← Тараджим

Тараджим · id 145334

المقفى الكبير

المقريزي

Полный текст (3 152 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

والباطل زاهقا، فضلا منك عليّ، ونعمة جدّدتها لديّ، اللهمّ، فألهمني شكر نعمتك، ووفّقني للعمل بما يرضيك، ويزلفني لديك، ويقرّبني إليك، فإنّه لا حول ولا قوّة إلّا بك، عليك توكّلت وإليك أنيب. «اللهمّ اغفر للمؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات، إنّك رءوف رحيم». ونزل ونحر ناقته بيده. وانصرف الناس، وقد علموا أنّه الإمام، وأنّ القائم بأمر الله قد توفّي، ففرحوا بخلافته. وكتب أهل العسكر بذلك إلى القيروان والمهديّة، فسرّ الخاصّ والعامّ سرورا عظيما. ووصلت عساكر كتامة في ثاني يوم النحر، فأعرض عنهم وقال: «لا حاجة لي اليوم بكم». فتضرّعوا إليه وسألوه الرضى عنهم، وضمنوا له أنّهم يوافونه بعشرين ألف فارس وراجل. فرضي عنهم وبعث معهم ميسورا (١) الخادم، وأجّل لهم عشرين يوما. فبلغ ذلك أبا يزيد فأيقن بالهلكة، وكتب إلى معبد بن خزر مع ابنه فضل ابن أبي يزيد يسأله النصر، وكان معبد يرى رأي النكّار، فأجابه وحشد الحشود وزحف على بسكرة وطبنة فانصرف مفلولا. ودخلت سنة ستّ وثلاثين وثلاثمائة. فوصل ميسور بعساكر كتامة في يوم الثلاثاء لعشر خلون من المحرّم. وكان المنصور يقول في سفره هذا كلّه: «إن لم آخذ أبا يزيد وأسلخه فلست بابن فاطمة ولست لكم بإمام». ولمّا أمر بعمل القفص قال: «إن لم أدخل أبا يزيد في هذا القفص فلست بابن رسول الله، ولقد ندمت إذ لم أصعد منبر القيروان وأذكر هذا لسائر الناس». وكان يقول هذه، وأبو يزيد في ستّة وثمانين ألف خصّ، في كلّ خصّ جماعة أقلّهم ثلاثة، وكلّ الناس قد يئسوا من بقاء الدولة. [رؤيا للمنصور تبشّره بالنصر]: ثمّ لمّا كان قبل أخذ أبي يزيد بثلاث ليال قال المنصور لطبيبه موسى بن العزار (٢): يا موسى، رأيت البارحة في النوم كأنّ القائم بأمر الله، نضّر الله وجهه، قد جاء من خلفي فضرب بيده على كتفي، فحوّلت وجهي إليه مظهرا إجلاله وإعظامه، فقال لي: يا إسماعيل لك البشرى! فأخرج من كمّه كتف شاة وقال: انظر في هذه الكتف فإنّ فيها قبر عدوّك، وأنت تأخذه وتظفر به سريعا- وأراني موضعا من الكتف فيه القبر الذي أومأ إليه. فقال له موسى: يا مولاي، هذه بشرى ألقاها الله إليك! و[بينا] هم في الكلام إذ أتى الطبّاخ بالمائدة، فأكل المنصور ومدّ يده إلى كتف فجرّدها وأمر بمسحها ثمّ أخذها ونظر فيها وقال: «والله لكأنّ هذه الكتف التي رأيت في منامي، وهذا القبر في المكان الذي أرانيه! ». فكان أخذه بعد ذلك بثلاثة أيام. وذلك أنّه لمّا كان يوم الخميس النصف من المحرّم زحف إلى القلعة عند طلوع الشمس بجميع عساكره فكان قتال شديد في يوم شديد الحرّ. ونزل المنصور على تلّ مشرف ليرى منه القتال، وأمر بالروايا والقرب، فنقل فيها الماء على البغال إلى المقاتلة. وقتل من البربر خلق

стр. 632

عظيم، ثمّ انصرف إلى معسكره. وصابحهم يوم الجمعة فكان القتال أشدّ من اليوم الذي قبله. وأصعد المنصور ثلاثمائة عبد إلى القلعة فألقوا بها النار فاحترق كثير ممّا فيها وعادوا، فأنعم على كلّ عبد بمائة درهم وخلعة. [الوقعة الحاسمة وأسر أبي يزيد]: ثمّ صبحهم يوم السبت [١٩٤ أ] ولبس ثوبا أخضر موشّحا بذهب وعمامة حمراء معلمة (١)، فقويت نفوس الناس وأيقنوا بالفتح لأنّه لم يلبس هذا اللباس في جميع حروبه. وقامت الحرب على ساق، فكان يوما لم يشهد قطّ مثله، وعلا البربر على تلك القلاع والأوعار وألقوا الصخور العظيمة فطحنت من الرجال والدوابّ ما شاء الله. فلمّا كان نصف النهار كلّ جميع الناس وملّوا وعطشوا من شدّة الحرب والحرّ وأثخنوا بالحجارة والجراح، فغضب المنصور وتقدّم بنفسه في ثلاثة آلاف فارس وعشرة آلاف راجل فتوغّل وعرا شديدا لا مسلك فيه للفارس ولا للراجل. فظنّ النكّار أنّهم قد ظفروا به فحمل جميعهم عليه حملة منكرة منحدرين كالسيل في الليل، فتفرّق عنه أصحابه وأسلموه حتّى بقي وحده، فقصدوه وتعاورته السيوف والرماح والحجارة، وثار عجاج مظلم طبّق الأرض، فرماه في تلك الحالة أحدهم برمح فاتّقاه بالدرقة فأنفذها إلى صدره، وكانت الحجارة تمرّ على فرسه يمينا وشمالا حتّى كاد يسقط، ثمّ تجلّى الغبار، وقد ظنّ النكّار أنهم أتوا عليه، فرأوه قائما فانهزموا بين يديه، واتّبعهم وحده في وعر لا مسلك فيه، فرآه أصحابه سالما وقد كانوا يئسوا منه فعطفوا من كلّ ناحية إليه وقتلوا البربر قتلا ذريعا. ولجأ أبو يزيد وأصحابه إلى قصر في ذروة القلعة وقاتلوا من أعلاه، فضربت فازة صغيرة بالقرب من القصر وجلس المنصور فيها، والجيوش محيطة بالقصر من كلّ ناحية، ثمّ ألقوا النار في أبوابه. وكتب المنصور كتابا بأمان من في القصر إن هم خرجوا وأسلموا أبا يزيد، ورفعه على قناة إليهم، فمزّقوه ورموا به وقاتلوا قتال أهل البصائر (٢) حتّى هجم الظلام وقد ملّ الفريقان وأعيوا. فأمر المنصور بإيقاد المشاعل حول القصر، ودارت الجيوش عليه، وخرج من الفازة إلى بساط جلس عليه قريبا من القصر، وأطلق النار في الشعاري فصار الليل كالنهار المشرق، وهو جالس، والطبول تضرب بين يديه والأعلام منشورة. فلمّا كان في آخر الليل فتحوا باب القصر وخرجوا وهم يحملون أبا يزيد وأبا عمّار على أيديهم، فحملوا على من يليهم حملة شديدة حتّى اختلط الناس، وقتل من النكّار من قتل ونجا من نجا. وكان فيمن قتل أبو عمّار (٣) وجماعة. وأسر منهم رجل فأخبر المنصور عن أبي يزيد أنّه خرج محمولا على أيدي ثقاته، فأمر بطلبه فلم يوجد. فشقّ ذلك عليه وغمّه ووقعت فترة في العسكر (٤). وجاء المؤذّنون فأذّنوا بصلاة الصبح فقام وصلّى على وضوءه بالأمس. فلمّا سلّم من صلاته قال: «لو علم الفاسق أنّ في الأرض أحصن من هذه القلعة لصار إليها، وما أحسبه زال عن هذا المكان، ولو كان في السماء لسقط في يدي». فهو في الكلام حتّى أتوه به أسيرا، فحمد الله وأثنى عليه وشكره وسجد شكرا لله، وأمر للّذي بشّر به بألف دينار. وأمر بأبي يزيد فحمل إلى المضرب وهو لما به (٥) من الضعف والجراح، والناس

стр. 633

يكبّرون ويهلّلون ويحمدون الله ويشكرونه. وركب المنصور فرسه وقد ظهر السرور في وجهه، وهو يحمد الله ويشكره حتى انتهى إلى فسطاطه، والناس يهنّئونه بما فتح الله له ونصره وأعزّه. فأمر الناس بالانصراف ودخل، فوجد أبا يزيد ملقى ورأسه في حجر جعفر بن علي الحاجب، فأعرض عنه ودخل إلى مضربه وأمر بمعالجة أبي يزيد من جراحاته ووكّل به من يحفظه. وكتب بالفتح إلى الآفاق فكانت نسخة الكتاب إلى مدام من إملائه بنفسه بعد الصدر: [رواية المنصور للأحداث]: «أمّا بعد، فالشكر والحمد لله ربّ العالمين الذي نصر عبده وأنجز له وعده، وتفرّد بالمنن عليه وحده فأظهرني جلّ ثناؤه متوّجا بعزّته [١٩٤ ب]، رافلا في حلل كرامته، مبوّأ من الشرف ذراه، ومن المجد أعلاه، بعد أن زاغَتِ الْأَبْصارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ [الأحزاب: ١٠]، وظنّ العباد بالله الظنون، فجلّى بي الظلام، وأنقذ الأنام، وأثبت الإسلام، وجمع الأمم بعد الفرقة، وأمّنهم بعد المخافة، وأعزّهم بعد الذلّة، فحقن بي الدماء، وسكّن الدهماء، وأيّدني بنصره وإعزازه، فاعترف لي به المؤمن المساعد، والكافر المعاند، لقصر طاقة المخلوقين عن بلوغ ما أملوه، وإدراك ما حاولوه، فضلا من هذه النعمة الجليلة، والمنن الجزيلة التي حقّقت الآمال وقطعت أطماع الدجّال، فأصارها الله إليّ كلّها، ورآني أهلها. «فلم أزل، منذ انتصبت للجهاد في سبيله، وأهدفت نحري دون دينه، باذلا نفسي، متعبا جسمي، مستصغرا لكلّ عظيم، راكبا لكلّ هول، متعرّفا من الله أجمل الصنع، وأحسن التوفيق في كلّ شيء أمّمته، ورأي ارتأيته، وموقف حرب وقفته، إلى أن أتمّ الله عليّ النعمة، وأكمل المنّة، بالإمكان من عدوّ الله الخائن أبي يزيد، أسيرا ذليلا، بعد حرب شديد كان بيننا وبينه ثلاثة أيّام متتابعة لم يكن قبلها مثلها. «بدأنا إليه بالزحف يوم الخميس لثمان بقين من المحرّم، طلوع الشمس، فقاتلناه قتالا شديدا إلى بعض العصر. ثمّ عاودناه القتال صبيحة السبت. وأيقنوا بالهلاك، واشتدّ القتال في وعر شديد، فجعلوا يلقون علينا الصخور العظيمة لا تمرّ بفارس ولا راجل إلّا صيّرته رميما، والله يدفع ذلك عنّا بمنّه ويكلؤنا بعينه. فلم نزل من أوّل النهار حتّى كلّ الناس وملّوا من حرّ يسقط طيور الجوّ منه، وتقطّع الأولياء جراحا، وأثخنوا بالحجارة، وهابوا الإقدام فأغضبني ذلك فزجرتهم وتوعّدتهم وتقدّمت بنفسي واثقا بالله ربّي، ومعي مطحّية (١) فيها أكثر من ثلاثة آلاف فارس ونيف على عشرة آلاف راجل. ورأى العدوّ إقدامي إليهم فأيقنوا بالهلكة، وانهزموا بين يديّ حتّى توسّطت الوعر الشديد الهائل إليهم، فظنّوا أنّهم قد ظفروا بما دبّروه، فحملوا علينا حملة رجل واحد ردّت كلّ من كان معي، وأسلموني فقصدني الفسقة وتعاوروني بالسيوف والحجارة والرماح. وثار عجّاج مظلم طبّق الأرض فوصلوا [إليّ حتّى

стр. 634

تجاذبوا ردائي فمزّقوه، وقبضت ركابي، ورميت في تلك الحملة برمح] (١) أخذته في درقتي فنفذ إلى صدري، وأثخنوا فرسي بالحجارة فكاد يسقط تحتي، فوثقت بالله وطبت بالشهادة في سبيله نفسا، وقلت: يا نفس، حبّذا والله موقف عشت بعده عزيزا أو رحت منه شهيدا إلى لقاء جدّي رسول الله ﷺ ، فو الله ما ثنيت عنهم عنانا، وإنّي لواقف في غلالة ورداء ودرقة، فما هو إلّا أن تجلّى الغبار ورأوني قائما في وجوههم فانهزموا وولّوا الأدبار. واتّبعتهم وحدي في وعر لا مسلك للخيول فيه، ورآني الأولياء واستيقنوا بسلامتي فعطفوا عليهم عطفة واحدة، فصحت بهم وحرّضتهم فاستأسدوا وتفرّقوا يمينا وشمالا في طلبهم وقتلهم، وملكت القلعة بالسيف قسرا. «وانجحر اللعين أبو يزيد وأهله وكماته ورجاله وغزاته في قصر أوّلي (٢) بذروة القلعة، وأحاطت الجيوش به من كلّ ناحية، فرميا بالحجارة والرماح ورشقا بالسهام. وأشعلنا النار في أبواب القصر، والكفرة مصرّون على كفرهم وغيّهم. فكتبت لهم في ذلك المقام كتابا منشورا بأمانهم إن هم خرجوا إليّ وأسلموا اللعين، وأردت بذلك الاستظهار بالحجّة عند الله . فأخذوا الكتاب فمزّقوه، فأوّل من [١٩٥ أ] مدّ يده إلى تمزيقه أصابه سهم فمات وصيّر الله روحه إلى عذابه. وتمادوا على إصرارهم، وأمرت بإيقاد المشاعل، وبتّ ليلتي كلّها ساهرها، ورجالنا على خيولهم، وسيوفهم على أعناقهم. فلمّا كان آخر الليل حمل اللعين وأصحابه من الحصن حملة واحدة فاختلط الناس، وقتل في تلك المعركة من الفسقة من قتل ونجا من نجا. وكان ممّن قتل أبو عمّار اللعين الأعمى، ويدرس المزاتي، وجعفر الناظر (٣) وجماعة منهم، ونجا من نجا منهم متراميا بنفسه من أعلى القلعة [إلى وعر شديد هائل، وأخذنا منهم أسيرا فعرّفني أن اللعين خرج من القلعة] هاربا. فلم أصدّقه (٤)، وأمرت الأولياء بالثبات على مصافّهم وتعبئتهم حول ذلك [القصر. ولم أزل قائما حتّى لاح ضياء الفجر، وإذا اللعين قد] جرح في تلك الحملة فحمله ثلاث [ة من أصحابه حتى] خلّصوه من المعركة ثمّ ولّوا وأسلموه فذهب لينزل من القلعة فسقط، ثمّ قام ليلحق بأصحابه فسقط سقطة أخرى أوهت جسمه فلم يستطع حراكا فبقي ملقى عل ضفّة الوادي، فأتينا به أسيرا بحمد الله ومنّه وصنعه وعونه عند صلاة الفجر يوم الأحد لخمس بقين من المحرّم. ورأيت من سوء حاله وما أصاره الله إليه من الذلّ وأحلّه به من النقمة ما في بعضه شفاء للغيظ. فحمدت الله وشكرته، وأمرت بمداواة اللعين والرفق به إلى أن أصل به إلى المهديّة إن شاء الله. «فاحمد الله أنت ومن قبلك من رعايانا، وأكثروا معاشر العباد من الشكر، وتقرّبوا إليه بالصدقات وعتق الرقاب من طيّب أموالكم، واذكروا ما كنتم فيه [أمس] وما أصبحتم فيه اليوم من العزّ بعد الذلّة، والأمن بعد الخوف، والطمأنينة بعد الروع، والاجتماع بعد الفرقة، والدعة بعد المحنة. واحمدوا الله على ما وهبكم وصرف عنكم. فقد تحمّلت ما لم يتحمّله ملك قطّ قبلي، لم أرد بذلك من المخلوقين جزاء ولا شكورا إلّا القربة إلى الله ، والزلفى لديه والرغبة في

стр. 635

ما عنده. فالحمد لله على إنجاح سعيي وتبليغي أملي، وإليه أرغب في العون على أداء شكره وتوفيقي لمرضاته، وهو حسبي ونعم الوكيل». وذكر المنصور أنّه لمّا وقف في المضيق صعد رجل على صخرة يرميه بالحجارة ويقلب الصخور عليه، وهو لا يستطيع أن يتحرّك لضيق الموضع، وإذا برجل قد جاء إلى ذاك الرجل من ورائه فرماه برمح فقتله وحزّ رأسه. فأمره أن يحمل الرأس إلى المضرب وينتظره ليكافئه. فلمّا تراجع إليه الناس وعاد إلى المعسكر وجد الرأس بين يديّ المضرب فعرفه. وطلب قاتله فلم يجده، فعلم أنّ ذلك من نصر الله له. [المناظرة بين المنصور وأبي يزيد]: وأحضر المنصور أبا يزيد بعد أخذه بيوم فقال: «أي عدوّ الله وعدوّ دينه، كيف رأيت صنع الله؟ ألم ينصر الله الحقّ على قلّة أنصاره ويخذل الباطل على كثرة أعوانه؟ ». وقرأ قوله تعالى: وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ وَقالَ لا غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَراءَتِ الْفِئَتانِ نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ [الأنفال: ٤٨]. فرفع أبو يزيد رأسه وقال: قد أقدرك الله، والعفو أولى بك. فقال له: تكلّم آمنا مطمئنّا: ما الذي اعتددت على أمير المؤمنين- يعني القائم بأمر الله- حين خرجت عليه؟ فقال: كان أبو القاسم كريما حوله قوم سوء أحدثوا هذه القبالات (١) التي فيها الجور على المسلمين، فقمت لذلك منكرا أريد إصلاح أمور الناس. قال: فهل علمت أنّ ذلك من رأي أمير المؤمنين وأمره؟ قال: لا أعلم. قال: فهلّا رفعت ذلك إليه وأطلعته عليه؟ فإن (٢) غيّر المنكر، كان الذي أردت، وإن هو لم يفعل اتّخذت ذلك [١٩٥ ب] حجّة عليه؟ فسكت. قال: كأنّك إنّما قمت محتسبا؟ قال: نعم. قال: وهل غيّر الإسلام ونقض شريعة محمّد ﵇ غيرك؟ قال: كيف؟ قال: بما ارتكبت من المحارم واحتقبت من العظائم، وسفكت من الدماء، وهتكت من الحرمات. قال: فعل ذلك قوم سوء تبعوني. قال: عن معرفة منك بهم أم عن جهل؟ قال: عن جهل. قال: فإذا كنت لا ترى الحجّة عليك بفعل أصحابك، فمن أين رأيت الحجّة واجبة على أمير المؤمنين من فعل عبيده في أقاصي البلدان، وملكه بحمد الله كالبحر الذي فيه الجواهر والغثاء؟ فسكت. قال المنصور: ما تقول في بني كملان هؤلاء خاصة؟ قال: قوم سوء ملاعين. قال: قد نقضت قولك وأكذبك الله على لسانك إذ زعمت أنّك جاهل بأهل الشرّ من أصحابك. ثمّ هذا قولك في بني كملان، وهم عمدتك وأصحابك، فالويل لك من الله!

стр. 636

قال: فإنّي أتوب إلى الله على يديك. قال: وأيّ توبة تقبل منك، وقد خرجت عن مذهبك؟ قال: بماذا؟ قال: بالفرار من الزحف، وهو من الكبائر عندنا أولياء الله، وعندكم، أعداء الله، كفر وشرك، هذا وأنت الضامن لأصحابك أنك لا تنهزم أبدا. قال: ومتى انهزمت؟ قال: من سوسة، ثمّ من القيروان، ثمّ من تماديت (١)، ثمّ من باغاية. قال: بل أردت دخول المغرب فرحلت من القيروان. قال: بل أخرجك منها ابن رسول الله بسيف جدّه صاغرا مهزوما ذليلا خازيا طريدا. فسكت. فقال له المنصور: ثمّ استعملت الكذب. قال: ومتى كذبت؟ قال: في كتابك إلى الأمويّ الشقيّ تزعم فيه أنّك حصرتني وقتلت رجالي وأخذت فازتي. قال: ما كتبت هذا. قال: يا غلام، أحضر كتبه التي أخذناها مع رسوله! قال: العفو! قال: ومن العجب أنّك تعدّ نفسك من الدهاة وتراها أهلا لتدبير الحروب وسياسة الأمور، وامرأة من سفلة الناس كانت أعقل منك. قال: ومن هي؟ قال: امرأتك التي حذّرتك سوء العاقبة وأشارت عليك (٢) بالاعتراف بذنبك، والتوبة إلى الله ربّك، فلو أطعتها لأصبت رشدك. قال: لقد قالت ذلك. قال: أتدري لم بلغت ما بلغت، على خساستك وجهلك وسوء حالك؟ قال: بالقيام لله. قال: معاذ الله! من قام لله نصره الله. ولن يقوم لله إلّا أولياء الله (٣). قال: فبماذا؟ قال: بهوانك على أمير المؤمنين، واحتقاره إيّاك، واستصغاره لشأنك. ولقد كان يقول: لو أخذ عدوّ الله بحلقتي هذا الباب ما خرجت إليه، ليبلو الله المؤمنين ويمحق الكافرين. والذي نفسي بيده، لينجزنّ الله لنا وعده ولو كره المشركون! فسكت. فقال له: عندنا أن نحسن إليك ونتفضّل عليك، ولن ينالك من عقوبتنا أكثر من سجنك في دار واسعة ورزق دارّ لتعلم أنّي ابن رسول الله وأنّ الله فضّل أخلاقنا كما طهّر أعراقنا. فو الله ما لي في قتلك درك ثأر ولا شفاء غيظ. أخزى الله دولة لا يحييها إلّا موتك! ثمّ أمر بحمله فحمل وهو يقول: جزاك الله خيرا! فقد فعلت ما يشبهك. [وفاة الثّائر البربريّ والتّمثيل بجثّته]: وأقام إلى ليلة الخميس آخر المحرّم فمات من الجراح التي أصابته. ولمّا أصبح أمر بإدخاله القفص الذي كان أعدّه له، وجعل معه قردين يلعبان عليه، وأخرجه إلى الخندق تحت قلعة

стр. 637

كيانة ليراه أصحابه وأحضر الجزّارين وأمرهم بسلخه فسلخ بصورة جميع أعضائه ووجهه ورأسه وأخرجوا أحشاءه وعولج بما يحفظ لحوم الموتى، وحشي جلده بالتبن حتّى ظهرت صورته كأنّها ناطقة. وجعل ذلك في صندوقين طويلين، وأهل القلعة مشرفون عليه ينظرون [١٩٦ أ] ما قد عمل به، فهالهم ذلك وملأ نفوسهم رعبا. ولمّا فرغ من فعله بأبي يزيد، وحضرت صلاة الظهر، تقدّم المؤذّنون، فأذّنوا. ثمّ قالوا: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته. صلاة الظهر رحمك الله! فسرّ الناس بذلك وفرحوا وتباشروا. وجلس للناس بعد صلاة الظهر فدخلوا عليه وسلّموا عليه بالخلافة وهنّئوه بها. فبسط آمالهم ووعدهم بالفضل والإحسان والعدل. وأمر بإنشاء الكتب إلى الآفاق بأنّه أمير المؤمنين. وإنّما ستر ذلك وكتمه من أجل الحرب ودوام الفتنة ولئلّا يسرّ عدوّ الله بموت أبيه القائم بأمر الله. وتقدّم بإثبات اسمه بالسّكّة ودار الضرب (١). ووافى في هذا اليوم معبد بن خرز النكّاري بجموعه حتّى نزل تحت قلعة شاكر فملكها. ثمّ زحف من الغد إلى الخندق فنزل عليه ولحق به من بقي بقلعة كيانة من أصحاب أبي يزيد. فندب المنصور لقتاله واقتتلوا قتالا شديدا [و] قتل من الفريقين خلق كثير. ثمّ انهزم معبد إلى كيانة فامتنع بها وقاتل منها. وكان زيري بن مناد وقيصر وشفيع بالمسيلة فأمر بإحضارهم مخفّين بغير أثقال. ورحل يوم السبت غرّة صفر، فأخذ معبد يضرب ساقة العسكر، فبعث المنصور بشرى الصقلبيّ بعرامته (٢) إلى زيري وقيصر لمحاربة معبد فحاربوه وقتلوا منه عددا كبيرا حتّى انهزم. ووصل المنصور إلى المسيلة فأقام بها سبعة عشر يوما. فأتته عساكر كتامة مع خفيف ومسرور الصقلبييّن. وأتاه قوم من بني كملان فعفا عنهم وخلع عليهم. ورحل ليلة الثلاثاء لاثنتي عشرة بقيت من صفر، وأمر زيري بحشد صنهاجة. ثمّ نزل تاهرت يوم الاثنين غرّة ربيع الأوّل، فطيف بأبي يزيد فيها. ونزلت بالمنصور علّة شديدة مدّة عشرين يوما حتّى يئس منه ثمّ برئ. وقلّد مسرورا الخادم عمل تاهرت. ورحل عنها لتسع خلون من ربيع الآخر، فمرّ بقبائل لواتة ومضى يريد إفريقيّة. وخلع على زيري بن مناد أربع خلع كاملة فيها ثوب مثقل بدارات (٣) قيمته أكثر من ألف دينار، وخلع على أولاده وأصحابه، وحمله على فرس من مراكبه بسرج ثقيل وقلّده سيفا وأعطاه ثلاثة أحمال مالا وأعاده إلى موضعه. ونزل مدينة سطيف من بلد كتامة فأقام بها شهرا، وفرض على كتامة أربعة عشر ألف بيت يوافونه بها [ب] المنصوريّة للسكنى بها. ثمّ رحل منها فوافته في مسيره حشود كتامة وعيالاتهم،

стр. 638

فأنفذهم إلى المنصوريّة. فلمّا نزل تبسّة خلع فيها على جميع الأولياء خلعا نفيسة، وتلقّاه كثير من أهل المهديّة بها. [رجوع المنصور إلى القيروان ظافرا]: ثمّ سار والناس يتلقّونه شيئا بعد شيء ركبانا ومشاة حتى أشرف على المنصوريّة، فخرج إليه أهلها بأجمعهم يكبّرون الله ويهلّلون ويدعون له، فسجد على فرسه شكرا لله تعالى، ونزل قصره بالمنصوريّة، وقد بناه له مدام الصقلبيّ في غيبته. وكان وصوله صلاة العصر يوم الخميس لليلة بقيت من جمادى الآخرة فبات بها. وأخرج من الغد أبا يزيد وطوّف به على جمل وعليه طرطور وقردان على كتفيه مدّة ثلاثة أيام. ثمّ حمل إلى المهديّة فطيف به هنالك، ثمّ جعل على خشبة طويلة فوق سور المهديّة، فأقام حتّى مزّقته الرياح. وقالت الشعراء في ذلك فأكثرت. فمن قول محمّد بن سعيد (١) الأبروطي من قصيدة [الطويل]: يقلّدها من هاشم خير هاشم ... وأشرفها بنيان مجد وأرفعا [١٩٦ ب] تحمّل منها ما لو انّ أقلّه ... على كاهل الدهر انكفا وتضعضعا أطلّ على الدنيا فلم يبق جانب ... من الأرض إلّا اخضرّ نبتا وأمرعا رمى الخائن الدجّال إذ حمّ حينه ... فما رام حتّى عاد شلوا موزّعا ٥ سل الغرب كم أبقى به من وقائع حقيق لها بالشرق أن تتوقّعا ... ولم أر كالمنصور بالله ناصرا لدين، ولا أحمى لملك وأمنعا ... [هو الملك المخصوص بالنّصر ملكه وحافظ ما قد كان ضاع وضيّعا] (٢) ... ألم تر يوم القيروان وقوفه وقد كادت الأكباد أن تتصدّعا؟ ... فأبرز وجها للحفيظة أبيضا يقابل وجها للكريهة أسفعا (٣) ... ١٠ إذا استقبل الأبصار، وهي طوامح ثناها، ولم تستكمل اللحظ، خشّعا ... إمام الهدى، أقبلت، والدهر مقبل وقد عاد عود الدهر رطبا فأينعا ... وما أحد يسعى ليدرك غاية من الفخر إلّا كنت بالفخر أشفعا وقال آخر من قصيدة [الكامل]: انظر إلى الأيّام كيف ترى لها ... وجها تألّق نوره وتهلّلا كشف الغطا لمنصّر عن حجّة ... نطقت دلائلها فكانت فيصلا الله جرّد للإمامة فضلها ... مذ قلّد الأمر الإمام الأفضلا قصد التي ليست ترام، بنفسه ... فأقام بالتدبير منها الأميلا ٥ سل كيف كان، وقد رأيت ثباته ... إذ كادت الألباب أن تتزيّلا وسعى الضلال فساق كلّ قبيلة ... وأتى اللعين يقود جيشا جحفلا

стр. 639

ظنّ القلاع تردّ بأسك دونها ... فقصدته من حيث لم يك أمّلا ولجا إلى تلك الوعور، وخلفه ... نكر إذا ما حلّ وعرا أسهلا (١) أتبعته حزما أحاط بكيده ... ورميت عقد ضلاله فتحلّلا ١٠ لم ينج منك، وأين [كان] لمثله ... منجى، ولو سكن السماك الأعزلا؟ جازيته أوفى الجزاء، ولم تكن ... فيما عهدت تقول حتّى تفعلا نعتدّ ذكرك عند كلّ شديدة ... وزرا نلوذ به وسيفك معقلا أقبلت تقدمك السعادة مثلما ... وافى بجدّته الربيع فأقبلا فاسلم أمين الله للدنيا التي ... أعززت، والدين الذي بك أكملا [تمرّد الفضل ابن صاحب الحمار]: ثمّ بلغ المنصور أنّ فضل بن أبي يزيد مضى إلى جبل أوراس وجمع عددا كبيرا وسار إلى قسطيلية وقفصة. فرحل في حينه من المنصوريّة يوم الاثنين غرّة شعبان، ومعه الأمير أبو تميم معدّ وليّ عهد المسلمين، وسار حتّى نزل مدينة سبيطلة ثمّ أتى قفصة فأقام بها أربعة أيام وقد فرّ عنها فضل إلى عمل بسكرة فرحل في طلبه لثلاث بقين منه وبعث الأمير أبا تميم إلى حصن منيع به جماعة من أصحاب فضل بن أبي يزيد ففتحه وعاد غانما بالأسرى، فاستقبله قائما فقبّل ما بين عينيه وضمّه إلى صدره وقال: «أنت ابني حقّا! »، وحزّت رءوس الأسرى فزادت على ثلاثمائة رأس بعث بها إلى المهديّة والمنصوريّة [١٩٧ أ] وأمر بقطع نخلهم وأشجارهم وهدم حصنهم وعاد، وقد توغّل فضل في الرمال، لثلاث خلون من شهر رمضان، ونزل بقصره بالمنصوريّة يوم الثلاثاء النصف منه، ثمّ رحل منه إلى المهديّة لخمس بقين منه. [خطبة عيد الفطر بعد الظفر]: وركب منها يوم الفطر، والأمير أبو تميم وليّ عهده خلف ظهره والأولاد والإخوة والعمومة من ورائهما والأعلام والمطارد بين أيديهما، والطبول تضرب في نواحي العسكر، وهو سائر بوقار حتّى وصل إلى المصلّى فنزل وصلّى بالناس ثمّ صعد المنبر فقال: «بسم الله الرحمن الرحيم، «الحمد لله، شكرا لأنعمه التي لا تجحد، وتعرّضا للمزيد من فضله الذي لا ينفد. «ولا إله إلّا الله، إخلاصا للتوحيد. «والله أكبر، إجلالا لذكر العليّ المجيد، له الكبرياء والقوّة، والجلال والقدرة، والسناء والعظمة، له ما في السماوات العلى، والأرضين السفلى، وما بينهما وما تحت الثّرى، كلّ خاضع لعظمته، متذلّل لعزّته، متصرّف بمشيئته، واقع تحت قدرته. «وأشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمدا عبده ورسوله، اختاره وانتخبه وارتضاه، وكرّمه واصطفاه، وبعثه بالهدى ودين الحقّ الذي تعبّد به من في السماوات من الملائكة المقرّبين، ومن في الأرض من الثقلين أجمعين، فقام ﵇ بما حمّل، وبلّغ ما به أرسل، صادعا بأمر ربّه، صابرا على البأساء والضرّاء، إلى أن أظهر الله دينه على الأديان، وأزهق بحقّه أباطيل الأوثان، صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم، وشرّف وكرّم. «عباد الله، أوصيكم بتقوى الله وطاعته، وخشية

стр. 640

الله ومراقبته، والتقرّب إليه بما يرضيه، فإنّه بما في قلوبكم خبير، وبأعمالكم بصير، لا تخفى عليه خافية، ولا يعزب عنه مثقال ذرّة في السماواتو الأرض: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فازَ فَوْزاً عَظِيماً [الأحزاب: ٧١]. «ألا وإنّ الله جعل يومكم هذا عيدا لتمام صومكم، فاقتدوا فيه بسنّة نبيّكم، وليخرج كلّ منكم عن كلّ واحد من أهله، إناثهم وذكورهم، وصغيرهم وكبيرهم، نصف صاع من برّ أو صاعا من شعير أو صاعا من تمر من طعامكم الذي تأكلون. وأكثروا الدعاء والاستغفار، والحذر من النار. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ [الحشر: ١٨]. «إنّ الله لم يهملكم إهمال الهمج، ولم يجعل عليكم في الدين من حرج. وفّقنا الله وإيّاكم لما يرضيه، ويقرّبنا إليه، ويزلفنا لديه. وصلوات الله أوّلا وآخرا على محمّد خاتم النبيّين وسيّد المرسلين، وعلى أهله الطيّبين المهديّين، السادة الأكرمين، الذين قضوا بالحقّ وبه كانوا يعدلون». الخطبة الثانية: «الحمد لله ربّ العالمين، والعاقبة للمتّقين. والصلوات الغاديات الرائحات الزاكيات الناميات على محمّد وآله الطيّبين، الأئمّة المهديّين، السادة الأكرمين الأبرّين. «حمدا حمدا! شكرا شكرا! أنجزت وعدك، ونصرت عبدك، على كره الكافرين، وصغار المارقين الأخسرين، أحزاب (١) الدجّال اللعين، المغضوب عليهم الضالّين، الأنجاس الأرجاس، أولي الذلّ والإتعاس، الأشقياء الأخزياء، الملعونين في الأرض والسماء. «حمدا حمدا! وشكرا لله شكرا! «سلام الله وصلواته، ورحمته وبركاته عليكما يا أميري المؤمنين، وخليفتي ربّ العالمين، يا ابني الهداة المهديّين، يا أبتاه! يا جدّاه! يا ابني محمّد رسول الله، سلام مسلّم لله فيما قضاه عليّ من فقدكما، صابر على ما امتحنني به من بعدكما (٢). فيا طول الحسرة، وفيض العبرة عليك يا أبتاه! يا محمّداه! يا أبا القاسماه! يا خليلاه! [١٩٧ ب] وا شوقاه! وا ألماه! والذي خلق الأرض والسماء، باعث الموتى، ومميت الأحياء، ما أنا في ريب من اختيار الله لك، ونقلتك إلى دار كرامته، ومستقرّ رحمته التي بوّأها محمّدا رسوله جدّك صلّ الله عليه، وأمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب، وفاطمة الزهراء البتول أمّك. [وآباءك] الأطهار المهديّين، الأبرار الأكرمين. لكنّ لوعة المحزون باعثة للشجون، مبكية للعيون، فإنّا لله وإنّا إليه راجعون، وله مسلّمون، وعلى كلّ حال تصرّف بنا حامدون، ولنعمائه شاكرون. «فقد أعظم الله المنّة، وضاعف النّعمة، بما ربطه على قلبي من الصبر، ثمّ [ب]- ما أكرمني به من العزّ والنصر الذي ثبّت به قواعد الإسلام، ونوّر به قلوب المؤمنين بعد الإظلام، وبعد انقطاع الرجاء، لتطاول شدّة البلاء، بالفتنة العظمى وأهوالها، وبلبالها وزلزالها، بدجّال النفاق، وأحزابه المرّاق، أعداء الدين، وأنصار إبليس اللعين. أمهلهم الله استدراجا، وأملى لهم فازدادوا في الغيّ لجاجا، ليميّز الله الخبيث من الطيّب، وليري أولي الألباب تصديق وعد الكتاب. الم* أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا

стр. 641

آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ* وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ [العنكبوت: ١ - ٣]، وعدا من الله [لا يخلفه]، وحكما لا يبدّله، في الأوّلين من عباده والآخرين، إلى يوم الدين. فكانت بحمد الله ونعمته على أعدائنا فتنة أصمّتهم وأعمتهم، وأضلّتهم وأردتهم، ولنا ولأوليائنا محنة أكسبتنا أجرا، وأعقبتنا عزّا وفخرا، كان وجهها شتيما، وعقباها كريما، لما أراده الله من تجديد دولتنا وإعزاز أمرنا، وتكفّله بنصرنا، تثبيت أوليائنا، ومحق أعدائنا، حتّى انتهت منتهاها، وبلغت أقصى مداها، فجلّى الله ظلمها، ونوّر بهمها (١) وكشف غمّاءها، وصرف لأواءها، على يديّ، كرامة من الله خصّني بها، وفضيلة حباني بشرفها، ونعمة منه عليّ وعلى آبائي الطاهرين، الأئمّة المهديّين. «تظافر [ت] عليّ جيوش المنافقين، الكفرة المارقين فخذلها، وطمحت العيون نحوي فطمسها، ورفعت الرءوس إليّ فطأطأها، وشمخت الأنوف فأرغمها، وصعّرت الخدود فأضرعها، وأبى ﷻ إلّا تمام أمري، وإعزاز نصري، وإنجاز وعده محمّدا رسوله ﵇، بإعزاز ملّته، وإظهار حجّته، ونصر الأئمّة من ذرّيّته. [الإشادة بكتامة]: «يا أهل دعوتنا، وأنصار دولتنا، يا كتامة! احمدوا الله واشكروه على ما خصّكم به وفضّلكم على كافّة الخلق، في غرب وشرق. وبدأكم بالنعمة العظمى، ثمّ شفعكم بالمنّة الكبرى، ووالى بينهما عليكم من نعمه ما لا يحصى: علّمكم، والناس جهّال، وهداكم، والعباد ضلّال، إلى نصرة حقّه وطاعة وليّه، علم الهدى، وسراج الدجى، قطب الدين ونجل النبيّين (٢)، ففزتم بالسبق إلى نصرته، والسعي في طاعته، حتّى إذا قضى الله بزلزال البلاد، واختبار العباد، [و] زلزلت الأقدام، وجلّل الأرض الظلام، وعظمت الخطوب، واشتدّت الكروب، عصمكم الله وهداكم، وثبّت أقدامكم، وجلّاها عنكم خاصّة، وعن العباد كافّة، بنا وبأيدينا، فكانت على العباد حجّة، وعليكم نعمة، لتزدادوا إيمانا فيزيدكم إحسانا، فانجلت والله عنكم وأنتم بيض الوجوه، موفون بعهد الله، معتصمون بحبل الله، مجاهدون في سبيل الله، أحياؤكم سعداء، وأمواتكم شهداء عِنْدَ [١٩٨ أ] رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ [آل عمران: ١٦٩] فهنيئا لكم هنيئا! «اللهمّ إني عبدك، اخترتني وارتضيتني، وشرّفتني بما أورثتني من مقام أصفيائك وخلافة أوليائك، وأغنيتني وأفقرت الخلق في دينهم ودنياهم إليّ، وأنعمت بي، ولم تجعل لأحد عليّ منّة سواك، وأقمتني لإحياء حقّك، والشهادة على خلقك، فإنّي لا أقول إلّا حقّا، ولا أنطق إلّا صدقا. وقد بلغني عن آبائي عن جدّنا محمّد رسول الله ﷺ ، أنّه قال: «ما من خطيب يخطب إلّا وقفه الله يوم القيامة فيسأله عن كلّ كلمة وما أراد بها». فو عزّتك وجلال [ت] تك، وعلوّ مكانك وعظمتك ما هبت عدوّا، ولا ملقت (٣) وليّا ولا شكرت على النعماء أحدا سواك. «وقد أصبحت راضيا عن كتامة لاعتصامهم بحبلك، وصبرهم على البأساء والضرّاء في

стр. 642

جنبك. اللهمّ فارض عنهم، وضاعف حسناتهم، وامح عنهم سيّئاتهم، وأبق نعمتك عليهم في أعقابهم، إنّك مجيب سميع قريب». ونزل فانصرف إلى قصره، وأمر بإطعام العوامّ، وبصدقات فرّقت في الفقراء والمساكين. وفي يوم الأربعاء لعشر بقين من ذي القعدة، وصل رأس فضل بن أبي يزيد، وكان زحف من جبل أوراس إلى مدينة باغاية فحاصرها إلى أن خدعه رجل يقال له باطيط بن يعلى وقتله. [خطبة عيد النحر بعد الظفر بالفضل]: وركب المنصور من قصره بالمهديّة لصلاة عيد النحر على الرسم الذي تقدّم في يوم الفطر، فصلّى بالناس ثمّ صعد المنبر فقال: «بسم الله الرحمن الرحيم. الله أكبر! الله أكبر! لا إله إلّا الله. «والله أكبر! الله أكبر! ولله الحمد والملك والخلق. تبارك الله ربّ العالمين. مدبّر الأمور، وباعث من في القبور. وأشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له، الذي لبس العزّة، وارتدى العظمة، وانفرد بالجبروت والأزليّة، وتوحّد بالملكوت والربوبيّة، العزيز الغفّار، المتكبّر الجبّار، المتعالي عن الصفات، المعروف بالآيات البيّنات، المعبود في الأرضين والسماوات. «وأشهد أن محمّدا عبده ورسول، خاتم أنبيائه، وسيّد أصفيائه، وأكرم أوليائه، بعثه بالهدى، مبصّرا من العمى، منقذا من الضلالة والرّدى، وأكمل به على العباد نعمته وإحسانه، وأبان به سخطه ورضوانه، فبلّغ ﵇ الرسالة، وصرّح بالبشارة، وأعلن النّذارة، وكشف الله به الظلماء، وأبطل الجاهليّة الجهلاء، حتّى تآلف النّافر، وآمن الكافر، وعبد الجاحد، وأذعن المعاند، وأصبح الحقّ واضحا بعد دروسه، مضيئا بعد طموسهبأصنام معبودة، وقلوب كافرة، وأيد عليه متظافرة، إلى أن أذن الله بإظهار دينه على الدين كلّه. «صلوات الله على محمّد سيّد الأنبياء، المضطلع بالأعباء، الصابر على البأساء والضرّاء، الباذل لله نفسه أعزّ الأنفس قدرا، وأجلّها عند الله خطرا، وأرفعها في الملأ الأعلى ذكرا، لا يسأل العباد على ذلك أجرا إلّا المودّة في القربى، كما أمره ربّه ليكون الودّ لأئمّة الهدى من ذريّته سببا لشفاعته والحشر في زمرته. «الله أكبر! الله أكبر! لا إله إلّا الله! والله أكبر! الله أكبر! ولله الحمد والعظمة والمجد! «عباد الله، إنّ يومكم هذا يوم عيد أوجب الله تعظيمه وتكريمه، افتتح به الأيام المعدودات، وختم به الأيام المعلومات، وجعله علما للميقات، لحجّ بيته الحرام المعظّم، العتيق المكرّم، تفتح فيه أبواب السماء، لقبول الدعاء. فادعوا الله مخلصين، وابتهلوا إليه راغبين، تقرّبا بما أمركم [و] وزعكم (١)، من بهيمة الأنعام [١٩٨ ب]، وأفضلها إناث الإبل، وإناث البقر، وفحول الضأن. ومن ضحّى بجذع من المعز لم يجز عنه، وجذع الضأن يجزي، وكلّ ذبيح قبل الصلاة لحم محلّل، وبعد الصلاة قربان متقبّل. وتمام الأضاحي سلامة الأعين والآذان، فاجتنبوا مرضاها ومشوّهاتها، بزيادة الأعضاء ونقصانها، وأحدّوا الشّفار (٢) لها، وارفقوا عند الذبح بها. فَإِذا وَجَبَتْ جُنُوبُها فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا الْقانِعَ وَالْمُعْتَرَّ [الحجّ: ٣٦]، كَذلِكَ سَخَّرْناها لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [الحجّ: ٣٦].

стр. 643

«تقبّل الله منّا ومنكم قرباننا، وأجاب دعاءنا، وزكّى أعمالنا، إنّه المنّان الكريم، الجواد الرّحيم». [الخطبة] الثانية: «الله أكبر! الله أكبر! لا إله إلّا الله. «والله أكبر! الله أكبر! الله أكبر! ولله الحمد دائما، والملك باقيا، والعزّ قاهرا، والدين واصبا (١). فسبحان من تفرّد بالبقاء، وتوحّد بالبهاء، وتمجّد بالسّناء، وقهر الخلق بالفناء، ومنّ بالنعم والآلاء، ابتدأ بجوده وجزى بعدله، شهد الله وشهد من مجّده أنّه لا إله إلّا هو، والملائكة المقرّبون وأولو العلم المؤمنون، قائما بالقسط، منفردا بالملك، متوحّدا بالربوبيّة، لا إله إلّا هو العزيز الحكيم، وأنّ محمّدا عبده ورسوله خاتم النبيّين وسيّد المرسلين، وأكرم المصطفين، وأفضل المنتخبين، صلوات الله عليه وعلى من تقدّمه من الأنبياء والمرسلين، وخلفه من الأئمّة المهديّين من ذرّيّته الكرام الطاهرين، ألسن الصدق وأعلام الحقّ، وهداة الخلق، ودعاة الرشد، وأدلّة القصد. «اللهمّ، صلّ منهم على من بدا ضياؤه، ساطعا سناؤه، بحر علوم زاخر الغوارب، وبدر سماء زاهر الكواكب، منوّر الظّلم، وكاشف البهم (٢)، محيي السنن، ومميت الفتن: ذلك عبد الله ووليّه وخيرته وصفيّه، أبو محمّد الإمام المهدي بالله أمير المؤمنين، المرتضى للدين، والهادي إلى الحقّ المبين، وسيف الله المنتضى على الكافرين. اللهمّ صلّ عليه أتمّ صلواتك، وواصل لديه تحيّاتك، وجدّد له كراماتك، وزده في نعمائك، وفواضل آلائك، وجزيل عطائك. «اللهمّ، وصلّ على وارث مقامه، وواصل أيّامه، العلم الأزهر، والسراج الأنور، محمّد أبي القاسم (٣) القائم بأمر الله أمير المؤمنين، الذي اصطفيته وكرّمته، واخترته وارتضيته، وامتحنته وابتليته، فكان لأنعمك شاكرا، وعلى البلاء صابرا، مسلّما تسليم أنبيائك الأكرمين، وأوليائك المنتخبين، لرفع شأنهم وكرامتهم، لا لهوانهم. لقد كان المبتلى بأعظم فتنة، وأشدّ محنة، من أحقّ الأمم بالخزي واللعنة، لافترائهم عليك، وارتكابهم معاصيك، وجحدهم تنزيلك، وتكذيبهم رسولك، وتألّبهم على إطفاء نورك، وتظافرهم على هدم دينك، ولم يكن إلى سواك ضارعا، ولا إلى غيرك خاضعا، ولا في نصرك شاكّا، فنطق به مفصحا، وبيّنه موضّحا، تثبيتا للمؤمنين، واحتجاجا على الكافرين. ثمّ صرمت أيّامه، وقضيت حمامه، قبل شفاء غيظه ودرك ثأره، وبلوغأمله، فخرج من الدنيا راضيا بك، ضاحكا مسرورا بلقائك، واثقا بجزائك. اللهمّ، فصلّ عليه صلاة لا تبلغها الآمال، ولا تنتهي إليها الأعمال، تخصّه منها بأكرم فضيلة، وأقرب وسيلة، وزده إحسانا ورضوانا، ورأفة وحنانا، من فضلك الذي لا ينقصه الإعطاء [١٩٩ أ]، وجودك الذي لا منّ فيه ولا أذى. وإنّا لقضائك عليه لمسلّمون، وباختيارك له راضون، وبثوابك له موقنون، ودعاؤنا له وصلواتنا عليه فرض منك نؤدّيه، وحقّ أوجبته علينا نقضّيه. «اللهمّ لك الحمد من قبل ومن بعد على نعمتك عليّ، بإفضائك إليّ إمامة الآباء المهديّين، وخلافة الأئمّة الراشدين، ونصبك إيّاي لإحياء الدين، بإقامة سنن سيّد المرسلين وإعزاز

стр. 644

المؤمنين، وإذلال الكافرين، أوان طغيان الشيطان، وحين أناخ الباطل على الحقّ بكلكل وجران، فأتممت أمري وأعززت نصري، وأسبغت نعمتك عليّ، ورادفت منّتك إليّ، ولم تجعل للمخلوقين عليّ فيها يدا، ولا منكدا (١). «وإليك أرفع رغبتي، وأوجّه طلبتي، في إيزاع شكر نعمتك وقضاء حقّك، وأداء فرضك، والتوفيق لما أرضاك، وقرّب إليك، وأزلف لديك. «اللهمّ، إنّي عبدك ووليّك، فضّلتني ففضلت، وعزّزتني فعززت، فأنا العزيز بك، الذليل لك، الكريم بإكرامك، المتواضع لإعظامك، إجلالا لعزّتك، وخضوعا لقدرتك، وإشفاقا من خشيتك، لا راغبا ولا راهبا إلّا إليك ومنك. وأتمم عليّ نعمتك بالتوفيق فيما أمتري به إحسانك، وأستوجب رحمتك ورضوانك. «اللهمّ، اغفر للمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات، الذين أنعمت عليهم بنا فشكروا، وجاهدوا عن دولتنا فصبروا، مستبصرين في دينهم، موفين بعهدهم، مسلّمين لوليّ أمرهم، مصدّقين بالحقّ لمّا جاءهم، مسارعين إلى الخيرات، متنافسين في الصالحات، اللهمّ، ضاعف أجرهم، وأعزز نصرهم، واكبت بهم قلوب أعدائك، وجحّاد حقّ أوليائك. «وصلّ اللهمّ، على محمّد نبيّك المصطفى، ورسولك المرتضى، وعلى آله الطيّبين، والأئمّة المهديّين، والحمد لله ربّ العالمين، أولا وآخرا، باطنا وظاهرا». ثمّ نزل. [التحوّل إلى المنصوريّة العاصمة الجديدة]: وأقام إلى منسلخ صفر سنة سبع وثلاثين ورحل من المهديّة يوم الخميس عشرة ربيع الأوّل فوصل إلى قصره بالمنصوريّة من الغد، وقد عمل سور على المنصوريّة في العام الماضي. وفي هذه السنة ولّى المنصور بالله الحسن بن عليّ بن أبي الحسين على صقليّة، وهو أوّل من وليها من بني أبي الحسين (٢)، واستمرّ عليها حتى وفاته سنة ثلاث وخمسين وثلاثمائة. وكانت صقليّة تحت يد خليل بن إسحاق إلى أن قدم منها في سنة تسع وعشرين وثلاثمائة، واستخلف عليها. فلمّا وصل إليها الحسن صرف عمّالها، وبقيت بها مملكته ومملكة عقبه من بعده. وفيها ولّى المنصور عبد الله بن هاشم قضاء القيروان في ربيع الأوّل بعد وفاة محمّد بن أبي المنظور، وولّى عليّ بن أبي شعيب قضاء المنصوريّة (٣). وفي سنة ثمان وثلاثين قطعت السبيل وكثر

стр. 645

المفسدون فأخرج المنصور في طلبهم عسكرا فقتلوا منهم خلقا كثيرا وأسروا مائة وأربعة عشر، فقطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف، وسملت أعينهم. وفي يوم الاثنين لإحدى عشرة خلت من صفر سنة تسع وثلاثين، عزل عليّ بن أبي شعيب عن قضاء المنصوريّة بزرارة بن أحمد، وعمره تسعون سنة، فخافه الخاصّة فعزله في آخر شهر رمضان وولّا [هـ] قضاء المهديّة. واستدعى أبا حنيفة النعمان بن محمّد قاضي طرابلس فولّاه قضاء المنصوريّة في أوّل سنة أربعين وثلاثمائة وخلع عليه. وولّى حسن بن أحمد بن أبي الدبس قضاء طرابلس (١). وفي المحرّم منها [سنة ٣٤٠] أخرج المنصور أسطولا عظيما إلى صقليّة لغزو بلاد الروم. وأخرج فرجا الصقلبيّ في عسكر عظيم إلى صقليّة، فسار معه الحسن بن عليّ إلى قلوريّة، ولقيا ملجان (٢) الروميّ، ومعه ثلاثون ألفا، وكان بينهم قتال شديد نصر الله فيه المسلمين، وعاد فرج إلى المهديّة [١٩٩ ب] بالغنائم والسبي في صفر. [الإعذار الجماعيّ سنة ٣٤٠] (٣): وفيها أمر المنصور بكتابة أولاد القوّاد ووجوه الدولة والجند وضعفاء الناس من أهل القيروان وغيرها، ليختنوا، وأعدّ لهم الكسى والصلات، فبلغوا أكثر من عشرة آلاف (٤). فابتدروا إلى ختانهم يوم السبت لستّ بقين من ذي الحجّة، ودام إلى سابع محرّم سنة إحدى وأربعين، وعمل ولائم فأطعم خاصّة الناس وعامّتهم، وأعطى الصبيان على قدر مراتبهم ما بين مائة دينار وكسوة رفيعة إلى مائة درهم وكسوة. وتسامع الناس بذلك من كلّ ناحية فكثروا حتّى كان يختن في كلّ يوم ألف وخمسمائة وأكثر وأقلّ. وأقام على ذلك سبعة عشر يوما بلغت عدّتهم مائة ألف. فبلغ ما أنفقه في هذا الختان مائتي ألف دينار. وفي نسخة (٥): ويقال إنّه أنفق نحو ألف ألف دينار في هذه الأيّام. وحدث في البلد عند ذلك أفراح عظيمة لم ير أحد قبلها مثلها. وفي يوم الثلاثاء، النصف من ربيع الآخر سنة إحدى وأربعين، وصل رسول من القسطنطينية في طلب الموادعة والهدنة، ومعه هديّة عظيمة. فأظهر المنصور من عزّة الإسلام وقوّة أهله أمرا عظيما وأنزل الرسول. وفيها أخذ معبد بن خزر الزناتي صاحب أبي يزيد النكّاري أسيرا مع ابنه، فقدما لليلتين بقيتا من جمادى الآخرة، فقتلا بعد ما شهّرا (٦).

стр. 646

وخرج المنصور على الساحل فانتهى إلى قابس، ودخل أهل جزيرة جربة في طاعته، وقدم لعشر خلون من جمادى الآخرة، بعد ما غاب ثلاثين يوما. وأمر القاضي النعمان بن محمّد بجمع العلماء المالكيّة والشافعيّة والحنفيّة والشيعة، فاجتمعوا يوم الخميس النصف من صفر، للنظر في هدنة صاحب القسطنطينيّة وموادعته، وهل يجتمع رأيهم على قبول المال منه وترك محاربته، أو محاربته وترك موادعته؟ فقالوا: «ما رآه أمير المؤمنين فهو الرأي». وكان رأيه قبول المال وتمام الموادعة. فانصرفوا من عند النعمان فوافوا خروج الأمير أبي تميم، ابن المنصور، فسلّموا عليه واجتمعوا عنده فسألهم عمّا جرى فأخبروه بما كان فأمرهم فانصرفوا. ورفع إلى المنصور أنّ قاضي برقة (١) تقدم إليه خصمان، فحكم على أحدهما، فقال له المحكوم عليه: لقد حكمت بغير مذاهب أهل البيت ﵈. فقال له: والله لا أحكم بمذاهبهم ولو علّقت بيدي! فأحضروه إلى القيروان وعلّق بيده على خشبة غرزت في غربيّ الجامع حتّى مات. وكان يتضرّع في شربة ماء فلم يسق. وكان معه صهره فأغلي الرصاص وصبّ في دبره فمات. وفيها أكّد المنصور لابنه أبي تميم معدّ أنّه وليّ عهده وخليفته ووصيّه والقائم بالخلافة من بعده. [مرض المنصور بعد نزهة بعين جلولاء]: وخرج في شهر رمضان متنزّها إلى جلولاء، وهو موضع كثير الثمار فيه من الأترجّ ما لا يحمل الجمل منه سوى أربع أترجّات لعظمه. وكان قد ورد عليه منه شيء إلى قصره فأعجبت به حظيّته قضيب- وكان محبّا لها- وسألته أن ترى ذلك على أغصانه. فسار بها وخرج معه جميع عسكره، فأخذه بجلولاء مطر عظيم وريح بها شديد. فخرج منها راكبا على فرسه، وقضيب في عمّارية (٢)، يريد المنصوريّة، فدام عليه ذلك المطر والريح، وقد وحل في الطريق، فلم يمكنه إلّا التّمادي لما أراده الله. فكان يوجد العبيد السودان على الطريق قعودا، فإذا حرّكوا إذا هم موتى قد جفّوا في البرد لأنّه كان أمرا عظيما. وكان بين يدي المنصور حسنون الرقّاص فقال له: «يا حسنون، احتل في شيء تجعله بين رجليّ والركاب، فإنّي أحسّ برد الحديد». فقطع شيئا من ثيابه وجعله بين رجليه والركاب. ووصل المنصور إلى قصره بالمنصوريّة آخر النهار، وقد مرّ عليه برد شديد. فأمر [٢٠٠ أ] في الوقت بإحماء الحمّام فأحمي، ودخل فاعتلّ من وقته. وأتى عيد الفطر، فصلّى بالناس وهو متغيّر اللون ضعيف. فاستحكمت علّته في شوّال. فأوصى ابنه أبا تميم أن يكفّنه في ثلاثة أثواب

стр. 647

بيض، وأن يمنع من النّوح عليه والبكاء، وأن يباشر بخدّه الأرض- مع ما أوصاه به من حسن السيرة والعدل في الرعيّة-. فلمّا كان يوم الجمعة آخر يوم من شوّال سنة إحدى وأربعين وثلاثمائة توفّي بالمنصوريّة، فغسّله جعفر بن عليّ الحاجب، وصلّى عليه ابنه أبو تميم معدّ مع من حضر من الخاصّة، ودفن في قصره ليلا. ويقال إنّه أراد عبور الحمّام في مرضه فنهاه طبيبه إسحاق بن سليمان الإسرائيلي (١) عن ذلك، فلم ينته. ودخل الحمّام ففنيت الحرارة الغريزيّة منه ولزمه السهر. فأخذ طبيبه يعالج المرض دون السهر. فاشتدّ عليه ذلك فقال لخاصّته: أما في القيروان طبيب سوى إسحاق؟ فأتوه بشاب يقال له أبو جعفر أحمد بن إبراهيم بن أبي خالد بن الجزّار (٢) فجمع له مخدّرات عدّة وكلّفه بشمّها حتى نام. ثمّ خرج وهو مسرور بما كان منه. فجاء إسحاق ليدخل على المنصور فقيل له: هو نائم. فقال: إن كان صنع له شيء منوّم فقد مات! . [وفاة المنصور]: فدخلوا فإذا به [قد] مات. فأرادوا قتل ابن الجزّار فمنعهم إسحاق من قتله وقال: لا ذنب له. إنّما داواه بما قد ذكره الأطبّاء. غير أنّه جهل أصل المرض ولم تعرّفوه أنتم به. وذلك أنّي عالجته أريد تقوية الحارّ الغريزيّ، وبه يكون النوم. فلمّا عالجه هو بما يطفئ الحارّ الغريزيّ، علمت أنّه قد مات. وتوفّي وهو ابن أربعين سنة كاملة. وكانت خلافته سبع سنين وثمانية عشر يوما. وكان حسن السيرة في الناس. وكان فصيحا خطيبا، يخترع الخطبة لوقته. وكان حادّ الذهن حاضر الجواب بعيد الغور جيّد الحدس شجاعا عاقلا. وكان كثير القتال لأهل الفساد، وبذلك استقام الأمر لولده من بعده. وكان يشبّه بأبي جعفر المنصور ثاني خلائف بني العبّاس: وذلك أنّ كلّ واحد منهما اختلّت الدولة عليه، وكاد أن يسلّ من الخلافة فهبّت له رياح النصر حتّى تراجع أمره ولم يبق له منازع. وكان للمنصور من الأولاد: أبو تميم معدّ، وولي الخلافة من بعده. وحيدرة، وهاشم، وطاهر، وأبو عبد الله الحسين (٣). وخمس بنات هنّ: هبة، وأسماء، وأروى، وأمّ سلمة ومنصورة (٤).

стр. 648

وكان له ثلاث أمّهات أولاد. وكان نقش خاتمه: بنصر الباطن الظاهر ينتصر الإمام أبو الطاهر. وكان قضاته: أحمد بن الوليد (١)، ثمّ محمّد بن أبي المنظور. ثمّ عبد الله ابن هاشم، ثمّ عليّ بن أبي شعيب، ثمّ أبو محمّد زرارة بن أحمد، ثمّ أبوحنيفة النعمان بن محمّد التّميمي. وكان حاجبه جعفر بن عليّ. ولمّا قدم المعزّ لدين الله أبو تميم معدّ إلى القاهرة، كان معه توابيت آبائه: المنصور إسماعيل هذا، والقائم أبي القاسم محمّد، والمهدي عبيد الله، فدفنهم بتربة القصر من القاهرة. فلذلك ذكرته (٢) في كتابي هذا. وحكى أبو جعفر أحمد بن محمّد المروروذي قال: «كنت مع المنصور في اليوم الذي أظهره الله فيه على أبي يزيد وهزمه. فقدّمت إليه وسلّمت عليه وقبّلت يده ودعوت له بالنصر والظفر، فأمرني أن أركب، وقد جمع عليه سلاحه وآلة حربه، وتقلّد سيف جدّه ذا الفقار، وأخذ بيده رمحين. فحدّثته ساعة، فجال به الفرس، فردّ أحد الرمحين إلى يده اليسرى، فسقط من يده إلى الأرض، فتفاءلت له بالظفر، ونزلت مسرعا، فرفعت الرمح من الأرض، ومسحته بكمّي ورفعته إليه وقبّلت يده وقلت [الطويل]: فألقت عصاها واستقرّ بها النوى ... كما قرّ عينا بالإياب مسافر [٢٠٠ ب] فأخذ الرمح من يدي وقال: هلّا قلت ما هو خير من هذا وأصدق؟ قلت: وما هو؟ قال: قول الله : * وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَلْقِ عَصاكَ فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ* فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ* فَغُلِبُوا هُنالِكَ وَانْقَلَبُوا صاغِرِينَ [الأعراف: ١١٧ - ١١٩]. فقلت: يا مولانا، أنت ابن رسول الله وإمام الأمّة، عليكم نزل القرآن، ومن بيتكم درجت الحكمة، فقلت أنت بما عندك من نور النبوّة، وقال عبدك بما بلغه من علمه ومعرفته من كلام العرب وأهل الشعر. وكان الأمر كما قال: فما هو إلّا أن أشرف على عسكر أبي يزيد [حتّى] ضرب الله في وجوههم، فقتلوا وأحرق معسكرهم وخيامهم بالنار، وولّى أبو يزيد في بقيّة أصحابه خائبين إلى داخل المغرب. ولم ير كصبره يوم القيروان، وهو يقاتل أبا يزيد. وقد ذكر حسن موقفه شاعره محمّد بن الحرث فقال: ولم أر كالمنصور بالله، ناصرا ... لدين، وأحمى منه ملكا وأمنعا (٣) ألم تر يوم القيروان وقوفه ... وقد كادت الأكباد أن تتقطّعا؟ (٤) وأبرز عن وجه من الصبر أبيض ... يقاتل وجها للكريهة أسفعا إذا استقبل الأبصار، وهي طوامح ... ثناها، ولم تستكمل اللّحظ، خشّعا (٥)

стр. 649

٧٨١ - الخواجا مجد الدين السلّاميّ [٦٧١ - ٧٤٣] [١٦٧ أ] إسماعيل بن محمّد بن ياقوت، الخواجا مجد الدين، السلّامي من [ ... ] يقال لها السلّاميّة ببلاد الشرق (١). ولد سنة إحدى وسبعين وستّمائة، وقدم إلى مصر تاجرا واشتهر في الأيّام الناصريّة محمّد بن قلاوون، وصار من تجّار الخاصّ (٢)، وسافر مرارا إلى بلاد التتار، وعاد بالرقيق من المماليك والجواري، وغير ذلك من البضائع. ودخل مع السلطان في أمور المملكة، وسعى في الصلح بينه وبين الأمير جوبان والقان بو سعيد (٣) حتّى تمّ ذلك. فعظمت مكانته وازدادتوجاهته وتأتّت على يده أمور موافقة لغرض السلطان فازداد حبّه له ورتّب له الرواتب السنيّة في كلّ يوم من اللحم، والعليق (٤)، والسكّر، والحلوى، والكماج (٥)، والرقاق، مع الدراهم، وكانت تبلغ في كلّ [يوم] مائة وخمسين درهما. وأنعم عليه بقرية في بعلبك، وأعطى مماليكه إقطاعات كثيرة المتحصّل فكان يقيم بالأردو الثلاث السنين والأربع، والبريد لا ينقطع عنه. وتحمل له التحف من مصر ليفرّقها على حسب ما يراه في أعيان الأردو. وكان له ببلاد الشرق أيضا عدّة ضياع، منها

стр. 650

السلّاميّة والماحوزة والمراوزة والمناصف (١). وكان إذا قدم إلى مصر يخرج كريم الدين الكبير، مع عظمته، إلى لقائه. وكتب له مرسوم أن لا يؤخذ منه عن مبلغ خمسين ألف درهم شيء للديوان السلطانيّ، وما عداها فيؤخذ منها نصف ما يؤخذ من غيره. فلمّا مات أبو سعيد ووقع الاختلاف بتلك الديار بين المغل اتّضع بها جاهه وغرم مالا كثيرا. فكتب إلى السلطان يسأله في طلبه من الشيخ حسن (٢). فكتب إليه بتجهيزه، فجهّزه إلى مصر صحبة رسوله، وسأله التوسّط بين السلطان وبينهم في دوام الصلح. فقدم في سنة ثمان وثلاثين وسبعمائة (٣)، وأقام بالقاهرة حتّى مات السلطان، وأقيم من بعده ابنه الملك المنصور أبو بكر. [ف]- قبض عليه الأمير قوصون وصودر على مال، ثمّ أفرج عنه ولزم داره حتّى مات بالقاهرة يوم الأربعاء سابع جمادى الآخرة سنة ثلاث وأربعين وسبعمائة. ودفن بتربته خارج باب النصر. وكان ذا عقل وافر وتدبير جيّد، وخبرة بأخلاق الملوك ومعرفة بآدابهم [٢٠١ أ] وأغراضهم مع خلق ريّض وكلام سديد وشكالة مليحة وطلعة بهيّة. ٧٨٢ - إسماعيل المحلّيّ [- بعد ٥٤٠] (٤) [١٦٧ ب] إسماعيل بن محمود بن أحمد بن الحسن، المحلّيّ، المقرئ. كان أصله من دمشق، وسكن المحلّة (٥)، وولي الخطابة بجامعها، وناب في الحكم، وسمع من القاضي مجلّي (٦) والسلفيّ وسعيد المأمونيّ. قال السلفيّ: قرأ عليّ معالم السّنن للخطّابيّ (٧) قراءة صحيحة لا تملّ. وكان له تصدير بالمحلّة. مات في حدود الأربعين وخمسمائة. ٧٨٣ - ابن عوف المالكيّ [٤٨٥ - ٥٨١] (٨) [١٦٨ أ] إسماعيل بن مكّي بن إسماعيل بن عيسى بن عوف بن يعقوب بن محمّد بن عيسى بن عبد الملك بن حميد بن عبد الرحمن بن عوف، القرشيّ، الزهريّ، الفقيه، رشيد الدين، جمال الفقهاء، صدر الإسلام، أبو الطاهر، ابن أبي الحرم، المعروف بابن عوف، المالكيّ. مولده سنة خمس وثمانين وأربعمائة. وتفقّه على أبي بكر محمّد بن الوليد الطرطوشيّ، وسمع منه الحديث، ومن أبي عبد

стр. 651

الله محمّد بن أحمد بن إبراهيم الرازيّ. ومات بالإسكندريّة ليلة الأربعاء الخامس والعشرين من شعبان سنة إحدى وثمانين وخمسمائة. ومن شعره ما كتب به إلى تقيّة ابنة غيث الأرمنازيّ (١) وقد كتبت تستفتيه في الاشتغال بالشعر فأجابها بهذه الأبيات [خفيف]: قل لمن يعشق القوافي ويفني ... ليله في تفكّر وهجود كلّ ما [قد] هويته ليس يجدي ... [- ك] انتفاعا عليك يوم الخلود لو تفكّرت في الذنوب وأسبل ... ت سحاب الدموع فوق الخدود كنت قد فزت بالنجاة وأصبح ... ت سعيدا في طاعة المعبود ٧٨٤ - زين الدين السفطي [- ٧٣٩] [١٦٧ ب] إسماعيل بن موسى بن عبد الخالق، زين الدين، السفطي، الشافعيّ. قرأ القراءات على زكيّ الدين عبد المنعم وغيره. وسمع بمصر على أبي الحسن بن رشيق، والحافظ عبيد، وبقوص من أبي العبّاس القرطبيّ، وغيره. وبرع في الفقه. ودرّس بالمنكوتمريّة بالقاهرة. وولي الحكم بقوص (٢)، والبهنسا وبلبيس. وكفّ بصره. توفّي في المحرّم سنة تسع وثلاثين وسبعمائة. وكان عارفا بالفقه والأصول والنحو والقراءات. وكان يقظا صحيح الذهن. ٧٨٥ - الفخر ابن المليجيّ المقرئ [- ٦٨١] (٣) [١٦٩ أ] إسماعيل بن هبة الله بن عليّ بن هبة الله، أبو الطاهر، فخر الدين، ابن شرف القضاة أبي القاسم. ابن ثقة الملك أبي الحسن، عرف بابن المليجيّ، المصري، العدل، المسند، المعمّر، المقرئ، الشافعيّ. قرأ القراءات على الإمام الفرضيّ النحويّ المقرئ أبي الجود غياث بن فارس بن مكّي بن عبد الله اللخميّ المنذريّ (٤) في سنة أربع وستّمائة، وهو آخر من حدّث عنه في الدنيا. واحتيج إلى إسناده العالي، فقرأ عليه جماعة، منهم الشيخ [أثير الدين] أبو حيّان، وأبو بكر الجعبريّ، والقطب عبد الكريم بن عبد النور الحلبيّ. وختم بموته أصحاب أبي الجود. وكان تاركا للفنّ، وإنّما ازدحموا عليه لعوالي روايته. وتوفّي يوم [ ... ] شهر رمضان سنة إحدى وثمانين وستّمائة ودفن بالقرافة.

стр. 652

٧٨٦ - أبو صالح ابن العديم [٦١٠ - ٦٩٤] (١) [١٦٩ ب] إسماعيل بن هبة الله بن محمّد بن هبة الله بن أحمد بن يحيى بن زهير بن هارون بن موسى بن عيسى بن عبد الله بن محمّد بن عامر بن أبي جرادة، أبو صالح، عرف بابن العديم، الحلبيّ، الحنفيّ، من بيت كبير مشهور. ولد بحلب سنة عشر وستّمائة. وسمع من جدّه أبي غانم محمّد بن هبة الله. وقدم مصر، وحدّث بها بجزء أبي عليّ الكنديّ بسماعه من الحسين بن صصرى. توفّي في المحرّم سنة أربع وتسعين وستّمائة. ٧٨٧ - سيف الدين البوبكريّ [- ٧٧٧] (٢) [١٥٤ أ] أسنبغا بن بكتمر البوبكريّ، الأمير سيف الدين، ابن الأمير سيف الدين. تنقّل في الإمرة حتّى صار من مقدّمي الألوف. فلمّا مات الناصر محمّد قبض عليه وسجن بالإسكندريّة. ثمّ أفرج عنه في أوّل سلطنة الصالح إسماعيل في جملة ستّة وعشرين أميرا. ٧٨٨ - أسندمر كرجي [- ٧١١] (٣) [١٧٦ أ] أسندمر كرجي، الأمير سيف الدين [٢٠١ ب]. تنقّل في الخدم إلى أن ولي برّ دمشق في سنة اثنتين وتسعين وستّمائة، عوضا عن طوغان لمّا جهّز نائبا بقلعة الروم (٤). ثمّ عزله العادل كتبغا في ذي القعدة سنة خمس وتسعين وستّمائة بعلاء الدين الجاي. ثمّ قبض عليه وقيّد وسجن بقلعة دمشق في حادي عشرين محرّم سنة ستّ وتسعين. ونقل إلى طرابلس نائبا عوضا عن الأمير قطلوبك المنصوريّ في سنة إحدى وسبعمائة، فمهّد طرابلس وأقام الحرمة وسفك الدماء بأنواع الإزهاق. فلمّا قدم غازان إلى الرحبة وعاد منها، وبعث قطلوشاه على العسكر إلى الشام، قدم أسندمر بعسكر طرابلس إلى دمشق في من قدمها من العساكر. واجتمعوا عند العادل كتبغا على حماه. فقدم الخبر بأنّ طائفة من التتر هجموا القريتين وبها جمع كبير من التركمان بأموالهم وأهاليهم. فركب أسندمر هذا في ألف وخمسمائة وساق فأدرك التتار بناحية عرض، ومعهم ما كسبوه من التركمان. فثاروا إليهم وتركوا الأغنام وغيرها ناحية ليشتغل العسكر بنهبها، فلم يمكّنهم أسندمر من ذلك، وقسم العسكر أربع فرق، وقرّر أن تحمل فرقة على التتر، فإذا اشتغلوا بالقتال أحاطت الفرق الثلاث بهم. وتقدّم في الفرقة الأولى وقاتل التتر، فأدركته بقيّة أصحابه كما قرّر معهم وأوقعوا بهم وقعة شديدة ثبتوا فيها ثباتا

стр. 653

كثيرا. وترجّل منهم جماعة عن خيولهم ورموا بالنّشّاب، فنصر الله العسكر عليهم وهزمهم وقتلهم عن آخرهم فيما بين الظهر إلى العصر في يوم الحادي عشر من شعبان سنة اثنتين وسبعمائة، وكانوا نحو أربعة آلاف. واستنقذ أسندمر من كان في أيديهم من حريم التركمان وأولادهم ورحالهم، وعدّتهم تقارب الستّة آلاف نفس، فنجوا بأنفسهم. ولم يفقد من العسكر إلّا أميرين هما آنص الجمدار المنصوريّ ومحمّد بن باشقرد الناصريّ، وستّة وخمسين من الأجناد. وأسر من التتر مائة وثمانون رجلا. وعاد العسكر إلى حماة، وكتب بالبشارة إلى دمشق، فدقّت الكوسات بها، وسرّح البريد إلى مصر لبشارة السلطان الملك الناصر محمّد بن قلاوون، وكان قد خرج من قلعة الجبل فسرّ بذلك، وتفاءل بالنصر فصدق الفأل كما ذكر في ترجمته (١). ولم يزل [أسندمر] بطرابلس إلى أن ترك الملك الناصر محمّد بن قلاوون الملك وقام في السلطنة [١٧٦ ب] عوضه المظفّر بيبرس الجاشنكير. فلمّا تحرّك الناصر على أخد الملك من بيبرس، وسار من الكرك إلى دمشق، قدم عليه [أسندمر] وسار معه إلى مصر. فولّاه نيابة حماة عوضا عن قبجق في ثاني شوّال سنة تسع وسبعمائة. وبعث قراسنقر نائب الشام، والحاجّ بهادر الحلبيّ نائب طرابلس ليقبضا على المظفّر بيبرس، وقد توجّه من إخميم على طريق السويس يريد صهيون. فلمّا قبضا عليه من ظاهر غزّة وحملاه إلى الخطّارة لقيهما أسندمر كرجي، وقد بعثه السلطان ليقيّد بيبرس ويسير به مع قراسنقر وبهادر حتّى يوصلاه إلى السلطان. فقيّد بيبرس. وأسرّ إلى قراسنقر أن لا يدخل مصر، وخوّفه من السلطان. فعاد هو وبهادر من الخطّارة إلى دمشق، وسار أسندمر ببيبرس إلى مصر. فكان من قتله ما ذكر في ترجمته (٢). ودخل أسندمر الخوف، وأخذ يعمل في سفره من مصر، حتّى أذن له السلطان فسار إلى حماة. ثمّ صرف عنها بالملك المؤيّد عماد الدين إسماعيل ابن الأفضل فلم يمكّنه من حماه. فاتّفق موت قبجق نائب حلب. فسار أسندمر إليها، وكتب يسأل السلطان كتابة تقليده. فغضب من ذلك وبعث التقليد، وفي نفسه منه حزازات، إلى أن أخرج الأمير كراي [٢٠٢ أ] المنصوريّ، ومعه من الأمراء سنقر [الكماليّ] الحاجب، وأيبك الرومي، وبينجار، وكجكن، وبهادر آص، في عسكر لحصار سيس (٣). وكتب إلى المؤيّد عماد الدين إسماعيل صاحب حماة بالمسير مع كراي. وكتب إلى أسندمر بتجهيز آلات الحصار على العادة والاهتمام بأمر سيس. وأسرّ السلطان إلى كراي عند ما وادعه بالقبض على أسندمر. فسار بالعسكر من القاهرة في مستهلّ ذي القعدة سنة عشر وسبعمائة إلى حمص. فوافاهم الأمير منكوتمر الطباخيّ من مصر يوم عرفة، وعلى يديه كتاب السلطان لكراي بما يعتمده، وعدّة كتب ملطّفة لأمراء حلب بمساعدة كراي على أخذ أسندمر. وتقدّم منكوتمر (٤) إلى حلب، وتبعه

стр. 654

كراي بمن معه على جرائد الخيل، وساروا (١) من حمص إلى حلب في يوم ونصف، ودخلوها ليلا، وأتوا باب القلعة، وأشاروا إلى نائب القلعة، وكان في انتظارهم. فأخرج لهم رجال القلعة بالسلاح وآلات الحصار، وزحفوا جميعا على دار النيابة. وتلاحق بهم أمراء حلب. فسلّم [أسندمر] نفسه من غير قتال، وقيّد وسجن بالقلعة وأحيط بسائر موجوده. ثمّ حمل إلى قلعة الجبل مع بينجار وأيبك [١٧٧ أ] الروميّ، فسجن بها. وبعث إليه السلطان مع طغاي الدوادار يسلّم عليه، ويأمره بعرض حوائجه. فقبّل الأرض ودعا للسلطان وسأله أن يقبّل الأرض عنه، ويسأل السلطان عن سبب القبض عليه، «فإنّي لا أعلم لي ذنبا يوجب هذا». فقال السلطان: عد إليه، وعرّفه أنّي طيّب الخاطر عليه، وله عليّ خدمة. ولكن «أنت قلت للسلطان يوم خرجت من عنده وودّعته للسفر إلى الشام، وقد قال لك: أوصني، وعرّفني ما أصنع! - فكان جوابك: أوصيك يا خوند: لا تترك في دولتك كبشا كبيرا واخش (٢) مماليكك! - وهو يقول لك: ما علمت اليوم بقي عندي كبش كبير غيرك! فلمّا بلّغه طغاي ذلك سكت. فلم يزل في الاعتقال حتّى قتل في [ ... ] ذي القعدة سنة إحدى عشرة وسبعمائة بالكرك. وكان شجاعا بطلا سائسا داهية، جبّارا ظلوما مهابا، من أحسن أشكال الرجال وأتمّها. وكان كرجيّ الجنس له مهابة عظيمة في نفوس أهل الشام لشدّة جسارته، وجرأته على سفك الدماء بأنواع المثلة، من السلخ والشّنق والتوسيط وكحل الأعين وقطع الأطراف، ومبالغة في هلاك الأجساد، وتعدّيه حدّ الإسراف. وله مع ذلك سمعة ببلاد العدوّ وسطوة بين الطائفة النصيريّة. وكان عسوفا في أحكامه، كثير المال والحاشية، بلغت عدّة مماليكه خمسمائة مملوك. وكان كثير المكارم في عطائه، ما من أحد من حاشيته إلّا وله سعادة ضخمة. وكان أكولا نهما قويّ المعدة: إذا أصبح ابتدأ بالفطور على زنجبيل مربّى (٣) فيأكل منه رطلا بالميزان، وقدّم له منقل (٤) نار عمل عليه مائة بيضة نيمرشت (٥) يشربها، ثمّ يركب. فإذا نزل من الركوب مدّ له السّماط وقدّمت له خافقيّة فيها رميس (٦) فيأكله عن آخره. ويرفع السماط، ويوضع الطاري (٧)، وتقدّم له خافقيّة فيها عشرة ديوك خصى سمان جدّا، فيأكل منها ستّة. هذا غير الحلاوات والفواكه والنقل، وغير عشائه آخر النهار، وسوى ما يأكله في الليل، فإنّه كان يعمل له بعد [ال] عشاء الأخيرة كلّ ليلة خروفا سمينا مطجّنا فيأكله جميعه ولا يفضل منه شيء. ثم يعمل بيده من الحلاوة السكب (٨) صحنا كبيرا ويأكله كلّه. وكان مرتّبه وهو بمصر في كلّ يوم سبعمائة رطل لحم من ديوان السلطان تحمل إليه، ويشتري عليها خمسمائة درهم. وكان له سماط عظيم جدّا.

стр. 655

وكان يحبّ الفضلاء ويقرّبهم، ويسأل عن مسائل غامضة، ويعرض اعتراضات [٢٠٢ ب] جيّدة: كتب مرّة فتوى وبعثها إلى دمشق فيها: أيّهما [١٧٧ ب] أفضل، الوليّ أو الشهيد؟ والملك أو النبيّ؟ - فكتب عليها الشيخ صدر الدين محمّد بن الوكيل مجلّدا، وكتب الشيخ برهان الدين إبراهيم الفزاري، وكتب كمال الدين ابن الزملكانيّ مصنّفين، وكتب شيخ الإسلام تقيّ الدين أحمد ابن تيميّة مجلّدا. وطلب ابن الوكيل لمّا ولي نيابة حلب قبل صلاة الجمعة، فسأله عن قوله تعالى: وَالنَّجْمِ إِذا هَوى [النجم: ١]، فقال: هذا الوقت يضيق عن الكلام على هذه المسألة- فوهبه كتاب أسد الغابة لابن الأثير في نسخة مليحة، وقال له: الزمني! - فكان بعد ذلك لا يفارقه حتّى قبض عليه. ٧٨٨/ ٢ - أسنبغا المحموديّ [- ٧٦٣] (١) [٢٤٠ أ] أسنبغا المحموديّ، الأمير سيف الدين. أوّل ما عرف من أمره أنّه ركب البريد إلى الشام مبشّرا بجلوس السلطان الملك الناصر حسن بن محمّد بن قلاوون على تخت الملك بعد قتل أخيه المظفّر حاجي في شهر رمضان سنة ثمان وأربعين وسبعمائة فحلّف الأمير أرغون شاه نائب الشام والعساكر. ثمّ ولي نيابة طرابلس عوضا عن الأمير [ ... ] في صفر سنة ستّين، وعزل بالأمير زين الدين أغل بك الجاشنكير الحاجب بحلب، وقبض عليه وحمل إلى الإسكندر [- يّة] فاعتقل بها. ثمّ أفرج عنه بعد خلع الناصر حسن، وأنعم عليه في الأيّام المنصوريّة محمّد عند توجّهه إلى دمشق في شعبان سنة اثنتين وستّين بأمرة طبلخاناه بحلب فتوجّه إليها وأقام بها حتّى مات في جمادى الآخرة سنة ثلاث وستّين وسبعمائة. ٧٨٩ - أسندمر العمريّ [- ٧٦١] (٢) [٢٣٩ أ] [١٧٧ ب] أسندمر العمريّ، الأمير سيف الدين، أحد المماليك الناصريّة محمّد بن قلاوون. تنقّل في الخدم حتّى صار من جملة الأمراء. ثمّ أخرج لنيابة حماة عند انتقال الأمير طقتمر الأحمديّ عنها لنيابة حلب، فباشرها. وقدم إلى الأمير يلبغا اليحياوي ظاهر دمشق، ووافقه على خلع الكامل شعبان. فلمّا زالت دولته بأخيه حاجّي نقل أسندمر من نيابة حماة إلى نيابة طرابلس عوضا عن أيدمر البدريّ المنتقل لنيابة حلب. ثمّ عزل بالأمير منكليّ بغا الفخريّ، وطلب إلى مصر، فتوجّه في أواخر المحرّم سنة ثمان وأربعين وسبعمائة، فأقام بها حتّى أخرج لنيابة حماة عوضا عن قطليجا الحمويّ بحكم انتقاله لنيابة حلب. فقدمها في نصف جمادى الآخرة سنة خمسين. وتوجّه بالعساكر في سنة إحدى وخمسين إلى سنجار، وعاد إلى حماة. ثمّ عزل بالأمير طان يرق (٣) في ذي الحجّة منها، وقدم إلى مصر فأعيد إليها عوضا عن طان يرق فباشرها ثالث مرّة من ذي الحجّة سنة خمس وخمسين إلى أن عزل بالأمير ركن الدين عمر شاه في جمادى الأولى سنة تسع وخمسين وسبعمائة.

стр. 656

ثمّ تأمّر بدمشق إلى أن قبض عليه في سنة ستّين، واعتقل بالإسكندريّة إلى أن مات في أوائل سنة إحدى وستّين [وسبعمائة]، وكان جميلا مهابا (١). ٧٨٩ م- أسندمر القليجي [- ٧٤٩] (٢) [١٥٤ أ] أسندمر القليجي، مملوك بيدرا. تنقّل في الخدمة بالديار المصريّة. وتولّى البحيرة في أيّام الناصر محمّد بن قلاوون، ثمّ قرّر في ولاية القاهرة بعد وفاة قطليجا، فلم تطل أيّامه ومات في الطاعون العامّ عام تسعة وأربعين وسبعمائة. ٧٩٠ - أسود بن نافع الفهريّ [- بعد ١٣٢] (٣) [١٨٧ أ] أسود بن نافع بن أبي عبيدة بن عقبة بن نافع، الفهري. روي عنه عبد الرحمن بن شريح. وولي بحر مصر ورابطة الإسكندرية. فلمّا بلغه أنّ مروان بن محمّد قدم مصر، وهو يريد المغرب، وأنّه قد عدّى النيل وقطع الجسر هاربا من جنود بني العبّاس، سوّد بالإسكندريّة ودعا إلى بني العبّاس. فخرج إليه العلاء بن كثير مولى قريش في جماعة، وقلّدوه أمرهم. فوجّه إليهم مروان كوثر بن الأسود الغنويّ، وعثمان بن أبي نسعة الخثعميّ في جيش، فالتقوا بالكريون، وعلى أهل الإسكندريّة عيسى بن أبي عبيدة بن عقبة بن نافع، فقتل عيسى وانهزم أصحابه، فتبعهم كوثر حتّى دخلها. فاجتمع أصحاب الأسود على الغدر به وهم معسكرون. فبلغ الأسود ذلك فبعث إلى أبي شريح عبد الرحمن بن شريح بن عبيد الله بن محمود المعافري ليبحث عمّا عزموا عليه ويخبره به. فمضى أبو شريح فقال لهم: أخبروني ما تصنعون بالأسود؟ قالوا: نقتله ونلحق بمروان فنقاتل معه- ونزعوا السواد ولبسوا البياض. فرجع أبو شريح إلى الأسود ووجهه متغيّر. فلمّا رآه الأسود أنشد [وافر]: وكلّ سريرة، والظنّ غيب ... لها في وجه صاحبها دليل أعزم القوم على قتلي يا أبا شريح؟ قال: نعم، أصلح الله الأمير، فالحق بمأمنك! فأمر المؤذّن فأذّن لصلاة المغرب. ثمّ أقام وتقدّم، وهم في فضاء. فصلّى بهم ركعة أو ركعتين طوّل فيهما جدّا، ثمّ وثب من سجوده إلى حصان له لا يدرك، قد أعدّه وأوقفه بين يديه، فركبه وهم سجود، فمضى. فرفعوا رءوسهم لمّا طال عليهم السجود فإذا هم لا يحسّونه. ولحق ببرقة. ثمّ أتى المسوّدة فأقطعه صالح بن عليّ منية بولاق التي بجيزة مصر ومنازل زبّان بن عبد العزيز بن مروان التي بالإسكندريّة. ٧٩١ - أشعب الطمّاع [- ١٥٤] (٤) [١٩٠ أ] أشعب بن حميد- ويقال: أشعب بن جبير- ويعرف بابن أمّ حميدة. ويقال اسمه شعيب، وكنيته أبو العلاء- ويقال أبو إسحاق-

стр. 657

المدنيّ، مولى عثمان بن عفّان- ويقال: مولى سعيد بن العاصي، ويقال: مولى فاطمة بنت الحسين، ويقال: مولى عبد الله بن الزبير. ويقال له: أشعب الطّمع وأشعب الطامع. [ولاؤه للقرشيّين]: ويقال: أمّه جعدة مولاة أسماء بنت أبي بكر الصدّيق. حدّث عن عبد الله بن جعفر، وأبان بن عثمان، وسالم بن عبد الله بن عمر، وعكرمة مولى ابن عبّاس. روى عنه غيّاث بن إبراهيم، ومعديّ بن سليمان، وأبو لبابة عثمان بن فائد القرشيّ. ووفد على الوليد بن يزيد وقدم مصر (١). وكانت [عائشة] بنت عثمان ربّته وكفلته، وكفلت أبا (٢) الزناد معه. وكان يقول: حدّثني سالم بن عبد الله بن عمر، وكان يبغضني في الله فيقال: دع هذا عنك! - فيقول: ليس للحقّ مشرك. وفي رواية: حدّثني عبد الله بن عمر، وكان يبغضني في الله.- فقيل له في ذلك- فقال: ما قلت إلّا حقّا. وهو معدود في الطبقة الثانية من التابعين. وبه يضرب المثل فيقال: هو أطمع من أشعب. ويقال: أشعب رجلان: أحدهما أشعب الطامع، مولى عثمان، وهو ابن أمّ حميدة- بضمّ الحاء وفتح الميم. وقيل: بل بفتح الحاء وكسر الميم-. والآخر: أشعب بن جبير مولى عبد الله بن الزبير. والصحيح أنّهما واحد. [اشتهاره بالملح والطمع]: ويضرب بملحه المثل. وعمّر دهرا طويلا، وأدرك زمن عثمان ﵁. وله نوادر مأثورة، وأخبار مستظرفة. وكان من أهل مدينة الرسول ﷺ . وخدم سكينة بنت الحسين. وهو خال محمّد بن عمر الواقدي وخال الأصمعيّ. قال الأصمعيّ: حدّثني جعفر بن سليمان قال: قدم أشعب أيّام أبي جعفر المنصور بغداد، فطاف به فتيان بني هاشم، فغنّاهم فإذا ألحانه طريّة وخلقه على حاله. وقال: أخذت الغناء عن معبد، وكنت آخذ عنه اللحن، فإذا سئل عنه قال: عليكم بأشعب فإنّه أحسن تأدية له منّي. وقيل له: طلبت العلم وجالست الناس، ثمّ تركت وأفضيت إلى المسألة، فلو جلست لنا وجلسنا إليك فسمعنا منك؟ فقال: نعم- فوعدهم فجلس لهم، فقالوا له: حدّثنا. فقال: سمعت عكرمة يقول: سمعت ابن عبّاس يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: خلّتان لا تجتمعان في مؤمن- ثمّ سكت. فقالوا له: ما الخلّتان؟ فقال: نسي عكرمة واحدة، ونسيت أنا الأخرى. وقال أشعب: أنا أشأم الناس (٣): ولدت يوم

стр. 658

قتل عثمان، وختنت يوم قتل الحسين. وقال: دخلت على القاسم بن محمّد في حائط له. وكان يبغضني في الله وأحبّه فيه. فقال: ما أدخلك [١٩٠ ب] عليّ؟ اخرج عنّي! قلت: أسألك بوجه الله لما جذذت لي عذقا. قال: يا غلام، جذّ له عذقا، فإنّه سأل بمسألة [لا يفلح من ردّها أبدا] (١). وقال الزبير بن بكّار: حدّثني غير واحد من أصحابنا أنّ سالم بن عبد الله بن عمر كان يستحلي أشعب ويضحك منه. وحدّثني عمّي مصعب بن عبد الله [قال]: حدّثني أبي عبد الله بن مصعب قال: كان أشعب بن جبير مولى عبد الله بن الزبير يجلس مع سالم بن عبد الله بن عمر في مجلسه، وكان سالم يستخفّه ويذهب معه إلى الغابة. (قال) فقال لي أشعب: كان سالم يذهب معه غلامان لأخيه عبيد الله. وكان معه سكّينان يقال لإحداهما الوجى والأخرى العجلة. فكان الشيخ إذا غفل وقعنا بتينك السكينين في الأقناء فقطعناها بهما أوجى قطع خلقه الله. (قال) وقالا لي يوما: ويحك يا أشعب غنّنا! فقلت: كيف أصنع بالشيخ؟ أفرق منه! قالا: أنصت، فإنّه لا يبالي. ففعلت، فلم يقل لي شيئا. ثمّ قال لي أحدهما يوما آخر: غنّني [٢٠٣ ب] صوت كذا، ولك أن أرى هذا. فقلت له: تفعل؟ قال: نعم- وحلف لي. فغنّيته بغناء أرقّ من ذلك، فصاح بي سالم: هنا حسب! هنا حسب! فسكتّ. [أخار تطفّله]: وخرج سالم بن عبد الله متنزّها إلى ناحية من نواحي المدينة هو وحرمه وجواريه. وبلغ أشعب الخبر فوافى الموضع الذي هم به، يريد التطفّل، فصادف الباب مغلقا. فتسوّر الحائط، فقال له سالم: ويلك يا أشعب، معي بناتي وحرمي! فقال: لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَنا فِي بَناتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ [هود: ٧٩]. فوجّه إليه سالم من الطعام ما أكل، وحمل إلى منزله. ودخل على سالم بن عبد الله، فقال له: يا أشعب، حمل إلينا جفنة من هريسة، وأنا صائم. فاقعد فكل! (قال) فحملت على نفسي، فقال: لا تحمل على نفسك: ما يبقى يحمل معك. (قال) فلمّا رجعت إلى منزلي قالت امرأتي: يا مشئوم، بعث عبد الله بن عمرو بن عثمان يطلبك، ولو ذهبت إليه لحباك. قال: فما قلت له؟ قالت: قلت له إنّك مريض. قال: أحسنت. فأخذ قارورة دهن وشيئا من صفرة، فدخل الحمّام فتمزّج به ثمّ خرج فعصب رأسه بعصابة وأخذ قصبة واتّكأ عليه، وأتاه وهو في بيت مظلم، فقال له: أشعب؟ فقال: نعم، جعلني الله فداك! ما رفعت جنبي من الأرض منذ شهرين- وسالم في البيت، وأشعب لا يعلم- فقال له سالم: ويحك يا أشعب! فقال: نعم، جعلت فداك، مريض منذ شهرين ما خرجت.

стр. 659

فغضب سالم وخرج فقال عبد الله بن عمرو: ويلك يا أشعب، ما غضب [١٩١ أ] خالي إلّا من شيء؟ فقال: نعم، جعلت فداك: غضب من أنّي أكلت عنده جفنة من هريسة. فضحك عبد الله وجلساؤه، وأعطاه ووهب له. فخرج، وإذا سالم بالباب فقال: ويحك يا أشعب، ألم تأكل عندي؟ قال: بلى، جعلت فداك! فقال سالم: والله لقد شكّكتني. [خبثه واحتياله]: وقال أشعب: كان عبد الله بن عمرو بن عثمان يستخفّني، ويدعوني فأحدّثه وألهيه، فمرض، ولهوت في بعض خرجاتي أيّاما، ثمّ جئت فقالت لي زوجتي بنت وردان: ويحك! أين كنت؟ عبد الله بن عمرو يطلبك وقد مرض، وهو يقلق بالنهار ويسهر بالليل. أرسل إليك [ل] تهليه وتعلّله فلم يجدك. (قال) قلت: إنّا لله! ثمّ فكّرت ساعة، ثمّ قلت لها: هات لي قارورة دهن خلوقيّة ومنديل الحمّام. ففعلت. فخرجت أريد الحمّام. فمررت بسالم بن عبد الله بن عمر فقال لي: يا أشعب، هل لك في هريسة أهديت لي؟ فقلت: نعم، جعلني الله فداك. (قال) فدعا بها، فأتى بصحفة كبيرة فأكلت حتى شبعت، فجعلت أتكاره عليها. فقال لي: ويحك، لا تقتل نفسك، فإنّ ما فضل منها نبعث به إلى بيتك. قلت: وتفعل؟ قال: ما أردت إلّا ذاك. فكففت، فبعث بها إلى بيتي. وخرجت فدخلت إلى الحمّام واطّليت ثمّ صببت عليّ دهن الخلوقيّة ثمّ سكبت عليّ ماء. وخرجت وعليّ صفرة الدهن لم أستبق منه: فقد صار لوني أصفر كأنّه الزعفران. ولبست أطمارا لي وعصبت رأسي وأخذت معي عصا، ثمّ خرجت أمشي عليها حتّى جئت باب عبد الله بن عمرو بن عثمان. فلمّا رآني حاجبه قال: ويحك يا أشعب ظلمناك وغضبنا عليك، وأنت قد بلغت من العلّة ما أرى. ما أصابك؟ (قال) قلت: أدخلني على سيّدي أخبره. فأدخلني عليه فإذا عنده سالم بن عبد الله [بن عمر] فقال لي عبد الله بن عمرو: ويحك يا أشعب ظلمناك وغضبنا عليك، وقد بلغت ما أرى من العلّة. (قال) فتضاعفت وقلت له: أي سيّدي، كنت عند بعض من أغشاه فأصابني قيء وتعفّن، فما حملت إلى منزلي إلّا جنازة، فبلغتني علّتك فخرجت أدبّ إليك. (قال) فنظر إليّ سالم، ثمّ قال لي: [٢٠٤ أ] يا أشعب، ألم تكن عندي آنفا؟ قلت: ومن أين أكون عندك، جعلني الله فداك، وأنا أموت! فجعل يمسح عينيه ثمّ يقول: ألم تأكل الهريس آنفا عندي؟ فأقول: وهل بي أكل جعلني لله فداك، مع العلّة! فقال: لا حول ولا قوّة إلّا بالله، إنّي لأرى شيطانا يتمثّل في صورتك، وما أرى مجالستك تحلّ [١٩١ ب]- ووثب.

стр. 660

ففطن عبد الله بن عمرو وقال: أشعب، تخدع خالي؟ اصدقني خبرك! (قال) قلت: بالأمان؟ قال: بالأمان. فحدّثته حديثي، فضحك ضحكا شديدا. [في بلاط الوليد بن يزيد]: وقال أشعب: دعا الوليد بن يزيد المغنّين، وكنت نازلا معهم، فقلت للرسول: خذني فيهم. قال: لم اؤمر بذلك، إنّما أمرت بإحضار المغنّين، وأنت بطّال (١)، لا تدخل في جملتهم. فقلت له: لا خوف عليك، ولك مع هذا شرط. قال: ما هو؟ قلت: كلّ ما أصيبه فلك شطره. فقال للجماعة: اشهدوا لي عليه! فشهدوا. ومضينا، فدخلنا على الوليد وهو لقس النفس (٢)، فغنّاه المغنّون في كلّ فنّ من ثقيل وخفيف فلم يتحرّك ولا نشط. فقام الأبجر (٣) إلى الخلاء، وكان خبيثا داهيا فسأل الخادم عن خبره وبأيّ سبب هو خاثر النفس. فقال: بينه وبين امرأته شرّ لأنّه عشق أختها، فغضبت عليه، وهو إلى أختها أميل، وقد عزم على طلاقها وحلف لها ألّا يذكرها أبدا برسالة ولا مخاطبة، وخرج على هذه الحال من عندها. فعاد الأبجر وجلس. فما استقرّ به مجلسه حتّى اندفع يغنّي [الطويل] (٤): فبيني فإنّي لا أبالي وأيقني ... أصعّد باقي حبّكم أم تصوّبا ألم تعلمي أنّي عزوف عن الهوى ... إذا صاحبي من غير شيء تغضّبا؟ فطرب الوليد وارتاح وقال: أصبت يا عبيد والله ما في نفسي- وأمر له بعشرة آلاف درهم-، وشرب حتى سكر. ولم يحظ أحد سوى الأبجر بشيء. فلمّا أيقنت بانقضاء المجلس وثبت فقلت: إن رأيت يا أمير المؤمنين أن تأمر من يضربني مائة الساعة بحضرتك. فضحك ثم قال: قبّحك الله! وما السبب في ذلك؟ فأخبرته بقصّتي مع الرسول وقلت له: إنّه بدأني من المكروه في أوّل يومه بما اتّصل عليّ إلى آخره، فأريد أن أضرب مائة سوط ويضرب بعدي مثلها. فقال: لقد لطفت! بل أعطوه مائة دينار، وأعطوا الرسول خمسين دينارا عوضا عن الخمسين التي أراد أن يأخذها من أشعب. فقبضتها، وما حظي أحد بشيء غيري وغير الأبجر. *** وقال ابن أبي عتيق: دخلت على أشعب، وعنده متاع حسن وأثاث وآلات. فقلت له: ويحك، أما تستحي أن تسأل الناس، وعندك ما أرى؟ فقال: يا فديتك، معي والله من لطيف السؤال ما لا تطيب نفسي بتركه. وقال أشعب: كنت أنا وأبو الزناد (٥) تربين

стр. 661

نختلف إلى الكتّاب بالمدينة [١٩٢ أ] فذهب أبو الزناد علوّا وذهبت سفالا. وأكل أشعب مع سالم بن عبد الله تمرا، فجعل يأكل زوجا زوجا، فقال سالم: إنّ النبيّ ﷺ قد نهى عن القرآن في التّمر. فقال: اسكت! لو رأى النبيّ ﷺ رداءة هذا التّمر لرخّص فيه حفنة حفنة! وقيل لأشعب في امرأة يتزوّجها، فقال: ابغوني امرأة أتجشّأ في وجهها فتشبع وتأكل فخذ جرادة فتتخم! وكانت أمّ أشعب منقطعة إلى عائشة بنت عثمان فأسلمته عائشة في البزّازين، فقالت له يوما: تعلّمت؟ قال: تعلّمت نصف العلم. قالت: وما هو؟ قال: تعلّمت النشر، وبقي الطيّ، وأرجو أن لا أتعلّم الطيّ. *** وقال لرجل حين سخن الدجاجة ثم ردّت فسخنت ثم ردّت فسخنت: دجاج هذا الرجل كآل فرعون يعرضون على النار غدوّا وعشيّا (١)، فضربته [٢٠٤ ب] فاطمة بنت الحسين مائة سوط لهذا الكلام، ووهبت له مائة دينار. *** وقال أشعب يوما لابنه: إنّي قد كبرت، فاطلب لنفسك المعاش. فقال: يا أبه، إنّي مثل الموزة لا تحمل حتى تموت أمّها. *** ووجد أشعب دينارا فكره أن يأكله حراما، وكره أن يعرّفه فيأتي له طالب. فاشترى به قطيفة، وانبعث يعرّفها. *** ودعا إنسان أشعب، فقال أشعب: لا والله ما أجيبك، أنا أعرف الناس بك وكثرة جموعك. فقال: عليّ أن لا أدعو أحدا سواك. فأجابه. فبينا هم كذا إذ طلع عليهم صبيّ، وهم في غرفة، فصاح أشعب: يا فلان! تعال ههنا! من هذا الصبيّ؟ شرطت عليك أن لا يدخل علينا أحد! فقال: جعلت فداك! هذا ابني، وفيه عشر خصال ما هنّ في صبيّ. قال: وما هنّ، فديتك؟ قال: لم يأكل مع ضيف قطّ. قال: حسبي! التسع لك. *** وقال أشعب: جاءتني جاريتي بدينار فأودعته [عندي] فجعلته تحت المصلّى بين يديّ. ثم جاءتني بعد أيام فقالت: هات الدينار. فقلت: ارفعي المصلّى، فإن كان ولد فخذي ولده ودعيه- وقد كنت جعلت معه درهما- فرفعت المصلّى وأخذت الدرهم. فقلت لها: إن تركته ولد لك كلّ جمعة درهما. فتركته وعادت في الجمعة الثانية، وقد كنت أخذته. فلم تره فبكت وصاحت. فقلت: ما يبكيك؟ قالت: الدينار، سرقته! فقلت: مات دينارك في النفاس. فبكت وقالت: كيف يموت الدينار في النفاس؟ فقلت لها: تصدّقين بالولادة ولا تصدّقين بالموت في النفاس؟ ***

стр. 662

وتولّع الصبيان بأشعب، فقال لهم لينفّرهم [١٩٢ ب] عنه: إنّ في منزل فلان يقسمون الجوز! - فتركوه وأقبلوا يجرون إلى منزل فلان. فأقبل أشعب خلفهم وهو يقول: لعلّه حقّ؟ . *** وقيل له: ما بلغ من طمعك؟ فقال: ما زفّت بالمدينة امرأة إلّا كنست بيتي رجاء أن تهدى إليّ قبله. *** ومرّ برجل وهو يشحذ طبقا، فقال: اجعله واسعا، لعلّهم يهدون إلينا فيه! *** وقال الضحّاك بن مخلد: كنت يوما أريد منزلي، فالتفتّ فإذا أشعب ورائي، فقلت له: ما لك يا أشعب؟ فقال: يا أبا عاصم، رأيت قلنسوتك قد مالت، [ف]- قلت: لعلّها تسقط فآخذها. (قال) فأخذتها عن رأسي فدفعتها إليه وقلت له: انصرف! *** وقال أشعب: ما خرجت في جنازة قطّ فرأيت اثنين يتسارّان إلّا ظننت أنّ الميت قد أوصى لي بشيء. *** وخرج [أبو] أشعب مع المختار [بن أبي عبيد] فقتله مصعب صبرا مع من قتل. وذكر الخطيب أنه توفّي سنة أربع وخمسين ومائة. [أمّه كانت نمّامة]: وحكى أشعب عن أمّه أنها تغري بين أزواج رسول الله ﷺ وتمشي بينهنّ بالنّميمة، وأنها زنت فحلقت وطوّف بها أسواق المدينة، وكانت تنادي على نفسها: من رآني فلا يزن! فقالت لها امرأة: يا فاعلة، نهانا الله عنه فعصيناه ونطيعك أنت، وأنت مجلودة راكبة جملا؟ ! *** وقال أشعب: تعلّقت بأستار الكعبة وقلت: اللهمّ اذهب عنّي الحرص والطلب إلى الناس! - ومررت بالقرشيّين وغيرهم فلم يعطني أحد شيئا. فجئت إلى أمّي فقالت: ما لك قد جئت خائبا؟ فأخبرتها فقالت: لا والله. لا تدخل حتى ترجع فتستقيل ربّك! فرجعت فقلت: يا ربّ أقلني! - فلم أمرّ بمجلس من قريش وغيرهم إلّا أعطوني. *** (قال) ووهب لي غلام. فجئت أمّي موقرا من كلّ شيء، فقالت: ما هذا الغلام؟ فخفت أن أخبرها فتموت فرحا. فقلت: وهبوا لي. فقالت: أيّ شيء؟ فقلت: غين. قالت: إيش غين؟ قلت: لام. قالت: أيّ شيء لام؟ فقلت: ألف. قالت: إيش ألف؟ قلت: ميم. قالت: وأي شيء ميم؟

стр. 663

قلت: غلام. فغشي عليها، ولو لم أقطّع الحروف لماتت الفاسقة فرحا. *** وتغدّى أشعب مع زياد الحارثيّ، فجيء بصحفة فيما مضيرة، فقال أشعب للخبّاز: ضع ذلك بين يديّ. فقال زياد: من يصلّي بأهل السجن؟ فقالوا: ليس لهم إمام. فقال: أدخلوا أشعب يصلّي بهم. فقال أشعب: أو خير من ذلك؟ قال: وما هو؟ قال: أحلف أن لا آكل مضيرة أبدا! *** وصلّى أشعب يوما إلى [٢٠٥ أ] جانب مروان بن أبان بن [٩٣/ أ] عثمان. وكان مروان عظيم العجز، فما لبث أن أفلتت منه الريح عند نهوضه، لها صوت. فانصرف أشعب من الصلاة يوهم الناس أنّه هو الذي خرجت منه الريح. فلمّا انصرف مروان إلى منزله جاءه أشعب فقال له: الدية! قال: دية ماذا؟ قال: الضرطة التي تحمّلتها- ولم يدعه حتى أخذ منه. *** ورؤي أشعب، وقد علّق رأس كلب وهو يضربه ويقول: تنبح للهديّة وتبصبص للضيف! [احتياله على جعفر الصادق]: وغذّى أشعب جديا بلبن أمّه وغيرها حتى بلغ غاية، وقال لزوجته: أحبّ أن ترضعيه بلبنك. ففعلت. ثم جاء به إلى إسماعيل بن جعفر الصادق فقال: حبوتك به ولم أجد من يستأهله سواك. فنظر إسماعيل إلى الجدي فأعجبه. فأمر به فذبح وسمط. ثم دخل أشعب على جعفر الصادق بن محمد [الباقر] واندفع يشهق حتى التفّت أضلاعه، ثم قال: أخلني! قال: ما معنا أحد. قال: وثب ابنك إسماعيل على ابني فقتله وأنا انظر إليه. فارتاع جعفر وقال: ويحك! وفيم قتله؟ وتريد ماذا؟ قال: والله ما لي في إسماعيل حاجة، ولا يسمع هذا سامع أبدا بعدك. فجزاه خيرا، وقام فدخل منزله وأخرج له مائتي دينار وقال: خذ هذه ولك عندي ما تحبّ. وخرج جعفر إلى ابنه إسماعيل فإذا به مسترسل. فلمّا رأى وجه أبيه نكره وقام إليه، فقال: يا إسماعيل أو فعلتها بأشعب وقتلت ولده؟ فضحك إسماعيل وقال: جاءني بجدي من صفته وخبره وأخبره بما كان منه. فقال جعفر لأشعب: رعتني راعك الله! فقال: روعتي في الجدي أكثر من روعتك في المائتي دينار. وقالت امرأة لأشعب: هب لي خاتمك أذكرك به. فقال: اذكريني بأنّي منعتك فهو أحبّ إليّ. *** ورآه رجل يقلّب مالا كثيرا، فقال له: ويحك، ما هذا؟ ولعلّك أن تكون أيسر من الذي يعطيك؟

стр. 664

[١٩٣ ب] فقال: إنّي مهرت في المسألة، وأخاف أن أدعها فتفلت منّي. *** وقيل له: ما بلغ من طمعك؟ قال: ما رأيت اثنين يتسارّان قطّ إلّا ظننت أنّهما أمرا لي بشيء. *** وقال لأمّه: رأيتك في النوم مطلية بالعسل، وأنا مطليّ بعذرة. فقالت: يا فاسق، هذا عملك الخبيث أراك [هـ] الله! قال: إنّ في الرؤيا شيئا آخر. قالت: وما هو؟ قال: رأيت أنّي ألطعك، وأنت تلطعنني (١). قالت: لعنك الله يا فاسق! *** وكان يتحدّث إلى امرأة حتّى عرف بذلك. فقالت لها جاراتها: لو سألته شيئا، فإنّه موسر؟ فلما جاء قالت: إنّ جاراتي يقلن لي: ما يصلك بشيء. فخرج نافرا من منزلها فلم يقربها شهرين. ثم جاء ذات يوم فجلس على الباب، فأخرجت له قدحا مملوءا ماء فقالت: اشرب هذا من الفزع! فقال: اشربيه أنت من الطمع! *** ودخل يوما على الحسين بن عليّ ﵄، وعنده أعرابيّ قبيح الوجه، فسبّح أشعب حين رآه، ثم قال للحسين: بأبي أنت وأمّي، تأذن لي أن أسلح عليه؟ قال: إن شئت- ومع الأعرابيّ قوس وكنانة، ففوّق سهما نحو أشعب وقال: والله لئن فعلت لتوكننّ آخر سلحة سلحتها! فقال أشعب للحسين: فديتك، قد أخذني القولنج. *** وغسل في وضوء رجله اليسرى وترك اليمنى بغير غسل، فقيل له: لم تركت غسل اليمنى؟ قال: لأنّ النبيّ ﷺ قال: أمّتي غرّ محجّلون من آثار الوضوء، فأنا أحبّ أن أكون مطلق اليمنى. *** وسمع حبّى المدنيّة تقول: اللهمّ لا تمتني أو تغفر ذنوبي! فقال: يا فاسقة، أنت لم تسأل [ي] المغفرة، إنّما تسأل [ين] عمر الأبد! *** وساوم بقوس عربيّة فقال صاحبها: لا أنقصها من مائة دينار. فقال أشعب: أعتق ما ملك [- ت]: لو أنّها إذا رمي بها طائر في جوّ السماء [ف] وقع مشويّا بين رغيفين، ما [١٩٤ أ] أخذتها بدينار! *** وقيل له: أرأيت أحدا أطمع منك؟ قال: نعم! كلب تبعني أربعة أيّام على مضغ العلك. وقيل له: كان أبوك ألحى، وأنت أثطّ (٢)، فإلى من خرجت؟ قال: [٢٠٥ ب] إلى أمّي! [خبره مع سكينة وزوجها]: وكان أشعب منقطعا إلى سكينة بنت الحسين

стр. 665

ابن علي، وكانت متزوّجة بزيد [بن عمرو] (١) بن عثمان بن عفّان، وكانت محبّة له، وكان لا يستقرّ معها. تقول له: أريد الحجّ- فيخرج معها، فإذا مضوا إلى مكّة قالت: أريد الرجوع إلى المدينة-. فإذا عاد إلى المدينة قالت: أريد العمرة. فهو معها في سفر لا ينقضي. وكانت حلّفته يمينا لا كفّارة لها أن لا يتزوّج عليها ولا يتسرّر ولا يلمّ بنسائه ولا جواريه إلّا بإذنها. وخرج الخليفة إلى الحجّ في بعض السنين فقال لها زيد: قد حجّ أمير المؤمنين، ولا بدّ لي من لقائه. فحلّفته أنّه لا يدخل الطائف ولا يلمّ بجواريه. وامتنع أن يحلف لها بالطلاق. وبعثت معه أشعب وأعطته ثلاثين دينارا وحلّفته بالطلاق لزوجته بنت وردان أن لا يطلق لزيد الخروج إلى الطائف بوجه ولا سبب. وخرجا. فلمّا حاذوا الطائف قال زيد: يا أشعب، هذه ثلاثمائة دينار، خذها وائذن لي أن ألمّ بجواريّ. فقال: يا سيّدي، إنّها سكينة! فالله الله فيّ! قال: أو تعلم سكينة الغيب؟ ولم يزل به حتى أذن له، فمضى وبات عند جواريه. فلمّا أصبح لبس أشعب حلّة وشي لزيد قيمتها ألف دينار وركب فرسه وجاء نساء في أبيات قوم من العرب قريبة منهم، فسلّم عليهنّ، فرددن عليه وسألنه عن نسبه فانتسب بنسب زيد. فحادثنه مليّا حتى جاء شيخ فسلّم عليه وعظّمه وسأل عنه فأخبر بنسبه. فنظر إليه وقال: ما هذه خلقة قرشيّ، وما هو إلّا عبد! - وبادر إلى بيته، فعلم أشعب أنّه يريد شرّا. فركب ومضى، والشيخ في إثره، فرماه بسهم ما أخطأ قربوس السرج. فسلح أشعب في ثيابه حتى نفذ إلى الحلّة فصيّرها شهرة. ووصل إلى رحل زيد فغسل الحلّة ونشفها، وإذا بزيد أقبل، فرأى ما أصاب حلّته وقربوس سرجه، فقال: ما القصّة؟ - فحدّثه الحديث، فغضب ووبّخه. فلمّا عاد إلى سكينة سألت عن خبره كلّه فحدّثها، فقالت: هل مضيت إلى جواريك بالطائف؟ فقال: سلي نفسك؟ فدعت أشعب فسألته فحلف لها بكلّ يمين محرجة أنّه ما مرّ بالطائف ولا فارقني. فقال زيد: اليمين التي حلفها لازمة لي إن لم أكن دخلت الطائف وبتّ عند جواريّ وغشيتهنّ جميعا، وأخذ منّي ثلاثمائة دينار وفعل كذا وكذا- وأراها الحلّة والسرج. [١٩٤ ب] فقالت لأشعب: فعلتها! أنا نفيّة من أبي إن أنفقتها إلّا فيما يسوءك. ثم أمرت بكبس منزل أشعب، وأحضرت الدنانير واشترت بها بيضا وسرجين وخشبا وعملت الخشب بيتا حبسته فيه، وحلفت أن لا يخرج منه حتى يحضن البيض كلّه إلى أن ينقب. فمكث أربعين يوما إلى أن نقب وخرج منه فراريج كبيرة فربّتهنّ وتناسلن وكنّ في المدينة يقال لهنّ: بنات أشعب. ٧٩٢ - أشهب بن عبد العزيز [١٤٠ - ٢٠٤] (٢) [فقيه مصر] [١٩٥ أ] أشهب بن عبد العزيز بن داود بن إبراهيم، أبو عمرو، القيسيّ، ثمّ العامريّ، أحد

стр. 666

فقهاء مصر وذوي رأيها. ولد سنة أربعين ومائة. روى عن مالك والليث بن سعد، ويحيى بن أيّوب، وعبد الله بن لهيعة، وداود العطّار، وسليمان بن بلال، وطائفة. وروى عنه سحنون، والحرث بن مسكين، ويونس بن عبد الأعلى، ومحمد بن إبراهيم بن الموّاز، وهارون بن سعيد الأيلي، ومحمد بن عبد الله بن عبد الحكم، وبحر بن نصر، وطائفة. وخرّج له أبو داود والنسائيّ. ويقال: اسمه مسكين، ولقبه أشهب. وتفقّه على مالك، ثم على المدنيّين والمصريّين. وقال الشافعي ﵀: ما رأيت أفقه من أشهب لولا طيش فيه. ولم يدرك الشافعيّ من أصحاب مالك ﵀ سوى أشهب وابن عبد الحكم، وكانت المنافسة بينه وبين ابن القاسم، وانتهت الرئاسة في العلم إليه بمصر بعد ابن القاسم. وقال القضاعيّ: كان لأشهب رئاسة في البلد ومال جزيل، وكان من انظر أصحاب مالك. وقال ابن عبد الحكم: سمعت أشهب يدعو على الشافعيّ بالموت، فذكرت ذلك للشافعيّ فقال متمثّلا [طويل]: تمنّى رجال أن أموت، وإن أمت ... فتلك سبيل لست فيها بأوحد [٢٠٦ أ] فقل للّذي يبغي خلاف الذي مضى ... تزوّد لأخرى غيرها فكأن قد (١) (قال) فمات الشافعيّ، فاشترى أشهب من تركته عبدا. ثم مات أشهب فاشتريت أنا ذلك العبد من تركة أشهب. وقال ابن عبد البرّ: كان أشهب فقيها حسن الرأي والنظر، فضّله ابن عبد الحكم على ابن القاسم. وقال محمد بن عاصم المعافريّ: رأيت في النوم قائلا يقول: يا محمد! [١٩٧ ب]- فأجبته، فقال [كامل]: ذهب الذين يقال عند فراقهم ... ليت البلاد بأهلها تتصدّع! وكان أشهب مريضا، فقلت: ما أخوفني أن يموت أشهب! فمات من مرضه ذلك. وكانت وفاة أشهب بعد وفاة الشافعي بشهر. وقيل: بثمانية عشر يوما، في شعبان، أو سلخ رجب سنة أربع ومائتين. ودفن بالقرافة بجوار قبر ابن القاسم رحمهما الله. ٧٩٣ - أصبغ بن عبد العزيز الأمويّ [- ٨٦] (٢) [١٩٦ أ] أصبغ بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أميّة بن عبد شمس بن عبد مناف، أبو زبان، ابن الأمير أبي الأصبغ ابن الخليفة أبي الحكم ابن أبي مروان، القرشيّ، الأمويّ. استخلفه أبوه عبد العزيز بن مروان على الفسطاط لمّا خرج في سنة أربع وسبعين إلى الإسكندرية. ثم استخلفه مرّة ثانية في سنة خمس وسبعين لمّا وفد على أخيه عبد الملك بن مروان. فلمّا بعث عبد الملك بن مروان يسأل عبد العزيز أن ينزل له عن ولاية العهد ليعهد إلى الوليد وسليمان ولديه، أبى ذلك وكتب إليه: إن يكن لك

стр. 667

ولد، فلنا أولاد، ويقضي الله ما شاء، وإنّك لو رأيت الأصبغ لسرّك ولم تقدّم عليه أحدا. فلم يعش الأصبغ إلّا قليلا، ومات يوم الخميس لتسع بقين من شهر ربيع الآخر سنة ستّ وثمانين. فمات بعده أبوه لثلاث عشرة خلت من جمادى الأولى. قال عون بن عبد الله: قال لي أصبغ بن عبد العزيز بمصر: سمعت من أبيك كلاما نفعني الله به: لأن يخطئ الإمام في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة (١). وقال كثيّر عزّة يرثيه ... (٢). ٧٩٤ - أصبغ بن الفرج [- ٢٢٥] (٣) أصبغ بن الفرج بن سعيد، أبو عبد الله، مولى عبد العزيز بن مروان فيما زعم، وكان كثير من أهل مصر يدفعونه عن ذلك ولا يصحّحون له ولاء. قال أبو عمر الكنديّ: سألت ابن يزيد عن أصبغ، لمن ولاؤه؟ قال: ليس لهم ولاء، هم من عبيد المسجد. وحدّثني ابن قديد عن أبي نصر قال: سمعت المزنيّ والربيع يقولان: كنّا نأتي أصبغ قبل قدوم الشافعيّ فنقول له: علّمنا ممّا علّمك الله! قال أبو نصر: وسمعت عمّي عبيد بن صالح يقول: قال لي مطرّف بن عبد الله الأصمّ: من أيّ بلد أنت؟ قلت: من مصر. قال: ما فعل عبد الله بن عبد الحكم؟ قلت: مات. قال: ما فعل أصبغ؟ قلت: باقي. قال: الحيّ أفقه عندنا من الميت. وأخبرني ابن يزيد عن ابن عثمان قال: كانت بين عبد الله بن عبد الحكم وبين أصبغ منازعة ومباعدة، وكان أحدهما يرمي صاحبه بالبهتان. قال ابن قديد: وأخبرني مقدام قال: أرسل ابن عتبة إلى عبد الله بن عبد الحكم: إنّ هذا الرجل قد وجب لك عليه حدّ، قد شهر عندي بذلك فصر إليّ حتى أحدّه. فأبى وقال: إن هو حدّه، صرنا حديثا، وقالوا: حدّ فلان في سبب فلان. قال ابن قديد: وكتب المعتصم في أصبغ ليحمل إليه في المحنة. فهرب إلى حلوان واستتر بها. قال الكندي: وكان فقيها نظّارا. ولد بعد الخمسين ومائة، ولم يلق مالكا. وقال ابن يونس: وكان يحيى بن عثمان بن صالح يقول: هو من ولد عبيد المسجد: كان بنو أميّة يشترون للمسجد عبيدا يقومون على خدمة المسجد، فهو من أولاد أولائك العبيد ينسب إلى ولاء بني أميّة، وكان مضطلعا بالفقه والنظر. توفي يوم الأحد لأربع بقين من شوّال سنة خمس وعشرين ومائتين. وكان ذكر للقضاء في مجلس [١٩٧ أ] عبد

стр. 668

الله بن طاهر فشنّعه سعيد بن عفير (١). حدّثني علي بن الحسن بن قديد بن يحيى بن عثمان بن صالح عن أبي يعقوب [٢٠٦ ب] يوسف بن يحيى البويطيّ، حدّثه أنّه كان حاضرا في مجلس ابن طاهر حين أمر بإحضار شيوخ أهل مصر (قال) فقال لنا عبد الله بن طاهر: «إني جمعتكم لترتادوا لأنفسكم قاضيا». فكان أوّل من تكلّم يحيى [بن عبد الله] بن بكير فقال: أصلح الله الأمير، ولّ قضاءنا من رأيت، وجنّبنا رجلين: لا تولّ قضاءنا غريبا ولا زرّاعا- يعرّض بالغريب لإبراهيم بن الجرّاح، وبالزرّاع عيسى بن فليح. ثمّ تكلّم أبو ضمرة الزيدي (٢) فقال: أصلح الله الأمير، أصبغ بن الفرج الفقيه العالم الورع- وأصبغ حاضر المجلس. فقال سعيد [بن كثير] بن عفير: ما بال أبناء القمامصة (٣) والصبّاغين يذكرون لهذه المواضع التي لم يجعلهم الله لها أهلا؟ فقام أصبغ وأخذ بمجامع ثوب سعيد بن عفير وقال له: إنّك لشيطان مفتر! من أين علمت أنّي من أبناء الصبّاغين؟ - وارتفع الأمر بينهما حتى كادت أن تكون فتنة. فذكر عبد الله بن عبد الحكم عيسى بن المنكدر وأثنى عليه بخير، فقلّده ابن طاهر القضاء (٤). وذكر زيد بن أبي زيد بن أبي الغمر عن أحمد [بن يحيى] بن وزير قال: كان أصبغ بن الفرج خبيث اللسان لا يسلم منه أحد. إنّما كان لسانه صاعقة! وتفقّه أصبغ بابن القاسم وابن وهب وأشهب. وقال عبد الملك بن الماجشون: ما أخرجت مصر مثل أصبغ. قيل له: ولا ابن القاسم؟ فقال: ولا ابن القاسم! وكان كاتب ابن وهب. وقال ابن معين: كان من أعلم خلق الله برأي مالك، يعرف كلّ مسألة متى قالها مالك، ومن خالفه فيها. وقال أبو حاتم: كان أجلّ أصحاب [١٩٧ ب] ابن وهب، وهو صدوق. وقد روى عن ابن وهب، وأسامة بن زيد بن أسلم، وعبد العزيز الدراوردي، وابن القاسم. وعنه أبو حاتم، ومحمد بن إسماعيل الترمذيّ، ومحمد بن عون، ويحيى بن عثمان السهميّ، وخلق. وروى عنه البخاري، وروى له الترمذيّ والنسائيّ بواسطة. وقال العجليّ: ثقة صاحب سنّة. ٧٩٥ - أصلم القبجاقي [- ٧٤٧] (٥) [١٨٨ أ] أصلم القبجاقي، الأمير بهاء الدين، أحد المماليك المنصوريّة قلاوون. ربّي بقلعة الجبل إلى أن قتل الملك الأشرف خليل، وأقيم بعده الملك الناصر محمد بن قلاوون وعمل الأمير كتبغا نائب السلطنة، وفرّق المماليك السلطانية، وكان أصلم من نصيب الأمير سيف الدين الأقوش المنصوريّ، ثم انتقل إلى الأمير سلار فلزم خدمته. وعمله سلاح دار إلى أن

стр. 669

زالت الدولة المظفّريّة بيبرس وقدم الملك الناصر من الشام، فتلقّاه أصلم بنمجاة (١) السلطنة وبشّره بهروب بيبرس، فأنعم عليه بإمرة عشرة. وما زال تنقّله حتى صار من أمراء الألوف، وبعثه على التجريدة إلى بلاد اليمن في سنة خمس وعشرين وسبعمائة. ثمّ قبض عليه وعلى أخيه سيف الدين قرمجيّ في يوم الخميس مستهلّ جمادى الأولى سنة سبع وعشرين، واعتقل في برج بقلعة الجبل. وسبب ذلك أنّه عرض سلاح خاناته وأخرج آلات السلاح بين يديه بإصطبله خارج باب زويلة من القاهرة، وألبس خيوله آلة الحرب وعدد القتال، وسيّرها في الإصطبل، فوشى به بعض أعدائه إلى السلطان أنّه قد اتّفق مع أخيه قرمجي (٢) وطائفة القبجاق على الفتك بالسلطان وتغيير الدولة، وأنّه أمس عرض عدد سلاحه كلّها وألبس خيله ورتّب هيئة ركوبه للقتال، وكتب بذلك رقعة وألقاها في الإصطبل السلطانيّ، فأخذها بعض سوّاس الخيل، ووصلت إلى السلطان. فلما قرأها بعث الحاجب إليه يسأله عمّا كان يعمل أمس في إصطبله. فأجاب بأنّي عرضت سلاحا اشترتيه علي خيلي لأعرف ما يناسب منه ممّا لا يناسب. فلم يشكّ السلطان في صحّة ما نقل عنه. وقبض معه على قيران صهر قرمجيّ، وعلى إتكان أخي آقّوش الحاجب وسفّرهما مع طرخان بن بيسري وبرلغي قريب السلطان [لأمّه] (٣) إلى الإسكندريّة. وتتبّع المماليك القبجقيّة فقبضهم. وطلب [ال] أمير حسين بن جندر [٢٠٧ أ] من دمشق وأنعم عليه بإقطاع أصلم. فأقام أصلم وأخوه في السجن ستّ سنين وثمانية أشهر. ثمّ أفرج عنهما في صفر سنة أربع وثلاثين وخلع عليهما، وأنعم على أصلم بإمرته. ثمّ أخرجه في سنة إحدى وأربعين لنيابة صفد عوضا عن أقسنقر السلاريّ، فمات السلطان وهو بصفد. ثمّ إنّ الأمير قوصون لمّا قام بتدبير الدولة جرّده مع الأمير الطنبغا نائب الشام لإمساك طشتمر حمّص أخضر نائب حلب. فقدم الأمير قطلوبغا الفخريّ إلى دمشق، وردّه أصلم من قار (٤). فأقام بعسكر صفد الفخريّ [١٨٨ ب] حتى توجّه معه إلى مصر، وقد تسلطن الناصر أحمد بن محمد [بن قلاوون]، فرسم له بالإقامة بمصر على عادته أمير مائة ومقدّم ألف يجلس في المشور. فاستمرّ على ذلك حتى مات في يوم السبت عاشر شعبان سنة سبع وأربعين وسبعمائة، فأنعم بإقطاعه على الأمير طغيتمر النجمي، وكان إقطاعا جليلا عبرته مائة ألف دينار وأربعون ألف دينار. وكانت له يد طولى في الرمي بالنشّاب. وكان الملك الناصر الكبير دائما يجعله رأس الحلقة. وعظم في الدولة الناصريّة أحمد وما بعدها. وترك ثلاثة أولاد أمراء. وعمّر مدرسة بجوار داره في خطّ سوق الغنم خارج باب البرقيّة في غاية الحسن، وأقيم بها خطبة. ٧٩٦ - أطسز بن أوق الخوارزميّ [- ٤٧١] (٥) [١٨٩ أ] أطسز بن أوق الخوارزميّ التركيّ مقدّم

стр. 670

الأتراك. ومعنى أطسز: ليس معه فرس، وهي كلمة تركيّة. وبعضهم يقول: أتسز بالتاء، عوضا عن الطاء، وأصله كما قلت لك أوّلا. كان أمير دمشق، لقّب نفسه بالملك المعظّم، وهو أوّل من ملك دمشق من الأتراك وقطع منها دعوة الخلفاء الفاطميّين وأعاد دعوة خلفاء بني العبّاس. وكان سبب قدوم الأتراك إلى الشام أنّه لمّا تغلّب ناصر الدولة [الحسن] بن حمدان في سنة اثنتين وستّين وأربعمائة على مصر وقصد إبطال دعوة المستنصر بالله وتغيير دولته ندب الفقيه أبا جعفر محمد بن أحمد بن البخاري قاضي حلب وبعثه رسولا إلى السلطان ألب أرسلان أبي شجاع محمد بن داود ملك العراق وخراسان يسأله أن يسيّر إليه عسكرا ليقيم الدعوة العبّاسية وتكون له مصر. فمضى أبو جعفر إلى خراسان وبلّغ السلطان ألب أرسلان رسالة ناصر الدولة ابن حمدان. فتجهّز من خراسان في عساكر عظيمة ونزل الرها في أوّل سنة ثلاث وستّين وأربعمائة، وبعث إلى محمود بن نصر بن صالح بن مرداس صاحبحلب يستدعيه فخاف منه ولم يتجاسر عليه. فقطع السلطان الفرات فقال له الفقيه أبو جعفر: يا مولانا، أحمد الله تعالى على ما أنعم به عليك فإنّه لم يقطع هذا النهر تركيّ إلّا مملوك [ا]، وأنتم اليوم قد قطعتموه ملوكا. فأحضر الأمراء والمماليك، وأمره فأعاد الحديث. فحمد السلطان الله على ذلك. ثمّ خرج إليه محمود بن نصر فأكرمه وردّه إلى حلب بعد ما نزل السلطان على حلب، وحاصرها شهرا في جمادى الآخرة، فقطع محمود خطبة المستنصر من حلب وأقام الدعوة العباسيّة. وعزم السلطان على المسير إلى مصر، فأتته الأخبار بأنّ ملك الروم قطع بلاد أرمينية يريد خراسان فعاد من حلب إلى بلاده وخلّف طائفة من الترك ببلاد الشام فيهم أطسز. فسار معه إخوته جاولي والمأمون وقزلو وشكلي إلى أعمال دمشق. ونزل عليها وحاصرها في يوم الثلاثاء تاسع رمضان سنة سبع وستّين وأربعمائة. ثمّ انصرف عنها يوم الثلاثاء النصف من شوّال، ومعه إخوته ففتحوا أعمال فلسطين. ثم اختلف الأتراك فصار بعضهم مع أمير الجيوش بدر الجماليّ بعكّا وبلاد الساحل التي في يده، وبعضهم مع القاضي عين الدولة ذي الرئاستين أبي الحسن محمد ابن القاضي أبي محمد عبد الله ابن القاضي أبي الحسن عليّ بن عياض بن أحمد بن أبي عقيل صاحب صور. وبقي أطسز وإخوته بفلسطين، وفتح الرملة وطبريّة وبيت المقدس [٢٠٧ ب] وصار يحاصر في كل سنة دمشق ويرعى زرعها. ومنع الزراعة حتى صارت الغرارة [من] القبح تباع بعشرين دينارا. فلمّا كانت [١٨٩ ب] سنة سبع وستّين [وأربعمائة] حاصر شكلي بن أوق ثغر عكّا وأخذه بالسيف وقتل الوالي. فسارت إليه عساكر دمشق وحاربوه على طبريّة. وفي سنة سبع وستّين حاصر أطسز بن أوق دمشق في يوم السبت سلخ ذي الحجّة عقيب هروب معلّى بن حيدرة. ورحل عنها يوم الجمعة لأربع خلون من صفر سنة ثمان وستّين، وذلك أنّ معلّى بن حيدرة بن منزو (١) لمّا أساء السيرة بدمشق وثار الناس عليه فرّ منها إلى بانياس فأقاموا عليهم الأمير رزين الدولة انتصار بن يحيى المصموديّ زمام (٢) عسكر معلّى بن حيدرة في يوم
следующие страницы →