تقنع بما رأيت؟
[دخوله في السياحة]:
فخرج إبراهيم سائحا إلى الله على وجهه.
[١١ أ] فلقيه رجل حسن الوجه حسن الثياب طيّب الريح فقال له: يا غلام، من أين؟
قال له إبراهيم: من الدنيا إلى الآخرة.
فقال له: يا غلام، أنت جائع؟
قال: نعم.
فقام الشيخ فصلّى ركعتين خفيفتين وسلّم، فإذا عن يمينه طعام، وعن شماله ماء. فقال له: كل!
فأكل بقدر شبعه، وشرب بقدر ريّه. فقال له الشيخ: اعقل وافهم! لا تحزن ولا تستعجل، فإنّ العجلة من الشيطان. وإيّاك والتمرّد على الله، فإنّ العبد إذا تمرّد على الله أورث الله قلبه الظّلمة والضلالة، مع حرمان الرزق. ولا تسأل الله في أيّ واد [ت] هلك (١). يا غلام، إن الله إذا أراد بعبد خيرا جعل في قلبه سراجا يفرّق به بين الحقّ والباطل. والناس فيه [م] امتشابهون.
يا غلام، إنّي معلّمك اسم الله الأعظم، فإذا أنت جعت، فادع الله به حتّى يشبعك، وإذا عطشت فادع الله به حتّى يرويك. وإذا جالست الأخيار فكن لهم أرضا يطئوك، فإنّ الله يغضب لغضبهم، ويرضى لرضاهم.
يا غلام، خذ كذي حتى آخذ كذي. (قال) فلم أبرح. فقال الشيخ: «اللهمّ احجبني عنه واحجبه عنّي! » فلم أدر أين أخذ.
فأخذت في طريقي ذلك. وذكرت الاسم الذي علّمني، فلقيني رجل حسن الوجه طيّب الريح
حسن الثياب، فأخذ بحجزتي وقال لي [ما] حاجتك؟ ومن لقيت في سفرك هذا؟
قلت: شيخا من صفته كذا وكذا، وعلّمني كذا.
فبكى. فقلت: أقسمت عليك بالله، من ذلك الشيخ؟
قال: ذاك إلياس ﵇ أرسله الله إليك ليعلّمك أمر دينك.
فقلت له: فأنت يرحمك الله، من أنت؟
قال: أنا الخضر.
وقال عتبة الخوّاص: سمعت إبراهيم بن أدهم يقول: من أراد التوبة فليخرج من المظالم، وليدع مخالطة من كان يخالطه! وإلّا، لم ينل ما يريد.
(وقال) التوبة الرجوع إلى الله بصفاء السرّ.
وقال أبو نعيم عن سفيان الثوريّ: إبراهيم بن أدهم كان يشبه إبراهيم خليل الرحمن. ولو كان في أصحاب رسول الله ﷺ لكان رجلا فاضلا.
وقال عبد الرحمن بن مهديّ (٢): قلت لابن مبارك: إبراهيم بن أدهم، ممّن سمع؟
فقال: سمع من الناس. ولكن له فضل في نفسه، صاحب سرائر، وما رأيته يظهر تسبيحا ولا شيئا من الخير، ولا أكل من قوم طعاما قطّ، إلّا كان آخر من يرفع يديه من الطعام.
وقال أبو الأحوص: رأيت من بكر بن وائل خمسة ما رأيت مثلهم قطّ: إبراهيم بن أدهم، ويوسف بن أسباط، وحذيفة المرعشيّ (٣)، ونعيم العجليّ، وأبا يونس القويّ (٤).
стр. 37
وقال بشر بن الحارث: أربعة رفعهم الله تعالى بطيب المطعم: وهيب الورد (١)، وإبراهيم بن أدهم، ويوسف بن أسباط، وإبراهيم الخوّاص.
وفي رواية: ما أعرف عالما إلّا وقد أكل بدينه، إلّا أربعة: وهيب الورد، وإبراهيم بن أدهم، ويوسف بن أسباط (٢)، وسليمان الخوّاص (٣).
وقال معاوية بن حفص: إنّما سمع إبراهيم بن أدهم عن منصور حديثا فأخذ به فساد أهل زمانه:
سمعت إبراهيم بن أدهم يقول: حدّثنا منصور عن ربعيّ بن خراش قال: جاء رجل إلى النبيّ ﷺ فقال: يا رسول الله دلّني على عمل يحبّني الله عليه ويحبّني الناس.
قال: «إذا أردت أن يحبّك الله فأبغض الدنيا، وإذا أردت أن يحبّك الناس فما كان عندك من فضولها فانبذه إليهم».
ويروى أنّ إبراهيم بن أدهم جلس إلى بعض العلماء فجعلوا يتذاكرون الحديث، وإبراهيم ساكت. ثم قال: «حدّثنا منصور ... » ثمّ سكت فلم ينطق بحرف حتّى قام من المجلس. فقال بعض أصحابه: يا أبا إسحاق، ابتدأت بالحديث ثمّ قطعت، وقد كان القوم أنصتوا لك؟
فقال: إنّي أخشى مضرّة ذلك المجلس في قلبي إلى اليوم. نا
وقيل له [١١ ب]: ما لك ما حفظت كما حفظ أصحابك؟
قال: كان همّي هدى العلماء وآدابهم.
ومرّ بالأوزاعيّ وحوله الناس، فقال: على هذا
عهدت الناس، كأنّك معلّم وحولك الصبيان. لو أنّ ذي الحلقة عن أبي هريرة لعجز عنهم.
فقام الأوزاعيّ وقال: قد سمع سفيان كما سمعنا. ولو شاء أن يسكت كما سكتنا.
[انقطاعه إلى الزهد والاستغفار]:
وقيل له: لم لا تكتب الحديث؟
قال: إني مشغول بثلاث: أوّلها الشكر على النعم. والثاني: الاستغفار للذنوب. والثالث:
الاستعداد للموت. ثمّ صاح وغشي عليه. فسمع صوت ولا يرى شخص: لا تدخلوا بيني وبين أوليائي!
وفي رواية أنّه مرّ بسفيان الثوريّ وهو قاعد مع أصحابه، فقال له سفيان: تعال حتى أقرأ عليك علمي!
قال: إنّي مشغول بثلاث- ومضى.
فقال سفيان لأصحابه: ألا سألتموه ما هذه الثلاث؟
ثمّ قام سفيان ومعه أصحابه حتى لحق إبراهيم فقال له: قلت: إنّي مشغول بثلاث عن طلب العلم، فما هذه الثلاث؟
فقال: إنّي مشغول بالشكر لما أنعم [به] عليّ، والاستغفار لما سلف من ذنوبي، والاستعداد للموت.
فقال سفيان: ثلاث، وأيّ ثلاث!
وقال مسلم بن مهران: كان إبراهيم بن أدهم إذا سئل عن العلم جاء بالأدب.
ويروى عن أبي حنيفة ﵀ أنه قال لإبراهيم ابن أدهم: رزقت من العبادة شيئا صالحا، فليكن العلم من ذلك فإنّه رأس العبادة، وبه قيام الدين.
وقال أبو عثمان الأسود، وكان قد رافق
стр. 38
إبراهيم بن أدهم أربع عشرة سنة: حججت فلقيت عبد العزيز ابن أبي دؤاد، فقال لي: ما فعل أخوك إبراهيم بن أدهم؟
قلت: بالشام، في موضع كذا وكذا.
فقال: أما إنّ عهدي به وإنّه ليركب بين يديه ثلاثون شاكريّا (١) بخراسان. ولكنّه أحبّ أن يتبحبح في الجنّة.
وقال أبو الوليد صاحب إبراهيم بن أدهم: كان إبراهيم بن أدهم وأصحابه يمنعون أنفسهم أربع إرادات: الماء، والحذاء، والحمّامات، ولا يجعلون في الملح أبزارا.
وقال إبراهيم بن أدهم: الجوع مرق القلب.
وقال: قلب المؤمن أبيض نقيّ على مثال المرآة، فلا يأتيه الشيطان من ناحية من النواحي بشيء من المعاصي إلّا نظر إليه كما ينظر إلى وجهه في المرآة. وإذا أذنب ذنبا نكت في قلبه نكتة سوداء. فإن تاب من ذنبه محيت النكتة من قلبه وانجلى. وإن لم يتب وعاود أيضا وتتابعت الذنوب ذنب [ا] بعد ذنب، نكت في قلبه نكتة بعد نكتة حتّى يسودّ القلب، وهو قول الله : كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ [المطففين: ١٤] قال: الذنب بعد الذنب حتّى يسوّد القلب، فما أبطأ ما تنجع في هذا القلب المواعظ! فإن تاب إلى الله قبله الله وانجلى عن قلبه كجلاء المرآة.
وعن بقيّة بن الوليد [الحمصيّ] قال (٢): دعاني إبراهيم بن أدهم إلى طعام له، فأتيته، فجلس هكذا- ووضع رجله اليسرى تحت إليته، ونصب
رجله اليمنى، ووضع مرفق يده عليها- ثمّ قال لي) يا أبا محمّد، تعرف هذه الجلسة؟
قلت: لا.
قال: هذه جلسة رسول الله ﷺ ، كان يجلس جلسة العبيد، ويأكل أكل العبيد. خذوا باسم الله! .
[شواهد من تقشّفه]:
فلمّا أكلنا قلت لرفيقه: أخبرني عن أشدّ شيء مرّ بك منذ صحبته؟
قال: نعم. كنّا يوما صياما، فلمّا كان الليل لم يكن لنا شيء نفطر عليه. فلمّا أصبحنا، قلت: يا أبا إسحاق، هل لك أن نأتي باب الرستن (٣) فنكري أنفسنا مع هؤلاء الحصّادين؟
فأتينا باب الرستن، فجاء رجل فاكتراني بدرهم. فقلت: صاحبي؟
فقال: لا حاجة لي بصاحبك. أراه ضعيفا.
فما زلت به حتّى اكتراه بأربعة دوانق. فحصدنا يومنا ذلك. فأخذت كراءنا فأتيت السّوق فاشتريت حاجتي وتصدّقت بالباقي. فهيّأته وقرّبته إليه. فلمّا نظر إليه بكى. فقلت: ما يبكيك؟
فقال: أمّا نحن فقد استوفينا أجورنا. فليت شعري، أوفينا صاحبنا أم لا؟
فغضبت. فقال: ما يغضبك؟ أتضمن لي أنّا [١٢ أ] وفينا صاحبنا؟
فأخذت الطعام فتصدّقت به. فهذا أشدّ شيء مرّ بي مذ صحبته.
وقال أبو عيسى النخعيّ: رأيت إبراهيم بن أدهم بمكّة عجن عجينا ثم جعل يأكله.
стр. 39
وقال ضمرة بن ربيعة: سمعت إبراهيم بن أدهم يقول: أخاف أن لا يكون لي أجر في تركي أطايب الطعام، لأنّي لا أشتهيه- وكان إذا جلس على سفرة فيها طعام طيّب رمى بما وقع بين يديه إلى أصحابه وأكل هو الخبز والزيتون.
وقال أبو حفص العسقلانيّ: شهدت إبراهيم ابن أدهم، فدعاه رجل من أصحابه قد تزوّج.
فجلس بيني وبينه رجل. ثمّ أتينا بقصعة ثريد ولحم. فرأيت إبراهيم يأكل الثريد ولا يأكل اللحم- بلغني أنّه كان يفعل هذا إذا كان في الطعام قلّة، يبقي على أصحابه.
وقال لإبراهيم بن أدهم: تريد تدعو؟ كل الحلال وادع بما شئت!
وقال لإبراهيم السائح: يا أبا إسحاق، اعبد الله سرّا حتّى تخرج على الناس يوم القيامة كمينا (١).
وقال حذيفة المرعشيّ: قدم شقيق البلخي مكّة، وإبراهيم بن أدهم بمكّة. فاجتمع الناس فقالوا: نجمع بينهما. فجمعوا بينهما في المسجد الحرام. فقال إبراهيم لشقيق: يا شقيق، على م أصّلتم أصولكم؟
فقال: إنّا أصّلنا أصولنا على أنّا إذا رزقنا أكلنا، وإذا منعنا صبرنا.
فقال إبراهيم: هكذا كلاب بلخ: إذا رزقت أكلت، وإذا منعت صبرت.
فقال شقيق: على م أصّلتم أصولكم يا أبا إسحاق؟
قال: أصّلنا أصولنا على أنّا إذا رزقنا آثرنا، وإذا منعنا حمدنا وشكرنا.
فقام شقيق، وجلس بين يديه وقال: أنت أستاذنا.
وقال إبراهيم بن بشّار: قلت لإبراهيم بن أدهم: أمرّ اليوم أعمل في الطين.
فقال: يا ابن بشّار، إنّك طالب ومطلوب، يطلبك من لا تفوته وتطلب ما قد كفيته، كأنّك بما غاب [عنك] قد كشف لك، وما قد كنت فيه قد نقلت عنه. يا ابن بشار، كأنك لم تر حريصا محروما، ولا ذا فاقة مرزوقا.
ثمّ قال: ما لك حيلة؟
فقلت: لي عند البقّال دانق.
قال: عزّ عليّ بك: تملك دانقا، وتطلب العمل؟
وسمعته يقول: قلّة الحرص والطمع تورث الصدق والورع. وكثرة الحرص والطمع تكثر الهمّ والجزع.
وقال: إنّ الناس يريدون منّا أن نقبل منهم. ولو قبلنا منهم الأقلّ ما أعطونا، ولأسرع ما ملّونا.
وقال له رجل: إنّي أريد أن أواسيك من مالي.
قال: وكم تملك؟
قال: مائة ألف.
قال: وأنت في طلب غيره؟
قال: نعم.
قال: لا حاجة لي إلى ذلك. أنت فقير، إنّا لم نؤمر أن نأخذ من الفقراء شيئا.
وقال له رجل: أحبّ أن تقبل منّي هذه الجبّة كسوة فتلبسها.
قال: إن كنت غنيّا قبلتها منك، وإن كنت فقيرا لم أقبلها منك.
стр. 40
قال: فإنّي غنيّ.
قال: كم عندك؟
قال: ألفان.
قال: فيسرّك أن تكون عندك أربعة آلاف؟
قال: نعم.
قال: أنت فقير. لا أقبلها.
وقال: لو غسلت وجهي للناس ما كنت إلا مرابيا.
وقال له رجل: لو تزوّجت؟
فقال: لو أمكنني أن أطلّق نفسي لفعلت.
وقال عطاء بن مسلم: نفذت نفقة إبراهيم بمكّة فبقي خمسة عشر يوما يستفّ الرمل.
وقال إبراهيم بن تميم: كنّا مع إبراهيم بن أدهم في بلاد الروم وكانت عليه فروة فنزعها وجعلها تحت إبطه، والدعك (١) قد عمل في جسمه. فقيل له في ذلك، فقال: يكون بجنبي ولا يكون بفروي.
ثم قال: متى أجد ثمانية دراهم أشتر بها فروا!
وقال أبو علي الجرجرائيّ: صلّى إبراهيم بن أدهم خمس عشرة صلاة بوضوء واحد.
وقال عليّ بن بكّار: إنّ إبراهيم بن أدهم يحصد بتلك المزرعة- وأشار بيده إلى أسفل جيحان.
[إيثاره غيره على نفسه]:
وعن [ ... ] في المسجد مع أصحابه: كنا نحصد رجلين اثنين، فكان إذا كان عند الظهيرة يقيل أصحابه، ثم يدخل هو المدينة فيشتري [١٢ ب] خبز فرنيّ ولبن [ ... ] (٢) وجبن ورطب
وتمر. ثمّ يخرجه فيضعه، ثمّ يستقي ماء باردا فيضعه. ثمّ ينبّههم فيصلّون. ثم يقرّب إليهم ذلك الطعام فيأكلون ذلك الخبز الطيّب والتمر واللبن والجبن والرطب والزبد، وهو صائم، ثمّ ما يذوقه.
وقال أبو إسحاق الفزاريّ: كان إبراهيم بن أدهم يغزو معنا المغازي، فلا يطعم معنا من اللحم، ولا من طرف أرض الروم شيئا. فقلت له:
تدع ذلك وأنت تشتهيه؟
قال: فأين الشهوة؟
فظننت أنّه يشتهيه ويدعه. (قال) وأصابتنا مجاعة بمكّة، فمكث ثمانية أيّام يبلّ الرمل بالماء ويأكله.
وقال بقيّة بن الوليد: صحبت إبراهيم بن أدهم إلى المصيصة، فبينا أنا معه إذا رجل يقول: من يدلني على إبراهيم بن أدهم؟
فأشرت باصبعي إليه ف [ت] قدّم إليه وقال:
السلام عليك ورحمة الله.
قال: وعليك السلام. من أنت؟
قال: أخبرك أنّ أباك توفّي، وخلّف مالا عظيما. وأنا عبدك فلان. وهذه البغلة لك، ومعي عشرة آلاف درهم تنفقها على نفسك وترحل إلى بلخ. والمال مستودع عند القاضي.
فسكت ساعة ثم قال: إن كنت صادقا فيما تقول، فأنت حرّ، والبغلة لك. والمال تنفقه على نفسك- ثم التفت إليّ فقال: هل لك في الصحبة؟
قلت: نعم.
فارتحلنا حتّى بلغنا إلى حلوان. فلا والله ما طعم ولا شرب، وكان يوما مثلجا. فقال: يا بقيّة، لعلّك جائع؟
стр. 41
قلت: نعم.
قال: ادخل هذه الغيضة، وخذ منها ما شئت.
(قال) فمضيت فقلت في نفسي: «يوم مثلج، فمن أين لي؟ » ودخلت فإذا بشجرة خوخ. فملأت جرابي وجئت، فقال لي: ما الذي في جرابك؟
قلت: خوخ.
قال: يا قليل اليقين! هل يكون هذا؟ لعلّك تفكّرت في شيء آخر؟ ولو ازددت يقينا لأكلت رطبا كما أكلت مريم بنت عمران في وسط الشتاء.
ثم قال: هل لك في الصحبة؟
قلت: بلى!
فمشينا، ولا والله ما عليه حذاء ولا خفّ حتى بلغنا إلى بلخ. فدخل على القاضي وسلّم عليه وقال: بلغني أنّ أبي توفّي واستودع عندك مالا؟
قال: أمّا أدهم، فنعم. وأمّا أنت فلا أعرفك.
فأراد أن يقوم، فقال القوم: هذا إبراهيم بن أدهم.
فقال: مكانك؟ فقد صحّ لي أنّك ابنه.
قال: فأخرج المال!
قال: لا يمكن إخراجه.
قال: فدلّني على بعضه.
فدلّه على بعضه. فصلّى ركعتين، وتبسّم.
فقال القاضي: بلغني أنك زاهد.
قال: وما الذي رأيت من رغبتي؟
قال: فرحك وتبسّمك.
قال: إنّما فرحي وتبسّمي من صنع الله بأبي.
هذا مال كان حبيسا عن سبيل الله فأعانني الله حتى جئت في إطلاقه، قد جعلتها كلّها في سبيل الله.
ونفض ثيابه وخرج. فقلت له: يا أبا إسحاق، لم تطعم من شهرين!
قال: ذكّرتني! هل لك في الطعام؟
قلت: نعم.
فصلّى ركعتين فإذا حوله دنانير. فحملت دينارا ومضينا.
قال عليّ بن بكّار: وكان إبراهيم بن أدهم لا يردّ هديّة ويكافئ بمثلها. فخرجنا معه يوما نشيّعه، وهو يريد الشام. فلمّا بلغ مكان كذا وأردنا الرجوع نزع إزاره، وكان مؤتزرا به تحت فروة فدفعه إلى أبي إسحاق وقال: بيعوه واشتروا به كذا وكذا وابعثوا به إلى فلان.
فقال له أبو إسحاق: ليس عليك إزار، ولا على جلدك قميص. إنّما هو هذا الفرو، أمسكه، نحن نكافئه عنك!
فأبى. فأخذناه منه.
وأهدى إليه رجل عنبا وتينا على طبق. فلم يكن عنده ما يكافئه فنزع فروه فوضعه على الطبق وبعث به إليه.
قال مهدي بن مهديّ: حدّثني بقيّة [بن الوليد] قال: سهرت مع إبراهيم بن أدهم على حائط صور. فحدّثني عن رجل عن النخعيّ عن عائشة ﵂ قالت: قال النبي ﷺ : «إذا دخل عليك صبيّ جارك، [ف] ضعي في يده شيئا، فإنّ ذلك يحقّ لك المودّة في قلوبهم».
قال بقيّة: فقمت إلى شيء من [١٣ أ] طرائف البحر، فأهديته إليه، ثمّ ندمت بعد ذلك.
فقلت لبقيّة: لم ندمت؟
قال: لأنّه بعث إليّ بكساء كان يلبسه في الشتاء وخفّ كان يلبسه في الغزو.
ودخل الجبل ومعه فأس رومي فاحتطب حطبا
стр. 42
كثيرا. ثمّ جاء به فباعه واشترى به ناطفا (١) ثمّ جاء به إلى أصحابه فقال: كلوا! كأنّكم تأكلون في دهن.
وعن أبي شعيب قال: سألت إبراهيم بن أدهم أن أصحبه إلى مكّة فقال: على شريطة: على أنّك لا تنظر إلّا لله وبالله.
فشرطت له ذلك على نفسي فخرجت معه.
فبينا نحن في الطّواف إذا أنا بغلام قد افتتن الناس به لحسنه وجماله. فجعل إبراهيم يديم النظر إليه.
فلمّا أطال ذلك قلت: يا أبا إسحاق، أليس شرطت عليّ أن لا انظر إلّا لله وبالله؟
قال: بلى.
قلت: أراك تديم النظر إلى هذا الغلام؟
فقال: إن هذا ابني وولدي، وهؤلاء غلماني وخدمي الذين معه، ولولا شيء لقبّلته، ولكن انطلق، فسلّم عليه منّي وعانقه عنّي.
(قال) فمضيت إليه وسلّمت عليه من والده وعانقته. فجاء إلى والده فسلّم عليه، ثمّ صرفه مع الخدم. فقال: ارجع! انتظر إيش يراد بك. وأنشأ يقول [الوافر]:
هجرت الخلق طرّا في رضاك ... وأيتمت العيال لكي أراك
ولو قطّعتني في الحبّ إربا ... لما حنّ الفؤاد إلى سواك
وأهدى إليه رجل سلّة تين عند غروب الشمس، فقسمه على جيرانه وعلى الفقراء. فقال له بعض أصحابه: ألا تدع لنا شيئا؟
قال: ألستم صوّما؟
قالوا: بلى.
قال: سبحان الله! أما لكم حياء؟ أما لكم أمانة؟
أما تخافون من الله العقوبة بسوء ظنّكم بالله، وطول الأمل إلى السّماء؟ ثقوا بالله، وأحسنوا الظنّ بما وعد الله، فإنّ الله يقول: ما عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ [النحل: ٩٦]
[كرمه وطيب نفسه]:
وقال حوّاري بن حوّاري: كان إبراهيم بن أدهم يتألّف الناس بأخلاقهم ويأكل معهم، وربّما اتّخذ الشواء، والجوزابات، والخبيص، وطعام الطيب. وربّما خلا هو وأصحابه الذين يأنس إليهم. وكان يعمل عمل الرجلين، وكان إذا أكل وحده أكل الطعام الدّون. وكان كريم النفس، إذا اصطنع إليه إنسان معروفا يحرص على إكرامه، وأكثر ممّا يصنع به.
وقال عصام بن روّاد [بن الجرّاح] عن أبيه:
كنت ليلة مع إبراهيم بن أدهم بالثغر، فأتاه رجل بباكورة. فنظر حوله هل يرى شيئا من رحله يكافئه، فلم ير شيئا. فنظر إلى سرجي فقال: خذ ذلك السرج!
فأخذه الرجل ومضى. فداخلني سرور ما دخلني مثله قطّ حين علمت أنّه صيّر مالي وماله واحدا.
وعن إبراهيم بن بشّار [الصوفيّ الخراساني خادم إبراهيم بن أدهم] قال: أمسينا مع إبراهيم بن أدهم ذات ليلة، وليس معنا شيء نفطر عليه، ولالنا حيلة. فرآني مغتمّا حزينا، فقال: يا إبراهيم بن بشّار، ماذا أنعم الله على الفقراء والمساكين من النعيم والراحة في الدنيا والآخرة، لا يسألهم يوم القيامة عن زكاة ولا عن حجّ ولا عن صدقة ولا عن صلة رحم، ولا عن مواساة، وإنّما يسأل ويحاسب
стр. 43
عن هذا هؤلاء المساكين، أغنياء في الدنيا فقراء في الآخرة، أعزّة في الدنيا أذلّة يوم القيامة. لا تغتمّ ولا تحزن، فرزق الله مضمون سيأتيك. نحن والله الملوك الأغنياء، نحن الذين تعجّلوا الراحة في الدنيا والآخرة، لا نبالي على أيّ حال أصبحنا وأمسينا إذا أطعنا الله.
ثمّ قام إلى صلاته وقمت إلى صلاتي. فما لبثنا إلّا ساعة وإذا نحن برجل قد جاءنا بثمانية أرغفة وتمر كثير فوضعه بين أيدينا وقال: كلوا رحمكم الله!
فسلّم، ثمّ قال: كل يا معنّى!
فدخل سائل فقال: أطعمونا شيئا.
فأخذ ثلاثة أرغفة مع تمر فدفعها إليه، وأعطاني ثلاثة وأكل رغيفين، وقال: المواساة من [١٣ ب] أخلاق المؤمنين.
وقال عليّ بن بكّار: كان الحصاد أحبّ إلى إبراهيم بن أدهم من اللقاط. وكان سليمان الخوّاص لا يرى بأسا باللقاط ويلقط. وكانت أسنانهما قريبة، وكان إبراهيم أفقه، وكان من العرب من بني عجل كريم الحسب. وكان إذا عمل ارتجز وقال:
اتّخذ الله صاحبا ... ودع الناس جانبا (١)
وكان يلبس في الشتاء فروا ليس تحته قميص، ولم يكن يلبس خفّين ولا عمامة، وفي الصيف [يلبس] شقّتين بأربعة دراهم يتّزر بواحدة ويرتدي بالأخرى، ويصوم في السفر والحضر ولا ينام الليل.
وكان يتفكّر، فإذا فرغ من الحصاد أرسل بعض
أصحابه يحاسب صاحب الزرع ويجيء بالدراهم، فلا يمسّها بيده ويقول لأصحابه: اذهبوا، كلوا بها شهواتكم.
فإن لم يكن حصاد أجر نفسه في حفظ البساتين والمزارع. وكان يطحن بيد واحدة مدّي قمح- أي قفيزين. ويقول: لا ينبغي للرّجل أن يرفع نفسه فوق قدره، ولا أن يضع نفسه دون درجته.
ودعاه الأوزاعيّ إلى طعام فقصّر في الأكل.
فقال له الأوزاعيّ: رأيتك قصّرت في الأكل؟
قال: لأنّك قصّرت في الطعام.
وهيّأ مرّة طعاما ووسّع فيه ودعا الأوزاعيّ، فقال له: أما تخاف أن يكون سرفا؟
فقال إبراهيم: إنما السرف ما ينفقه الرجل في معصية الله. فأمّا ما أنفقه على إخوانه، فهو من الدين.
ومرّ به رجل من الصّنّاع، فقال: أليس هذا فلانا؟
فقيل: نعم.
فقال لرجل: أدركه وقل له: قال [لك] إبراهيم بن أدهم: ما لك لم تسلّم؟
قال: لا والله! إلّا أنّ امرأتي وضعت الليلة وليس عندي شيء، فخرجت شبيه المجنون.
فرجع إلى إبراهيم فقال له. فقال: إنّا لله! كيف غفلنا عن صاحبنا حتّى نزل به هذا الأمر؟ يا فلان، ائت فلانا صاحب البستان فاستسلف منه دينارين، فاشتر له ما يصلحه بدينار وادفع الدينار الآخر إليه.
(قال) فدخلت السوق فأوقرت بعيرا بدينار من كلّ شيء وتوجّهت إليه فدققت الباب. فقالت امرأته: من هذا؟
стр. 44
قلت: أنا، أردت فلانا.
قالت: ليس هو ههنا.
فأمرتني بفتح الباب وتنحّت. ففتحت الباب وأدخلت ما على البعير في صحن الدار وناولتها الدينار. فقالت: على يدي من هذا رحمك الله؟
فقلت: إذا جاء زوجك أقرئيه السلام وقولي:
هذا على يدي إبراهيم بن أدهم.
فقالت: اللهمّ لا تنس هذا اليوم لإبراهيم بن أدهم!
فجئت إلى إبراهيم فحدّثته بما كان وما كان من قولها وفعلها، ففرح فرحا لم يفرح مثله قطّ.
فلمّا جاء الرجل من آخر النهار وليس معه شيء فنظر إلى صحن الدار قد ملئ من الخير، ودفعت الدينار إليه، قال: على يدي من هذا؟
قالت: على يدي أخيك إبراهيم بن أدهم.
فقال: اللهم، لا تنس هذا اليوم لإبراهيم بن أدهم!
وعن أبي عمير ابن عبد الباقي صاحب أذنة قال: حصد عندنا إبراهيم بن أدهم في المزارع بعشرين دينارا. ودخل أذنة ومعه صاحب له.
فأراد إبراهيم حلق رأسه و [أن] يحتجم. فجاء إلى حجّام وجلس بين يديه. فلمّا رآهما الحجّام حقرهم وقال: ما في الدنيا أحد أبغض إليّ من هؤلاء، [أ] فما وجدوا من يخدمهم غيري؟
فخدم جماعة وتهاون بإبراهيم وصاحبه، وإبراهيم ساكت ينظر. فلمّا لم يبق بين يديه ولا عنده أحد، التفت الحجّام إليهم وقال: إيش الذي تريدون؟
فقال له إبراهيم: أريد أن أحلق رأسي وأحتجم.
فوجد صاحب إبراهيم الذي معه في نفسه من تهاون الحجّام فقال: أمّا أنا فليس أحلق ولا أحتجم.
فحلق إبراهيم واحتجم. فلما فرغ قال لصاحبه: هات الدنانير التي معك!
فدفعها إلى الحجّام كما هي: العشرين دينارا.
فقال له صاحبه: حصدت في هذا الحرّ بهذه الدنانير فدفعتها إلى هذا!
فقال له: اسكت! هذا لا يحقر فقيرا أبدا- ودخل من فوره إلى [١٤ أ] طرسوس. فلمّا أصبح قال لصاحبه: خذ هذه الكتيبات فارهنها وجئنا بشيء نأكله!
[تنازله عن ميراثه من أبيه]:
فخرج صاحبه ليجيء بشيء كما أمره، فرأى في طريقه خادما على شهريّ (١) وبين يديه حمارات وخيل وبغال عليها صناديق فيها فوق الستين ألف دينار. والخادم يقول: الذي أبغيه هو أحمر أشقر يعرف بإبراهيم بن أدهم.
فقدم إليه صاحبه وقال له: الرجل الذي تطلب ما يحبّ هذه الشهرة. أنا أدلّك عليه.
فقال لغلامه: كن معه.
فلمّا ضرب خيمته أخذ بيده إلى إبراهيم وهو جالس. فلمّا رآه الخادم في زيّ الحصّادين أخذ في بكاء شديد، وقال: يا مولاي، بعد ملك خراسان صرت في هذه الحال؟
فقال له إبراهيم: اسكت! إيش وراءك؟
فقال: مات الشيخ.
قال إبراهيم: ﵀. موت الشيخ يأتي على كلّ ما أتيت به. وإيش الذي تريد؟
стр. 45
قال: أنا غلامك وخادمك. لمّا مات الشيخ، ركب كلّ أحد هواه فأخذوا من جانب المملكة ما استوى لهم، وأخذت أنا ما ترى معي. وأنا عبدك وخادمك جئت أطلب الثغر أقيم فيه وأجاهد في سبيل الله. فقال لي العلماء: ما يقبل الله منك صرفا ولا عدلا حتى ترجع إلى مواليك وتضع يدك في أيديهم فيحكموا فيك وفيما معك. وقد جئتك فأمرني بما أحببت.
فقال إبراهيم: إن كنت صادقا فيما تقول فأنت حرّ لوجه الله تعالى، وكلّ ما معك فهو لك، إذ جئت لتنفقه في هذا الوجه.
ثم التفت إلى صاحبه بعد أن قال للخادم ما قال: قم اخرج عنّي ويحك، وخذ هذه الكتيبات، وجئنا بشيء نأكله!
وقال مضاء بن عيسى: ما فاق إبراهيم بن أدهم أصحابه بصوم ولا صلاة، ولكن بالصدق والسخاء.
وقال إبراهيم بن يسار: اجتمعنا ذات يوم في مسجد، فما منّا أحد إلّا تكلّم بشيء، إلّا إبراهيم بن أدهم فإنّه ساكت. فلمّا تفرّق الناس عاتبته على ذلك فقال: الكلام يظهر حمق الأحمق وعقل العاقل.
قلت: فلم لم تتكلّم؟
فقال: إذا اغتممت [ف] السكوت أحبّ إليّ من أن أندم للكلام.
وقال يحيى بن يمان: كان سفيان إذا رأى إبراهيم بن أدهم تجوّز في كلامه.
وعن ابن مهديّ قال: لقي سفيان إبراهيم بن أدهم، فتسامرا ليلتهما حتى أصبحا.
وعن إبراهيم بن بشّار خادم إبراهيم بن أدهم قال: أوصانا إبراهيم بن أدهم قال: أقلّوا معرفتكم من الناس ولا تعرّفوا إليّ من لم تعرفوه، وأنكروا من تعرفون.
وقال: فرّوا من الناس كفراركم من السبع الضاري ولا تتخلّفوا عن الجمعة والجماعة.
وقيل له: لقد أسرع إليك الشيب في رأسك.
قال: ما شيّب رأسي إلّا الرفقاء.
وعن أبي معاوية الأسود وعلي بن بكّار: كنّا بمكّة مع إبراهيم بن أدهم فإذا بقاتل خاله قد لقيه بمكّة، فسلّم عليه وأهدى إليه هديّة، فقيل له: قتل خالك وتهدي إليه وتسلّم عليه؟
قال: تخوّفت أن أكون قد روّعته، فإنّه بلغني أنّه لا يكون العبد من المتّقين حتى يأمنه عدوّه.
[كلمات له مأثورة]:
وعن شقيق بن إبراهيم قال: أوصى إبراهيم بن أدهم قال: عليك بالناس، وإيّاكم من الناس، ولا بدّ من الناس، فإنّ الناس هم الناس، وليس الناس بالناس، ذهب الناس وبقي النّاس. وما أراهم بالناس، إنّما هم غمسوا في ماء الناس.
قال إبراهيم: أمّا قولي: عليك بالناس، فمجالسة العلماء. وأمّا قولي: إيّاك والناس: إيّاك ومجالسة السفهاء.
وأمّا قولي: لا بدّ من الناس: لا بدّ من الصلوات الخمس والجمعة، والحجّ، والجهاد، واتّباع الجنائز، والشراء والبيع ونحوه.
أمّا قولي: الناس هم الناس: الفقهاء والحكماء.
وأمّا قولي: ليس الناس بالناس: أهل الأهواء والبدع.
أمّا قولي: ذهب الناس: ذهب النبيّ ﷺ وأصحابه.
стр. 46
[١٤ ب] وأمّا قولي: وبقي الناس: يعني من يروى عنهم عن النبيّ ﷺ وأصحابه.
وأمّا قولي: وما أراهم بالناس: إنّما هم غمسوا في ماء الناس: نحن وأمثالنا.
وقال عليّ بن بكّار: كنت أنا وأبو إسحاق الفزاريّ، وإبراهيم بن أدهم، ومخلد بن حسين رفقاء، فكنّا نرعى دوابّنا على شطّ سيحان، ومعنا أخرجتنا وسلاحنا. وكان إبراهيم خادمنا. وكان إذا حضر كأنّ الطير على رءوسنا هيبة له. وإذا غاب عنّا انبسطنا. ولم يكن فينا أحد يجترئ أن يخدم. وكان إذا طحن كفّ رجلا ومدّ رجلا، فيطحن مديّا، ثمّ يكفّ هذه ويمدّ الأخرى [ويطحن] مديّا آخر.
وكان إذا أراد أن يتوضّأ قام بثيابه فلفّها على رأسه ثمّ يسبح في سيحان حتّى يقطعه فيجوز إلى تلك الناحية فيتوضّأ ويقضي حاجته. ثمّ يقبل وثيابه على رأسه ملفوفة، ثمّ يجيء.
وقال بقيّة بن الوليد: قلت لإبراهيم بن أدهم:
أكنّيك أم أدعوك باسمك؟
قال: إن كنّيتني قبلت منك. وإن دعوتني باسمي فهو أحبّ إليّ.
فمدحته وأثنيت عليه. ففطن فقال: لروعة تروّع صاحب عيال أفضل ممّا أنا فيه.
قلت: أوصني!
قال: كن ذنبا ولا تكن رأسا. فإنّ الرأس يهلك ويسلم الذنب.
وقلت له: طوبى لك! أقبلت على العبادة وزهدت في الدنيا!
فقال: ألك عيال؟
قلت: نعم.
قال: لروعة رجل لعياله ساعة أفضل من عبادة كذا وكذا.
ورآه الأوزاعي بسبروت (١) وعلى عنقه حزمة حطب. فقال له: يا أبا إسحاق، أيّ شيء هذا؟
إخوانك يكفونك!
فقال: دعني من هذا يا أبا عمرو! فإنّه بلغني أنّه من وقف موقف مذلّة في طلب الحلال وجبت له الجنّة.
وعن أبي عمر الغسّاني قال: أتانا رجل يسأل عن إبراهيم بن أدهم فأعلمناه أنّا لا نعرفه ولا نعرف له موضعا. فقال لي: لم أزل على صحّة من خبره إلى أن دخل مدينة عسقلان.
فقال رجل من القوم: عندي ناطور في بستان قد أنكرت أمره، وهو خليق أن يكون هو. وذلك أنّي خرجت في جماعة من أصحابي إلى البستان فسألته أن يأتيني برمّان حلو فأتاني برمّان حامض.
فقلت له: «من هذا تأكل؟ » فقال: ما آكل من متاع [هم] (٢) إنّما اكتروني لأحفظه.
فقال الرجل: ينبغي أن يكون هو صاحبي.
فقمنا بأجمعنا حتّى وقفنا على باب البستان فاستفتح صاحبه فخرج إلينا فإذا هو إبراهيم بن أدهم، فسلّم عليه الرجل.
فقال له: ما حاجتك؟
قال: مولاك فلان مات وخلّف شيئا جئتك به.
فبسط إبراهيم كساءه وقال له: «هات! » فصبّ فيه ثلاثين ألف درهم. فقال للرجل: «اقسمها أثلاثا». ففعل. فقال: لتأخذوا عشرة آلاف درهم، ففرّقوها على الفقراء والمساكين. وعشرة آلاف
стр. 47
درهم رمّوا به الحائط فقد رأيته قد تشعّث.
وقال للرسول: خذ أنت عشرة آلاف درهم لعنائك من بلخ.
فما وضع يده على درهم منها، وأخذ كساءه ووضعه على عنقه، وخرج من عسقلان، فما علمناه عاد إليها. وقال: «ما [١٥ أ] صدق الله عبد أحبّ الشهرة! » وخرج من بيت المقدس فمرّ بمسلحة فقالوا: عبد؟
قال: نعم.
قالوا: ابق؟
قال: نعم.
فذهبوا به فحبسوه بالسجن بطبريّة. فجاء رجل يطلب غلاما له أبق من بيت المقدس. فقالوا له:
«إنّ مسلحة كذا وكذا قد أصابوا غلاما آبقا، فهو في السجن بطبريّة». فذهب إلى السجن فإذا هو إبراهيم بن أدهم. فقال: سبحان الله! ما تصنع ههنا؟
فقال: أنا هنا ما أحسن مكاني!
فرجع الرجل إلى بيت المقدس فأخبرهم، فجاءه الناس من بيت المقدس [وبعثوا] إلى أمير طبريّة فقالوا: إبراهيم بن أدهم ما يصنع في سجنك؟
فقال: ما حبسته.
قالوا: بلى.
فبعث إليه فجاء به فقال له: فيم حبست!
قال: مررت بمسلحة. فقالوا: عبد؟ قلت:
نعم، وأنا عبد الله. قالوا: آبق؟ قلت: نعم، وأنا آبق من ذنوبي.
فخلّى سبيله.
[إذعان الوحوش له ... ]:
وقال عبد الله بن الفرح القنبريّ العابد: اطّلعت على إبراهيم بن أدهم في بستان بالشام، وهو مستلق. وإذا بحيّة في فمها طاقة نرجس. فما زالت تذبّ عنه حتى انتبه.
وقيل لإبراهيم بن أدهم: هذا السبع قد ظهر لنا.
قال: أرونيه.
فلمّا رآه جاءه وقال: يا قسورة (١)، إن كنت أمرت فينا بشيء فامض لما أمرت به، وإلّا فعودك على بدئك! فولّى السبع ذاهبا يضرب بذنبه.
فعجبوا كيف فهم السبع كلامه. فأقبل عليهم فقال: قولوا: اللهمّ احرسنا بعينك التي لا تنام، واكنفنا بركنك الذي لا يرام. وارحمنا بقدرتك علينا فلا نهلك، وأنت رجاؤنا، يا الله! يا الله! يا الله!
قال خلف بن تميم: فما زلت أقولها منذ سمعتها، فما عرض لي لصّ ولا غيره- وفي رواية: قال خلف: فأنا منذ سمعت هذا أدعو به عند كلّ شدّة وكرب، فما رأيت إلّا خيرا- وفي رواية: أنا أقولها على ثيابي إذا دخلت الحمّام، وعلى نفقتي منذ ستّين سنة أو سبعين سنة فما ذهب لي شيء.
قال نصر بن منصور المصيصيّ أبو محمد: ورد إبراهيم بن أدهم المصيصة فأتى منزل أبي إسحاق الفزاريّ وطلبه، فقيل: هو خارج المدينة.
فقال: أعلموه إذا أتى أنّ أخاه إبراهيم طلبه، وقد ذهب إلى مرج كذا وكذا يرعى فرسه.
فمضى إلى ذلك المرج فإذا أناس يرعون
стр. 48
دوابّهم، فرعى حتّى أمسى. فقالوا له: ضمّ فرسك إلى دوابّنا، فإنّ السباع تأتينا.
فأبى وتنحّى ناحية. فأوقدوا النيران حولهم، ثمّ أخذوا فرسا لهم صئولا (١) فأتوه به وفيه شكالان، يقودونه بينهم وقالوا له: إنّ في دوابّنا رماكا (٢) أو حجورا (٣) فليكن هذا عندك.
قال: وما نصنع بهذه الحبال؟
فمسح وجهه وأدخل يده بين فخذيه فوقف لا يتحرّك فتعجّبوا من ذلك ساعة. ثم قال لهم:
اذهبوا!
فجلسوا يرمقون ما يكون منه ومن السباع. فقام يصلّي وهم ينظرون. فلما كان في بعض الليل أتته أسد ثلاثة يتلو بعضها بعضا. فتقدّم الأول إليه فشمّه ودار به، ثمّ تنحّى ناحية وربض. وفعل الثاني والثالث كفعل الأوّل. ولم يزل إبراهيم يصلّي ليلته قائما، حتى إذا كان السحر، قال للأسد: ما جاء بكم؟ أتريدون أن تأكلوني؟
امضوا!
فقامت الأسد فذهبت. فلمّا كان الغد، جاء الفزاريّ إلى أولئك فسألهم فقال: أجاءكم رجل؟
قالوا: أتانا رجل مجنون- وأخبروه بقصته.
فقال: أتدرون من هو؟
قالوا: لا.
قال: هو إبراهيم بن أدهم.
فمضوا معه إليه فسلّموا عليه. ثم انصرف به الفزاريّ إلى منزله، فمرّا برجل قد كان إبراهيم
سأله مقودا ساومه به درهما ودانقين. فقال إبراهيم للفزاري: نريد هذا المقود.
فقال الفزاري لصاحب المقود: بكم هذا المقود؟
فقال: بأربعة دوانيق.
فدفع إليه ذلك وأخذ المقود. فقال إبراهيم للفزاري: أربعة دوانيق في كذا، دين من هو؟
[ ... وكذلك الجماد]:
وعن أبي عبد الرحمن المقرئ قال: كان إبراهيم بن أدهم على بعض جنان مكّة يحدّث بعض أصحابه، فقال: لو أنّ وليّا من أولياء الله قال للجبل: زل، لزال.
فتحرّك [١٥ ب] الجبل من تحته، فضرب برجله وقال: اسكن! إنما ضربتك مثلا لأصحابي.
وقال موسى بن طريف: ركب إبراهيم بن أدهم البحر، فأخذتهم ريح عاصف، وأشرفوا على الهلكة. فلفّ إبراهيم رأسه في عباءة ونام، فقالوا له: أما ترى ما نحن فيه من الشدّة؟
فقال: ليس ذا شدّة.
قالوا: ما الشدّة؟
قال: الحاجة إلى الناس.
ثم قال: اللهم أريتنا قدرتك فأرنا عفوك!
فصار البحر كأنه قدح زيت.
وجاء إلى قوم قد ركبوا سفينة في البحر فقال له صاحب السفينة: هات دينارين!
فقال: ليس معي، ولكن أعطيك بين يدي (٤).
فعجب منه وقال: إنما نحن في بحر، فكيف تعطيني؟
стр. 49
ثم أدخله فساروا حتى انتهوا إلى جزيرة في البحر. فقال صاحب السفينة: والله لأنظرنّ من أين يعطيني. هل خبّأ ههنا شيئا؟
فقال: يا صاحب الدينارين، أعطني حقّي!
قال: نعم.
فخرج، فمضى وتبعه الرجل وهو لا يدري، فانتهى إلى آخر الجزيرة فركع. فلما أراد أن ينصرف قال، وهو ساجد: يا ربّ، إن هذا قد طلب مني حقّه الذي عليّ فأعطه عنّي!
فرفع رأسه فإذا ما حوله دنانير، وإذا الرجل، فقال: جئت؟ خذ حقّك ولا تزد، ولا تذكرها!
ومضوا، فأصابتهم عجاجة وظلمة وأحسّوا بالموت. فقال الملّاح: أين صاحب الدينارين؟
أخرجوه!
فجاءوه فقالوا: ما ترى ما نحن فيه؟ ادع الله معنا! فرفع يديه، وأرخى عينيه وقال: يا ربّ قد أريتنا قدرتك، فأذقنا برد عفوك ورحمتك!
فسكنت العجاجة، وساروا.
وفي رواية أنه قال: يا حيّ حين لا حيّ، ويا حيّ قبل كلّ حيّ، يا قيّوم، يا محسن، يا مجمل، قد رأيتنا قدرتك فأرنا عفوك!
فهدأت السفينة من ساعته.
وكان مرة في مركب في البحر فعرّج عليهم العدوّ، فرمى هو ورجل آخر أنفسهما إلى البحر نحو العدوّ فانهزم العدوّ.
وكان إذا غزا اشترط على رفقائه الخدمة والأذان. فأتاه رفقاؤه يوما وقالوا: يا أبا إسحاق إنّا عزمنا على الغزو. ولو علمنا أنك تأكل من متاعنا، لسررنا بذلك.
فقال: أرجو أن يصنع الله.
ثم قال: أستقرض من فلان؟ فلان، لا تخف عليه فلان مرابي! ثم خرّ ساجدا وصبّ دموعه على خديه ثم قال: وا سوأتاه! طلبت من العبيد وتركت مولاي (١)! فأحسن ما يقول العبد: إنما دفع إليّ مولاي مالا، فإن أمرني أن أعطيك فعلت. فأرجع إلى المولى بعد ما بذلت وجهي للعبيد. أليس يقول المولى لي: كان أحقّ أن تطلب مني، لا من غيري؟ وا سوأتاه!
ثم خرج إلى الساحل فتوضّأ وصلّى ركعتين، ثم نصب رجله اليمنى مستقبلا القبلة ثم قال:
اللهمّ قد علمت ما كان وقع في نفسي، وذلك بخطئي وجهلي، فإن عاقبتني عليه، فأنا أهل ذلك، وإن عفوت عني فأنت أهل ذلك وقد عرفت حاجتي.
فوقع في نفسه أن ينظر عن يمينه فإذا نحو من أربعمائة دينار، فتناول منها دينارا. ثم عاد إلى أصحابه فأنكروه وسألوه عن حاله فكتمهم زمانا.
ثم أخبرهم فقالوا: إن كنت تريد الغزو وقد خرج لك ما ذكرت، فهلّا أخذت منه ما تقوى به على الغزو؟
فقال: أتظنّون أن الله لو أراد أن لا يخرج إلا الذي اطّلع عليه من ضميري ل [ما] فعل؟ ولكن أخرج إليّ أكثر مما اطّلع عليه من ضميري ليختبرني. والله لو أنها عشرة آلاف ما أخذت منها إلا الذي اطّلع عليه من ضميري.
وقال عبد الله بن الفرح: كان إبراهيم بن أدهم بالشام يأكل الزيتون ويطرح نوى التمر. وكان بمكة فجاع فاستفّ الرمل فصار في فيه دقيقا.
وكان ذات (٢) يوم على شاطئ البحر فجعل
стр. 50
يقلب الحصى فإذا هو جوهر. فأقبل بعض أصحابه. فلما رآه ألقاه إلى البحر فقال: يا أبا إسحاق تطرح مثل هذا، وعليّ دين؟
فقال له: عليك بالصدق.
وقال أبو النضر الحارث بن النعمان: كان إبراهيم بن أدهم يجتني الرطب من الشجر البلّوط.
وقال [١٦ أ] شقيق بن إبراهيم: لقيت إبراهيم بن أدهم بمكّة في سوق الليل عند مولد النبي ﷺ وهو جالس ناحية من الطريق يبكي. فعدلت إليه وجلست عنده وقلت له: إيش هذا البكاء يا أبا إسحاق؟
فقال: خير.
فعاودته، فلما أكثرت عليه قال لي: يا شقيق، إن أنا أخبرتك تحدّث به ولا تستر عليّ.
فقلت: يا أخي، قل ما شئت.
قال: اشتهت نفسي مذ ثلاثين سنة سكباجا، وأنا أمنعها جهدي. فلما كان البارحة كنت جالسا وقد غلبني النعاس، إذا أنا بفتى شابّ بيده قدح أخضر يعلو منه بخار ورائحة سكباج. فاجتمعت بهمّتي عنه فقرب مني ووضع القدح بين يديّ وقال: يا إبراهيم كل!
فقلت: لا آكل شيئا قد تركته لله .
فقال: ولئن أطعمك الله تأكل!
فما كان لي جواب إلّا [أن] بكيت. فقال لي:
كل يرحمك الله!
فقلت له: فقد أمرنا أن لا نطرح في دعائنا إلّا من حيث نعلم.
فقال: كل عافاك الله، فإنما أعطيت وقيل لي:
«يا خضر، اذهب بهذا وأطعم نفس إبراهيم بن أدهم فقد رحمها الله من طول صبرها على ما يحمّلها من منعها». اعلم يا إبراهيم أني سمعت الملائكة يقولون: من أعطي ولم يأخذ طلب ولم يعط.
فقلت: إن كان كذلك، فههنا بين يديك لأجل العقد مع الله .
ثم التفتّ فإذا بفتى آخر ناوله شيئا وقال: يا خضر، لقّمه أنت!
فلم يزل يلقّمني حتى شبعت، فانتبهت وحلاوته في فمي.
قال شقيق: أرني كفّك. فأخذت كفّه وقبّلتها وقلت: يا من يطعم الجياع الشهوات إذا صححوا المنع، يا من يقدح في الضمير اليقين، يا من يسقي قلوبهم من محبّته، أترى الشقيق عندك ذاك؟
ثم رفعت يد إبراهيم إلى السماء وقلت: بقدر هذا الكفّ وبقدر صاحبه، وبالجود الذي وجده منك، جد على العبد الفقير إلى فضلك وإحسانك ورحمتك، وإن لم يستحقّ ذاك!
فقام إبراهيم ومشى حتّى دخلنا المسجد الحرام.
وقال عديّ الصيّاد من أهل جبلة: سمعت يزيد بن قيس يحلف بالله أنّه كان ينظر إلى إبراهيم بن أدهم وهو على شطّ البحر في وقت؛ فيرى مائدة توضع بين يديه لا يدري من وضعها، ثم يراه يقوم فيتصرّف حتى يدخل جبلة وما معه شيء.
وقال أبو إبراهيم اليماني: خرجنا نسير على ساحل البحر مع إبراهيم بن أدهم فانتهينا إلى غيضة فيها حطب كثير وبالقرب منه حصن. فقلنا لإبراهيم بن أدهم: لو أقمنا هذه الليلة ههنا، وأوقدنا من هذا الحطب؟
فقال: افعلوا.
فطلبنا النار من الحصن، وأوقدنا. وكان معنا
стр. 51
الخبز، فأخرجنا [هـ] نأكل، فقال واحد منّا: ما أحسن هذا الجمر لو كان لنا لحم نشويه عليه!
فقال إبراهيم بن أدهم: إنّ الله لقادر أن يطعمكموه.
فبينا نحن كذلك إذا بأسد يطرد أيلا فلمّا قرب منّا وقع واندقّ عنقه. فقام إبراهيم بن أدهم وقال:
اذبحوه، فقد أطعمكم الله!
فذبحنا وشوينا من لحمه والأسد واقف ينظر إلينا.
وفي رواية: قال: خرجت مع إبراهيم بن أدهم من صور نريد قيساريّة. فلما كنا ببعض الطريق مررنا بمواضع كثيرة الحطب. فقال: إن شئتم بتنا في هذا الموضع فأوقدنا من هذا الحطب.
فقلنا: ذاك إليك يا أبا إسحاق.
فأخرجنا زندا كان معنا فقدحنا ووقدنا تلك الليلة النار فوقع منها جمر كبار فقلنا: لو كان لحم نشويه على هذه النار!
فقال إبراهيم: ما أقدر الله أن يرزقكم!
ثم قام فتمسّح للصلاة واستقبل القبلة. فبينا نحن كذلك إذ سمعنا جلبة شديدة مقبلة، فابتدرنا إلى البحر فدخل كل إنسان منّا في الماء إلى حيث أمكنه حتى خرج ثور ومشى يكدّه (١) أسد. فلما صار عند النار طرحه. فانصرف إبراهيم بن أدهم من صلاته نحو الأسد فقال له: يا أبا الحارث تنحّ عنه فلن يقدّر لك فيه رزق!
فتنحّى. ودعانا، فأخرجنا سكّينا كانت معنا [١٦ ب] فذبحناه، واشتوينا منه بقيّة ليلتنا.
وقال أبو سعدان التاهرتي: سمعت حذيفة المرعشيّ، وقد خدم إبراهيم بن أدهم وصاحبه،
فقيل له: ما أعجب ما رأيت منه؟
فقال: بقينا في طريق مكّة أياما لم نجد طعاما، ثم دخلنا الكوفة فأوينا إلى مسجد خراب، فنظر إليّ إبراهيم وقال: يا حذيفة، أرى بك الجوع.
فقلت: هو ما رأى الشيخ.
فقال: عليّ بداوة وقرطاس.
فجئت به، فكتب: باسم الله الرحيم، أنت المقصود إليه بكل حال، والمشار إليه بكل معنى
[الكامل]:
أنا حامد، أنا شاكر، أنا ذاكر، ... أنا جائع، أنا قانع، أنا عاري
هي ستّة فأنا الضمين لنصفها ... فكن الضمين لنصفها يا جاري
مدحي لغيرك وهج نار خضتها ... فأجر فديتك من دخول النار
ثم دفع إليّ الرقعة وقال: اخرج ولا تعلّق قلبك بغير الله، وادفع الرقعة إلى أوّل من يلقاك.
فخرجت، فأوّل من لقيني رجل على بغلة فأخذها وبكى. وقال: ما فعل صاحب هذه الرقعة؟
قلت: هو في المسجد الفلانيّ.
فدفع إليّ صرّة فيها ستّمائة دينار. ثم لقيت رجلا آخر فقلت: من صاحب هذه البغلة؟
قال: نصرانيّ.
فجئت إلى إبراهيم فأخبرته بالقصّة فقال: لا تمسّها، فإنه يجيء الساعة.
فلمّا كان بعد ساعة وافى النصرانيّ فأكبّ على رأس إبراهيم وأسلم.
وعن أبي إبراهيم اليماني: قلت لإبراهيم بن أدهم: يا أبا إسحاق، إنّ لي مودّة وحرمة، ولي حاجة.
стр. 52
قال: وما هي؟
قلت: تعلّمني اسم الله المخزون.
فقال لي: هو في المسبّحات.
ثم أمسكت عنه أياما، ورأيته طيّب النفس فقلت: يا أبا إسحاق، إنّ لي مودّة وحرمة، ولي حاجة.
قال: وما هي؟
قلت: تعلّمني اسم الله المخزون.
قال: بلى. هو في العشر الأوّل من الحديد، لست أزيدك على هذا.
[شيء من مواعظه]:
وقال إبراهيم بن بشّار: سمعت إبراهيم بن أدهم يقول هذا كثيرا: دارنا أمامنا، وحياتنا بعد موتنا، إما إلى الجنّة، وإما إلى النار.
وسمعته يقول: يا ابن بشار، مثّل لبصر قلبك حضور ملك الموت وأعوانه لقبض روحك، فانظر كيف تكون. مثّل له هول المطلع ومساءلة منكر ونكير، فانظر كيف تكون. ومثّل له القيامة وأهوالها، والعرض والحساب والوقوف، وانظر كيف تكون.
ثمّ صرخ صرخة فوقع مغشيّا عليه.
وسمعته يقول: إنّ للموت كأسا لا يقوى على تجرّعها إلّا خائف وجل طائع لله قد كان يتوقّعها.
فمن كان مطيعا فله الحياة والكرامة والنجاة من عذاب القيامة، ومن كان عاصيا ترك بين الحسرة والندامة يوم الصاخّة والطامّة.
وسمعته يقول: إخوتي، عليكم بالمبادرة والجدّ، وسارعوا وسابقوا فإنّ نعلا فقدت أختها سريعة اللحاق بها.
ونظر إلى رجل قد أصيب بمال ومتاع كثير، [و] وقع الحريق في دكّانه، فاشتدّ جزعه حتى خولط في عقله فقال له: يا عبد الله، إنّ المال مال الله، متّعك به إذ شاء، وأخذه منك إذ شاء. فاصبر لأمره ولا تجزع، فإنّ تمام شكر الله على العافية الصبر له على البليّة، ومن قدّم وجد، ومن أخّر ندم.
وقال لأبي ضمرة الصوفيّ وقد رآه يضحك: يا أبا ضمرة، لا تطمعن في ما لا يكون، ولا تيأس ممّا يكون!
فقلت له: يا أبا إسحاق، ما معنى هذا؟
فقال: ما فهمته؟
قلت: لا.
قال: لا تطمعن في بقائك، وأنت تعلم أنّ مصيرك إلى الموت. فلم يضحك من يموت ولا يدري أين يصير بعد موته، إلى جنّة أم إلى نار؟ ولا تيأس ممّا يكون، أنت لا تدري أيّ وقت يكون الموت، صباحا أو مساء، [بليل] [١٧ أ] أو نهار.
ثمّ قال: أوه! أوه! وسقط مغشيّا عليه.
وسمعته يقول: أشدّ الجهاد جهاد الهوى، من منع نفسه هواها فقد استراح من الدنيا وبلاها، وكان محفوظا معافى من أذاها.
وسمعته يقول: الهوى يردي، وخوف الله يشفي. فاعلم أنّ ما يزيل عن قلبك هواك إذا خفت من تعلم أنه يراك (١).
وسمعته يقول: اذكر ما أنت صائر إليه حقّ ذكره، وتفكّر فيما مضى من عمرك هل تثق به وترجو به النجاة من عذاب ربّك، فإنك إذا كنت كذلك شغلت قلبك بالاهتمام بطريق النجاة عن
стр. 53
طريق اللاهين الآمنين المطمئنّين الذين أتبعوا أنفسهم هواها فوقفهم على طريق هلكتهم. لا جرم سوف يعلمون، وسوف يتأسّفون، وسوف يندمون، وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ [الشعراء: ٢٢٧].
وسمعته يقول: خالفتم الله فيما أنذر وحذّر، وعصيتموه فيما نهى وأمر، وكذبتموه فيما وعد وبشّر. وإنما تحصدون ما تزرعون، وتكافئون بما تفعلون، وتجزون بما تعملون. فانتبهوا من وسن رقدتكم لعلّكم تفلحون.
وسمعته يقول: ما لنا نشكو فقرنا إلى مثلنا، ولا نطلب كشفه من ربّنا؟ ثكلت عبدا أمّه أحبّ الله ونسي ما في خزائن مولاه.
وسمعته يقول: لا يقلّ مع الحقّ فريد ولا يقوى مع الباطل عديد.
وقال: إذا كنت بالليل نائما، وبالنهار هائما، وبالمعاصي دائما، فمتى ترضي من لم يزل لأمرك قائما؟
وعن بقيّة بن الوليد: كنت مع إبراهيم بن أدهم في بعض قرى الشام، ومعه رفيق له. فجعلنا نمشي حتى بلغنا إلى موضع حشيش وماء. فقال لرفيقه: أمعك شيء؟
فقال: نعم، في المخلاة كسيرات.
فجلس ينثرها فجعل يأكل، فقال: يا بقيّة، ما أغفل الناس عمّا أنا فيه من النعيم! ما لي أحد يموت، ولا أحد أهتمّ به.
فتغيّر وجهي. فقال: ألك عيال؟
قلت: نعم.
فقال: ولعلّ روعة صاحب عيال أفضل ممّا أنا فيه.
ثم قام. فقلت: يا أبا إسحاق، عظني بشيء!
فقال: يا بقيّة، كن ذنبا ولا تكن رأسا، فإنّ الذنب ينجو ويهلك الرأس.
ودخلت عليه، وهو يبكي في مسجد بيروت، ووجهه إلى الحائط، وهو يضرب بيديه جميعا على رأسه. فقلت: ما يبكيك؟
فقال: ذكرت يوما تتقلّب فيه القلوب والأبصار.
وعن إبراهيم بن بشار: سمعت إبراهيم بن أدهم يقول، ويتمثّل بهذا البيت إذا خلا في جوف الليل، بصوت حزين موجع القلب [مجزوء الخفيف]:
وفتيّ أخو ضنى ... وكبير أخو علل
فمتى ينقضي الرّدى ... ومتى ويحك العمل؟
ثمّ قال: يا نفس، إيّاك والغرّة بالله تعالى، وقد قال الصادق : فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ [لقمان: ٣٣].
وقال لرجل: ما آن لك أن تتوب؟
فقال: حتّى يشاء الله.
فقال له: فأين حزن الممنوع؟
وقال: إنّك إن أدمت النظر في مرآة التوبة بان لك قبيح شين المعصية.
وكتب إلى سفيان الثوري: من عرف ما يبطل هان عليه ما يبذل. ومن أطلق بصره طال أسفه، ومن طال أمله ساء عمله، ومن أطلق لسانه قتل نفسه.
وقال: خلّوا لهم دنياهم يخلّوا بينكم وبين أخراكم، وخلّوا لهم شهواتهم يحبّوكم.
стр. 54
وقال له رجل (١): أنت إبراهيم بن أدهم؟
قال: نعم.
قال: من أين معيشتك؟
قال [الطويل]:
نرقّع دنيانا بتمزيق ديننا ... فلا ديننا يبقى ولا ما نرقّع (٢)
فقال: اخرج عنّي!
فخرج وهو يقول [مجزوء الخفيف]:
اتخذ الله صاحبا ... ودع الناس جانبا (٣)
وقيل له: لم حجبت القلوب عن الله؟
قال: لأنها أحبّت ما أبغض الله: أحبّت الدنيا ومالت إلى دار الغرور، واللهو واللعب [١٧ ب] وتركت العمل لدار فيها حياة الأبد، [في نعيم] لا يزول ولا ينفد، خالدا مخلّدا، في ملك سرمد، لا نفاد له ولا انقطاع.
وسئل: بم يتمّ الورع؟
قال: بتسوية كلّ الخلق في قلبك، والاشتغال عن عيوبهم بدينك، وعليك باللفظ الجميل، من قلب ذليل، لربّ جليل. فكّر في ذنبك، وتب إلى ربّك، ينبت الورع في قلبك، واقطع الطمع إلّا من ربّك.
وقال: ليس من أعلام الحبّ أن تحبّ ما يبغضه حبيبك. ذمّ مولانا الدنيا فمدحناها، وأبغضها فأحببناها، وزهّد فيها فآثرناها ورغبنا في طلبها.
ووعدكم خراب الدنيا فحصّنتموها، ونهاكم عن طلبها فطلبتموها، وأنذركم الكنوز فكثّرتموها.
دعتكم إلى الغرّارة دواعيها، فأجبتم مسرعين مناديها. خدعتكم بغرورها، ومنّتكم فأقررتم خاضعين لأمانيها، تمرحون في زهراتها، وتتنعّمون في لذّاتها، وتتقلّبون في شهواتها، وتتلوّثون بتبعاتها، وتنبشون مخالب الحرص عن خرابها، وتحفرون بمعاول الطمع في شهواتها، وتبتنون بالفضلة في أماكنها وت [ت] حصّنون بالجهل في مساكنها.
وقال: قد رضينا من أعمالنا بالمعاني، ومن طلب التوبة بالتواني، ومن العيش الباقي بالعيش الفاني.
وقال: لا تجعل بينك وبين الله منعما عليك، وإذا سألت فاسأل الله أن ينعم عليك ولا تسأل المخلوقين، وعدّ النعم منهم مغرما.
وقال: مررت في بعض جبال الشام، فإذا الحجر مكتوب عليه نقش بالعربية [المقتضب]:
كلّ حيّ وإن بقي ... فمن العيش يشتقي
فاعمل اليوم واجتهد ... واحذر الموت يا شقيّ
فبينما أنا أقرأ وأبكي إذ أتى رجل أشعث أغبر، عليه مدرعة من شعر. فسلّم عليّ فرددت ﵇، فقال: ما يبكيك؟
فأخبرته. فقال: وأنت لا تبكي ولا تتّعظ حتى توعظ؟ فسر معي حتّى أقرئك غيره.
فمضيت معه غير بعيد، فإذا بصخرة عظيمة شبه المحراب، فقال: اقرأ وابك ولا تقصّر!
ثم قام يصلّي، فإذا في أعلاه نقش بيّن عربيّ [الكامل]:
لا تبغين جاها وجاهك ساقط ... عند المليك وكن لجاهك مصلحا
стр. 55
وفي الجانب الأيمن، مكتوب [المنسرح]:
من لم يثق بالقضاء والقدر ... لاقى هموما كثيرة الضرر
[وفي الجانب الأيسر منه نقش بيّن عربيّ]:
ما أزين التقى وما أقبح الخنا وكلّ مأخوذ بما جنى، وعند الله الجزاء وفي أسفل المحراب فوق الأرض، مكتوب [المقتضب]:
إنّما العزّ والغنى ... في تقى الله والعمل
فلمّا قرأته التفتّ إلى صاحبي فلم أره، فلا أدري مضى أو حجب عنّي؟
وكتب إليه عمر بن المنهال القرشيّ أن عظني موعظة أحفظها عنك.
فكتب إليه: أمّا بعد، فإن الحزن على الدنيا طويل، والموت من الإنسان قريب، وللنقص في عمره كلّ وقت نصيب، وللبلى في جسمه دبيب.
فبادر بالعمل قبل أن تنادى بالرحيل، واجتهد بالعمل في دار الممرّ قبل أن ترتحل إلى دار المقرّ.
وقال: أثقل الأعمال في الميزان أثقلها على الأبدان. ومن وفّى وفّي له الأجر. ومن لم يعمل رحل من الدنيا إلى الآخرة بلا قليل ولا كثير.
وقيل له: كيف أصبحت؟
فقال: بخير، ما لم يحمل مؤنتي غيري.
وقال: كلّ سلطان لا يكون عادلا، فهو واللصّ بمنزلة واحدة. وكلّ عالم لا يكون ورعا، فهو والذئب بمنزلة واحدة. وكلّ من يخدم سوى الله، فهو والكلب بمنزلة واحدة.
وقال: كنّا، إذا سمعنا الشابّ يتحدّث في المجلس أيسنا من خيره.
وشكا إليه رجل كثرة عياله. فقال له: انظر كلّ من في منزلك ليس رزقه على الله، فحوّله إلى منزلي.
وقال بشر بن الحارث الحافي: سمعت إبراهيم بن أدهم يقول: وقفت على راهب في جبل لبنان، فناديته فأشرف عليّ، [١٨ أ] فقلت له: عظني!
فأنشأ يقول [الخفيف]:
خذ عن الدنيا جانبا ... كي يعدّوك راهبا
إنّ دهرا أظلّني ... قد أراني العجائبا
قلّب الناس كيف شئ ... ت تجدهم عقاربا
قال بشر: فقلت لإبراهيم: هذه موعظة الراهب، فعظني أنت! فأنشأ يقول [الطويل]:
توحّش من الإخوان لا تبغ مؤنسا ... ولا تتّخذ أخا ولا تبغ صاحبا
وكن سامريّ الفعل من نسل آدم ... وكن أوحديّا ما قدرت مجانبا
فقد فسد الإخوان والحبّ والإخا ... فلست ترى إلّا مروقا وكاذبا
فقلت: ولولا أن يقال مدهده ... وتنكر حالاتي، لقد صرت راهبا
٢٥ - أبو إسحاق القارّيّ [- ٢٠٥] (١)
إبراهيم بن إسحاق بن إبراهيم بن إسحاق بن عبد الرحمن بن عبد الله بن عمرو بن حبيب بن سعد بن حبيب بن كليب بن سحلة بن غالب بن عابدة بن تبيع بن مليح بن الهون بن خزيمة، أبو
стр. 56
إسحاق، القارّيّ- من القارّة (١) - حليف بني زهرة.
حدّث عن عثمان بن صالح، وسعيد بن عفير. وكان رجلا صالحا.
ولّاه السريّ بن الحكم أمير مصر القضاء بعد لهيعة بن عيسى. وجمع له مع القضاء القصص في يوم الاثنين لعشر بقين من ذي القعدة سنة أربع ومائتين.
قام ستّة أشهر، ثمّ اختصم إليه رجلان في شيء فأمر بالكتاب على أحد الرجلين بإنفاذ الحكم. فشفع الرجل بابن أبي عون إلى السريّ، فأمره السريّ أن يتوقّف عن الحكم، فإن اصطلحا وإلّا حكم بينهما. فجلس إبراهيم في منزله. فركب السريّ وسأله الرجوع، فقال: لا أعود إلى ذلك المجلس أبدا. ليس في الحكم شفاعة.
فولّى السّريّ إبراهيم بن الجرّاح (٢).
فولي إبراهيم بن إسحاق إلى أن صرف في جمادى الأولى سنة خمس ومائتين. ومات في جمادى الآخرة منها.
قال الدارقطني: حدثنا الحسن بن رشيق بمصر: حدّثنا الحسن بن آدم العسقلانيّ:
حدّثنا يحيى بن عثمان بن صالح: حدّثني أبي: حدّثنا إبراهيم بن إسحاق قاضي مصر وحليف بني زهرة قال: أنا حملت رسالة الليث بن سعد إلى مالك وأخذت جوابها. فكان مالك يسائلني عن ابن لهيعة، فأخبرته بحاله.
فجعل مالك يقول: فابن لهيعة ليس يذكر الحجّ؟
فسبق إلى قلبي أنّه يريد السّماع منه ومشافهته.
٢٦ - أبو إسحاق ابن السلّار الدمشقي [٦٢٥ - ٦٨١]
إبراهيم بن إسحاق بن إبراهيم بن إسماعيل بن عمر بن بختيار السلار، أبو إسحاق، الدمشقيّ، الحنفيّ.
ولد بدمشق في الثامن عشر ذي الحجّة سنة خمس وعشرين وستّمائة.
وقدم القاهرة، وحدّث بها عن الحسين بن المبارك الزبيديّ بجزء ابن الجهم بسماعه من أبي الوقت، فسمع منه جماعة. وتكلّم فيه قاضي القضاة أبو محمد مسعود بن أحمد الحارثيّ فقال:
لا تحلّ الرواية عنه.
ومات بالفيّوم سنة إحدى وثمانين وستّمائة.
٢٧ - ابن السمسار البزّاز
إبراهيم بن إسحاق بن إبراهيم بن يعقوب بن يوسف، الإسكندرانيّ، البزّاز، يعرف بابن السمسار.
يروي عن النسائيّ.
قال ابن الطحّان: حدّثونا عنه.
٢٨ - إبراهيم بن إسحاق النحويّ
إبراهيم بن إسحاق بن إبراهيم التجيبيّ النحويّ. يروي عن ابن وهب، وعنبسة بن خالد.
روى عنه أبو يعقوب إسحاق بن إبراهيم بن موسى بن نصير الجلّاب، وأبو العبّاس أحمد بن يحيى بن خالد بن حيّان الرقّيّ، وأبو عبد الله محمد بن يوسف بن بشر الهرويّ.
стр. 57
٢٩ - شرف الدين المناويّ [- ٧٥٧] (١)
إبراهيم بن إسحاق بن إبراهيم، شرف الدين، أبو إسحاق، ابن بهاء الدين، المناوي.
٣٠ - أبو إسحاق الزرزانيّ [- ٦٧٠]
إبراهيم بن إسحاق بن الخضر، برهان الدين، أبو إسحاق [١٨ ب] الزرزانيّ، المالكيّ.
ولد قبل ستّمائة بسنتين أو ثلاث، وكان من الفقهاء الورعين.
حدّث بكتاب الشفاء لعياض عن أبي الحسين أحمد بن محمد بن جبير، بسماعه منه عن أبي عبد الله التميميّ عن عياض.
وتوفيّ سنة سبعين وستّمائة.
٣١ - إبراهيم بن إسحاق العريفيّ
إبراهيم بن إسحاق بن صالح بن العلاء، الصدفيّ، الحضرميّ، العريفيّ- نسبة إلى عريف، بعين مهملة مضمومة، وراء مهملة مفتوحة، وياء آخر الحروف ساكنة، ثمّ فاء: بطن من حضرموت- من السلق.
يروي عن سعيد بن مريم، وأسد بن موسى (٢).
٣٢ - أبو إسحاق السمرقنديّ
إبراهيم بن إسحاق بن عمر، أبو إسحاق، السمرقنديّ.
روى عن محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، وسعيد بن محمد البيروتيّ، ومحمد بن عليّ بن داود ابن أخت غزال، وأبي عبيد الله ابن أخي وهب، وعبد الرحمن بن محمّد بن سلّام، والربيع
ابن سليمان، ومحمد بن عبد الرحيم البغداديّ.
وروى عنه عبيد الله بن الحسن بن إبراهيم الضرّاب. وسمع منه أبو أحمد بن عديّ بمصر.
٣٣ - نجم الدين البهنسيّ [- ٦٤٧]
إبراهيم بن إسحاق بن محمد، نجم الدين، القرشيّ، ابن أخت الوزير مجد الدين أبي (٣) الأشبال الحارث بن مهلّب بن حسن، البهنسيّ.
استشهد في وقعة الفرنج على المنصورة يوم الثلاثاء رابع ذي القعدة سنة سبع وأربعين وستّمائة.
٣٤ - أبو إسحاق التمّار
إبراهيم بن إسحاق بن محمد، أبو إسحاق، التنيسيّ، التمّار.
سمع بمصر من أبي الفضل العبّاس بن علي بن الحسن بن مسافر البغداديّ.
روى عنه أحمد بن إبراهيم بن أحمد بن عطيّة ابن الحدّاد.
٣٥ - قطب الدين حفيد صاحب الموصل [- ٧٣٨]
إبراهيم بن إسحاق بن لؤلؤ، قطب الدين، حفيد الملك الرحيم بدر الدين، أبي المعروف، صاحب الموصل.
سمع من أبي عيسى عبد الله بن عبد الواحد بن علّاق وغيره. وتوفّي بمصر يوم الثلاثاء، رابع عشر شوّال سنة ثمان وثلاثين وسبعمائة، ودفن بتربة والده بالقرافة (٤).
стр. 58
٣٦ - أبو إسحاق الوزيريّ [٦١٩ - ٦٨٤] (١)
إبراهيم بن إسحاق بن مظفّر بن عليّ، برهان الدين، أبو إسحاق، المعروف بالوزيريّ- نسبة إلى الحارة الوزيريّة بالقاهرة- المقرئ، أحد أعيان القرّاء.
حفظ القرآن، وقرأ بالروايات على تقيّ الدين ابن القويّ بن المغربل صاحب أبي الجود. وقرأ بعدّة كتب على جماعة وحصّل إجازات في القراءات السبع. فأخذ عن الكمال أبي الحسن علي بن شجاع بن سالم القرشيّ، وعلم الدين القاسم ابن اللورقيّ، وابن العصّار، وأبي الحسن عليّ بن محمّد الدهّان، والكمال إبراهيم بن إسماعيل بن فارس، وتقيّ الدين عبد القويّ [بن] المغربل. وسمع الحديث.
وقرأ عليه ولده أبو الفضل إسحاق بن إبراهيم (٢).
ومولده سنة تسع عشرة وستّمائة. ووفاته بوادي بني سالم بين مكّة والمدينة في الخامس عشر ذي الحجّة سنة أربع وثمانين وستّمائة، بعد ما تصدّر للإقراء فقرأ عليه جماعة.
٣٧ - أبو إسحاق البنديجيّ المتكلّم
إبراهيم بن إسحاق، أبو إسحاق، البنديجيّ.
كان من أهل الكلام من أصحاب إبراهيم بن سيّار النظّام. قدم مصر.
ومن شعره في غلام التحى [الكامل]:
ما زلت تمطلنا بعذلك ... حتّى أتاك كتاب عزلك
فانظر إلى عنوانه ... في الخدّ يخبرنا بذلّك
وهو القائل [الخفيف]:
لو رمانا بالكفر كلّ الأنام ... ما عدلنا عن مذهب النظّام
ما عدلنا عن الذي نصر الح ... قّ وأرسى قواعد الإسلام
ونفى عن إلهه كلّ ظلم ... جلّ عنه ذو الفضل والإنعام
فاقتل العادلين عن واضح الح ... جّة يا ذا الجلال والإكرام [١٩ أ]
وقال [السريع]:
لا صبر للصبّ على كلّ ذا ... شربكم الصفو ويبقى القذى
من غلب الحبّ على قلبه ... فارق ما يهوى وقاسى الأذى
لا حبّذا الهجران من قادم ... نغّص لي نومي لا حبّذا
قد صرت نضوا في هواكم فمن ... أنكر ما بي فليكن هكذا
وللحسين بن عبد السلام الجمل (٣) فيه أهاج.
٣٨ - أبو إسحاق الطليطليّ [- ٣٨٢] (٤)
إبراهيم بن إسحاق بن أبي زرد، أبو إسحاق، الطليطليّ.
كان فاضلا خيّرا عابدا حافظا للتفسير. دخل إلى المشرق وسمع به.
стр. 59
وشهد جنازة السبائيّ العابد بالقيروان (١).
وحدث.
توفّي سنة اثنتين وثمانين وثلاثمائة.
٣٩ - أبو إسحاق الواسطيّ [- ٢٨٥] (٢)
إبراهيم بن أحمد بن مروان بن نافع، أبو إسحاق، الواسطيّ. قال ابن يونس: قدم مصر وحدّث بها. وذكر الخطيب أنّه حدّث ببغداد عن هدبة بن خالد، وجبارة بن المغلّس، وخليفة بن خيّاط وجماعة.
روى عنه أحمد بن سليمان الطبرانيّ وقال: ليس بالقويّ (٣).
٤٠ - ابن شيخ الإسلام الأمويّ [٦٢٥ - ٦٧٣]
إبراهيم بن أحمد بن موسى بن أبي بكر بن الخضر ابن إبراهيم بن أحمد بن يوسف بن جعفر بن عرفة ابن المأمون بن الوليد بن القاسم بن الوليد بن عتبة بن أبي سفيان، أبو إسحاق، ابن أبي العبّاس، المعروف بابن شيخ الإسلام، القرشيّ، الأمويّ.
مولده في شهر ربيع الأوّل سنة خمس وعشرين وستّمائة. وحدّث بالقاهرة عن أبي المنجّى عبد الله بن عمر ابن اللتي (٤) وغيره.
ومات بها في رابع عشر جمادي الآخرة سنة ثلاث وسبعين وستّمائة.
٤١ - تقيّ الدين ابن ناشئ [- ٦٩٢]
إبراهيم بن أحمد بن ناشئ، تقيّ الدين، الشافعيّ.
قرأ القراءات عن أبيه. وسمع الحديث منه ومن الحافظ تقيّ الدين أبي الفتح ابن دقيق العيد وأعاد بقوص.
وبها مات سنة ثنتين وتسعين وستّمائة.
٤٢ - غرس الدولة البويهيّ [- ٤٠٠] (٥)
إبراهيم بن أحمد بن بويه بن فنّا خسرو بن إتمام ابن كوهي بن شيرذيل، أبو إسحاق، عمدة الدولة، وغرس الدولة الحاكميّة، ابن السلطان معزّ الدولة، أبي الحسن، ابن أبي شجاع، البويهيّ، الديلميّ.
ملك أبوه العراق وحكم بغداد إلى أن مات.
فقام بالسلطنة بعده ابنه عزّ الدولة أبو منصور بختيار ابن معزّ الدولة. وثار عليه سبكتكين الحاجب بمن اجتمع إليه من الترك. فأتاه عضد الدولة أبو شجاع فنّا خسرو ابن ركن الدولة أبي عليّ الحسن بن بويه لنجدته، فجرت أمور آلت إلى أن قبض على بختيار، وسجنه وأخويه، إبراهيم هذا ومحمد. فأنكر عليه أبوه ركن الدولة فعله. فأخرج بختيار وقلّده نيابته بالعراق وجعل إلى أخيه إبراهيم أمر الأجناد لضعف بختيار. وعاد عضد الدولة إلى فارس في شوّال سنة أربع وستّين وثلاثمائة. وأقام بختيار ببغداد، وقد ثبت ملكه بأخيه إبراهيم، فتشاغل باللعب على عادته. فاتّفق موت عمّه ركن الدولة الحسن بن بويه في المحرّم سنة ستّ وستّين، وقيام ولده عضد الدولة من بعده بعهده إليه. فسار يريد أخذ بغداد من بختيار، فلم يطق بختيار مقاومته، وانحدر، ومعه أخوه إبراهيم، إلى واسط ثمّ إلى الأهواز. فحاربهما عضد الدولة في ذي القعدة منها وهزمهما، فجرت
стр. 60
أمور استقرّت على تملّك عضد الدولة بغداد وأخذه بختيار وقتله في [١٩ ب] شوّال سنة تسع وستّين [وثلاثمائة] فلحق إبراهيم بأبي تغلب فضل الله ابن ناصر الدولة أبي عبد الله الحسين بن سعيد بن حمدان، ومعه أمّه، وأخوه أبو طاهر محمّد، وأبو كاليجار مرزبان بن بختيار. فلم يقرّ لأبي تغلب قرار، وكثرت الحروب بين عضد الدولة وبينه، فسار عنه إبراهيم بأخيه إلى دمشق، يريد هفتكين الشرابيّ المتغلّب على الشام، وكان غلام معزّ الدولة أحمد بن بويه. فتلقّاه هفتكين وأكرمه، وحمله ومن معه. وسار إلى الرملة وقد عزّ بهم جانبه ليحارب أمير المؤمنين العزيز بالله أبا منصور نزار ابن المعزّ لدين الله أبي تميم معدّ. فما هو إلّا أن لقي العزيز [ف] فرّ بعد ما قتل كثير من أصحابه. واستأمن إبراهيم والمرزبان، وقتلأبو طاهر. فأمّن العزيز إبراهيم والمرزبان، وسارا معه إلى القاهرة واستوطناها.
فلمّا مات العزيز وقام في الخلافة بعده ابنه الحاكم بالله أبو عليّ المنصور، نعت إبراهيم ب «غرس الدولة الحاكميّة» وقوّده، فاستمرّ من أجلّ القوّاد إلى أن مات يوم الأحد الثاني من شهر ربيع الأوّل سنة أربعمائة.
٤٣ - ابن مهران الكوفيّ [- ٢٧٠]
إبراهيم بن أحمد بن جعفر بن الحسن بن مهران.
قدم مع أخيه أبي العلاء محمد بن أحمد الذهليّ الكوفي إلى مصر وحدّث.
مات بتنيس سلخ جمادى الأولى سنة سبعين ومائتين.
٤٤ - إبراهيم البرقيّ [- بعد ٣٩١]
إبراهيم بن أحمد بن جعفر بن هارون بن محمّد الأزديّ، الأطرابلسيّ، البرقيّ.
ولد بطرابلس الغرب، وسكن برقة، وحدّث.
وكان حيّا في سنة إحدى وتسعين وثلاثمائة. قدم مصر.
٤٥ - أبو إسحاق الرفاعيّ [- ٣٥٢] (١)
إبراهيم بن أحمد بن الحسن بن عليّ، أبو إسحاق، الرفاعيّ، البغداديّ.
سكن مصر وحدّث بها عن جعفر بن محمد الفريابيّ.
ومات بها يوم الثلاثاء ثاني ذي الحجّة سنة ثنتين وخمسين وثلاثمائة.
٤٦ - أبو إسحاق القرميسينيّ [- ٣٥٨] (٢)
إبراهيم بن أحمد بن الحسن بن مهران، أبو إسحاق القرميسينيّ، المقرئ، الصوفيّ، الخيّاط.
طوّف البلاد شرقا وغربا. وسمع بمصر أبا عبد الرحمن النسائيّ، والحسين بن حميد العكّي، وأحمد ابن إبراهيم بن مرزوق، وأحمد بن داود الحرّاني، وبدمشق وصور وتنيس وعسقلان وبيت المقدس، وبخراسان وأصبهان والعراق، من جماعة.
стр. 61
روى عنه الدارقطنيّ وغيره، وكان ثقة صالحا.
استوطن الموصل ومات بها سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة.
٤٧ - أبو إسحاق الجهني [- ٣٣١]
إبراهيم بن أحمد بن سهل بن الربيع بن سليمان، أبو إسحاق، الجهنيّ، مولاهم.
سمع من بكّار بن قتيبة وغيره، وحدّث.
مات في شهر رجب سنة إحدى وثلاثين وثلاثمائة.
٤٨ - أبو إسحاق الشرفيّ [- ٥٣٦]
إبراهيم بن أحمد بن شرف، أبو إسحاق، الشرفي، الإسكندرانيّ المصلي (١).
روى عن الإمام الزاهد أبي بكر محمد بن إبراهيم الرازي الحنفيّ وغيره.
وكتب عنه السّلفيّ وقال: توفّي آخر جمادى الأولى سنة ستّ وثلاثين وخمسمائة.
٤٩ - ابن حميدان الأسوانيّ الشاعر [- ٧٣٥] (٢)
إبراهيم بن أحمد بن طلحة، أبو إسحاق، المزنيّ، الأسوانيّ، المعبّر، المعروف بابن حميدان، الشاعر المشهور، الأديب المعروف.
روى عنه عبد القويّ بن وحشيّ، وأبو عبد الله محمد بن علي بن محمد الأسيوطيّ. وله ديوان شعر يدلّ على فضله ويشهد بنبله. فمن شعره قوله [الطويل]:
أرى كلّ من أصفيته الودّ مقبلا ... عليّ بوجه، وهو بالقلب معرض [٢٠ أ]
حذار من الإخوان إن شئت راحة ... فقرب بني الدنيا لمن صحّ ممرض
بلوت كثيرا من أناس صحبتهم ... فما منهم إلّا حسود ومبغض
فقلبي على ما يسخن العين منطو ... وطرفي على ما يحزن القلب مغمض
وأورد له مجد الملك ابن شمس الخلافة في كتاب «الأرج الشائق إلى كرم الخلائق» في ذكر الشعراء الذين مدحوا سراج الدين جعفر بن حسّان الإسنائي (٣) قصيدة مدح بها ابن حسّان أوّلها [الكامل]:
السحب تعجز عن أقلّ نوالكا ... ولمثل هذا الجود كنت المالكا
لا فخر للشعراء في إفصاحهم ... وجدوا ببرّك للمديح مسالكا
إن أصبحوا خدّام مجدك رغبة ... فالدهر أصبح خادما لجلالكا
ما لابن حسّان ضريب في الورى ... أنّى بهذا الخلق يوجد ذلكا؟
قاض متى أمّلته لملمّة ... جادت مواهبه على آمالكا
لا تسألنه إن حللت بربعه ... فالجود منه سابق لسؤالكا
وقال فيه لمّا حضر لى ثغر أسوان [السريع]:
حلّ سراج الدين في ثغرنا ... فزانه حسنا وحلّاه
стр. 62
تاه برؤياه فلو أنّه ... يفصح بالقول لحيّاه
فاعجب لضيف نحن ضيفانه ... كأنّما نحن بمغناه
٥٠ - إبراهيم الخوّاص الصوفيّ [- ٢٩١] (١)
إبراهيم بن أحمد بن طلحة، أبو إسحاق، المزنيّ، الأسوانيّ، ابن أبي إسماعيل، الخوّاص.
أبو إسحاق هو آخر من سلك طريق التوكّل ووفّق فيها. وكان أوحد المشايخ في وقته. وكان من أقران أبي القاسم الجنيد، والنوري، وله بالتوكّل والرياضات حظّ كبير.
قدم مصر. قال القشيري: سمعت أبا عبد الرحمن السلميّ يقول: سمعت الحسن بن يحيى يقول: سمعت جعفرا يقول: قال إبراهيم الخوّاص: لقيت غلاما في التيه كأنّه سبيكة فضّة، فقلت: إلى أين يا غلام؟
فقال: إلى مكّة.
فقلت: بلا زاد ولا راحلة ولا نفقة؟
فقال: يا ضعيف اليقين، أليس الذي يقدر على حفظ السماوات والأرضين يقدر على أن يوصلني إلى مكّة بلا علاقة (٢)؟
فلمّا دخلت مكّة إذ أنا به في الطواف، وهو يقول [الرجز]:
يا عين سحّي أبدا ... يا نفس موتي كمدا
ولا تحيّي أحدا ... إلّا الجليل الصمدا
فلمّا رآني قال: يا شيخ، أنت بعد على ذلك الضعف من اليقين؟
مات إبراهيم بالريّ سنة إحدى وتسعين ومائتين بجامع الريّ. كان مبطونا، فكان كلّما قام توضّأ وعاد إلى المسجد وصلّى ركعتين. فدخل مرّة الماء فمات ﵀.
ومن كلامه: ليس العلم بكثرة الرواية، إنّما العالم من اتّبع العلم واستعمله واقتدى بالسنن، وإن كان قليل العلم.
وقال: دواء القلب خمسة أشياء: قراءة القرآن بالتدبّر، وخلاء البطن، وقيام الليل، والتضرّع عند السحر، ومجالسة الصالحين.
وقال: من لم يصبر لم يظفر. ومن لم تبك الدنيا عليه لم تضحك الآخرة إليه. والعلم كلّه في كلمتين: لا تتكلّف ما كفيت ولا تضع ما استكفيت. ليكن لك قلب ساكن وكفّ فارغ، وتذهب النفس حيث شاءت.
٥١ - الرشيد الإسنائيّ [- ٧٠٨] (٣)
إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن عبد الرحيم، الرشيد، ابن المستنير، الإسنائيّ، أحد عدول [٢٠ ب] إسنا وشعرائها.
له ديوان شعر غنّي منه بإسنا مدّة من الزمان بها. ومات فيها يوم السابع عشر جمادى الأولى سنة ثمان وسبعمائة. وإسنا [ ... ]
стр. 63
٥٢ - ابن عليّة المتكلّم [(١٥١) - ٢١٨] (١)
إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن مقسّم، أبو إسحاق، البصريّ، الأسديّ، المعروف بابن عليّة المتكلّم.
قدم مصر وسكنها. وله مصنّفات في الفقه تشبه الجدل. وكان يقول بخلق القرآن. وجرت له مع الإمام الشافعيّ ﵀ مناظرات ببغداد ومصر.
قال صالح كاتب الليث: كنّا مع الشافعي في مجلسه فجعل يتكلّم في تثبيت خبر الواحد عن النبيّ ﷺ . فكتبناه وذهبنا به إلى إبراهيم بن عليّة.
وكان من غلمان أبي بكر الأصمّ، وكان مجلسه بمصر عند باب الضوالّ. فلمّا قرأناه عليه جعل يحتجّ لإبطاله. فكتبنا ما قال وذهبنا إلى الشافعيّ فنقضه، وتكلّم بإبطال ما قال ابن عليّة. ثم كتبنا ما قال الشافعيّ وذهبنا به إلى ابن عليّة. فجعل يحتجّ بإبطال ما قال الشافعيّ. فكتبناه ثمّ جئنا به إلى الشافعيّ فقال: إنّ ابن عليّة ضالّ قد جلس على باب الضوالّ يضلّ الناس!
وقال يعقوب بن سفيان الفارسيّ: خرج إبراهيم ابن عليّة في ليلة من مسجد مصر وقد صلّى العتمة، وهو في زقاق القناديل ومعه رجل. فقال له الرجل: إنّي قرأت البارحة سورة الأنعام فرأيت بعضها ينقض بعضا.
فقال ابن عليّة: ما ترى أكثر (٢)!
وذكره الإمام أحمد بن حنبل فقال: ابن عليّة ضالّ مضلّ ينبغي أن يقدّم فتضرب عنقه.
وقال ابن يونس: مات بمصر سنة ثماني عشرة ومائتين.
وقال الخطيب: مات ببغداد ليلة عرفة من السنة المذكورة وهو ابن سبع وستّين سنة.
٥٣ - إبراهيم بن إسماعيل الطبريّ المقرئ [٦١٧ - بعد ٦٧٩] (٣)
إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم الطبريّ.
كان فاضلا في القراءات، أخذها عن الكمال عليّ بن شجاع بن سالم القرشيّ.
ومولده في ثاني شهر رمضان سنة سبع عشرة وستّمائة. وتوفّي بعد سنة تسع وسبعين وستّمائة.
٥٤ - أبو إسحاق العبّاسيّ إمام مسجد الزبير [٥١٥ - ٥٨٩] (٤)
إبراهيم بن إسماعيل بن سعيد، ابن أبي بكر بن محمد بن سليمان بن يوسف بن خلف بن موسى بن أحمد بن محمد بن جعفر بن سليمان بن عليّ بن عبد الله بن عبّاس ﵄، أبو إسحاق، القرشيّ، الهاشميّ، العبّاسيّ، المالكيّ، إمام مسجد الزبير بمدينة مصر.
تفقّه على مذهب مالك، وسمع الحديث بمصر من أبي محمّد عبد المولى بن محمّد اللخميّ، ومن أبي القاسم علي بن حسن بن عساكر (٥).
وحدّث بدمشق وصنّف كتاب «البغية والاغتباط فيمن ولي مصر الفسطاط». وصنّف كتبا في الوعظ.
ومولده آخر شهر رمضان سنة خمس عشرة وخمسمائة بمصر. ووفاته يوم الأحد حادي عشرين
стр. 64
شهر ربيع الآخر سنة تسع وثمانين وخمسمائة بمصر.
٥٥ - ابن الحصين القزّاز [٦٣٥ - ] (١)
إبراهيم بن إسماعيل بن عبد العظيم بن أبي الحسن بن إسماعيل بن يعقوب بن أبي الطاهر، أبو إسحاق، المعروف بابن الحصين القزّاز.
ولد بمصر في شهر رمضان سنة خمس وثلاثين وستّمائة. وسمع الحافظ عبد العظيم المنذريّ (٢) وغيره.
ومات بمصر في [ ... ].
٥٦ - أبو إسحاق الغافقيّ العدويّ [- ٣٠٧]
إبراهيم بن إسماعيل بن الفرج، أبو إسحاق، الغافقيّ، عرف بالعدويّ.
روى عن الحارث بن مسكين وغيره. ومات سنة سبع وثلاثمائة.
٥٧ - ابن مسلّم الحسينيّ [- ٣٨٤] (٣)
إبراهيم بن إسماعيل بن جعفر بن أبي جعفر مسلّم بن عبيد الله بن [ ... ] مات بمصر في سنة أربع وثمانين وثلاثمائة.
٥٨ - أبو جعفر الحسينيّ المكّي [- ٣٩٩] (٤)
إبراهيم بن إسماعيل بن جعفر بن محمد بن إبراهيم بن محمد بن عبيد الله بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، أبو جعفر، الحسينيّ، الموسويّ، المكّيّ، القاضي، الخطيب.
قدم مصر وحدّث بها، فروى عنه رشأ بن نظيف.
مات في رمضان سنة تسع وتسعين وثلاثمائة.
وحدّث بدمشق ومكّة عن أبي بكر عثمان بن محمد، وأبي بكر [محمد بن الحسين] الآجريّ، وأبي الحسن العجيفيّ، وأبي سعيد ابن الأعرابيّ، ومحمد بن جبريل، وأبي قتيبة مسلم بن الفضل الآدميّ.
روى عنه عليّ الحنّائي، وأبو علي الأهوازيّ، ورشأ بن نظيف وسمع منه بمصر، ويحيى بن الحسن بن جعفر المصيصيّ، وجماعة.
٥٩ - إبراهيم الفقيسة [٦٢٧ - ] (٥)
إبراهيم بن إسماعيل بن يوسف بن يونس، إسحاق، العكاريّ، الأربليّ، عرف بالفقيسة.
مولده بإربل سنة سبع وعشرين وستّمائة. وقدم القاهرة وكان يعرف الموسيقى ويقول شعرا ليس بذاك.
توفّي [ ... ].
٦٠ - ابن نصر الله القرشيّ [٦١٧ - ] (٦)
إبراهيم بن إسماعيل بن نصر الله القرشيّ.
стр. 65
ولد سنة سبع عشرة وستّمائة. وحدّث عن [ ... ].
٦١ - أبو إسحاق العنبريّ الطوسيّ [- بعد ٢٤٢]
إبراهيم بن إسماعيل، أبو إسحاق، العنبريّ، الطوسيّ، مصنّف وله مسند.
سمع بالحجاز ودمشق والعراق ومصر وخراسان هشام بن عمّار، ودحيما، ومحمد بن مصفّى، وسليمان بن يوسف، وأبا مصعب، ويعقوب بن حميد، وهارون بن سعيد، وعيسى بن حمّاد، وحرملة بن يحيى، ومحمد بن رمح، وهنّاد بن السريّ، وأبا كريب، ومحمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب، وعمرو بن عليّ، وقتيبة بن سعيد، ومحمد بن أبان، وإبراهيم بن يوسف الماكياني، ويحيى بن يحيى، وإسحاق بن إبراهيم، وعلي بن بحر، والحسين بن حريث، ومحمد بن أسلم الطوسيّ، ومحمد بن عمرو زينجان، ومحمد بن حميد، وأحمد بن حنبل.
روى عنه أبو الحسن محمد بن أحمد بن زهير، وأبو النضر محمد بن محمد بن يوسف الفقيه، الطوسيّان، وأبو جعفر محمد بن صالح بن هاني، وأبو الطيّب محمد بن عبد الله الشعيريّ.
قال الحاكم: هو محدّث عصره بطوس، وأزهدهم بعد محمد بن أسلم وأخصّهم بصحبته، وأكثرهم رحلة في طلب الحديث. سمعت محمد بن يوسف الفقيه يقول: سمعت إبراهيم بن إسماعيل العنبريّ يقول: كنت بمصر وأنا أكتب بالليل كتب عبد الله بن وهب لخمس بقين من المحرّم سنة اثنتين وأربعين ومائتين، فهتف بي هاتف: «يا إبراهيم، مات العبد الصالح محمد بن أسلم! » فعجبت من ذلك وكتبته، فإذا به قد مات تلك السّاعة. وسمعت أبا نصر يقول: كتبت مسند إبراهيم العنبريّ بخطّي مائتين وبضعة عشر جزءا.
٦٢ - ابن الطنبا الناصريّ [- ٦٨٥]
إبراهيم بن الطنبا بن عبد الله، صارم الدين، أبو إسحاق، الفخريّ، الكركيّ، الناصريّ.
كان من أولاد الأتراك. وكتب بخطّه عدّة كتب.
وكانت فيه نباهة.
توفّي ليلة السبت ثاني عشرين شوّال سنة خمس وثمانين وستّمائة. ودفن خارج القاهرة.
٦٣ - إبراهيم بن أعين العجليّ (١)
إبراهيم بن أعين، الشيبانيّ، البصريّ، العجليّ، نزيل مصر.
يروي عن إبراهيم بن أدهم، وإسماعيل بن يحيى الشيبانيّ، وبحر بن كثير السقّاء، وجعفر بن سليمان الضبعيّ، وخارجة بن منصور، والسّريّ بن يحيى، وشريك، وشعبة، والحكم بن أبان، وصالح المرّيّ، وعروة بن ثابت، وعكرمة بن عمّار، ومعمر بن راشد، ويحيى بن الفرات الهمداني، وأبي عمرو العبديّ عن أبي الزبير وأبي المعلّى عن الحسن، وعلي بن عروة الدمشقيّ، وإسرائيل بن يونس الفريابيّ، وهو من شيوخه، وأبي سعيد الليث، وعلي بن يزيد الصيدانيّ، والليث بن سعد، وهو من شيوخه، وهشام بن عمّار، وغيره.
قال البخاري: فيه نظر.
وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث منكر الحديث.
روى له ابن ماجة.
стр. 66
وقال الخطيب (١): حدّث عنه إسرائيل والأشجّ، وبين وفاتيهما بضع وتسعون سنة.
وحدّث عنه الليث والأشجّ، وبين وفاتيهما اثنتان وثمانون سنة.
وقال البخاري في تاريخه: إبراهيم [٢١ أ] بن أعين عن الحكم بن أبان، وروى عن أبي الحرث عن ابن يحيى عن فرّوخ عن عمرو عن النبيّ ﷺ في الحكم. قال أبو عبد الله: فيه نظر في إسناده.
قال لنا عبد الله بن صالح (٢): حدّثني الليث، سمع إبراهيم. قال أبو عبد الله: قد سمعت إبراهيم، وسمع منه أبو همّام ابن شجاع.
٦٤ - إبراهيم ابن الخشّاب [٦٩٥ - ٧٧٥] (٣)
إبراهيم بن أحمد بن عيسى بن عمر بن خالد بن عبد المحسن بن [نشوان المخزوميّ]، بدر الدين، ابن صدر الدين [أحمد] ابن مجد الدين [عيسى]، الشافعيّ.
من بيت رئاسة. ولد سنة خمس وتسعين وستّمائة بنسا. وسمع من ابن الشحنة وغيره.
وتفقّه وتميّز. ثمّ ولي قضاء حلب مدّة. [وولي] الحكم بالقاهرة مدّة.
وكان فقيها فاضلا عارفا بالمكاتيب ناقدا في الأحكام. أفتى ودرّس. وولي قضاء المدينة النبويّة، ثمّ عرض له مرض فقصد الرجوع إلى القاهرة فركب البحر من ينبع فمات في الطريق،
ودفن بجزيرة في البحر.
٦٥ - إبراهيم بن الأغلب [- ١٩٦] (٤)
ولي أبوه الأغلب إفريقية من قبل أبي جعفر المنصور في سنة ثمان وأربعين ومائة بعد محمد بن الأشعث الخزاعيّ، ثم عزل. وولي إفريقيّة بعده جماعة، آخرهم محمد بن مقاتل العكّيّ. فاختلف عليه الجند، وقدّموا مخلد بن مرّة الأزديّ وقاتل فأخذ وقتل. فقام تمّام بن تميم التميميّ بتونس، وقصد القيروان في جمع كبير، وأخرج محمد بن مقاتل إلى طرابلس. فجمع إبراهيم بن الأغلب جمعا كبيرا، وكان على الزاب. فخرج في سبعين رجلاليلقى تماما، وهو في سبعين ألفا. فسار إلى القيروان منكرا لما فعله تمّام. فلمّا قاربها سار عنها تمّام لما دبّره إبراهيم بجودة رأيه وحسن تدبيره.
ودخل إبراهيم القيروان واستدعى محمد بن مقاتل [العكّيّ]، فعاد إلى القيروان. وجمع تمّام [وسار] إلى القيروان، فخرج إليه إبراهيم وقاتله وهزمه وقتل من أصحابه جماعة، وتبع تماما إلى تونس فأخذه بأمان.
فكره أهل البلاد محمّد بن مقاتل، وحملوا إبراهيم على أن يكتب إلى أمير المؤمنين هارون الرشيد يطلب منه ولاية إفريقيّة، فكتب إليه. وكان على ديار مصر كلّ سنة مائة ألف دينار تحمل إلى إفريقيّة بمعونة. فترك إبراهيم ذلك وبذل أن يحمل كلّ سنة أربعين ألف دينار. فأحضر الرشيد ثقاته واستشارهم فيمن يولّيه إفريقيّة، وذكر لهم كراهة أهلها ولاية محمد بن مقاتل. فأشار هرثمة بن
стр. 67
أعين بإبراهيم بن الأغلب، وذكر له ما رآه من عقله ودينه وكفايته، وأنّه قام بحفظ إفريقيّة على ابن مقاتل.
فوّلاه الرشيد في المحرّم سنة أربع وثمانين ومائة. ووصلته الولاية في جمادى الآخرة فانقمع الشرّ وضبط الأمر، وسيّر تماما وكلّ من توثّب على الأمر إلى الرشيد ببغداد، فسكنت البلاد.
وابتنى مدينة سمّاها العبّاسيّة بالقرب من القيروان، وانتقل إليها بأهله وعبيده، وتحصّن بها لما رأى من تحكّم العرب وغلبتهم على ولاة إفريقيّة.
وخرج عليه في سنة ستّ وثمانين [ومائة] حمديس (١) بمدينة تونس، ونزع السواد، وكثف جمعه. فبعث إليه عمران بن مخلد على عسكر كثير فقاتله وقتل ممّن معه عشرة آلاف، وملك تونس.
ثم إنّ إدريس بن إدريس بن عبد الله بن الحسن بن عليّ بن أبي طالب كثر جمعه بأقاصي الغرب، وهمّ بغزو إفريقيّة. فقصد إبراهيم غزوة، ثمّ رأى أنّ الحيلة أنجع له، فأهدى إلى بهلول بن عبد الواحد القيّم بأمر إدريس، وما زال حتى انضوى إليه وترك إدريس فانحلّ جمعه. فكتب حينئذ إلى إبراهيم يستعطفه ويتلطّف له فكفّ عنه.
ثمّ إنّ عمران بن مخلد (٢) أحد بطانة إبراهيم تنكّر له وفارقه وجمع لحربه واستولى على أكثر بلاد إفريقيّة، وحارب إبراهيم بالعبّاسيّة وقد خندق عليه [٢٢ أ] وامتنع بها مدّة سنة. وبلغ الرشيد ذلك فأمدّه بخزانة مال. فلمّا أتته نادى: «من كان من جند أمير المؤمنين فليحضر لأخذ العطاء»! ففارق
عمران أصحابه وتفرّقوا عنه. فوثب عليهم أصحاب إبراهيم فانهزموا. ونادى فيهم إبراهيم بالأمان والحضور لقبض العطاء، فأتوه فأعطاهم.
وفرّ عمران حتى لحق بالزاب. وقلع إبراهيم أبواب القيروان وهدم سورها فسكن الشرّ بإفريقيّة، وأمّن إبراهيم الناس حتّى مات إبراهيم في يوم الثلاثاء لثمان بقين من شوّال سنة ستّ وتسعين ومائة، عن ستّ وخمسين سنة. ومدّة إمارته اثنتا عشرة سنة وأربعة أشهر وعشرة أيّام.
وكان فقيها عالما أديبا شاعرا خطيبا ذا رأي وبأس وحزم، وعلم بالحروب والمكايد، حسن السيرة. لم يكن أحد قبله يساويه في حسن السيرة وجميل السياسة والعدل.
وكان قد أقام بمصر زمانا، وهو كثير الاختلاف إلى الليث بن سعد للأخذ عنه.
وهو أوّل من غزا صقليّة. وكان يصلّي الخمس في الجامع. فخرج ليلة لصلاة العشاء وهو مشغول القلب، فعثر في حصير فسقط. فلمّا صلّى بالناس وانصرف، استدعى القاضي أبا عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن غانم، وذكر له خبر سقوطه وأمره أن يستنكهه لئلّا يظنّ أنّه سقط لسكر. فاستنكهه فلم يجد به بأسا. فشكر له ذلك.
ومن شعره في ردّه محمد بن مقاتل العكّيّ إلى ملكه بالقيروان [الوافر]:
ألم ترني رددت طريد عكّ ... وقد نزحت به أيدي الركاب؟
أخذت الثغر في سبعين منّا ... وقد أشفى على حدّ الذهاب
هزمت لهم بعدّتهم ألوفا ... كأنّ رعيلهم قطع السحاب
وقال لمّا عمل على راشد جدّ إدريس لأمّه
стр. 68
وبهلول بن عبد الواحد [المطغريّ] إلى أن قتل إدريس ثقاته وبعثوا برأسه إلى إبراهيم [الطويل]:
ألم ترني بالكيد أرديت راشدا ... وإنّي بأخرى لابن إدريس راصد
تناوله عزمي على نأي داره ... بمحتومة في طيّهنّ المكايد (١)
٦٦ - ابن الأغلب الغافقيّ
إبراهيم بن الأغلب الغافقي النحويّ (٢).
روى عن أبي الحسن الأنصاري بن الدش (٣) صاحب أبي عمرو الداني.
روى عنه أبو القاسم عبد الرحمن بن الحسين ابن الجبّاب، وأبو الجيوش عساكر بن عليّ [المصريّ النحويّ].
٦٧ - أبو إسحاق النظاميّ الكاتب [٦٣٤ - ٦٩١]
إبراهيم بن إلياس بن عبد الله، صارم الدين، أبو إسحاق، النظاميّ، الحلبيّ، الكاتب، العطّار بمصر.
مولده في العاشر من المحرّم سنة أربع وثلاثين وستّمائة.
سمع من الحافظ أبي الحجّاج يوسف بن خليل
المصريّ (٤). وحدّث بالديار المصريّة.
وتوفّي بمصر ليلة الخميس عاشر جمادى الآخرة سنة إحدى وتسعين وستّمائة، ودفن بالقرافة.
كان أبوه مملوكا للنظام عبد الرزاق بن عبد المنعم [٢٢ ب] بن محمد، ابن قاضي بالس الحنفيّ.
٦٨ - جمال الدين الأقصرانيّ [- ٧٢٩] (٥)
إبراهيم بن إلياس بن عليّ، جمال الدين، الأقصراني.
قدم القاهرة مرارا، منها مرّة مع الشيخ شمس الدين الأيبكيّ. ثم توجّه إلى ملطية فتولّى بها خانكاتها، ثمّ عاد إلى الديار المصريّة فولي خانكاه الفيّوم مدّة. ثمّ رجع إلى المشرق فمات سنة تسع وعشرين وسبعمائة.
وكان رجلا فاضلا له معرفة بطرق الصوفية، متواضعا، كثير التودّد.
٦٩ - ابن أيبك صاحب صرخد [- ٦٥٤] (٦)
إبراهيم بن أيبك، مظفّر الدين، ابن الأمير عزّ الدين المعظميّ صاحب صرخد.
كان أبوه من كبار الأمراء. فوشى ابنه إبراهيم هذا للملك الصالح نجم الدين أنّه (٧) أودع أمواله للحلبيّين، فحمل كاتبه وصاحب ديوانه وغيرهما من خواصّه إلى مصر، فمات بعضهم في الطريق من الخوف. ونزّل بباقيهم شدائد، ولم يظهر عليهم شيء.
стр. 69
ونفاه بعضهم عن أيبك، وزعم أنّه تبنّاه (١).
وتوفّي سنة أربع وخمسين وستّمائة.
٧٠ - جمال الدين الصفديّ، أخو صاحب الوافي [٧٠٠ - ٧٤٢] (٢)
إبراهيم بن أيبك الصفديّ، جمال الدين، أبو إسحاق، أخو الأديب الفاضل صلاح الدين خليل بن أيبك الصفديّ شقيقه.
ولد سنة سبعمائة تخمينا. وتوفّي في رابع جمادى الآخرة سنة اثنتين وأربعين وسبعمائة بدمشق.
كان في شبيبته معرضا عن النظر في العلوم مقبلا على اللهو وصناعات اليد حتّى أتقن عدّة صناعات. ثمّ طلب العلم في سنة ثلاث وعشرين، وحفظ النحو، والفقه على مذهب الشافعي. وقدم القاهرة فأخذ بها عن الشهاب ابن المرحّل، ولازم الشيخ أثير الدين أبا حيّان، وسمع عليه وعلى الفتح ابن سيّد الناس. وكتب بخطّه عدّة كتب، وأتقن وضع الأرباع، وقرأ الحساب والفرائض، وعرف الشروط، وتكسّب بتحمّل الشهادة.
ورثاه أخوه بعدّة أشعار (٣).
٧١ - ابن خواجا [٦٣٢ - ]
إبراهيم بن أيوب بن طغريل بن محمد، أبو إسحاق، ابن أبي الصبر العجميّ الأشتريّ الصوفيّ، عرف بابن خواجا.
ومن شعره [الطويل]:
وما كنت أدري أنّ رقة ثغره
إذا ذاقها العاني يهيم ويسكر ... ولكنّما المسواك أخبر صادقا
بأنّ لماه العذب خمر وسكّر
٧٢ - ابن البراء الأنسيّ [- ٢٢٥] (٤)
إبراهيم بن البراء بن النضر بن أنس بن مالك الأنصاريّ.
يروي عن شعبة، والحمّادين. قدم من البصرة إلى مصر وحدّث بها. سمع بها بكر بن سهل الدمياطيّ.
قال ابن عديّ: حدّث بالبواطيل، وأحاديثه مناكير موضوعة، وهو متروك الحديث.
وقال ابن حبّان: كان يحدّث عن الثقات بالأشياء الموضوعة، لا يجوز ذكره في الكتب إلّا بالقدح فيه.
وقال الذهبيّ: شيخ يدور بالشام، وهو الذي يروي عن الشاذكوني (٥) عن الداروردي عن هشام عن أبيه عن عائشة مرفوعا: «من ربّى صبيّا حتى يشتدّ وجبت له الجنّة». وهذا باطل، وأحسب أنّ إبراهيم بن البراء الذي يروي عن الشاذكوني آخر صغير.
وقال الخطيب: إبراهيم بن حبّان بن البراء بن النضر بن أنس بن مالك نسبه هكذا.
وقال أبو الفتح الأزديّ: إبراهيم بن حيّان بن البحتري. وقيل: ابن حبّان.
قال ابن النجّار: وأظنّه تدليس [ا]. وروى أيضا
стр. 70
عن مالك. وكان يسكن بالموصل. توفّي سنة أربع- أو سنة خمس- وعشرين ومائتين.
وقال الحاكم: وأكثر عنه النيسابوريّون لمقامه عندنا، وهو ممّن سكتوا عنه.
٧٣ - ابن فضائل الحدّاد [- ٦٥٦]
إبراهيم بن بركات بن فضائل، أبو إسحاق، المصريّ، الحدّاد.
سمع من الحافظ أبي محمد عبد العظيم [٢٣ أ] المنذري وصحبه. وكان أحد المشايخ الصالحين المنقطعين عن الناس، مشغولا بنفسه، مقبلا على ما ينفعه.
ومضى على طريقة حسنة وسداد واستقامة واتّباع سنّة.
وتوفّي في مستهّل صفر سنة ستّ وخمسين وستّمائة، ودفن خارج باب النصر.
٧٤ - ابن صابر مقدّم الدولة [- ٧٤٤] (١)
إبراهيم بن أبي بكر بن شدّاد بن صابر، مقدّم الدولة.
أصله من فلّاحي منية عبّاد بالغربيّة. وولي أبوه تقدمة والي المحلّة، ومات تحت ضرب قيصر واليها له بالمقارع، فقدم إبراهيم إلى القاهرة وشكا قيصر إلى الملك الناصر ابن قلاوون، فترضّاه قيصر، وولّاه تقدمة المحلّة ثم عزله بعد مدّة فقدم إلى القاهرة، ووقف بدار الولاية وصار من جملة الجنداريّة في أيّام الأمير سنجر الخازن. وترقّى حتّى ولي تقدمة الدولة وصار من الأعيان حيث لم يبلغ أحد من أبناء جنسه (٢) ما بلغ.
وأنشأ أولاد عمّه أحمد بن زيد بن شدّاد، ومحمّد بن يوسف بن شدّاد.
وتمكّن في أيّام السلطان وعظم. ولم يبق لناظر الدولة ولا لشادّ الدواوين معه حديث، وإنّما هو يتقدّم إلى السلطان ويحادثه سرّا وجهرا، و [ي] فعل ما يريد، ولا يقدر أحد أن يردّ عليه فعله ولا قوله.
وتولّى ضرب الأمير تنكز نائب الشام بالمقارع، ثمّ خنقه، فحقد الأمراء لذلك عليه. فلمّا مات السلطان وأقيم من بعده ابنه المنصور أبو بكر، قبض عليه يوم الأربعاء تاسع صفر سنة اثنتين وأربعين وسبعمائة، وصودر. فباع مائة وأربعين فرسا، وثلاثمائة بقرة حلّابة، وخمسمائة نعجة ولّادة. ووجد له ثمانون جارية في بيته، ومبلغ مائتي ألف وثمانين ألف درهم. وكان يركب الخيل ويصطاد بالجوارح.
ثمّ أفرج عنه بعد شهر بشفاعة الأمير الحاج آل ملك، فلزم داره بطّالا. وولي التقدمة عوضه محمد بن شمس إلى العشرين من شوّال. وأعيد ابن صابر فلم يزل حتّى مات في أوائل شهر ربيع الآخر سنة أربع وأربعين وسبعمائة.
ووصّى الطواشي جوهر السحرتي اللالا والحاج آل الملك نائب السلطنة فلم يتعرّض أحد لتركته.
وكان ضخما طوالا عارفا بما يعانيه. جمع من الناس بسبب المصادرات أموالا جمّة، واقتنى عدّة أملاك. ولم ير أحد في التقدمة ما رآه فيما نعلمه.
٧٥ - خادم إبراهيم بن أدهم (٣)
إبراهيم بن بشّار بن محمد، أبو إسحاق، الخراسانيّ، الصوفيّ، مولى معقل بن يسار.
стр. 71
صحب إبراهيم بن أدهم وخدمه، وحدّث عنه بأشياء حسنة من كلامه. دوّنه جعفر بن نصير الخلدي.
وقدم مع ابن أدهم حين قصد الإسكندريّة.
وروى أيضا عن الفضيل بن عياض، ويوسف ابن أسباط، وحمّاد بن زيد، وجعفر بن سليمان الربعيّ، وأبي أيّوب المقرئ.
روى عنه أبو العبّاس السرّاج، وإبراهيم بن نصر، وأحمد بن أبي عوف البزوريّ (١)، وعبد الله بن أحمد بن سيبويه المروزيّ، وعبد الكريم بن الهيثم الديرعاقولي، وأبو سعيد أحمد بن عيسى الخزّاز الصوفي.
وتوفّي [ ... ].
٧٦ - ابن أبي بكر السنجاري [- ٧١٩] (٢)
إبراهيم بن أبي بكر بن إبراهيم ابن أبي بكر بن إسماعيل بن محمد، السنجاري، أخو تقيّ الدين صالح، أمين الحكم بالقاهرة.
أصله من سنجار الشرق، قدم جدّه إبراهيم منها إلى مصر، وسكن سنجار، البلدة التي بالقرب من البرلّس (٣)، وولد له بها.
وتوفّي سنة تسع عشرة وسبعمائة تقريبا.
وكان رجلا صالحا عالما خيّرا أديبا عليه سيماء الخير والصلاح، وأضرّ بأخرة. وكان جليل القدر له معاملات وكرامات، منها أنّ بعض مقطعي سنجار البرلّس كان متحصّله من سمكها فأساء
الضامن مرّة أدبه على الشيخ إبراهيم، فتوعّده وقال له: لا تظلم أحدا- فتنكّر في المعاملة فقال:
عندي من السمك ما أفي به ولا أبالي، والبحيرة ملآنة من السمك.
فقال الشيخ: يروح السمك.
فأصبح الصيّادون ليصطادوا فلم يجدوا في البركة ولا سمكة واحدة. فبقوا على ذلك أيّاما.
فاشتكى المقطع الشيخ لنائب السلطان. فقال: ما الذي تشكوه من الشيخ؟
قال: إنّه يقول للسمك: رح! فيروح.
فقال له النائب: من يكون [٢٣ ب] هكذى، ما أتعرّض إليه، اجتمع به وأرضه.
فجاء الصيّادون إلى الشيخ وتضرّعوا له فقال:
لأجلكم! اصطادوا.
فخرجوا فاصطادوا على عادتهم.
٧٧ - أمين الدين البكريّ [٦٢٥ - ٦٨٠]
إبراهيم بن أبي بكر بن إبراهيم- وقيل: أحمد ابن حميد، وقيل: حميد بن أحمد- أبو إسحاق، أمين الدين، البكريّ، من ولد أبي بكر الصدّيق ﵁، التفليسيّ الأصل، القاهريّ.
ولد في المحرّم سنة خمس وعشرين وستّمائة بالقاهرة. سمع من أبي القاسم سبط السلفيّ.
وكان إماما عالما فاضلا. وأمّ بالملوك في الدولة الظاهريّة بيبرس وابنه السعيد، فكان يصلّي بهم.
ويلي محتسب العسكر. وكان يؤمّ بالناس في قبّة الإمام الشافعيّ بالقرافة.
وتوفّي في شعبان سنة ثمانين وستّمائة.
стр. 72
٧٨ - مجد الدين الجزريّ [٦٠٩ - ٦٩٣] (١)
إبراهيم بن أبي بكر بن إبراهيم بن عبد العزيز بن عمر بن علي بن الحسين بن عليّ ابن أبي الهيجاء علي، ابن أبي الفوارس، مجد الدين، أبو إسحاق، والد شمس الدين محمد بن إبراهيم الجزريّ صاحب التاريخ (٢).
ولد بجزيرة ابن عمر في شهر رمضان سنة تسع وستّمائة. كان يتكسّب بالتجارة ويكثر من الأسفار في أقطار الأرض، فدخل أكثر المدائن. بحيث قيل إنّه رأى سبعين مدينة ورأى أعاجيب.
وجاور بمكّة ثمّ استوطن دمشق وباع البزّ بها في سوق الرمّاحين.
وكان حسن البزّة مقبول القول، عدلا. وكان يعامل أهل دمشق بغير أشهاد ويكتفي بأخذ خطوطهم، حتى مات بها ليلة الاثنين ثاني عشر صفر سنة ثلاث وتسعين وستّمائة.
و[كان] كثيرا ما ينشد له (٣) [مجزوء الكامل]:
احذر من الواوات أر ... بعة فهنّ من الحتوف:
واو الوصيّة والوكا ... لة والوديعة والوقوف
٧٩ - شرف الدين السنجاريّ [- ٦٤١]
إبراهيم بن أبي بكر بن إسماعيل بن محمد، شرف الدين، أبو إسحاق، السنجاريّ، الشافعيّ.
تفقّه على المقترح (٤) وغيره. وسمع الحديث من أبي روح المطهّر ابن أبي بكر البيهقيّ. وسكن الإسكندرية. وولي الحكم ببعض أعمال مصر.
وولي قضاء غزّة.
وهو جدّ تقيّ الدين صالح بن أبي بكر بن إبراهيم أمين الحكم.
وتوفّي بناحية بربا من قرى مصر في رابع عشرين صفر سنة إحدى وأربعين وستّمائة.
٨٠ - الفائز الأيّوبيّ [- ٦١٧] (٥)
إبراهيم بن أبي بكر بن أيّوب بن شاذي بن مروان، الملك الفائز، سابق الدين، [ابن] أبي الشكر.
كان أسنّ أولاد أبيه. ولم يزل مع أخيه الملك الكامل ناصر الدين محمد بديار مصر إلى أن كانت نوبة الفرنج ومات الملك العادل بالشام. [ف] عزم الأمير عماد الدين المشطوب وغيره من أمراء مصر على إقامته في السلطنة وقبض الملك الكامل.
ففطن لهم وكان من أمره ما ذكر في ترجمته من هذا الكتاب، إلى أن قدم عليه أخوه الملك المعظّم عيسى من دمشق، وتحيّلا على المشطوب حتى خرج إلى الشام كما ذكر أيضا في ترجمتهما (٦).
ثمّ أرسل الفائز إلى الموصل فمرض فيما بينها وبين سنجار وذلك في [١٣ شعبان] سنة سبع
стр. 73
عشرة وستّمائة- واتّهم الكامل بأنّه سمّه- ودفن بسنجار.
وهو والد فتح الدين عمر.
٨١ - الأمير مجير الدين الكرديّ [- ٦٥٨] (١)
إبراهيم بن أبي بكر بن [أبي] زكري، الأمير مجير الدين، أحد أعيان أمراء الأكراد بديار مصر والشام.
خدم السلطان الملك الصالح نجم الدين أيّوب ببلاد الشرق وقدم معه إلى دمشق. فلمّا قبض على الملك الصالح [أيّوب] بالكرك سجن الملك الصالح عماد الدين إسماعيل مجير الدين هذا إلى أن أفرج عن الصالح نجم الدين، [ف] لحق به بمصر واستمرّ في خدمة ولده الملك المعظّم تورانشاه إلى أن قتل. ثمّ اتّصل بخدمة الناصر يوسف صاحب الشام (٢)، وحجّ بالناس سنة ثلاث وخمسين [٢٤ أ]، وأكثر من عمل الخير وفعل المعروف.
ثمّ قبض عليه وعلى الأمير نور الدين علي بن الشجاع الأكتع لمّا ضرب البحريّة وعسكر الملك المغيث (٣) [ ... ] المصافّ مع عسكر الملك الناصر. ثمّ أفرج عنهما لمّا وقع الصلح، وجعله الملك الناصر بنابلس نائب السلطنة وندب معه عسكرا. فقدم عليه جمع عظيم من التتار فقاتلهم قتالا شديدا وقتل بيده منهم جماعة إلى أن استشهد
في سنة ثمان وخمسين وستّمائة [واستشهد معه الأمير الأكتع].
وكان جوادا عدلا من بيت كبير شجاعا بطلا، حسنة من حسنات الدهر، كثير الإحسان، جميل المحاضرة، كريم العشرة، له برّ كثير ومعروف غزير.
ومن شعره [الكامل]:
جعل العتاب إلى الصدود سبيلا ... لمّا رأى سقمي عليه دليلا
وظللت أورده حديث مدامعي ... عن شرح جفني مسندا منقولا
ومنه [الطويل]:
قضى البارق النجديّ في ساعة اللمح ... بفيض دموعي إذ تراءى على السفح
ذبحت الكرى ما بين جفني وناظري ... فمحمرّ دمعي الآن من ذلك الذبح
٨٢ - ابن الراعي الرقّيّ [- ٦٨٨]
إبراهيم بن أبي بكر بن سلامة، أبو إسحاق الرقّيّ، عرف بابن الرّاعي- براء مهملة.
كان شجاعا مباركا. سمع الحديث بالقاهرة ودمشق. ومات ليلة الأربعاء [ ... ] من المحرّم سنة ثمان وثمانين وستّمائة.
٨٣ - شمس الدين الفاشوشة الجزريّ الكتبيّ [٦٠٢ - ٧٠٠] (٤)
إبراهيم بن أبي بكر بن عبد العزيز، شمس الدين، الجزريّ، المعروف بالفاشوشة وبابن شمعون الكتبيّ.
стр. 74
ولد سنة اثنتين وستّمائة. وكان يتّجر بالكتب بدمشق وله حانوت بسوق الكتب، واحترق له خمسة آلاف مجلّد (١). وكان يتشيّع.
أتاه رجل في بعض الأيّام وقال له: هل عندك كتاب [فضائل] يزيد ﵇؟
فقال: نعم.
فدخل إلى الحانوت، وخرج وفي يده جراب عتيق وجعل يضرب الرجل على رأسه ويقول:
العجب كونك ما قلت: ﷺ !
ومن شعره [الكامل]:
قالوا: به يبس وفرط قساوة ... فكأنّه في الحالتين حديد
فأجبتهم: كذبا ومينا قلتم ... من أين يشبه طبعه الجلمود؟
ومياه جلّق كلّها منحازة ... في بعضه فهو الفتى المحمود
ألفاظه بردى وصورة جسمه ... ثورا، وأمّا كذبه فيزيد (٢)
وقدم إلى القاهرة بتجارة أيّام السلطان الملك الكامل ناصر الدين محمد ابن العادل أبي بكر فأحضر السلطان [ ... ] بنت بوري المغنيّة فغنّت له [الكامل]:
يا طلعة القمر المنير ... من جور حسنك من مجيري؟
فأعجبه ذلك فطلب الزيادة عليه، فتوجّهت إلى الفاشوشة وسألته أبياتا، فنظم لها [الكامل]:
قسما بديجور الشعور ... وبصبح إسفار الثغور
وبأسمر حلو المعا ... طف واللمى أمسى سميري
ما للصوارم والقنا ... فعل اللواحظ والصدور
فحضرت عند السلطان فغنّته بها، فطرب وأنعم عليها بجميع ما في المجلس. ثمّ إنّ الفاشوشة مرض فنقلته إلى منزلها وقامت بخدمته إلى أن عوفي. وقالت له: كلّ ما في البيت من إحسانك.
وتوفّي [ ... ] سنة سبعمائة.
٨٤ - أبو الأصبغ البجليّ الدمشقيّ [- ١٧٦] (٣)
[٢٤ ب] إبراهيم بن بكر، أبو أصبغ، البجليّ، الدمشقيّ.
حدّث بمصر عن ثور بن يزيد، وزرعة بن إبراهيم القرشيّ، وإبراهيم بن معاوية الشاميّ.
روى عنه أبو بكر أحمد بن عبد الله بن عبد الرحيم البرقيّ، وأبو سليمان جامع بن سوادة، المصريّان.
توفيّ سنة ستّ وسبعين ومائة. وقيل: سنة عشر ومائتين تقريبا.
٨٥ - أبو إسماعيل الإلبيريّ [- ٣٨٥]
إبراهيم بن بكر بن عمران بن عبد العزيز، أبو إسماعيل، اللخميّ، من أهل إلبيرة بالأندلس.
قدم مصر حاجّا. ودخل العراق فلقي الأبهريّ.
وسمع بالموصل. وعاد إلى الأندلس وأقام بإشبيلية إلى أن مات في ذي القعدة سنة خمس وثمانين وثلاثمائة (٤).
стр. 75
٨٦ - أبو إسحاق المازنيّ المقرئ [بعد ٥٦٠ - ٦٣٥] (١)
إبراهيم بن ترجم بن حازم- وقيل: إبراهيم بن ترجم بن إبراهيم بن حازم- أبو إسحاق، المازنيّ، المقرئ، الشافعيّ، الضرير.
قرأ القراءات السبع على أبي الجود غياث بن فارس. وتفقّه على مذهب الشافعيّ. وتصدّر بالجامع العتيق بمصر. وأقام بالمدرسة الفاضليّة بالقاهرة. وصحب أبا عبد الله القرشيّ. وكان كثير السعي في قضاء حوائج الناس مثابرا على ذلك.
وحدّث عن أبي الطاهر إسماعيل بن صالح بن ياسين، وأبي القاسم هبة الله بن عليّ البوصيريّ، وأبي عبد الله محمد بن حمد الأرتاحي، وأبي يوسف بن الطفيل وغيرهم.
وروى عنه الحافظ المنذريّ.
ومولده بعد الستّين وخمسمائة. ووفاته ليلة السبت سابع عشرين جمادى الأولى سنة خمس وثلاثين وستّمائة بالقاهرة.
٨٧ - أبو إسحاق الزبيريّ القطّان [- بعد ٥٦٤]
إبراهيم بن تمّام بن الحسن بن الزبير، أبو إسحاق، الزبيريّ، الأسديّ، القطّان، من ولد الزبير بن العوّام.
سمع كتاب السنن لأبي داود على أبي بكر الطرطوشيّ عن أبي عليّ التستريّ، وحدّث به سنة أربع وستّين وخمسمائة. وسماعه صحيح، ولم يكن من أهل هذا الشأن.
٨٨ - الأقليشيّ المقرئ [- ٤٣٢] (٢)
إبراهيم بن ثابت بن أخطل، أبو إسحاق، الأندلسي، الأقليشي، المقرئ نزيل مصر. أصله من أهل الأندلس. سكن مصر.
أخذ القراءة عرضا عن أبي الحسن [طاهر] بن غلبون، وأبي القاسم عبد الجبّار بن أحمد [الطرسوسيّ]. وسمع الحديث من أبي مسلم الكاتب (٣) وجماعة. وأقرأ الناس بمصر بعد موت عبد الجبّار بن أحمد في مجلسه، إلى أن توفّي سنة اثنتين وثلاثين وأربعمائة، وقد شاخ.
٨٩ - أبو إسحاق ابن ثمامة (٤)
إبراهيم بن ثمامة الحنفيّ- وقيل: إبراهيم بن عبد الله بن ثمامة، أبو إسحاق.
ضعيف، قدم مصر وحدّث بمناكير. روى عن قتيبة بن سعيد، وعبد الله بن معاوية الجمحيّ، وإسحاق بن أبي إسرائيل، وإبراهيم بن سعيد الجوهري.
روى عنه أبو القاسم صدقة بن عليّ، وقال فيه الخطيب: شيخ مجهول.
٩٠ - أبو يعقوب القطّان [- ٢٩٠]
إبراهيم بن حامد، أبو يعقوب القطّان، آخر من روى عن سعيد بن أبي مريم.
مات بمصر سنة تسعين ومائتين.