قال: نعم يا أمير المؤمنين، على رفع الحشمة وترك الهيبة وقبول النصح وإلقاء رداء الكبر عن منكبك.
قال: لك ذلك.
[موعظته للرشيد]
فجثا الشافعيّ على ركبتيه ثمّ نادى: يا ذا الرحل، إنّه من أطال عنان الأمن في الغرّة طوى عذار (١) الحذر في المهلة، ومن لم يعدل على طرق النجاة كان بجانب قلّة الاكتراث بالمرجع إلى الله مقيما. ومن أحسن الظنّ كان في أمنه المحذور في مثل نسج العنكبوت لا تأمن عليها نفسها ولا يحجزها عن شفقها إلّا ولو جرّعها سمّ مخالفها لبادرت مطايا خوف المراجعة بالنزول إلى دار المقام. ولو فعلت ذلك يا رجل اهتدت إليك يد الندامة، ولابتدرت الحسرات غدا في القصر.
لكنّك أوتيت من خلد لا يؤدّي لك فهمك. ومن أذن بمج الكلام من سمعك، فمن ثمّ أعقبك التواني والاغترار بنفسك. ألا ولو كان لك أمير من عقلك ينتقد لك ما يرتقط (٢) من عيبك لشغلك ذلك عن النظر في غيب غيرك. لكن ضرب الهوى عليك رواقا [ ... ] فتركك إذا أخرجت يد موعظة لم تكد تراها. ومن لم يجعل الله نورا فما له من نور.
(قال): فبكى الرشيد بكاء شديدا حتّى بلّ منديلا [١٥١ ب] كان بين يديه. فقال له طائفة ممّن يقوم على رأسه: اسكت، لقد أبكيت أمير المؤمنين.
فالتفت إليهم وقال: يا عبيد الرجعة، والذين باعوا أنفسهم من محبوب الدنيا، أما رأيتم ما
استدرج به من كان مثلكم من الأمم بالآمال؟ ألم تروا كيف فضح مستورهم وأمطر بواكر الهوان عليهم بتبديل سرورهم، فأصبحوا بعد خفض عيشهم ولين رفاهيتهم في روح بين خضائل النعم ومدارج المثلات؟
فقال له الرشيد: قد سللت علينا لسانك، وهو أمضى سيفيك.
قال: هو لك إن قبلت، ولا عليك.
قال: فهل من حاجة خاصّة بعد العامّة؟
فقال: بعد بذل مكين النصيحة وتجريد الموعظة، تأمرني أن أسوّد وجه موعظتي بالمسألة!
قال: ثمّ ماذا؟
قال: النظر في أمور الرعيّة، والقسمة بينهم بالسويّة.
قال: ومن يطيق ذلك؟
قال: من تسمّى باسمك ونسب إلى موضعك.
قال: ثمّ ماذا؟
قال: الإحسان إلى حرم الله، وسكّان جيران قبر رسول الله ﷺ . أما والله لو أردت عمارة قبر رسول الله ﷺ للزمك في ذلك مؤنة. فاعمر قبر رسول الله ﷺ بصلة البرّ لأولاده وأولاد أصحابه.
[مناظرة أخرى بينه وبين الشيبانيّ أمام الرشيد]
فأمر الرشيد بمال لأبناء المهاجرين والأنصار والعلويّة. ثمّ التفت إلى محمد بن الحسن فقال:
ناظره بين يديّ حتّى أكون فاصلا بينكما، فإن اختلفتما في فرع رجعتما إلى أصل.
فالتفت محمد بن الحسن وقال: يا شافعيّ، ما تقول في رجل تزوّج بامرأة ودخل بها، وتزوّج بالثانية ولم يدخل بها، وتزوّج بالثالثة ودخل بها،
стр. 1997
وتزوّج بالرابعة ولم يدخل بها، فوجد الثانية أمّ الأولى، ووجد الثالثة عمّة الرابعة؟
فقال الشافعيّ: ينزل عن الثانية والرابعة من غير أن يلزمه شيء، ويتمسّك بالأولى والثالثة.
قال: ما حجّتك؟
قال: أمّا الثانية، فإنّ الله يقول: فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ [النساء: ٢٣]. وأمّا الرابعة فإنّ النبيّ ﷺ نهى أن يتزوّج الرجل المرأة على عمّتها أو خالتها. فما تقول أنت يا محمّد بن الحسن، كيف استقبل النبيّ ﷺ يوم النحر وكبّر؟
فتتعتع محمد بن الحسن. فقال الشافعيّ:
يسألني عن الأحكام فأجيبه، وأسأله عن سنّة من سنن رسول الله ﷺ [١٥٢ أ] يحتاج إليها الصادر والوارد، فلا يجيبني. أفمن الإنصاف هذا؟
فتبسّم الرشيد وأمر للشافعيّ بعشرة آلاف دينار، ففرّقه [ا] على باب داره وانصرف مكرّما.
قال ابن عساكر: لمّا سمعنا هذه الحكاية من شيخنا أبي بكر وجيه الشحّاميّ (١) أنا والشيخ أبو سعد ابن السمعانيّ ﵀ في بيت ابنه يوسف بن وجيه ليلا كأنّا استبعدنا صحّتها وأنكرناها لحال البلويّ في إسنادها، ونمنا. فلمّا استيقظنا ذكر لنا الشيخ وجيه أنّه رأى في نومه النبيّ صلّى اللهعليه وسلّم أو الشافعيّ- أنا أشكّ- وهو يقول: أَفَمِنْ هذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ* وَتَضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ [النجم: ٩٥ - ٦٠]- أو كما قال.
[رؤيا للرشيد في تعظيم الشافعيّ]
وعن أبي موسى هارون بن يزيد: حدّثنا أبو الحسن عليّ بن حمزة الكسائيّ قال: استحضرني ذات يوم أمير المؤمنين هارون الرشيد. فلمّا
دخلت عليه رفعني وأدناني منه. وإذا المجلس فيه جمع عظيم، وإذا محمد بن الحسن الفقيه جالس، فلمّا سكّن روعتي قال لي: [أ] تدري لم أحضرتك يا أبا الحسن؟
قلت: لا يا أمير المؤمنين، جعلني الله فداك.
قال: إنّي أحضرتك لأمر سرّني، فأحببت أن أسرّك به أيضا.
فقلت: سرّك الله في جميع الأمور، ووقاني فيك كلّ محذور!
فقال: إنّي رأيت البارحة فيما يرى النائم رسول الله ﷺ كأنّه دخل عليّ في البيت الذي كنت فيه، وقائل يقول لي: «يا هارون، هذا رسول الله ﷺ قد دخل عليك». فلمّا بصرت به وقعت عليّ الرعدة، وأخذني الدمع، واعتراني البكاء، وسقطت على وجهي. فجاء ﷺ حتى وقف عليّ وقال لي: ارفع رأسك يا هارون وأبشر!
فإنّ الله قد شكر لك خوفك منه ولجأك إليه فغفر لك ورحمك، فلا خوف عليك. وإنّ الله قد جعل الخلافة في ذرّيّة ولدك محمد إلى أن تقوم الساعة.
فرفعت رأسي وأقبلت أحمد الله وأثني عليه. وإذا بمحمّد بن إدريس الشافعيّ يدوّر في يد رسول الله ﷺ ، فكأنّي قد غبطته بمكانه من رسول الله ﷺ . فقال لي رسول الله ﷺ : يا هارون، أتعرف هذا؟
قلت: نعم، يا رسول الله، بأبي أنت وأمّي! هذا الشافعيّ.
قال: نعم، هذا المطّلبيّ، وهذا سيّد المسلمين الفقيه الورع. أفهمت يا هارون؟
قلت: نعم يا رسول الله.
فقال لي: استوص به خيرا، فإنّه على الحقّ مع سنّتي، وإنّ الله سينفع به بشرا كثيرا.
ثمّ أقبل رسول الله ﷺ على الشافعيّ فقال
стр. 1998
[١٥٢ ب] له: ادع الله لهارون هذا بالصلاح والإصلاح والمراقبة.
فدعا لي. ثمّ انتهبت وأنا مسرور بذلك، فما تقول أنت في الشافعيّ؟
فقلت: يا أمير المؤمنين، أنا رحل كوفيّ، وإنّي أدين الله بحبّ محمد بن إدريس الشافعيّ، وأخذي كثير [ا] من أقوالي من قوله.
فقال: سررتني يعلم الله.
فأخذ الناس في الدعاء له، فقال: عزمت أن أكتب إليه بهذا- يعني الشافعيّ- وأمر له بمال جزيل. (قال الكسائيّ): فلمّا ركبت لحق بي محمد بن الحسن فقال لي: يا أبا الحسن، حملت على أهل بلدك اليوم!
فقلت له: ما قلت إلّا ما يعلمه الله منّي في الشافعي.
فامتقع لونه، ثم افترقنا.
وعن الأصمعيّ: سمعت أمير المؤمنين المأمون سنة أربع عشرة ومائتين يقول: لقد خصّ الله تعالى محمد بن إدريس الشافعيّ بالورع والعلم والفصاحة والأدب والصلاح والديانة. ولقد سمعت هارون أبي يتوسّل إلى الله به، والشافعيّ حيّ يرزق.
[كتب الشافعيّ]
وعن أبي ثور: كتب عبد الرحمن بن مهدي إلى الشافعيّ، وهو شابّ أن يضع له كتابا فيه معاني القرآن، ويجمع قبول الأخبار فيه، وحجّة الإجماع، وبيان الناسخ والمنسوخ من الكتاب والسنّة. فوضع له كتاب الرسالة. فقال عبد الرحمن بن مهديّ: ما أصلّي صلاة إلّا وأدعو للشافعيّ فيها.
وعن رسته الأصبهانيّ: سمعت عبد الرحمن ابن مهديّ يقول: لمّا نظرت في كتاب الرسالة لمحمّد بن إدريس، أذهلتني، لأنّي رأيت كلام رجل عاقل فقيه ناصح. وإنّي لأكثر الدعاء له.
وفي رواية: إنّي لأدعو الله للشافعيّ في كلّ صلاة أو في كلّ يوم، لما فتحه الله عليه من العلم ووفّقه للسداد فيه.
وعن أبي بكر بن خلّاد: سمعت عبد الرحمن ابن مهدي يقول: أنا أدعو الله في دبر صلواتي للشافعيّ- وفي رواية: ما أصلّي صلاة إلّا وأدعو الله فيها للشافعيّ.
وعن الحارث بن سريج النفّال: سمعت يحيى بن سعيد يقول: أنا أدعو الله للشافعيّ، أخصّه به- قال الحارث: وأنا حملت كتاب رسالة الشافعيّ إلى عبد الرحمن ابن مهديّ، فأعجب بها وجعل يقول: لو كان أقلّ ليفهم!
وعن محمد بن الفضل: ثنا هارون قال: ذكر يحيى بن سعيد القطّان الشافعيّ فقال: ما رأيت أعقل أو أفقه منه- وعرض عليه كتاب الرسالة له.
وللشافعيّ من الكتب:
كتاب المبسوط في الفقه، رواه عنه الربيع والزعفرانيّ، ويحتوي على كتاب الطهارة والصلاة والزكاة [وكتاب الصيام] والحجّ والاعتكاف.
وله غير هذا الكتاب:
كتاب [قسم] الفيء والغنيمة، وكتاب الكلام والمتكلّمين، وكتاب القرآن، وكتاب المجالسات، وكتاب الرسالة المصريّة، وكتاب [١٥٣ أ] الطهارة، وكتاب الإمامة، وكتاب استقبال القبلة، وكتاب الجمعة، وكتاب صلاة الخوف، وكتاب العيدين، وكتاب صلاة الخسوف، وكتاب الاستسقاء، وكتاب المرتدّ الصغير والكبير، وكتاب الزكاة، وكتاب فرض الزكاة، وكتاب أحكام القرآن،
стр. 1999
وكتاب المناسك، وكتاب البيوع، وكتاب اختلاف مالك والشافعيّ، وكتاب جراح العمد، وكتاب الرهن الكبير، والصغير، وكتاب اختلاف الحديث، وكتاب اختلاف العراقيّين، وكتاب قتال أهل البغي، وكتاب قتال المشركين، وكتاب الغصب، وكتاب الأسارى والغزو، وكتاب التعريض بالخطبة، وكتاب الاستبراء والحيض، وكتاب غسل الميّت، وكتاب الجنائز، وكتاب السبق والرمي، وكتاب الأحباس والبلوغ، وكتاب الحدود، و [كتاب] كراء الدوابّ، وكتاب الرضاع، وكتاب الطعام والشراب، وكتاب البحيرة والسائبة، وكتاب المزارعة، وكتاب العمرى والرقبى، وكتاب الأشربة، وكتاب فضائل قريش، وكتاب النشوز والخلع، وكتاب مسألة الخنثى، وكتاب الاعتكاف، وكتاب المساقاة، وكتاب الصيد، وكتاب الوليمة، وكتاب الشفعة، وكتاب القراض، وكتاب فرض الله تعالى، وكتاب الإجازات، و [كتاب] الغارمين، و [كتاب] الرجل يكري الدابّة، وكتاب إحياء الموات، وكتاب الشروط، وكتاب الظهار، وكتاب الإيلاء، وكتاب اختلاف الزوجين، وكتاب عتق أمّهات الأولاد، وكتاب اختلاف المواريث، وكتاب اللقيط، وكتاب اللقطة، وكتاب بلوغ الرشد، وكتاب مختصر الحجّ الصغير، وكتاب مسألة المنى، وكتاب إباحة الطلاق، وكتاب الصيام، وكتاب المدبر، وكتاب المكاتب، وكتاب الولاء والحلف، وكتاب الإجازات الكبير، وكتاب الإجماع، وكتاب الصداق، وكتاب الشهادات، وكتاب ما خالف العراقيّون عليّا وابن عباس ﵄، وكتاب اللعان، وكتاب مختصر الحجّ الكبير، وكتاب قسم الفيء، وكتاب القرع، وكتاب الجزية، وكتاب الوصايا، وكتاب الدعوى والبيّنات، وكتاب تحريم الخمر، وكتاب الرجعة، وكتاب أدب القاضي، وكتاب عدد النساء، وكتاب القطع [في] السرقة، وكتاب الأيمان والنذور، وكتاب الصيد والذبائح، وكتاب الصرف، وكتاب الردّ على محمّد بن الحسن، وكتاب عشرة النساء، وكتاب سير الواقديّ، وكتاب سير الأوزاعيّ، وكتاب الحكم في الساحر [١٥٣ ب] والساحرة، وكتاب الوديعة والأقضية، وكتاب وصيّة الحامل، وكتاب شهادة القاضي، وكتاب صدقة الحيّ على الميت، وكتاب الرجل يضع مع الرجل بضاعة، وكتاب العارية، وكتاب المواريث، وكتاب الحكم بالظاهر، وكتاب إبطالالاستحسان، وكتاب الموالي والعرب، وكتاب الحكمين، وكتاب الكافي، آخر ما ذكره صاحب الفهرست (١).
وعندي أنّه اشتبه عليه تفاصيل كتاب الأمّ في رواية الربيع، فجعل كلّ كتاب منه كتابا مفردا.
[قدرته على النظم]
وذكر أبو إسماعيل اليزيديّ أنّ من أخذ كتب الشافعيّ عن الربيع ورحل إليه، أكثر من مائتي رجل.
وذكر ابن خالويه: قال أبو العبّاس ابن الأزرق:
ودخلت على أبي عبد الله محمد بن إدريس الشافعيّ، فقلت له: يا أبا عبد الله، ما تنصفنا! قد تحقّقت (٢) بهذا الفقه فتأخذ به الجوائز والصّلات، ولا حظّ لنا في ذلك. وقد جئت تداخلنا في الشعر! فإمّا أن تشركنا لك في الفقه، أو تتركنا
стр. 2000
للشعر. وقد جئت بأبيات أنشدك إيّاها، فإن أجزتها بمثلها، تبت أنا من الشعر، وإن عجزت، تتوب أنت!
فقال له الشافعي: هيه، يا هذا!
وكانت الأبيات [الكامل]:
ما همّتي إلّا مقارعة العدى ... خلق الزمان وهمّتي لم تخلق
والناس أعينهم على سلب الفتى ... لا يسألون عن الحجى والأولق (١)
لكنّ من رزق الحجى حرم الغنى ... ضدّان مفترقان أيّ تفرّق
لو كان بالحيل الغنى لوجدتني ... بنجوم أقطار السماء تعلّقي
فقال له الشافعيّ: ألا قلت كما أقول، ارتجالا:
إنّ الذي رزق اليسار فلم يصب ... أجرا ولا حمدا لغير موفّق (٢)
فالجدّ يدني كلّ أمر شاسع ... والجدّ يفتح كلّ باب مغلق
فإذا سمعت بأنّ مجدودا حوى ... عودا فأثمر في يديه فصدّق
وإذا سمعت بأنّ مجدودا أتى ... ماء ليشربه فغاض فحقّق
وأحقّ خلق الله بالهمّ امرؤ ... ذو همّة يبلى بعيش ضيّق
ومن الدليل على القضاء وحكمه ... بؤس اللبيب وطيب عيش الأحمق
فقال: يا أبا عبد الله، لا قلت شعرا!
[الشافعيّ عالم قريش]
وقال الخطيب أبو بكر أحمد [بن عليّ] بن
ثابت: حدّثنا أبو سعد إسماعيل بن عليّ الأسترآباذيّ: ثنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحافظ: ثنا محمد بن إبراهيم: ثنا عبد الملك بن محمد- هو أبو نعيم- حدّثنا محمد بن عون:
حدّثنا الحكم بن نافع [١٥٤ أ] بن عيّاش عن عبد العزيز بن عبيد الله عن وهب بن كيسان عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ أنّه قال: «اللهمّ اهد قريشا، فإنّ عالمها يملأ طباق الأرض علما. اللهمّ، كما أذقتهم عذابا فأذقهم نوالا»، دعا بها ثلاث مرّات (٣).
قال عبد الملك بن محمد: في قوله ﷺ : «فإنّ عالمها يملأ الأرض علما ويملأ طباق الأرض» علامة بيّنة للميز: أنّ المراد بذلك رجل من علماء هذه الأمّة من قريش قد ظهر علمه وانتشر في البلاد. وكتبوا تآليفه كما تكتب المصاحف واستظهروا أقواله. وهذه صفة لا تعلمها قدأحاطت إلّا بالشافعيّ إذ كان كلّ واحد من قريش من علماء الصحابة والتابعين ومن بعدهم، وإن كان علمه قد ظهر وانتشر، فإنّه لم يبلغ مبلغا يقع تأويل هذه الرواية عليه؛ إذ كان لكلّ واحد منهم نتف وقطع من العلم ومساءلات، وليس في كلّ بلد من بلاد المسلمين مدرّس ومفت ومصنّف يصنّف على مذهب قرشيّ إلّا على مذهبه: فعلم أنّه يعنيه لا غيره، وهو الذي شرح الأصول والفروع، وازدادت على مرّ الأيّام حسنا وبيانا.
[شهادة أهل العراق للشافعيّ]
وقال الربيع بن سليمان: ناظر الشافعيّ محمّد بن الحسن فقطعه. فبلغ ذلك هارون الرشيد، فقال: أما علم محمد بن الحسن أنّه إذا ناظر رجلا من قريش قطعه سائلا ومجيبا،
стр. 2001
والنبيّ ﷺ يقول: قدّموا قريشا ولا تتقدّموها واسمعوا منهم، فإنّ علم العالم منهم يسع طباق الأرض؟
وعن الربيع: سمعت الشافعيّ يقول: كان محمد بن الحسن يقرأ عليّ جزءا، فإذا جاء أصحابه قرأ عليهم أوراقا. فقالوا له: إذا جاء هذا الحجازيّ قرأت عليه جزءا، وإذا جئنا قرأت علينا أوراقا؟
فقال: اسكتوا! إن تابعكم هذا لم يثبت لكم أحد.
وعن الزعفرانيّ: قال محمد بن الحسن: إن تكلّم أصحاب الحديث يوما، فبلسان الشافعيّ لغة (١) لمّا وضع كتبه.
وعن داود بن عليّ الأصبهانيّ: سمعت إسحاق [بن] راهويه يقول: لقيني أحمد بن حنبل بمكّة، فقال: تعال حتّى أريك رجلا لم تر عيناك مثله! - فأراني الشافعيّ.
وعن أبي إسماعيل الترمذي: سمعت إسحاق ابن راهويه يقول: كنّا بمكّة، والشافعيّ بها، وأحمد بن حنبل بها. فقال لي أحمد بن حنبل: يا أبا يعقوب، جالس هذا الرجل! - يعني الشافعيّ.
فقلت: وما أصنع به؟ سنّه قريب من سنّنا.
[أ] أترك [١٥٤ ب] ابن عيينة، والمقرئ؟
فقال: ويحك! إنّ ذاك لا يفوت، وذا يفوت!
فجالسته.
وعن إبراهيم بن محمد الكوفيّ: رأيت الشافعيّ بمكّة يفتي الناس، ورأيت إسحاق بن إبراهيم، وأحمد بن حنبل حاضرين. فقال أحمد لإسحاق:
يا أبا يعقوب، تعال حتى أريك رجلا لم تر عينك
مثله.
فقال إسحاق: لم تر عيناي مثله؟
قال: نعم.
فجاء به فأوقف على الشافعيّ- وذكر فهمه، لمناظرته إيّاه في رياع مكّة.
وقال أبو سليمان داود بن عليّ الأصفهانيّ: قال لي إسحاق بن إبراهيم بن راهويه: ذهبت أنا وأحمد بن حنبل إلى الشافعيّ بمكّة، فسألته عن أشياء، فرأيته رجلا فصيحا حسن الأدب. فلمّا فارقناه أعلمني جماعة من أهل الفهم بالقرآن أنّه أعلم الناس في زمانه بمعاني القرآن، وأنّه قد أوتي فهما في القرآن، ولو كنت عرفت ذلك منه. (قال أبو سليمان): فرأيته يتأسّف على ما فاته من الشافعيّ.
[شهادة ابن راهويه]
وعن أبي بكر أحمد بن الفضل النجّار: سمعت إسحاق بن راهويه يقول، وقد اجتمع مع أحمد بن حنبل ببغداد، والشافعيّ نازل بباب الطاق:
يا أحمد، بلغني أنّ رجلا من قريش جاء إلى بغداد إلى عندكم، وهو نازل بباب الطاق. فكيف ترى أن نلقاه؟
قال أحمد: إنّه رجل إمام من أئمّة المسلمين، ولقد لقيته مرّات، وعدت إليه عودة بعد عودة.
ولكن، قم بنا إليه!
(قال إسحاق): فقمنا إليه، فوجدناه يقرأ القرآن. فسلّمنا عليه، وأجلسنا بجنبه. فلمّا أن فرغ من درسه التفت إلى أحمد فقال: يا أبا عبد الله، من الرجل؟
فقال: أخونا إسحاق بن راهويه. (قال إسحاق) فأدناني منه وعانقني وقال: الحمد لله الذي جمع بيني وبينكما!
стр. 2002
(قال إسحاق): فتناظرنا في الحديث، فلم أر أعلم منه. ثمّ تناظرنا في الفقه فلم أر أفقه منه. ثمّ تناظرنا في القرآن فلم أر أقرأ منه. ثمّ تناظرنا في اللغة فوجدته بيت اللغة، وما رأت عيناي مثله قطّ، حتّى تمنّيت أن أكون سربا لبيانه في سرحه.
(قال): وخرجنا من عنده، فالتفت إليّ أحمد وقال: يا أبا يعقوب، كيف رأيت الرجل؟
فقلت: راجحا وافرا، زاد الله مثله في المسلمين!
[شهادة أحمد بن حنبل]
وعن عبد الله بن أحمد بن حنبل: قال لي أبي:
كنت أجالس محمّد بن إدريس الشافعيّ بمكّة، فكنت أذاكره بأسماء الرجال. فقال: روينا عن عمر بن الخطّاب عن أهل المدينة عن فلان عن فلان عن فلان، وفلان بن فلان- فلا يزال يسمّي رجلا رجلا، وأسمّي له جماعة، ويذكر هو عددا من أهل مكّة، وأذكر أنا جماعة منهم- (قال عبد الله): وكان أبي يصف الشافعيّ [١٥٥ أ] فيطنب في وصفه، وقد كتب أبي عنه حديثا صالحا، وكتب من كتبه بخطّه بعد موته أحاديث عدّة ممّا سمعه من الشافعيّ.
وقال عبد الرحمن ابن أبي حاتم: حدّثنا أبو عثمان الخوارزميّ فيما كتب إليّ، وسمعت محمّد بن الفضل البزّاز قال: سمعت أبي يقول:
حججت مع أحمد بن حنبل، ونزلت في مكان واحد معه- يعني بمكّة- فخرج أبو عبد الله- يعني أحمد بن حنبل- باكرا، وخرجت أنا بعده. فلمّا صلّيت الصبح درت المسجد فجئت إلى مجلس سفيان بن عيينة. فكنت أدوّر مجلسا مجلسا طلبا لأبي عبد الله حتّى وجدته عند شابّ إعرابيّ، وعليه ثياب مصبوغة وعلى رأسه جمّة (١). فزاحمت حتى قعدت عند أحمد بن حنبل، فقلت: يا أبا عبد الله، تركت ابن عيينة، وعنده الزهريّ، وعمرو بن دينار، وزياد بن علاقة، وما الله به عليم! ؟
فقال لي: اسكت! فإن فاتك حديث بعلوّ تجده بنزول لا يضرّك في دينك ولا في عقلك- أو قال:
في فهمك- وإن فاتك عقل هذا الفتى، أخاف أن لا تجده إلى يوم القيامة! ما رأيت أحدا أفقه في كتاب الله من هذا الفتى القرشيّ!
قلت: من هذا؟
قال: محمد بن إدريس الشافعيّ.
وقال الربيع: سمعت الحميديّ يقول: قال لي أحمد بن حنبل: تعال حتّى أذهب بك إلى رجل لم تر عيناك مثله! - فذهب بي إلى الشافعيّ.
وعن الحميديّ: قلت لأحمد بن حنبل: الليلة يقعد سفيان بن عيينة.
فقال: الليلة يقعد الشافعيّ.
قلت: سفيان يفوت، والشافعيّ لا يفوت.
قال: الشافعيّ يفوت، وسفيان لا يفوت.
(قال): فحضرنا مجلس الشافعيّ، فلمّا قمنا قال: كيف رأيت؟
قلت: أخطأ في ستّة أحاديث!
قال: سبحان الله! رجل من قريش يقعد فيروي في مجلس واحد شبيها بمائتي حديث، [و] تنكر أن يخطئ في ستّة أحاديث؟ إيش هي؟
قلت: حديث كذا وكذا.
قال: هذا يرويه فلان.
قلت: حديث كذا.
стр. 2003
قال: هذا رواه فلان.
فإذا الستّة كلّها صحاح، وأنا لم أدر.
[علم الشافعيّ بالشعر والأيّام]
وقال الزبير ابن أبي بكر: أملى عليّ عمّي مصعب بن عبد الله الزبيريّ أشعار هذيل ووقائعها وأيّامها، ثمّ قال: أملاه يا بنيّ عليّ شابّ من قريش ما رأت عينيّ مثله: محمد بن إدريس الشافعيّ، من أوّله إلى آخره، حفظا. فقلت: يا أبا عبد الله، أين أنت بهذا الذهن عن الفقه؟
فقال: إيّاه أردت.
وفي رواية: قال لي عمّي مصعب: كتبت عن فتى من بني شافع، من أشعار هذيل ووقائعها وقرا (١)، لم [١٥٥ ب] تر عيناي مثله.
قلت: يا عمّ، أنت تقول: لم تر عيناي مثله؟
قال: نعم يا بنيّ، لم تر عيناي مثله!
قال الخطيب: وقد رأى مصعب مالك بن أنس ومن عاصره من العلماء بالمدينة.
وعن الربيع: سمعت أيّوب بن سويد الرمليّ لمّا رأى الشافعيّ قال: ما ظننت أنّي أعيش حتّى أرى مثل هذا الرجل قطّ!
وعن عبد الله بن أحمد بن حنبل: سمعت أبي يقول: ما رأيت مثل محمد بن إدريس الشافعيّ، ولا يرى. إنّي لأدعو الله له في سجودي أكثر ممّا أدعو الله لأبويّ.
وقال يحيى بن محمد بن صاعد: سمعت أحمد بن حنبل يقول: كان الفقهاء أطبّاء، والمحدّثون صيادلة، فجاء محمّد بن إدريس الشافعيّ طبيبا صيدلانيّا ما مقلت (٢) العيون مثله.
وعن أبي ثور: ما رأينا مثل الشافعيّ، ولا رأى الشافعيّ مثل نفسه.
وفي رواية: ما رأيت، ولا رأى الرّاؤون، مثل الشافعيّ: سأله رجل عن الرّبا ما هو، فقال مسرعا: الرّبا فتنة عقدها الهوى حيال أبصار قلوب العلماء، فنظروا إليها بسوء اختيار النفوس فأحبطت الأعمال.
وعنه: من زعم أنّه رأى مثل محمد بن إدريس في علمه وفصاحته ومعرفته وبيانه وتمكّنه، فقد كذب. كان محمد بن إدريس الشافعيّ منقطع القرين في حياته. فلمّا مضى لسبيله لم يعتض منه.
وعن الزعفرانيّ: ما رأيت مثل الشافعيّ، أفضل ولا أكرم ولا أسخى ولا أتقى ولا أعلم منه!
وعن ابن عبد الحكم: ما رأيت مثل الشافعيّ.
وفي رواية: ما أحد ممّن خالفنا- يعني: خالف مالكا- أحبّ إليّ من الشافعيّ.
وفي رواية: ما رأينا مثل الشافعيّ: كان أصحاب الحديث ونقّاده، يجيئون إليه فيعرضون عليه، فربّما أعلّ نقد النقّاد منهم، ويوقفهم على غوامض من عالي الحديث لم يقفوا عليها، فيقومون وهم يتعجّبون منه. ويأتيه أصحاب الفقه المخالفون والموثّقون، فلا يقومون إلّا وهم مذعنون له بالحذق والدراية. ويجيئه أصحاب الأدب فيقرءون عليه الشعر، فيفسّره لهم. ولقد كان يحفظ عشرة آلاف بيت شعر من أشعار هذيل بإعرابها وغريبها ومعانيها. وكان من أضبط الناس لتاريخ، وكان يعينه على ذلك شيئان: وفور عقله، وصحّة ذهنه. وكان مردّ أمره إخلاص العمل لله.
[ورع الشافعيّ]
وعن عبد الله بن محمد البلويّ: جلسنا ذات
стр. 2004
[يوم] نتذاكر الزهّاد [١٥٦ أ] والعبّاد والعلماء، وما بلغ من فصاحتهم وزهدهم وعلمهم. فبينا نحن كذلك إذ دخل علينا عمر بن نباتة فقال: فيم تتحاورون؟
قلنا: نتذاكر الزهّاد والعبّاد وفصاحتهم.
فقال عمر بن نباتة: والله ما رأيت رجلا قطّ أورع، ولا أخشع، ولا أفصح، ولا أصبح، ولا أسمح، ولا أعلم، ولا أكرم، ولا أجمل، ولا أنبل، ولا أفضل، من محمد بن إدريس الشافعيّ:
خرجت أنا وهو والحارث بن لبيد إلى الصفا، وكان الحارث بن لبيد قد صحب صالحا المزّيّ، وكان من الخاشعين المتّقين الزاهدين، وكان حسن الصوت بالقرآن. فقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْناكُمْ وَالْأَوَّلِينَ (٣٨) فَإِنْ كانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ* وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ [المرسلات: ٣٨ - ٤٠]. (قال): فرأيت الشافعيّ قد اضطرب وتغيّر لونه وبكى بكاء شديدا حتّى لصق بالأرض، فأبكاني والله قلقه وشدّة خوفه لله . ثمّ لم يتمالك أن قال: إلهي، أعوذ بك من مقام الكذّابين، وأعلام الغافلين! إلهي، خشعت لك قلوب العارفين، وولهت بك همم المشتاقين! فهب لي جودك وجلّني سترك، واعف عنّي بكرم وجهك يا كريم! (قال): ثمّ قمنا وتفرّقنا.
[فصاحة الشافعيّ]
وقال أبو حاتم عن الأصمعيّ: ما هبت عالما قطّ ما هبت مالكا، حتّى لحن: فذهبت هيبته من قلبي. وذلك أنّي سمعته يقول: «مطرنا مطرا وأيّ مطرا» (١). فقلت له في ذلك، فقال: كيف لو رأيت ربيعة ابن أبي عبد الرحمن؟ كنّا إذا قلنا له:
«كيف أصبحت؟ » يقول: «بخيرا (كذا)»، وإذا
مالك قد جعل لنفسه قدوة يقتدي به في اللحن. ثمّ رأيت محمد بن إدريس في وقت مالك وبعد مالك، فرأيت رجلا فقيها عالما حسن المعرفة بيّن البيان عذب اللّسان، يحتجّ ويعرب، لا يصلح إلّا لصدر سرير أو ذروة منبر، وما علمت أنّي أفدته حرفا فضلا عن غيره. ولقد استفدت منه ما لو حفظ رجل أيسره، لكان عالما.
[بين الشافعيّ وبشر المريسيّ]
وعن الزّعفرانيّ قال: حجّ بشر المريسيّ سنة إلى مكّة، ثمّ قدم فقال: لقد رأيت بالحجاز رجلا ما رأيت مثله سائلا ولا مجيبا- يعني الشافعيّ-.
وقال ابن سريج عن أبي بكر بن الجنيد: حجّ بشر المريسيّ، ورجع فقال لأصحابه: رأيت شابّا من قريش ما أخاف على مذهبنا إلّا منه- يعنيالشافعيّ.
وقال داود بن عليّ: سمعت محمّد بن عتّاب، وكان من جلّة [١٥٦ ب] أصحاب المريسيّ، قال:
سمعت المريسي يقول: قد كلّمت بمكّة رجلا ما رأيت مثله، إن وافقكم لم تبالوا من خالفكم- يعني الشافعيّ.
وعن الحسن بن محمد الزعفرانيّ: حجّ بشر المريسيّ سنة، ثمّ قدم فقال: قد رأيت بالحجاز رجلا ما رأيت مثله سائلا ولا مجيبا- يعني الشافعيّ. (قال): فقدم الشافعيّ علينا بعد ذلك بغداد، فاجتمع إليه الناس، وخفّوا عن بشر.
فجئت إلى بشر يوما وقلت: هذا الشافعيّ الذي كنت تزعم قد قدم.
فقال: إنّه تغيّر عمّا كان عليه.
(فقال الزعفرانيّ: ) فما كان مثله إلّا مثل اليهود في أمر عبد الله بن سلّام حيث قالوا: سيّدنا وابن سيّدنا.
стр. 2005
فقال لهم: فإن أسلم؟
قالوا: شرّنا وابن شرّنا.
[الشافعيّ عالم المائة الثانية]
وعن أبي سعيد الفريابيّ أنّه قال: قال أحمد بن حنبل: إنّ الله يقيّض للناس في كلّ رأس مائة سنة من يعلّمهم السّنن، وينفي عن رسول الله ﷺ الكذب.
فنظرنا، فإذا في رأس المائة عمر بن عبد العزيز (١)، وفي رأس المائتين الشافعيّ.
وقال أحمد بن عمرو بن عبد الخالق الفرّاء:
سمعت عبد الملك [بن عبد الحميد بن ميمون] الميمونيّ [الرقّيّ] يقول: كنت [عند] أحمد بن حنبل، وجرى ذكر الشافعيّ، فرأيت أحمد يرفعه، وقال: يروى عن النبيّ ﷺ أنّ الله يبعث لهذه الأمّة على رأس كلّ مائة سنة من يقرّر لها دينها: فكان عمر بن عبد العزيز على رأس المائة، وأرجو أن يكون الشافعيّ على رأس المائة الأخرى.
وقال المروزيّ عن أحمد بن حنبل: إذا سئلت عن مسألة لا أعرف فيها خبرا، قلت فيها: يقول الشافعيّ؛ لأنّه إمام عالم من قريش، وقد روي عن النبيّ ﷺ أنّه قال: عالم قريش يملأ الأرض علما.
وذكر في الخبر أنّ الله يقيّض في رأس كلّ مائة سنة رجلا يعلّم الناس دينهم، فكان في المائة الأولى عمر بن عبد العزيز، وفي المائة الثانية الشافعيّ، وإنّي لأدعو للشافعيّ منذ أربعين سنة في صلاتي.
[تحوّل أهل الرأي إلى الحديث اتّباعا للشافعيّ]
وعن الزعفرانيّ: قدم علينا الشافعيّ، فاجتمعنا إليه، فقال: التمسوا من يقرأ لكم، فلم يجترئ
أحد يقرأ عليه غيري- وكنت أحدث القوم سنّا، ما كان في وجهي شعرة- وإنّي لأتعجّب اليوم من انطلاق لساني بين يدي الشافعيّ، وأتعجّب من جسارتي يومئذ- فقرأت عليه الكتب كلّها إلّا كتابين، فإنّه قرأهما علينا: كتاب المناسك، وكتاب الصلاة. ولقد كتبنا كتب الشافعيّ يوم كتبناها [١٥٧ أ] وقرأناها عليه، وإنّا لنحسب أنّا في اللعب، وما يحصل في أيدينا شيء، وأنّه ضرب من اللعب، ولا نصدّق أنّه يكون آخر أمره إلى هذا [اليوم]. وذلك أنّه كان قد غلب علينا قول الكوفيّين.
وعن أبي ثور: كنت أنا وإسحاق بن راهويه، وحسين الكرابيسي، وجماعة من العراقيّين، ما تركنا بدعتنا حتى رأينا الشافعيّ.
وفي رواية: لمّا ورد الشافعيّ جاءني حسين الكرابيسيّ وكان يختلف معي إلى أصحاب الرأي فقال: قد ورد رجل من أصحاب الحديث يقعقع، قمبنا نسخر به!
فقمت وذهبنا حتى دخلنا عليه، فسأله الحسين عن مسألة فلم يزل الشافعيّ يقول: «قال الله، وقال رسول الله ﷺ »، حتى أظلم علينا البيت فتركنا بدعتنا واتّبعناه.
وعن أحمد بن حنبل: كانت أقضيتنا، أصحاب الحديث، في أيدي أصحاب الرأي، ما ننزع، حتى رأينا الشافعيّ، وكان أفقه الناس في كتاب الله وفي سنّة رسول الله ﷺ .
وعنه: الشافعيّ رحمة من الله لأمّة محمد ﷺ .
وقيل لحسين [بن عليّ] الكرابيسيّ: ما تقول في الشافعيّ؟
فقال: ما أقول في رجل ابتدأ في أفواه الناس الكتاب والسنّة. ما كنّا ندرك ما الكتاب والسنّة،
стр. 2006
نحن ولا الأوّلون، حتى سمعنا من الشافعيّ الكتاب والسنّة والإجماع.
وعن أبي الفضل الزجّاج: لمّا قدم الشافعيّ إلى بغداد، كان في الجامع إمّا نيّف وأربعون حلقة، أو خمسون حلقة. فلمّا دخل بغداد، ما زال يقعد في حلقة حلقة، ويقول لهم: «قال الله، وقال الرسول»، وهم يقولون: «قال أصحابنا» حتّى ما بقي في المسجد حلقة غيره.
وعن حرملة بن يحيى: سمعت الشافعيّ يقول:
سمّيت ببغداد «ناصر الحديث».
وعن الحميديّ: كنّا نريد أن نردّ على أصحاب الرأي، فلم نحسن كيف نردّ عليهم، حتى جاء الشافعيّ ففتح لنا.
[شغف ابن حنبل بالشافعيّ]
وعن أحمد بن حنبل: قدم علينا نعيم بن حمّاد وحدّثنا على طلب المسند. فلمّا قدم علينا الشافعيّ وضعنا على المحجّة البيضاء.
وعنه: ما كان أصحاب الحديث يعرفون معاني حديث رسول الله ﷺ حتّى قدم الشافعيّ فبيّنها لهم.
وعنه: كان الفقه قفلا على أهله حتّى فتحه الله بالشافعيّ.
وعنه: لولا الشافعيّ، ما عرفنا فقه الحديث.
وقال، - وقد ذكر عنده الشافعيّ-: لقد كان يذبّ عن الآثار ﵀.
وقال: هذا [١٥٧ ب] الذي ترون، كلّه أو عامّته من الشافعيّ. وما بتّ منذ ثلاثين سنة إلّا وأنا أدعو الله للشافعيّ، وأستغفر له.
وفي رواية: ما صلّيت صلاة منذ أربعين سنة إلّا وأنا أدعو للشافعيّ.
وفي رواية: أنا أدعو الله لخمسة كلّ يوم- أو كلّ صلاة- أسمّيهم بأسمائهم وأسماء آبائهم، أحدهم الشافعيّ.
وعن محمد بن محمد بن إدريس الشافعيّ قال:
قال لي أحمد بن حنبل: أبوك أحد الخمسة الذين أدعو لهم سحرا.
وفي رواية: ستّة أدعو لهم سحرا، أحدهم الشافعيّ.
وعن خطّاب بن بشر قال: جعلت أسأل أبا عبد الله أحمد بن حنبل فيجيبني ويلتفت إلى ابن الشافعيّ ويقول: هذا ممّا علّمنا أبو عبد الله- يعني الشافعيّ. (قال): وسمعت أبا عبد الله يذاكر أبا عثمان أمر أبيه، فقال أحمد: يرحم الله أبا عبد الله، ما أصلّي صلاة إلّا دعوت فيها لخمسة هو أحدهم، وما يتقدّمه منهم أحد.
وعن عبد الله بن أحمد: قلت لأحمد: يا أبت، أيّ رجل كان الشافعيّ، فإنّي سمعتك تكثر من الدعاء له؟
قال: يا بنيّ، كان الشافعيّ كالشمس للدنيا، وكالعافية للناس، فانظر هل لهذين من خلف أو منهما عوض؟
وعن الفضل بن زياد العطّار: سمعت أحمد بن حنبل يقول: ما أحد يمسّ بيده محبرة وقلما إلّا وللشافعيّ في عنقه منّة.
وعن أحمد: كلام الشافعيّ في اللغة حجّة.
وعنه: كان الشافعيّ من أفصح الناس.
وعنه: الشافعيّ فيلسوف في أربعة أشياء: في اللغة، واختلاف الناس، والمعاني، والفقه.
وعنه: ما أحد تعلّم في الفقه كان أحرى أن يصيب السنّة لا يخطئ، إلّا الشافعيّ.
стр. 2007
وعن أبي تراب حميد بن أحمد: كنت عند أحمد بن حنبل نتذاكر في مسألة، فقال له رجل:
يا أبا عبد الله، لا يصحّ فيه حديث.
فقال: إن لم يصحّ فيه حديث، ففيه قول الشافعيّ، وحجّته أثبت شيء فيه.
ثمّ قال: قلت للشافعيّ: ما تقول في مسألة كذا وكذا؟
فأجاب فيها. فقلت: من أين قلت؟ هل فيه حديث أو كتاب؟
قال: بلى.
فنزع في ذلك حديثا للنبيّ ﷺ ، وهو حديث نصّ.
وعن أحمد: الشافعي أتبع للسنة والأثر من مالك بن أنس.
وعن مسلم بن الحجّاج: قال أحمد بن حنبل:
سمعت ابن إدريس- يعني الشافعيّ- ربّما تكلّم في الفقه يقول: أنا والله سمعت مالكا. (قال): وذكر أحمد محمّد بن إدريس فقال: [١٥٨ أ] كان نسيج وحده.
وقال العبّاس بن محمّد: سألت أحمد بن حنبل عن الشافعيّ فقال: قد سألناه واختلفنا إليه فما رأينا إلّا خيرا.
وقال الحربيّ: سألت أحمد بن حنبل عن الشافعيّ فقال: حديث صحيح، ورأي صحيح.
وقال أبو داود سليمان بن الأشعث: ما رأيت أحمد بن حنبل يميل إلى أحد ميله إلى الشافعيّ.
وقال إسحاق بن راهويه: كان أحمد بن حنبل مشغوفا بالشافعيّ، وبعلمه وفقهه، وو الله ما وضع أبو عبد الله شيئا إلّا في موضعه.
وقال الحسن بن محمّد الزعفرانيّ: كنّا نختلف إلى الشافعيّ عند ما قدم إلى بغداد ستّة أنفس:
أحمد بن حنبل، وأبو ثور، وحارث النفّال، وأبو عبد الرحمن الشافعيّ، وأنا، ورجل آخر. وما عرضنا على الشافعيّ كتبه إلّا وأحمد بن حنبل حاضر لذلك.
وعن محمّد بن المنذر الهرويّ أنّه قال: لمّا قدم عليهم الشافعيّ العراق، سمع الكتب منه حسين الكرابيسيّ، وأبو ثور، والزعفرانيّ وغيرهم، وحدّثهم بأحاديث كثيرة، فسمع منه أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه وغيرهما. فسمعت الزعفرانيّ يقول: ما دخلت على الشافعيّ قطّ إلّا وأحمد بن حنبل كان قد سبقني إليه.
وعن صالح بن أحمد: سمعت أبي يقول:
سمعت الموطّأ من محمد بن إدريس الشافعيّ لأنّي رأيته فيه ثبتا، وقد سمعته من جماعة قبله.
وعن الحسين بن محمّد الصبّاح: قال لي أحمد بن حنبل: إذا رأيت أبا عبد الله الشافعيّ قد خلا، فأعلمني- وكان يجيئه ارتفاع النهار فيبقى معه.
وعن حرملة بن يحيى: سمعت الشافعيّ يقول:
وعدني أحمد بن حنبل أن يقدم على مصر.
وعن إبراهيم الحربيّ قال: قال أستاذ الأستاذين.
قال: من هو؟
قال: الشافعيّ، أليس هو أستاذ أحمد بن حنبل؟
وعن صالح بن أحمد: ركب الشافعيّ حماره، فجعل أبي يسايره ويمشي، والشافعيّ راكب، وهو يذاكره. فبلغ ذلك يحيى بن معين، فبعث إلى أبي، فبعث إليه: إنّك لو كنت بالجانب الآخر من الحمار، لكان خيرا لك.
стр. 2008
وفي رواية: مشى أبي مع بغلة الشافعيّ، فبعث إليه يحيى بن معين يقول: يا أبا عبد الله، أما رضيت إلّا أن تمشي مع بغلته؟
فقال: يا أبا زكريّا، لو مشيت من الجانب الآخر، كان أنفع لك!
وعن أبي عبد الله محمد بن ماجة القزويني قال: جاء يحيى بن معين يوما إلى أحمد بن حنبل، فبينا هو عنده [١٥٨ ب] إذ مرّ الشافعيّ على بغلته، فوثب أحمد فسلّم عليه وتبعه. فأبطأ ويحيى جالس. فلمّا جاء قال يحيى: يا أبا عبد الله، كم هذا؟
فقال أحمد: دع هذا عنك! إن أردت الفقه فالزم ذنب البغلة!
[أصحاب الحديث مدينون للشافعيّ]
وعن أبي إسماعيل الترمذيّ: سمعت إسحاق بن راهويه يقول: ما تكلّم أحد بالرأي- وذكر الثوريّ، والأوزاعيّ، ومالكا، وأبا حنيفة- إلّا والشافعيّ أكثر اتّباعا وأقلّ خطأ منه.
وعن محمد بن علي الصانع: سمعت يحيى بن معين يقول: محمد بن إدريس الشافعيّ في الناس بمنزلة العافية للخلق، والشمس للدنيا. جزاه الله عن الإسلام وعن نبيّه ﷺ خيرا.
وعن أبي إسحاق إبراهيم بن محمد الشافعيّ- وذكر محمد بن إدريس فقال: هو ابن عمّي، فعظّمه وذكر من قدره وجلالته في العلم.
وقال أبو ثور: سمعت الشافعيّ، وكان من معادن الفقه وجهابذة الألفاظ ونقّاد المعاني، يقول: حكم المعاني خلاف حكم الألفاظ، لأنّ المعاني مبسوطة إلى غير غاية، وممدودة إلى غير نهاية. وأسماء المعاني مقصورة معدودة، ومحصّلة محدودة. وجميع أصناف الدلالات على المعاني، لفظ وغير لفظ، خمسة أشياء، لا تزيد ولا تنقص: أوّلها اللفظ، ثمّ الإشارة، ثمّ العقد، ثمّ الخطّ الذي يسمّى النصبة، والنصبة في الحال الدالّة التي تقوم مقام تلك الأصناف ولا تقصّر عن تلك الدلالات. ولكلّ واحد من هذه الخمسة صورة بائنة من صورة صاحبتها، وحلية مخالفة لحلية أختها، وهي التي تكشف لك عن أعيان المعاني في الجملة، وعن حقائقها في التفسير، وعن أجناسها وأفرادها، وعن خاصّها وعامّها، وعن طباعها في السارّ والضارّ، وعمّا يكون لهوا بهرجا، وساقطا مدحرجا.
وقال الزعفرانيّ: كان أصحاب الحديث رقودا حتّى جاء الشافعيّ فأيقظهم فتيقّظوا.
وعن عبيد بن محمد بن خلف البزّاز: سئل أبو ثور: أيّما أفقه: الشافعيّ أم محمد بن الحسن؟
فقال أبو ثور: الشافعيّ أفقه من محمد، وأبي يوسف، وأبي حنيفة، وحمّاد، وإبراهيم، وعلقمة، والأسود.
وعن الربيع: كان أصحاب الحديث لا يعرفون مذاهب الحديث وتفسيره حتّى جاء الشافعيّ.
وقال هلال بن العلاء الشافعيّ: أصحاب الحديث عيال عليه، فتح لهم الأقفال.
وفي رواية: منّ الله تعالى على الناس [١٥٩ أ] بأربعة في زمانهم: الشافعيّ، وأحمد بن حنبل، وأبي عبيد، ويحيى بن معين. فأمّا الشافعيّ، فتفقّه بحديث رسول الله ﷺ .
وأمّا أبو عبيد ففسّر لهم غريب الحديث، ولولا ذلك لاقتحم الناس في الخطإ.
وأمّا يحيى بن معين، فنفى الكذب عن رسول الله ﷺ ، وبيّن الصادق من الكاذب.
وأمّا أحمد بن حنبل فجعله الله للناس إماما في
стр. 2009
القرآن، ولولا ذلك لكفر الناس.
وعن محمد بن المندر بن سعيد النيسابوريّ:
حضرت عند داود بن عليّ، فذكر مسألة. فقيل له: يا أبا سليمان، هذا قول من هو؟
فقال: هذا قول مطّلبيّنا الذي علاهم بنكته، وقهرهم بأدلّته، وباينهم بشهامته، التقيّ في دينه، النقيّ جيبه، الفاضل في نفسه، المتمسّك بكتاب الله، المقتدي برسوله، الماحي آثار المبتدعين، الذاهب بخبرهم، الطامس لسيرهم، فأصبحوا كما قال تعالى هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّياحُ [الكهف: ٤٥].
[أصحاب الشافعيّ]
وقال زكريا بن يحيى الساجي: قلت لأبي داود السجستانيّ: من أصحاب الشافعيّ؟
قال: أوّلهم عبد الله بن الزبير الحميديّ [أبو بكر]،
وأحمد بن حنبل،
ويوسف بن يحيى أبو يعقوب البويطي،
والربيع بن سليمان [المؤذّن المراديّ]،
وأبو ثور إبراهيم بن خالد [الكلبيّ]،
وأبو الوليد [موسى] بن [أبي] الجارود المكّيّ،
والحسن بن محمّد [بن الصبّاح] الزعفرانيّ،
والحسين بن عليّ الكرابيسيّ [البغداديّ]،
وإسماعيل بن يحيى المزنيّ [أبو إبراهيم]،
وحرملة بن يحيى [بن الحارث بن مسكين التجيبيّ المصريّ]،
ورجل ليس بالمحمود [هو] أبو عبد الرحمن أحمد بن يحيى الذي يقال له «الشافعيّ»، وذلك لأنّه بدّل وقال بالاعتزال (١).
هؤلاء ممّن تكلّم في العلم وعرفوا به من أصحابه.
[فضائل الشافعيّ]
وعن أبي المنير سهل بن عبد الصمد الرقّيّ:
سمعت داود بن عليّ الأصبهانيّ يقول: اجتمع للشافعيّ من الفضائل ما لم يجتمع لغيره: وأوّل ذلك شرف نسبه ومنصبه، وأنّه من رهط النبيّ ﷺ .
ومنها صحّة الدين وسلامة الاعتقاد من الأهواء والبدع.
ومنها سخاوة النفس.
ومنها معرفته بصحّة الحديث وسقمه.
ومنها معرفته بناسخ الحديث ومنسوخه.
ومنها حفظه لكتاب الله، وحفظه لأخبار رسول الله ﷺ ومعرفته بسير [ة] النبيّ ﷺ وسير خلفائه.
ومنها كشفه لتمويه مخالفيه.
ومنها تأليفه الكتب القديمة والحديثة.
ومنها ما اتّفق له من الأصحاب والتلاميذ، مثل أبي عبد الله أحمد بن حنبل في زهده وعلمه وورعه وإقامته على السنة [١٥٩ ب] ومثل سليمان بن داود الهاشميّ، وعبد الله بن الزبير الحميديّ، والحسين الفلّاس، وأبي ثور إبراهيم بن خالد الكلبيّ، والحسن بن محمد بن الصبّاح الزعفرانيّ، وأبي يعقوب يوسف بن يحيى البويطيّ، وحرملة بن يحيى التجيبيّ (٢)، والربيع بن سليمان المراديّ، وأبي الوليد موسى بن [أبي] الجارود، والحارثبن سريج النفّال، وأحمد بن
стр. 2010
خالد الخلّال، والقائم بمذهبه أبو إبراهيم إسماعيل بن يحيى المزنيّ (١)، ولم يتّفق لأحد من العلماء والفقهاء من الأصحاب ما اتّفق له رحمة الله عليه وعليهم أجمعين.
قال البيهقيّ: إنّما عدّد داود بن عليّ من أصحاب الشافعيّ جماعة يسيرة، وقد عدّ أبو الحسن الدارقطنيّ من روى عنه أحاديثه وأخباره أو كلامه زيادة على مائة، مع قصور سنّه عن سنّ أمثاله من الأئمّة، وإنّما يكثر الرواة عن العالم إذا جاوز سنّه السّتّين أو السبعين، والشافعيّ لم يبلغ في السنّ أكثر من أربع وخمسين.
وقال النسائيّ: سمعت عبيد بن فضالة النسائيّ الثقة المأمون يقول: سمعت إسحاق بن راهويه يقول: الشافعيّ إمام.
وكان أبو عبد الله البوسنجي يقول: سمعت قتيبة بن سعيد يقول: الشافعيّ إمام.
وقال أحمد بن عليّ الجرجانيّ: كان الحميديّ إذا جرى عنده ذكر الشافعيّ يقول: حدّثنا سيّد الفقهاء، الشافعيّ.
وقال الزعفرانيّ: كنت مع يحيى بن معين في جنازة، فقال له رجل: يا أبا زكريّا، ما تقول في الشافعيّ؟
فقال: دع هذا عنك! لو كان الكذب مطلقا، لكانت مروءته تمنعه من أن يكذب.
وعن هاشم بن مرثد الطبرانيّ: سمعت يحيى بن معين يقول: الشافعيّ صدوق لا بأس به.
وعن عبد الله بن محمد بن جعفر القزوينيّ:
سمعت أبا زرعة الرازي يقول: ما عند الشافعيّ حديث غلط فيه.
وقال ابن أبي حاتم: سمعت أبي يقول:
محمد بن إدريس الشافعيّ فقيه البدن (٢) صدوق.
وقال أبو بكر ابن أبي داود السجستانيّ: سمعت أبي يقول: ما من العلماء أحد إلّا وقد أخطأ في حديثه، غير ابن عليّة، وبشر بن المفضّل. وما أعلم للشافعيّ حديثا خطأ.
وقال أبو بكر أحمد بن محمد بن عبيدة: كنّا نسمع من يونس بن عبد الأعلى تفسير زيد بن أسلم، فقال لنا يونس: كنت أوّلا أجالس أصحاب التفسير وأناظر عليه، فكان الشافعيّ إذا أخذ في التفسير كأنّه شهد التنزيل.
وعن أبي حسّان الزياديّ أنّه قال: لمّا رأيت إكرام الشافعيّ [١٦٠ أ] وإصغاءه إلى ما تقول، وانتزاعه من القرآن المعاني والعبارة على المعاني، أنست به. فكنت أسأله عن معاني القرآن فما رأيت أحدا أقدر على معاني القرآن والعبارة عن المعاني والاستشهاد على ذلك من قول اشعر أو اللغة، منه.
[تدبّر الشافعيّ للقرآن]
وقال أبو سعيد محمد بن عقيل: قال الربيع أو المزنيّ: كنّا يوما عند الشافعيّ إذ جاء شيخ عليه جبّة صوف وعمامة صوف وإزار صوف، وفي يده عكازة. فقام الشافعيّ وسوّى عليه ثيابه، وسلّم الشيخ وجلس. وأخذ الشافعيّ ينظر إلى الشيخ هيبة له إذ قال الشيخ: أسأل؟
قال: سل!
قال: إيش الحجّة في دين الله؟
قال الشافعيّ: كتاب الله.
قال: وماذا؟
قال: وسنّة رسول الله ﷺ .
قال: وماذا؟
قال: اتّفاق الأمّة.
стр. 2011
قال: من أين قلت «اتّفاق الأمّة»؟ من كتاب الله أم من سنّة رسول الله ﷺ ؟
فقال: من كتاب الله.
قال: فأين في كتاب الله؟
فتدبّر الشافعيّ ساعة. فقال الشيخ: قد أجّلتك ثلاثة أيّام، فإن جئت بحجّة من كتاب الله في الاتّفاق، وإلّا تب إلى الله .
فتغيّر لون الشافعيّ، ثمّ إنّه ذهب ولم يخرج ثلاثة أيّام ولياليهنّ. فخرج إلينا في اليوم الثالث وقد انتفخ وجهه ويداه ورجلاه- وهو مسقام- فجلس، فلم يكن بأسرع من أن جاء الشيخ فسلّم وجلس. فقال: حاجتي؟
فقال الشافعيّ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، باسم الله الرحمن الرحيم. قال الله :
وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيراً [النساء: ١١٥]. لا يصليه على خلاف المؤمنين إلّا وهو فرض.
فقال: صدقت- وذهب.
فقال الشافعيّ: قرأت القرآن في كلّ يوم وليلة ثلاث مرّات حتّى وقفت عليه.
وعن الربيع: سمعت الشافعيّ يقول: لمّا أردت إملاء تصنيف أحكام القرآن قرأت القرآن مائة مرّة.
وقال المزنيّ: ما رأيت أعقل من الشافعيّ.
وقال هارون بن سعيد الأيليّ: ما رأيت مثل الشافعيّ: قدم علينا مصر فقالوا: «قدم رجل من قريش»، فجئناه وهو يصلّي، فما رأيت أحسن صلاة ولا أحسن وجها منه. فلمّا قضى صلاته تكلّم فما رأينا أحسن كلاما منه، فافتتنّا به.
[طريقة الشافعيّ في التأليف]
وقال بحر بن نصر الخولانيّ: قدم الشافعيّ [١٦٦ ب] من الحجاز فبقي بمصر أربع سنين، ووضع هذه الكتب في أربع سنين ثمّ مات. وكان أقدم معه من الحجاز كتب ابن عيينة. وخرج إلى يحيى بن حسّان فكتب عنه، وأخذ كتابا من أشهب بن عبد العزيز فيه آثار، وكلام من كلام أشهب. فكان يضع الكتب بين يديه ويصنّف الكتب.
فإذا ارتفع له كتاب جاءه صديق له يقال له ابن هرم، فيكتب، ويقرأ عليه البويطيّ، وجميع من يحضر يسمع، في كتاب ابن هرم، ثمّ ينسخونه بعد.
وكان الربيع على حوائج الشافعيّ، وربّما ذهب في حاجة، فيعلّم له، فإذا رجع قرأ الربيع عليه ما فاته.
وقال المزنيّ: سمعت البويطيّ يقول: قلت للشافعيّ: إنّك تتعنّى في تأليف الكتب وتصنيفها، والناس لا يلتفتون إلى كتبك ولا إلى تصنيفك.
فقال: يا بنيّ، إنّ هذا هو الحقّ، والحقّ لا يضيع.
وقال البويطيّ: سمعت الشافعيّ يقول: ألّفت هذه الكتب ولم آل فيها، ولا بدّ أن يوجد فيها الخطأ لأنّ الله تعالى يقول: وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً [النساء: ٨٢]، فما وجدتم في كتبي هذه ممّا يخالف الكتاب أو السنّة، فقد رجعت عنه.
وقال الربيع: سمعت الشافعيّ يقول: وددت أنّ النّاس تعلّموا هذه الكتب، ولا ينسب إليّ منها شيء.
(قال): ودخلت عليه، وهو مريض، فذكر ما وضع من كتبه وقال: لوددت أنّ الخلق تعلّمه ولم ينسب إليّ منه شيء أبدا.
стр. 2012
وقال حرملة بن يحيى: سمعت الشافعيّ يقول:
وددت أنّ كلّ علم أعلمه تعلّمه الناس، أؤجر عليه ولا يحمدو [ن] ني.
وعن محمد بن مسلم بن دارة الرازي: سألت أحمد بن حنبل، قلت: ما ترى لي من الكتب أن انظر فيه رأي مالك والثوريّ والأوزاعيّ؟
فقال لي قولا أجلّهم أن أذكر ذاك، وقال:
عليك بالشافعيّ فإنّه أكثرهم صوابا وأتبعهم للآثار.
قلت لأحمد: فما ترى في كتب الشافعيّ؟ التي عند العراقيّين أحبّ إليك أم التي عندهم بمصر؟
قال: عليك بالكتب التي وضعها بمصر، فإنّه وضع هذه الكتب بالعراق ولم يحكمها، ثمّ رجع إلى مصر فأحكم ذاك.
فلمّا سمعت ذلك من أحمد بن حنبل، وكنت قبل ذلك قد عزمت على الرجوع إلى البلد، وتحدّث بذلك الناس، تركت ذاك وعزمت على الرجوع إلى مصر.
وفي رواية، قال: لمّا قدمت من مصر أتيت أبا عبد الله أحمد بن حنبل أسلّم عليه، فقال لي:
كتبت كتب الشافعيّ؟
قلت: لا. [١٦١ أ]
فقال: فرّطت! ما عرفنا العموم من الخصوص، وناسخ حديث رسول الله ﷺ من المنسوخ حتى جالسنا الشافعيّ.
فحملني ذلك على أن رجعت إلى مصر فكتبتها.
وقال عبد الملك بن عبد الحميد بن ميمون بن مهران الميمونيّ الرقّيّ صاحب أحمد بن حنبل ورفيقه: سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل يقول:
عليك بكتب الشافعيّ! فما أعلم أحدا وضع كتابا حتى ظهر أتبع للأثر، منه.
[كتاب الرسالة]
وقال أحمد يوما: يا أبا الحسن، لم لا تنظر في كتب الشافعيّ؟
فقلت: يا أبا عبد الله، فيها قصص طوال، ونحن قد اشتغلنا بالحديث وطلبه.
فقال: انظر في كتاب الرسالة، فإنّه من أحسن كتبه.
قلت: قد نظرت.
(قال): وقال لي أحمد: لم انظر في كتاب أحد ممّن وضع كتب الفقه غير الشافعيّ.
وعن إسحاق بن راهويه: كتبت إلى أحمد بن حنبل أن يوجّه إليّ من كتب الشافعيّ ما يدخل حاجتي فوجّه إليّ بكتاب الرسالة.
وعن المزنيّ: كتبت كتاب الرسالة منذ زيادة على أربعين سنة وأنا أقرؤه وانظر فيه ويقرأ عليّ، فما من مرّة قرأت [هـ] أو قرئ عليّ إلّا واستفدت منه شيئا لم أكن أحسنه.
وقال أبو الحسن الشافعيّ: رأيت رسول الله ﷺ فيما يرى النائم، فقلت: يا رسول الله، بم جوزي محمد بن إدريس الشافعيّ حين يقول في ذكر الصلاة عليك في كتاب الرسالة: وصلّى الله على محمّد كلّما ذكر [هـ] ذاكر، وغفل عن ذكره غافل.
قال: جوزي أنّه لا يوقف للحساب يوم القيامة.
وقال الربيع: رأيت الشافعيّ في المنام، فقلت له: ما فعل الله بك؟
قال: أنا في الفردوس الأعلى.
قلت: بماذا؟
قال: بكتاب صنّفته، وسمّيته بكتاب الرسالة.
стр. 2013
وقال أحمد بن حنبل: صاحب حديث لا يستغني عن كتب الشافعيّ.
وقال عليّ بن المدينيّ: عليكم بكتب الشافعيّ! - وفي رواية أنّه قال لابنه: لا تترك للشافعيّ حرفا واحدا إلّا كتبته، فإنّ فيه معرفة.
وقال أبو زرعة: بلغني أنّ إسحاق بن راهويه كتبت له كتب الشافعيّ، فتبيّن في كلامه أشياء قد أخذها عن الشافعيّ وقد جعلها لنفسه.
وعن أحمد بن سلمة بن عبد الله النيسابوريّ:
تزوّج إسحاق بن راهويه بمرو بامرأة رجل كان عنده كتب الشافعيّ وتوفّي. ولم يتزوّج بها إلّا لحال كتب [١٦١ ب] الشافعيّ، فوضع الجامع الكبير على كتاب الشافعيّ، ووضع الجامع الصغير على جامع الثوريّ الصغير. وقدم أبو إسماعيل الترمذيّ نيسابور، وكان عنده كتب الشافعيّ عن البويطيّ. فقال له إسحاق بن راهويه: «لي إليك حاجة: أن لا تحدّث بكتب الشافعيّ ما دمت بنيسابور»، فأجابه إلى ذلك فلم يحدّث بها حتّى خرج.
وقال محمد بن يوسف الهرويّ: وسمعت الربيع بن سليمان يقول، وكنّا في جنازة شهدها ونحن معه، فجلس في مسجد المقابر ينتظر دفن الميّت، وجلس أبو عبد الله محمد بن عبد الحكم بالقرب منه، فقال لنا أبو محمد الربيع بن سليمان: هاتوا ما معكم!
فقلنا: كتاب اختلاف العراقيّين.
فجعل القارئ يقرأ عليه منه وهو يتهلّل وجهه، ومحمد بن عبد الحكم يسمع ويذكر الشافعيّ وفهمه ومعرفته ويستحسن تلك المسائل إلى أن فرغوا من دفن الميّت.
وقال أبو زرعة: سمعت كتب الشافعيّ من الربيع أيّام يحيى بن عبد الله بن بكير سنة ثمان وعشرين ومائتين. وعند ما عزمت على سماع كتب الشافعيّ بعت ثوبين رقيقين كنت حملتهما لأقطعهما لنفسي، فبعتهما وأعطيت الورّاق.
[قال]: وقال لي أحمد بن صالح: تريد أن تكتب كتب الشافعيّ؟
قلت: نعم، لا بدّ من أن أكتبها.
وقال الجاحظ: نظرت في كتب هؤلاء النبغة الذين نبغوا فلم أر أحسن تأليفا من المطّلبيّ، كأنّ فاه نظم درّ إلى درّ!
وقال يحيى بن منصور القاضي: سمعت أبا بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة وقلت له: هل تعرف سنّة لرسول الله ﷺ في الحلال والحرم لم يودعها الشافعيّ كتابه؟
قال: لا.
وعن هارون بن سعيد الأيلي: سمعت الشافعيّ يقول: لولا أن يطول على الناس لوضعت في كلّ مسألة جزء حجج وبيان.
وعن الربيع: سمعت الشافعيّ يقول: لو أردت أن أضع على كلّ مخالف كتابا كبيرا لفعلت ذلك.
ولكن ليس الكلام من شأني ولا أحبّ أن ينسب إليّ منه شيء.
[بلاغة الشافعيّ]
وقال أبو الوليد ابن أبي الجارود: ما رأيت أحدا إلا وكتبه أكبر من مشاهدته، إلّا الشافعيّ: فإنّ لسانه كان أكبر من كتابه.
وقال الربيع، وذكر الشافعيّ: لو رأيتموه لقلتم: إنّ هذه ليست كتبه، كان لسانه والله أكبر من كتبه.
وقال أحمد بن صالح: وما [١٦٢ أ] كتب
стр. 2014
الشافعيّ من كلامه؟ كان له لسان يضعه فيما شاء.
وقال يونس بن عبد الأعلى: ما كان الشافعيّ إلّا ساحر [ا]. ما كنّا ندري ما نقول إذا قعدنا حوله.
وفي رواية: كانت ألفاظ الشافعيّ كأنّها سكّر.
وقال أبو محمّد عبد الملك بن هشام النحويّ صاحب المغازي (١): طالت مجالستنا محمّد بن إدريس الشافعيّ، فما سمعت منه لحنة قطّ، ولا كلمة غيرها أحسن منها.
وقال أحمد ابن أبي سريج: ما رأيت أحدا أفوه ولا أنطق من الشافعيّ.
وقال الربيع: كان الشافعيّ عربيّ النفس عربيّ اللسان.
وقال أحمد بن حنبل: كان الشافعيّ من أفصح الناس، وكان مالك تعجبه قراءته لأنّه كان فصيحا.
وقال الربيع: كلّما ذكرت ما أكل التراب من لسان الشافعيّ هانت عليّ الدنيا.
وقال ابن هشام صاحب المغازي: الشافعيّ ممّن تؤخذ عنه اللغة.
وقال أبو عبيد القاسم بن سلّام: كان الشافعيّ ممّن تؤخذ عنه اللغة.
وقال الحسن بن عليّ بن الأشعث: سمعت محمد بن عبد الله بن عبد الحكم- وقيل له: كان الشافعيّ حجّة في اللغة- فقال: إن كان أحد من أهل العلم حجّة في شيء، فالشافعيّ حجّة في كلّ شيء.
وقال المبرّد: الشافعيّ من أشعر الناس، وآدب الناس، وأفصح الناس وأعرفهم بالقراءات.
وقال يونس بن عبد الأعلى: سمعت الشافعيّ يقول: «تعلّموا العربيّة، فإنّها تثبّت العقل، وتزيد
في المروءة». وسمعته يقول: إعراب القرآن أحبّ إليّ من بعض حروفه.
وقال المزنيّ: قرأ رجل على الشافعيّ فلحن.
فقال الشافعيّ: أضرستني!
وقال المازنيّ: سمعت الأصمعيّ يقول: قرأت شعر الشنفريّ على الشافعيّ بمكّة.
وقال عبد الرحمن ابن أخي الأصمعيّ: قلت لعمّي: يا عمّاه، على من قرأت شعر هذيل؟
قال: على رجل من آل المطّلب يقال له محمّد بن إدريس.
وقال الزبير بن بكّار: أخذت شعر هذيل ووقائعها عن عمّي مصعب فسألته عمّن أخذها.
فقال: أخذتها عن محمد بن إدريس الشافعيّ حفظا.
وقال أحمد بن صالح: قال لي الشافعيّ: يا أبا جعفر، تعبّد من قبل أن ترأس، فإنّك إن ترأّست لم تقدر أن تتعبّد. (قال): وكان الشافعيّ إذا تكلّم كأنّ صوته صنج أو جرس من حسن صوته.
وقال بحر بن نصر: كنّا إذا أردنا أن نبكي قلنا بعضنا لبعض: قوموا بنا إلى هذا الفتى المطّلبيّ، فإنّه إذا أتيناه استفتح القرآن حتّى يتساقط الناس بين يديه ويكثر عجيجهم بالبكاء، [١٦٢ ب] فإذا رأى ذلك أمسك عن القراءة، من حسن صوته.
[براعته في المناظرة]
وقال ابن عبد الحكم: كنت إذا رأيت من يناظر الشافعيّ رحمته.
وقال: لو رأيت الشافعيّ يناظرك لظننت أنّه سبع يأكلك.
وقال: الشافعيّ علّم الناس الحجج.
وقال هارون بن سعيد الأيليّ: لو أنّ الشافعيّ
стр. 2015
ناظر على هذه العمد التي من حجارة أنّها من خشب، لغلب، لاقتداره على المناظرة.
وقال يونس بن عبد الأعلى: قال الشافعيّ:
ناظرت بعض أهل العراق فلمّا فرغت قال: زلفت يا قرشيّ (١).
وقال أبو ثور: قال الشافعيّ: قال لي الفضل بن الربيع: أحبّ أن أسمع مناظرتك للحسن بن زياد اللؤلؤيّ.
(قال الشافعيّ: ) قلت: ليس اللؤلؤيّ في هذا الحدّ، لكن أحضر بعض أصحابي حتى يكلّمه بحضرتك.
قال: ذاك لك.
(قال أبو ثور: ) فحضر الشافعيّ، وأحضر معه رجلا من أصحابنا كوفيّا كان ينتحل قول أبي حنيفة فصار من أصحابنا. فلمّا دخل اللؤلؤيّ أقبل الكوفيّ عليه، والشافعيّ حاضر، بحضرة الفضل بن الربيع، فقال: إنّ أهل المدينة ينكرون على أصحابنا بعض قولهم، وأريد أن أسأل مسألة من ذلك.
فقال اللؤلؤيّ: سل!
فقال له: ما تقول في رجل قذف محصنة وهو في الصلاة؟
فقال: صلاته فاسدة.
فقال له: فما حال طهارته؟
قال: طهارته بحالها، ولا ينقض قذفه طهارته.
قال له: فما تقول إن ضحك في صلاته؟
قال: يعيد الطهارة والصلاة.
قال: فقذف المحصنة أيسر من الضحك فيها؟
فقال له: وقفنا في هذا.
ثمّ وثب ومضى، فاستضحك الفضل. فقال له الشافعيّ: ألم أقل لك إنّه ليس في هذا الحدّ؟
*** وعن سعيد بن حاجب: بينما بشر المريسي والشافعيّ يتناظران إذ قال الشافعيّ: هذا كلام تحته معنيان- وكرّر هذه اللفظة.
فقال له بشر: إلى متى تقول: هذا كلام تحته معنيان؟ جعلك الله جرذانة (٢) تحت خصى فرعون وهامان!
فغضب الشافعيّ وقال: والله ما يمنعني عن جوابك إلّا ضنّي بعرضي لمثلك يا زنديق! أما علمت أنّ الاستعجال في الكلام فلتات تعتري بعض الأغتام؟
وقال أبو ثور: سمعت الشافعيّ يقول: ناظرت بشرا المريسيّ في القرعة.
فقال: القرعة قمار.
فذكرت ما دار بيني وبينه [١٦٣ أ] لأبي البختريّ، وكان قاضيا، فقال: ائتني بآخر يشهد معك حتّى أضرب عنقه.
وسمعت الشافعيّ يقول: قلت لبشر: ما تقول في رجل قتل وله أولياء صغار وكبار: هل للكبار أن يقتلوا دون الأصاغر؟
فقال: لا.
فقلت: فقد قتل الحسن بن عليّ عبد الرحمن بن ملجم، ولعليّ أولاد صغار؟
فقال: أخطأ الحسن بن عليّ.
فقلت له: أما كان جواب أحسن من هذا اللفظ؟
стр. 2016
- وهجرته منذ يومئذ.
*** وقال المزنيّ: لمّا وافى الشافعيّ مصر، قلت في نفسي: إن كان أحد يخرج ما في ضميري ويعلق به خاطري من أمر التوحيد، فهو!
فصرت إليه وهو جالس في مسجد مصر، فلمّا جثوت بين يديه قلت له: إنّه قد هجس في ضميري مسألة في التوحيد، فعلمت أنّ أحدا لا يعلم علمك. فما الذي عندك؟
فغضب، ثمّ قال لي: أتدري أين أنت جالس؟
قلت: نعم، أنا جالس بفسطاط مصر في مسجد ما بين أيدي أبي عبد الله محمد بن إدريس الشافعيّ.
قال: هيهات! إنّك بثارات وحثيلات يضرّ بك تياره (١) وأنت لا تعلم. وهذا هو الموضع الذي غرق فيه فرعون. أبلغك أنّ رسول الله ﷺ أمر بالسؤال عن ذلك؟
قلت: لا.
قال: هل تكلّم فيه الصحابة؟
قلت: لا.
قال: تدري كم نجم [ا] في السماء؟
قلت: لا.
قال: فكوكب من هذه الكواكب التي تراها، تعرف جنسه وطلوعه وأفوله، ممّ خلق؟
قلت: لا.
قال: فشيء تراه بعينك [وهو] خلق ضعيف من خلق الله لست تعرفه، تتكلّم في علم خالقه؟
ثمّ سألني عن مسألة في الوضوء فأخطأت فيها،
ففرّعها على أربعة أوجه، فلم أصب في شيء منها. فقال لي: شيء تحتاج إليه في اليوم مرارا خمسا تدع تعلّمه، وتتكلّف علم الخالق إذا هجس في ضميرك ذلك! ؟ فارجع إلى الله وإلى قوله : وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ* إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لآيات [البقرة: ١٦٣، ١٦٤]، فاستدلّ بالمخلوق على الخالق، ولا تتكلّف علم ما لا يبلغه عقلك.
فقلت: قد تبت إذا عدت لذلك.
*** وعن إسحاق بن راهويه: اجتمعت مع الشافعيّ بمكّة، فسمعته يقول عن كراء بيوت مكّة فقلت:
أسألك هذه المسألة لا أجاوز بك إلى [١٦٣ ب] غيرها.
قال: ذاك أقدر لك.
وفي رواية: جالست الشافعيّ بمكّة، فأذكرنا في [كراء] بيوت مكّة، وكان يرخّص فيه وكنت لا أرخّص فيه. فذكر الشافعيّ حديثا وسكت.
وأخذت أنا في الباب أسرد. فلمّا فرغت منه قلت لصاحب لي من أهل مرو بالفارسيّة: «مردك مالا نيست» (قرية بمرو). فعلم أنّي راطنت صاحبي بشيء هجّنته فيه. فقال لي: أتناظر؟
قلت: وللمناظرة جئت.
قال: قال الله : الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ*: أنسبت الديار لمالكيها أم لغير مالكيها؟
وقال النبيّ ﷺ يوم فتح مكّة: من أغلق بابه فهو آمن، ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن، وهل ترك لنا عقيل من رباع؟ (٢) - فنسب الديار إلى
стр. 2017
أربابها أو غير أربابها؟
وقال لي: اشترى عمر بن الخطّاب ﵁ دار السجن من مالك أو غير مالك؟
فلمّا علمت أنّ الحجّة لزمتني، قمت.
[نفور الشافعيّ من المتكلّمين]
وقال الربيع: حضرت الشافعيّ- أو حدّثني أبو شعيب، إلّا أنّي أعلم أنّه حضر عبد الله بن عبد الحكم، ويوسف بن عمرو بن يزيد وحفص الفرد، وكان الشافعيّ يسمّيه «المنفرد» - فسأل حفص عبد الله بن عبد الحكم فقال: «ما تقول في القرآن؟ » فأبى أن يجيبه. فسأل يوسف بن عمرو بن يزيد فلم يجبه، وأشار كلاهما إلى الشافعيّ. فقال الشافعيّ، واحتجّ عليه. فطالت فيه المناظرة، فقام الشافعيّ بالحجّة عليه بأنّ القرآن كلام الله غير مخلوق وكفّر حفصا. قال الربيع: فلقيت حفصا بالمسجد بعد فقال: أراد الشافعيّ قتلي؟
وقال الربيع: سمعت الشافعيّ يقول: ما أوردت الحقّ والحجّة على أحد فقبلها منّي إلّا هبته واعتقدت مودّته. ولا كابرني على الحقّ أحد ودفع الحجّة إلّا سقط من عيني.
وقال محمد بن عبد الله بن عبد الحكم:
سمعت الشافعيّ يقول: ما ناظرت أحدا فأحببت أن يخطئ.
وفي رواية: ما ناظرت أحدا إلّا على النصيحة.
وفي رواية: وما في قلبي من علم إلّا وددت أنّه عند كلّ أحد ولا ينسب إليّ.
وفي رواية: ما ناظرت أحدا أحببت أن يخطئ إلّا صاحب بدعة، فإنّي أحبّ أن ينكشف أمره للناس.
[تعلّق الشافعيّ بالأثر]
وعن أحمد بن حنبل أنّه قال: كان أحسن أمر الشافعيّ عندي أنّه كان إذا سمع الخبر لم يكن عنده، قال به وترك قوله.
وفي رواية: كان الشافعيّ إذا ثبت [١٦٤ أ] عنده الخبر قلّده، وخير خصلة كانت فيه: لم يكن يشتهي الكلام، وإنّما همّه الفقه.
وقال عبد الله بن أحمد: سمعت أبي يقول:
قال محمد بن إدريس الشافعيّ: أنتم أعلم بالأخبار الصّحاح منّا. فإذا كان خبر صحيح، فأعلمني حتّى أذهب إليه، كوفيّا كان أو بصريّا أو شاميّا.
وفي رواية: أنتم أعلم بالحديث والرجال منّي.
فإذا كان الحديث الصحيح فأعلموني، إن شاء أن يكون كوفيّا أو بصريّا أو شاميّا، حتى أذهب إليه، إذا كان صحيحا.
وفي رواية: قال لنا الشافعيّ: إذا صحّ عندكم الحديث فقولوا لنا حتّى نذهب إليه!
قال البيهقيّ: فإنّما أراد حديث أهل العراق، والله أعلم، ليأخذ بما صحّ عنده (١) من أحاديث أهل العراق كما أخذ بما صحّ عنده من أحاديث أهل الحجاز. (قال): وهذا لأنّ المتقدّمين من أهل الحجاز كانوا لا ينكرون عن رواية أهل العراق ولا يأخذون بها، لما يبلغهم من مساهلة بعضهم في الرواية. فلمّا قام بعلم حديثهم ومعرفة رواية حفّاظهم من قام، وميّزوا صحيح الحديث من سقيمه، أخذ الشافعيّ ﵀ بما صحّ من ذلك.
وكان أحمد بن حنبل ﵀ من أهل العراق، وكان قد عرف من أحوال رواتهم لحديثهم ما عساه يخفى على علماء الحجاز، فرجع الشافعيّ إليه في معرفة رواة الحديث من أهل العراق. ثمّ كان
стр. 2018
الشافعيّ أعرف منه بأحوال رواة الحديث من أهل الحجاز، وذلك بيّن في مذاكرتهما.
وقال المزنيّ: سمعت الشافعيّ يقول: إذا وجدتم سنّة فاتّبعوها ولا تلتفتوا إلى قول أحد.
وعن حرملة بن يحيى: قال الشافعيّ: كلّ ما قلت، وكان عن النبيّ ﷺ خلاف قولي، فحديث النبيّ ﷺ أولى، فلا تقلّدوني!
وقال الربيع: سمعت الشافعيّ يقول: إذا وجدتم في كتابي خلاف سنّة رسول الله ﷺ فقولوا بسنّة رسول الله ﷺ ودعوا ما قلته!
(قال): وروى الشافعيّ حديثا فقال له رجل:
تأخذ بهذا يا أبا عبد الله؟ !
فقال: متى رويت عن رسول الله ﷺ حديثا صحيحا فلم آخذ به، فأشهدكم والجماعة أنّ عقلي قد ذهب! - وأشار بيده إليّ على رءوسهم.
وفي رواية: سمعت الشافعيّ- وذكر حديثا عن [١٦٤ ب] النبيّ ﷺ فقال له رجل: تأخذ به يا أبا عبد الله؟ - فقال: سبحان الله! أروي عن النبيّ ﷺ شيئا لا آخذ به؟ متى عرفت لرسول الله ﷺ حديثا ولم آخذ به، فأنا أشهدكم أنّ عقلي قد ذهب.
وقال الحميديّ: ذكر الشافعيّ حديثا، فقال له رجل: تأخذ به يا أبا عبد الله؟
فقال: أفي الكنيسة؟ أو ترى على وسطي زنّارا؟
نعم، أقول به! وكلّ ما بلغني عن النبيّ ﷺ قلت به.
وفي رواية: كنت بمصر، فحدّث محمد بن إدريس بحديث عن رسول الله ﷺ ، فقال له رجل:
يا أبا عبد الله، تأخذ بهذا؟
قال: رأيتني خرجت من كنيسة؟ ترى عليّ زنّارا حتّى لا أقول بهذا؟ إذا ثبت الحديث عن النبيّ ﷺ قلت به وقوّلته إيّاه ولم أزل عنه. وإن هو لم يثبت عندي لم أقوّله إيّاه.
وفي رواية عن الربيع: سمعت الشافعيّ- وسأله رجل عن مسألة فقال: يروى عن النبيّ ﷺ في هذه المسألة كذا وكذا.
فقال له السائل: يا أبا عبد الله، تقول به؟
فرأيت الشافعيّ أرعد وانتفض وقال: يا هذا، أيّ أرض تقلّني، أو أيّ سماء تظلّني، إذا رويت عن رسول الله ﷺ حديثا فلم أقل به؟ نعم! على السمع والبصر!
وفي رواية: سمعت الشافعيّ، وسأله رجل عن مسألة، فقال: يروى عن النبيّ ﷺ أنّه قال كذا وكذا.
فقال له السائل: يا أبا عبد الله، أتقول بهذا؟
فارتعد الشافعيّ واصفرّ وحال لونه وقال:
ويحك! أيّ أرض تقلّني، وأيّ سماء تظلّني إذا رويت عن رسول الله ﷺ شيئا فلم أقل به؟ نعم، على الرأس والعينين! على الرأس والعينين!
(قال): وسمعت الشافعيّ يقول: ما من أحد إلّا وتذهب عليه سنّة لرسول الله ﷺ ويعزب عنه فهمها. [ما] قلت من قول أو أصّلت من أصل فيه عن رسول الله ﷺ خلاف ما قلت، فالقول ما قال رسول الله ﷺ ، وهو قولي- وجعل يردّد هذا الكلام.
وعن أبي ثور: سمعت الشافعيّ يقول: كلّ حديث عن النبيّ ﷺ فهو قولي، وإن لم تسمعوه منّي.
وعن الحسين الكرابيسيّ: قال لنا الشافعيّ: إن أصبتم الحجّة في الطريق مطروحة، فاحكوها عنّي، فإنّي قائل بها.
وقال [١٦٥ أ] الربيع: سمعت الشافعيّ يقول:
إذا وجدتم سنّة من رسول الله ﷺ خلاف قولي،
стр. 2019
فخذوا بسنّته ودعوا قولي، فإنّي أقول بها.
[تقوى الشافعيّ وتعبّده]
قال الربيع: وقف بعض الصالحين على باب الشافعيّ، فقال: يا ربّ الدار، تصدّق علينا بما لا يتعب ضرسا، ولا يؤلم نفسا.
فأمر له فأخرج إليه طعام، ثمّ قال: حاجتي إلى كلامك أشدّ من حاجتي إلى طعامك. إنّي طالب هدى، لا طالب ندى.
فأمر بإدخاله إليه فسأله عن مسألة من المسائل فأجابه وأفاده، فخرج وهو يقول: علم أوضح لبسا خير من مال أغنى نفسا.
فقال الشافعيّ: ما رأيت أعقل من هذا الرجل، بارك الله فيه!
*** وعن عبد الله بن محمد بن العبّاس بن عثمان بن شافع الشافعيّ: جلس محمّد بن إدريس الشافعيّ يوما في حلقة، فجاءه غلام حدث فسأله عن مسألة فأجابه فليها. ثمّ سأله عن أخرى فأجابه، فقال له: أخطأت يا أبا عبد الله!
فأطرق الشافعيّ طويلا ثمّ رفع رأسه وقال له:
أخطأت يا ابن أخي ما في كتابك. فأمّا الحقّ فلا!
*** وعن المزنيّ قال الشافعيّ: الرجل من أحرز دينه وضنّ به. (قال): رأيت الشافعيّ يضنّ بدينه.
*** وقال ابن بنت الشافعيّ: حدّثنا عمّي أو غيره أنّ محمّد بن إدريس كانت له ذؤابة وهو شابّ، فكان يربطها بالليل ويصلّي، فإذا نعس جذبته.
*** وقال الربيع: كان الشافعيّ قد جزّأ الليل ثلاثة أثلاث: الثلث الأوّل يكتب، والثالث الثاني يصلّي، والثالث الثالث ينام.
وقال الكرابيسيّ: بتّ مع الشافعيّ فكان يصلّي نحو ثلث الليل، وما رأيته يزيد على خمسين آية، فإذا أكثر فمائة. وكان لا يمرّ بآية رحمة إلّا سأل الله لنفسه وللمؤمنين أجمعين، ولا يمرّ بآية عذاب إلّا تعوّذ بالله منه وسأل النجاة لنفسه ولجميع المؤمنين، فكأنّما جمع له الرجاء والرهبة معا.
*** قال الخطيب: قد كان الشافعيّ بأخرة يديم التلاوة ويدرج القراءة. فذكر بسنده عن الربيع:
كان الشافعيّ يختم في كلّ ليلة ختمة، فإذا كان شهر رمضان ختم في كلّ ليلة منها ختمة، وفي كلّ يوم ختمة، فكان يختم في شهر رمضان ستّين ختمة.
وفي رواية: كان الشافعيّ يختم القرآن في شهر رمضان ستّين مرّة، كلّ ذلك في صلاة.
وقال البويطيّ: [كان] يختم القرآن في كلّ [١٦٥ ب] يوم مرّة.
وفي رواية: كان للشافعيّ في كلّ شهر ثلاثون ختمة، وفي شهر رمضان ستّون ختمة، سوى ما يقرأ في الصلاة.
(قال): وكان يحدّث وطست تحته. فقال يوما: اللهمّ إن كان لك فيه رضى فزد! (قال):
فبعث إليه إدريس بن يحيى المعافريّ: لست آمن رجال البلاء، فسل الله العافية.
وفي رواية: كان الشافعيّ لا يصلّي مع الناس التراويح، لكنّه كان يصلّي في بيته، ويختم في رمضان ستّين ختمة ليس فيها سورة إلّا في
стр. 2020
صلاة (١). وكان يختم في سائر السنة ثلاثين ختمة في كلّ شهر.
وعن الربيع: سمعت الشافعيّ يقول: ما شبعت منذ عشرين سنة- وفي رواية: ما شبعت منذ ستّ عشرة سنة- إلّا شبعة، ثمّ أدخلت يدي فتقيّأته، لأنّ الشّبع يثقل البدن ويقسي القلب ويزيل الفطنة ويجلب النوم ويضعف صاحبه عن العبادة.
(قال): وقال لي الشافعيّ: يا ربيع، عليك بالزهد! فإنّ الزهد على الزاهد أحسن من الحلي على المرأة الناعمة.
وعن حرملة: سمعت الشافعيّ يقول: ما حلفت بالله، صادقا ولا كاذبا.
*** وعن الحارث بن سريج [النفّال]: دخلت مع الشافعيّ على خادم الرشيد، وهو في بيت قد فرش بالديباج. فلمّا وضع الشافعيّ رجله على العتبة أبصره، فرجع ولم يدخل. فقال له الخادم: ادخل! فقال: لا يحلّ افتراش هذا!
فقام الخادم متبسّما حتّى دخل بيتا قد فرش بالأرمنيّ (٢)، فدخل الشافعيّ. ثمّ أقبل عليه فقال:
هذا حلال، وذاك حرام. وهذا أحسن من ذاك، وأكثر ثمنا منه.
فتبسّم الخادم وسكت.
[سماحة الشافعيّ]
وقال أبو ثور: أراد الشافعي الخروج إلى مكّة ومعه مال. فقلت له- وقلّما كان يمسك الشيء من سماحته-: ينبغي أن تشتري بهذا المال ضيعة تكون لك ولولدك من بعدك.
فخرج، ثمّ قدم فسألته عن ذلك المال ما فعل به، فقال: ما وجدت بمكّة ضيعة يمكنني أن أشتريها لمعرفتي بأصلها: أكثرها قد وقفت.
ولكن قد بنيت بمنّى مضربا يكون لأصحابنا إذا حجّوا ينزلون فيه.
فكأنّي اهتممت. فأنشد قول ابن حازم [الوافر]:
إذا أصبحت عندي قوت يوم ... فخلّ الهمّ عنّي يا سعيد
ولم تخطر هموم غد ببالي ... ألا وعند الله رزق جديد (٣)
أسلّم إن أراد الله أمرا ... وأترك ما أريد لما يريد
وما لإرادتي وجه إذا ما ... أراد الله لي ما لا أريد
[شعر الشافعيّ]
[١٦٦ أ] وقال أبو عمرو العثمانيّ: لمّا دخل الشافعيّ إلى مصر، [ابتدأ يخالف] أصحاب مالك، [فتنكّروا له]، فأنشأ يقول [الطويل]:
أأنثر درّا بين راعية الغنم ... وأنثر منظوما لراغية النّعم
لئن كنت قد ضيّعت في شرّ بلدة ... فلست مضيعا فيهم غرر الكلم
فإن فرّج الله الكريم بلطفه ... وأدركت أهلا للعلوم وللحكم
بثثت مفيدا واستفدت ودادهم ... وإلّا فمخزون لديّ ومكتتم
٥ ومن منح الجهّال علما أضاعه ... ومن منع المستوجبين فقد ظلم
وقال الربيع بن سليمان: سئل الشافعيّ عن
стр. 2021
القدر فأنشأ يقول [المتقارب]:
[ف] ما شئت كان وإن لم أشأ ... وما شئت إن لم تشأ لم يكن
خلقت العباد على ما تشاء ... ففي العلم يجري الفتى والمسنّ
على ذا مننت، وهذا خذلت ... وهذا أعنت، وذا لم تعن
فمنهم شقيّ، ومنهم سعيد ... ومنهم قبيح، ومنهم حسن
وقال المزنيّ: دخلت على الشافعيّ في مرضه الذي مات فيه، فقلت: كيف أصبحت؟
قال: أصبحت من الدنيا راحلا، ولإخواني مفارقا، ولسوء أعمالي ملاقيا، ولكأس المنيّة شاربا. فو الله ما أدري أروحي إلى الجنّة تصير فأهنّيها أو إلى النار فأعزّيها. وأنشد [الطويل]:
إليك إله الخلق أرفع رغبتي ... وإن كنت يا ذا المنّ والجود مجرما
ولمّا قسا قلبي وضاقت مذاهبي ... جعلت رجائي نحو عفوك سلّما
تعاظمني ذنبي فلمّا قرنته ... بعفوك ربّي كان عفوك أعظما
فما زلت ذا عفو عن الذنب لم تزل ... تجود وتعفو منّة وتكرّما
٥ فإن تنتقم منّي فلست بآيس ... ولو دخلت نفسي بجرمي جهنّما
فلولاك لم يغرر بإبليس عابد ... فكيف وقد أغوى صفيّك آدما؟
وإنّي لآتي الذنب أعرف قدره ... وأعلم أنّ الله يعفو ويرحما (١)
وقال المزنيّ: أنشدني الشافعيّ من قيله [الطويل]:
شهدت بأنّ الله لا ربّ غيره ... وأشهد أنّ البعث حقّ وأخلص
وأنّ عرى الإيمان قول مبيّن ... وفعل زكيّ قد يزيد وينقص
وأنّ أبا بكر خليفة ربّه ... وكان أبو حفص على الخير يحرص
وأشهد ربّي أنّ عثمان فاضل ... وأنّ عليّا فضله متخصّص
٥ أئمّة قوم يهتدون بهديهم ... لحا الله من إيّاهم ينتقص (٢)
فما لعداة يشهدون سفاهة ... وما لسفيه لا يحيص ويخرص (٣)
وممّا ينشد للشافعيّ [البسيط]:
كلّ العلوم سوى القرآن مشغلة ... إلّا الحديث وإلّا الفقه والأدب (٤)
[١٦٦ ب]
[وقال- البسيط]:
العلم ما كان فيه: قال: حدّثنا ... وما سوى ذاك وسواس الشياطين
وقال الربيع بن سليمان: سمعت الشافعيّ يقول: اشتريت جارية مرّة. وكنت أحبّها، فقلت لها [الكامل]:
ومن البليّة أن تحب ... ب ولا يحبّك من تحبّه
стр. 2022
فقالت لي:
ويصدّ عنك بوجهه ... وتلجّ أنت فلا تغبّه (١)
ويقال إنّ الشافعيّ ﵀ رأى امرأة فقال [البسيط]:
إنّ النساء شياطين خلقن لنا ... نعوذ بالله من شرّ الشياطين
فقالت:
إنّ النساء رياحين خلقن لكم ... وكلّكم يشتهي شمّ الرياحين
*** وقال المزنيّ: قال لي الشافعيّ: يا [أبا] إبراهيم، العلم جهل عند أهل الجهل، كما أنّ الجهل جهل عند أهل العلم.
ثمّ أنشأ لنفسه [الوافر]:
ومنزلة الفقيه من السفيه ... كمنزلة السفيه من الفقيه
فهذا زاهد في علم هذا ... وهذا فيه أزهد منه فيه (٢)
وقال الربيع بن سليمان: خرجنا مع الشافعيّ من مكّة نريد منى، فلم ينزل واديا ولا يصعد شرفا إلّا وهو يقول [الكامل]:
يا راكبا قف بالمحصّب من منى ... واهتف بقاعد خيفها والناهض
سحرا إذا فاض الحجيج إلى منى ... فيضا كملتطم الفرات الفائض
إن كان رفضا حبّ آل محمّد ... فليشهد الثقلان أنّي رافضيّ
وقال الربيع: سئل الشافعيّ عن مسألة فأعجب بنفسه، فأنشأ يقول [المتقارب]:
إذا المشكلات تصيّدنني ... كشفت حقائقها بالنظر
ولست بإمعة في الرجال ... أسائل هذا وذا: ما الخبر؟ (٣)
ولكنّني مدره الأصغري ... ن فتّاح خير وفرّاج شرّ (٤)
стр. 2023
وممّا ينسب إلى الشافعيّ [المنسرح]:
العلم من شرطه لمن خدمه ... أن يجعل الناس كلّهم خدمه
وواجب صونه عليه كما ... يصون في الناس عرضه ودمه
فمن حوى [العلم] ثمّ أودعه ... بجهله غير أهله ظلمه
وكان كالمبتني بنىّ [ف] إذا ... تمّ له ما أراده هدمه (١)
وقال الربيع بن سليمان المرادي: أنشدنا محمد بن إدريس الشافعيّ ﵀ [الوافر]:
صديق ليس ينفع يوم بأس ... قريب من عدوّ في القياس
وما يبغى الصديق بكلّ عصر ... ولا الإخوان إلّا للتّآسي
[١٦٧ أ] عمرت الدهر ملتمسا بجهدي ... أخا ثقة فأكداه التماسي
تنكّرت البلاد عليّ حتّى ... كأنّ أناسها ليسوا بناس
وقال الربيع: سمعت الشافعيّ يقول، وقد قصده رجل فطلب منه شيئا فأعطاه ما أمكنه، ثمّ أنشأ يقول [البسيط]:
يا لهف نفسي على مال أجود به ... على المقلّين من أهل المروءات
إنّ اعتذاري إلى من جاء يسألني ... ما ليس عندي، من إحدى المصيبات
ويذكر أنّ الشافعيّ ﵀ لمّا شخص إلى سرّ من رأى، دخلها وعليه أطمار رثّة، وطال
شعره. فتقدّم إلى مزيّن، فاستقذره المزيّن لمّا نظر إليه ورأى زيّه فقال له: امض إلى غيري!
فاشتدّ على الشافعيّ والتفت إلى غلام كان معه، وقال: إيش معك من النفقة؟
قال: عشرة دنانير.
قال: ادفعها إلى المزيّن!
فدفعها الغلام إليه، وولّى الشافعيّ وهو يقول [الطويل]:
عليّ ثياب لو تباع جميعها ... بفلس لكان الفلس منهنّ أكثرا
وفيهنّ نفس لو تقاس بمثلها ... نفوس الورى كانت أجلّ وأخطرا
وما ضرّ نصل السّيف إخلاق غمده ... إذا ما كان عضبا حيث أنفدته برى
فإن تكن الأيّام أزرت ببزّتي ... فكم من حسام في غلاف تكسّرا
وقال الربيع: سمعت الشافعيّ يقول [البسيط]:
ليت الكلاب لنا كانت مجاورة ... وأنّنا لا نرى ممّن نرى أحدا
إنّ الكلاب لتهدا في مرابضها ... والناس ليس بهاد شرّهم أبدا
فانج بنفسك واستأنس بوحدتها ... تلفى سعيدا إذا ما كنت منفردا
ويعزى إلى الشافعيّ [الوافر]:
وأنطقت الدراهم بعد صمت ... أناسا بعد أن كانوا سكوتا
فما عطفوا على أحد بفضل ... ولا عرفوا لمكرمة بيوتا
وقال الربيع: رأيت أشهب بن عبد العزيز ساجدا، وهو يقول في سجوده: اللهمّ أمت الشافعيّ، وإلّا يذهب علم مالك!
стр. 2024
فبلغ الشافعيّ ذلك، فتبسّم، وأنشأ يقول [الطويل]:
تمنّى رجال أن أموت فإن أمت ... فتلك سبيل لست فيها بأوحد
فقل للّذي يبغي خلاف الذي مضى ... تهيّأ لأخرى مثلها فكأن قد
وقد علموا لو ينفع العلم عندهم ... لئن متّ ما الداعي عليّ بمخلد (١)
[١٦٧ ب] وقال الربيع: كنت عند الشافعيّ إذ جاءه رجل برقعة فقرأها ووقّع فيها. فمضى الرجل، وتبعته إلى باب المسجد فقلت: «والله لا
يفوتني فتيا الشافعيّ! » فأخذت الرقعة من يده فوجدت فيها [الطويل]:
سل المفتي المكّيّ هل في تزاور ... وضمّة مشتاق الفؤاد جناح؟
وقد وقّع الشافعيّ فيها:
فقلت: معاذ الله أن يذهب التقى ... تلاصق أكباد بهنّ جراح
قال الربيع: فأنكرت على الشافعيّ أن يفتي لحدث مثل هذا، فقلت: يا أبا عبد الله، تفتي بمثل هذا لمثل هذا الشابّ؟
فقال لي: يا أبا محمّد، هذا رجل هاشميّ، قد عرّس في هذا الشهر- يعني شهر رمضان- وهو حدث السنّ، فسأل هل عليه جناح أن يقبّل أو يضمّ من غير وطء، فأفتيته بهذا.
قال الربيع: فأتيت الشابّ فسألته عن حاله، فذكر لي أنّه مثل ما قال الشافعيّ. (قال): فما رأيت فراسة أحسن منها.
وقال أبو يعقوب البويطيّ: قلت للشافعيّ: قد قلت في الزهد، فهل في الغزل شيء؟
فأنشدني [البسيط]:
يا كاحل العين بعد النوم بالسّهر ... ما كان كحلك بالمنعوت للبصر
لو أنّ عيني إليك الدهر ناظرة ... جاءت وفاتي ولم أشبع من النظر
سقيا لدهر مضى ما كان أطيبه ... لولا التفرّق والتنغيص بالسفر
إنّ الرسول الذي يأتي بلا عدة ... مثل السحاب الذي يأتي بلا مطر
وقال الربيع: سمعت الشافعيّ في قصّة ذكرها يقول [الطويل]:
стр. 2025
لقد أصبحت نفسي تتوق إلى مصر ... ومن دونها أرض المهامه والقفر
فو الله ما أدري أللفوز والغنى ... أساق إليها أم أساق إلى قبري
أرى أبدا نفسي تحنّ إلى مصر ... وكم دون مصر من فياف ومن قفر
قال الربيع: فو الله ما كان إلّا بعد قليل حتى سيق إليهما جميعا.
وقال الربيع: سمعت الشافعيّ يقول- وقال المزنيّ-: قدم الشافعيّ بعض قدماته من مكّة، فخرج إخوان له يتلقّونه فإذا هو قد نزل منزلا، وإلى جانبه رجل جالس وفي حجره عود. فلمّا فرغوا من السلام عليه قالوا له: يا أبا عبد الله، ما هذا؟ أنت في مثل هذا المكان؟
فأنشأ يقول [الطويل]
وأنزلني طول النوى دار غربة ... يجاورني من ليس مثلي يشاكله
فحامقته حتى يقال سجيّة ... ولو كان ذا عقل لكنت أعاقله
وقال حرملة: سمعت الشافعيّ يقول [الكامل]:
ودع الذين إذا أتوك تنسّكوا ... وإذا خلوا فهم ذئاب حقاف (١)
وعن [١٦٨ أ] الربيع أنّه قال: جاء رجل إلى الشافعيّ يسأله عن مسألة فرأى في عقله شيئا، فأنشأ يقول [الطويل]:
جنونك مجنون ولست بواجد ... طبيبا يداوي من جنون جنون
وقال الربيع: سمعت الشافعيّ ينشد [الطويل]:
إذا ما خلوت الدهر يوما فلا تقل ... خلوت ولكن قل: عليّ رقيب
ولا تحسبنّ الله يغفل ساعة ... ولا أنّ ما تخفي عليه يغيب
غفلنا لعمر الله حتى تراكمت ... علينا ذنوب بعدهنّ ذنوب
فيا ليت أنّ الله يغفر ما مضى ... ويأذن في توباتنا فنتوب
وقال المزنيّ: أنشدنا الشافعيّ لنفسه [السريع]:
لا تأس في الدنيا على فائت ... وعندك الإسلام والعافية
إن فات شيء كنت تدعى له ... ففيهما من فائت كافية
وأنشدنا [الخفيف]:
قدر الله وارد ... حيث يرجى وروده
صاحب الحرص حرصه ... ليس ممّا يزيده
فارض فيما يريد إن ... لم يكن ما تريده
(قال): وأنشدنا الشافعيّ أيضا [الكامل]:
الليل سيّ والنهار كلاهما ... نأسى لكثرة ما تدور رحاهما
يتناهبان لحومنا ودماءنا ... نهبا علانية ونحن نراهما
وينسب إليه أيضا [الهزج]:
[و] لا يدفع مطبوع ... إذا لم يك مسموع
стр. 2026
ولا ينفع مسموع ... إذا لم يك مطبوع
كما لا تنفع الشمس ... وضوء العين ممنوع
وقال الربيع: سمعت الشافعيّ يقول [الهزج]:
إذا القوت تأتّى ل ... ك والصحّة والأمن
وأصبحت أخا حزن ... فلا فارقك الحزن!
وممّا يرويه للشافعيّ [الوافر]:
أمتّ مطامعي فأرحت نفسي ... فإنّ النفس ما طمعت تهون
وأحييت القنوع وكان ميتا ... ففي إحيائه عرض مصون
إذا طمع يحلّ بقلب عبد ... علته مهانة وعلاه هون
وقال المزنيّ: أخذ الشافعيّ بيدي ثمّ أنشدني [الطويل]:
أحبّ من الإخوان كلّ مؤات ... وكلّ غضيض الطرف عن عثراتي
يوافقني في كلّ خير أريده ... ويحفظني حيّا وبعد مماتي
ومن لي بهذا؟ ليت أنّي وجدته ... فقاسمته ما لي من الحسنات [١٦٦ ب]
فأقسم بالرحمان أن لو وجدته ... لقاسمته ما لي من الخيّرات
٥ تصفّحت إخواني فكان جميعهم ... على كثرة الإخوان غير ثقات
[سخاء الشافعيّ]:
وعن الربيع: قال لنا الشافعيّ: دهمني في هذه الأيّام أمر أمضّني وآلمني، ولم يطّلع عليه غير الله تعالى. فلمّا كان البارحة أتاني آت في منامي فقال: يا محمد بن إدريس، قل: «اللهم إنّي لا أملك لنفسي ضرّا ولا نفعا، ولا موتا ولا حياة ولا نشورا، ولا أستطيع أن آخذ إلّا [ما] أعطيتني، ولا أتّقي إلّا ما وقيتني. اللهمّ فوفّقني لما تحبّ وترضى من القول والعمل في عافية». فلمّا أصبحت أعدت ذلك، فلمّا ترحّل النهار أعطاني الله طلبتي وسهّل لي الخلاص ممّا كنت فيه، فعليكم بهذه الدعوات فلا تغفلوا عنها!
وقال يونس بن عبد الأعلى: قال لي الشافعيّ:
يا أبا موسى، قد أنست بالفقر حتى صرت لا أستوحش منه.
وقال عمرو بن سواد: كان الشافعيّ أسخى الناس بالدينار والدرهم والطعام، فقال لي:
أفلست في دهري ثلاثة إفلاسات. وكنت أمنح قليلي وكثيري حتّى حلي ابنتي وزوجتي، ولم أرهن قطّ.
وعن الربيع: قال عبد الله بن عبد الحكم للشافعيّ: إن عزمت أن تسكن البلد- يعني مصر- فليكن لك قوت سنة ومجلس من السلطان تتعزّز به.
فقال الشافعيّ: يا أبا محمد، من لم تعزّه التقوى فلا عزّ له. لقد ولدت بغزّة، وربّيت بالحجاز وما عندنا قوت ليلة، وما بتنا جياعا قطّ.
وقال المزنيّ: سمعت الشافعيّ يقول: السخاء والكرم يغطّيان عيوب الدنيا والآخرة بعد أن لا تلحقهما بدعة.
وقال محمد بن عبد الله بن عبد الحكم: كان الشافعيّ من أسخى الناس. وكنت آكل معه تمرا ملوّزا (١) من هذا الجراب. فجاء رجل فقعد وأكل،
стр. 2027
وكان يجلس إليه. وكان الشافعيّ سخيّا، فلمّا فرغ من الأكل، قال الرجل للشافعيّ: ما تقول في آكل الفجاءة؟
فلوى عنقه وقال: هلّا كان السؤال قبل أن تأكل؟
*** وقال المزنيّ: كنت مع الشافعيّ يوما فخرجنا إلى الأكوام (١) فمرّ بهدف وإذا برجل يرمي بقوس عربيّة، فوقف عليه ينظر، وكان حسن الرمي فأصاب بأسهم، فقال له الشافعيّ: أحسنت- وبرّك عليه. ثمّ قال: أمعك شيء؟
قلت: معي ثلاثة دنانير.
فقال: أعطها إيّاه واعذرني عنده إذ لم يحضرني غيرها.
وقال الربيع: أخذ رجل بركاب الشافعيّ، فقال لي: يا ربيع، أعطه أربعة دنانير واعذرني عنده.
وفي رواية: مسك رجل للشافعيّ الركاب فقال [١٧٠ أ]: يا ربيع، أعطه خمسة دنانير، واعتذر لنا عنده. (قال الربيع: ) فأعطيته، ولو دفع إليه خمسة دراهم لكان كثيرا، ولكنّ نفس الشافعيّ واسعة.
قال: وكان الشافعيّ راكب حمار، فمرّ على سوق الحذّائين فسقط سوطه من يده، فوثب غلام من الحذّائين فأخذ السوط ومسحه بكمّه وناوله إيّاه. فقال الشافعيّ لغلامه: ادفع تلك الدنانير التي معك إلى هذا الفتى.
قال الربيع: فلست أدري كانت تسعة دنانير أو سبعة.
*** قال الربيع: تزوّجت فسألني الشافعيّ: كم أصدقتها؟
قلت: ثلاثين دينارا.
قال: وكم أعطيتها.
قلت: ستّة دنانير.
فصعد داره وأرسل إليّ بصرّة فيها أربعة وعشرون دينارا.
*** وقال الربيع: كان الشافعيّ به هذه البواسير، وكانت له لبدة محشوّة بحلبة فكان يقعد عليها.
فإذا ركب أخذت تلك اللّبدة (٢) ومشيت خلف حماره. فبينا هو يمرّ إلى منزله ناوله إنسان رقعة فيها: إنّني رجل بقّال أبيع البقلة، ورأس مالي درهم، وتزوّجت امرأة وأريد أن أدخل بها، وليس لي إلّا ذلك الدرهم: تعينني بشيء.
فقال: يا ربيع، أعطه ثلاثين دينارا واعذرني عنده!
فقلت: أصلحك الله، إنّ هذا يكفيه عشرة دراهم.
قال: ويحك يا ربيع! وما نصنع بثلاثين دينارا؟
أفي كذا أم في كذا؟ - يعدّ ما يصنع في جهازه- أعطه ثلاثين دينارا واعذرني عنده!
*** وقال الربيع: ولدت لنا شاة في زمان ليس فيه لبأ. فأمرت بلبئها فعمل. ثم تركته حتى برد واستحكم. وصفيّته في جام ولفقته في منديل ديبقيّ وختمته، وأنفذته إلى الشافعي لأتحفه به.
فأعجبه وقبله وردّ عليّ الجام وفيه مائة دينار عينا.
стр. 2028
وقال محمد ابن بنت الشافعيّ: سمعت عمّي إبراهيم بن محمد يقول: باع الشافعيّ ضيعة له بعشرة آلاف درهم فصبّه [ا] على نطع يمينا، فكان من أتاه من الأشراف وأهل العلم والأدب، حثا له بكفّه حتّى بقي شيء يسير على النّطع. فأتاه أعرابيّ من بني سدوس، فقال له: يا فتى عندي لك يد، فكافئني عليها!
قال: وما تلك اليد يا عمّ؟
قال: حضرت هذا الموسم، وأنت مع عمومتك وهم يشتهون الأضحية، فضربت يدك إلى قرن شاة، فقلت: «يا عمّ، اشتر لي هذه! » فقلت:
«أحسن إلى الفتى! » فأحسن إليك بقولي.
فقال الشافعيّ: [١٧٠ ب] إنّ هذه ليد جليلة، خذ النطع وما عليه!
*** وقال الزبير بن سليمان القرشيّ عن الشافعيّ:
خرج هرثمة فأقرأني سلام أمير المؤمنين هارون وقال: قد أمر لك بخمسة آلاف دينار. (قال):
فحمل إليه المال، فدعا بحجّام فأخذ من شعره فأعطاه خمسين دينارا. ثمّ أخذ رقاعا فصرّ من تلك الدنانير صررا، ففرّقها في القرشيّين الذي هم بالحضرة ومن هم بمكّة حتّى ما رجع إلى بيته إلّا بأقلّ من مائة دينار.
*** وقال الحميديّ: قدم الشافعيّ من صنعاء إلى مكّة بعشرة آلاف دينار في منديل. فضرب خباءه في موضع خارجا من مكّة. وكان الناس يأتون فيه، فما برح حتى ذهبت كلّها، ثمّ دخل مكّة.
وعن إبراهيم بن صوّابة- وكان جليسا للشافعيّ- أنّه قال: دخلت مع الشافعيّ حمّاما، فخرجت قبله- وكان الشافعيّ طوالا جسيما نبيلا، وكان إبراهيم طوالا جسيما. فلبس إبراهيم ثياب الشافعيّ، ولبس الشافعيّ ثياب إبراهيم، والشافعيّ لا يعلم أنّها ثياب إبراهيم، وإبراهيم لا يعلم أنّها ثياب الشافعيّ. فانصرف الشافعيّ إلى منزله فنظر فإذا هي لإبراهيم، فأمر بها فطويت وبخّرت وجعلت في منديل. ونظر إبراهيم فطواها وبخّرها وجعلها في منديل. ثمّ راحا جميعا، فجعل الشافعيّ ينظر إلى إبراهيم ويبتسم إليه، وجعل إبراهيم ينظر إلى الشافعيّ ويبتسم إليه.
فلمّا صلّيا العصر قال إبراهيم؛ أصلحك الله، هذه ثيابك.
فقال الشافعيّ: وهذه ثيابك. والله لا يعود إليّ منها شيء ولا يلبسها غيرك- فأخذهما إبراهيم جميعا.
*** وقال محمد بن عبد الله بن عبد الحكم: كان الشافعيّ أسخى الناس بما يجد. وكان يمرّ بنا، فإن وجدني، وإلّا قال: «قولوا لمحمّد إذا جاء يأتيالمنزل، فإنّي لست أتغدّى حتى يجيء».
فربّما جئته فإذا قعدت معه على الغداء قال: «يا جارية، اضربي لنا فالوذج [ا]! » فلا تزال المائدة بين يديه حتى تفرغ منه ونتغدّى.
وقال أبو ثور: كان الشافعيّ من أجود الناس وأسمحه [م] كفّا. كان يشتري الجارية الصّناع التي تطبخ وتعمل الحلواء ويشترط عليها هو أنّه لا يقربها لأنّه كان عليلا لا يمكنه أن يقرب النساء لباسور كان به. ويقول لنا: تشهّوا ما أحببتم فقد اشتريت جارية تحسن أن تعمل ما تريدون.
فيقول لها بعض أصحابنا: اعملي لنا اليوم كذا وكذا! - فكنّا نحن الذين نأمرها بما نريد، وهو مسرور بذلك.
стр. 2029
وقال الربيع: لمّا قدم الشافعيّ مصر، واجتمع الناس إليه، نظر [١٧١ أ] إليّ، فقال لي: يخفّ عليك يا بنيّ أن تبلغ إلى أبي زكير، فتأخذ لنا منه الدنانير- وكان قد باع فرسا له بستّين دينارا.
فقلت له: إيه والله! على الرأس والعين!
فقال: اذهب، صانك الله وعلّمك خيرا!
فأخذت الستّين دينارا، ثمّ رجعت وقلت له:
هذه الدنانير.
فقال لي: امسكها معك!
فتركتها معي. فلمّا طال مجلسه انصرفت إلى منزلي. ثمّ عدت، فقال لي: نفقتنا معك، فذهبت وتركتنا!
فلمّا قام إلى منزله، اتّبعته حتى دخل المنزل، وقعدت على الباب. فكتب إليّ رقعة: إن رأيت أعزّك الله أن تشتري لنا بكذا وكذا- ولم أعرف من هذا قبل ذلك شيئا- فكان هذا مبتدأ أمري معه.
ولقد وافق نزول الشافعيّ يوما، وأنا أكتب حسابه، فلاحظني وقال: لا تفسد قرطاسك! والله لا نظرت لك في حساب أبدا!
وقال الربيع: والله ما اجترأت أن أشرب الماء، والشافعيّ ينظر إليّ، هيبة له.
وقال: كان أصحاب مالك يفخرون، ويقولون إنّه يحضر مجلس مالك نحو من ستّين معمّما- والله لقد عددت في مجلس الشافعيّ ثلاثمائة معمّم، سوى من شذّ عنّي.
[فراسة الشافعيّ]
وقال الحميديّ: قال محمد بن إدريس الشافعيّ: خرجت إلى اليمن في طلب كتب الفراسة، حتّى كتبتها وجمعتها، فلمّا حان انصرافي مررت على رجل في طريقي، وهو محتب بفناء داره، أزرق العينين، ناتئ الجبهة- قال الشافعيّ: وهذا النعت أخبث ما يكون في الفراسة! - فقلت له: هل من منزل؟
فقال: نعم.
فأنزلني، فرأيت أكرم رجل: بعث إليّ بعشاء طيّب، وعلف لدابّتي، وفراش ولحاف. فجعلت أتقلّب الليل أجمع وأقول: ما أصنع بهذه الكتب، إذ رأيت النعت في هذا الرجل، فرأيت أكرم رجل؟
فقلت: أرمي بهذه الكتب!
فلمّا أصبحت قلت للغلام: أسرج! فأسرج، وركبت، ومررت عليه وقلت له: إذا قدمت مكّة فمررت بذي طوى، فسل عن منزل محمد بن إدريس الشافعيّ.
فقال لي: أمولى لأبيك أنا؟
قلت: لا.
قال: فهل كانت لك عندي نعمة؟
قلت: لا.
قال: أين ما تكلّفت لك البارحة؟
قلت: وما هو؟
قال: اشتريت لك طعاما بدرهمين، وإداما بكذا، وعطرا بثلاثة دراهم، وعلفا لدابّتك بدرهمين، وكراء الفراش واللحاف: درهمين.
قلت: يا غلام أعطه! فهل بقي من شيء؟
قال: كراء المنزل، فإنّي وسّعت لك وضيّقت على نفسي.
قال الشافعيّ: فربطت نفسي بتلك [١٧١ ب] الكتب، فقلت له بعد ذلك: هل بقي من شيء؟
فقال: امض، خزاك الله!
فما رأيت أشرّ منه.
***
стр. 2030
وقال الربيع: اشتريت للشافعيّ طيبا بدينار، فقال: ممّن اشتريت؟
قلت: من ذاك الأشقر.
فقال: أشقر أزرق! ردّه! ما جاءني خير قطّ من أشقر!
وعن حرملة: سمعت الشافعيّ يقول: احذر الأعرج، والأحول، والأعور، والأحدب، والأشقر، والكوسج (١)، وكلّ من به عاهة في بدنه، وكلّ ناقص الخلق فأحذره، فإنّه صاحب التواء، ومعاملته عسيرة.
وقال مرّة: فإنّهم أصحاب خبّ (٢).
*** وقال الربيع: كنت عند الشافعيّ وأنا والمزنيّ وأبو يعقوب البويطيّ، فنظر إلينا وقال للمزنيّ:
هذا لو ناظر الشيطان لقطعه وخذله. وقال للبويطيّ: أنت تموت في الحديد. (قال الربيع: ) فدخلت على البويطيّ أيّام المحنة فرأيته مقيّدا إلى أنصاف ساقيه مغلولة يداه إلى عنقه.
*** قال الربيع: كنت في الحلقة إذ جاءه- يعني الشافعيّ- رجل فسأله عن مسألة، فقال له الشافعيّ: أنت نسّاخ!
قال: عندي أجزاء.
*** (قال: ) وجاز أخي في صحن المسجد. فقال لي الشافعيّ: يا ربيع، أتريد أخاك؟ - ولم يكن رآه قطّ.
قلت: نعم، أيّدك الله.
قال: هو ذاك.
فكان أخي.
[أقوال للشافعيّ مأثورة]
وقال ابن أخي ابن وهب: ما رأيت محدّثا ولا فقيها أكثر حفظا للحكايات والأسمار من الشافعيّ.
قال المزنيّ: سمعت الشافعيّ يقول: من لا يحبّ العلم فلا خير فيه، ولا يكون بينك وبينه معرفة ولا صداقة.
وقال: تعلّموا ممّن هو أعلم منكم، وعلّموا من أنتم أعلم منه، فإذا فعلتم ذلك علمتم ما جهلتم وحفظتم ما علمتم.
وقال الأصمعيّ: سمعت الشافعيّ يقول: أصل العلم التثبّت، وثمرته السلامة. وأصل الورع القناعة، وثمرته الراحة. وأصل الصبر الحزم، وثمرته الظفر. وأصل العمل التوفيق، وثمرته النجاح. وغاية كلّ أمر الصدق.
وقال: الطبع أرض، والعلم بذر، ولا يكون العلم إلّا بالطلب، فإذا كان الطبع قابلا أزكى ربع العلم، وتفرّعت مغانيه.
وقال: العاقل يسأل عمّا يعلم وعمّا لا يعلم، فيثبت فيما يعلم، ويتعلّم ما لا يعلم. والجاهل يغضب من التعليم ويأنف من التعلّم.
وقال الربيع: سمعت الشافعيّ يقول: من قرأ القرآن عظمت قيمته. ومن تفقّه نبل قدره، ومن كتب الحديث قويت حجّته ... (٣).
стр. 2031
١٨٩٦ - محمد بن أسلم الأزديّ [- ٢٩٦]
أبو عبد الله. يروي عن يونس بن عبد الأعلى، ومحمد بن عبد الله بن عبد الحكم، والربيع بن سليمان.
توفّي سنة ستّ وتسعين ومائتين.
١٨٩٧ - «بقرة يونس» [- ٣٩٠]
[١٢٨ أ] محمد بن إدريس بن الأسود، أبو عبد الله، الصدفيّ، الخولانيّ، مولى تجيب، السمسار، يعرف ببقرة (١) يونس لأنّه كان جارا ليونس بن عبد الأعلى.
حدّث عنه وعن بحر بن نصر. سمع منه بمصر أبو بكر ابن المقرئ في معجمه، وأبو بكر محمد بن عبد الله بن إبراهيم الشافعيّ، وأبو سعيد أحمد بن محمد ابن الأعرابيّ.
توفّي يوم الجمعة لسبع بقين من جمادى الآخرة سنة تسعين وثلاثمائة.
١٨٩٨ - أبو حاتم الرازيّ [١٩٥ - ٢٧٥] (٢)
محمد بن إدريس بن المنذر بن داود بن مهران، أبو حاتم، الحنظليّ، الرازيّ، مولى بني تميم بن حنظلة الغطفانيّ، فقيل له الحنظليّ لذلك، ولأنّه كان يسكن درب حنظلة بالريّ، أحد الأئمّة الأعلام.
قدم مصر وكتب بها، وكتب عنه. وسمع بمكّة من محمد بن بكّار بن بلال، وبغيرها من آدم بن أبي إياس، وداود بن عبد الله الجعفريّ، وأبي توبة الربيع بن نافع الحلبيّ، وعبيد بن عفيف المحاربيّ، وعمر بن حفص بن غياث، وأبي غسّان مالك بن إسماعيل [النهديّ]، ومحمد بن عبد الله الأنصاريّ، ومحمد بن يزيد بن سنان، وخلق.
وروى عنه ابنه عبد الرحمن، ويونس بن عبد الأعلى، والربيع بن سليمان، وعبدة بن (٣) سليمان المروزيّ، ومحمد بن عوف، وأبو داود والنسائيّ في سننهما، وابن ماجة في التفسير، وابن أبي الدنيا، وأبو زرعة، وأبو عوانة وقال:
وكان أوّل كتبه للحديث في سنة تسع ومائتين.
وذكر ابن عساكر عن عليّ بن إبراهيم الخطيب الرازيّ قال: كان أبو زرعة أبوه خال أبي حاتم، وكانا مثل الأخوين ليس بينهما عداوة. وكان أبو حاتم أسنّ من أبي زرعة بخمس سنين، وأبو زرعة مات قبل أبي حاتم بسنتين، وكان مسكنهما بمحلّة واحدة في سكّة حنظلة.
وعن عبد الرحمن ابن أبي حاتم قال: سمعت أبي يقول: أوّل سنة خرجت في طلب الحديث [أقمت سنين] أحصيت ما مشيت على قدميّ زيادة على ألف فرسخ، ثمّ لم أزل أحصي حتّى لمّا زاد على ألف فرسخ تركته.
وقال النسائيّ: ثقة، كتبنا عنه ببغداد والريّ.
وقال محمد بن خلفون: متكلّم بمذهب الإمام الرازيّ، ونسب إلى التشيّع، ولم يصحّ ذلك عندي. كان من أهل الدين والفضل والعلم. وكان
стр. 2032
إماما من أئمّة المسلمين في الحديث وعلله و [ ... ] ورجاله.
قال عبد الرحمن ابن أبي حاتم: سمعت موسى بن إسحاق القاضي يقول: ما رأيت أحفظ من والدك. [١٢٨ ب]
وقال صالح جزرة: لمّا قدم البخاريّ الريّ قصد أبا زرعة عبيد الله بن عبد الكريم، وأبا حاتم محمد بن إدريس، وكانا إمامي المسلمين في وقتهما وزمانهما، والرجوع إليهما في الحديث وعلم ما اختلف فيه الرواة.
وقال الخطيب: [كان] أحد الأئمّة الحفّاظ الأثبات، مشهورا بالعلم، مذكورا بالفضل.
وقال أبو نعيم: إمام في الحفظ.
وقال هبة الله بن الحسن الطبريّ: كان أبو حاتم الرازيّ إماما عالما بالحديث حافظا له متقنا متثبّتا.
وقال ابن يونس: توفّي بالريّ سنة خمس وسبعين ومائتين.
وقال أبو نعيم: إمام في الحفظ. توفّي سنة سبع وسبعين (١) ومائتين في شعبان. ويقال إنّه سأل الله سبحانه باسمه الأعظم أن يرزقه ولدا فرزقه عبد الرحمن ابن أبي حاتم صاحب الجرح والتعديل، وعاقبه الله فيه بأنّه لم يعقب، بكونه سأله باسمه الأعظم في شيء من الدنيا.
ومن شعره [الطويل]:
تفكّرت في الدنيا فأبصرت رشدها ... وذلّلت بالتقوى من الله خدّها
أسأت بها ظنّا فأخلفت وعدها ... فأصبحت مولاها وقد كنت عبدها
١٨٩٩ - محمد بن إدريس الأعور [- ٣١٣]
محمد بن إدريس بن وهب، البغداديّ، الأعور.
قدم مصر وحدّث بها عن سعدان بن نصر وطبقته. توفّي في جمادى الأولى سنة ثلاث عشرة وثلاثمائة.
١٩٠٠ - نجم الدين القموليّ [- ٧٠٩] (٢)
محمد بن إدريس بن محمد، نجم الدين، القموليّ، الشافعيّ.
كان فقيها فاضلا في علوم، صحيح الذهن، خيّرا، صالحا، شديد التحرّز عن الغيبة. يكاد يستحضر كتاب الروضة للنوويّ، وينقل كثيرا من شرح مسلم، ويستحضر الوجيز في التفسير للواحديّ، مع معرفة العربيّة، والأصول، والجبر والمقابلة. وكان ثقة صدوقا.
مات بقوص في جمادى الأولى سنة تسع وسبعمائة بعد ما حجّ. ولم يعمّر.
١٩٠١ - محمد بن باديس الصنهاجيّ [- ٤٠٧]
محمد بن باديس بن زيري بن مناد الصنهاجيّ.
قدم إلى القاهرة مع أبيه ونشأ بها، ثمّ عاد هو وأبوه إلى بلاد المغرب وتأخّر إلى أن قتله حمّاد بن يوسف (٣) ابن زيري في المحرّم سنة
стр. 2033
سبع وأربعمائة وقتل أولاده.
وكان رجلا عاقلا أديبا فاضلا، نشأ بقصور الخلافة بالقاهرة، وإنّما نقم عليه حمّاد وصوله إلى نصير الدولة أبي مناد باديس بن منصور بن يوسف بن زيري لأنّه كان قد وقع بين حمّاد وبين ابن أخيه نصير الدولة حروب طويلة.
١٩٠٢ - محمد بن بدر القاضي [٢٦٤ - ٣٣٠] (١)
[محمد بن بدر بن عبد الله- أو ابن عبد العزيز- الكنانيّ، مولاهم، المصريّ.
وكان أبوه مولى ليحيى بن حكيم الكنانيّ وكان صيرفيّا موسرا ... واشتغل محمد على أبي جعفر الطحاويّ حنفيّا، وسمع الحديث من البغويّ بمكّة، ومن غيره بمصر ...
وكان محمد بن بدر من بداية أمره لهجا بحبّ القضاء ... فتكلّموا فيه وكتبوا أنّهم لا يعلمون أنّ أباه خرج من الرقّ. وكتب بذلك عدّة نسخ ... ] (٢) [١٣٢ أ] فأنفذت نسخة إلى العراق فاستتر محمد بن بدر في منزله. وقال رجل لأبي عثمان [ابن حمّاد قاضي مصر (٣): أيّها القاضي، ألا] تسلّم ما في يديه لمواليه وتسألهم عتقه وتدفع إليه ثمن بغل وراوية يتعيّش بهما؟
فركب مع أبي هاشم المقدسيّ الفقيه إلى تكين
وحدّثه حديثه فطلبت المحاضر والسجلّات فستر بعضها. وأطلق أبو هاشم عند تكين القول في أبي عثمان [بن حمّاد].
ولم يزل محمد بن بدر منقطعا إلى أبي هاشم إلى أن أتى عبد الله بن زبر قاضيا على مصر، ثمّ ابن قتيبة.
ولمّا ولي الراضي وقلّد محمد بن الحسن بن أبي الشوارب، ذكر له أنّ محمد بن بدر كان قد خطب القضاء. وورد كتاب أحمد بن عبد الله بن مسلم بن قتيبة قاضي مصر يشكره لأنّ محمد بن بدر كان لمّا ولي أحمد بن قتيبة قام بمصالحه.
فكتب ابن أبي الشوارب إلى محمد بن بدر بالعهد وليس عنده علم. فوافاه فأحضر إليه أبا عبد الله بن الطحاويّ الفقيه وسأله لقاء أبي بكر محمّد بن عليّ الماذرائيّ، وكان مدبّر مصر، فامتنع. فقال له أبو عبد الله ابن الطحاويّ: لو كان أبي حيّا لجاءك في أمره.
فأذن له بالتسليم، فتسلّم أبو بكر ابن الحدّاد.
وركب إلى المسجد الجامع بالبياض، وحضر مجلسه جماعة وتأخّر جماعة. ثمّ استقامت أحواله.
وابتاع للأيتام في ولايته هذه تسعة عشر ألف دينار ريعا. وكان يجلس كلّ جمعة بالغداة للأيتام، ومعهم أمّهاتهم ومن يكفلهم، ويشاهد لباسهم، ويسألهم عن شهواتهم وعن عشرة الأمناء معهم. وكانت الأمور مستقيمة والشهود الذين تأخّروا عنه لا يقربونه، وهو لا يتأخّر عن حقّ لهم، يعود مرضاهم ويشهد جنائزهم.
ولم يزل كذلك حتّى فتح محمّد بن طغج الإخشيد مصر ودخلها. فخرج محمد بن بدر يتلقّاه فحسن موقعه عنده، وسمع الثناء عليه.
стр. 2034
ودخل الفضل بن جعفر بن الفرات فخرج إليه محمد بن بدر وقضى حقّه. وكان محمد بن علي الماذرائيّ مقبوضا عليه في يد الفضل بن جعفر، فدخل محمد بن بدر على الفضل يوما فقال له الفضل: هذا إسماعيل بن بيان، هو وكيل جارية محمد بن علي وزوجته، فما جاءك في شيء فأمضه.
فقال له: حتّى تثبت وكالته عندي بشاهدين.
فقال له: أنا أقول لك إنّه وكيلها وتقول لي هذا؟ وخبرك عندي، وليس هذا موضعك، وإنّما تريد أن تنفق [١٣٢ ب] بهذا القول. أقيموه!
فقام واعتقل ساعة في داره. ثمّ خوطب فيه، فأرسل إليه [م]- من يريد من الشهود شاهدين (١).
(قال): وكان محمد بن بدر قد كتب عن جماعة، منهم عليّ بن عبد العزيز: كتب عنه كتب أبي عبيد وكتب مصعب الزبيريّ. وعن عبد الله بن أبي مريم كتب الفريابيّ. وسمع من أبي الزنباع، وأبي يزيد يوسف بن يزيد، وأحمد بن محمد بن رشدين، وغير هذه الطبقة.
وصنّف كتاب نهي النبيّ ﷺ وحدّث به.
وحدّث بكتاب أبي عبيد.
وكان مولده سنة أربع وستّين ومائتين. وكان يعطي القضاء حقّه. وعمل له أبو عمر محمد بن يوسف الكنديّ كتاب «الموالي بمصر».
ولم يزل ينظر إلى شعبان سنة أربع وعشرين وثلاثمائة. ثمّ وردت ولاية عبد الله بن أحمد بن
زبر، فكانت ولاية محمد بن بدر هذه سنتين.
ولمّا توفّي القاضي أبو عبد الله الحسين بن أبي زرعة، ردّ محمد بن طغج الإخشيد القضاء إلى محمد بن بدر- وهذه الولاية الثانية- وذلك يوم السبت لإحدى عشرة خلت من ذي الحجّة سنة سبع وعشرين وثلاثمائة. فركب إليه الشهود الذين تأخّروا عنه في ولايته الأولى واعتذروا بأن قالوا:
«ما رأينا منه في ولايته الأولى إلّا خيرا»، فتكامل الشهود عنده.
ولم يزل محمد بن بدر ينظر، إلى سلخ صفر سنة تسع وعشرين وثلاثمائة، فوافى أبو محمد عبد الله بن أحمد بن زبر. فكانت ولاية محمد بن بدر هذه سنة واحدة وشهرين.
وفي شوّال سنة تسع وعشرين ورد كتاب الحسين بن عيسى بن هارون من الرملة على الإخشيد محمد بن طغج بولاية محمد بن بدر- وهي الولاية الثالثة- فتسلّم من عبد الله بن وليد، ثمّ مات، وكانت ولايته هذه أحد عشر شهرا.
وتوفّي عشيّة الثلاثاء لثلاث بقين من شعبان سنة ثلاثين وثلاثمائة. وقال ابن يونس: توفّي يوم الاثنين لستّ وعشرين خلت من شعبان.
وقال مسلمة بن قاسم: كان يروي عن عليّ بن عبد العزيز، ومقدام، وغيره. وكان حنفيّ الفقه، وليس هناك في الرواية. وكان صاحب رشوة في قضائه، ولم يكن بالمحمود.
١٩٠٣ - ابن بركات النحويّ الصوفيّ [٤٢٠ - ٥٢٠] (٢)
محمد بن بركات بن هلال بن عبد الواحد
стр. 2035
- وقيل: محمد بن بركات بن عليّ بن هلال بن عبد الواحد- أبو عبد الله، السعيديّ، النحويّ، اللغويّ، الصوفيّ، من [١٣٥ أ] ولد سعد بن شرحبيل بن الغوث بن سعد بن عوف بن عديّ بن مالك بن زيد، تلميذ ابن بابشاذ النحويّ، وشيخ مصر في النحو واللغة.
ولد في المحرّم سنة عشرين وأربعمائة. وأدرك أبا يوسف يعقوب بن خرّزاد النّجيرميّ ورآه وهو صبيّ ولم يهتد للأخذ عنه. قال الموفّق يوسف بن الخلّال كاتب الإنشاء: قال ابن بركات: رأيت النّجيرميّ ماشيا في طريق القرافة، شيخا أسمر، كثّ اللحية.
ولحق الحوفيّ النحويّ ولم يقرأ عليه شيئا.
وسمع صحيح البخاريّ بمكّة على كريمة بنت أحمد المروزيّة. ولقي المشايخ الأجلّاء كالقاضي أبي عبد الله محمد بن سلامة بن جعفر القضاعيّ، وأبي سهل الهرويّ. وروى عن أبي الحسين نصر بن عبد العزيز الشيرازيّ، وأبي عليّ الفاقوسيّ، وأبي الحسن عبد الباقي بن فارس المقرئ، والحافظ أبي القاسم سعد بن عليّ الزنجانيّ، وأبي الحسن عبد الملك بن محمود بن مسكين الزجّاج، وأبي عبد الله الحسين بن محمد الميمونيّ، وأبي الفرج عليّ بن نصر بن الصبّاح الكاتب، وأبي الحسين محمد بن عليّ بن إبراهيم بن يحيى الدقّاق، وأبي الحسن طاهر ابن بابشاذ النحويّ- وأخذعنه النحو- وأبي سعيد خلف بن عبد الله بن بحر العروضيّ المعروف بالفاكراسيّ، وأبي الحسن عليّ بن مندة القمّي اللغويّ الزاهد، وأبي عبد الله محمد المعروف بالزكيّ النحويّ، والعلاء ابن أبي الفتح عثمان بن جنّيّ، وأبي إسحاق إبراهيم بن سعيد الحبّال.
وروى عنه الشريف الخطيب ناصر بن الحسن الرنديّ، والحافظ أبو طاهر السلفيّ، وأبو القاسم البوصيريّ، وأبو الطاهر إسماعيل بن عليّ بن [أبي] مقشّر (١) النحويّ.
وأدرك الشدّة العظمى التي كانت بمصر في سني ستّين وأربعمائة وما بعدها، وكان إذ ذاك له أربعون سنة، وهو يقرأ على ابن بابشاذ النحو. وكان يحضر مائدة متولّي الشرطة بمصر- وكان يعلّم أولاده- ثمّ يأخذ رسمه رغيفين فيدفع أحدهما لشيخه ابن بابشاذ- وكان منقطعا في سطح جامع عمرو بن العاص للعبادة- ويبيع الرغيف الآخر في سوق زقاق القناديل بأربعة عشر درهما ويأخذ الدراهم، ويطلع إلى القاهرة [ف] يدفعها للفرّاشين الموكّلين بالإيوان بخزانة الكتب بالقصر، فيأخذ بكلّ درهم كتابا فيتخيّر الكتب المنسوبة وخطوط العلماء، وكلّ [١٣٥ ب] مستحسن، ويأتي بذلك معه إلى سقف بيت قد أغلق بابه ونقب السقف فيرمي تلك الكتب منه، كذا كلّ يوم. فلم تمض الشدّة إلّا وذلك البيت ملآن كتبا من كلّ فنّ، فكانت سبب غنائه عن الناس إلى أن مات.
وكان عجيب الخلقة مهيج الوجه طوالا يتعمّم على طرطور فيه طول ويتحنّك بشيء من عمامته، وثيابه دنسة أبدا. وكان يكثر التقعير والتمشدق في كلامه لا يتكلّم إلّا بإعراب وخطابة وتفخيم. وكان إذا حضر في موضع يرتاع منه كلّ متكلّم لأنّه يعتمد لتخطئة كلّ من تكلّم وجها يخطّئه ويلحّنه به فلا يكاد أحد يسلم منه. واتّفق أنّه وقف ذات يوم على بيّاع رطب ليشتري منه. فقال البيّاع: يا شيخ، معك ما تأخذ فيه هذا الرطب أو أدفع لك دوخلة؟
فقال له ابن بركات أخطأت: لا يجوز دوخلة،