← Тараджим

Тараджим · id 145334

المقفى الكبير

المقريزي

Полный текст (3 152 стр.). Показаны 1961–2000 · переход к 1966.

стр. 1961

أيضا القاسم- أبو القاسم، الأندلسيّ، المرسيّ، علم الدين، اللورقيّ، المقرئ، النحويّ. ولد سنة خمس وسبعين وخمسمائة. وأخذ بالقاهرة عن الشيخ [رشيد] الدين عبد الظاهر بن نشوان. وبدمشق عن أبي اليمن الكنديّ. وقدم إربل وبغداد، واشتغل بها على أبي البقاء العكبريّ في النحو، وبرع فيه. وصار أحد الفضلاء المعروفين والعلماء المشهورين. وصنّف كتاب المحصّل [في] شرح المفصّل (١). وشرح كتاب الجزوليّة. وشرح الشاطبيّة. قال ابن المستوفي في تاريخ إربل: توفي بدمشق في سابع رجب سنة إحدى وستّين وستّمائة. وله شعر. ١٨٥٦ - ابن يغمور [٦٧٠ - ] (٢) محمد بن أحمد بن موسى بن يغمور بن جلدك بن سليمان [ ... ] أبو عبد الله، ابن الأمير الجواد شهاب الدين أبي الفضل، ابن الأمير الجواد جمال الدين أبي الفتح، ابن الأمير شرف الدين، ابن شمس الدولة. ولد بالمحلّة من أرض مصر ليلة الأربعاء تاسع عشرين ذي الحجّة سنة سبعين وستّمائة. ١٨٥٧ - البطرنيّ التونسيّ [٧٠٣ - ٧٩٣] (٣) محمد بن أحمد بن موسى بن عيسى بن أبي الفتح، أبو عبد الله، وأبو الحسن، ابن أبي العبّاس، الأنصاريّ، البطرنيّ، المغربيّ، المالكيّ. ولد بتونس سنة ثلاث وسبعمائة. ومات بها في العشرين من ذي القعدة سنة ثلاث وتسعين وسبعمائة عن تسعين سنة. وقدم مصر حاجّا. ١٨٥٨ - أبو جعفر الترمذيّ [٢٠٠ - ٢٩٥] (٤) محمد بن أحمد بن نصر، أبو جعفر، الترمذيّ، الفقيه الشافعيّ. سكن بغداد وحدّث بها عن يحيى بن بكير المصريّ، ويوسف بن عديّ، وكثير بن يحيى، وإبراهيم بن المنذر، والربيع بن سليمان. وسمع بمصر من زهير بن عبّاد. روى عنه أحمد بن كامل القاضي، وعبد الباقي بن قانع وغيره. قال الخطيب: كان ثقة، من أهل العلم والفضل والزهد. قال الدارقطنيّ: هو ثقة مأمون ناسك. (قال): وخرج إلى مصر فكتب كتب الشافعيّ. وتوفّي

стр. 1962

لإحدى عشرة خلت من المحرّم سنة خمس وتسعين ومائتين. ومولده في ذي الحجّة سنة مائتين. وكان قد اختلط في آخر عمره اختلاطا كبيرا. ولم يكن للشافعيّين بالعراق أرأس منه ولا أشدّ ورعا. وكان من التقلّل في المطعم على حالة عظيمة فقرا وورعا وصبرا على الفقر. وكان يجري عليه أربعة دراهم في الشهر، وكان لا يسأل أحدا شيئا. وتقوّت في سبعة عشر يوما خمس حبّات أو ثلاث حبّات، فقيل له: كيف عملت؟ قال: لم يكن عندي غيرها فاشتريت بها لفتا، فكنت آكل كلّ يوم واحدة. ١٨٥٩ - ابن الدباهيّ [٦٣٦ - ٧١١] محمد بن أحمد بن نصر، أبو أحمد، البغداديّ، المعروف بابن الدباهيّ. ولد في سنة ستّ وثلاثين وستّمائة ببغداد. وقدم القاهرة في فتنة بغداد. ومات يوم الخميس الرابع والعشرين من ربيع الآخر سنة إحدى عشرة وسبعمائة بدمشق. وكان رجلا صالحا قويّ النّفس خيّرا، له كلام في التصوّف. وكان أبوه من أكابر التجّار. ١٨٦٠ - الدعجانيّ المقدسيّ [٦٢٧ - ٦٨٢] (١) محمد بن أحمد بن نعمة بن أحمد بن جعفر بن حسين بن حمّاد، أبو عبد الله، ابن أبي العبّاس، الدعجانيّ، المقدسيّ، الشافعيّ. كان أبوه خطيب القدس. قدم إلى القاهرة وحدّث بها عن السخاويّ بجزء سفيان بن عيينة. وسمع منه أثير الدين أبو حيّان. ومولده يوم الثلاثاء ثالث شهر رمضان سنة سبع وعشرين وستّمائة بالقدس. ومات بدمشق [سنة اثنتين وثمانين وستّمائة]. ١٨٦١ - ابن أخت ابن عصفور الإشبيليّ [٦٣١ - ٦٩٩] (٢) محمد بن أحمد بن نوح بن أحمد بن زيد بن محمد بن عصفور، أبو عبد الله، الإشبيليّ. مولده يوم الجمعة ثالث المحرّم سنة إحدى وثلاثين وستّمائة بمدينة إشبيلية. وجال في بلاد المغرب والمشرق. وقرأ على الشيوخ والفضلاء، وحصّل كثيرا في علم القرآن والأدب. وله نظم ونثر. وكان كثير التلاوة [١١٣ ب] للقرآن، جيّد الأداء، متفنّنا. وأقام بدمشق حتى مات بها في أوائل ذي القعدة سنة تسع وتسعين وستّمائة. ١٨٦٢ - فتح الدين التفليسيّ [٦٥٨ - ٧٢٠] محمد بن أحمد بن هاشم بن أحمد بن عمر، أبو عبد الله، التفليسيّ، فتح الدين. مولده بالقاهرة في سنة ثمان وخمسين وستّمائة. وسمع من أبي الفرج عبد اللطيف الحرّانيّ جزء الحسن بن عرفة، وحدّث به. وتوفّي بمدينة حمص في حادي عشر جمادى الآخرة سنة عشرين وسبعمائة.

стр. 1963

١٨٦٣ - أبو بكر المعافريّ [- ٣٤٣] محمد بن أحمد بن هاشم بن عبد الجبّار بن عبد الرحمن بن عيسى بن وردان، أبو بكر، المعافريّ، مولى عبد الله بن سعد بن أبي سرح. قال ابن يونس: كان مخلّطا، حدّث وكان يكذب. وحدّث بنسخة موضوعة. توفّي ليلة الخميس لثلاث عشرة خلت من جمادى الآخرة سنة ثلاث وأربعين وثلاثمائة. ١٨٦٤ - محيي الدين ابن العديم [٥٩٠ - ٦٥٦] محمد بن أحمد بن هبة الله بن محمد بن هبة الله (١) بن أحمد بن يحيى بن زهير بن أبي جرادة، محيي الدين، ابن العديم، أخو الصاحب كمال الدين. مولده بحلب في ثالث رجب سنة تسعين وخمسمائة. وقدم دمياط صغيرا. ومات بحلب يوم السبت ثاني عشر جمادى الأولى سنة ستّ وخمسين وستّمائة. ١٨٦٥ - ابن شهيد الفاسيّ [- قبل ٦٤٠] محمد بن أحمد بن يحيى بن شهيد، أبو عبد الله، الأنصاريّ، الفاسيّ. قدم الإسكندريّة، ودخل مصر والشام، وسمع وحصّل أصولا حسنة، وكتب بخطّه. وكان إماما حافظا ضابطا محدّثا. ومات بالإسكندريّة قبل الأربعين وستّمائة. وشهيد بفتح الشين المعجمة وكسر الهاء: كذا دقّقه وجيه الدين منصور بن سليم في تاريخ الإسكندريّة. ١٨٦٦ - ابن سنيّ الدولة [٦١٥ - ٧٠٨] (٢) محمد بن أحمد بن يحيى بن هبة الله بن الحسن بن يحيى بن محمد بن علي بن صدقة، أبو بكر، ابن أبي العبّاس، ابن أبي البركات، ابن أبي المحاسن، التغلبيّ- بفتح المثنّاة والغين المعجمة- الدمشقيّ، الشافعيّ، المعروف بابن سنيّ الدولة. ولي قضاء دمشق هو وأبوه وجدّه، وحدّثوا ثلاثتهم. مولده بدمشق في ثاني المحرّم سنة خمس عشرة وستّمائة. وتفقّه على جدّه وبنى له مدرسة بجبل قاسيون، ودرّس بها، وأخذ أيضا عن الشيخ عزّ الدين ابن عبد السلام. وناب عن أبيه في القضاء بدمشق في ذي الحجّة سنة ثلاث وأربعين إلى سنة سبع وخمسين وستّمائة. وقدم إلى مصر ودرّس بزاوية الإمام الشافعيّ بجامع عمرو بن العاص بمصر. ثمّ تقلّد قضاء دمشق وسافر من مصر وحكم [١١٤ أ] بها إلى ذي الحجّة سنة تسع وخمسين. ثمّ صرف عن ذلك وقدم إلى مصر. ثمّ ولي قضاء حلب من جهة الملك السعيد بركة ابن الملك الظاهر بيبرس. ثمّ ولي دمشق بعد ذلك مرّة ثانية في سنة تسع وسبعين من جهة الملك المنصور قلاوون. وتوفّي بدمشق ليلة التاسع من المحرّم سنة ثمان وسبعمائة.

стр. 1964

١٨٦٧ - أبو بكر البغداديّ [- ٣٥٨] محمد بن أحمد بن يحيى، أبو بكر، البغداديّ، إمام جامع مصر. توفّي في جمادى الأولى سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة. ١٨٦٨ - فخر الدين ابن السيوريّ [٦٥٣ - بعد ٧٢٥] (١) محمد بن أحمد بن يحيى، فخر الدين، أبو عبد الله، ابن السيوريّ. ولد في سنة ثلاث وخمسين وستّمائة. وحدّث فسمع منه الشهاب أحمد بن أيبك الدمياطيّ في رجب سنة خمس وعشرين وسبعمائة بالثغر. ١٨٦٩ - ابن أبي العوّام [- ٣٧٦] محمد بن أحمد بن يزيد، أبو بكر، ابن أبي العوّام. يروي عن يزيد بن هارون وغيره. وعنه أبو بكر محمد بن جعفر، وأبو حفص عمر بن محمد بن سليمان العطّار. وقال الحبّال: توفّي يوم الثلاثاء لتسع بقين من شوّال سنة ستّ وسبعين وثلاثمائة. ١٨٧٠ - أبو بكر الإخميميّ [- ٣١٨] محمد بن أحمد بن أبي يزيد، أبو بكر، الإخميميّ. يروي عن الربيع. توفّي سنة ثماني عشرة وثلاثمائة. ١٨٧١ - الغزال المالقيّ الضرير [٥٣٤ - ٦٣٨] (٢) محمد بن أحمد بن يعلى، أبو عبد الله، الهاشميّ، الضرير، عرف بالغزال، المالقيّ، المالكيّ. مولده سنة أربع وثلاثين وخمسمائة. وقدم الإسكندريّة سنة ستّين وخمسمائة. ثمّ قدمها ثانيا وسكنها. وقدم مصر. وذكر أنّه سمع من عبد الحقّ الإشبيليّ كتاب الأحكام الكبرى والصغرى (٣). ورأى السهيليّ بمالقة، وقرأ عليه القرآن. وسمع من السّلفيّ وغيره. وعمي في سنة اثنتين وستّمائة. وكان يقرأ بالإسكندريّة الميعاد والرقائق. ومات بها في أواخر جمادى الآخرة سنة ثمان وثلاثين وستّمائة. ١٨٧٢ - أبو عبد الله المنبجيّ [٦٥٤ - ٧٢٢] محمد بن أحمد بن يوسف بن سالم، أبو عبد الله، المنبجيّ، أخو الحافظ قطب الدين عبد الكريم الحلبيّ لأمّه. كان معدّلا. سمع الحديث بالقاهرة ودمشق والإسكندريّة واجتهد وحصّل. ومولده في سنة أربع وخمسين وستّمائة. وتوفّي بظاهر القاهرة يوم الأربعاء سابع عشرين صفر سنة اثنتين وعشرين وسبعمائة.

стр. 1965

١٨٧٣ - ابن عيّاش السلاويّ [- ٦١٦] (١) محمد بن أحمد بن يوسف بن عيّاش، أبو عبد الله، الأنصاريّ، السلاويّ [١١٤ ب]، الفقيه الحنفيّ. قال ابن العديم: شيخ حسن فقيه فاضل حنفيّ المذهب، له اطّلاع على أنواع من العلوم. تفقّه بالديار المصريّة على عبد الله المحلّيّ البغداديّ. وسمع بها الحديث من أبي القاسم البوصيريّ وغيره. وقدم حلب في حدود الستّمائة وولي الإعادة. وحدّث بسيرة ابن هشام، وولي التدريس، وكتب الكثير بخطّه. وكان شديد الحرص والاجتهاد في التحصيل. وله مصنّفات في الفقه. وسمع على أبي الطاهر ابن ياسين سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة (قال: ) وأخبرني ولده محمد قال: أخبرني الشريف القاضي الرازيّ الحنفيّ أنّه رأى والدي في المنام سنة ستّ وعشرين وستّمائة، فقال له: ما فعل الله بك؟ فقال: غفر لي. فقلت له: بماذا؟ فقال: بشيء من النسبة بيني وبين النبيّ ﷺ . (قال): فقلت له: أنت شريف؟ فقال: لا. فقلت: من أين النسبة؟ فقال: كنسبة الكلب إلى الراعي. قال ابن العديم: أوّلته بانتسابه إلى الأنصار- فقال ابنه: أو إلى العلم. وتوفّي بحلب في رجب سنة ستّ عشرة وستّمائة. ١٨٧٤ - بدر الدين الفاخريّ [- ٦٢٥] محمد بن أحمد بن يوسف، بدر الدين، الفاخريّ. كان صالحا ديّنا خيّرا متقلّلا من الدنيا. توفّي يوم الخميس رابع جمادى الأولى سنة خمس وعشرين وستّمائة بالقاهرة. ١٨٧٥ - أبو بكر الخلّال [- ٣٢٢] محمد بن أحمد بن أبي يوسف- وقيل: محمد بن أحمد بن يوسف- أبو بكر، الخلّال، المصريّ، المعدّل. حدّث بمصر عن أبي غسّان مالك بن سيف، وبحر بن نصر، وسعد بن عبد الله بن الحكم. روى عنه أبو القاسم الطبرانيّ وغيره. قال مسلمة بن قاسم: توفّي بمصر يوم السبت لسبع وعشرين من صفر سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة. ١٨٧٦ - أبو جعفر الجرجانيّ [- ٣٩٨] محمد بن أحمد، أبو جعفر، الجرجانيّ. كان أديبا فاضلا نحويّا شاعرا. وكان يستعمل اللغة والغريب في شعره فيأتي بنشيد غير لذيذ في السماع. مدح العزيز بالله نزار ابن المعزّ. ومات يوم السبت سادس عشر شعبان سنة ثمان وتسعين وثلاثمائة. وصلّى عليه قاضي القضاة مالك بن سعيد الفارقيّ.

стр. 1966

١٨٧٧ - أبو الطيّب الشّذائيّ [- بعد ٣٥٨] محمد بن أحمد، أبو الطيّب، الشذائيّ- بفتح الشين المعجمة والذال المعجمة وبعدها ألف ثمّ ياء آخر الحروف، نسبة إلى شذاء قرية بالبصرة. خرج من مصر إلى لقاء القائد جوهر مع من خرج. فلمّا استقرّ جوهر شرّكه في العمل بمصر مع موسى بن الحسن الديباجيّ. ١٨٧٨ - ابن أخت أبي العبّاس الرأس [- ٦٥١] [١١٥ أ] محمد بن أحمد، أبو عبد الله، ابن أخت الشيخ أبي العبّاس الرأس. حدّث عن خاله (١) بشيء من تواليفه. توفّي في الثامن والعشرين من شوّال سنة إحدى وخمسين وستّمائة بالإسكندريّة. ١٨٧٩ - أبو سعيد العميديّ النحويّ [- ٤٤٣] (٢) محمد بن أحمد، أبو سعيد، العميديّ، الأديب، النحويّ، اللغويّ. قال أبو الحسن علي بن يوسف القفطيّ في كتاب تاريخ النحاة: كان فاضلا مصنّفا. سكن مصر وولي بها ديوان الترتيب سنة ثلاث عشرة وأربعمائة في أيّام الظاهر لإعزاز دين الله أبي هاشم عليّ ابن الحاكم. ثمّ ولي بها ديوان الإنشاء في أيّام المستنصر عوضا عن ابن خيران في صفر سنة اثنتين وثلاثين وأربعمائة. وولي بعده أبو الفرج الذّهليّ. وله في الأدب مصنّفات، منها: كتاب تنقيح البلاغة، عشر مجلّدات. وكتاب الإرشاد إلى حلّ المنظوم. وكتاب الهداية إلى نظم المنثور. وكتاب انتزاعات القرآن. وكتاب العروض. وكتاب القوافي. وكتاب سرقات المتنبيّ، وهو كتاب حسن يدلّ على اطّلاع كثير (٣). روى عنه محمد بن محمود ابن الدليل الصوّاف، والحسين بن محمد بن أحمد النيسابوريّ. ومن شعره [الخفيف]: منزلي منزل الكرام، ونفسي ... نفس حرّ ترى المذلّة كفرا فإذا ما رضيت بالقوت دهري ... فلماذا أزور زيدا وعمرا؟ توفّي يوم الخميس لخمس خلون من جمادى الآخرة سنة ثلاث وأربعين وأربعمائة (٤). ١٨٨٠ - الفقيه السلاويّ [- ٦٥٩] محمد بن أحمد، أبو عبد الله، اللخميّ، السلاويّ، الفقيه. أخذ بسلا عن الحافظ أبي محمد عبد الله بن حوط الله. وتفقّه بالقاهرة على الفقيه تاج الدين أبي عبد الله محمد بن الحسين بن عبد الله الأرمويّ. ولقي السيف الآمديّ بدمشق. ومات بالقاهرة ليلة العاشر من صفر سنة تسع وخمسين وستّمائة، وهو في سنّ الكهولة.

стр. 1967

[محمد بن إسحاق] ١٨٨١ - إمام الأئمّة ابن خزيمة النيسابوريّ [٢٢٣ - ٣١١] (١) [محمد بن إسحاق بن خزيمة بن المغيرة بن صالح بن بكر، إمام الأئمّة، الحافظ، أبو بكر، النيسابوريّ، السلميّ، شيخ الإسلام (٢). ولد سنة ثلاث وعشرين ومائتين. سمع إسحاق بن راهويه، ومحمد بن حميد الرازيّ، ومحمد بن أبان المستملي، وخلقا كثيرا. روى عنه الشيخان خارج صحيحيهما، وجماعة. وهو حافظ ثبت إمام، رحل إلى الشام والحجاز والعراق ومصر، وتفقّه على المزنيّ وغيره] (٣) [١١٦ أ]. [ ... ] خزيمة، فقالوا: هو ذا يصلّي. فلمّا فرغ دفع إليه صرّة فيها خمسون دينارا. ثمّ قال: إنّ الأمير كان قائلا فرأى في المنام خيالا قال: إنّ المحامد طووا كشحهم جياعا. فأنفذ إليكم هذه الصرّة، وأقسم عليكم إذا نفدت فابعثوا إليّ أحدكم. قال أبو عبد الله الحاكم: فشمائله أشهر من أن يحتملها هذا الموضع. ومصنّفاته تزيد على مائة وأربعين كتابا، سوى المسائل. والمسائل المصنّفة أكثر من مائة جزء. وسئل: من أين أوتيت هذا العلم؟ فقال: قال رسول الله ﷺ : ماء زمزم لما شرب له. وإنّي لمّا شربته سألت علما نافعا. وسئل عنه ابن أبي حاتم فقال: ويحكم! هو يسأل عنّا، ولا نسأل عنه. وهو إمام يقتدى به. وقال الحاكم: كان إمام أهل المشرق في زمانه علما وإتقانا ومعرفة. وقال الشيخ أبو إسحاق الشيرازيّ: كان يقال له: إمام الأئمّة، وجمع بين الفقه والحديث. حكى عنه أبو بكر النقّاش أنّه قال: ما قلّدت أحدا في مسألة منذ بلغت ستّ عشرة سنة. وقال أبو بكر الصيرفيّ: أبو بكر ابن خزيمة يستخرج النكت والمعاني من حديث رسول الله ﷺ بالمنقاش. وقال ابن نقطة (٤): توفّي ليلة السبت الثامن من ذي القعدة سنة إحدى عشرة وثلاثمائة [عن نحو تسعين] (٥) بنيسابور (٦).

стр. 1968

١٨٨٢ - البيكنديّ [- ٢٦٢] محمد بن إسحاق بن سبويه (١)، أبو عبد الله، الخراسانيّ، البيكنديّ. قدم مصر وحدّث عن عبد الرزّاق وغيره. ومات بمكّة في شوّال سنة اثنتين وستّين ومائتين. وسبويه جدّه فيما قال ابن ماكولا بسين مهملة بعدها باء موحّدة. وقال غنجار في تاريخ بخارى: بشين معجمة. ١٨٨٣ - ابن قاضي اليمن [٦٦٦ - ٧١١] (٢) محمد بن إسحاق بن عبد الله بن عمر، أبو عبد الله، المعروف بابن قاضي اليمن. قدم إلى القاهرة وحدّث بها. ومولده في ثاني عشرين ربيع الأوّل سنة ستّ وستّين وستّمائة. ومات بدمشق ليلة السبت ثامن شوّال سنة إحدى عشرة وسبعمائة. ١٨٨٤ - السروجيّ العديميّ [٦٥٣ - ٧٣٣] (٣) محمد بن إسحاق بن عمر، أبو عبد الله، السروجيّ، العديميّ، الحنفيّ، عرف بصحبة بني العديم، فلذلك قيل له: العديميّ. ولد بسروج سنة ثلاث (٤) وخمسين وستّمائة- وقيل: سنة أربع وخمسين. وقدم القاهرة ونزل في مدارسها عند الحنفيّة، ومات بها ليلة الأحد ثالث عشرين شعبان سنة ثلاث [١١٦ ب] وثلاثين وسبعمائة، ودفن بالقرافة. ١٨٨٥ - ابن كنداج الطولونيّ [- بعد ٢٨٢] (٥) محمد بن إسحاق بن كنداج، أحد قوّاد الدولة الطولونيّة. لم يزل بمصر إلى أن ولي أبو العساكر جيش بن خمارويه بن أحمد بن طولون إمارة مصر (٦) بعد أبيه أبي الجيش خمارويه، وولي الشرطة موسى بن طونيق. فأنكر عظماء الجند عليه (٧) أمورا وتنكّروا له وتنكّر لهم فخافوا على أنفسهم. فهرب ابن كنداج هذا في ثلاثمائة من وجوه القوّاد، ولحقوا بأمير المؤمنين المعتضد ببغداد (٨). ١٨٨٦ - الجلال ابن الملك الرحيم [- ٧٠٢] محمد بن إسحاق بن لؤلؤ، الأمير جلال الدين، أبو عبد الله، ابن الأمير سيف الدين، ابن الملك الرحيم بدر الدين صاحب الموصل. كان خيّرا، سمع الحديث، وحدّث عن أبي الفرج عبد اللطيف الحرّانيّ.

стр. 1969

وتوفّي بمصر في آخر رجب سنة اثنتين وسبعمائة، ودفن بالقرافة. ١٨٨٧ - ابن مندة [٣١١ - ٣٩٥] (١) محمد بن إسحاق بن محمد بن يحيى بن إبراهيم الملقّب بمندة، ابن الوليد ابن سندة- بسين مفتوحة- ابن بطّة- بضمّ الباء الموحّدة- ابن أستدار- واسمه الفيزران- ابن جهاربخت، الحافظ، أبو عبد الله، العبديّ، الأصبهانيّ، أحد المكثرين الجوّالين. سمع من جماعة من أهل أصبهان وخراسان. ورحل إلى العراق والشام والحجاز ومصر والإسكندريّة، وسمع الكثير، وصنّف الكثير. ومولده في سنة إحدى- أو اثنتي- عشرة وثلاثمائة (٢). وتوفّي سلخ ذي القعدة سنة خمس وتسعين وثلاثمائة. قال الحاكم: أقام بمصر سنتين، وصنّف التاريخ والشيوخ. وذكر الخطيب أنّه قال: كتبت عن ألف شيخ. وقال أبو نعيم: ابن مندة جبل من الجبال. وقال سعد الزنجانيّ: كثير [١١٧ أ] الرواية مع المعرفة التامّة. وقال ابن عساكر: اختلط في آخر عمره. وقال ابن ميسّر: أقام بمصر سنتين ونصفا. وقال أبو نعيم في تاريخ أصبهان: هو حافظ من أولاد المحدّثين. كتب بالشام ومصر وخراسان. واختلط في آخر عمره فحدّث عن أبي أسيد و [عبد الله] ابن أخي أبي زرعة وابن الجارود بعد أن سمع منه أنّ له عنهم إجازة، وتخبّط أيضا في أماليه، وينسب إلى جماعة أقوالا في المعتقدات لم يعرفوا بها. وقال الحاكم: وكان عندنا سنة تسع وثلاثين، وهو أوّل خروجه إلى العراق، فسمع ببغداد وبمكّة والشام، ودخل مصر فأقام بها سنتين وصنّف التاريخ والشيوخ. ثمّ التقينا ببخارى سنة إحدى وستّين وثلاثمائة، وقد زاد زيادة ظاهرة. وقال الخطيب: كان ديّنا ثقة صالحا. وقال سعد الزنجانيّ: هو أكثرهم رواية مع المعرفة التامّة. وقال الدارقطنيّ: له أوهام كثيرة في معرفة الصحابة. وذكر الحاكم أنّه توفّي في وطنه سنة ستّ وتسعين وثلاثمائة في صفر. ١٨٨٨ - العماد البلبيسيّ [- ٧٤٩] (٣) محمد بن إسحاق بن محمّد بن مرتضى، عماد الدين، البلبيسيّ، الفقيه الشافعيّ. أخذ عن النجم ابن الرفعة، والجمال الوجيزيّ وجماعة. وشهر بابن الرفعة وبرع في الفقه والأصول وتصدّى للاشتغال فتخرّج به خلق. وولي مشيخة خانقاه بهاء الدين أرسلان بالمنشأة. وولي قضاء الإسكندريّة في الأيّام الناصر [يّة] محمد بن قلاوون مدّة (٤) وامتحن بها وعزل. ثمّ

стр. 1970

تصدّر بالملكيّة (١) من القاهرة ولازم الاشتغال بها. و[كان] يأتيها ماشيا وتارة على حمار مكار، [وإذا ركب لا يكتري إلّا دابّة ضعيفة محتقرة ويقول: هذا [الحمار] ربّما لا يقصده الناس كثيرا] (٢) فأنا أريد برّه والغرض يحصل. وكان فقيرا ليس له سوى معلوم الملكيّة مبلغ ثمانين درهما في الشهر، حتّى مات في الطاعون سنة تسع وأربعين وسبعمائة. وكان إماما في الفقه، له حظّ وافر من الذكاء والفهم، وصبر على إفادة الطلبة، يأمرهم بحفظ ما يقيّده لهم وعرضه عليه. وكان مولعا بالألغازالفقهيّة، ويعظّم الحاوي (٣) ويحثّ على شرحه. وكان له اعتقاد في الفقراء يمشي إليهم ويتبرّك بدعائهم. حكي أنّه ركب مع مكار مرّة فخطر له أن يملك جارية تركيّة وبغلة. فقال له المكاري: يا فقيه شوّشت علينا: بغلة وجارية! يحصل لك ذلك! فلمّا ولي (٢) قضاء الإسكندريّة ركب البغلة وملك جارية تركيّة مليحة. وكانت دروسه لا تملّ لكثرة تنقّله من قصّة إلى نحو إلى حكاية إلى شعر. ١٨٨٩ - ابن السليم قاضي الجماعة بقرطبة [٣٠٦ - ٣٦٧] (٤) [١١٧ ب] محمد بن إسحاق بن منذر بن إبراهيم بن محمد بن السليم بن أبي عكرمة، أبو بكر، قاضي الجماعة بقرطبة. مولده في سنة [ستّ] وثلاثمائة. وروى عن قاسم بن أصبغ وطبقته. ورحل في سنة اثنتين وثلاثين فسمع بمكّة من ابن الأعرابيّ، وبمصر من أحمد بن مسعود الزّنبريّ، وعبد الله بن جعفر البغداديّ، وأبي جعفر ابن النحّاس وغيره. وعاد إلى الأندلس، فأقبل على الزهد ودراسة العلم. وولي قضاء قرطبة وحدّث. فسمع منه الناس، وكان حافظا للفقه بصيرا بالاختلاف، حسن الخطّ والبلاغة، متواضعا. وتوفّي يوم الاثنين لخمس أو لسبع بقين من جمادى الأولى (٥) سنة سبع وستّين وثلاثمائة. وسليم بفتح السين المهملة وكسر اللام. ١٨٩٠ - محمد بن إسحاق صاحب السيرة [- ١٥١] (٦) محمد بن إسحاق بن يسار بن خيار- وقيل بدل خيار: كوثان- أبو بكر- وقيل: أبو عبد الله [الأحوال]- المطّلبيّ، المدنيّ، مولى قيس بن مخرمة بن المطّلب. كان جدّه يسار- بياء آخر الحروف ثمّ سين مهملة- من سبي عين التمر، وهو أوّل سبي دخل من العراق مع خالد بن الوليد. وقدم محمد بن إسحاق إلى الإسكندريّة سنة خمس عشرة ومائة. وروى عن جماعة من أهل مصر. وأدرك من الصحابة أنس بن مالك ورآه وعليه عمامة سوداء. ولقي سعيد بن المسيّب،

стр. 1971

وسالم بن عبد الله بن عمر، وأبان بن عثمان. وسمع القاسم بن محمد ونافعا وأبا سلمة والزهريّ والأعرج وجعفر بن محمد الصادق ومحمد بن إبراهيم التميميّ وهشام بن عروة ويحيى بن سعيد الأنصاريّ ويزيد ابن أبي حبيب وشعبة، وغيرهم. وروى عنه يحيى بن يزيد ويزيد ابن أبي حبيب وشعبة، وهم من شيوخه، والسفيانان، والحمّادان (١)، ويزيد بن هارون، ويحيى بن سعيد الأمويّ، وسعيد ابن مربع، وجرير بن حازم، وزياد بن عبد الله. وقال شعبة وابن عيينة: محمد بن إسحاق أمير المؤمنين في الحديث. ورآه الزهريّ مقبلا فقال: لا يزال بالحجاز علم ما دام فيه هذا الأحول بين أظهرهم. وعن شعبة أيضا: صدوق- وفي رواية: هو أعلم الناس بالمغازي. وعن الشافعيّ: من أراد أن يتبحّر في المغازي فهو عيال على ابن إسحاق. وعن ابن عيينة: ما أدركت أحدا يتّهم ابن إسحاق في حديثه. قال السهيلي: هو ثبت في الحديث عند أكثر العلماء. وأمّا في [١١٨ أ] المغازي والسّير فلا تجهل إمامته فيها. وعن ابن المدينيّ: لا أعلم أحدا ترك ابن إسحاق. وقال يعقوب بن شيبة (٢): سألت ابن المدينيّ: حديث محمد بن إسحاق عندك صحيح؟ قال: نعم، حديث صحيح عندي. قلت: فكلام مالك فيه؟ قال: لم يجالسه ولم يعرفه. وقال الشافعيّ عن ابن معين وأحمد بن حنبل أنّهما وثّقاه واحتجّا بحديثه. واحتجّ الدارقطنيّ بحديث العلّتين وهو من طريقه. وقال ابن سعد: هو أوّل من جمع مغازي رسول الله ﷺ . وخرج من المدينة قديما، فلم يرو واحد منهم غير إبراهيم بن سعد، ووثّقه. وقال أبو حاتم ابن حبّان: وقد تكلّم في ابن إسحاق رجلان: هشام بن عروة ومالك بن أنس. فأمّا هشام فحدّثني محمد بن زياد الزياديّ: ثنا ابن أبي شيبة: ثنا عليّ بن المدينيّ: سمعت يحيى بن سعيد القطّان يقول: قلت لهشام بن عروة إنّ ابن إسحاق يحدّث عن فاطمة بنت المنذر (٣)، فقال: وهل كان يصل إليها؟ - قال أبو حاتم: وهذا الذي قال هشام من غير أن ينظروا إليها: سمعوا صوتها. وكذلك ابن إسحاق: كان يسمع من فاطمة والسّتر بينهما مسبل. فهذا سماع صحيح، والقادح بهذا غير منصف. وأمّا مالك، فإنّ ذلك كان منه مرّة واحدة، ثمّ عاد إلى ما يجب: وذلك أنّه لم يكن بالحجاز أعلم بأنساب الناس وأيّامهم من محمد بن إسحاق. وكان يزعم أنّ مالكا من موالي ذي أصبح، وكان مالك يرى أنّه من أنفسهم، فوقع بينهما لهذا مفاوضة. فلمّا صنّف مالك الموطّأ قال ابن إسحاق: ائتوني به [فأنا طبيب بعلله]. فقيل هذا لمالك فقال: هذا دجّال من الدجاجلة، يروي عن اليهود. وكان بينهم ما يكون بين الناس حتى عزم محمد بن إسحاق على الخروج إلى العراق

стр. 1972

فتصالحا حينئذ، فأعطاه مالك عند الوداع خمسين دينارا نصف ثمرته تلك السنة. ولم يكن يقدح فيه مالك من أجل الحديث، وإنّما كان ينكر تتبّعه غزوات النبيّ ﷺ من أولاد اليهود والذين أسلموا وحفظوا قصّة خيبر وقريظة والنضير، وكان ابن إسحاق يضع هذا عنهم ليعلم من غير أن يحتجّ [١١٨ ب] بهم. وكان مالك لا يرى الرواية إلّا عن متقن صدوق فاضل يحسن ما يرويه. وقد تكلّم في ابن إسحاق غير هشام ومالك: قال أبو إسحاق الجوزجانيّ: محمد بن إسحاق يرمى بغير نوع من البدع. وقال ابن نمير: كان يرمى بالقدر، وهو أبعد الناس منه. وتوفّي ببغداد سنة إحدى- وقيل: اثنتين، وقيل: ثلاث وخمسين ومائة. وقد استشهد به البخاريّ وأخرج له مسلم متابعة (١)، وروى له الأربعة. واتّهم بأنّه كان يضع الشعر ويؤتى به ويسأل أن يدخله في كتابه في السيرة فيفعل، وأنّه ضمّن كتابه من الأشعار ما انتقده عليه رواة الشعر. واتّهم أنّه أخطأ في النسب الذي أورده في كتابه. وأنكر عليه أنّه كان يحمل عن اليهود والنصارى ويسمّيهم في كتابه «أهل العلم الأوّل». وله من الكتب: كتاب الخلفاء، رواه عنه الأمويّ. وكتاب السيرة والمبتدأ والمغازي، رواه عنه إبراهيم بن سعد، وأبو جعفر بن عبد الله بن محمد النفيليّ. ١٨٩١ - القصّاع المقرئ [- ٦٧١] (٢) محمد بن إسرائيل بن [أبي بكر]، الإمام أبو عبد الله، السلميّ، الدمشقيّ، القصّاع، المقرئ. قرأ بالروايات الكثيرة على الكمال ابن شجاع العبّاسيّ، والعلم أبي محمد القاسم اللورقيّ، والكمال ابن فارس، والشيخ علي الدهّان، والزواويّ وغيرهم. وعني بهذا الشأن أتمّ عناية. وكان ذكيّا زكيّا خيّرا صالحا متواضعا. وكان يعيش من كسب يمينه. وأقرأ الناس وسمع الكثير. وصنّف كتاب المغني، وكتاب الاستبصار في القراءات. ومات قبل الكهولة في سنة إحدى وسبعين وستّمائة (٣) تخمينا. يقال: إنّه قدم القاهرة. [محمد بن أسعد] ١٨٩٢ - ابن طحا القاياتيّ [٦٥٠ - ٧٣٠] (٤) [١٢٠ أ] محمد بن أسعد بن عبد الكريم بن سليمان بن طحا، أبو بكر، الثقفيّ، القاياتي، الشافعيّ، المصريّ. سمع الحديث وتفقّه وبرع في الحديث، وصار إماما فاضلا ثقة عدلا. وتوفّي بمصر ليلة الاثنين التاسع عشر من جمادى الآخرة سنة ثلاثين وسبعمائة، ودفن بالقرافة. ١٨٩٣ - الجوّانيّ نسّابة بغداد [٥٢٥ - ٥٩٨] (٥) محمد بن أسعد بن عليّ بن المعمّر بن عمر بن

стр. 1973

عليّ بن أبي هاشم الحسين نسّابة بغداد، ابن أحمد نسّابة بغداد، ابن عليّ نسّابة الكوفة، ابن إبراهيم بن محمد بن الحسن بن محمد الجوّانيّ، ابن عبيد الله الزاهد، ابن الحسين الأصغر العابد، ابن علي زين العابدين، ابن الحسين بن عليّ بن أبي طالب، أبو علي، شرف الدين، الشريف النقيب النسّابة، القاضي الأشرف، ابن الشريف أبي البركات سناء الملك، الحسينيّ، العبيدليّ، الجوّانيّ، المالكيّ، النسّابة. ولد ليلة الأربعاء سلخ جمادى الأولى سنة خمس وعشرين وخمسمائة. وروى عن أبي محمد عبد الله بن رفاعة بن غدير السعديّ، وأبي القاسم عبد السلام بن مختار بن عبد الله اللغويّ، وأبي محمد عبد المولى بن محمد اللخميّ المالكيّ، وأبي نعيم عبد العزيز بن يوسف الأردبيليّ المالكيّ المقرئ. وسمع من عبد الرحمن بن موهوب بن أحمد وقرأ على والده أبي البركات أسعد النحويّ، وعلى الفقيه أبي القاسم عبد الرحمن بن الحسين بن الجبّاب، وأبي الطاهر عبد المنعم بن موهوب، وأبي الفتح محمود ابن الصابونيّ، والأديب أبي عبد الله بن إبراهيم ابن الكيزانيّ المقرئ. ولقي أبا طاهر السلفيّ بالإسكندريّة وقال له: أنت من بني سلفة بطن من حمير. فقال: لا، جدّي كانت شفته قطعت فبقي له ثلث شفاه، والعجم تسمّي ثلث شفاه سلفة فعرف بذلك. وروى عنه أبو الحسن مرتضى ابن العفيف، وأبو منصور يونس بن محمّد ابن الفارقيّ. وسمع منه الإمام أبو الحسن عليّ بن هبة الله بن الجمّيزى وقال عنه في معجم شيوخه: كان عالما بالأنساب، وله معرفة بالعربيّة، وأنّه قرأ عليه من أوّل كتاب السيرة وأنّه يرويها عن ابن رفاعة، وأنّه كتب خطّه على كتابه بما قرأه عليه، ولكن في الرواية عنه توقّف ونظر. وولي نقابة الأشراف بمصر مدّة. وصنّف كتاب طبقات الطالبيّين، وكتاب [١٢٠ ب] طبقات النسّابين الطالبيّين. وكتاب تاج الأنساب ومنهاج الصواب وكتاب نسب بني إدريس. وكتاب نسب بني الأرقط. وكتاب الذهب في كشف أسرار النسب. وكتاب الواضح عن العيب الفاضح فيمن ادّعي إلى غير أبيه أو انتمى إلى غير مواليه. وكتاب نسب بني الجوّاني مشجّرا. وكتاب سناء الملك أسعد والده. ودرجا في جميع الأنساب، قريب [ا] من ستّين ذراعا. وكتاب غيظ أولي الرفض. والمكر في فضل من كنيته أبو بكر- بدأ بأبي بكر الصدّيق وختم بالسلطان أبي بكر [العادل] (١) بن أيّوب- أجاد فيه. وكتاب الأوراق المحرّرة في فضائل العشرة، عشر مجلّدات. وكتاب الجوهر المكنون في ذكر القبائل والبطون (٢)، عشر مجلّدات. وكتاب تذكرة أولي الألباب لأصول الأنساب. وكتاب طبقات النسّابين. وكتاب في التصحيح والتجريح. وكتاب التنقيح فيمن ثبت نسبه في الصحيح. وكتاب تحفة الطالبين في اختصار الأشراف النسّابين. وكتاب النقط على الخطط (٣).

стр. 1974

وقال أبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن التجيبيّ: وله شعر حسن، وتصانيف. لقيته بمصر بجامع عمرو، وهو يقابل كتابا صنّفه لسيف الدين أبي بكر أخي صلاح الدين فيمن يكنّى بأبي بكر فأتقن وأجاد، وأتى بكلّ غريب لسعة معرفته وامتداد باعه. وقال الحافظ أبو محمد عبد العظيم المنذريّ: أخذ النسب عن الشريف ثقة الدولة أبي الحسين يحيى بن محمد بن حيدرة الحسينيّ الأرقطيّ. وقال أبو حامد ابن الصابونيّ: سمع من جدّي الإمام أبي الفتح، وسمع منه جدّي. ودخل دمشق وحلب، وحدّث بهما. روى لنا عنه غير واحد من شيوخنا. وله نظم جيّد وتصانيف حسنة في الأنساب. قال المنذريّ: وأصول سماعاته أكثرها مظلمة مكشطة. وكان شيوخنا لا يحفلون بحديثه ولا يعتمدون عليه، وكان مشهورا بعلم النسب. ولأبيه وولده ترجمتان في هذا الكتاب (١). وتوفّي بمصر يوم الأربعاء الثامن عشر من شوّال سنة ثمان وتسعين وخمسمائة. ومن شعره [المتقارب]: مليك سموت إلى مدحه ... فلم أر للعقل فيه مجالا وقال لي الشعر كيف السبيل ... إلى من على كلّ ملك تعالى؟ ١٨٩٤ - الساعي الزاهد البغداديّ [- ٦٥٨] محمد بن أسعد بن سعد، أبو عبد الله، البغداديّ، الموصليّ، الزاهد، المعروف بالساعي. مات ببلبيس في ذي القعدة سنة ثمان وخمسين وستّمائة. [١٢٧ أ] ومن شعره [الكامل]: عرض العقيق له وجرعاء الحمى ... فطواهما نظرا وأعرض عنهما صونا لسرّهم القديم وحقّ من ... حمل المودّة أن يصون ويكتما ورأى به الروض المذال ممنّعا ... بالبيض والمال الحلال محرّما فاستقبل الوادي ولولا حبّ من ... سكن اللوى بتهامة ما أتهما لاموا على زفراته فشكا الأسى ... واستعظموا عبراته فبكى دما وقال في الجمّيز [الخفيف]: قال لي من أحبّ إذ نظر الج ... مّيز في غصنه النضير العالي: شبّه الحمرة التي فيه والخت ... ن ولونيهما بحسن ارتجال قلت: ورد بوجنتيك ولون ال ... ختن في وسطه كحبّ الخال (٢) ١٨٩٥ - [محمد بن إدريس] الشافعيّ [١٥٠ - ٢٠٤] (٣) محمد بن إدريس بن العبّاس بن عثمان بن

стр. 1975

شافع بن السائب بن [عبيد] بن عبد يزيد بن هاشم بن المطّلب بن عبد مناف بن قصيّ بن كلاب بن مرّة بن كعب بن لؤيّ بن غالب بن فهر، أبو عبد الله، القرشيّ، المطّلبيّ، الشافعيّ، المكّيّ، نزيل مصر، إمام عصره، وفريد دهره. [أصل الشافعي] [وقد] ولده هاشم بن عبد مناف ثلاث مرّات: [ف] أمّ السائب [هي] الشفاء بنت الأرقم بن هاشم بن عبد مناف. وأمّ الشفاء بنت الأرقم [هي] خلدة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف. وأمّ عبد يزيد الشفاء بنت هاشم بن عبد مناف [بن قصيّ]. فالشافعيّ إذن يلتقي برسول الله ﷺ في نسبة قرشيّة وثيقة. ولم تنل رسول الله ﷺ طهارة في مولده، وفضيلةفي آبائه، إلّا وهو قسيمه فيها، إلى أن افترقا من عبد مناف. ولقد ولد الشافعيّ الهاشمان: هاشم بن المطّلب (١)، وهاشم بن عبد مناف. والشافعيّ ابن عمّ رسول الله ﷺ وابن عمّته، لأنّ المطّلب عمّ رسول الله ﷺ ، والشفا بنت هاشم بن عبد مناف، أخت عبد المطّلب، عمّة رسول الله ﷺ . لقي جدّ جدّه شافع بن السائب النبيّ ﷺ ، وهو مترعرع، وأسر أبوه السائب بن عبيد، وكان صاحب راية بني هاشم. ففدى نفسه ثمّ أسلم. فقيل له: لم لم تسلم قبل أن تفتدى؟ فقال: ما كنت لأحرم المؤمنين مطمعا لهم فيّ. وكان يشبّه بالنبيّ ﷺ . وأمّ الشافعيّ أزديّة. وقيل: أسديّة. وقيل: هي فاطمة بنت عبيد الله بن الحسن بن الحسن بن عليّ بن أبي طالب. وكانت ولادته بغزّة سنة خمسين ومائة. وقيل: ولد باليمن.

стр. 1976

وقدم مكّة وهو ابن عشر سنين. وقيل: ولد بعسقلان، وحملته أمّه بعد سنتين إلى مكّة فنشأ بذي طوى- بنصب الطاء- وهو موضع بمكّة. [شيوخه] سمع: مالك بن أنس، وإبراهيم بن سعد [العوفيّ الزهريّ]، وعبد العزيز بن محمد الدراورديّ، وأبا ضمرة أنس بن عياض [بن عبد الرحمن الليثيّ]، وإبراهيم بن محمد بن أبي يحيى [الأسلميّ]، وحاتم بن إسماعيل [المزنيّ، أبا إسماعيل]، وعبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون، وإسماعيل بن جعفر، ومحمد بن إسماعيل بن أبي فديك، وعطّاف بن خالد المخزوميّ، وعبد الله بن نافع الصائغ [وهؤلاء من] المدنيّين، وسفيان بن عيينة، وداود بن عبد الرحمن العطّار، ومسلم بن خالد الزنجيّ [مفتي مكّة]، وعبد الرحمن بن أبي بكر ابن أبي مليكة، وعمّه محمد بن علي بن شافع، وعبد الله بن المؤمّل المخزوميّ، وإبراهيم بن عبد العزيز بن أبي محذورة القرشيّ، وعبد الله بن الحارث المخزوميّ، ومحمد بن عثمان بن صفوان الجمحيّ، وسعيد بن سالم القدّاح، وعبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي روّاد [من] المكّيين، ومطرّف بن مازن [الصنعانيّ]، وهشام بن يوسف [الصنعانيّ]، ومحمد بن خالد الجندي [من] اليمنيّين، وعبد الوهّاب بن عبد المجيد الثقفيّ، وإسماعيل بن عليّة، ويوسف بن خالد السنديّ [من] البصريّين، ومحمد بن الحسن الشيبانيّ الفقيه [الكوفيّ]، ويحيى بن حسّان [التنيسيّ]، وعمرو بن أبي سلمة، وأيّوب بن سويد الرملي، وغيرهم. [تلاميذه] روى عنه: سليمان بن داود الهاشميّ، وأحمد بن حنبل، وأبو ثور إبراهيم بن خالد [الكلبيّ]، والحسن بن محمّد بن الصبّاغ الزعفرانيّ، وأبو عبيد القاسم بن سلّام، وسعيد [بن عيسى] بن تليد الرعينيّ، [١٢٩ ب] و [أبو] محمد [عمرو] بن سوّاد السرحيّ، وأحمد بن يحيى بن الوزير [التجيبي، أبو عبد الرحمن]، والحسين بن عليّ الكرابيسيّ، وأبو يحيى محمد بن سعيد العطّار، البغداديّون، و [أبو] إبراهيم إسماعيل بن يحيى المزنيّ، ومحمد بن عبد الله بن عبد الحكم، وحرملة بن يحيى [التجيبيّ]، والربيع بن سليمان [المراديّ المؤذّن]، وأبو يعقوب يوسف بن البويطيّ، ويونس بن عبد الأعلى، وبحر بن نصر [الخولانيّ]، المصريّون، وأبو بكر عبد الله بن الزبير الحميديّ، وإبراهيم بن المنذر الخزاميّ، وغيرهم. [قدومه إلى مصر] وقد روي عن الشافعي أنّه قدم مصر مرّتين: إحداهما على طريق الشام في أيّام هارون الرشيد. والثانية قدمها من مكّة، وصحبه الحميديّ. قال عبد الرحمن ابن أبي حاتم: حدّثنا علي بن الحسن قال: سمعت الشافعيّ قال: كنت مع محمد بن الحسن بالرقّة، فمرضت مرضة، فعادني العوّاد. فلمّا نقهت من مرضي، مددت يدي إلى كتب عند رأسي، فوقع في يدي كتاب الصلاة لمالك. فنظرت في باب الكسوف، ثمّ خرجت إلى المجلس، فإذا محمد بن الحسن جالس، فقلت له: جئت أناظرك في الكسوف. قال: قد عرفت قولنا فيه.

стр. 1977

فقلت: جئت أناظرك على النظر والخبر. فقال: هات! قلت: أشترط أن لا تحتدّ عليّ، ولا تقلق- وكان محمد رجلا قلقا حديدا. فقال: أمّا أن لا أحتدّ، فلا أشترط ذلك، ولكن لا يضرّك ذاك عندي. فناظرته. فلمّا ضاغطته، فكأنّه وجد من ذاك. فقلت: هذا هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة، وزيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن ابن عبّاس، واجتمع عليه الناس؟ فقال: وهل زدتني على أن جئتني بصبيّ وامرأة؟ فقلت: لو غيري جالسك! وقمت عنه بالغضب. فرفع الخبر إلى هارون أمير المؤمنين فقال: قد علمت أنّ الله لا يدع هذه الأمّة حتى يبعث عليهم قرشيّا يردّ عليهم ما هم فيه من الضلالة. ثمّ رجعت إلى بيتي، فقلت لغلامي: اشدد على رواحلك واجعل الليل جملا. (قال): فقدمت مصر. وعن عبد الرحمن بن محمد الحنفيّ قال: سمعت أبي يقول: خرجنا من بغداد مع الشافعيّ يريد مصر، فدخلنا حرّان، وكان قد طال شعره، فدعا حجّاما فأخذ من شعره، فوهب له خمسيندينارا. وهذا يدلّ على سلك طريق الشام. وقال عبد الله بن محمد بن وهب: حدّثنا عبد الله بن محمد الفريابيّ قال: سمعت محمد بن إدريس الشافعيّ ببيت [١٣٠ أ] المقدس يقول: «سلوني عمّا شئتم أخبركم من كتاب الله وسنّة رسوله»، فقلت: إنّ هذا لجريء! - ما تقول، أصلحك الله، في المحرم يقتل الزنبور؟ فقال: نعم، باسم الله الرحمن الرحيم. قال الله : وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [الحشر: ٧]. وحدّثنا سفيان بن عيينة عن عبد الملك بن عمير بن ربعيّ عن حذيفة قال: قال رسول الله ﷺ : «اقتدوا بالذين من بعدي: أبي بكر وعمر».- وحدّثنا سفيان بن عيينة عن مسعر عن قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب أنّ عمر بن الخطّاب ﵁ أمر المحرم بقتل الزنبور. وهذا الخبر يؤيّد ما قبله من أنه مرّ على الشام إلى مصر، إلّا أنّه روي من وجه آخر أنّ هذا كان بمكّة. قال البيهقيّ: حدّثنا أبو سعد أحمد بن محمد المالينيّ: حدّثنا أبو بكر الإسماعيليّ: حدّثنا عبيد الله بن وهب- يعني الدينوري- الفريابيّ، قال: سمعت الشافعيّ محمد بن إدريس بمكّة يقول: سلوني ما شئتم أجبكم من كتاب الله ومن سنّة رسول الله ﷺ . (قال): فقلت [الخبر يعاد كما سبق]. وقال الحافظ أبو القاسم عليّ بن الحسن بن عساكر: لعلّه سئل عنها وأجاب مرّتين في الموضعين (١). [رحلته إلى بغداد] وقدم بغداد مرّتين. قال الزعفرانيّ: قدم علينا سنة خمس وتسعين ومائة، فأقام عندنا سنتين، ثمّ خرج إلى مكّة. ثمّ قدم سنة ثمان وتسعين فأقام عندنا شهورا ثمّ خرج. وكان يخضّب بالحنّاء وكان خفيف العارضين.

стр. 1978

وقال أبو سعيد عبد الرحمن بن أحمد بن يونس: قدم مصر مع عبد الله بن العبّاس بن موسى الهاشميّ سنة تسع وتسعين ومائة، وأقام بمصر وحدّث بها بكتبه الفقهيّة، وكان كريما. وقال أبو بكر أحمد بن ثابت الخطيب: محمد بن إدريس بن عبّاس، أبو عبد الله، الشافعيّ، [١٣٠ ب] الإمام، زين الفقهاء، وتاج العلماء. ولد بغزّة من بلاد الشام- وقيل: باليمن- ونشأ بمكّة، وكتب العلم بها، وبمدينة الرسول ﷺ . وقدم بغداد مرّتين، وحدّث بها. وخرج إلى مصر فنزلها إلى حين وفاته. [نشأة الشافعيّ] وعن محمد بن عبد الله بن عبد الحكم: لمّا أن حملت أمّ الشافعيّ به، رأت كأنّ المشتري خرج من فرجها حتى انقضّ بمصر، ثمّ وقعت في كلّ بلد منه شظيّة، فتأوّل أصحاب الرؤيا أنّه يخرج منها عالم يخصّ علمه أهل مصر، ثمّ يتفرّق في سائر البلدان. وعن ابن [عبد] الحكم: قال لي محمد بن إدريس الشافعيّ: ولدت بغزّة سنة خمسين ومائة، وحملت إلى مكّة، وأنا ابن سنتين. وفي رواية: ولدت بغزّة، وحملتني أمّي إلى عسقلان. (قال): وأخبرني غيره عن الشافعيّ قال: لم يكن لي مال، فكنت أطلب العلم في الحداثة، أذهب إلى الديوان أستوهب منه الظهور (١) وأكتب فيها. وقال المزنيّ: ما رأيت وجها أحسن من وجه الشافعيّ، ولا رأيت لحية أحسن من لحيته. وكان ربّما قبض عليها فلا يفضل عن قبضته. ولقد سمعته يوما ينشد [الرجز]: قوم يرون النبل تطويل اللحى ... لا علم دين عندهم ولا تقى ربّوا صغارا ثمّ خلّوهم سدى ... بعرّة الجهل وآداب النسا فلو ترى شيخهم إذا احتبى ... ثمّ ابتدا في رخص سعر وغلا وقال الربيع: سمعت الشافعيّ يقول: كنت ألزم الرمي حتّى كان الطبيب يقول لي: أخاف أن يصيبك السلّ من كثرة وقوفك في الحرّ. (قال): وقال الشافعيّ: كنت أصيب من عشرة تسعة- أو نحوا ممّا قال. وقال عمرو بن سوّاد [السرحيّ] (٢): قال الشافعيّ: ولدت بعسقلان. فلمّا أتى عليّ سنتان حملتني أمّي إلى مكّة. وكانت نهمتي في شيئين: الرمي، وطلب العلم. فنلت من الرمي حتّى كنت أصيب من عشرة عشرة.- وسكت عن العلم- فقلت له: أنت والله في العلم أكبر منك في الرمي. وعن عبد الله بن وهب: سمعت محمد بن إدريس الشافعيّ يقول: ولدت باليمن، فخافت أمّي عليّ الضّيعة، فقالت: الحق بأهلك فتكون مثلهم، فإني أخاف أن تغلب على نسبك. فجهّزتني إلى مكّة، فقدمتها وأنا يومئذ ابن عشر أو شبيه ذلك. فصرت إلى نسب لي، وجعلت أطلب العلم، فيقول لي: «لا تشتغل بهذا وأقبل على ما ينفعك! »، فجعلت لذّتي في هذا العلم وطلبه حتّى رزقني الله ما رزق. [طلبه العلم] [١٢١ أ] وذكر الزبير بن سليمان القرشيّ عن الشافعيّ قال: طلبت هذا الأمر عن خفّة ذات يد.

стр. 1979

كنت أجالس الناس وأتحفّظ، ثمّ اشتهيت أن أدوّن. وكان منزلنا بمكّة بقرب شعب الخيف، فكنت آخذ العظام والأكتاف فأكتب، فبها امتلأ في دارنا من ذلك حبّان. وقال الحميديّ عن الشافعيّ: كنت يتيما في حجر أمّي، ولم يكن معها ما تعطي المعلّم. وكان المعلّم قد رضي منّي أن أخلفه إذا قام. فلمّا ختمت القرآن دخلت المسجد، وكنت أجالس العلماء، وأحفظ الحديث أو المسألة. وكان منزلنا بمكّة في شعب الخيف. فكنت انظر إلى العظم يلوح فأكتب فيه الحديث أو المسألة، وكانت لنا جرّة قديمة، فإذا امتلأ العظم طرحته في الجرّة. فقدم علينا والي اليمن فكلّمه بعض القرشيّين في أن أصحبه، ولم يكن عند أمّي ما تعطيني أتحمّل به فرهنت دارها على ستّة عشر دينارا ودفعتها إليّ، فتحمّلت بها مع والي اليمن. فلمّا وصلنا سالمين استعملني على عمل فحمدت فيه فزادني عملا آخر فحمدت فيه. ودخل العمّار مكّة فأحسنوا عليّ الثناء وأكثروا من المدح. فلمّا قدمت مكّة لقيت ابن أبي يحيى فسلّمت عليه، فقال لي: «تصنعون كذا وتفعلون كذا! » فتركته. ولقيت سفيان بن عيينة فسلّمت عليه فسلّم عليّ وقال لي: «قد بلغنا خبر ولايتك وحسن ما انتشر عنك، فاحمد الله وتمسّك بالعلم يرفعك الله وينفعك! »، فكان كلام سفيان أبلغ فيّ ممّا كلّمني به ابن أبي يحيى. ثمّ وليت بعد ذلك نجران، وكان بها قوم من بني الحارث وموالي ثقيف. فرفع إليّ الناس مظالم كثيرة، فجمعتهم وقلت لهم: اختاروا لي سبعة منكم، من عدّلوه كان عدلا مرضيّا، ومن جرّحوه كان مجروحا قصيّا. فاختاروا لي منهم سبعة، فجلست وأجلست السبعة بالقرب منّي. فكلّما شهد عندي شاهد بعثت إلى السبعة فإن عدّلوه كان عدلا وإن جرّحوه كان مجروحا. فلم أزل أفعل ذلك حتى أتيت على جميع من تظلّم إليّ، فكنت أكتب وأسجّل. فنظروا إلى حكم جار فقالوا: «إلى أيّ شيء تعمله؟ إنّ هذه الأموال (١) التي تحكم علينا فيها ليست لنا، إنّما هي في أيدينا لمنصور ابن المهديّ». فكتبت في أسفل الكتاب: وأقرّ فلان بن فلان الذي وقع عليه الحكم في هذا الكتاب أنّ الذي حكمت به عليه ليس له، وإنّما هو لمنصور بن المهديّ في يديه [١٢١ ب]، ومنصور ابن المهديّ على حجّته ما أقام. فلمّا نظروا إلى ذلك خرجوا إلى مكّة ووقعوا عليّ، ولم يزالوا يرفعون عليّ [حتّى] حملت إلى العراق، فقيل لي: «الزم الباب! ». فقلت: إلى من أجلس؟ إلى من أختلف؟ - وكان محمد بن الحسن جيّد المنزلة عند هارون الرشيد. فجالسته حتّى عرفت قوله، ووقعت منه موقعا، فلمّا عرف ذلك كان إذا قام هو ناظرت أصحابه واحتججت عليهم. فقال لي ذات يوم: بلغني يا محمّد أنّك تخالفني في الغصب؟ فقلت: إنّما هو من طريق المناظرة. فقال لي: لقد بلغني غير هذا، فناظرني! قلت: إنّي أجلّك عن المناظرة. قال: لا، فافعل! فلمّا رأيت ذلك قلت له: هات! [مناظرته مع محمد بن الحسن] قال: ما تقول في رجل اغتصب من رجل ساجة (٢) فبنى عليها بنيانا، فأنفق عليه ألف دينار،

стр. 1980

فجاء صاحب الساجة فأتى بشاهدين عدلين أنّها ساجته وأنّ هذا الرجل غصبه عليها؟ قلت: أقول لصاحب الساجة يرضى بأن يأخذ القيمة، فإن رضي دفعت إليه القيمة، وإن أبى قلعت البنيان من الساجة ودفعتها إليه. قال: أليس قال النبيّ ﷺ : لا ضرر ولا ضرار؟ فقلت له: من أدخل عليه الضرر؟ إنّما هو أدخل الضرر على نفسه. قال: فما تقول في رجل اغتصب من رجل خيط إبريسم فخاط به بطنه، فجاء صاحب الخيط فأقام البيّنة بشاهدين عدلين أنّ هذا الخيط خيطه، فإنّه اغتصبه عليه. أكنت تنزع الخيط من بطن هذا فتدفعه إليه؟ قلت: لا. فقال: الله أكبر! تركت قولك! ثمّ قال لي أصحابه: قد تركت قولك. فقلت لهم: لا تعجلوا. قال: فما تقول في رجل اغتصب من رجل لوحا، فأدخله في سفينة في لجج البحر، فأقام صاحب اللوح البيّنة بشاهدين عدلين أنّ هذا اللوح لوحه، وأنّه غصبه إيّاه؟ أكنت تنزع اللوح من السفينة وتدفعه إلى الرجل المحقّ؟ قلت: لا. قال: الله أكبر! تركت قولك- وقال أصحابه: تركت قولك! - فقلت لهم: مهلا، لا تعجلوا! ثمّ قلت له: ما تقول أنت لو كانت الساجة ساجته لم يغصب عليها أحدا، فأراد أن يهدم البنيان الذي قد أنفق عليه ألف دينار، كان ذلك له مباحا؟ قال: نعم. قلت: أرأيت لو كان الخيط خيط نفسه، ثمّ أراد أن ينزعه، أكان له نزع ذلك؟ قال: لا. قلت: رحمك الله، فلم تقيس على مباح محرّما؟ قال: فكيف تصنع بصاحب اللوح؟ قلت: آمره أن يقرب إلى أقرب [١٢٢ أ] المراسي إليه، مرسى لا يكون عليه ولا على أصحابه فيه هلكة، ثمّ أنزع اللوح فأدفعه لصاحبه وأقول لصاحب السفينة: أصلح سفينتك! ثمّ قلت له: ولكن ما تقول أنت في رجل اغتصب رجلا من الزّنج جارية فأولدها أولادا كلّهم قد قرأ القرآن، وخطب على الناس، وقضى بين المسلمين، ثمّ جاء صاحب الجارية فأقام البيّنة بشاهدين عدلين أنّ هذه جاريته وأنّه غصبه عليها وأولدها هؤلاء كلّهم. بم كنت تحكم في ذلك كلّه؟ قال: كنت أجعلهم رقيقا له وأردّ الجارية عليه. فقلت: أنشدك الله: أيّتهما أعظم ضررا: أن تجعل أولاد هؤلاء رقيقا أو تنزع البنيان من الساجة؟ (قال): فبقي، ولم يردّ عليّ جوابا. ثمّ إنّه بعد ذلك عرف حقّي وموضعي وقال بفضلي. وقال أبو زكريّا يحيى بن زكريا الساجي: حدّثنا الربيع قال: سمعت الشافعيّ يقول: كنت وأنا في الكتّاب أسمع المعلّم يلقّن الصبيّ الآية فأحفظ الآية أنا. ولقد كان يكتب الصبيان إملاءاتهم، فإلى أن يفرغ المعلّم من الإملاء عليهم [كنت] قد حفظت جميع ما أملى. فقال لي ذات يوم: ما يحلّ لي أن آخذ منك شيئا. (قال): ثمّ لمّا خرجت من الكتّاب، كنت ألتقط الخزف والرقوق وكرب

стр. 1981

النخل وأكتاف الجمال، وأكتب فيها الحديث، وأجيء إلى الدواوين فأستوهب منها الظهور، فأكتب فيها حتّى كان لأمّي حباب فملأتها أكتافا وخزفا. [إقامته عند هذيل ثمّ ذهابه إلى مالك] ثمّ إنّي خرجت من مكّة فلزمت هذيلا في البادية أتعلّم كلامها وآخذ طبعها- وكانت أفصح العرب- فبقيت فيهم سبع عشرة سنة أرتحل برحلتهم وأنزل بنزولهم. فلمّا أن رجعت إلى مكّة جعلت أنشد الأشعار وأذكر الآداب والأخبار وأيّام العرب. فمرّ بي رجل من بني عثمان من الزبيريّين، فقال: يا أبا عبد الله، عزّ عليّ أن لا يكون مع هذه اللغة وهذه الفصاحة وهذا الذكاء فقه، فتكون قد سدت أهل زمانك! (قال): فقلت: ومن بقي يقصد إليه؟ فقال لي: هذا مالك بن أنس سيّد المسلمين. (قال): فوقع في قلبي، فعدت إلى الموطّأ فاستعرته من رجل بمكّة فحفظته في تسع ليال ظاهرا. ثمّ دخلت إلى والي مكّة فأخذت كتابه إلى والي المدينة وإلى مالك بن أنس. فقدمت المدينة وأبلغت الكتاب إلى الوالي. فلمّا أن قرأه قال: والله يا فتى إنّ مشيي من جوف [١٢٢ ب] المدينة إلى جوف مكّة حافيا راجلا أهون عليّ من المشي إلى باب مالك بن أنس، فإنّي لست أرى الذلّ حتى أقف على بابه. فقلت: أصلح الله الأمير، إن رأى الأمير أن يوجّه إليه ليحضر؟ فقال: هيهات! ليتني إذا ركبت أنا ومن معي وأصابنا من تراب العقيق نلنا حاجتنا! فواعدته العصر، وركبنا جميعا، فو الله لقد كان كما قال: لقد أصابنا من تراب العقيق. (قال): فتقدّم رجل فقرع الباب فخرجت إلينا جارية سوداء، فقال لها الأمير: قولي لمولاك إنّي بالباب. فدخلت فأبطأت ثمّ خرجت، فقالت: إنّ مولاي يقرئك السلام ويقول: إن كانت مسألة فارفعها في رقعة نخرج إليه الجواب. وإن كان للحديث فقد عرفت يوم المجلس، فانصرف. فقال: قولي له: معي كتاب والي مكّة في حاجة مهمّة. فدخلت ثمّ خرجت، وفي يدها كرسيّ، فوضعته، ثمّ إذا بمالك قد خرج وعليه المهابة والوقار، وهو شيخ طوال مسنون (١) اللحية. فجلس وهو متطيلس، فدفع الوالي الكتاب فقرأه حتى إذا بلغ إلى مكان: «هذا رجل من أمره وحاله فتحدّثه وتفعل وتصنع»، رمى الكتاب من يده، وقال: يا سبحان الله! أو صار علم رسول الله ﷺ يؤخذ بالمسائل؟ (قال): فرأيت الوالي وقد تهيّبه أن يكلّمه. فتقدّمت إليه وقلت: أصلحك الله، إنّي رجل مطّلبيّ، ومن حالي ومن قصّتي ... فلمّا أن سمع كلامي نظر إليّ ساعة- وكان لمالك فراسة- فقال لي: ما اسمك؟ فقلت: محمد. فقال: يا محمّد، اتّق الله، واجتنب المعاصي، فإنّه سيكون لك شأن من الشأن- ثمّ قال: نعم، وكرامة! إذا كان غدا، تجيء، وتجيء بمن يقرأ لك الموطّأ. فقلت: فإنّي أقوم بالقراءة. فغدوت عليه وبدأت أقرؤه ظاهرا، والكتاب في يدي، فكلّما تهيّبت مالكا وأريد أن أقطع القراءة

стр. 1982

أعجبه حسن قراءتي وإعرابي، فيقول لي: بالله يا فتى، زد! حتّى قرأته في أيّام يسيرة. ثمّ أقمت بالمدينة إلى أن توفّي مالك بن أنس. [ترحيله من اليمن إلى بغداد بتهمة التشيّع] ثمّ خرجت إلى اليمن وأقمت بها، وارتفع لي بها الشأن. وكان بها وال من قبل هارون الرشيد، وكان ظلوما غشوما، فكنت ربّما آخذ على يده وأمنعه من الظلم. وكان باليمن شيعة من العلويّة قد تحرّكوا. فكتب والي هارون إلى هارون: إنّ هنا شيعة من العلويّة قد تحرّكوا، وإنّي أخاف أن يخرجوا، وههنا [١٢٣ أ] رجل من ولد شافع بن عبد المطّلب لا أمر لي معه ولا نهي. فكتب إليه هارون أن احمل هؤلاء واحمل الشافعيّ معهم! (قال): فاقترنت معهم، فلمّا أن قدمنا على هارون- قال الشافعيّ: فحدّثني بعض أصحابنا من أهل العلم عن محمد بن زياد المدنيّ، وكان نديم مجلس هارون، فقال: كنت جالسا عند هارون حين أدخل عليه الطالبيّون والشافعيّ، وعنده محمد بن الحسن. فدعا هارون بالنطع والسيف لضرب رقاب العلويّة. (قال): ثمّ التفت محمد بن الحسن فقال: يا أمير المؤمنين، هذا المطّلبيّ لا يغلبنّك بفصاحته ولسانه، فإنّه رجل لسن. (قال): فقلت: يا أمير المؤمنين، فإنّك الداعي، وأنا المجيب الدعاء، إنّك القادر على ما تريد منّي، ولست القادر على ما أريد منك، يا أمير المؤمنين، ما تقول في رجلين، أحدهما يراني أخاه، والآخر يراني عبده، أيّهما أحبّ إليّ؟ قال: الذي يراك أخاه. قلت: كذلك أنت يا أمير المؤمنين. فقال: كيف ذلك؟ قلت: يا أمير المؤمنين، إنّكم ولد العبّاس، ونحن بنو المطّلب، تروننا إخوانكم. وولد عليّ هم يروننا عبيدهم. (قال): فسرّي عليه ما كان به، واستوى جالسا وقال: يا ابن إدريس، كيف علمك بالقرآن؟ فقلت: يا أمير المؤمنين، عن أيّ علومه تسألني؟ عن حفظه؟ فقد حفظته ووعيته في جنبيّ، وعرفت وقفه وابتداءه، ومكيّه ومدنيّه، وكوفيّه وبصريّه، وقد عرفت ناسخه ومنسوخه، وليليه ونهاريّة، ووحشيّه وإنسيّة، وسهليّة وجبليّه، وما خوطب من العامّ يريد به الخاصّ، وما خوطب من الخاصّ يريد به العامّ. فقال: والله يا ابن إدريس، لقد ادّعيت، فكيف علمك بالنجوم؟ فقلت: إنّي لأعرف منها ما أهتدي به في برّي وبحري، وما أستدلّ به على أوقات صلواتي في كلّ ممسى ومصبح. قال: فكيف علمك بأنساب العرب؟ فقلت: إنّي لأعرف أنساب اللئام، وأنساب الكرام، ونسبي ونسب أمير المؤمنين. فقال: والله لقد ادّعيت علما، فهل من موعظة تعظ بها؟ فذكرت موعظة لطاوس اليمنيّ، فوعظته بها فبكى. ثمّ أمر لي بخمسين ألفا، وحملت على فرس، وركبت بين يديه وخرجت، فما وصلت الباب حتّى فرّقت الخمسين ألفا على حجبة أمير المؤمنين وبوّابيه. فلحقني هرثمة بن أعين- وكان صاحب هارون- بعشرين ألفا، فقال: خذ هذه واقبلها منّي! فقلت له: إنّي لا آخذ العطيّة [١٢٣ ب] ممّن هو دوني، وإنّما آخذها ممّن هو فوقي (١). (قال): فوجد في نفسه، وخرجت كما أنا حتّى

стр. 1983

جئت إلى منزلي. ووجّهت إلى كاتب محمد بن الحسن بمائة دينار وقلت له: اجمع لي الورّاقين الليلة على كتب محمد بن الحسن وانسخها لي ووجّه بها إليّ. فكتبت لي في ليلة ووجّه بها إليّ. [تعريض الشيبانيّ بأهل الحديث وتصدّي الشافعيّ له] ثمّ إنّا دخلنا في مجلس أنا ومحمد بن الحسن على هارون، وكان موضع على باب هارون يجلس فيه القضاة والأشراف ووجوه الناس إلى أن يؤذن لهم. فاجتمعنا في ذلك المكان، وفيه جماعة من بني هاشم وقريش والأنصار. (قال): والخلق يعظّمون محمد بن الحسن لقربه من أمير المؤمنين وتمكّنه منه. فاندفع يعرّض بي ويذمّ أهل المدينة فقال: من أهل المدينة؟ وإيش يحسنون، أهل المدينة؟ والله لقد وضعت كتابا على أهل المدينة كلّها لا يخالفني فيه أحد، ولو علمت أنّ أحدا يخالفني في كتابي هذا تبلغني إليه الرواحل، لضربت إليه حتى أردّ عليه. قال الشافعيّ: قلت في نفسي: إن أنا سكتّ نكست رءوس من ههنا من بني هاشم وقريش، وإن أنا رددت عليه أسخطت عليّ السلطان. ثمّ إنّي استخرت الله تعالى في الردّ عليه فتقدّمت إليه فقلت: أصلحك الله، طعنك على أهل المدينة، وذمّك أهل المدينة، إن كنت أردت رجلا واحدا، وهو مالك بن أنس، فهلّا ذكرت ذلك الرجل بعينه ولم تطعن وتذمّ أهل حرم الله وحرم رسوله، وكلّهم على خلاف ما ادّعيت؟ وأمّا كتابك الذي ادعيت أنّك وضعته على أهل المدينة فكتابك من بعد «باسم الله الرحمن الرحيم»، خطأ إلى آخره: قلت في مسألة كذا: كذا، وهو خطأ، وقلت في مسائل الحامل كذا وكذا، وهو خطأ، وقلت في شهادة القابلة كذا وكذا، وهو خطأ. (قال): فاصفرّ محمد بن الحسن ولم يحر جوابا. وكتب أصحاب الأخبار إلى هارون بما كان، فقال: ماذا ينكر لرجل من ولد المطّلب أن يقطع مثل محمّد بن الحسن؟ (قال): فعارضني رجل في المجلس من أصحابه، فقال لي: ما تقول في رجل دخل إلى حقول رجل فرأى بطّة فرماها ففقأ عينها؟ ماذا يجب عليه؟ قلت: ينظر إلى قيمتها وهي صحيحة، وقيمتها وقد ذهبت عينها فيغرم ما بين القيمتين. ولكن، ما تقول أنت وصاحبك في محرم نظر إلى فرج امرأة فأنزل؟ (قال): - ولم يكن لمحمّد حذاقة بالمناسك- فصاح به محمّد وقال: ألم أقل لك: لا [١٢٤ أ] تسأله؟ (قال): ثمّ إنّا دخلنا على هارون، فلمّا استوينا بين يديه، قال لي محمد بن الحسن: يا أبا عبد الله، تسأل أم أسألك؟ فقلت: ذاك إليك. فقال: خبّرني عن صلاة الخوف، أواجبة هي؟ قلت: نعم. قال: ولم؟ قلت: يقول الله تعالى: وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ ... الآية [النساء: ١٠٢]. قال: ما تنكر من قائل قال لك: إنّما الله أمر نبيّه ﷺ [وهو] فيهم، فلمّا زال عنهم النبيّ ﷺ زالت عنهم تلك الصلاة. قلت: وكذلك قال الله تعالى لنبيّه ﷺ : خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً ... [التوبة: ١٠٣]، فلمّا أن زال عنهم النبيّ ﷺ زالت عنهم الصدقة! ؟

стр. 1984

قال: لا. قلت: ما الفرق بينهما، والنبيّ ﷺ المأمور فيهما جميعا؟ (قال): فسكت. ثمّ قال: يا أهل المدينة، ما أجرأكم على كتاب الله ! فقلت: أجرأ منّا على كتاب الله من يخالفه. فقال: الله تعالى يقول: وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ [الطلاق: ٢]، فقلتم أنتم: نقضي باليمين مع الشاهد. فقلت: لكنّا نقول بما قال الله ونقضي بما قضى به رسول الله ﷺ ، ولكنّك أنت خالفت قضاء رسول الله ﷺ . قال: فأين؟ قلت: في قصّة حويصة ومحيصة وعبد الرحمن حين قال لهم النبيّ ﷺ في قصّة القتيل: أفتحلفون وتستحقّون دم صاحبكم؟ - قالوا: لم نشهد ولم نعاين قال: فتخلفه لكم يهود- فلمّا أن نكلوا عن اليمين، ردّ اليمين على اليهود. فقال: إنّما كان ذلك استفهام [ا] من رسول الله ﷺ ، استفهم من اليهود. فقلت: يا أمير المؤمنين، هذا بحضرتك يزعم أنّ رسول الله ﷺ استفهم من اليهود! فقال هارون: ثكلتك أمّك يا ابن حسن! رسول الله ﷺ يستفهم من اليهود؟ نطع وسيف! (قال): فلمّا رأيت الحدّ من هارون، قلت: يا أمير المؤمنين، إنّ الخصمين إذا اجتمعا تكلّم كلّ واحد منهما بما لا يعتقده ليقطع به صاحبه. وما أرى محمّدا أراد بهذا نقصا لرسول الله ﷺ . فسرّيت عنه، ثمّ ركبنا وخرجنا من الدار. فقال لي: يا أبا عبد الله، فعلتها! فقلت: فكيف رأيتها بعد ذلك؟ [إيثاره طلب العلم على طلب الشعر والأدب] وفي رواية عن الشافعيّ أنّه قال: كنت امرأ أكتب الشعر فآتي البوادي فأسمع منهم، فقدمت [١٢٤ ب] مكّة، ثمّ خرجت وأنا أتمثّل شعر لبيد، فجذبني رجل من ورائي من الحجبة (١)، وحشّ قدمي بالسّوط فقال لي: رجل من قريش، ثمّ من بني المطّلب، رضي من دنياه ودينه أن يكون معلّما؟ ما الشعر؟ يا هذا إذا استحكمت فيه وبلغت الغاية كنت معلّما. تفقّه يرحمك الله يعلك ويرفعك وينفعك! (قال): فنفعني الله بكلام ذلك الحجبيّ، فرجعت إلى مكّة فكتبت من ابن عيينة ما شاء الله أن أكتب. ثمّ إنّني كنت أجالس مسلم بن خالد الزنجيّ، ثمّ قدمت على أبي عبد الله مالك بن أنس، فكتبت موطّأه، ثمّ قلت: يا أبا عبد الله، أقرأ عليك؟ فقال لي: يا ابن أخي، تأتي برجل يقرؤه عليّ وتسمع. فقلت له: أنا أقرؤه عليك. فسمع إلى قراءتي فقال لي: اقرأ! فلمّا سمع قراءتي وأصغى إلى كلامي، أعجبه ذلك، فلم يزل يقول لي: «اقرأ! »، فقرأت عليه كتبه حتّى إذا بلغت كتاب السّير، قال: الصلاة! فانتبهت. ثمّ قال لي: يا ابن أخي، تفقّه تعل!

стр. 1985

تفقّه يرفعك الله في الدنيا والآخرة. واعلم يا ابن أخي أنّ العلم لا يحتمل الدنس. وفّقك الله! أرشدك الله! سدّدك الله! (قال): فمضيت إلى أبي مصعب ابن عبد الله فكلّمته وسألته أن يكلّم لي بعض أهلنا- رجلا من قريش أسميته له- أن يدفع إليّ شيئا من دنياه، فإنّه كان بي من الفقر والفاقة ما الله به عليم. فقال لي أبو مصعب: أتيت الرجل وكلّمته في بابك، فقال: أتكلّمني في رجل كان منّا فخالفنا؟ - فلم أدعه حتّى أعطاني مائة دينار، وهذه [هي]! - فدفعها أبو مصعب لي، ثمّ قال أبو مصعب: إنّ أمير المؤمنين هارون الرشيد، أصلحه الله، قد كتب إليّ أن أصير إلى اليمن قاضيا، فتخرج معي، فلعلّ الله أن يعوّضك ما أملت من هذا الرجل وأكثر. [رواية أخرى في محنته ومناظرته ببغداد] (قال): فخرج أبو مصعب قاضيا على اليمن وخرجت معه. فلمّا صرنا باليمن وجالسنا الناس كتب مطرّف بن مازن إلى أمير المؤمنين: إن أردت يا أمير المؤمنين، أصلحك الله، اليمن، وأردت أن لا يخرج عن يدك، فأخرج عنها محمد بن إدريس- وذكر معي أقواما من الطالبيّين. فكتب أمير المؤمنين هارون إلى حمّاد البربريّ أن اقبض على محمد بن إدريس وأوثقه بالحديد وأنفذه إليّ إن شاء الله! فأخذني حمّاد وثقّلني بالحديد، ولم يكن لأبي مصعب حيلة في أمري. فلم أزل مثقلا بالحديد من اليمن إلى أن قدمت على أمير المؤمنين، وهو إذ ذاك [١٢٥ أ] بالرقّة، فأدخلت عليه، وأخرجت من عنده، وكان قد تبقّى معي من تلك الدنانير نحو من خمسين دينارا. وكان محمد بن الحسن يومئذ بالرقّة. فأنفقت تلك الدنانير على كتبهم. (قال): فوجدت مثلهم ومثل كتبهم كمثل رجل كان عندنا يقال له فروج، وكان يحمل دهنا يبيعه في زقّ له، وكان إذا قيل له: عندك برسيان؟ قال: نعم- عندك زنبق؟ قال: نعم- عندك خيريّ (١)؟ قال: نعم، فإذا قيل: أرنا منه- وكان للزقّ رءوس كثيرة- يخرج لهم من تلك الرءوس، وإنّما هو دهن واحد: وكذلك وجدت كتبهم، إنّما يقولون: كتاب الله وسنّة نبيّه ﷺ وهم يخالفون الله ويخالفون الرسول. (قال): وسمعت محمد بن الحسن، وأنا من أشدّ الناس غمّا، وهو يقول لأصحابه: إن تابعكم محمد بن إدريس، فما عليكم من حجازيّ بعده كلفة. فجئت يوما فجلست إلى محمد بن الحسن، وأنا من أشدّ الناس همّا وغمّا، وقلقا وأرقا من سخط أمير المؤمنين عليّ، وأخرى أنّ زادي قد فني والدراهم التي كانت معي أنفقتها على كتبهم. فلمّا أن جلست إليه وبصرني، أقبل يطعن على دار الهجرة. فقلت: على من تطعن؟ أعلى البلد أم على أهله؟ فو الله لئن طعنت على أهله، فإنّما تطعن على مثل أبي بكر وعمر والمهاجرين والأنصار ﵃. وإن طعنت على البلد، فإنّما تطعن على بلدته التي دعا رسول الله ﷺ أن يبارك الله لهم في صاعهم ومدّهم، وحرّمها رسول الله ﷺ كما حرّم إبراهيم مكّة، لا يقتل صيدها. فعلى أيّهما تطعن؟ فقال لي: معاذ الله أن أطعن على أحد منهم أو على بلدته، وإنما أطعن على حكم من أحكامهم. قلت: وما هو؟

стр. 1986

قال: اليمين مع الشاهد. قلت: ولم طعنت عليهم؟ قال: لأنّه مخالف لكتاب الله . فقلت له: أفكلّ خبر يأتيك مخالفا لكتاب الله تسقطه؟ فقال لي: كذا يجب. فقلت له: فما تقول في الوصيّة للوالدين والأقربين؟ ففكّر ساعة. فقلت: أجب! فقال: لا تجب. فقلت له: فهذا مخالف لكتاب الله. ثمّ قلت له: لم لا تجب؟ قال: لأنّ رسول الله ﷺ قال: لا وصيّة لوارث. فقلت له: أخبرني عن الشاهدين، أهما حتم من الله تعالى؟ فقال: ما تريد بهذا؟ قلت: لأنّك زعمت أنّ الشاهدين حتم من الله تعالى، لا غير. وكان ينبغي لك أن تقول: إذا زنى زان فشهد عليه شاهدان [١٢٥ ب] إن كان محصنا رجمته، وإن كان غير محصن جلتده. قال لي: فإن قلت لك: ليس هما حتم [ا] من الله؟ قلت له: فإذا لم يكونا حتما من الله، ينزّل كلّ حكم منزلته: ففي الزنا أربع [ة]، وفي غيره شاهدان، [وفي غيره] رجل وامرأتان، وإنّما في القتل لا يجوز إلّا شاهدان. فلمّا رأيت قتلا وقتلا، أعني شهادة الزنا وشهادة القتل، فكان هذا قتل [ا] وهذا قتل، غير أنّ أحكامهما مختلفة. فكذلك كلّ حكم أنزل حيث أنزل الله: فمنها بأربع، ومنها بشاهدين، ومنها بشاهد وامرأتين، ومنها بشاهد ويمين. وأنت قد تحكم بدون هذا. فقال لي: وأين أحكم بدون هذا؟ قلت له: ما تقول في الرجل والمرأة إذا اختلفا في متاع البيت؟ فقال: أصحابي يقولون فيه: ما كان للرجال فهو للرجل، وما كان للنساء، فهو للمرأة. فقلت له: أبكتاب الله تعالى قلت هذا، أو بسنّة رسوله ﷺ ؟ ثمّ قلت له: ما تقول في الرجلين إذا اختلفا في الحائط؟ فقال: من قول أصحابنا أنّه إذا لم يكن لهما بيّنة ينظر إلى العقد، من أين هو البناء، فأحكم لصاحبه به. فقلت له: أفبكتاب الله هذا قلت أم بسنّة رسول الله ﷺ ؟ ثمّ قلت له: فما تقول في رجلين يكون بينهما خصّ فيختلفان فيه: لمن تحكم به إذا لم تكن لهما بيّنة؟ قال لي: انظر إلى معاقده من أيّ وجه هي، فأحكم له. فقلت له: أفبكتاب الله قلت هذا أم بسنّة رسول الله ﷺ ؟ ثمّ قلت له: ما تقول في ولادة المرأة إذا لم تحضرها إلّا امرأة واحدة، هي القابلة، ولم يكن ثمّ غيرها؟ فقال لي: الشهادة جائزة، شهادة القابلة وحدها نقبلها. فقلت له: أفبكتاب الله قلت هذا أم بسنّة رسول الله ﷺ ؟

стр. 1987

ثمّ قلت له: من كانت هذه أحكامه فليس من سبيله أن ينكر على غيره. فبقي متعجّبا، فقلت له: أتعجب من حكم حكم به رسول الله ﷺ وحكم به أبو بكر، وحكم به عمر، وحكم به عليّ بن أبي طالب بالعراق، وقضى به شريح؟ (قال): ورجل من ورائي يكتب ألفاظي وأنا لا أعلم به. ثمّ إنّه أدخل ما كتب من كلامي وألفاظي على أمير المؤمنين هارون الرشيد وقرأه عليه. فقال لي هرثمة بن أعين: وكان متكئا فاستوى جالسا وقال: اقرأه عليّ ثانية- فقرأه عليه، فأنشأ أمير المؤمنين يقول: صدق الله ورسوله [١٢٦ أ] حتى قالها ثلاث مرّات. ثمّ قال: قال رسول الله ﷺ : «تعلّموا من قريش ولا تعلّموها، قدّموا قريشا ولا تؤخّروها»، ما أنكر أن يكون محمد بن إدريس أعلم من محمّد بن الحسن؟ (قال): ثمّ إنّه رضي عنّي وأمر لي بألف دينار. فخرج هرثمة فقال لي- بالسوط هكذا (١) - فتبعته فحدّثني بالقصّة كلّها، وقال لي: قد أمر لك أمير المؤمنين، أطال الله بقاءه، بألف دينار، وقد أضفت إليها مثلها غير خمسين دينارا، فإنّ أمير المؤمنين لا يساوي في جائزته. (قال): فو الله ما ملكت قبلها مثل هذا المال قطّ، وكان أوّل مال كثير ملكته، وكنت رجلا أتشيّع فوقاني الله على يدي أبي مصعب. فلمّا كان بعد ذلك جلست إلى محمد بن الحسن [ ... ] تجاهه، ومعي جزء انظر فيه فقال لي: أرني في أيّ شيء تنظر- فلم أره، فتناول القلم والقرطاس وكتب إليّ [الرجز]: فقل لمن لم ير عيبا من رآه مثله ... ومن كان قد رآه قد رأى من قبله (٢) العلم ينهى أهله أن يمنعوه أهله ... لعلّه يبذله لأهله لعلّه فلمّا قرأت هذه الأبيات دفعت الجزء إليه. [أسانيد الشافعيّ مدنيّة صحيحة] وقال محمد بن عبد الله بن عبد الحكم: ثنا الشافعيّ ثنا إسماعيل بن عبد الله بن قسطنطين بمكّة قال: قرأت على شبل بن عبّاد. وأخبر شبل أنّه قرأ على عبد الله بن كثير. وأخبر عبد الله بن كثير أنّه قرأ على مجاهد، وأخبر مجاهد أنّه قرأ على عبد الله بن عبّاس. وأخبر عبد الله بن عبّاس أنّه قرأ على أبيّ بن كعب. وقرأ أبيّ بن كعب على رسول الله ﷺ . قال الشافعيّ: وقرأت على إسماعيل [بن عبد الله] بن قسطنطين. وكان يقول: القرآن اسم، وليس بمهموز، ولم يؤخذ من «قرأت» - يعني: ولو أخذ من قرأت كان كلّ ما قرئ قرآنا. ولكنّه اسم للقرآن مثل التوراة والإنجيل. وكان يهمز قرأت ولا يهمز القرآن، وكان يقول: وإذا قرأت القرآن. وعن المزني: سمعت الشافعيّ يقول: حفظت القرآن وأنا ابن سبع سنين. وحفظت الموطّأ وأنا ابن عشر سنين. وعن حرملة: سمعت الشافعيّ يقول: أتيت مالك بن أنس وأنا ابن ثلاث عشرة سنة، وكان ابن عمّ لي والي المدينة، فكلّم لي مالكا فأتيته لأقرأ عليه فقال: اطلب من يقرأ لك. فقلت: أنا أقرأ. فقال: اطلب من [١٢٦ ب] يقرأ لك. فقلت: أنا أقرأ. (قال): فقرأت عليه، وربّما قال لشيء قد مرّ: أعد حديث كذا- فأعيده حفظا. فكأنّه أعجبه. ثمّ سألته عن مسألة فأجابني، ثمّ عن أخرى، ثمّ

стр. 1988

أخرى، فقال: أنت تحبّ أن تكون قاضيا! وقال أحمد بن حنبل: قال لي الشافعيّ: قرأت على مالك، وكان تعجبه قراءتي- قال أحمد: لأنّه كان فصيحا. وعن عمرو بن سواد: سمعت الشافعيّ يقول: تمنّيت من الدنيا شيئين: العلم والرّمي. فأمّا الرمي، فإنّي أصيب من عشرة عشرة. والعلم، فما ترون. وعن أبي عبيد القاسم بن سلّام: رأيت الشافعيّ عند محمد بن الحسن، وقد دفع إليه خمسين دينارا- وكان قد دفع إليه قبل هذا خمسين درهما، وقال: إن اشتهيت فالزم- ثمّ دفع إليه هذه الدنانير ولزمه الشافعيّ. (قال أبو عبيد): سمعت الشافعيّ يقول: «كنت كتبت عن محمد بن الحسن وقر بعير»، وسمعته يقول لمحمّد بن الحسن وقد دفع إليه الدنانير بعد الخمسين درهما، فقال له: لا تحتشم! فقال: ما أنت عندي في موضع أحتشمك. وجرى ذكر الشراب. فقال الشافعيّ: الحمد لله! لو علمت أنّ الماء البارد يضرّ مروءتي في ديني لما شربت إلّا الماء الحارّ حتى ألقى الله. ولو كنت عندي من أحتشمك، ما قبلت برّك. وعن أحمد بن أبي سريج: سمعت الشافعيّ يقول: أنفقت على كتب محمد بن الحسن ستّين دينارا. ثمّ تدبّرتها فوضعت إلى جنب كلّ مسألة حديثا، يعني ردّا عليه. [معرفته بالعربيّة والأخبار] وعن أحمد بن محمد، ابن بنت الشافعيّ: حدّثني أبي وعمّي- أو أحدهما- أنّ محمد بن إدريس الشافعيّ أقام في بطون العرب عشرين سنة يأخذ لغاتها وأخبارها وأشعارها. [وجاء] عن الشافعيّ: أقمت في بطون العرب عشرين سنة آخذ أشعارها ولغاتها، وحفظت القرآن. فما علمت أنّه مرّ لي جزء إلّا وعلمت المعنى فيه والمراد، ما خلا حرفين، أحدهما «دسّاها». وعن ابن بنت الشافعيّ: سمعت أبي يقول: أقام الشافعيّ على العربيّة، وأيّام الناس، عشرين سنة. فقلنا له في ذلك فقال: ما أردت بهذا إلّا الاستعانة على الفقه. وقال مصعب بن عبد الله الزبيريّ: قرأ عليّ الشافعيّ أشعار هذيل حفظا. ثمّ قال لي: لا تخبر بهذا أهل الحديث، فإنّهم لا يحتملون هذا- وكان الشافعيّ يسير مع أبي من أوّل الليل حتّى الصباح ولا ينامان. (قال): وكان الشافعيّ في ابتداء [١٤٧ أ] أمره يطلب الشعر وأيّام الناس والأدب. ثمّ أخذ في طلب الفقه بعد. وكان سبب أخذه للفقه أنّه كان يوما يسير على دابّة له، وخلفه كاتب لأبي، فتمثّل الشافعيّ ببيت شعر، فقرعه كاتب أبي بسوطه وقال له: مثلك يذهب بمروءته في مثل هذا؟ أين أنت عن الفقه؟ - فهزّه ذلك فقصد لمجالسة الربعي بن خالد مفتى مكّة. ثمّ قدم علينا فلزم مالك بن أنس. وذكر الربيع بن سليمان عن الشافعيّ قال: كنت في مجلس ببغداد فرأيت في المنام كأنّ عليّا ﵁ دخل عليّ فنزع خاتمه من يده وجعله في يدي. فلمّا كان غد، دعوت بجعد المعبّر فعبّرها وقال: إن صدقت رؤياك، لم يبق من المشرق والمغرب موضع إلّا ذكرت فيه وعمل بقولك فيه. وقال المزني: سمعت الشافعي يقول: رأيت عليّ بن أبي طالب ﵁ في النوم، فسلّم

стр. 1989

عليّ وصافحني وخلع خاتمه فجعله في إصبعي. وكان لي عمّ ففسّرها لي وقال: فأمّا مصافحتك لعليّ [ف] أمان من العذاب. وأمّا خلعه لخاتمه فجعله في إصبعك فسيبلغ اسمك ما بلغه اسم عليّ في الشرق والغرب. (قال الربيع): والله لقد فشا ذكر الشافعيّ في الناس بالعلم، كما فشا ذكر عليّ بن أبي طالب ﵁. وقال ابن أبي حاتم: حدّثنا أحمد بن عثمان النحويّ النّسويّ قال: سمعنا أبا محمد قريب الشافعيّ يقول: سمعت إبراهيم بن محمد الشافعيّ يقول: حبس الشافعيّ مع قوم من الشيعة بسبب التشيّع، فوجّه إليّ يوما فقال: ادع لي فلانا المعبّر فدعوته فقال: رأيت البارحة كأنّي مصلوب على قناة مع عليّ بن أبي طالب. فقال له: إن صدقت رؤياك شهرت وذكرت وانتشر أمرك. (قال): ثمّ حمل إلى الرشيد معهم، فكلّمه ببعض ما خلبه به فخلّى عنه. وعن هارون بن سعيد الأيلي: قال لنا الشافعيّ: أخذت اللبان سنة للحفظ، فأعقبني صبّ الدم سنة. [ثناء العلماء عليه] وعن عبد الرحمن بن مهديّ: سمعت مالكا يقول: ما يأتيني قرشيّ أفهم من هذا الفتى- يعني الشافعيّ-. وعن عمرو بن عبّاس: سمعت عبد الرحمن بن مهديّ- وذكر الشافعيّ- فقال: كان شابّا فهما- وفي رواية: قيل لعبد الرحمن بن مهديّ: إنّ الشافعيّ لا يورث المرتدّ. فقال: الشافعيّ شابّ مفهم، لأنّ النبيّ ﷺ قال: لا يتوارث أهل ملّتين. وقال هلال بن العلاء: الشافعيّ أصحاب الحديث عيال عليه، فتح لهم الأقفال. وقال أبو عبيد [١٤٧ ب] القاسم بن سلّام: ما رأيت قطّ رجلا أعقل ولا أورع ولا أفصح من الشافعيّ. وقال يونس بن عبد الأعلى: ما رأيت أحدا أعقل من الشافعيّ، ولو جمعت أمّة فجعلت في عقل الشافعيّ، لوسعهم عقله. (قال): وناظرت الشافعيّ يوما في مسألة فافترقنا. ولقيني فأخذ بيدي وقال لي: يا أبا موسى، [أ] لا يستقيم أن نكون إخوانا وإن لم نتّفق في مسألة؟ وعن أبي عبد الله الصاغانيّ: سألت يحيى بن أكثم عن أبي عبيد القاسم بن سلّام والشافعيّ: أيّهما أعلم عندك؟ فقال: أبو عبيد كان يأتينا ههنا كثيرا، وكان رجلا إذا ساعدته الكتب كان حسن التصنيف من الكتب ويزيّنها بحسن ألفاظه لاقتداره على العربيّة. وأمّا الشافعيّ، فقد كان عند محمد بن الحسن كبيرا في المناظرة: فكان رجلا قرشيّ العقل والفهم والذهن صافي العقل والفهم والدماغ سريع الإصابة، ولو كان أكثر سماعا للحديث لاستغنت أمّة محمد ﷺ به عن غيره من الفقهاء. وعن الربيع: لو وزن عقل الشافعيّ بنصف عقل أهل الأرض لرجح بهم، ولو كان في بني إسرائيل، لاحتاجوا إليه. وعن معمّر بن شبيب: سمعت المأمون يقول: قد امتحنت محمد بن إدريس في كلّ شيء فوجدته كاملا. وقال المزنيّ: قال لي الشافعيّ: حضرت مالك بن أنس وأنا أسمع منه الحديث، ولي دون الأربع عشرة سنة. فجاءه رجل فوقف عليه ثمّ قال: إنّي رجل أبيع القماريّ، فبعت قمريّا على

стр. 1990

هذا فردّه إليّ وقال: ما له صوت، فحلفت بالطلاق أنّه لا يسكت. فقال: أو سكت؟ قال: نعم. قال: أنت حانث. (قال الشافعيّ): فتبعته فقلت له: يا رجل، كيف حلفت؟ قال: حلفت بما سمعت. فقلت: صياحه أكثر أم سكوته؟ قال: صياحه. فقلت: مرّ، فإنّ امرأتك لك حلال. قال: فما أصنع، وقد أفتاني مالك بما أفتى؟ [فقلت: ] عد إليه فقل له: إنّ في مجلسك من أفتاني بأنّ امرأتي لي حلال، وأومئ إليّ ودعني وإيّاه. ورجع ورجعت وجلست فيما بين الناس. فقال له: إن رأيت أن تنظر في يميني؟ قال: أليس قد أفتيناك بأنّك حانث؟ فقال: في مجلسك من أفتاني بأنّ امرأتي هي لي حلال. قال: في مجلسي؟ قال: نعم. قال: ومن هو؟ فأومأ إليّ، فقال لي مالك: أنت أفتيته بذلك؟ قلت: نعم. قال: ولماذا أفتيته بذلك؟ فقلت له: سمعتك تروي عن نافع عن ابن عمر أنّ رسول الله ﷺ قال لفاطمة بنت قيس: «إذا [١٤٨ أ] حللت فآذنيني»، فلمّا حلّت قالت له: «وقد خطبني معاوية وأبو جهم». فقال: «أمّا معاوية فصعلوك لا مال له. وأمّا أبو جهم، فلا يضع عصاه عن عاتقه». وعلم رسول الله ﷺ أنّ أبا جهم يضع عصاه عن عاتقه ويتصرّف في أموره. وإنّما نسب إلى ضرب النساء فذكر أنّه لا يضع عصاه عن عاتقه، وحمله على الأغلب من أمره. وإنّي سألته فقلت: «سكوته أكثر أم صياحه؟ » فقال: «صياحه»، فأفتيته بذلك. (قال): فتبسّم مالك وقال: القول قولك. ثمّ نظرني عبد الملك- يعني ابن جريج- فضرب بيده بين منكبيّ وقال: أفت، فقد آن لك أن تفتي! كذا وقع في هذه الرواية قول الشافعيّ لمالك: سمعتك تروي عن نافع عن ابن عمر [ ... ] فذكره. وهذا الحديث إنّما رواه مالك في الموطّإ عن عبد الله بن يزيد مولى الأسود بن سفيان عن أبي سلمة ابن عبد الرحمن عن فاطمة، وكذا هو في مسلم. [درايته بمشتبه الحديث] وعن يونس: سمعت سفيان بن عيينة يقول للشافعيّ: يا أبا عبد الله، ما معنى قول النبيّ ﷺ : «أقرّوا الطير في مكناتها»؟ (١). فقال: يا أبا محمّد، كان الرجل من العرب إذا أراد سفرا أخذ معه طيرا، فإن أخذ الطبر ذات اليمين، مضى في سفره. وإن أخذ ذات الشمال رجع. وكان ابن عيينة قبل أن يسمع هذا من الشافعيّ، إذا سئل أجاب عن صيد الليل. فرجع سفيان إلى تأويل الشافعيّ.

стр. 1991

وفي رواية: سأل إنسان يونس بن عبد الأعلى عن معنى قول النبيّ ﷺ : «أقرّوا الطير في مكناتها»، فقال: إنّ الله يحبّ الحقّ. إنّ الشافعيّ قال: كان الرجل في الجاهليّة إذا أراد الحاجة أتى الطير في وكره فنفره، فإن أخذ ذات اليمين مضى لحاجته، وإن أخذ ذات الشمال رجع. فنهى رسول الله ﷺ عن ذلك. (قال): وكان الشافعيّ نسيج وحده في ننهذه المعاني. وقال محمد بن مهاجر: سألت وكيعا عن تفسير هذا الحديث، فقال: هو صيد الليل. فذكرت قول الشافعيّ، فاستحسنه، وقال: ما كنّا نظنّه إلّا صيد اللّيل. وقيل: يعني: أقرّوها على بيضها، على أنّه مستعار من الضبّة، لأنّ المكن ليس للطير (١). وعن إبراهيم بن محمد الشافعيّ قال: كنّا في مجلس ل [ابن] عيينة والشافعيّ حاضر، فحدّث ابن عيينة عن الزهريّ عن عليّ بن الحسين أنّ النبيّ ﷺ [١٤٨ ب] مرّ به رجل في بعض الليل وهو مع امرأته صفيّة فقال: «تعال! هذه امرأتي صفيّة! » فقال: «سبحان الله يا رسول الله! » فقال: «إنّ الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم» (٢). فقال ابن عيينة للشافعيّ: ما فقه هذا الحديث يا أبا عبد الله؟ فقال: إن كان القوم اتّهموا النبيّ ﷺ كانوا بتهمتهم إيّاه كفّارا. لكنّ النبيّ ﷺ أدّب من بعده فقال: إن كنتم هكذا فافعلوا هكذا، حتّى لا يظنّ بكم ظنّ السوء، لا أنّ النبيّ ﷺ يتّهم، وهو أمين الله في أرضه. فقال ابن عيينة: جزاك الله خيرا يا أبا عبد الله! ما يجيئنا منك إلّا ما نحبّه! وقال أحمد بن محمد ابن بنت الشافعيّ: سمعت أبي وعمّي يقولان: كان سفيان بن عيينة إذا جاء شيء من التفسير والفتيا يسأل عنها، التفت إلى الشافعيّ وقال: أسألوا هذا. وعن سويد بن سعيد: كنّا عند سفيان بن عيينة بمكّة، فجاء الشافعيّ فسلّم وجلس. فروى ابن عيينة حديثا رقيقا، فغشي على الشافعيّ، فقيل له: يا أبا محمّد، مات محمد بن إدريس! فقال ابن عيينة: إن كان مات محمد بن إدريس، فقد مات أفضل أهل زمانه. [قدرته على الإفتاء منذ الصغر] وقال عبد الله بن الزبير الحميديّ: سمعت مسلم بن خالد الزنجيّ يقول للشافعيّ محمد بن إدريس: أفت أبا عبد الله، فقد آن لك أن تفتي! - وهو ابن ستّ عشرة سنة- وفي رواية: وكان ابن خمس عشرة سنة. [وفي رواية: سمعت مسلم بن خالد الزنجيّ- ومرّ على الشافعيّ، وهو يفتي، وهو ابن خمس عشرة سنة، فقال: يا أبا عبد الله، أفت، فقد آن لك أن تفتي! ] (٣). قال الخطيب: هكذا ذكر في هذه الحكاية أنّه سمع مسلم بن خالد، ومرّ على الشافعيّ وهو ابن خمس عشرة يفتي فقال له: «أفت! » وليس ذلك بمستقيم لأنّ الحميديّ كان يصغر عن إدراك الشافعيّ وله تلك السنّ، والصواب ما أخبرنا عليّ بن الحسين: حدّثنا محمد بن إسحاق الصفّار: ثنا عبد الله بن محمد بن جعفر القزوينيّ قال: سمعت الربيع بن سليمان يقول: سمعت عبد الله بن الزبير الحميديّ (٤) يقول: قال مسلم بن خالد الزنجيّ للشافعيّ: يا أبا عبد الله، أفت الناس، آن لك والله أن تفتي- وهو ابن دون عشرين سنة.

стр. 1992

وعن الربيع: كان الشافعيّ معي يفتي وهو ابن خمس عشرة سنة. وكان يحيي الليل إلى أن مات. وقال أبو نعيم الحافظ: سمعت سليمان بن أحمد- يعني الطبرانيّ- يقول: سمعت أحمد بن محمد الشافعيّ يقول: كانت الحلقة في الفتيا بمكّة في المسجد الحرام لابن عبّاس. وبعد ابن عبّاس لعطاء ابن أبي رباح. وبعد عطاء، لعبد الملك بن عبد العزيز بن جريج. وبعد ابن جريج لمسلم بن [١٤٩ أ] خالد الزنجيّ. وبعد مسلم لسعيد بن سالم القدّاح. وبعد سعيد، لمحمّد بن إدريس الشافعيّ، وهو شابّ. [نفوره من الكلام والمتكلّمين] وقال الربيع: سمعت الشافعيّ يقول: لئن يلقى الله العبد بكلّ ذنب ما خلا الشرك خير له من أن يلقاه بشيء من الهوى.- وفي رواية: خير له من أن يلقاه بشيء من الأهواء. وذلك أنّه رأى قوما يتجادلون في القدر بين يديه، فقال: في كتاب الله تعالى: المشيئة له دون خلقه، والمشيئة إرادة الله، قال الله تعالى: وَما تَشاؤُنَإِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ [الإنسان: ٣٠]، فأعلم خلقه أنّ المشيئة له. (قال): وكان يثبت القدر. وقال محمد بن عبد الله بن عبد الحكم: سمعت الشافعيّ يقول: لو علم الناس ما في الكلام من الأهواء لفرّوا منه كما يفرّ من الأسد! (قال): كان الشافعيّ بعد أن ناظر حفص الفرد يكره الكلام. وكان يقول: لأن يفتي العالم فيقال: «أخطأ العالم» خير له من أن يتكلّم فيقال: «زنديق»، وما شيء أبغض إليّ من الكلام وأهله. وقال الربيع: وأنشدنا الشافعيّ [البسيط]: قد نظر الناس حتى أحدثوا بدعا ... في الدين بالرأي لم تبعث بها الرسل حتّى استخفّ بحقّ الله أكثرهم ... وفي الذي حمّلوا من حقّه شغل (قال): وناظر رجل الشافعيّ في مسألة، فدقّق، والشافعيّ ثابت يجيب ويصيب. فعدل الرجل إلى الكلام في مناظرته، فقال له الشافعيّ: هذا غير ما نحن فيه! هذا كلام! لست أقول بالكلام: واحدة. وأخرى: ليست المسألة متعلّقة به! ثمّ أنشأ يقول [الطويل]: متى ما تعد بالباطل الحقّ يأبه ... وإن قدت بالحقّ الرواسي تبعد إذا ما أتيت الأمر من غير بابه ... ضللت، وإن تقصد إلى الباب تهتد فدنا منه الرجل فقبّل يده. (قال): وسمعت الشافعيّ يقول: الإيمان قول وعمل: يزيد وينقص. وقال حرملة بن يحيى: اجتمع حفص الفرد ومصلان الإباضيّ عند الشافعيّ في دار الجرويّ- يعني بمصر- وتناظرا في الإيمان. فاحتجّ مصلان في الزيادة والنقصان، واحتجّ حفص الفرد في أنّ الإيمان قول. فعلا حفص على مصلان وقوي عليه، وضعف مصلان. فحمي الشافعيّ وتقلّد المسألة على أنّ الإيمان قول وعمل يزيد وينقص، فطحن حفص الفرد وقطعه. وعن أبي عثمان محمد بن محمد الشافعيّ: سمعت أبي- يعني محمد بن إدريس الشافعيّ- يقول ليلة للحميديّ: ما تحتجّ عليه- يعني الإرجاء-[١٤٩ ب] بآية أحجّ من قوله تعالى: وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ

стр. 1993

وَيُؤْتُوا الزَّكاةَ وَذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ [البيّنة: ٥]. وقال الربيع: لمّا كلّم الشافعيّ حفص الفرد فقال حفص: «القرآن مخلوق»، قال له الشافعيّ: كفرت بالله العظيم! (قال): وسمعت الشافعيّ يقول: من حلف باسم من أسماء الله تعالى فحنث، فعليه الكفّارة، لأنّ اسم الله غير مخلوق. ومن حلف بالكعبة وبالصفا والمروة، فليس عليه كفّارة لأنّه مخلوق، وذلك غير مخلوق. وعن عليّ بن سهل الرمليّ: سألت الشافعيّ عن القرآن، فقال لي: كلام الله، غير مخلوق. قلت: فمن قال بالمخلوق، فما هو عندك؟ قال لي: كافر! (قال): وقال الشافعيّ: ما لقيت أحدا منهم- يعني من أستاذيه- إلّا قال: من قال: القرآن مخلوق، فهو كافر. وعن الربيع: سمعت الشافعيّ يقول في قول الله تعالى: كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ [المطفّفون: ١٥]: علّمنا بذلك أنّ قوما غير محجوبين، ينظرون [الله] سبحانه، لا يضامون في رؤيته، كما جاء عن النبيّ ﷺ أنّه قال: «ترون ربّكم يوم القيامة كما ترون الشمس لا تضامون في رؤيتها». وفي رواية عن المزنيّ: سمعت إبراهيم بن هرم القرشيّ يقول: سمعت الشافعيّ يقول في قوله تعالى: كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍلَمَحْجُوبُونَ : فلمّا حجبهم في السخط كان في هذا دليل على أنّهم يرونه في الرّضى- فقال له أبو النجم القزويني: يا أبا إبراهيم، به تقول؟ قال: نعم، وبه أدين. فقام إليه عصام فقبّل رأسه، وقال: يا سيّد الشافعيّين، اليوم بيّضت وجوهنا! وعن سعيد بن أسد: قلت للشافعيّ: ما تقول في حديث الرؤية؟ فقال لي: يا ابن أسد، اقض عليّ، حييت أو متّ، أنّ كلّ حديث يصح عن رسول الله ﷺ ، فإنّي أقول به، وإن لم يبلغني. وقال الربيع: سمعت الشافعيّ يقول: أفضل الناس بعد رسول الله ﷺ : أبو بكر، ثمّ عمر، ثمّ عثمان، ثمّ عليّ.- وفي رواية: سمعت الشافعيّ يقول في الخلافة والتفضيل: نبدأ بأبي بكر وعمر وعثمان وعليّ. وعن حرملة: سمعت الشافعيّ يقول: الخلفاء خمسة: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعليّ، وعمر بن عبد العزيز. وعن الحارث بن سريج النّقّال: سمعت إبراهيم بن عبد الله الحجبيّ يقول للشافعيّ: ما رأيت هاشميّا يفضّل أبا بكر عن عليّ؟ فقال له الشافعيّ: عليّ بن أبي طالب ابن عمّي وابن خالي (١)، وأنا رجل من بني عبد مناف، وأنت رجل من بني عبد الدار، [١٥٠ أ] ولو كانت هذه مكرمة، لكنت أولى بها منك، ولكن ليس الأمر على ما تمنّيت. وعن محمد بن عبد الله بن عبد الحكم: سمعت الشافعيّ يقول: ما أرى الناس ابتلوا بشتم أصحاب النبيّ ﷺ إلّا ليزيدهم الله بذلك ثوابا عند انقطاع عملهم. وعن الحسن بن محمد بن الصبّاح الزعفرانيّ: قال الشافعيّ: إذا حضر الرافضيّ الوقعة وغنموا لم يعط من الفيء شيئ [ا]، لأنّ الله تعالى ذكر آية الفيء فقال فيها: وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا إِنَّكَ

стр. 1994

رَؤُفٌ رَحِيمٌ [الحشر: ١٠]، فمن لم يقل هذا لم يستحقّ. [رواية أخرى لامتحانه عند الرشيد] وذكر أبو الفرج محمد بن إسحاق- المعروف بأبي يعقوب، النديم- في كتاب الفهرست، قال: ظهر رجل من بني أبي لهب بناحية الغرب، فحمل إلى هارون الرشيد، ومعه محمّد بن إدريس الشافعيّ. فقال الرشيد للهبي: سمت بك نفسك إلى هذا؟ قال: وأيّ الرجلين كان أعلى ذكرا وأعظم قدرا، أجدّي أم جدّك؟ أنت ليس تعرف قصّة جدّك وما كان من أمره وأسمعه كلّ ما كره، لأنّه استقبل (١). (قال) فأمر بحبسه. ثمّ قال للشافعيّ: ما حملك على الخروج معه؟ قال: أنا رجل أملقت، وخرجت أضرب في البلاد طلبا للفضل، فصحبته لذلك. فاستوهبه الفضل بن الربيع، فأقام بمدينة السلام مدّة ولزم محمد بن الحسن حتّى كتب كتبه اه. وقال الربيع: سمعت الحميديّ يقول: لمّا أخذ حمّاد البربريّ الشافعيّ أحضره وأحضر جماعة معه، فكان يقوم الرجل عريانا في سراويل، فيقول أمير المؤمنين للفضل بن الربيع: «قل له يتكلّم». فيقول له الفضل: «تكلّم! » فإذا تكلّم يقول: «اضرب! » فيضرب عنقه، حتّى قام الشافعيّ عريانا في سراويل، وقد كان استطلق بطنه من الليل- وكان إذا انطلق بطنه عذب لسانه. فقال أمير المؤمنين للفضل: قل له يتكلّم! فتكلّم الشافعيّ بكلام لم يسمع مثله. فعجب أمير المؤمنين من حسن كلامه، فقال للفضل: ويحك! سمعت مثل هذا قطّ؟ قل له يعيد ما قال. فأعاد عليه وزاد، فكان فيما قال له: أصلح الله أمير المؤمنين، لأن أكون مع قوم يرون أنّي من أنفسهم أحبّ إليّ من أن أكون مع قوم يرون أنّي عبد لهم. [١٥٠ ب] قال: ألبسوه ثيابه! - وأجازه بعشرة آلاف دينار في منديل. فحملها وضرب خيمة فبقي يطعم الناس. ولم تقلع الخيمة، حتّى لم يبق معه منها شيء. (قال): ورأيته في الحمّام وهو يجعل النخالة ليس فيها شيء إلّا الخشور (٢). وقال المزنيّ: سمعت الشافعيّ يقول: بعث إليّ هارون الرشيد في الليل بالربيع، فقحم عليّ من غير إذن فقال: أجب! فقلت له: في هذا الوقت، وبغير إذن! قال: بذلك أمرت. فخرجت معه، فلمّا صرت بباب الدار قال لي: اجلس، فلعلّه قد نام أو قد سكنت سورة غضبه. فدخل فوجد الرشيد منتصبا فقال: ما فعل محمّد بن إدريس؟ قال: قد أحضرته. قال: فجئني به! فخرجت فأدخلت إليه، فلمّا مثلت بين يديه تأمّلني ثمّ قال: يا محمّد، أرعبناك، فانصرف راشدا. يا ربيع، واحمل معه بدرة دراهم. قلت: لا حاجة لي فيها. قال: أقسمت عليك إلّا أخذته. (قال): فحمل بين يديّ. فلمّا خرجت قال لي

стр. 1995

الربيع: ما الذي سخّر لك هذا الرجل في الذي قلت؟ فإنّي أحضرتك، وإنّي أرى موضع السيف من قفاك. [دعاء مفضّل عند الشافعيّ] فتبسّمت وقلت: نعم، سمعت مالك بن أنس يقول: سمعت نافعا يقول: سمعت عبد الله بن عمر ﵁ يقول: دعا رسول الله ﷺ الأحزاب بهذا يوم الدعاء فكفى، وهو: اللهمّ إنّي أعوذ بنور قدسك، وبركة طهارتك، وعظم جلالك من كلّ طارق يطرق، إلّا طارق [ا] يطرق بخير. اللهمّ أنت غياثي فبك أستغيث، وأنت عياذي فبك أعوذ، وأنت ملاذي فبك ألوذ. يا من ذلّت له رقاب الجبابرة، وخضعت له مقاليد الفراعنة، أجرني من خزيك وعقوبتك فإنّي في حرزك في ليلي ونهاري، وفرّي وقراري. لا إله إلّا أنت، تعظيما لوجهك وتكريما لسبحاتك فاصرف عنّي شرّ عقابك، واجعلني في حفظ عنايتك، وصادقات حفظك، وعد عليّ بخير منك يا أرحم الراحمين! وقال عبد الله بن محمّد البلويّ: حدّثني خالي عمارة بن زيد المدنيّ قال: كنت صديقا لمحمّد بن الحسن، فدخلت معه على الرشيد، فسأله عن أحواله فقال: «بخير يا أمير المؤمنين». ثمّ تسارّا فسمعت محمّد بن الحسن يقول له: إنّ محمّد بن إدريس الشافعيّ يزعم أنّه للخلافة أهل. فغضب الرشيد وقال: عليّ به! فأتي به حتّى وقف بين يدي الرشيد، فكره الرشيد أن يعجّل عليه من غير امتحان فقال له: هيه! قال: وما هيه يا أمير المؤمنين؟ أنت الداعي وأنا المدعوّ، وأنت السائل وأنا المجيب. قال: فكيف علمك بكتاب الله، فإنّه أولى أن نبدأ به. قال: جمعه الله في صدري وجعل جنبيّ [١٥١ أ] دفّتيه. قال: فكيف علمك به؟ قال: أيّ علم تريد يا أمير المؤمنين؟ أعلم تأويله أم علم تنزيله، أم مكيّه أم مدنيّه، أم ليليّه أم نهاريّة، أم سفريّة، أو حضريّه، أم هجريّه، أم عربيّه، أم إنسيّة أم وحشيّه، أم تبيين وضعه أم تسويره بسورة؟ فقال له الرشيد: لقد ادّعيت من علوم القرآن أمرا عظيما، فكيف علمك في الأحكام؟ فقال: أفي الفتاوى، أم في الطلاق، أم في القضايا، أم في الأشربة، أم في المحاربات، أم في الدّيات؟ قال: كيف علمك في الطبّ؟ قال: أعرف منه ما قالت الروم، وبابل، وبقراط، وشاهمود، ورسطاليس، وجالينوس. قال: كيف علمك بالنجوم؟ قال: أعرف القطب الدائر، والليليّ والنهاريّ، والمذكّر والمؤنّث، وما أهتدي به في برّي وبحري. قال: فكيف علمك بالشعر؟ قال: أعرف الشاذّ منه وما نبّه للمكارم. قال: كيف علمك بأنساب العرب؟ قال: أعرف نسب الكرام، وفيها نسب أمير المؤمنين ونسبي. فقال له الرشيد: لقد ادّعيت من العلوم أمرا عظيما تطول به المحنة. فعظ أمير المؤمنين موعظة تبيّن له فيها كلّ ما قلت.

стр. 1996

قال: نعم يا أمير المؤمنين، على رفع الحشمة وترك الهيبة وقبول النصح وإلقاء رداء الكبر عن منكبك. قال: لك ذلك. [موعظته للرشيد] فجثا الشافعيّ على ركبتيه ثمّ نادى: يا ذا الرحل، إنّه من أطال عنان الأمن في الغرّة طوى عذار (١) الحذر في المهلة، ومن لم يعدل على طرق النجاة كان بجانب قلّة الاكتراث بالمرجع إلى الله مقيما. ومن أحسن الظنّ كان في أمنه المحذور في مثل نسج العنكبوت لا تأمن عليها نفسها ولا يحجزها عن شفقها إلّا ولو جرّعها سمّ مخالفها لبادرت مطايا خوف المراجعة بالنزول إلى دار المقام. ولو فعلت ذلك يا رجل اهتدت إليك يد الندامة، ولابتدرت الحسرات غدا في القصر. لكنّك أوتيت من خلد لا يؤدّي لك فهمك. ومن أذن بمج الكلام من سمعك، فمن ثمّ أعقبك التواني والاغترار بنفسك. ألا ولو كان لك أمير من عقلك ينتقد لك ما يرتقط (٢) من عيبك لشغلك ذلك عن النظر في غيب غيرك. لكن ضرب الهوى عليك رواقا [ ... ] فتركك إذا أخرجت يد موعظة لم تكد تراها. ومن لم يجعل الله نورا فما له من نور. (قال): فبكى الرشيد بكاء شديدا حتّى بلّ منديلا [١٥١ ب] كان بين يديه. فقال له طائفة ممّن يقوم على رأسه: اسكت، لقد أبكيت أمير المؤمنين. فالتفت إليهم وقال: يا عبيد الرجعة، والذين باعوا أنفسهم من محبوب الدنيا، أما رأيتم ما استدرج به من كان مثلكم من الأمم بالآمال؟ ألم تروا كيف فضح مستورهم وأمطر بواكر الهوان عليهم بتبديل سرورهم، فأصبحوا بعد خفض عيشهم ولين رفاهيتهم في روح بين خضائل النعم ومدارج المثلات؟ فقال له الرشيد: قد سللت علينا لسانك، وهو أمضى سيفيك. قال: هو لك إن قبلت، ولا عليك. قال: فهل من حاجة خاصّة بعد العامّة؟ فقال: بعد بذل مكين النصيحة وتجريد الموعظة، تأمرني أن أسوّد وجه موعظتي بالمسألة! قال: ثمّ ماذا؟ قال: النظر في أمور الرعيّة، والقسمة بينهم بالسويّة. قال: ومن يطيق ذلك؟ قال: من تسمّى باسمك ونسب إلى موضعك. قال: ثمّ ماذا؟ قال: الإحسان إلى حرم الله، وسكّان جيران قبر رسول الله ﷺ . أما والله لو أردت عمارة قبر رسول الله ﷺ للزمك في ذلك مؤنة. فاعمر قبر رسول الله ﷺ بصلة البرّ لأولاده وأولاد أصحابه. [مناظرة أخرى بينه وبين الشيبانيّ أمام الرشيد] فأمر الرشيد بمال لأبناء المهاجرين والأنصار والعلويّة. ثمّ التفت إلى محمد بن الحسن فقال: ناظره بين يديّ حتّى أكون فاصلا بينكما، فإن اختلفتما في فرع رجعتما إلى أصل. فالتفت محمد بن الحسن وقال: يا شافعيّ، ما تقول في رجل تزوّج بامرأة ودخل بها، وتزوّج بالثانية ولم يدخل بها، وتزوّج بالثالثة ودخل بها،

стр. 1997

وتزوّج بالرابعة ولم يدخل بها، فوجد الثانية أمّ الأولى، ووجد الثالثة عمّة الرابعة؟ فقال الشافعيّ: ينزل عن الثانية والرابعة من غير أن يلزمه شيء، ويتمسّك بالأولى والثالثة. قال: ما حجّتك؟ قال: أمّا الثانية، فإنّ الله يقول: فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ [النساء: ٢٣]. وأمّا الرابعة فإنّ النبيّ ﷺ نهى أن يتزوّج الرجل المرأة على عمّتها أو خالتها. فما تقول أنت يا محمّد بن الحسن، كيف استقبل النبيّ ﷺ يوم النحر وكبّر؟ فتتعتع محمد بن الحسن. فقال الشافعيّ: يسألني عن الأحكام فأجيبه، وأسأله عن سنّة من سنن رسول الله ﷺ [١٥٢ أ] يحتاج إليها الصادر والوارد، فلا يجيبني. أفمن الإنصاف هذا؟ فتبسّم الرشيد وأمر للشافعيّ بعشرة آلاف دينار، ففرّقه [ا] على باب داره وانصرف مكرّما. قال ابن عساكر: لمّا سمعنا هذه الحكاية من شيخنا أبي بكر وجيه الشحّاميّ (١) أنا والشيخ أبو سعد ابن السمعانيّ ﵀ في بيت ابنه يوسف بن وجيه ليلا كأنّا استبعدنا صحّتها وأنكرناها لحال البلويّ في إسنادها، ونمنا. فلمّا استيقظنا ذكر لنا الشيخ وجيه أنّه رأى في نومه النبيّ صلّى اللهعليه وسلّم أو الشافعيّ- أنا أشكّ- وهو يقول: أَفَمِنْ هذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ* وَتَضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ [النجم: ٩٥ - ٦٠]- أو كما قال. [رؤيا للرشيد في تعظيم الشافعيّ] وعن أبي موسى هارون بن يزيد: حدّثنا أبو الحسن عليّ بن حمزة الكسائيّ قال: استحضرني ذات يوم أمير المؤمنين هارون الرشيد. فلمّا دخلت عليه رفعني وأدناني منه. وإذا المجلس فيه جمع عظيم، وإذا محمد بن الحسن الفقيه جالس، فلمّا سكّن روعتي قال لي: [أ] تدري لم أحضرتك يا أبا الحسن؟ قلت: لا يا أمير المؤمنين، جعلني الله فداك. قال: إنّي أحضرتك لأمر سرّني، فأحببت أن أسرّك به أيضا. فقلت: سرّك الله في جميع الأمور، ووقاني فيك كلّ محذور! فقال: إنّي رأيت البارحة فيما يرى النائم رسول الله ﷺ كأنّه دخل عليّ في البيت الذي كنت فيه، وقائل يقول لي: «يا هارون، هذا رسول الله ﷺ قد دخل عليك». فلمّا بصرت به وقعت عليّ الرعدة، وأخذني الدمع، واعتراني البكاء، وسقطت على وجهي. فجاء ﷺ حتى وقف عليّ وقال لي: ارفع رأسك يا هارون وأبشر! فإنّ الله قد شكر لك خوفك منه ولجأك إليه فغفر لك ورحمك، فلا خوف عليك. وإنّ الله قد جعل الخلافة في ذرّيّة ولدك محمد إلى أن تقوم الساعة. فرفعت رأسي وأقبلت أحمد الله وأثني عليه. وإذا بمحمّد بن إدريس الشافعيّ يدوّر في يد رسول الله ﷺ ، فكأنّي قد غبطته بمكانه من رسول الله ﷺ . فقال لي رسول الله ﷺ : يا هارون، أتعرف هذا؟ قلت: نعم، يا رسول الله، بأبي أنت وأمّي! هذا الشافعيّ. قال: نعم، هذا المطّلبيّ، وهذا سيّد المسلمين الفقيه الورع. أفهمت يا هارون؟ قلت: نعم يا رسول الله. فقال لي: استوص به خيرا، فإنّه على الحقّ مع سنّتي، وإنّ الله سينفع به بشرا كثيرا. ثمّ أقبل رسول الله ﷺ على الشافعيّ فقال

стр. 1998

[١٥٢ ب] له: ادع الله لهارون هذا بالصلاح والإصلاح والمراقبة. فدعا لي. ثمّ انتهبت وأنا مسرور بذلك، فما تقول أنت في الشافعيّ؟ فقلت: يا أمير المؤمنين، أنا رحل كوفيّ، وإنّي أدين الله بحبّ محمد بن إدريس الشافعيّ، وأخذي كثير [ا] من أقوالي من قوله. فقال: سررتني يعلم الله. فأخذ الناس في الدعاء له، فقال: عزمت أن أكتب إليه بهذا- يعني الشافعيّ- وأمر له بمال جزيل. (قال الكسائيّ): فلمّا ركبت لحق بي محمد بن الحسن فقال لي: يا أبا الحسن، حملت على أهل بلدك اليوم! فقلت له: ما قلت إلّا ما يعلمه الله منّي في الشافعي. فامتقع لونه، ثم افترقنا. وعن الأصمعيّ: سمعت أمير المؤمنين المأمون سنة أربع عشرة ومائتين يقول: لقد خصّ الله تعالى محمد بن إدريس الشافعيّ بالورع والعلم والفصاحة والأدب والصلاح والديانة. ولقد سمعت هارون أبي يتوسّل إلى الله به، والشافعيّ حيّ يرزق. [كتب الشافعيّ] وعن أبي ثور: كتب عبد الرحمن بن مهدي إلى الشافعيّ، وهو شابّ أن يضع له كتابا فيه معاني القرآن، ويجمع قبول الأخبار فيه، وحجّة الإجماع، وبيان الناسخ والمنسوخ من الكتاب والسنّة. فوضع له كتاب الرسالة. فقال عبد الرحمن بن مهديّ: ما أصلّي صلاة إلّا وأدعو للشافعيّ فيها. وعن رسته الأصبهانيّ: سمعت عبد الرحمن ابن مهديّ يقول: لمّا نظرت في كتاب الرسالة لمحمّد بن إدريس، أذهلتني، لأنّي رأيت كلام رجل عاقل فقيه ناصح. وإنّي لأكثر الدعاء له. وفي رواية: إنّي لأدعو الله للشافعيّ في كلّ صلاة أو في كلّ يوم، لما فتحه الله عليه من العلم ووفّقه للسداد فيه. وعن أبي بكر بن خلّاد: سمعت عبد الرحمن ابن مهدي يقول: أنا أدعو الله في دبر صلواتي للشافعيّ- وفي رواية: ما أصلّي صلاة إلّا وأدعو الله فيها للشافعيّ. وعن الحارث بن سريج النفّال: سمعت يحيى بن سعيد يقول: أنا أدعو الله للشافعيّ، أخصّه به- قال الحارث: وأنا حملت كتاب رسالة الشافعيّ إلى عبد الرحمن ابن مهديّ، فأعجب بها وجعل يقول: لو كان أقلّ ليفهم! وعن محمد بن الفضل: ثنا هارون قال: ذكر يحيى بن سعيد القطّان الشافعيّ فقال: ما رأيت أعقل أو أفقه منه- وعرض عليه كتاب الرسالة له. وللشافعيّ من الكتب: كتاب المبسوط في الفقه، رواه عنه الربيع والزعفرانيّ، ويحتوي على كتاب الطهارة والصلاة والزكاة [وكتاب الصيام] والحجّ والاعتكاف. وله غير هذا الكتاب: كتاب [قسم] الفيء والغنيمة، وكتاب الكلام والمتكلّمين، وكتاب القرآن، وكتاب المجالسات، وكتاب الرسالة المصريّة، وكتاب [١٥٣ أ] الطهارة، وكتاب الإمامة، وكتاب استقبال القبلة، وكتاب الجمعة، وكتاب صلاة الخوف، وكتاب العيدين، وكتاب صلاة الخسوف، وكتاب الاستسقاء، وكتاب المرتدّ الصغير والكبير، وكتاب الزكاة، وكتاب فرض الزكاة، وكتاب أحكام القرآن،

стр. 1999

وكتاب المناسك، وكتاب البيوع، وكتاب اختلاف مالك والشافعيّ، وكتاب جراح العمد، وكتاب الرهن الكبير، والصغير، وكتاب اختلاف الحديث، وكتاب اختلاف العراقيّين، وكتاب قتال أهل البغي، وكتاب قتال المشركين، وكتاب الغصب، وكتاب الأسارى والغزو، وكتاب التعريض بالخطبة، وكتاب الاستبراء والحيض، وكتاب غسل الميّت، وكتاب الجنائز، وكتاب السبق والرمي، وكتاب الأحباس والبلوغ، وكتاب الحدود، و [كتاب] كراء الدوابّ، وكتاب الرضاع، وكتاب الطعام والشراب، وكتاب البحيرة والسائبة، وكتاب المزارعة، وكتاب العمرى والرقبى، وكتاب الأشربة، وكتاب فضائل قريش، وكتاب النشوز والخلع، وكتاب مسألة الخنثى، وكتاب الاعتكاف، وكتاب المساقاة، وكتاب الصيد، وكتاب الوليمة، وكتاب الشفعة، وكتاب القراض، وكتاب فرض الله تعالى، وكتاب الإجازات، و [كتاب] الغارمين، و [كتاب] الرجل يكري الدابّة، وكتاب إحياء الموات، وكتاب الشروط، وكتاب الظهار، وكتاب الإيلاء، وكتاب اختلاف الزوجين، وكتاب عتق أمّهات الأولاد، وكتاب اختلاف المواريث، وكتاب اللقيط، وكتاب اللقطة، وكتاب بلوغ الرشد، وكتاب مختصر الحجّ الصغير، وكتاب مسألة المنى، وكتاب إباحة الطلاق، وكتاب الصيام، وكتاب المدبر، وكتاب المكاتب، وكتاب الولاء والحلف، وكتاب الإجازات الكبير، وكتاب الإجماع، وكتاب الصداق، وكتاب الشهادات، وكتاب ما خالف العراقيّون عليّا وابن عباس ﵄، وكتاب اللعان، وكتاب مختصر الحجّ الكبير، وكتاب قسم الفيء، وكتاب القرع، وكتاب الجزية، وكتاب الوصايا، وكتاب الدعوى والبيّنات، وكتاب تحريم الخمر، وكتاب الرجعة، وكتاب أدب القاضي، وكتاب عدد النساء، وكتاب القطع [في] السرقة، وكتاب الأيمان والنذور، وكتاب الصيد والذبائح، وكتاب الصرف، وكتاب الردّ على محمّد بن الحسن، وكتاب عشرة النساء، وكتاب سير الواقديّ، وكتاب سير الأوزاعيّ، وكتاب الحكم في الساحر [١٥٣ ب] والساحرة، وكتاب الوديعة والأقضية، وكتاب وصيّة الحامل، وكتاب شهادة القاضي، وكتاب صدقة الحيّ على الميت، وكتاب الرجل يضع مع الرجل بضاعة، وكتاب العارية، وكتاب المواريث، وكتاب الحكم بالظاهر، وكتاب إبطالالاستحسان، وكتاب الموالي والعرب، وكتاب الحكمين، وكتاب الكافي، آخر ما ذكره صاحب الفهرست (١). وعندي أنّه اشتبه عليه تفاصيل كتاب الأمّ في رواية الربيع، فجعل كلّ كتاب منه كتابا مفردا. [قدرته على النظم] وذكر أبو إسماعيل اليزيديّ أنّ من أخذ كتب الشافعيّ عن الربيع ورحل إليه، أكثر من مائتي رجل. وذكر ابن خالويه: قال أبو العبّاس ابن الأزرق: ودخلت على أبي عبد الله محمد بن إدريس الشافعيّ، فقلت له: يا أبا عبد الله، ما تنصفنا! قد تحقّقت (٢) بهذا الفقه فتأخذ به الجوائز والصّلات، ولا حظّ لنا في ذلك. وقد جئت تداخلنا في الشعر! فإمّا أن تشركنا لك في الفقه، أو تتركنا

стр. 2000

للشعر. وقد جئت بأبيات أنشدك إيّاها، فإن أجزتها بمثلها، تبت أنا من الشعر، وإن عجزت، تتوب أنت! فقال له الشافعي: هيه، يا هذا! وكانت الأبيات [الكامل]: ما همّتي إلّا مقارعة العدى ... خلق الزمان وهمّتي لم تخلق والناس أعينهم على سلب الفتى ... لا يسألون عن الحجى والأولق (١) لكنّ من رزق الحجى حرم الغنى ... ضدّان مفترقان أيّ تفرّق لو كان بالحيل الغنى لوجدتني ... بنجوم أقطار السماء تعلّقي فقال له الشافعيّ: ألا قلت كما أقول، ارتجالا: إنّ الذي رزق اليسار فلم يصب ... أجرا ولا حمدا لغير موفّق (٢) فالجدّ يدني كلّ أمر شاسع ... والجدّ يفتح كلّ باب مغلق فإذا سمعت بأنّ مجدودا حوى ... عودا فأثمر في يديه فصدّق وإذا سمعت بأنّ مجدودا أتى ... ماء ليشربه فغاض فحقّق وأحقّ خلق الله بالهمّ امرؤ ... ذو همّة يبلى بعيش ضيّق ومن الدليل على القضاء وحكمه ... بؤس اللبيب وطيب عيش الأحمق فقال: يا أبا عبد الله، لا قلت شعرا! [الشافعيّ عالم قريش] وقال الخطيب أبو بكر أحمد [بن عليّ] بن ثابت: حدّثنا أبو سعد إسماعيل بن عليّ الأسترآباذيّ: ثنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحافظ: ثنا محمد بن إبراهيم: ثنا عبد الملك بن محمد- هو أبو نعيم- حدّثنا محمد بن عون: حدّثنا الحكم بن نافع [١٥٤ أ] بن عيّاش عن عبد العزيز بن عبيد الله عن وهب بن كيسان عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ أنّه قال: «اللهمّ اهد قريشا، فإنّ عالمها يملأ طباق الأرض علما. اللهمّ، كما أذقتهم عذابا فأذقهم نوالا»، دعا بها ثلاث مرّات (٣). قال عبد الملك بن محمد: في قوله ﷺ : «فإنّ عالمها يملأ الأرض علما ويملأ طباق الأرض» علامة بيّنة للميز: أنّ المراد بذلك رجل من علماء هذه الأمّة من قريش قد ظهر علمه وانتشر في البلاد. وكتبوا تآليفه كما تكتب المصاحف واستظهروا أقواله. وهذه صفة لا تعلمها قدأحاطت إلّا بالشافعيّ إذ كان كلّ واحد من قريش من علماء الصحابة والتابعين ومن بعدهم، وإن كان علمه قد ظهر وانتشر، فإنّه لم يبلغ مبلغا يقع تأويل هذه الرواية عليه؛ إذ كان لكلّ واحد منهم نتف وقطع من العلم ومساءلات، وليس في كلّ بلد من بلاد المسلمين مدرّس ومفت ومصنّف يصنّف على مذهب قرشيّ إلّا على مذهبه: فعلم أنّه يعنيه لا غيره، وهو الذي شرح الأصول والفروع، وازدادت على مرّ الأيّام حسنا وبيانا. [شهادة أهل العراق للشافعيّ] وقال الربيع بن سليمان: ناظر الشافعيّ محمّد بن الحسن فقطعه. فبلغ ذلك هارون الرشيد، فقال: أما علم محمد بن الحسن أنّه إذا ناظر رجلا من قريش قطعه سائلا ومجيبا،
следующие страницы →