّها بين الفاء والباء الموحّدة [ ... ]. [وعيبر] بكسر العين المهملة وسكون الياء آخر الحروف وفتح الباء الموحّدة [ ... ]. ... من نقلة الأخبار من يقول: «عابر» بفتح العين. وأصله كما ذكرت. وشالح بفتح الشين المعجمة واللام وسكون الحاء المهملة. وأرفخشاذ بفتح الهمزة وسكون الراء المهملة، وفتح الفاء وسكون الخاء المعجمة وفتح الشين ثم ألف بعدها ذال معجمة. وهذه الفاء أيضا بين الفاء والباء. وسام أصله بشين معجمة وعرّب فقيل: بسين مهملة مفتوحة، ثم ألف بعدها ميم. وكثيرا ما تكون الشين المعجمة في العبرانيّة سينا مهملة في اللسان العربيّ. ولامخ بفتح اللام والميم وبعدها خاء معجمة. ومثوشالح بفتح الميم [وضمّ] المثلّثة وسكون الواو وفتح الشين المعجمة بعدها ألف ساكنة ثم لام مفتوحة ثم حاء مهملة كأنّ بعدها ألفا. وحنوخ بحاء مهملة مفتوحة ونون مضمومة بعدها واو ساكنة ثم خاء معجمة. ويرذ- ويقال يارذ- بياء آخر الحروف مفتوحة إذا أشبعت الفتحة صار كأنّ بعدها ألفا ثم راء مهملة مفتوحة بعدها ذال معجمة. وما هللئل بميم مفتوحة بعدها ألف ساكنة ثمّ هاء مفتوحة ولام مفتوحة أيضا ثمّ لام أخرى ساكنة بعدها ألف مهموزة مكسورة كأنما بعدها ياء آخر الحروف ساكنة ثم لام ثالثة. وقنن بقاف مكسورة كأن بعدها ياء آخر الحروف ساكنة ثم نون مضمومة كأن بعدها واو [٢ أ] ساكنة ثم نون أخرى. وأنوش بفتح الهمزة وضمّ النون وسكون الواو ثم شين معجمة. وكان إبراهيم ﵇ من السريانيّين- ويقال: من الكنعانيّين- ملكوا إقليم بابل من الكسدانيّين (١) بعد ما حاربوهم زمانا. فجلب نمروذ أئمّة من الكنعانيين جعلهم في إقليم بابل، منهم أسلاف إبراهيم. فولد ﵇ بكوثى من إقليم بابل. وكان لسانه السريانيّة إلى أن خرج من كوثى، وعبر الفرات من حرّان فغيّر الله لسانه وتكلّم بالعبرانيّ. وقيل: وكانت ولادته بغوطة دمشق، وليس بصحيح. وعن مجاهد قال: «آزر صنم، ليس بأبيه، وفي التوراة: «إبراهيم بن تارح». وهذا قول مردود فقد قال تعالى: وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْناماً آلِهَةً إِنِّي أَراكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ [الأنعام: ٧٤]. وهذا هو الحقّ. وقال بعضهم: آزر هو تارح وأحدهما اسمه والآخر لقب. وليس ببعيد. [و] إبراهيم يكنّى بأبي الضيفان. وعن ابن الكلبيّ: كان أبو إبراهيم من أهل [ ... ] فأصابته سنة فأتى هرمزجرد، ومعه امرأته أمّ إبراهيم ... يوما بنت كرسنا بن كوني من بني أرفخشاذ بن [ ... ] بل أمّه ﵇ أبيونا وأنّها من ولد

стр. 12

إفرايم بن أرعو بن فالغ بن عينو بن أرفخشاذ بن سام بن نوح. ويقال في اسمها: يوما بنت أرغو بن إفرانم. وعن ابن الكلبي: وكان أبو إبراهيم ﵇ على أصنام الملك نمروذ (١) فولد إبراهيم بهرمزجرد. ثم انتقل إلى كوثى من أرض بابل. وعن محمد بن عمر الواقدي: كان بين نوح وآدم ﵇ عشر [ة] قرون، وبين إبراهيم ونوح ﵇ عشر [ة] قرون. فولد إبراهيم خليل الرحمن ﵇ على رأس ألفي سنة من خلق آدم. وعند النصارى: أنّ بين آدم وإبراهيم ثلاثة آلاف ومائة وأربعا وثمانين سنة. ويقال: بأن بين نوح ومولد إبراهيم سبعمائة واثنتين وأربعين سنة [ ... ] وبين ميلاد إبراهيم والطوفان ألف وثلاث وعشرون سنة. وقد صحّ عن نبيّنا محمد ﷺ أنه قال: أنا إبراهيم، فأشبه الناس به صاحبكم، يعني نفسه الكريمة ﷺ . وفي التوراة: أن إبراهيم ﵇ ولد ولأبيه من العمر سبعون سنة، وأن أباه خرج به بعد ما تزوّج بسارة، ومعه لوط أيضا، من بلد الكسدانيّين، إلى حرّان فسكنوها، وبها مات أبوه وعمره خمسون ومائتا سنة. [رؤيا نمروذ بذهاب ملكه على يد إبراهيم]: ويذكر أصحاب القصص أنّ نمروذ لمّا أحكم أمر ملكه، وساس أمر الناس، وأذعن له الكافّة، أخبر أنّه يولد في مملكته مولود ينازعه في ملكه، ويكون سلب ملك نمروذ على يديه. فتجرّد للنظر في ذلك ودعا خيار قومه واختار منهم ستّة، أحدهم آزر أبو إبراهيم، فولّى كلّ رجل منهم خصلة من الخصال التي أسّس أمر ملكه عليها وضمّنها إيّاه وارتهن بها رقبته إن هي ضاعت أو فسدت أو تغيّرت. وقال لهم: أيّها القوم، إنّكم خيار قومي ورؤساؤهم وعظماؤهم، وإنّني لم أزل منذ سست أمر ملكي وأهل مملكتي وهممت بما هممت به فيهم، أعدّكم وأختاركم. وقد دعاني أن أستعين بكم وأشاوركم أنّي قد سست أمر الملك والناس على سبع خصال، وقد ولّيت كلّا منكم خصلة، وجعلت نفسه مرتهنة عندي إن هو لم يحكمها. فانطلقوا واقترعوا عليهنّ، [وما صار] لكلّ منكم في قرعته، فهو واليها ووليّ أهلها، وأنا له عليها وعلى أهلها عون. واعلموا أنّي سست أمر الملك ووطّنت الناس على أنّه لا يعبد إلّا إلا هي وعلى أنّه لا سنّة إلّا سنّتي، وعلى أنّه لا أحد أولى بنفسه وماله منّي، وعلى أنّه لا أحد أخوف فيهم ولا أطوع عندهم منّي، وعلى أنهم يد واحدة على عدوّهم، وعلى أنهم خولي وعبيدي [٢ ب] أحكم فيهم برأيي ومحبّتي، وعلى أنه قد بلغني أنه يولد في هذا الزمان مولود يكابرني ويخلع طاعتي ويرغب عن ملّتي ويغلبني ويقهرني، فأنا سابعكم في هذه الخصلة، وأنا وأنتم وجميع أهل مملكتي كنفس واحدة في طلبه وهلاكه. فمن ظفر به فله عليّ ما احتكم وما تمنّى. فانطلقوا فاقترعوا ثم أعلموني ماذا صار في قرعة كلّ منكم. فلمّا اقترعوا صار في قرعة أبي إبراهيم الآلهة التي يعبدها، فلا يعبد أحد صنما، لا الملك ولا غيره، إلّا صنما عليه طابع أبي إبراهيم، وكان ذلك لطفا من الله تعالى لما أراده من كرامة خليله وإظهاره. فأحكم ذلك أبو إبراهيم، وصار أمينهم لا يتّهمونه ولا يعدلون به غيره. [احتيال أمّ إبراهيم للحفاظ عليه]:

стр. 13

فلمّا حملت أمّ إبراهيم به قالت لأبيه: قد وددت أنّي وضعت ما في بطني غلاما لأحمله أنا وأنت إلى الملك فيتولّى ذبحه: فإنّ الملك أهل لذلك لإحسانه إلينا- وكان ذلك منها مكيدة خدعت بها زوجها فصدّقها. فلمّا حضرت تتمّة ولادتها قالت لزوجها: إنّي قد أشفقت من حملي أن تكون فيه منيّتي، ولست أدري متى يبغتني، وأنا أرغب إليك أن تنطلق إلى الإله الأعظم الذي يعبده الملك فتشفع لي بالسلامة وتعتكف عليه حتى يبلغكخلاصي فترجع- وأرادت بذلك أن تلد وهو غائب فتجعله في سرب (١) تحت الأرض تغيّبه فيه، فإذا رجع زوجها من انعكافه قالت: إنّه قد مات. وكانت عنده أمينة لا يتّهمها. فانطلق حيث أمرته، واعتكف أربعين يوما في قضاء ما أرادته لطفا من الله بإبراهيم. ثمّ بعثت بالرسول إلى أبيه أنّها تجد الوجع فقام يدعو إلهه حتى بلغه أنها وضعت غلاما به عاهة شديدة و [أنّه] مات حال وضعه فاستحيت أن تطلع الناس على ما به فكتمت أمره حتّى قبرته. فعاد وقد سرّ بخلاصها وصدّقها فيما قالت. وجعلت أمّ إبراهيم تختلف إلى إبراهيم وتدخل عليه عشاء وتسقيه ما تحتلبه من النساء اللائي ذبح أولادهنّ، حتّى بلغ الفطام، ففصلته عن اللبن، وكان سريع الشباب. فما زال في السرب حتى بلغ ثلاث عشرة سنة. ثم أخرجته أمّه فلم يشعر به أبوه إلّا وهو قاعد في بيته. فلمّا رآه سأل عنه بعد ما همّ أن يبطش به، فقالت أمّه: هذا ابنك الذي ولد ليالي كنت معتكفا فكتمته عنك في سرب تحت الأرض حتّى بلغ هذا المبلغ. فقال: وما حملك على أن خنتني وخنت نفسك وخنت الملك وأنزلت بنا من البلاء ما لا قبل لنا به؟ قالت: لا يهمّنّك هذا وأنا ضامنة أن تزداد عند الملك كرامة. وإنّما فعلت الذي فعلت نظرا لك ولي ولابنك ولعامّة الناس. وذلك أنّي أضمرت يوم كتمت هذا الغلام أنّي أخفيه حتى يكون رجلا. فإن كان عدوّ الملك قدناه إليه وقلنا: دونك عدوّك قد تمكّنت منه فارحم الناس في بقاء أولادهم، فإنّك أفنيت خولك. وإن لم يكن هو بغية الملك وعدوّه، فلم أذبح ابني باطلا؟ فأعجب ذلك زوجها، وقال: كيف لنا أن نعلم أهو عدوّ الملك أو غيره؟ . فقالت: نحبسه ونعرض عليه دين الملك. فإن أجاب كان رجلا من الناس ليس عليه قتل. وإن عصانا ولم يدخل في ملّتنا أسلمناه إلى القتل. فقال: هذا هو الرأي! وألقى الله سبحانه في قلبه عند ذلك محبّة إبراهيم وزيّنه في عينه فأحبّه حبّا شديدا ونفس به عن القتل واشتدّ بكاؤه رحمة لإبراهيم. وكانت أمّ إبراهيم واثقة بأنّ ابنها إن كان عدوّ القوم فليس أحد يطيق قتله، ورأت أنّه متى نصر ابنها عليهم نجت هي وأهلها. فشجّعها ما ألقى الله في قلبها من ذلك على معصية نمروذ. وقد كان نمروذ يخبر [٣ أ] الناس قبل مولد إبراهيم أنه سيأتي رجل يغلبه ويرغب عن ملّته ويخلع دينه. وكان هذا من قول نمروذ سببا في قوّة أمّ إبراهيم على ارتكاب معصية نمروذ ومخالفة قومها. وكان أبو إبراهيم من شدّة ما ألقاه الله سبحانه في قلبه من محبّة إبراهيم يبالغ في كتمانه ويوصي بذلك أمّه ويقول: ارفقي به ولا تعرّضيه لشيء من أمر الملك فإنّه غلام حدث السنّ لم يجتمع له رأيه

стр. 14

ولا عقله، فإذا بلغ واحتنك (١) حينئذ نقيسه ونختبره نرجو بذلك حادثا يكون فيه الفرج لإبراهيم. [خلع إبراهيم لديانة قومه الوثنيّين]: فلمّا تمادى الحال خلع إبراهيم ذلك كلّه ونابذ قومه في الله ولم يراقب شيئا ولا خاف سوى الله سبحانه. ودعا إلى عبادة الله فبلغ ذلك نمروذ فحبسه في السجن سبع سنين وبنى له جامرا (٢) وأوقده بالحطب الجزل وألقاه فيه. وقال محمد بن جرير الطبري (٣): كان من شأن إبراهيم ﷺ أنّ الله لمّا أراد أن يبعثه حجّة على قومه ورسولا إلى عباده، ولم يكن فيما [بين] نوح وإبراهيم ﵇ نبيّ إلّا هود وصالح، فلمّا تقارب زمان إبراهيم ﵇ طلع كوكب على نمروذ فذهب بضوء الشمس والقمر، ففزع من ذلك ودعا المنجّمين والكهنة والقافة، وسألهم عنه فقالوا له: يخرج من ملكك رجل يكون على يده هلاكك وذهاب ملكك. وكان مسكنه ببابل فخرج من قري [ت] هـ إلى قرية أخرى، وأخرج الرجال وترك النساء وفرّق بينهم وأمر أن لا يولد مولود ذكر إلا ذبح. فكان يذبح أولادهم، ثم بدت له حاجة في المدينة لم يأمن عليها إلّا آزر أبا إبراهيم، فدعاه وأرسله في الحاجة وقال: لا تواقع أهلك! . فقال: أنا أضنّ بديني من ذلك. فلمّا دخل القرية ونظر إلى أهله لم يملك نفسه حتّى واقع زوجته. ففرّ بها إلى قرية بين الكوفة والبصرة يقال لها أود، فجعلها في سرب. وكان يتعهّدها بالطعام والشراب. وإنّ الملك لمّا طال عليه الأمر قال: هذا قول سحرة كذّابين. ارجعوا إلى بلدكم. فرجعوا. وعن وهب: بعث الله تعالى إبراهيم إلى أرض بابل، والغالب عليهم في ذلك الزمان علم النجوم، حتّى إنّ الرجل ليولد له المولود فيقيم طالعه ساعة ولد، فإن كان مسعودا ربّاه، وإن كان منحوسا ذبحه فأتاهم إبراهيم ﵇ فغلب النجوم، فكان يحكم فلا يخطئ، ويحكمون فيخطئون ويكذبون. وقال الله تعالى: فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ* فَقالَ إِنِّي سَقِيمٌ [الصافات: ٨٨ - ٨٩] وأنزل عليه، سبحانه، عشرين صحيفة فيها عشرون كتابا بخطّ السريانيّ. وكان نمروذ والذين اتّبعوه بأرض بابل يعبدون النجوم اتّخذوها آلهة. فقوم يعبدون الشمس، وقوم يعبدون غير ذلك من الدراريّ السبعة (٤) ويزعمون أنها آلهة تملك ضرّهم ونفعهم، وحياتهم وموتهم. فأقام عليهم الحجّة كما أخبر الله تعالى بقوله: فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ [الأنعام: ٧٦] فقالوا: نَعْبُدُ أَصْناماً [الشعراء: ٧١]، وسمّوها بأسماء الدراريّ. فأخذ إبراهيم قدّوما وأتاها ليلا وكسرها وعلّق القدّوم على عنق صنم الشمس وهو أكبرها. فلمّا رأوها قالوا: مَنْ فَعَلَ هذا بِآلِهَتِنا [الأنبياء: ٥٩]، قال رجل منهم: سمعت إبراهيم يذكرها. فأتوا إبراهيم فقالوا: من فعل هذا بآلهتنا يا إبراهيم؟ قال لهم: سلوا كبيرهم هذا إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ [الأنبياء: ٦٣].

стр. 15

[إلقاء إبراهيم في النار]: ثمّ عاد إبراهيم فألقى عليها النار فصارت رمادا. فأخذه نمروذ فرماه في النار. قال قتادة في قوله تعالى: وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [الأنعام: ٧٥] قال: خشي إبراهيم من جبّار الجبابرة فجعل الله تعالى رزقا في أصابعه فكان إذا مصّ أصابعه وجد فيها رزقا. فلمّا خرج أراه الله ملكوت السموات والأرض، وكان ملكوت السموات الشمس والقمر والنجوم، وملكوت الأرض الجبال والشجر [٣ ب] والبحار. وعن ابن عبّاس في هذه الآية: وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ [الأنعام: ٧٥] قال: يعني به الشمس والقمر والنجوم: لمّا رأى كوكبا قال: «هذا ربّي» حتى غاب قالَ لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ* فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بازِغاً قالَ هذا رَبِّي [الأنعام: ٧٦ - ٧٧] حتى غاب، فلمّا غاب قال لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ* فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بازِغَةً قالَ هذا رَبِّي هذا أَكْبَرُ [الأنعام: ٧٧ - ٧٨] حتى [إذا] غابت قالَ يا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ* إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ [الأنعام: ٧٨ - ٧٩]. وعن كعب الأحبار قال: رأى إبراهيم ﵇ قوما يأتون نمروذ الجبّار فيصيبون منه طعاما فانطلق معهم. فكان كلّما مرّ بالنمروذ رجل قال له: «من ربّك؟ » قال: «أنت ربّي! »، وسجد له إعظاما، فأعطاه حاجته. حتّى مرّ به إبراهيم فقال: من ربّك؟ قال: رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قالَ إِبْراهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ [البقرة: ٢٥٨]. وخرج إبراهيم ولم يعطه شيئا. فعمد إبراهيم إلى تراب فملأ به وعاءه ودخل به منزله وأمر أهله أن لا يحلّوه. ووضع رأسه فنام، فحلّت امرأته الوعاء فإذا هو أجود دقيق رأت. فخبزته وقرّبته إليه فقال لها: من أين لك هذا؟ قالت: سرقته من الوعاء. فضحك. ثم حمد الله وأثنى عليه. وقال محمد بن إسحاق: حدّثني أبو الأحوص ابن عبد الله قال: خرج قوم إبراهيم إلى عيد لهم فمرّوا عليه فقالوا: يا إبراهيم، ألا تخرج معنا؟ قال: إِنِّي سَقِيمٌ [الصافات: ٨٩]. وقد كان قال قبل ذلك: وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ [الأنبياء: ٥٧]. فسمعه إنسان منهم. فلمّا خرجوا إلى عيدهم انطلق إلى أهله فأخذ طعاما ثمّ انطلق إلى آلهتهم فقرّبه إليهم فَراغَ إِلى آلِهَتِهِمْ فَقالَ أَلا تَأْكُلُونَ* ما لَكُمْ لا تَنْطِقُونَ* فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِالْيَمِينِ [الصافات: ٩١ - ٩٣] فكسرها إلا كبيرا لهم. ثم ربط في يد [هـ الفأس] الذي كسر به آلهتهم. فلمّا رجع القوم من عيدهم دخلوا فإذا بآلهتهم. فلمّا رجع القوم من عيدهم دخلوا فإذا بآلهتهم قد كسرت، وإذا كبيرهم في يده الفأس الذي كسر به الأصنام. ف قالُوا مَنْ فَعَلَ هذا بِآلِهَتِنا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ [الأنبياء: ٥٩] فقال الذين سمعوا إبراهيم بالأمس يقول: وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ [الأنبياء: ٥٧] سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقالُ لَهُ إِبْراهِيمُ [الأنبياء: ٦٠]. فأخذوه فجاهرهم عند ذلك وقال: أَتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ [الصافات: ٩٥] قالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكُمْ شَيْئاً وَلا يَضُرُّكُمْ* أُفٍّ لَكُمْ وَلِما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ [الأنبياء: ٦٦ - ٦٧]. (قال) فجمعوا له الحطب ثمّ طرحوه وسطه ثمّ أشعلوا النار عليه فقال الله: يا نارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلى إِبْراهِيمَ [الأنبياء: ٦٩].

стр. 16

[مناظرة علميّة بين إبراهيم وقومه]: وقد ذكر أبو بكر أحمد بن عليّ بن قيس بن وحشيّة في «كتاب الفلاحة النبطيّة» الذي عرّبه من اللغة الكسدانيّة: إنّ إبراهيم ﵇ لمّا خالف قومه وجعل الأفعال كلّها في الأرض إنّما تكون من فعل فاعل هو أقوى وأقهر من الشمس وأعلى منها، وكان القوم صابئة يعتقدون أنّ الآثار الموجودة في الأرض كلّها إنّما تصدر عن الكواكب- فمن قولهم: إنّ الشمس هي التي تفيض على الكلّ- فاحتجّوا على إبراهيم لقولهم بما يشاهدونه من إسحاب الشمس بحركتها الدائمة على الأرض. فدفع إبراهيم ذلك وقال: ليس إسحاب الشمس بعلّة، بل العلّة فعل الفاعل بالشمس، وإنّما الشمس بمنزلة الفأس للنجّار. وأنكر أن تكون سخونة الهواء من حركة الشمس وقال: إن كانت الحرارة تصل من الشمس إلى الهواء فتسخنه، فما بال تلك السخونة لا نجدها في الظلّ إذا تحوّلنا عن الشمس إليه؟ فقد كان يجب على قولكم أن نحسّ في الظلّ من السخونة مثل ما نحسّ به إذا كنّا في الشمس تحت شعاعها، لأنّ الهواء منبسط على الأرض متّصل بعضه ببعض. فالجزء الذي [٤ أ] لا يناله شعاع الشمس قبل الجزء الذي يناله، وليس أحد الجرمين بمنفصل عن الآخر، بل هما معا. فاحتجّوا عليه باتّصال الشعاع والتئامه بالهواء في ذلك الجزء، وانقطاعه عن الجزء الذي لا يتّصل به الشعاع، واحتجّوا باللون الناريّ الأحمر الذي يظهر في الجوّ، وقالوا: إنّما هو من توقّد الرطوبة الغالبة على الأرض المتصاعدة إلى الجوّ من حرارة الشمس عند محاذاة جرم الشمس. فزاد إبراهيم عليهم بأن قال: إنّكم مجمعون على أنّ جميع البخارات التي ترتقي من البحار إلى الجوّ إنّما هي رطوبات فما تكاثف منها وتجمّع بالبرد، فإنّه يصير سحابا ممطرا، وما لا يلحقه البرد بقي بخارا راكدا رطبا، لأنّ أصله رطوبة مائيّة لا دهنيّة تقبل حرارة الشمس حتى تتوقّد منها. وإذا كان ذلك البخار كما ذكرنا لم يجز أن يتوقّد ولا يشتعل أبدا لأنّ رطوبته غير موافقة للاشتعال ولا قابلة للالتهاب. فقالوا له: بل تلك الرطوبة الدهنيّة قابلة للتوقّد موافقة للاشتعال، فهي تشتعل لذلك. فقال: هذا محال أن تتوقّد الرطوبة الدهنيّة فتبقى بمكانها طرفة عين. ومحال من وجه آخر هو أوكد: وذلك أنّ الرطوبة المائيّة تستحيل إلى الدهنيّة بطول طبخ الحرارة الليّنة لها بموضع لا ينالها فيه هواء البتة. فهل تكوّنت هذه الرطوبة في بطون الأرض وأطباقها، أم هي رطوبة ظاهرة، ما استحالت إلى الدهنية قطّ؟ فانقطعوا. ونفاه الملك من إقليم بابل بعد استصفاء (١) جميع أملاكه إلى بلاد الشام لئلّا يميل إليه العامّة فيفسد عليه السياسة. وذلك بعد أن ناظرهم وناظروه أيّاما كثيرة وهو محبوس. وليس ما ذكره ابن وحشيّة ببعيد، وهو، وإن كان عند من طالع كتبه ليس من أهل الأديان البتّة، لا أهل الإسلام ولا غيرهم من ملل الأنبياء، فإنّ في هذا الذي حكاه معنى قوله تعالى حكاية عن إبراهيم ﵇: وَحاجَّهُ قَوْمُهُ قالَ أَتُحاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدانِ [الأنعام: ٨٠]، وقوله تعالى: وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ [الأنعام: ٨٣].

стр. 17

[خلاص إبراهيم من النار]: وقال مقاتل: أوّل من اتّخذ المنجنيق نمروذ. وذلك أنّ إبليس جاءهم لمّا لم يستطيعوا أن يدنوا من النار التي أضرموها لرمي إبراهيم فيها، فقال: أنا أدلّكم. فاتّخذ لهم المنجنيق، صنعه له رجل من الأكراد يقال له: هبون. وكان أوّل من صنع المنجنيق، فخسف الله به الأرض. وجيء بإبراهيم ﵇ فخلعوا ثيابه وشدّد رباطه، فوضع في المنجنيق، فبكت السموات والأرض والجبال والشمس والقمر والعرش والكرسيّ والسحاب والريح والملائكة، كلّ يقول: يا ربّ عبدك إبراهيم بالنار يحرق، فائذن لنا في نصرته- فقالت النار وبكت: يا ربّ، سخّرتني لبني آدم، وعبدك يحرق بي! . فأوحى الله إليهم إنّ عبدي إيّاي عبد، وفي جنبي أوذي، إن دعاني أجبته، وإن استنصركم فانصروه. [و] لمّا رمي استقبله جبريل ﵇ بين المنجنيق والنار فقال: السلام عليك يا إبراهيم، أنا جبريل، ألك حاجة؟ فقال: أمّا إليك فلا! حاجتي إلى الله ربّي. فلمّا أن قذف سبقه إسرائيل فسلّط النار على قماطه (١). وقال الله: يا نارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً [الأنبياء: ٦٩]. فلو لم يخلط بالسلام لآذاه البرد. ودخل جبريل معه، وأنبت الله حوله روضة خضراء، وبسط له بساط من درنوك (٢) الجنّة، وأتى بقميص من حلل جنّة عدن فألبس [هـ]، وأجري عليه الرزق غدوة وعشيّا، إسرائيل عن يمينه وجبريل عن يساره. وعن عكرمة في قوله تعالى: قُلْنا يا نارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلى إِبْراهِيمَ [الأنبياء: ٦٩] أنّ نار الدنيا كلّها لم ينتفع بها أحد من أهلها. فلما أخرج الله إبراهيم [٤ ب] من النار، زاده (٣) الله في حسنه وجماله سبعين ضعفا. وعن علي بن أبي طالب ﵁ قال: كانت البغال تتناسل، وكانت أسرع الدوابّ في نقل الحطب لحرق إبراهيم ﵇ فدعا عليها، فقطع الله نسلها. وكانت الضفادع مساكنها القفار، فجعلت تطفئ النار عن إبراهيم. فدعا لها فأنزلها الله الماء. وكانت الأوزاغ تنفث عليه النار فلعنها فصارت ملعونة، فمن قتل منها شيئا أجر! . وعن ابن عبّاس ﵁ قال: لمّا ألقي بإبراهيم ﵇ في النار قال: حسبي الله ونعم الوكيل! . وقال الزبير بن بكّار: حدّثني عبد الرحمن بن المغيرة قال: لمّا رأى الناس أنّ إبراهيم ﵇ لا تحرقه النار قالوا: ما هو إلا عرق الندى ومانعرفه. ألا ترى: ما تضرّه النار ولا تحرقه فسمّي عرق الندى. وقال وهب: فلمّا رأوا الآية الباهرة آمن منهم بشر كثير. فأتى الجمع إلى نمروذ فقالوا: إنّ إبراهيم قد استمال الناس، وقد صبا إليه خلق كثير. فجمع نمروذ وزحف، يريد إبراهيم ومن معه. فأوحى الله إلى إبراهيم: ارحل بمن معك! . [هجرة إبراهيم إلى مصر]: فرفع بامرأته سارة وجميع من آمن به حتّى بلغ مدين فنزل، ونمروذ سائر بجموعه خلفه. فأرسل

стр. 18

الله عليهم جندا من البعوض فأعمى أعين الدوابّ ودخل خياشيم الرجال حتّى ماتوا، وأبقى الله نمروذ، وقد دخلت خيشومه بعوضة فسكنت دماغه حتى كان أحبّ الناس إليه من ضرب رأسه ليكفّ عنه أكل البعوض. ثمّ هلك بعد ذلك. فأوحى الله تعالى إلى إبراهيم بهلاك نمروذ وجنوده. فرفع من مدين إلى مصر فدخلها ليمتار منها، وكان معه ثلاثمائة رجل، وعلى مصر يومئذ عمرو بن امرئ القيس بن سابليون بن سبأ، وهو عبد سعلس بن يشحب بن يعرب بن قحطان. فبلغه قدوم إبراهيم فاستدعاه وأكرمه. ثمّ بلغه جمال سارة امرأة إبراهيم فأمر بإحضارها. فلمّا عاينها افتتن بها وراودها عن نفسها فمنعها الله منه وقبض يده عنها، فردّها إلى إبراهيم وأخدمها هاجر. وسار إبراهيم من مصر. ويروى أنّه لمّا نجّى الله إبراهيم من النار خرج هو وأبوه وسارة زوجته ولوط ابن أخيه إلى حرّان، فأقام بها خمس سنين. فأوحى الله إلى إبراهيم أن اخرج إلى الأرض المقدّسة التي أجعلها لنسلك وأبارك فيها (١) وأعظّم اسمك. فسار ومعه لوط. وكان عمر إبراهيم عند ما هاجر من حرّان خمسا وسبعين سنة. وخرجت معه سارة وجميع مواشيهم وخدمهم، فنزل بهم حيث مدينة القدس. فبنى عند الصخرة مذبحا لله. وكان بالأرض حينئذ غلاء ومجاعة، فتوجّه إلى مصر. وعند ما دنا منها قال لسارة: إنّك امرأة حسناء، فإن رآك المصريّون يقولون: امرأته، فيقتلونني ويأخذونك. قولي: إنّي أخته! . فلمّا دخل مصر رأى أهل مصر سارة وما هي عليه من الجمال. فوصفت لفرعون. وذكر إبراهيم بن وصيف شاه أنّ فرعون إبراهيم اسمه طوطيس بن ماليا بن خربتا بن ماليق بن تدارس بن سبأ، وقد ذكر في موضعه من هذا الكتاب (٢)، وذكرت سارة وما كان من خبرها مع طوطيس، وكيف أخدمها هاجر. ثمّ إنّ إبراهيم ﵇ لمّا ردّ الله إليه سارة خرج بها من مصر بعد ما أقام بها ثلاثة أشهر، وقد أعطتها حوريا ابنة طوطيس [ها] جر وزوّدتها بسلال من جلود فيها زاد، وجعلت تحت الزاد جواهر وذهبا مصوغا مرصّعا. وكان ذلك من حوريا حيلة احتالت بها: فإنّ إبراهيم ﵇ كان قد ردّ عليهم المال الذي حملوه إليه، فيقال: إنّه لمّا أمعن في السير أخرجت سارة بعض تلك السلال، فرأت الجواهر والحلي. فلمّا أعلمت إبراهيم به باع بعضه وحفر من ثمنه البئر التي يقال لها: بئر سبع [٥ أ] بالقرب من غزّة، وجعلها سبيلا. وفرّق بعضه في وجوه البرّ. وكان يضيف كلّ من مرّ به. وكثر ماله من الذهب والفضّة والمواشي. فأمر ابن أخيه لوطا أن يتحوّل بمواشيه عنه خشية أن تقع المشاجرة بين رعاتهما. فسار لوط من أرض المقدس ونزل أرض سدوم، وكان من خبره ما ذكر في ترجمته من هذا الكتاب (٣). [نزوله بحبرون]: ونزل إبراهيم حبرون وهي التي تعرف اليوم ببلد الخليل. فكانت حروب بين ملك سدوم ومن جاوره، فأخذت مواشي لوط. فلمّا بلغ ذلك إبراهيمسار في ثلاثمائة وثمانية عشر رجلا إلى دمشق، وقاتلهم وهزمهم وردّ مواشي لوط إلى سدوم. فتلقّاه ملك سدوم وبالغ في كرامته فلم يقبل منه شيئا، وعاد إلى حبرون.

стр. 19

فلمّا كان بعد عشر سنين من سكناه أرض كنعان ولد له إسماعيل من هاجر. وكانت سارة قد وهبتها له. وعمره يومئذ ستّ وثمانون سنة. فلمّا أتى عليه تسع وتسعون سنة، أوحى الله إليه: إنّي مكثرك جدّا جدّا- فسجد لله. وجاءه الوحي وهو ساجد [ب] تثبيت عهد الله له، وأنّه يكون أبا لشعوب كثيرة. ووعده بأن يملك نسله من بعده دائما. وأمره بالختان وبشّره بولد من ساره. فاختتن إبراهيم وله تسع وتسعون سنة على ما ذكر في التوراة. وخرّج مسلم في صحيحه عن النبي ﷺ أنّه قال: «اختتن إبراهيم وهو ابن ثمانين سنة». ووقع في موطّإ مالك موقوفا على أبي هريرة: وهو ابن مائة وعشرين سنة. وقول رسول الله ﷺ هو الحقّ. وختن ابنه إسماعيل، وله من العمر ثلاث عشرة سنة وعمر إبراهيم مائة سنة. فلمّا فطم صنع إبراهيم مأدبة عظيمة. وغارت سارة عند ذلك من هاجر. فأمرت إبراهيم أن يخرجها هي وابنها، فشقّ ذلك عليه. فأوحى الله إليه يأمره بطاعة سارة، ووعده أن يجعل من إسماعيل وإسحاق شعوبا كبارا. فأخرج خفية هاجر وابنها إسماعيل من عند سارة كما ذكر في ترجمة هاجر (١). وامتحنه الله في ذبح ولده. وقد اختلف في الذبيح فقيل: إسحاق. وقيل: إسماعيل. وماتت سارة فدفنها في مغارة حبرون حيث قبر الخليل اليوم، وتزوّج قطورا فولد لها منه ستّة أولاد، وهم: زمزوم، وبوقاشون، ومازون، ومزيون، ويشبون، وشوسخ. ومات إبراهيم وعمره مائة وخمس وسبعون سنة فدفنه ابناه إسحاق وإسماعيل- بعد ما بعث إليه أبوه إبراهيم وهو مريض، وأقدمه من الحجاز- في مغارة حبرون حيث سارة مدفونة. قال الحسن في قوله تعالى: وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً قالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ [البقرة: ١٢٤] قال: يقول: فعلمهنّ (قال) ابتلاه بالكواكب فرضي عنه. وابتلاه بابنه فرضي عنه. وابتلاه بالهجرة وابتلاه بالختان. وقال قتادة عن ابن عبّاس: ابتلاه بالمناسك. وعنه في قوله [تعالى]: إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً [البقرة: ١٢٤] قال: يقتدى بهداك وسنّتك. وعن سعيد بن المسيّب: كان إبراهيم ﵇ أوّل من اختتن وأوّل من رأى الشيب. قال: ربّي، ما هذا الشيب؟ قال: الوقار. قال: زدني وقارا. وكان أوّل من أضاف الضيف وأوّل من جزّ شاربه وأوّل من قصّ أظفاره وأوّل من استحدّ (٢). ويروى أنه أوّل من لبس السراويل. وقد جاء أنّه أنزلت عليه الصحف في ليلتين في شهر رمضان- وروي: في أوّل ليلة. وعن ابن عبّاس في قوله تعالى: وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ [الحج: ٢٧] قال: لمّا أمر الله إبراهيم أن يؤذّن في الناس بالحجّ قال: يا أيّها الناس، إنّ ربّكم اتّخذ بيتا وأمركم أن تحجّوه- فاستجاب له ما سمعه من حجر أو شجر أو أكمة أو تراب أو شيء فقالوا: لبّيك اللهمّ لبّيك! .

стр. 20

وعن مجاهد قال: لمّا أمر الله ﵎ إبراهيم أن يؤذّن في الناس [٥ ب] بالحجّ قام على المقام فقال: يا عباد الله أجيبوا ربّكم. فقالوا: «لبّيك اللهمّ لبّيك» فمن حجّ من الخلق فهو ممّن أجاب دعوة إبراهيم ﵇. [سبب تسميته «خليل الرحمن»]: وعن مجاهد: حجّ إبراهيم وإسماعيل- ﵉، وهما ماشيان. وجاء مرفوعا: ألا أخبركم لم سمّى الله إبراهيم خليله الذي وفّى؟ - لأنّه كان يقول كلّما أصبح وأمسى: فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ [الروم: ١٧] حتى يختم الآية. وفي رواية قال: وفّى: عمل يومئذ أربع ركعات من أوّل النهار، يعني: صلاة الضحى. وعن الحسن قال: وفّى الله فرائضه. وجاء مرفوعا أنّ الله اتّخذ إبراهيم خليلا لإطعامه الطعام. وجاء أن الله أوحى إلى إبراهيم إنّي لم أتّخذك خليلا على أنّك أعبد عبادي، ولكنّي اطّلعت على قلوب الآدميّين فلم أجد قلبا أسخى من قلبك، فلذلك اتّخذتك خليلا. وقيل: اتّخذه خليلا لطول قيامه بين يديه. وقيل: لقيامه بين يدي الله في الصلاة. وعن وهب قال: لمّا اتّخذ الله إبراهيم خليلا كان يسمع [دقّات] قلبه عن بعد خوفا لله . وعن ابن عبّاس: لمّا اتّخذ الله إبراهيم خليلا [ ... ] له ثلاثمائة عبد أعتقهم وأسلموا فكانوا يقاتلون معه بالقسيّ. فهم أوّل موال قاتلوا مع مولاهم. وفي صحيح مسلم من حديث أنس بن مالك ﵁ أنّ رجلا قال للنبي ﷺ : يا خير البشر- وفي رواية: يا خير البريّة- فقال: ذاك إبراهيم. وجاء أنّ الله أوحى إلى إبراهيم ﵇: يا خليلي، حسّن خلقك ولو مع الكفّار، تدخل مداخل الأبرار، فإنّ كلمتي سبقت لمن حسّن خلقه أن أظلّه في ظلّ عرشي وأن أسقيه من حضيرة قدسي. وجاء أنّه ﵇ كان من أغير الناس، وأنّه كان يصوم ثلاثة أيّام من كلّ شهر. وعن الحسن في قوله: إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتاً [لِلَّهِ حَنِيفاً] [النحل: ١٢٠] قال: الأمّة: الذي يؤخذ عنه العلم. وعن ابن عمر: الأمّة: الذي يعلّم الناس دينهم. وعن ابن مسعود في قوله: إِنَّ إِبْراهِيمَ لَأَوَّاهٌ [التوبة: ١١٤] قال: الأوّاه: الدعّاء. وقيل: الخاشع. وقيل: المؤمن. وقيل: الرحيم. وقيل: كان إذا ذكر النار قال: أوه! أوه! وقيل: الأوّاه: المصدّق. وقيل: كان إذا قال، قال لله، وإذا عمل عمل لله، وإذا نوى نوى لله. وعن مجاهد في قوله: وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ [الشعراء: ٨٤] قال: الثناء الحسن، فليس أمّة إلّا وهي تودّه. وعن قتادة في قوله تعالى: وَجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [الزخرف: ٢٨] قال: التوحيد والإخلاص، لا يزال في ذرّيّته من يوحّد الله . وعن عطاء: كان إبراهيم ﵇ إذا أراد يتغدّى طلب من يتغدّى معه ميلا في ميل. (قال) وأحبّ الطعام إلى الله ما كثرت فيه الأيدي. وعن سعيد: أوّل من خبز الكعك إبراهيم الخليل، خبز للضياف. وكان إبراهيم يطعم طعامه فإذا أكلوا قال: هاتوا ثمنه! فيقولون: وما ثمنه؟

стр. 21

قال: تحمدون الله عليه. وعن مجاهد في قوله تعالى: ضَيْفِ إِبْراهِيمَ الْمُكْرَمِينَ [الذاريات: ٢٤] قال: خدمته إيّاهم بنفسه. وعن وهب بن منبّه: كان في صحف إبراهيم: أيّها الملك المبتلى، إنّي لم أبعثك لتجمع الدنيا بعضها على بعض، ولا لتبني البنيان، ولكن بعثتك لتردّ عنّي دعوة المظلوم، فإنّي أردّها ولو كانت من كافر. وعن محيريز: كانت تجارة إبراهيم الغنم. ٢ - ابن أونبا والي دمشق [- ٦٥٣] (١) إبراهيم بن أونبا بن عبد الله، العادليّ، الصوابيّ، الأمير مجاهد الدين، صاحب الخانقاه بالشرف الأعلى بدمشق. كان أبوه أحد المماليك العادليّة أبي بكر محمد بن أيّوب. وربّي هو في فتية شمس الدين صواب العادليّ فعرف به. ثمّ خدم الملك الصالح نجم الدين أيّوب فأمّره وأقام بها. ثم انتقل من بعده (٢) إلى خدمة [٦ أ] الملك الناصر يوسف ابن العزيز صاحب حلب. فلمّا ملك دمشق جعله والى المدينة. فباشر ولاية دمشق حتى مات- وهو وال- ليلة الأربعاء ثاني عشر شهر ربيع الأوّل سنة ثلاث وخمسين وستّمائة. ودفن بتربته على الشرف القبليّ [ظاهر دمشق]. وترك مائة ألف دينار. وكانت ولايته سنة أربع وأربعين وستّمائة. وكان [أميرا] فاضلا جليلا عاقلا، كثير الصمت والاقتصاد. وهو القائل [المخلّع]: أشبهك الغصن في خصال ... القدّ واللين والتثنّي لكن تجنّيك ما حكاه ... الغصن يجنى وأنت تجني ٣ - إبراهيم بن أحمد الجعفريّ إبراهيم بن أحمد بن إبراهيم بن محمد بن عبيد الله بن موسى بن جعفر الصادق، أبو محمد. ولد بمكّة وقدم [مصر] وأقام بها حتى مات ... [بياض في الأصل]. ٣ م- أبو إسحاق المروزيّ [- ٣٤٠] (٣) إبراهيم بن أحمد بن إسحاق، الشيخ أبو إسحاق، المروزيّ، الشافعيّ، أحد الأئمّة الشافعيّة. تفقّه على ابن سريج وبرع حتّى انتهت إليه الرئاسة. وصنّف كتبا، منها شرح مختصر المزنيّ. وأنجب من الأصحاب جمعا كثيرا. ثم تحوّل في آخر عمره إلى مصر ومات بها ليلة الحادي عشر من شهر رجب سنة أربعين وثلاثمائة. ودفن بالقرب من الشافعي. [وقبره] يتبرّك به إلى الآن. ٤ - أبو عثمان الأندلسيّ إبراهيم بن أبان بن عبد الملك بن عمر بن مروان بن الحكم، أبو عثمان، الأندلسيّ.

стр. 22

قدم مصر. وروى عنه ابن عفير [بياض بالأصل] (١). ٥ - ابن المهرانيّ إبراهيم بن إبراهيم بن مهران، مبارز الدين، أبو إسحاق، ابن حسام الدين، ابن زين الدين، المعروف بابن المهرانيّ [بياض بالأصل]. ومن شعره [الطويل]: أخي لا تلمني في هوى الأسمر العذري ... فقد قام فيه عاذلي في الهوى عذري مليح إذا عاينت صورة وجهه ... شهدت له حسنا يفوق على البدر إذا ما بدا لي حسنه وجماله ... وحقّ ولائي فيه أعدمني صبري ٦ - أبو إسحاق الماذرائيّ الكاتب (٢) [- ٣١٣] إبراهيم بن أحمد أبو إسحاق الماذرائيّ (٣)، الكاتب. قدم إلى مصر من بغداد في دولة بني طولون، وخدمهم في الكتابة لهم. وخرج مع الأمير أبي الجيش خمارويه بن أحمد بن طولون إلى دمشق. فلمّا قتل بها سار إلى بغداد في أحد عشر يوما وأعلم الخليفة المعتضد بالله خبر قتله. وامتدّت أيّامه حتى فلج ومات عن ستّ وسبعين سنة يوم الخميس العاشر من شوّال سنة ثلاث عشرة وثلاثمائة. ٧ - جمال الدين ابن المغربي رأس الأطبّاء [- ٧٥٦] (٤) إبراهيم بن أحمد، ابن المغربيّ، جمال الدين، أبو إسحاق، ابن شهاب الدين، رئيس الأطبّاء. تدرّب في الطبّ وخدم به إلى أن توجّه السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون إلى الكرك، وترك ملك مصر، في سنة ثمان وسبعمائة. [ف] كان ممّن سار معه من مصر، وأقام عنده حتّى عاد إلى المملكة، فجعله رئيس الأطبّاء. وصار يتردّد إليه مع الخاصّكيّة. واختصّ به حتى كان أوّل من يدخل عليه في كلّ يوم قبل كلّ ذي وظيفة على الشمع في السّحر، وينظر في مزاج السلطان، ويسائله عن أحواله في مبيته وعن سائر أعراضه، وعن أحوال الحريم من الخوندات والحظايا، ويتفقّدهنّ. ثم يستخبره السلطان عن أحوال البلد، وما كان من الحجّاب والولاة والمحتسبين والقضاة والأمراء وسائر أرباب الدولة والرعيّة، فيخبره بما عنده من ذلك، وبما تشيعه [٦ ب] العامّة، وعمّن عساه وقع في تلك الليلة في بليّة أو مسك أو أخذ بحقّ أو ظلم، فيصل ذلك إلى السلطان ويعلمه قبل

стр. 23

اشتهاره، فصار لهذا يخشى ويرجى وتقبل شفاعاته وتقضى حوائجه. وكان يجد السبيل إذا أراد عيب أحد من أرباب الدولة لما يناط بهم من الأمور والتصرّف في الأموال، ولا يجد أحد منهم سبيلا إلى عيبه. فلذلك عظمت نعمته وكثرت سعادته وطالت مدّته من غير أن تنزل به نازلة ولا تغيّر عليه السلطان قطّ، فصار قارون قرنه. ولمّا تمكّن النّشو (١) السلطان، أغرى به وأكثر من الطعن عليه بكثرة المال، وعمل أوراقا بما على متاجره من الموجبات التي لم تؤخذ منه قطّ. فجاءت جملة عظيمة من ثمن رصاص وفرو وغير ذلك. فلم يلتفت السلطان إليها وقال له: هذا القاضي جمال الدين لا تؤخّر له شيئا، اطلع الساعة وادفع إليه جميع ما له من المرتّبات. وكان لا يمرّ به يوم خدمة إلّا ويلبس فيه تشريفا، إمّا من جهة السلطان، أو من جهة حريمه، أو من جهة أولاده، أو من جهة الأمراء الأكابر، أو من جهة الخاصّكيّة، إلى غير ذلك من البغال المسرجة الملجمة، والتعابي، والقماش، والجوائز بالمال، والافتقادات، والرواتب اليوميّة والشهريّة والسنويّة، والإنعامات، وجوامك المارستان، والتداريس، ورسوم تزكية الأطبّاء بديار مصر والبلاد الشاميّة، وهدايا الناس، او الربح في المتاجر. فحاز من المال ما يتجاوز الحدّ. ومع ذلك فقد كان مقتصدا في النفقة غاية الاقتصاد. وكان يلازم الخدمة سفرا وحضرا، ويتجمّل في ملبسه ومركبه وحشمه من غلمانه وجواريه بغير إسراف. وكان مليح الوجه ظريف الزيّ. وبلغ من تمكّنه عند السلطان ما لم يبلغه غيره. حتّى كان السلطان في غيبته إذا ذكره، ربّما قال: صاحبنا إبراهيم. ومع ذلك كان لا يتكبّر ولا يعدّ نفسه إلّا من جملة الأطبّاء، ويوقّر رفقته ويجلّ أقدار ذوي السنّ منهم، ويكرم فضلاءهم ويتأدّب في مخاطبتهم، ويحدّثهم بالحسنى، ويتألّف قلوب أكابرهم وأصاغرهم ومسلمهم وذمّيّهم. وكان يبغض ابن الأكفاني ولا ينطق بسوء في حقّه. وكان يحفظ لسانه ويتعمّد ذكر المحاسن، ويتعامى عن المعايب. هذا مع الفضيلة الوافرة في الطبّ علما وعملا، والمشاركة الجيّدة في الهيئة وعلم النجوم والحكمة، وجودة العقل، وجميل المعاشرة. وكان إذا مرض أحد من أعيان الدولة أتاه مرّة واحدة، ثم قرّر له طبيبا يباشره ويطالعه بأعراضه. فإذا برئ من مرضه استوجب عليه ما يليق به. فإذا حصل له إنعام من أحد من الأمراء أو نحوهم، دخل به على السلطان وقبّل الأرض وعرضه عليه. وكان السلطان يعرف كل ما يحصل له ويتحقّق كثرة أمواله. ولمّا ثقل مرض السلطان الذي مات منه انقطع في داره. واتّهم أنّه تمارض حتّى يأمن من التهمة. وتأخّرت وفاته بعد السلطان إلى أن مات يوم [ ... ] ذي القعدة سنة ستّ وخمسين وسبعمائة. وقد ذكر أبوه (٢) وأخوه في مواضعهم.

стр. 24

٨ - أبو العبّاس البصراويّ [٦٠٩ - ٦٩٧] (١) إبراهيم بن أحمد بن عقبة بن هبة الله بن عطاء بن ياسين بن زهير بن إسحاق، القاضي صدر الدين، أبو العبّاس، ابن محيي الدين، البصراوي، الحنفيّ. مولده ببصرى بالشام في ربيع الآخر سنة تسع وستّمائة واشتغل بالفقه على مذهب الإمام أبي حنيفة ﵀، ودرّس بدمشق. وقدم القاهرة. وولي قضاء حلب عوضا عن [ ... ] ثم صرف في [ ... ] وقدم القاهرة، وسعى حتى أعيد إلى القضاء فسار إلى دمشق. ومات بها [٧ أ] قبل وصوله إلى حلب في حادي عشر شهر رمضان يوم السبت سنة سبع وتسعين وستّمائة. ودفن بقاسيون. فعجب الناس من حرصه مع ما كان له بدمشق من الكفاية. ٩ - ابن فليتة الزبيريّ الكاتب [٥٦١ - ] (٢) إبراهيم بن أحمد بن عليّ بن إبراهيم بن الحسين- وقيل: الحسن- ابن محمد بن فليتة بن سعيد بن إبراهيم بن حسين بن مصعب بن الزبير بن العوّام، أبو إسحاق، ابن أبي الحسين، ابن أبي الحسن، ابن أبي إسحاق، الغسّانيّ، الأسوانيّ، الزبيريّ، الصعيديّ، الكاتب. ولد سنة إحدى وستّين وخمسمائة تقريبا، وهو ابن الرشيد بن الزبير (٣). وقتل أبوه وعمره سنتان. روى عنه الحافظ عبد العظيم المنذريّ. وتقلّب في الخدم الديوانيّة. ثمّ تقاصرت أحواله بسبب دين ركبه، فاختفى بسببه (٤). ومن شعره [البسيط]: لله درّ ليالينا بذي سلم ... ومسرح الطلح من سلع إلى إضم وفّى الزمان بوصل في معالمها ... وطائر البين قبل البين لم يحم إذا تذكّرت أيّاما لنا سلفت ... برامتين قرعت السنّ من ندم لهفي على أربع مأهولة نحلت ... نحول جسمي من صدّ ومن سقم فطالما غازلتني في ملاعبها ... غزلان عدوان والأقمار من جشم من كلّ مفترّة عن لؤلؤ يقق ... تشير نحوي بقضبان من العنم إذا بدت خلتها شمس الضحى طلعت ... أو الهلال بدا في حندس الظّلم تهتزّ كالغصن من تيه ومن ترف ... في حلّة من جمال غير مقتسم وأكتم الوجد من خوف الرقيب، وما ... سرّي بخاف ولا وجدي بمكتتم وكتب إلى القاضي الفاضل يشكو [القاضي] المؤتمن [الحسن بن إسماعيل] بن كاسيبويه (٥) [سريع]: يا أيّها المولى الذي لم يزل ... بفضله يذهب عنّا الحزن

стр. 25

قد أصبح المملوك في شدّة ... يعالج الموت من المؤتمن ١٠ - أبو إسحاق العزفيّ [- بعد ٧٣٧] (١) إبراهيم بن أحمد بن محمّد، أبو إسحاق، ابن أبي حاتم، ابن أبي القاسم، ابن أبي العبّاس، المعروف بالعزفيّ، بعين مهملة وزاي معجمة مفتوحتين ثم فاء، نسبة إلى جدّه الأعلى أبي عزفة اللخميّ السبتيّ. ملك أبوه أبو حاتم مدينة سبتة من بلاد الغرب، وقرأ هو النحو على الأستاذ أبي الحسن ابن أبي الربيع. وسمع صحيح مسلم على الأستاذ أبي جعفر ابن الزبير. وقدم مصر حاجّا في سنة تسع وسبعمائة. وعاد إلى بلده بعد حجّه. ومات بها بعد سنة سبع وثلاثين وسبعمائة. ١١ - الشريف إبراهيم الرسّيّ [- ٣٦٩] (٢) إبراهيم بن أحمد بن محمد بن إسماعيل بن القاسم، الرسّيّ، ابن إبراهيم طباطبا بن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، الشريف أبو إسماعيل، ابن أبي القاسم، ابن أبي عبد الله، الحسني، الرسّي، من الرسّ من قرى المدينة النبويّة- قدم مصر واستوطنها. وخرج مع الشريف مسلّم بن عبيد الله فيمن خرج إلى لقاء القائد جوهر عند قدومه من بلاد المغرب بعساكر الإمام المعزّ لدين الله أبي تميم معدّ لأخذ مصر. فلقيه وشهد عليه في المحضر الذي كتبه لأهل مصر (٣). وولي نقابة الأشراف في أيّام العزيز بالله نزار ابن المعزّ لدين الله بعد موت أبيه أبي القاسم أحمد بن محمد الرسّي في [ ... ] شعبان سنة خمس وأربعين وثلاثمائة (٤). وتوفّي وهو نقيب بمصر ثالث عشر- وقيل: حادي عشر [٧ ب] شعبان سنة تسع وستّين وثلاثمائة من علّة ابتدأت به أوّل الشهر. وركب العزيز بالله حتى حضر دفنه بداره. وولّى النقابة بعده ابنه أبا عبد الله الحسين بن إبراهيم الرسّيّ (٥). وكان من أماثل الأشراف بمصر. ومن شعره [الكامل]: أرنو إلى الجوزاء وهي غريقة ... تبغي النجاة ولات حين نجاها والبدر يخفق وسطها، فكأنّه ... قلب لها قد ريع في أحشاها وقال [المتقارب]: عرفت الديار على ما بها ... وأوقفت ركبي على بابها فلم أر فيها سوى بومها ... يصيح جهارا بأترابها

стр. 26

فأعلمني ذاك أنّ الزما ... ن أخنى عليها و [أزرى] بها ١٢ - إبراهيم بن أحمد الكلابيّ [- ٣٠٦] (١) إبراهيم بن أحمد بن محمد بن الحارث بن ديان [أبو] القاسم، الكلابيّ. كان رجلا صالحا فقيها على مذهب الشافعيّ. وكان ثقة من أهل الانقباض والصيانة. روى عن أبي أميّة محمد بن إبراهيم ونصر بن مرزوق، ومحمد بن هشام بن أبي خيرة، والحارث بن مسكين. كتب عنه ابن يونس وقال ما تقدّم ذكره، وأنه توفّي بمصر يوم السبت لسبع خلون من شعبان سنة ستّ وثلاثمائة. ١٣ - عماد الدين المقدسي [٦٢٨ - ٦٩٩] إبراهيم بن أحمد بن محمد بن خلف بن راجح بن بلال بن عيسى بن رزيق بن فتح، عماد الدين، أبو إسحاق، ابن القاضي نجم الدين أبي العبّاس، ابن أبي عبد الله، المقدسيّ، الحنبليّ، سبط الشيخ العماد إبراهيم بن عبد الواحد المقدسيّ، ووالد الفقيه أبي عبد الله محمد بن إبراهيم. ولد بصالحيّة دمشق في العشرين شعبان سنة ثمان وعشرين وستّمائة. وقدم القاهرة، وحدّث بها عن أبيه، وعن الحافظ أبي عبد الله محمد بن عبد الواحد المقدسيّ، وأبي العبّاس إسماعيل بن ظفر، وأبي العبّاس ابن المسلمة، وغيرهم. وكان يندب من جهة القضاة للشهادة بقيمة الأملاك ومسح الأراضي. توفي بدمشق يوم الجمعة الرابع والعشرين من شهر رجب سنة تسع وتسعين وستّمائة. ١٤ - الميمذيّ [- بعد ٣٧١] إبراهيم بن أحمد بن محمد بن عبد الله، أبو إسحاق، الأنصاري، الميمذيّ، القاضي، من ميمذ بفتح الميمين (٢) وبينهما الياء آخر الحروف، وهي آخرها ذال معجمة: من كور أذربيجان. سمع بمكّة أبا بكر [محمد بن إبراهيم] بن المنذر [النيسابوري]. وبمصر أبا إسحاق إبراهيم بن يوسف البخنيقيّ. وبالإسكندرية محمد بن أحمد بن أبي حمّاد الإسكندرانيّ. وسمع بالبصرة والكوفة، وبالجزيرة والقيروان (٣) والرملة وبغداد والأهواز والريّ وغير ذلك من البلاد، جماعة كثيرة. وحدّث في سنة إحدى وسبعين وثلاثمائة. قال الخطيب والسمعاني (٤): إبراهيم هذا غير ثقة. ١٥ - ابن حالومة [- ٧٢٣] (٥) إبراهيم بن أحمد بن محمد بن علي، ناصر الدين، عرف بابن حالومة، العنبريّ، المكّيّ.

стр. 27

سمع على أبي محمد الدمياطي. وتوفّي بدرب الحجاز في ذي القعدة سنة ثلاث وعشرين وسبعمائة. ١٦ - أبو إسحاق الرقّيّ الواعظ (١) [- ٣٤٢] إبراهيم بن أحمد بن محمد، الرقّيّ، أبو إسحاق، الصوفيّ، الواعظ، أحد كبار مشايخ الرقّة وفقهائها. صحب أبا عبد الله ابن الجلّاب، وإبراهيم بن داود القصّار. وكان من أفتى المشايخ، وأحسنهم سيرة. وقدم مصر، وأسند الحديث. فسمع بمصر من أحمد بن عبد الله بن عليّ الناقد وحدّث عنه، وعن أحمد بن مروان المالكيّ، والحسين بن عبد الله القطّان، والجنيد بن محمد وغيرهم. روى عنه تمّام الرازيّ، وأبو الحسين بن جميع وخلق كثير. توفّي سنة ثنتين وأربعين وثلاثمائة. ورآه أخوه أبو علي الحسن بن أحمد، المولود بعد موته، في منامه، فقال له: أوصني! قال: عليك بالقلّة والذلّة حتّى تلقى ربّك. ومن شعره [٨ أ] [الخفيف]: لك منّي على البعاد نصيب ... لم ينله على الدنوّ حبيب أين في ناظري هواك، وقلبي ... والهوى فيه زائغ ومشوب كيف يغني قرب الطبيب عليلا ... أنت أسقمته وأنت الطبيب؟ ١٧ - ابن غانم الدمشقيّ [٦٩٩ - ٧٦١] (٢) إبراهيم بن أحمد بن محمد بن سلمان، أمين الدين، أبو إسحاق، ابن شهاب الدين، المعروف بابن غانم، المقدسيّ الأصل، الدمشقيّ الدار، من بيت رئاسة وكتابة إنشاء. ولد بدمشق في سنة تسع وتسعين وستّمائة، وتأدّب بها، وقال الشعر. وكتب في ديوان الإنشاء بدمشق من سنة تسع وعشرين وسبعمائة. وكان خفيف الروح، فيه دعابة. وله قدرة على بلوغ مآربه، والتوصّل بحسن التأنّي إلى مقاصده، قد ألف التملّق والتواضع للناس حتى صار ذلك له طباعا. وقدم مع أبيه إلى مصر، وأقام عند الفخر ناظر الجيش (٣). وتردّد منها إلى دمشق على البريد مرارا. وتوفّي بدمشق يوم الاثنين ثالث جمادى الآخرة سنة إحدى وستّين وسبعمائة. ١٨ - القاضي البرلّسيّ [- ٧٠٨] (٤) إبراهيم بن أحمد بن ظافر، القاضي برهان الدين، البرلّسيّ، القرشيّ، العمريّ، العدويّ، الفقيه المالكيّ. برع في الفقه على مذهب الإمام مالك ﵀، واشتهر بالمروءة والعصبيّة. وعدّ من رؤساء الديار المصريّة، وباشر عدّة جهات، منها نظر بيت المال. وترشّح لولاية قضاء القضاة المالكيّة بالقاهرة.

стр. 28

وتوفيّ في خامس صفر سنة ثمان وسبعمائة، ودفن بالقرافة، وولي نظر بيت المال بعده نور الدين [ ... ] الزواوي المالكيّ. ١٩ - رئيس المؤذّنين بجامع عمرو [- ٣٦٦] إبراهيم بن أحمد بن عبد الله بن إسحاق بن الخليل، أبو محمّد، المصريّ، رئيس المؤذّنين بجامع عمرو بن العاص بمصر. حدّث وروي عنه. توفّي فجأة في ذي الحجّة سنة ستّ وستّين وثلاثمائة. ٢٠ - ابن صدقة الغرناطي (١) [- ٥٥٨] (٢) إبراهيم بن أحمد بن عبد الله بن صدقة، أبو إسحاق، السلميّ، الأغرناطيّ، عرف بابن صدقة. روى ببلده عن أبي بكر غالب بن عطيّة وغيره. ورحل فسمع بثغر الإسكندريّة من السلفيّ والطرطوشيّ، وبمكّة من غير واحد. وعاد إلى غرناطة وحدّث. فروى عنه أبو بكر ابن أبي زمنين، وأبو القاسم بن سمجون وغيره. وتنافس الناس في الأخذ عنه لفضله وصلاحه. ومات في صفر سنة ثمان وخمسين وخمسمائة. ٢١ - أبو إسحاق البلنسيّ [- ٦٢٠] (٣) إبراهيم بن أحمد بن عبد الله بن محمد بن خيرة، أبو إسحاق، البلنسيّ الخيريّ. قدم مصر، وأخذ عن أبي عبد الله محمد الكركنتيّ، وأبي الطيب عبد المنعم بن حيّان بن خلف الحميريّ وحمّاد الحرّانيّ. وحدّث ببلده. وكان منشغلا بنفسه عن أبناء جنسه. وكان شاهدا عدلا. توفّي في المحرّم سنة عشرين وستّمائة. ٢٢ - إبراهيم الحسينيّ الغرّافي [٦٣٨ - ٧٢٨] (٤) إبراهيم بن أحمد بن عبد المحسن، ابن أبي العبّاس أحمد بن محمد بن عليّ بن الحسن بن عليّ بن جعفر بن إبراهيم بن إسماعيل بن جعفر بن محمد بن إبراهيم بن عبيد الله بن موسى بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن عليّ زين العابدين بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب ﵈، الشّريف عزّ الدين، أبو إسحاق، ابن أبي العبّاس، الحسيني الغرّافيّ- بغين معجمة مفتوحة وراء مهملة مشدّدة، ثم ألف بعدها فاء، نسبة إلى غرّاف، بلدة بواسط- الإسكندريّ، الشافعيّ، الناسخ. ولد بالإسكندريّة لستّ بقين من شهر ربيع الآخر لسنة ثمان وثلاثين وستّمائة. سمع من أبيه، ومن الزين خالد والبادرائي، ومن حليمة بنت أبي الحسن عليّ بن [٨ ب] محمد ابن جمال الإسلام الدمشقيّ، وعن الموفّق بن يعيش النحويّ، وغيره. وخرّج لنفسه، وحدّث بالقاهرة والإسكندريّة، وهو ابن بضع وعشرين سنة، إلى أن مات. وكان رجلا صالحا متوجّها إلى الله تعالى،

стр. 29

منقطعا بالثغر، مقبلا على ما يعنيه، زاهدا، يتقوّت من النسخ، صبورا على الرواية، ذاكرا لمرويّاته. وله معرفة بالفقه على مذهب الإمام الشافعيّ رحمة الله عليه، ومعرفة بالعربيّة. حفظ الوجيز للإمام أبي حامد الغزالي في الفقه، والإيضاح لأبي علي الفارسيّ في النحو. وعجز في آخر عمره عن الحركة. وتوفيّ بالثنر يوم الجمعة الثامن من المحرّم سنة ثمان وعشرين وسبعمائة. وهو أخو المحدّث تاج الدين علي بن أحمد الغرّافي (١). ٢٣ - البرهان ابن الحريريّ الضرير [٧١٠ - ٨٠٠] إبراهيم بن أحمد بن عبد الواحد بن عبد المؤمن بن سعيد بن كامل التنوخيّ، البعلبكّيّ الأصل، الدمشقيّ، نزيل القاهرة. عرف قديما بابن القاضي الحريريّ، وعرف آخرا بالبرهان الشاميّ الضرير، أبو الفداء، وأبو إسحاق، برهان الدين، الشافعيّ. ولد بدمشق سنة عشر وسبعمائة. وأجاز له في سنة ستّ عشرة جماعة تفرّد بالرواية عنهم: أبو نصر محمد بن محمد [بن محمد] بن الشيرازيّ، وأبو زكريا يحيى بن محمد بن سعد، وأبو الفتح محمد بن عبد الرحيم بن النشو، وأبو محمد القاسم بن المظفّر بن عساكر. وسمع من سنة ثمان وعشرين فأكثر عن أبي العبّاس أحمد ابن أبي طالب ابن أبي النعمة بن حسن الحجّار، والحافظ أبي الحجّاج المزّيّ، والحافظ أبي محمد البرزالي، وأبي محمد عبد الله بن الحسين ابن أبي التائب، وزينب بنت الكمال، وجماعة كثيرة. وأخذ بحماة عن قاضيها شرف الدين البارزيّ ولازمه حتى أجازه بالإفتاء في الفقه. وأخذ بحلب عن القاضي شمس الدين ابن النقيب، وأذن له في الإفتاء أيضا. وقدم إلى القاهرة فأكثر من الأخذ عن أثير الدين أبي حيّان، وأجازه بالقراءات السبع بعد ما قرأ عليه. وأخذ القراءات أيضا عن أبي عبد الله محمد بن جابر الوادي آشيّ (٢). وسمع على البدر قاضي القضاة ابن جماعة، وعلى شمس الدين ابن القمّاح، وبحث عليه منهاج النوويّ في الفقه، وأجازه بالإفتاء. وعاد إلى دمشق وقد برع في فنون، فلازم الحافظ أبا عبد الله الذهبيّ، وسمع عليه الكثير. وسمع عليه الذهبيّ أيضا جزءا. ثم عاد إلى القاهرة وسكنها في كنف قاضي القضاة عزّ الدين عبد العزيز بن جماعة. ودرّس الفقه، وأقرأ القراءات. وكان جميل المحاضرة، قويّ الفهم، جيّد الذهن، كثير الاستحضار. ثمّ كفّ بصره وثقل لسانه. وتصدّر للإسماع، فسمع الناس عليه أعواما كثيرة. وخرّج له الحافظ شهاب الدين أبو الفضل أحمد ابن علي بن حجر مائة عشاريّة. ثمّ خرّج له معجما عن خمسمائة شيخ بالسماع والإجازة، قرئ عليه. وتوفّي بعد مرض طويل وزمانة في ذي الحجّة سنة ثمانمائة بالقاهرة. وهو أحد شيوخنا. وقد ذكرته بأبسط من هذا في كتابي «درر العقود الفريدة في تراجم الأعيان المفيدة».

стр. 30

٢٤ - إبراهيم بن أدهم الزاهد [- ١٦١] إبراهيم بن أدهم بن منصور بن يزيد بن جابر بن ثعلبة بن سعد بن حلام بن غزيّة بن أسامة بن ربيعة بن ضبيعة بن عجل بن لجيم بن صعب بن علي بن بكر بن وائل، أبو إسحاق، التميميّ- ويقال العجليّ- البلخيّ، الزاهد، من أبناء ملوك خراسان (١). [شيوخه]: كوفيّ سكن الشام، وقدم مصر زائرا لرشدين بن سعد. روى عن أبيه أدهم، وعن أبان بن أبي عياش (٢)، وعن إبراهيم بن ميمون الصانع، ويزيد بن المرزبان البقّال، وسفيان بن سعيد الثوريّ، وسليمان بن مهران الأعمش (٣)، وشعبة، وعبّاد بن كثير، وعبد الله بن شوذب، وعطاء بن عجلان، والأوزاعيّ، وعبيد الله بن عمرو السبيعيّ، ومالك بن دينار (٤)، ومحمد بن زياد الجمحيّ، ومحمد بن عجلان، وأبي جعفر [٩ أ] محمد بن عليّ بن الحسين (٥)، ومحمد بن الوليد الزبيديّ، ومقاتل بن حيّان، ومنصور بن المعتمر (٦)، وموسى بن عقبة، وموسى بن يزيد البصري، ونهاس بن قهتم، وهشام بن حسّان، ويحيى بن سعيد الأنصاريّ، ويزيد بن أبان الرقاشيّ، وأبي بكر بن أسماء، وأبي عبد الله الخراسانيّ، وأبي عيسى المروزيّ. وروى عنه أبو إسحاق الفزاريّ، وأشعث بن شعبة، وبقيّة بن الوليد [الحمصيّ]، وخازن بن جبلة بن أبي نصر، وخلف بن تميم، وداود بن عجلان، وسعد بن سهل، والثوريّ، وهو من شيوخه، وسلم بن كلثوم، وسهل بن هاشم البيرونيّ، وأبو حيوة شريح بن زيد الحمصيّ، وشقيق بن إبراهيم البلخيّ (٧)، وضمرة بن ربيعة، وعبد الرحمن بن الضحاك الحمصيّ الأوزاعيّ، وهو من شيوخه، وعتبة بن السكن، وعمر بن حفص العسقلانيّ، وعيسى بن خازم، وفضالة بن حصين الضبّيّ، وقطن بن صالح الدمشقيّ، أحد الضعفاء، ومحمّد بن حمير السليحينيّ، ومفضّل بن يونس الكوفيّ، وإبراهيم بن بشّار خادمه (٨). وروى له أبو عيسى بن سودة الترمذي في جماعة، تعليقا فقال: وروى بقيّة بن وليد، عن إبراهيم بن أدهم، عن مقاتل بن حيّان، عن شعب بن حوشب، عن جرير، في المسح على الخفّين. وذكره الإمام أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاريّ في كتاب الأدب خارج الصحيح. وقال النسائيّ: ثقة مأمون، أحد الزهاد. وقال أبو عبد الرحمن محمد بن حسين السلميّ: سألت الدارقطني عنه فقال: إذا حدّث عنه ثقة، فهو صحيح الحديث.

стр. 31

وقال العبّاس الدوريّ: سمعت يحيى بن معين يقول: إبراهيم بن أدهم رجل من العرب من بني عجل، وحديثه ومناقبه كثيرة، وقد دوّنها العلماء. دخل في سياحته إلى الإسكندرية، ولقي بها أسلم بن زيد الجهنيّ، وأخذ عنه كلاما. وقال قتيبة: هو تميميّ كان بالكوفة. ويقال له: العجليّ، كان بالشام. وقال الفضل العلائيّ: أخبرني أبو محمد التماميّ أنّ إبراهيم بن أدهم خرج مع جهضم، من خراسان، هـ[ا] ربا من أبي مسلم فنزل الثغور، وهو من بني عجل. وقال الفضل بن موسى: حجّ أدهم، أبو إبراهيم، بأمّ إبراهيم، وكانت حبلى، فولدت إبراهيم بمكّة. فجعل يطوف به على الخلق في المسجد ويقول: أدعوا لابني أن يجعله الله رجلا صالحا. وقال أبو القاسم عبد الكريم بن هوازن القشيريّ: أبو إسحاق إبراهيم بن أدهم بن منصور من كورة بلخ، وكان من أبناء الملوك، فخرج متصيّدا، فأثار ثعلبا أو أرنبا، وهو في طلبه، فهتف به هاتف «ألهذا خلقت؟ أم بهذا أمرت؟ » ثمّ هتف به من قربوس سرجه: «والله ما لهذا خلقت، ولا بهذا أمرت! » فنزل عن دابّته، وصادف راعيا لأبيه، فأخذ جبّة الراعي، وكانت من صوف، ولبسها، وأعطاه فرسه، وما معه. ثم إنه دخل البادية، ثم دخل مكّة فصحب بها سفيان الثوري، والفضيل بن عياض (١). ودخل الشام ومات بها. وكان يأكل من عمل يده مثل الحصاد وحفظ البساتين وغير ذلك. وإنه رأى في البادية رجلا علّمه اسم الله الأعظم. وكان إبراهيم بن أدهم كبير الشأن في باب الورع. يحكى عنه أنه قال: أطب (٢) مطعمك، ولا عليك أن لا تقوم بالليل ولا تصوم بالنهار. قال: وكان عامّة دعائه: اللهمّ انقلني من ذلّ معصيتك إلى عزّ طاعتك. وقيل لإبراهيم بن أدهم: إنّ اللحم قد غلا. قال: أرخصوه! - أي لا تشتروه. [شروط الصلاح]: وقال أحمد بن خضرويه: قال إبراهيم بن أدهم لرجل في الطواف: اعلم أنك لا تنال درجة الصالحين حتّى تجوز ستّ عقاب: أوّلها: تغلق باب النعمة وتفتح باب الشدّة. والثانية: تغلق باب العزّ وتفتح باب الذلّ. والثالثة: تغلق باب الراحة وتفتح باب الجهد. والرابعة: تغلق باب النوم وتفتح باب السهر. والخامسة: تغلق باب الغنى وتفتح باب الفقر. [٩ ب] والسادسة: تغلق باب الأمل وتفتح باب الاستعداد للموت. وكان إبراهيم بن أدهم يحفظ كرما. فمرّ به جنديّ فقال: أعطنا من هذا العنب! فقال: ما أمر بهذا صاحبه. فأخذ يضربه بسوطه. فطأطأ رأسه وقال: اضرب رأسا طالما عصى الله . فأعجز الرجل، ومضى. وقال سهل بن إبراهيم: صحبت إبراهيم بن أدهم فمرضت. فأنفق عليّ نفقته. واشتهيت شهوة فباع حماره وأنفق عليّ. فلما تماثلت، قلت: يا إبراهيم، أين الحمار؟ قال: بعناه.

стр. 32

قلت: على ماذا أركب؟ قال: يا أخي، على عنقي. فحملني على عنقه ثلاث منازل. وقال إبراهيم بن بشّار [الرطابي: بينا] أنا وإبراهيم ابن أدهم، وأبو يوسف الغسوليّ، وأبو عبد الله السنجاريّ، نريد الإسكندرية، فمررنا بنهر الأردن فقعدنا نستريح. وكان مع أبي يوسف كسيرات يابسات، فألقاها بين أيدينا فأكلنا وحمدنا الله. فقلت: «أسعى أتناول ماء لإبراهيم». فبادر إبراهيم فدخل النهر حتى بلغ الماء إلى ركبتيه، فمال بكفّيه في الماء فملأهما ثمّ قال: باسم الله- وشرب الماء. ثمّ إنه خرج من النهر ومدّ رجليه وقال: يا أبا يوسف، لو علم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه من النعيم والسرور، لجالدونا بالسيوف أيام الحياة على ما نحن فيه من لذيذ العيش وقلّة التعب. فقلت: يا أبا إسحاق، طلب القوم الراحة والنعيم فأخطئوا الطريق المستقيم. فتبسّم، ثمّ قال: من أين لك هذا الكلام؟ وقال خلف بن تميم: سمعت إبراهيم بن أدهم يقول: رآني ابن عجلان فسجد. وقال: أتدري لم سجدت؟ قلت: لا. قال: سجدت شكرا لله حين رأيتك. وقال شقيق بن إبراهيم [البلخيّ]: قلت لإبراهيم بن أدهم: تركت خراسان؟ فقال: ما تهنّأت بالعيش إلّا في الشام، أفرّ بديني من شاهق إلى شاهق. فمن يراني يقول: موسوس، ومن رآني يقول: حمّال. يا شقيق، لم ينبل عندنا من نبل بالحجّ ولا بالجهاد، إنّما نبل من كان يعقل ما يدخل في جوفه من حلّه. وقال خلف بن تميم عن إبراهيم بن أدهم قال: قدمت الشام من أربع وعشرين سنة، ما جئت لرباط ولا لجهاد. فقلت: لم جئت؟ قال: جئت لأشبع من خبز الحلال. وعن إبراهيم أنّه قال: الزهد ثلاثة: زهد فرض، وزهد فضل، وزهد سلامة، فالأوّل: الزهد في الحرام. والثاني: الزهد في الحلال. والثالث: الزهد في الشبهات. وقال: الحزن حزنان: حزن لك وحزن عليك. فالأوّل، حزنك على الآخرة. والثاني حزنك على الدنيا. [الكلام النافع]: وقال أبو إسحاق الفزاري: كان إبراهيم بن أدهم يطيل السكوت، فإذا تكلّم ربما انبسط. فأطال ذات يوم السكوت، فقلت له: لو تكلّمت؟ فقال: الكلام على أربعة أوجه: فمن الكلام كلام ترجو منفعته وتخشى عاقبته، فالفضل في هذا، والسلامة منه. ومن الكلام كلام ترجو منفعته ولا تخشى عاقبته. فأقلّ ما لك في تركه خفّة المؤونة على بدنك ولسانك. ومن الكلام كلام لا ترجو منفعته ولا تأمن عاقبته. فهذا قد كفي العاقل مؤونته. ومن الكلام كلام ترجو منفعته وتأمن عاقبته. فهذا يجب نشره. فقيل لأبي إسحاق: أراه قد أسقط ثلاثة أرباع الكلام. قال: نعم. وعن إبراهيم بن أدهم قال: أعربنا في الكلام

стр. 33

فلم نلحن. ولحنّا في الأعمال فلم نعرب. وعنه أنّه قال: أعزّ الأشياء أخ في الله يؤنس به، ودرهم من حلال، وكلمة حقّ عند سلطان. وقال خلف بن تميم: سمعته ينشد [البسيط]: أرى أناسا بأدنى الدين قد قنعوا ... ولا أراهم رضوا في العيش بالدون فاستغن بالله عن دنيا الملوك كما ... استغنى الملوك بدنياهم عن الدين وقال أبو عبد الله الجوزجاني: غزا إبراهيم في البحر. فقدم أصحابنا فأخبروني أنّه اختلف في الليلة التي توفيّ فيها إلى الخلاء خمسا وعشرين مرّة، كلّ ذلك يجدّد الوضوء للصلاة. فلمّا أحسّ بالموت قال: [١٠ أ] أوتروا لي قوسي- وقبض على قوسه. فقبض الله روحه، والقوس في يده. فدفنّاه في بعض جزائر البحر في بلاد الروم. [وفاته]: وعن البخاري قال: مات إبراهيم بن أدهم سنة إحدى وستّين ومائة، ودفن بحصن ببلاد الروم. وقال أبو داود: سمعت أبا بويه الربيع بن نافع يقول: مات إبراهيم بن أدهم سنة ثمانين ومائة، ودفن على ساحل البحر. وقال أبو سعيد بن يونس: مات سنة اثنتين وستّين ومائة. وقيل: سنة ثلاث وستّين. وقال ابن عساكر: والمحفوظ أنّه مات سنة اثنتين وستّين ومائة. وقال منصور بن سليم (١): توفيّ بالبحرين، وحمل إلى صور فدفن هناسك. ويذكر عنه أنه كان قاعدا في مشرفة بدمشق، فمرّ رجل على بغلة فقال: يا أبا إسحاق، إنّ لي إليك حاجة أحبّ أن تقضيها. فقال: إن أمكنني قضيتها، وإلّا أخبرتك بعذري. فقال له: إنّ برد الشام لشديد، وأنا أريد أن أبدل ثوبيك هذين بثوبين جديدين. فقال: إن كنت غنيّا قبلت منك. وإن كنت فقيرا لم أقبل منك. فقال الرجل: أنا والله كثير المال كثير الضياع. فقال له إبراهيم: فأين أراك تغدو وتروح على بغلتك؟ قال: أعطي هذا وآخذ من هذا، وأستوفي من هذا. فقال إبراهيم: قم، فإنّك فقير، تبتغي الزيادة بجهدك. وقال إبراهيم بن بشّار الطويل: سألت إبراهيم بن أدهم، قلت: يا أبا إسحاق، كيف كان أوائل أمرك حتّى صرت إلى ما صرت إليه؟ قال: غير هذا أولى بك من هذا. قلت: هو كما تقول، رحمك الله، لعلّ الله ينفعنا به يوما. ثم سألته الثانية. قال: لا، ويحك! اشتغل بالله! فقلت له الثالثة: إن رأيت رحمك الله، لعلّ الله ينفعني به يوما ما. [مبدأ تجرّده]: قال: كان أبي من ملوك خراسان، وكان من المياسير. وكان قد حبّب إليّ الصيد. فبينا أنا راكب فرسي، وكلبي معي، رأيت ثعلبا، أو أرنبا- شكّ إبراهيم- فحرّكت فرسي، فسمعت نداء [من ورائي]: يا إبراهيم، ليس لهذا خلقت ولا بهذا أمرت.

стр. 34

فوقفت انظر يمنة ويسرة فلم أر أحدا. قلت: لعن الله إبليس! - وحرّكت فرسي، فسمعت نداء أجهر من الأولى: يا إبراهيم، ليس لهذا خلقت، ولا بهذا أمرت. فوقفت مستمعا انظر يمنة ويسرة فلم أر أحدا، فقلت: لعن الله إبليس! - ثم حرّكت فرسي. فسمعت من قربوس سرجي: يا إبراهيم بن أدهم، والله ما لهذا خلقت، ولا بهذا أمرت. فوقفت وقلت: هيهات هيهات (١)! جاءني النذير من ربّ العالمين، والله لا عصيت ربّي بعد يومي هذا ما عصمني ربّي! . فتوجّهت إلى أهلي فخلّيت فرسي. فجئت إلى بعض رعاة أبي فأخذت منه جبّته وكساءه، وألقيت ثيابي إليه، فلم أزل أرض تضعني وأرض ترفعني حتّى صرت إلى بلاد العراق، فعملت بها أياما، فلم يصف لي شيء من الحلال. فسألت بعض المشايخ عن الحلال، فقال: إن أردت الحلال فعليك ببلاد الشام. [اشتغاله بحراسة البساتين بالشام]: فصرت إلى مدينة يقال لها المنصورة- وهي المصيصة- فعملت بها أيّاما، فلم يصف لي شيء من الحلال. فسألت بعض المشايخ عن الحلال فقال: إن أردت الحلال، فعليك بطرسوس، فإنّ بها المباحات والعمل الكثير. فبينا أنا كذلك قاعد على باب البحر [إذ] جاءني رجل فاكتراني أنطر له بستان [ا]. فتوجّهت معه فمكثت في البستان أيّاما كثيرة. فإذا أنا بخادم قد أقبل، ومعه أصحاب له- ولو علمت أنّ البستان لخادم، ما نطرته- فقعد في مجلسه هو وأصحابه فقال: «يا ناطور! يا ناطور! » فأجبته، فقال: اذهب فائتنا بخير رمّان تقدر عليه وأطيبه. فأتيته. فأخذ الخادم رمّانة فكسرها فوجدها حامضة فقال: يا ناطور، رأيت منذ كذا وكذا تأكل من فاكهتنا ورمّاننا، ما تعرف الحلو من الحامض؟ قلت: والله ما أكلت من فاكهتكم شيئا [١٠ ب] ولا أعرف الحلو من الحامض. فغمز الخادم أصحابه وقال: «أما تعجبون من كلام هذا؟ » وقال لي: تراك لو كنت إبراهيم بن أدهم، [ما] زدت على هذا! . فلمّا كان الغد، حدّث الناس في المسجد بالصفة وما كان. فجاء الناس عنقا (٢) إلى البستان. فلمّا رأيت كثرة الناس، اختفيت، فالناس داخلون، وأنا هارب منهم. فهذا ما كان من أوائل أمري. [إسراؤه إلى الحجّ]: وقال عبد الله بن نوح: حدّثني إبراهيم بن أدهم بابتدائه كيف كان، قال: كنت يوما في مجلس لي له منظرة إلى الطريق، فإذا أنا بشيخ عليه أطمار، وكان يوم [ا] حارّ [ا]. فجلس في فيء القصر ليستريح. فقلت للخادم: اخرج إلى هذا الشيخ فاقرأه منّي السلام، وسله أن يدخل إلينا، فقد أخذ بمجامع قلبي. فخرج إليه، فقام معه، فدخل إليّ وسلّم. فرددت ﵇ واستبشرت بدخوله، وأجلسته بجانبي، وعرضت عليه الطعام، فأبى أن يأكل. فقلت له: من أين أقبلت؟ قال: من وراء النهر. قلت: أين تريد؟ قال: الحجّ إن شاء الله- وكان ذلك أوّل من

стр. 35

العشر أو الثاني (١). فقلت: في هذا الوقت؟ قال: بل يفعل الله ما يشاء. قلت: الصحبة! قال: إن أحببت ذلك- حتى إذا كان الليل، قال لي: قم! فلبست ما يصلح للسفر، وأخذ بيدي وخرجنا من بلخ. فمررنا بقرية لنا فلقيني رجل من الفلّاحين، فأوصيته ببعض ما أحتاج إليه، فقدّم إلينا خبزا وبيضا، وسألنا أن نأكل فأكلنا. وجاءنا بماء فشربنا. ثم قال لي: باسم الله، قم! وأخذ بيدي، فجعلنا نسير، وأنا انظر إلى الأرض تجذب من تحتنا كأنّها الموج. فمررنا بمدينة بعد مدينة، وهو يقول: «هذه مدينة كذا، هذه مدينة كذا، هذه الكوفة». ثم إنّه قال: الموعد ههنا في مكانك هذا في هذا الوقت- يعني من الليل. حتى إذا كان الوقت، إذا به قد أقبل، فأخذ بيدي وقال: باسم الله. (قال) فجعل يقول: هذا منزل كذا، هذا منزل كذا، هذه فيد، وهذه المدينة- وأنا انظر إلى الأرض تجذب من تحتنا كأنّها الموج. فصرنا إلى قبر النبيّ ﷺ فزرناه. ثمّ فارقني وقال: الموعد في الوقت في الليل في المصلّى- حتى إذا كان الوقت خرجت فإذا به في المصلّى. فأخذ بيدي ففعل كفعله في الأولى والثانية، حتى أتينا مكّة في الليل. ففارقني. فقبضت على يده وقلت: الصحبة! فقال: إنّي أريد الشام. فقلت: أنا معك. فقال لي: إذا انقضى الحجّ، فالموعد ههنا عند زمزم- حتى إذا انقضى الحجّ، فإذا به عند زمزم. فأخذ بيدي فطفنا بالبيت. ثمّ خرجنا من مكّة. ففعل كفعله الأوّل والثاني والثالث، فإذا نحن ببيت المقدس. فلمّا دخل المسجد قال لي: عليك السلام، أنا على المقام إن شاء الله ههنا. ثم فارقني. فما رأيته بعد ذلك، ولا عرّفني اسمه. فرجعت إلى بلدي، فجعلت أسير سير الضعفاء منزلا منزلا حتى رجعت إلى بلخ. وكان ذلك أوّل أمري. وفي رواية أحمد بن عبد الله قال: كان إبراهيم من أهل النعم بخراسان. فبينا هو مشرف ذات يوم من قصره إذ نظر إلى رجل بيده رغيف يأكله في فيء القصر. فاعتبر، وجعل ينظر إليه حتّى أكل الرغيف. ثم شرب ماء، ثم نام في فيء القصر. فألهم الله إبراهيم بن أدهم الفكر فيه. فوكّل به بعض غلمانه وقال له: إذا قام هذا من نومه، [ف] جئني به! . فلمّا قام الرجل من نومه، قال له الغلام: صاحب هذا القصر يريد أن يكلّمك. فدخل إليه مع الغلام. فقال له إبراهيم: أيّها الرجل، أكلت الرغيف وأنت جائع؟ قال: نعم. قال: فشبعت؟ قال: نعم. قال: وشربت الماء تلك الشربة، ورويت؟ قال: نعم. قال: ونمت طيّبا بلا شغل ولا همّ؟ قال: نعم. (قال إبراهيم) فما أصنع أنا بالدنيا، والنفس

стр. 36

تقنع بما رأيت؟ [دخوله في السياحة]: فخرج إبراهيم سائحا إلى الله على وجهه. [١١ أ] فلقيه رجل حسن الوجه حسن الثياب طيّب الريح فقال له: يا غلام، من أين؟ قال له إبراهيم: من الدنيا إلى الآخرة. فقال له: يا غلام، أنت جائع؟ قال: نعم. فقام الشيخ فصلّى ركعتين خفيفتين وسلّم، فإذا عن يمينه طعام، وعن شماله ماء. فقال له: كل! فأكل بقدر شبعه، وشرب بقدر ريّه. فقال له الشيخ: اعقل وافهم! لا تحزن ولا تستعجل، فإنّ العجلة من الشيطان. وإيّاك والتمرّد على الله، فإنّ العبد إذا تمرّد على الله أورث الله قلبه الظّلمة والضلالة، مع حرمان الرزق. ولا تسأل الله في أيّ واد [ت] هلك (١). يا غلام، إن الله إذا أراد بعبد خيرا جعل في قلبه سراجا يفرّق به بين الحقّ والباطل. والناس فيه [م] امتشابهون. يا غلام، إنّي معلّمك اسم الله الأعظم، فإذا أنت جعت، فادع الله به حتّى يشبعك، وإذا عطشت فادع الله به حتّى يرويك. وإذا جالست الأخيار فكن لهم أرضا يطئوك، فإنّ الله يغضب لغضبهم، ويرضى لرضاهم. يا غلام، خذ كذي حتى آخذ كذي. (قال) فلم أبرح. فقال الشيخ: «اللهمّ احجبني عنه واحجبه عنّي! » فلم أدر أين أخذ. فأخذت في طريقي ذلك. وذكرت الاسم الذي علّمني، فلقيني رجل حسن الوجه طيّب الريح حسن الثياب، فأخذ بحجزتي وقال لي [ما] حاجتك؟ ومن لقيت في سفرك هذا؟ قلت: شيخا من صفته كذا وكذا، وعلّمني كذا. فبكى. فقلت: أقسمت عليك بالله، من ذلك الشيخ؟ قال: ذاك إلياس ﵇ أرسله الله إليك ليعلّمك أمر دينك. فقلت له: فأنت يرحمك الله، من أنت؟ قال: أنا الخضر. وقال عتبة الخوّاص: سمعت إبراهيم بن أدهم يقول: من أراد التوبة فليخرج من المظالم، وليدع مخالطة من كان يخالطه! وإلّا، لم ينل ما يريد. (وقال) التوبة الرجوع إلى الله بصفاء السرّ. وقال أبو نعيم عن سفيان الثوريّ: إبراهيم بن أدهم كان يشبه إبراهيم خليل الرحمن. ولو كان في أصحاب رسول الله ﷺ لكان رجلا فاضلا. وقال عبد الرحمن بن مهديّ (٢): قلت لابن مبارك: إبراهيم بن أدهم، ممّن سمع؟ فقال: سمع من الناس. ولكن له فضل في نفسه، صاحب سرائر، وما رأيته يظهر تسبيحا ولا شيئا من الخير، ولا أكل من قوم طعاما قطّ، إلّا كان آخر من يرفع يديه من الطعام. وقال أبو الأحوص: رأيت من بكر بن وائل خمسة ما رأيت مثلهم قطّ: إبراهيم بن أدهم، ويوسف بن أسباط، وحذيفة المرعشيّ (٣)، ونعيم العجليّ، وأبا يونس القويّ (٤).

стр. 37

وقال بشر بن الحارث: أربعة رفعهم الله تعالى بطيب المطعم: وهيب الورد (١)، وإبراهيم بن أدهم، ويوسف بن أسباط، وإبراهيم الخوّاص. وفي رواية: ما أعرف عالما إلّا وقد أكل بدينه، إلّا أربعة: وهيب الورد، وإبراهيم بن أدهم، ويوسف بن أسباط (٢)، وسليمان الخوّاص (٣). وقال معاوية بن حفص: إنّما سمع إبراهيم بن أدهم عن منصور حديثا فأخذ به فساد أهل زمانه: سمعت إبراهيم بن أدهم يقول: حدّثنا منصور عن ربعيّ بن خراش قال: جاء رجل إلى النبيّ ﷺ فقال: يا رسول الله دلّني على عمل يحبّني الله عليه ويحبّني الناس. قال: «إذا أردت أن يحبّك الله فأبغض الدنيا، وإذا أردت أن يحبّك الناس فما كان عندك من فضولها فانبذه إليهم». ويروى أنّ إبراهيم بن أدهم جلس إلى بعض العلماء فجعلوا يتذاكرون الحديث، وإبراهيم ساكت. ثم قال: «حدّثنا منصور ... » ثمّ سكت فلم ينطق بحرف حتّى قام من المجلس. فقال بعض أصحابه: يا أبا إسحاق، ابتدأت بالحديث ثمّ قطعت، وقد كان القوم أنصتوا لك؟ فقال: إنّي أخشى مضرّة ذلك المجلس في قلبي إلى اليوم. نا وقيل له [١١ ب]: ما لك ما حفظت كما حفظ أصحابك؟ قال: كان همّي هدى العلماء وآدابهم. ومرّ بالأوزاعيّ وحوله الناس، فقال: على هذا عهدت الناس، كأنّك معلّم وحولك الصبيان. لو أنّ ذي الحلقة عن أبي هريرة لعجز عنهم. فقام الأوزاعيّ وقال: قد سمع سفيان كما سمعنا. ولو شاء أن يسكت كما سكتنا. [انقطاعه إلى الزهد والاستغفار]: وقيل له: لم لا تكتب الحديث؟ قال: إني مشغول بثلاث: أوّلها الشكر على النعم. والثاني: الاستغفار للذنوب. والثالث: الاستعداد للموت. ثمّ صاح وغشي عليه. فسمع صوت ولا يرى شخص: لا تدخلوا بيني وبين أوليائي! وفي رواية أنّه مرّ بسفيان الثوريّ وهو قاعد مع أصحابه، فقال له سفيان: تعال حتى أقرأ عليك علمي! قال: إنّي مشغول بثلاث- ومضى. فقال سفيان لأصحابه: ألا سألتموه ما هذه الثلاث؟ ثمّ قام سفيان ومعه أصحابه حتى لحق إبراهيم فقال له: قلت: إنّي مشغول بثلاث عن طلب العلم، فما هذه الثلاث؟ فقال: إنّي مشغول بالشكر لما أنعم [به] عليّ، والاستغفار لما سلف من ذنوبي، والاستعداد للموت. فقال سفيان: ثلاث، وأيّ ثلاث! وقال مسلم بن مهران: كان إبراهيم بن أدهم إذا سئل عن العلم جاء بالأدب. ويروى عن أبي حنيفة ﵀ أنه قال لإبراهيم ابن أدهم: رزقت من العبادة شيئا صالحا، فليكن العلم من ذلك فإنّه رأس العبادة، وبه قيام الدين. وقال أبو عثمان الأسود، وكان قد رافق

стр. 38

إبراهيم بن أدهم أربع عشرة سنة: حججت فلقيت عبد العزيز ابن أبي دؤاد، فقال لي: ما فعل أخوك إبراهيم بن أدهم؟ قلت: بالشام، في موضع كذا وكذا. فقال: أما إنّ عهدي به وإنّه ليركب بين يديه ثلاثون شاكريّا (١) بخراسان. ولكنّه أحبّ أن يتبحبح في الجنّة. وقال أبو الوليد صاحب إبراهيم بن أدهم: كان إبراهيم بن أدهم وأصحابه يمنعون أنفسهم أربع إرادات: الماء، والحذاء، والحمّامات، ولا يجعلون في الملح أبزارا. وقال إبراهيم بن أدهم: الجوع مرق القلب. وقال: قلب المؤمن أبيض نقيّ على مثال المرآة، فلا يأتيه الشيطان من ناحية من النواحي بشيء من المعاصي إلّا نظر إليه كما ينظر إلى وجهه في المرآة. وإذا أذنب ذنبا نكت في قلبه نكتة سوداء. فإن تاب من ذنبه محيت النكتة من قلبه وانجلى. وإن لم يتب وعاود أيضا وتتابعت الذنوب ذنب [ا] بعد ذنب، نكت في قلبه نكتة بعد نكتة حتّى يسودّ القلب، وهو قول الله : كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ [المطففين: ١٤] قال: الذنب بعد الذنب حتّى يسوّد القلب، فما أبطأ ما تنجع في هذا القلب المواعظ! فإن تاب إلى الله قبله الله وانجلى عن قلبه كجلاء المرآة. وعن بقيّة بن الوليد [الحمصيّ] قال (٢): دعاني إبراهيم بن أدهم إلى طعام له، فأتيته، فجلس هكذا- ووضع رجله اليسرى تحت إليته، ونصب رجله اليمنى، ووضع مرفق يده عليها- ثمّ قال لي) يا أبا محمّد، تعرف هذه الجلسة؟ قلت: لا. قال: هذه جلسة رسول الله ﷺ ، كان يجلس جلسة العبيد، ويأكل أكل العبيد. خذوا باسم الله! . [شواهد من تقشّفه]: فلمّا أكلنا قلت لرفيقه: أخبرني عن أشدّ شيء مرّ بك منذ صحبته؟ قال: نعم. كنّا يوما صياما، فلمّا كان الليل لم يكن لنا شيء نفطر عليه. فلمّا أصبحنا، قلت: يا أبا إسحاق، هل لك أن نأتي باب الرستن (٣) فنكري أنفسنا مع هؤلاء الحصّادين؟ فأتينا باب الرستن، فجاء رجل فاكتراني بدرهم. فقلت: صاحبي؟ فقال: لا حاجة لي بصاحبك. أراه ضعيفا. فما زلت به حتّى اكتراه بأربعة دوانق. فحصدنا يومنا ذلك. فأخذت كراءنا فأتيت السّوق فاشتريت حاجتي وتصدّقت بالباقي. فهيّأته وقرّبته إليه. فلمّا نظر إليه بكى. فقلت: ما يبكيك؟ فقال: أمّا نحن فقد استوفينا أجورنا. فليت شعري، أوفينا صاحبنا أم لا؟ فغضبت. فقال: ما يغضبك؟ أتضمن لي أنّا [١٢ أ] وفينا صاحبنا؟ فأخذت الطعام فتصدّقت به. فهذا أشدّ شيء مرّ بي مذ صحبته. وقال أبو عيسى النخعيّ: رأيت إبراهيم بن أدهم بمكّة عجن عجينا ثم جعل يأكله.

стр. 39

وقال ضمرة بن ربيعة: سمعت إبراهيم بن أدهم يقول: أخاف أن لا يكون لي أجر في تركي أطايب الطعام، لأنّي لا أشتهيه- وكان إذا جلس على سفرة فيها طعام طيّب رمى بما وقع بين يديه إلى أصحابه وأكل هو الخبز والزيتون. وقال أبو حفص العسقلانيّ: شهدت إبراهيم ابن أدهم، فدعاه رجل من أصحابه قد تزوّج. فجلس بيني وبينه رجل. ثمّ أتينا بقصعة ثريد ولحم. فرأيت إبراهيم يأكل الثريد ولا يأكل اللحم- بلغني أنّه كان يفعل هذا إذا كان في الطعام قلّة، يبقي على أصحابه. وقال لإبراهيم بن أدهم: تريد تدعو؟ كل الحلال وادع بما شئت! وقال لإبراهيم السائح: يا أبا إسحاق، اعبد الله سرّا حتّى تخرج على الناس يوم القيامة كمينا (١). وقال حذيفة المرعشيّ: قدم شقيق البلخي مكّة، وإبراهيم بن أدهم بمكّة. فاجتمع الناس فقالوا: نجمع بينهما. فجمعوا بينهما في المسجد الحرام. فقال إبراهيم لشقيق: يا شقيق، على م أصّلتم أصولكم؟ فقال: إنّا أصّلنا أصولنا على أنّا إذا رزقنا أكلنا، وإذا منعنا صبرنا. فقال إبراهيم: هكذا كلاب بلخ: إذا رزقت أكلت، وإذا منعت صبرت. فقال شقيق: على م أصّلتم أصولكم يا أبا إسحاق؟ قال: أصّلنا أصولنا على أنّا إذا رزقنا آثرنا، وإذا منعنا حمدنا وشكرنا. فقام شقيق، وجلس بين يديه وقال: أنت أستاذنا. وقال إبراهيم بن بشّار: قلت لإبراهيم بن أدهم: أمرّ اليوم أعمل في الطين. فقال: يا ابن بشّار، إنّك طالب ومطلوب، يطلبك من لا تفوته وتطلب ما قد كفيته، كأنّك بما غاب [عنك] قد كشف لك، وما قد كنت فيه قد نقلت عنه. يا ابن بشار، كأنك لم تر حريصا محروما، ولا ذا فاقة مرزوقا. ثمّ قال: ما لك حيلة؟ فقلت: لي عند البقّال دانق. قال: عزّ عليّ بك: تملك دانقا، وتطلب العمل؟ وسمعته يقول: قلّة الحرص والطمع تورث الصدق والورع. وكثرة الحرص والطمع تكثر الهمّ والجزع. وقال: إنّ الناس يريدون منّا أن نقبل منهم. ولو قبلنا منهم الأقلّ ما أعطونا، ولأسرع ما ملّونا. وقال له رجل: إنّي أريد أن أواسيك من مالي. قال: وكم تملك؟ قال: مائة ألف. قال: وأنت في طلب غيره؟ قال: نعم. قال: لا حاجة لي إلى ذلك. أنت فقير، إنّا لم نؤمر أن نأخذ من الفقراء شيئا. وقال له رجل: أحبّ أن تقبل منّي هذه الجبّة كسوة فتلبسها. قال: إن كنت غنيّا قبلتها منك، وإن كنت فقيرا لم أقبلها منك.

стр. 40

قال: فإنّي غنيّ. قال: كم عندك؟ قال: ألفان. قال: فيسرّك أن تكون عندك أربعة آلاف؟ قال: نعم. قال: أنت فقير. لا أقبلها. وقال: لو غسلت وجهي للناس ما كنت إلا مرابيا. وقال له رجل: لو تزوّجت؟ فقال: لو أمكنني أن أطلّق نفسي لفعلت. وقال عطاء بن مسلم: نفذت نفقة إبراهيم بمكّة فبقي خمسة عشر يوما يستفّ الرمل. وقال إبراهيم بن تميم: كنّا مع إبراهيم بن أدهم في بلاد الروم وكانت عليه فروة فنزعها وجعلها تحت إبطه، والدعك (١) قد عمل في جسمه. فقيل له في ذلك، فقال: يكون بجنبي ولا يكون بفروي. ثم قال: متى أجد ثمانية دراهم أشتر بها فروا! وقال أبو علي الجرجرائيّ: صلّى إبراهيم بن أدهم خمس عشرة صلاة بوضوء واحد. وقال عليّ بن بكّار: إنّ إبراهيم بن أدهم يحصد بتلك المزرعة- وأشار بيده إلى أسفل جيحان. [إيثاره غيره على نفسه]: وعن [ ... ] في المسجد مع أصحابه: كنا نحصد رجلين اثنين، فكان إذا كان عند الظهيرة يقيل أصحابه، ثم يدخل هو المدينة فيشتري [١٢ ب] خبز فرنيّ ولبن [ ... ] (٢) وجبن ورطب وتمر. ثمّ يخرجه فيضعه، ثمّ يستقي ماء باردا فيضعه. ثمّ ينبّههم فيصلّون. ثم يقرّب إليهم ذلك الطعام فيأكلون ذلك الخبز الطيّب والتمر واللبن والجبن والرطب والزبد، وهو صائم، ثمّ ما يذوقه. وقال أبو إسحاق الفزاريّ: كان إبراهيم بن أدهم يغزو معنا المغازي، فلا يطعم معنا من اللحم، ولا من طرف أرض الروم شيئا. فقلت له: تدع ذلك وأنت تشتهيه؟ قال: فأين الشهوة؟ فظننت أنّه يشتهيه ويدعه. (قال) وأصابتنا مجاعة بمكّة، فمكث ثمانية أيّام يبلّ الرمل بالماء ويأكله. وقال بقيّة بن الوليد: صحبت إبراهيم بن أدهم إلى المصيصة، فبينا أنا معه إذا رجل يقول: من يدلني على إبراهيم بن أدهم؟ فأشرت باصبعي إليه ف [ت] قدّم إليه وقال: السلام عليك ورحمة الله. قال: وعليك السلام. من أنت؟ قال: أخبرك أنّ أباك توفّي، وخلّف مالا عظيما. وأنا عبدك فلان. وهذه البغلة لك، ومعي عشرة آلاف درهم تنفقها على نفسك وترحل إلى بلخ. والمال مستودع عند القاضي. فسكت ساعة ثم قال: إن كنت صادقا فيما تقول، فأنت حرّ، والبغلة لك. والمال تنفقه على نفسك- ثم التفت إليّ فقال: هل لك في الصحبة؟ قلت: نعم. فارتحلنا حتّى بلغنا إلى حلوان. فلا والله ما طعم ولا شرب، وكان يوما مثلجا. فقال: يا بقيّة، لعلّك جائع؟
следующие страницы →