← Тараджим

Тараджим · id 145334

المقفى الكبير

المقريزي

Полный текст (3 152 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

وله عدّة مصنّفات، منها كتاب «تلقين اليقين»، فيه كلام على قوله ﷺ : بني الإسلام على خمس. وكتاب حجّة الحقّ على الخلق، في التحذير من سوء عاقبة الظلم، وهو كبير. وكان السلطان صلاح الدين يكثر النظر فيه. وقال عنه القاضي الفاضل: وقفت من الكتب على ما لا تحصى عدّته، فما رأيت والله كتابا يكون قبالة باب منه، وإنّه من أهمّ ما طالعه الملوك. وله أيضا كتاب «قوانين الدواوين» (١) صنعه للملك العزيز عثمان ابن صلاح الدين، ذكر فيه ما يتعلّق بدواوين مصر، ورسومها، وأحوالها وما يجري فيها. وهو أربعة أجزاء ضخمة، والذي يقع في أيدي الناس الآن جزء واحد اختصره منه غير المصنّف. فإنّ ابن ممّاتي ضمّنه ذكر أربعة آلاف قرية من أعمال مصر ومساحة كلّ قرية وقانون ريّها ومتحصّلها من عين وغلّة. ولمّا قدّمه للعزيز أنعم عليه بخمسمائة دينار حملت إليه. وله أيضا كتاب سيرة السلطان صلاح الدين، نظما، وكتاب نظم كليلة ودمنة. وله عدّة رسائل وديوان شعر. ولم يزل بديار مصر إلى أن ولي الوزارة الصاحب صفيّ الدين عبد الله بن عليّ بن شكر الدميريّ للملك العادل سيف الدين أبي بكر بن أيّوب، فخافه لما كان منه في حقّه قبل ذلك من الإهانة. وأخذ الوزير في العمل عليه، ورتّب مؤامرات أحال بها الأجناد عليه، ثمّ قبضه في جمادى الآخرة سنة اثنتين وستّمائة وعلّقه برجليه. ففرّ من القاهرة وسار إلى حلب، فأكرمه الملك الظاهر غازي بن صلاح الدين فاستخدمه. واستقرّ بحلب إلى أن مات بها في يوم الأحد سلخ جمادى الأولى سنة ستّ وستّمائة عن اثنتين وستّين سنة. قال فيه العماد الكاتب: ذو الفضل الجليّ والشعر العليّ. ومن شعره يصف الخليج يوم فتحه بمصر [الوافر]: خليج كالحسام له صقال ... ولكن فيه للرّائي مسرّة [١٨١ أ] رأيت به الصغار تجيد عوما ... كأنّهم نجوم في المجرّة وله في [غلام] نحويّ [السريع]: وأهيف أحدث لي نحوه ... تعجّبا يعرب عن ظرفه [١٥٣ ب] علامة التأنيث في لفظه ... وأحرف العلّة في طرفه وقال يصف البقّ [الطويل]: تكاد بقرص البقّ تتلف مهجتي ... إذا لم أجد من ثوب جلدي تخلّصا ومن أعجب الأشياء في البقّ أنّه ... على الجسم سمّاق وتنبت حمّصا (٢) وله [وافر]: تعاتبني وتنهى عن أمور ... سبيل الناس أن ينهوك عنها أتقدر أن تكون كمثل عيني ... وحقّك ما عليّ أضرّ منها وله في أترجّة كانت بين يدي القاضي الفاضل، وهو معنى بديع [السريع]: لله بل للحسن أترجّة ... تذكّر الناس بأمر النّعيم

стр. 597

كأنّها قد جمعت نفسها ... من هيبة الفاضل عبد الرحيم وقد ذكر أبوه (ت ٥٧٧) وجدّه في مواضعهما من هذا الكتاب (١). وقال من أبيات يصف سيفا [الطويل]: وأبيض مصقول العوارض أهيف ... مورّد حدّ الحدّ كالماء والخمر كأن دم الأعداء في صفحاته ... وإن قصّر التشبيه ورد على نهر ومنها يصف فرسا: وأدهم يحكي ليلة الهجر لونه ... ويشبه ليل الوصل في الكرّ والفرّ فيا عجبا من جمعه في أديمه ... ومن جريه ما بين ليلين في مهر (٢) ومنها: إذا ادّرعت يوم اللقاء جيوشه ... وسارت رأيت الخيل تركض بالبحر ومن أعجب الأشياء أن مراكبا ... من الطير تحت البحر تجري على البرّ ٧٤٣ - إسماعيل الكردي الزنديق [- ٧٢٠] (٣) [١٧١ أ] إسماعيل بن سعيد بن [ ... ] الكرديّ، المصريّ، المقرئ، الشافعيّ. قرأ القراءات على الشيخ نور الدين الشطّنوفيّ وعلى التقيّ الصائغ (٤) وغيره، وكان عارفا بها، وبالفقه، والنحو، والتصريف، ويحفظ قطعة من التوراة والإنجيل. وكان طلق العبارة، سريع الجواب، حسن التلاوة. لا يزال يجاري في الفقه ويسرد الحاوي في الفقه حفظا، مع العمدة في الحديث، والحاجبيّة (٥). إلّا أنّه كان كثير الهزل ولا يتحفّظ، فحفظت عنه كلمات وأفعال قبيحة حتّى قيل له: «إسماعيل الكافر»، ثمّ صار يدعى إسماعيل الزنديق. فطلب إلى قاضي القضاة تقيّ الدين محمّد بن أبي بكر الإخنائيّ (٦) المالكي، وادّعى عليه بالوقيعة في حقّ لوط ﵇. وأقيمت البيّنة فخلط في كلامه كأنّه مجنون. فساقه إلى السجن، وتوقّف فيه حتى أخبره من لا يتّهمه أنّه رأى رسول الله ﷺ في منامه وسأله عمّا قيل عن إسماعيل، فقال ﵇: قل للإخنائيّ يضرب عنقه، فإنّه سبّ أخي لوطا. فاستدعى به، وعقد له مجلسا، وضرب عنقه بعد ما شهد عليه بعظائم [بحضرة القضاة والعلماء]، في يوم الاثنين سادس عشرين صفر سنة عشرين وسبعمائة، [وله من العمر أربعون سنة أو تزيد قليلا]. وكان يوما مشهودا.

стр. 598

٧٤٤ - الشهاب القوصيّ [٥٧٤ - ٦٥٣] (١) [١٧٤ أ] إسماعيل بن حامد بن عبد الرحمن بن المرجّى بن المؤمّل بن محمّد بن عليّ بن إبراهيم بن يعيش [ ... ] (٢)، شهاب الدين، أبو المحامد وأبو الطاهر وأبو العرب، ابن أبي الشكر، ابن أبي القاسم، الأنصاري، الخزرجيّ، القوصيّ، الفقيه الشافعيّ [١٨١ ب]. ولد سنة أربع وسبعين وخمسمائة بقوص. وسمع من [ ... ] (٣). وخرّج لنفسه معجما في أربع مجلّدات ضخمة. وبرع في الأدب والأخبار. ودرّس، وحفظ كثيرا من الأشعار. وكان فصيحا مفوّها حفظة. وصنّف كتاب بغية الراجي ومنية الآمل في محاسن دولة السلطان الملك الكامل. وكتاب الدرّ الثّمين في شرح كلمة آمين، صنّفه للملك الكامل. وكتاب قلائد العقائل في ذكر ما ورد في الزلازل. واتّصل بالصاحب صفيّ الدين عبد الله بن عليّ بن شكر، فتقدّم عنده، وسيّره رسولا عن السلطان الملك العادل أبي بكر بن أيّوب إلى [ ... ] (٤). وولي وكالة بيت المال بالشام، وتقدّم عند الملوك. وكان يلازم الطيلسان المحنّك. ومدحه جماعة وأخذوا جوائزه. وقال بعضهم في معجمه [البسيط]: كم معجم طالعته مقلتي فبدا ... للحظها منه فضل غير منقوص فما سمعت ولا عاينت في زمني ... أتمّ في فضله من معجم القوصيّ وهو يشتمل على عجائب، لأنّه صنّفه في سجن الملك الصّالح عماد الدين إسماعيل ببعلبك، وقد غضب عليه. وكانت فيه دعابة، وله عدّة نوادر، منها أنّه رأى رجلا يحادث شابّا مليحا اسمه سليمان ويمازحه، فقال له: أنت تروم الملك! فقال: معاذ الله! فقال: فما لي أراك تحوم حول خاتم سليمان؟ فخجل. وقال له الصاحب جمال الدين يحيى بن مطروح يوما: يا شيخ شهاب الدين، أنت عندنا مثل الوالد. فقال: لا جرم، إنّي مطروح! وقال له بعض الرؤساء: أنت عندنا مثل الأبّ- وشدّد الباء-. فقال: لا جرم، إنّكم تأكلو [ن]- ني! [١٧٤ ب] وتوفّي في يوم [الاثنين سابع عشر ربيع الأوّل] (٥) سنة ثلاث وخمسين وستّمائة. ٧٤٥ - الموفّق الجلجوليّ [- ٥٤٦] (٦) [١٧٨ أ] إسماعيل بن سلامة، القاضي مكين الدولة، الموفّق في الدين، داعي الدعاة، أبو

стр. 599

الطاهر، الأنصاريّ، الجلجوليّ. ولّاه الحافظ لدين الله، أبو الميمون عبد المجيد بن محمّد، قضاء القضاة في سابع عشر جمادى الآخرة سنة أربع وثلاثين وخمسمائة، بعد صرف هبة الله بن عبد الله بن الأزرق، بغير تقليد. فأقام ينظر في الحكم إلى مستهلّ المحرّم سنة خمس وثلاثين فوفّر جاريه على الحكم، وهو مبلغ أربعين دينارا في كلّ شهر، وخدم بجاري التقدمة على الدعاة، وهو [١٨٢ أ] مبلغ ثلاثين دينارا في الخدمتين فأجيب إلى ذلك. واستمرّ إلى أن صرف عن القضاء في سابع المحرّم سنة ثلاث وأربعين بأبي الفضائل يونس بن محمّد بن الحسن القرشيّ المقدسيّ، وبقي داعي الدعاة. فلمّا كان في شهر رجب قطعت أيدي بني الأنصاريّ، وصلبوا على بابي زويلة الكبير والصغير. وكان كريم الأخلاق، حليما، عليه سكينة ووقار، مليح الشيبة، ظريف الهيئة. ذكر ابن فضلان أن إسماعيل هذا مات سنة ستّ وأربعين (١). ٧٤٦ - العارف شمس الدين النوويّ [٥٩٨ - ٦٤٤] (٢) [١٧٥ أ] إسماعيل بن سودكين بن عبد الله، أبو الطاهر، شمس الدين، النوريّ، الإمام العارف. ولد في مصر سنة ثمان وتسعين وخمسمائة. وسمع الحديث من محمّد بن حمد بن حامد الأرتاحيّ، وأبي الفضل محمّد بن يوسف الغزنويّ، وبحلب من الشريف أبي هاشم عبد المطّلب بن الفضل الهاشميّ. وحدّث بمصر والشام. وكان فقيها حنفيّا، فاضلا، محدّثا، شاعرا، له نظم جيّد، وكلام في التصوّف. وكتب كثيرا من كلام ابن عربيّ، وصحب العارف محيي الدين بن محمّد بن العربيّ الصوفيّ واختصّ به (٣)، وقال الشعر. وتوفّي بحلب في رابع عشرين صفر سنة ستّ وأربعين وستّمائة. ومن شعره [الطويل]: وقائلة: من أين أنت وحبّهم ... وأين الثرى السفليّ من رفعة القدر؟ لك الخير ما هذا بوكرك فادرجي ... فثمّ أمور يشتبهن على الغرّ لئن كان قدري ناقصا قبل حبّهم ... فإنّي مذ أحببتهم أصبحوا قدري وقال، من أبيات [الرمل]: قدم العهد بجيران النقا ... وهواهم مستجدّ يا أخيّ كلّ يوم لي شأن في الهوى ... لا خلوت الدهر من هذا الهويّ

стр. 600

يا نسيما هبّ مشكور الريا ... أهدت الأشواق مسراه إليّ وبريقا لاح من جوّهم ... حاكيا ذاك السنا من ثغر ميّ آه من شوقي إلى من قد غدا ... بصري يلقاهم في كلّ شيء وإذا لم يجتلبهم ناظري ... أي نفع لي إذن في ناظريّ لو قطعت الدهر وصلا كان لي ... قدر ما يثبت للطائر فيّ وقال [الكامل]: وصلت وفيها حاجتي مقضيّة ... فقضي الإله لك الحوائج كلّها! يا من إذا ضاقت عليّ مطالبي ... وتعقّدت رفعت إليه فحلّها وقال [الخفيف]: ما على الصبّ في المحبّة عار ... إنّما العار سلوة أو قرار ما لنا في هواكم قطّ عذر ... ولكم في وصالنا أعذار تارة خيفة الرقيب ووقتا ... حسن دلّ منكم وحينا نفار كلّ هذا يلذّ ما لم تملّوا ... ملل الإلف ما عليه اصطبار كيف شئتم كونوا سوى الصدّ عنّي ... فصدود الأحباب للقلب نار [١٨٢ ب] وقال [البسيط]: ناشدتك الله يا هطّالة السحب ... إلّا حملت تحيّاتي إلى حلب لكنّ أعظم ما ألقاه من ألم ... كوني أموت، ولا تدري الأحبّة بي لا أرضى للشوق أن يجري على قلم ... ماذا عسى يشرح المشتاق في الكتب؟ أحبابنا لا تلوموني على قلقي ... كيف القرار، وخيل الشوق في الطلب؟ خذوا أحاديث أشجاني معنعنة ... عن الغرام عن الأنفاس عن كربي [١٧٥ ب] وحدّثوا بمواجيدي على ثقة ... فالوجد أصدق أنباء من الكتب ٧٤٧ - المزنيّ صاحب الشافعيّ [١٧٥ - ٢٦٤] (١) [١٧٠ أ] إسماعيل بن يحيى بن إسماعيل بن عمرو بن إسحاق، أبو إبراهيم المزنيّ- بضم الميم وفتح الزاي وبعدها نون- نسبته إلى مزينة بنت كلب بن وبرة، وهي أمّ عمرو وأوس ابني أدد بن طابخة بن إلياس بن مضر بن نزار- ناصر مذهب الإمام الشافعيّ. ولد سنة خمس وسبعين ومائة. وحدّث عن الشافعيّ ونعيم بن حمّاد. وروى عنه أبو بكر بن خزيمة، وأبو جعفر الطحاوي، وزكريا الساجيّ، وابن جوصا، وعبد الرحمن بن أبي حاتم. وكان مناظرا محجاجا. قال في حقّه الشافعيّ: لو ناظره الشيطان لغلبه. وكان زاهدا ورعا متقلّلا من الدنيا مجاب الدعوة. وإذا فاتته الصلاة في جماعة صلّاها خمسا وعشرين مرّة، استدراكا لفضيلة الجماعة، مستندا في ذلك إلى قوله ﷺ : صلاة الجماعة أفضل من

стр. 601

صلاة أحدكم وحده بخمس وعشرين درجة (١). قال ابن يونس: وكانت له عبادة وفضل، ثقة في الحديث، لا يختلف فيه حاذق في الفقه، يلزم الرباط. وكان أحد الزهّاد في الدنيا، ومن خيار خلق الله تعالى. حدّثني إبراهيم بن محمّد بن الضحّاك قال: سمعت المزنيّ يقول: عانيت غسل الموتى ليرقّ قلبي، فصار ذلك لي عادة. وقال أبو الفوارس السنديّ: كان المزنيّ والربيع رضيعين. وقال أبو إسحاق الشيرازيّ: كان زاهدا عالما مجتهدا مناظرا محجاجا غوّاصا على المعاني الدقيقة، وهو إمام الشافعيّين (٢)، وأعرفهم بطرقه وفتاويه، وما ينقله عنه. [مصنّفاته]: صنّف كتبا كثيرة، منها: الجامع الكبير، والجامع الصغير، والمختصر، والمنثور، والمسائل المعتبرة، والترغيب في العلم، وكتاب الوثائق، وكتاب نهاية الاختصار. وقال الشافعيّ: المزنيّ ناصر مذهبي. وكان إذا فرغ من مسألة وأودعها مختصره قام إلى المحراب وصلّى ركعتين شكرا لله تعالى. وقال أبو العبّاس بن سريج: يخرج مختصر المزنيّ من الدنيا عذراء لم تفتضّ، وهو أصل الكتب المصنّفة في مذهب الشافعيّ، وعلى مثاله رتّبوا ولكلامه فسّروا وشرحوا. وبلغ من احتياطه وورعه أنّه كان يشرب في جميع فصول السنة في كوز نحاس. فقيل له في ذلك، فقال: بلغني أنّهم يستعملون السّرجين (٣) من الكيزان والنار لا تطهّرها. وقال الربيع: دخلنا على الشافعيّ عند موته، أنا والبويطيّ والمزنيّ ومحمّد بن عبد الله بن عبد الحكم. فنظر إلينا ساعة فأطال، ثمّ التفت إلينا فقال: أمّا أنت يا أبا يعقوب فستموت في حديدك. وأمّا أنت يا مزنيّ فستكون لك بمصر هيئات وهنات، ولتدركنّ زمانا تكون [فيه] أقيس أهل ذلك الزمان. وأمّا أنت يا محمّد فسترجع إلى مذهب أبيك. وما أنت يا ربيع فأنت أنفعهم لي في نشر الكتب. قم يا أبا يعقوب فتسلّم الحلقة! قال الربيع: فكان كما قال. [مناقبه]: وقال عمرو بن عثمان المكّي: ما رأيت أحدا من المتعبّدين في كثرة من لقيت منهم أشدّ اجتهادا من المزنيّ، ولا أدوم على [١٨٣ أ] العبادة منه، ولا رأيت أحدا أشدّ تعظيما للعمل وأهله منه. وكان من أشدّ الناس تضييقا على نفسه في الورع وأوسعه [م] في ذلك على الناس [١٧٠ ب]. وكان يقول: أنا خلق من أخلاق الشافعيّ. وقال أبو عاصم العبّاديّ: لم يتوضّأ المزنيّ من حباب ابن طولون، ولم يشرب من كيزانه، لأنّه جعل فيه سرجين، والنّار لا تطهّره. وتوفّي [المزنيّ] يوم الأربعاء لأربع وعشرين ليلة خلت من ربيع الأوّل سنة أربع وستّين ومائتين بمصر. ودفن بالقرافة، وقبره يزار ويتبرّك بالدعاء عنده. وروي عن المزنيّ أنّه قال: كنت يوما عند الشافعيّ أسأله عن مسائل بلسان أهل الكلام، فجعل يسمع منّي وينظر إليّ، ثمّ يجيبني عنها بأحضر جواب (٤). فلمّا اكتفيت قال: يا بنيّ، أدلّك على ما هو خير لك من هذا؟

стр. 602

قلت: نعم. قال: يا بنيّ، هذا علم إن أنت أصبت فيه لم تؤجر، وإن أخطأت فيه كفرت، فهل لك في علم إن أصبت فيه أجرت، وإن أخطأت لم تأثم؟ قلت: وما هو؟ قال: الفقه! - فلزمته فتعلّمت منه الفقه ودرست عليه. وكنت يوما عنده إذ دخل عليه حفص الفرد فسأله سؤالات كثيرة. فبينما الكلام يجري بينهما، وقد دقّ حتّى لا أفهمه، إذ التفت إليّ الشافعيّ فقال: يا مزنيّ، تدري ما قال حفص؟ قلت: لا. قال: خير لك أن لا تدري! وقال إمام الحرمين: إذا انفرد المزنيّ برأي فهو صاحب مذهب. وإذا خرّج للشافعيّ قولا، فتخريجه أولى من تخريج غيره، وهو ملتحق بالمذهب لا محالة. وعنه أيضا أنّه قال: أرى كلّ اختيار للمزنيّ تخريجا، فإنّه لا يخالف أصول الشافعيّ، لا كأبي يوسف ومحمّد، فإنّهما يخالفان أصول صاحبهما (١). ٧٤٨ - الموفّق الدمياطيّ ابن قادوس [- ٥١٠] [١٧٩ أ] إسماعيل بن حسين بن حميد الفهريّ، الدمياطيّ، الموفّق، سديد الدولة، كافي الكفاة، الفضل، أبو الفضل، المعروف بابن قادوس، ضامن الثغور كتنيس ودمياط. مات في شعبان سنة عشر وخمسمائة. وهو والد أبي الفتح محمود بن قادوس (٢). وترك ستّة أولاد غير أبي الفتح، وهم: أبو الفتح- وخدم في الأسطول والطراز، وقتله يانس في وزارته في سنة ستّ وعشرين وخمسمائة، وأبو الحسن، مات في جمادى الآخرة سنة ثلاثين وخمسمائة في وزارة بهرام. وأبو عبد الله، ضمن الثغور بعد أبيه، وولي قضاء بعض الأعمال، ومات بالمحلّة وحمل إلى المقس (٣) فدفن بتربتهم. وأبو المعالي، قتله رضوان الوزير في شوّال سنة ثلاث وثلاثين وخمسمائة وأبو إسحاق، استخدم في الوكالة، ومات في سنة ستّين وخمسمائة، وشرف الدولة المتجنّد. ودفن الستّة مع أبيهم وأخيهم أبي الفتح تحت قبّة بتربتهم من القرافة.

стр. 603

٧٤٩ - إسماعيل بن خلف الأندلسيّ [- ٤٥٥] (١) [١٥٦ أ] إسماعيل بن خلف بن سعيد بن عمران، أبو الطاهر، الأنصاريّ، الأندلسيّ، ثمّ المصريّ، المقرئ، مصنّف كتاب: «العنوان في القراءات» (٢). أخذ القراءات عن عبد الجبّار بن أحمد الطرسوسيّ. وتصدّر للإقراء زمانا، ولتعليم العربيّة أيضا، وكان رأسا في ذلك. اختصر كتاب الحجّة لأبي عليّ الفارسيّ (٣). أخذ عنه جماهر بن عبد الرحمن الفقيه، وأبو الحسين الخشّاب، وولده جعفر بن إسماعيل، وغيرهم. توفّي في أوّل محرّم سنة خمس وخمسين وأربعمائة. ٧٥٠ - ابن أبي الردّاد الكاتب [٥٤٠ - بعد ٦٢٠] [١٥٦ ب] إسماعيل بن داود بن أبي الردّاد، أبو عبد الرحمن، الكاتب. ولد سنة أربعين وخمسمائة. سمع من أبي محمّد بن رفاعة، وحدّث عنه. وناب بمصر في ذي القعدة سنة عشرين وستّمائة. ٧٥١ - تاج الدين ابن خليل الحنفيّ [- ٧٣٩] (٤) [١٥٦ ب] إسماعيل بن خليل بن [ ... ]، تاج الدين، الحنفيّ. كان فقيها نحويّا أصوليّا فرضيّا، له مقدّمة [١٨٣ ب] في أصول الفقه. وله يد طولى في الفرائض. وكان صالحا عفيفا زاهدا، له مرايا كفلق الصّبح، يخبر بأشياء غريبة من مرائيه. وكان يرى في كلّ سنة ما يدلّ على النيل في زيادته ونقصه. وكان صدوقا ثقة، تفقّه عليه جماعة. وتوفّي بالحسينيّة ظاهر القاهرة في الثامن من جمادى الآخرة سنة تسع وثلاثين وسبعمائة. ٧٥٢ - الموفّق ابن المطران الطبيب [- ٥٨٧] (٥) [١٦٣ أ] أسعد بن إلياس بن جرجيس المطران، أبو نصر، موفّق الدين، ابن أبي الفتح، الطبيب. كان نصرانيّا، وأسلم على يد السلطان صلاح الدين يوسف بن أيّوب، وخدمه بالطبّ. وكان غزير المروءة حسن الخلق، فيه تشيّع. وكان يصحب صبيّا اسمه عمر، في غاية الحسن، فقال فيه ابن عنين، يعرّض بحبّه للصبيّ [البسيط]: قالوا: الموفّق شيعيّ فقلت لهم: ... هلّا خلاف الذي للناس فيه ظهر؟ وكيف يجعل دين الرفض مذهبه ... وما دعاه إلى الإسلام غير عمر!

стр. 604

توفّي الأسعد في شهر ربيع الأوّل سنة سبع وثمانين وخمسمائة. وكان أوحد العلماء في زمانه في علم الطبّ وعمله- عارفا بالعلوم الحكميّة متعيّنا في الفنون الأدبيّة. ومولده ومنشؤه بدمشق. وكان أبوه أيضا يعاني الطبّ ويجول في الأرض في طلب الفضيلة، واشتغل على أمين الدولة ابن التلميذ. واشتغل الموفّق على المهذّب ابن النقّاش. وكان جميل الصورة، محبّا للبس الفاخر من الملابس. وخدم السلطان صلاح الدين يوسف بن أيّوب، وكان لا يفارقه في سفر ولا حضر. وقدم معه القاهرة، وزوّجه بعد ما أسلم إحدى حظايا داره. وكانت له همّة في تحصيل الكتب، فبلغت كتبه نحو العشرة آلاف مجلّد، وكانت له عناية باستنساخ الكتب. وممّن أخذ عنه علم الطبّ المهذّب أبو محمّد عبد الرحيم بن عليّ الدخوار. ورأى في طريق حمص مجذوما قد قوي به المرض حتى تغيّرت خلقته وتشوّهت صورته، فاستوصف منه ما يتناوله وما يتداوى به، فبقي كالمتبرّم من رؤيته وقال له: كل لحم الأفاعي. فعاوده في المسألة فقال: كل لحوم الأفاعي، فإنّك تبرأ. ومضى إلى حمص. ورجع فإذا بشابّ حسن الصورة كامل الصحّة قد سلّم عليه وقبّل يده. فقال له: من أنت؟ فعرّفه بنفسه، وأنّه المجذوم الذي شكا إليه، وأنّه لمّا استعمل ما وصفه له، صلح به من غير أن يحتاج معه إلى دواء آخر. فتعجّب من ذلك في كمال برئه. وله عدّة مصنّفات، منها كتاب البستان (١)، جعله جامعا لكلّ ما وجده من ملح ونوادر سمعها أو طالعها. وكتب بخطّه الحاوي لمحمّد بن زكريا، والقانون لأبي عليّ بن سينا، والملكي، والإقناع (٢)، وشيئا كثيرا من كتب جالينوس، وروفس (٣)، ومن المقالات الحكميّة وغيرها [١٦٣ ب]، وكان حسن الخطّ. وللشرف أبي المحاسن محمّد بن عنين (٤) فيه أهاج كثيرة، منها [وافر]: وقالوا: أسعد بن الياس أضحى ... رئيسا لا حوته يد السعود! ولا أهجو الوجود وقد حواه ... فإنّ وجوده هجو الوجود! ٧٥٣ - أبو الفداء المؤرّخ [٦٧٢ - ٧٣٢] (٥) [١٥٧ أ] إسماعيل بن عليّ بن محمود بن عمر بن شاهنشاه بن أيّوب بن شادي، الملك المؤيّد، عماد الدين، أبو الفداء، ابن الملك

стр. 605

الأفضل، ابن المظفر، ابن المنصور ابن المظفّر، تقي الدين ابن شاهنشاه ابن نجم الدين والد الملوك. كان من جملة أمراء دمشق. فلمّا توجّه الملك الناصر محمّد بن قلاوون إلى الكرك خدمه خدمة زائدة. فلمّا عاد إلى ملك مصر مرّة ثالثة بعد فرار الملك المظفّر بيبرس رعى له حقّ الخدمة. واتّفق قدوم الأمير مهنّا أمير عرب الشام على السلطان فسأله في أشياء، منها ولاية عماد الدين حماة [١٨٤ أ]. فأجاب سؤاله وولّاه حماة عوضا عن أسندمر كرجي (١). فسار من دمشق في جمادى الآخرة سنة عشر وسبعمائة، فلم يسلّمه أسندمر حماة. فأقام بين حماة وحمص، وكتب يخبر السلطان. فاتّفق موت الأمير قبجق نائب حلب، فنقل أسندمر إلى نيابة حلب، وتسلّم عماد الدين حماة، وجعله السلطان صاحبها، ولقّبه «بالملك الصالح» مدّة. ثمّ إنّه لقّبه ب «الملك المؤيّد» وحكّمه في حماه يفعل فيها ما يختار من إقطاع وولاية من غير مراجعة، وأذن له أن يخطب له بحماه وأعمالها، على ما كان عليه الملك المنصور (٢)، فلم يزل على ذلك. وقدم إلى مصر في تاسع عشر جمادى الأولى سنة ستّ عشرة فأنزل بمناظر الكبش، وأجري له من الرواتب ما يليق به. فحمل تقدمته من الغد، ولقي السلطان فبالغ في تكرمته، إلى أن سافر إلى بلده في تاسع عشرين جمادى الآخرة. ثمّ قدم في شوّال سنة تسع عشرة، وتوجّه مع السلطان للحجّ. فلمّا عاد عظم في عين السلطان لما رآه من آدابه وفضائله وعلومه. وأركبه في يوم الخميس سابع عشرين المحرّم سنة عشرين وسبعمائة بشعار السلطنة من المدرسة المنصوريّة بين القصرين. وسار عنها، والأمير قجليس السلاحدار حامل وراءه السلاح، والأمير الجاي الدوادار حامل الدواة، والأمير بيبرس الأحمدي أمير جاندار، والأمير جمال الدين أمير حلب (٣) والغاشية والعصائب (٤)، وجميع دست السلطنة، وجميعهم بالخلع والتشاريف، إلى أن خرج من القاهرة، وصعد قلعة الجبل، وقبّل الأرض، وجلس في الخدمة رأس الميمنة. ولقّبه السلطان يومئذ بالملك المؤيّد. وسار من يومه، وفي خدمته كريم الدين ناظر الخاصّ، إلى قبّة النصر خارج القاهرة، حتّى رتّب له كلّ ما يحتاج إليه في السفر [١٥٧ ب]. فكانت الخلع والتشاريف على من كان معه في هذا اليوم من أهل الدولة مائة وثلاثين تشريفا، منها ثلاثة عشر أطلس، وباقيها ما بين طرد وحش وكنجي (٥) وعمل الدار. وقدم أيضا في سنة ثنتي وعشرين بهداياه وتحفه على العادة. وتوجّه مع السلطان إلى بلاد الصعيد، حتى قارب قوص. وعاد أوّل المحرّم سنة ثلاث وعشرين، فخلع عليه، وعاد إلى حماة. فلم يزل بها حتى مات يوم [ ... ] سابع عشرين المحرّم سنة اثنتين وثلاثين وسبعمائة، وهو في سنّ الكهولة، فأخفي موته يومين، حتى بعثت أمّ

стр. 606

ولده إلى الأمير تنكز نائب الشام بجواهر ثمينة، وسألته إقامة ابنها الأفضل محمّد على مملكة حماة، وأن يشفع إلى السلطان في ولايته. فأجاب سؤالها، وبعث البريد إلى السلطان بذلك. فكثر أسف السلطان على فقد المؤيّد، وحزن عليه. وقبل شفاعة تنكز في الأفضل وأنعم عليه بحماه على قاعدة أبيه وجدّه، ورسم بإحضاره كما قد ذكر في ترجمته (١). وكان المؤيّد كريما فاضلا عارفا بالفقه والطبّ والفلسفة وغير ذلك، وله يد طولى في الهيئة، ومشاركة جيّدة في غالب العلوم. وكان يحبّ أهل العلم ويقرّبهم ويؤويهم إليه. واختصّ بأمين الدين عبد الرحمن بن عمر الأبهريّ، وأجرى له ما يكفيه ورتّب للجمال محمّد بن نباتة الشاعر في كل سنة ستّمائة درهم يبعث بها إليه إلى دمشق، سوى ما يتحفه به. ونظّم كتاب «الحاوي (٢) في الفقه» على مذهب الشافعيّ، وكان يعرفه معرفة جيّدة. وله كتاب التاريخ (٣)، حوى، مع اختصاره، فوائد جليلة. وله كتاب «الكنّاس»، عدّة مجلّدات كثيرة. وكتاب «تقويم البلدان»، أبدع فيه وأجاد. وكتاب «الموازين»، وشعره جيّد. وكان السلطان [الملك الناصر] يكتب إليه: «أخوه محمّد بن قلاوون، أعزّ الله أنصار المقام الشريف العالي السلطان الملكي المؤيّدي العمادي» بلا مولوي [١٨٤ ب] (٤)، ويكتب إليه الأمير تنكز: نقبّل الأرض بالمقام الشريف العالي المولويّ السلطاني الملكيّ المؤيّدي العمادي- وفي العنوان: صاحب حماة. ويكاتبه سائر النّواب بتقبيل الأرض، ونهى (٥). وقدم مرّة ومعه ابنه الأفضل محمّد إلى القاهرة فمرض [الأفضل]، فأرسل إليه السلطان رئيس الأطبّاء جمال الدين إبراهيم ابن المغربيّ، فلازمهبكرة وعشيّا، حتّى برئ، والمؤيّد يبحث [١٥٨ أ] معه في ذلك المرض، ويقرّر دواءه، ويطبخ له الشراب بيده في دست من فضّة، حتّى كان ابن المغربيّ يقول له: يا خوند، أنت والله ما تحتاج إليّ. وما أجيء إلّا امتثالا لأمر السلطان. فلمّا عوفي الأفضل أعطى المؤيّد لابن المغربي بغلة بسرج ولجام وكنبوش زركش، وتعبئة قماش، ومبلغ عشرة آلاف درهم، وقال له: يا مولانا، اعذرني، فإنّي لمّا خرجت من حماه ما حسبت مرض هذا الابن، فأمهلني حتّى أتوجّه إلى حماة. ومدحه شعراء زمانه، وأجازهم. وفرّق كثيرا من كتبه، ووقف منها جملة. ورثاه ابن نباتة (٦) بقصيدة أوّلها [بسيط]: ما للنّدى لا يلبّي صوت ناديه ... أظنّ أن ابن شادي قام ناعيه ومن شعر المؤيّد [كامل]: اقرأ على طيب الحيا ... ة سلام صبّ ذات حزنا واعلم بذاك أحبّة ... بخل الزمان بهم وضنّا

стр. 607

لو كان يشرى قربهم، ... بالمال والأرواح جدنا متجرّع كأس الفرا ... ق يبيت للأشجان رهنا صبّ قضى وجدا ولا ... يقضى له ما قد تمنّى وقال [الوافر]: سرى مسرى الصبا فعجبت منه ... من الهجران كيف صبا إليّ وكيف ألمّ بي من غير وعد ... وفارقني ولم يعطف عليّ وقال [الكامل]: أحسن به طرفا أفوت به القضا ... إن رمته في مطلب أو مهرب مثل الغزالة ما بدت في مشرق ... إلّا بدت أنوارها في المغرب ٧٥٤ - الحافظ أبو سعد السمّان [- ٤٤٥] (١) [١٥٩ ب] إسماعيل بن عليّ بن الحسين بن محمّد بن الحسن بن زنجويه، الرازيّ، أبو سعد، السمّان، الحافظ، الزاهد، المعتزليّ، الفقيه الحنفيّ، شيخ المعتزلة وعالمهم وفقيههم ومتكلّمهم ومحدّثهم. كان إماما في القراءات والحديث ومعرفة الرجال والأنساب والفرائض والحساب والشروط والمقدّرات (٢)، وفقه أبي حنيفة وأصحابه، ومعرفة الخلاف بين أبي حنيفة والشافعيّ رحمهما الله، وفي فقه الزيديّة وفي الكلام. وكان يذهب مذهب أبي الحسين البصريّ (٣)، وأبي هاشم الجبّائي. ورحل إلى الحجاز، والعراق، وبلاد الشام، ومصر، والمغرب، ولقي الرجال، فيقال إنّه أخذ عن أربعة آلاف شيخ، وأنّه قرأ عليه ثلاثة آلاف رجل. وقصد أصبهان في آخر عمره لطلب الحديث. وكان زاهدا ورعا قوّاما مجتهدا صوّاما قانعا راضيا، أتى عليه أربع وسبعون سنة ولم يدخل إصبعه في قصعة إنسان، ولم يكن لأحد عليه منّة ولا يد في حضره ولا في سفره. ومات ولم يكن له مظلمة ولا تبعة. وكانت [١٨٥ أ] أوقاته موزّعة للعبادة. ومن كلامه: من لم يكتب الحديث لم يتغرغر بحلاوة الإسلام. وله عدّة مصنّفات. ولم يتزوّج قطّ، حتى مات بالريّ في ليلة الأربعاء الرابع والعشرين من شعبان سنة خمس وأربعين وأربعمائة. ٧٥٥ - عزّ الدين الإسنائيّ [- ٧٠٠] إسماعيل بن عليّ بن هبة الله، عزّ الدين، الإسنائيّ، الحميريّ، الشافعيّ. برع في عدّة علوم. وصنّف كتابا في فضائل أبي

стр. 608

بكر الصدّيق ﵁. وسمع الحديث، وأكبّ على الاشتغال، وناب في الحكم عن ابن دقيق العيد، وابن بنت الأعزّ. ثمّ توجّه إلى الشام، وولي الأوقاف بحلب مدّة. وتصدّر للإفادة فتخرّج به جماعة. ثمّ عاد إلى القاهرة في سنة سبعمائة فمات فيها. وكان متضلّعا من العلوم العقليّة كريما محسنا، وهو أسنّ من أخيه نور الدين عليّ، ولهما أخ اسمه الفضل. وقد ذكرا (١). ٧٥٦ - ابن شبيب الروميّ العطّار [٥٥١ - ٦٠٦] (٢) إسماعيل بن عمر بن نعمة بن يوسف بن شبيب، الروميّ، العطّار، أبو الطاهر، الحنبليّ، الأديب. ولد سنة إحدى وخمسين وخمسمائة. وكان مولعا بالأدب، عارفا بالعقاقير. وله مصنّفات أدبيّة. [وله مماليك]، منها: مائة غلام ومائة جارية. ومات بمصر في العشرين من المحرّم سنة ستّ وستّمائة. ٧٥٧ - ابن راشد الحدّاد المقرئ [- ٤٢٩] (٣) إسماعيل بن عمرو بن إسماعيل بن راشد، الحدّاد، المقرئ. قرأ على عبد العزيز ابن الإمام [وغزوان] بن القاسم، وغيرهما. وسمع من الحسن بن رشيق، وأحمد بن محمّد بن سلمة الخيّاش، وغيرهما. قرأ عليه أبو القاسم [يوسف] الهذليّ وغيره. وحدّث عنه سعد بن عليّ الريحانيّ، وأبو الحسن الخلعيّ. ومات سنة تسع وعشرين وأربعمائة. ٧٥٨ - أبو عليّ القالي البغداديّ [٢٨٨ - ٣٥٦] (٤) إسماعيل بن القاسم بن عيذون- بعين مهملة وياء ساكنة، ثمّ ذال معجمة، بعدها واو ساكنة ثم نون- بن هارون بن عيسى بن محمّد بن سلمان [وسلمان جدّه] مولى عبد الملك بن مروان، أبو علي، البغدادي، القالي. ولد بمنازكرد من ديار بكر سنة ثمان وثمانين ومائتين. ورحل إلى بغداد سنة ثلاث وثلاثمائة. وأقام بالموصل وكتب [الحديث] عن أبي يعلى الموصليّ وغيره. ثمّ دخل بغداد سنة خمس وثلاثمائة، فأقام بها إلى سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة، يكتب الحديث. فكتب عن أبي بكر عبد الله بن أبي داود السجستانيّ، وأبي محمّد يحيى بن محمّد بن صاعد، وأبي عمر محمّد بن يوسف بن يعقوب القاضي، وأبي القاسم عبد الله بن محمّد بن عبد العزيز البغويّ، المعروف بابن بنت منيع، وإبراهيم بن عبد الصمد بن موسى الهاشميّ، وأحمد بن إسحاق بن البهلول القاضي، وأبي عبد الله الحسين القاضي، وأبي عبيد أخيه القاضي (٥)،

стр. 609

ابني إسماعيل بن محمّد بن إسماعيل الضبّيّ، المعروف بابن المحامليّ، وأبي بكر يوسف بن يعقوب بن البهلول الأزرق، وأبي بكر محمّد بن أحمد البستنبان (١)، وابن قطن الإسكافيّ، وأبي سعيد الحسن (٢) بن عليّ بن زكريا بن يحيى العدويّ. وسمع الأخبار واللغة من أبي بكر محمّد بن الحسن بن دريد الأزديّ البصريّ، وأبي بكر محمّد بن القاسم بن بشّار الأنباريّ، وأبي عبد الله إبراهيم بن محمّد بن عرفة، المعروف بنفطويه، وأبي بكر محمّد بن السريّ السرّاج النحويّ، ومن أبي بكر محمّد بن شقير النحويّ، ومن أبي إسحاق إبراهيم بن السريّ بن سهيل الزجّاج النحويّ، ومن أبي الحسن عليّ بن سليمان بن الفضل الأخفش، ومن أبي بكر محمّد بن محمّد بن أبي الأزهر، ومن أبي محمّد عبد الله بن جعفر بن درستويه- أخذ منه كتاب سيبويه عن المبرّد- وأبي جعفر أحمد بن عبد الله بن مسلم بن قتيبة- أخذ منه كتب أبيه- ومن أبي بكر أحمد بن محمّد بن موسى بن مجاهد المقرئ- قرأ عليه القرآن بحرف أبي عمرو بن العلاء، وأخذ كتابه في القراءات السبع، وغير ذلك- ومن أبي عمر محمّد بن عبد الواحد المطرّز، غلام ثعلب- حدّثه عن ثعلب- ومن أبي بكر محمّد بن عبد الملك التاريخيّ، ومن أحمد بن يحيى المنجّم النديم- أخذ منه كتاب أبيه وغير [١٨٥ ب] ذلك- ومن أبي علي الحسن بن عليّ بن نصر الطوسيّ- أخذ منه كتاب الزبير بن بكّار في النسب- ومن أحمد بن سعيد الدمشقيّ. وخرج عن بغداد آخر سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة، ودخل إلى الأندلس في سنة ثلاثين وثلاثمائة. فقدم قرطبة لثلاث بقين من شعبان سنة ثلاثين وثلاثمائة، قاصدا الناصر عبد الرحمن، فأكرمه. وصنّف له ولولده الحكم تصانيف، وبثّ علومه هناك. وروى عنه أبو بكر محمّد بن الحسن الزبيديّ النحويّ، مع إمامته. وكان الحكم المستنصر، قبل ولايته الخلافة وبعدها، ينشّط أبا عليّ ويبعثه على التأليف بواسع العطاء، ويشرح صدره بالإفراط في الإكرام. وكانوا يسمّونه البغداديّ، لوصوله إليهم من بغداد. ويقال إنّ الناصر استدعاه من بغداد، لولائه فيهم. ولم يزل مكرّما حتّى مات بها ليلة السبت لسبع خلون من جمادى الأولى سنة ستّ وخمسين وثلاثمائة. قال أبو بكر محمّد بن الحسن الزبيديّ: وله عدّة مصنّفات، أملاها عن ظهر قلب، منها: كتاب النوادر، أملاه ظاهرا، وارتجل تفسير ما فيه، وهو غاية في معناه. وهو أنفع الكتب لأنّه فيه الخبر الحسن، والمثل المتصرّف، والشعر الفائق المنتقى من كلّ معنى. وفيه أبواب من اللغة مستقصاة ليست توجد في غيره من كتب اللغة بكمال ما هي في هذا الكتاب. وفي الإبدال والقلب، مستقصى، وفيه تفسير الإتباع، وهو ممّا لم يسبقه أحد إليه، فيفوائد كثيرة. ومنها كتابه في الممدود والمقصور، بناه على التفعيل، ومخارج الحروف من الحلق، مستقصى في بابه لا يشذّ عنه شيء من معناه، ولم يوضع له نظير. ومنها: كتابه في الإبل ونتاجها وما تصرّف معها. ومنها: كتابه في حلي الإنسان، والخيل وسياتها.

стр. 610

ومنها: كتابه في فعلت وأفعلت. وكتابه في مقاتل الفرسان، وكتابه في تفسير القصائد السبع المعلّقات، وتفسير إعرابها ومعانيها. إلى كتب كثيرة (١) ارتجل جميعها وأملاها عن ظهر قلبه. وألّف كتاب البارع في اللغة، بناه على حروف المعجم، وجمع فيه كتب اللغة، وعزا كلّ كلمة من الغريب إلى ناقلها من العلماء، واختصر الإسناد عنهم، وهو يشتمل على خمسة آلاف ورقة، ولا نعلم أحدا من العلماء المتقدّمين والمتأخّرين ألّف نظيره في الإحاطة والاستيعاب. والقالي نسبة إلى قالي قلا، وهي مدينة من مدن أرمينية، منها ابتداء الأنهار العظام: الفرات، والرسّ، والكرّ (٢) وغير ذلك. وإنّما نسب إليها لأنّه لمّا انحدر إلى بغداد في رفقة فيها أهل قاليقلا، قيل (٣) له: «القالي» من أجل هذا. قال أبو الحكم منذر بن سعيد البلّوطيّ القاضي: كتبت إلى أبي عليّ البغداديّ أستعير منه كتاب الغريب، وقلت [المجتثّ]: بحقّ ريم مهفهف ... وصدغه المتعطّف ابعث إليّ بجزء ... من «الغريب المصنّف» (٤) فقضى حاجتي وأجاب بقوله: وحقّ درّ تألّف ... بفيك أيّ تألّف لأبعثنّ بما قد ... حوى الغريب المصنّف ولو بعثت بنفسي ... إليك ما كنت أسرف ومدحه يوسف بن هارون الرماديّ. ٧٥٩ - جمال الدين ابن منقذ [٥٦٩ - ٦٢٦] (٥) [١٦٤ أ] إسماعيل بن مبارك بن كامل بن مقلّد بن عليّ بن نصر بن منقذ، الأمير جمال الدين، أبو الطاهر، ابن سيف الدولة أبي الميمون، الكنانيّ، الشيزريّ الأصل، المصريّ المولد والدار. مولده بالقاهرة في العشرين من شهر رجب سنة تسع وستّين وخمسمائة. وسمع من السلفيّ، ومن والده بمصر، وحدّث. وتقدّم في معرفة الأدب وقال الشعر، وحظي عند الملك الكامل محمد ابن العادل. وبعثه في الرسالة إلى الفرنج، وهو على قتالهم، فدخل دمياط. وكان يختم بها كلّ يوم ختمة. وتولّى حرّان، ومات بها في رمضان سنة ستّ وعشرين وستّمائة. ٧٦٠ - ابن الزيّات المصريّ [- ٥٩٩] [١٦٤ أ] إسماعيل بن القاسم بن عبد الله الزيّات، أبو طاهر [١٨٦ أ]، المصريّ. سمع من أبي عبد الله الرازيّ أربعة عشر جزءا

стр. 611

من معجم البغويّ (١). وسمع من أبي الحسن الفزاري، وعاد. وشهد ابن يحيى، وغيرهما. ومات بمصر في ذي القعدة سنة تسع وتسعين وخمسمائة. ٧٦١ - ابن النحّاس المصريّ [٣٥٤ - ٤٣٠] [١٦٤ ب] إسماعيل بن أبي محمّد بن النحّاس، المصريّ. ولد في شعبان سنة أربع وخمسين وثلاثمائة. ومات في رجب سنة ثلاثين وأربعمائة. ٧٦٢ - ابن طباطبا الرسّيّ [- ٣٣٧] [١٦٥ أ] إسماعيل بن محمّد بن إسماعيل بن القاسم الرسّيّ، ابن إبراهيم طباطبا، ابن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن بن عليّ بن أبي طالب، ﵈، أبو إبراهيم، ابن أبي عبد الله [ ... ]. كان يتولّى النظر في أمور الطالبيّين بمصر بإلزام السلطان له لصيانته. وكان يصنّف الكتب ويقول الشعر. توفّي في سنة سبع وثلاثين وثلاثمائة بمصر، ودفن مع جدّه إسماعيل (٢) في قبر واحد. ولمّا استتر سهل بن محمّد الكاتب البغدادي طلبه الأمير أبو بكر محمّد بن طغج الإخشيد طلبا شديدا، فعرف أنّه عند أبي إبراهيم الرسّيّ. فأرسل إليه، فخرج إلى الرسل وصاح عليهم. فعادوا إلى الإخشيد، فغضب وقال لمنجح غلامه: اركب في مائة فارس واكبس دار أبي إبراهيم، وخذ منه سهلا الكاتب، فركب منجح. وبلغ إبراهيم فأغلق بابه، ولبس درعا وتقلّد سيفا وأخذ الدرقة، وفتح الباب وقال لمنجح: تقدّم! فو الله لا طمعت في الدخول أو أقتل! فأرسل إلى الإخشيد، فأخبره. فأرسل إليه: انصرف! - ثمّ بعث إلى أبي إبراهيم: اركب! - فركب. فلمّا دخل عليه قال: يا أبا إبراهيم، الحرب؟ قال: نعم. قال: فبحقّي عليك، سهل عندك؟ قال: نعم. قال: هو آمن. وهذا خاتمي وأماني. والساعة ازدادت رغبتنا فيك يا شريف، فأحضر سهلا آمنا! وتعجّب الإخشيد من فعله. ٧٦٣ - إسماعيل الكورانيّ [- ٦٦٥] (٣) [١٦٦ ب] إسماعيل بن محمّد بن أبي بكر بن خسرو الكورانيّ، الشيخ الصالح. كان مقامه في مدينة قليوب. وتوفّي بمدينة غزّة قافلا من مصر إلى بيت المقدس في الثاني والعشرين من شهر رجب سنة خمس وستّين وستّمائة. ودفن بظاهر البلد.

стр. 612

٧٦٤ - القاضي ابن اليسع الكنديّ [- بعد ١٦٧] (١) [١٨٦ أ] إسماعيل بن الربيع بن اليسع، أبو الفضل وأبو عبد الرحمن، الكنديّ، النسفيّ، الكوفيّ، قاضي مصر، وأوّل من ولي قضاء مصر على مذهب الإمام أبي حنيفة. قدم مصر قاضيا من قبل أمير المؤمنين المهديّ محمّد ابن أبي جعفر، عوضا عن عبد الله بن لهيعة، بإشارة يعقوب بن داود، في سنة أربع وستّين ومائة. روي عنه من أهل مصر عبد الله بن وهب، وسعيد بن سابق، وسعيد ابن أبي مريم، وأبو صالح الحرّانيّ. قال سعيد ابن أبي مريم: قدم علينا إسماعيل [بن الربيع] بن اليسع قاضيا بعزل ابن لهيعة، وكان من خير قضاتنا، غير أنّه كان يذهب إلى مذهب أبي حنيفة، ولم يكن من أهل مصر، فشنئوه. وكان مذهبه إبطال الأحباس، فثقل على أهل مصر. وجاء رجل إلى الليث بن سعد فقال: ما تقول في رجل قال لرجل: يا مأبون! يا من ينكح في دبره! فقال الليث: يصير إلى القاضي إسماعيل ابن اليسع. فقال: قد صرت إليه فقال [لي]: تقول له مثل ما قال له. فقال الليث: سبحان الله! وهل يقال للزانية ذلك؟ (٢). فكتب الليث فيه إلى أمير المؤمنين فعزله. وقال يحيى بن بكير: كان إسماعيل ابن اليسع مأمونا فقيها، وكان يصلّي بنا الجمع وعليه كساء مربّع من صوف وقطن، وقلنسوة خزّ (٣). وقال ابن قديد عن يحيى بن عثمان: جاء الليث إلى إسماعيل ابن اليسع فجلس بين يديه، فرفعه إسماعيل. فقال: إنّما جئت مخاصما لك. قال: في ماذا؟ قال: في إبطالك أحباس المسلمين. قد حسّ رسول الله ﷺ ، وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير. فمن بقي بعد هؤلاء؟ - وقام. وكتب إلى المهديّ فورد الكتاب بعزله. فأتاه الليث وجلس إلى جنبه وقال للقارئ: اقرأ كتاب أمير المؤمنين! فقال له إسماعيل: يا أبا الحارث، وما [١٨٦ ب] كنت تصنع بهذا؟ أما والله لولا أمر السلطان (٤)، ثمّ لو أمرتني بالخروج لخرجت. فقال له الليث: إنّك ما علمت لعفيف عن أموال الناس. وقال ابن عبد الحكم: كتب فيه الليث إلى المهديّ: إنّك ولّيت رجلا تكيّد (٥) سنّة رسول الله ﷺ بين أظهرنا، مع أنّا ما علمنا عليه في الدينار والدرهم إلّا خيرا- فكتب بعزله. وفي رواية: كتب الليث فيه: إنّا لم ننكر عليه شيئا غير أنّه أحدث أحكاما لا نعرفها.

стр. 613

وقال ابن عفير: إنّ إسماعيل بن الربيع كان رجلا صالحا. وكان إبراهيم بن صالح بمصر أميرا، وسراج بن خالد على البريد، فأراداه على الحكومة لهما بشيء فامتنع. فاحتالا له بعسّامة بن عمرو فأدخله حمّامه وأطعمه سمكا فمرض. فكتب إبراهيم بن صالح وسراج بن خالد إلى المهديّ يذكر [ان] أنّه فلج. فكتب بصرفه، فردّ الأمر [١٨٦ ب] إلى غوث بن سليمان [الحضرمي الصوراني]، وكان صرفه في سنة سبع وستّين ومائة. ٧٦٥ - أبو الطاهر العقيليّ المقرئ [٤٥٤ - ٥٢٣] (١) [١٨٦ ب] إسماعيل بن طاهر بن عبد الله العقيلي، أبو الطاهر، المقرئ. ولد سنة أربع وخمسين. وسمع من عليّ بن هبة الله الكامليّ، وسعيد المأمونيّ، وعبد الرحمن السيفيّ، والبوصيريّ، وأبي محمّد بن برّيّ، وغيرهم. وتصدّر بالجامع الطاري (٢)، وأخذ عنه جماعة. ومات في رجب سنة ثلاث وعشرين وخمسمائة. ٧٦٦ - القاضي علم الدين الصويتي [٥٤٩ - ٦١٠] (٣) إسماعيل بن عبد الجبّار بن يوسف بن عبد الجبّار بن شبل بن عليّ، القاضي علم الدين، أبو الطاهر، ابن القاضي الأجلّ الأكرم أبو محمّد، ابن القاضي الأجلّ أبي الحجّاج، الجذاميّ الصويتيّ، المقدسيّ الأصل، القاهريّ المولد والدار. مولده في سنة تسع وأربعين وخمسمائة. وقرأ الأدب على ابن برّيّ، وصحب شيخ الديوان يومئذ، السديد أبا القاسم، المعروف بكاتب ناصر الدولة، كان أحد فضلاء زمانه، فانتفع بصحبته. وسمع بالإسكندريّة من السلفيّ. وحدّث بدمشق. وتولّى ديوان الجيوش وغيرها للسلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيّوب، ولابنه الملك العزيز عثمان، وللملك الأفضل عليّ بن صلاح الدين، وللملك العادل أبي بكر بن أيّوب. فلمّا ولي الصاحب صفيّ الدين عبد الله بن عليّ بن شكر وزارة الملك العادل، وأخذ في الإيقاع بأكابر مصر، فرّ منه إلى حلب، وأقام بها حتّى مات فيها لليلتين بقيتا من ذي القعدة سنة عشر وستّمائة. وله شعر وترسّل. ومن العجب أنّ العلم هذا وولده عاشا عمرا واحدا، وهو إحدى وستّون سنة، وتوفّيا في ذي القعدة، ووليّ كلّ منهما ديوان الجيش عشرين سنة. ووالده عبد الجبّار أحد كتّاب الدولة الفاطميّة. وجدّه أبو الحجّاج يوسف ولد بالقدس (٤) وقدم إلى مصر واشتغل بالفقه، وتولّى الحكم بالغربيّة وغيرها. وكان للعلم هذا ولدان، هما أبو الحسين ضياء الدين محمّد، وأبو الحجّاج جمال الدين يوسف،

стр. 614

كانا فاضلين. وقد ذكر الجميع في هذا الكتاب (١). ٧٦٧ - نبيه الدين الأنصاريّ الكاتب [٥٣٣ - ٦١٣] (٢) إسماعيل بن عبد الرحمن بن أحمد، الشيخ أبو الطاهر، نبيه الدين، الأنصاريّ، الكاتب. سمع من الحافظ السلفيّ، وأبي محمّد عبد الله بن عطّاف بن ثعلب (٣) المالكيّ، والأديب أبي الحسن عمارة اليمنيّ، وأبي الحسن عليّ بن إبراهيم بن نجا الأنصاريّ، وغيرهم، وحدّث. وتولّى الاستيفاء بديوان الأحباس بمصر. ومولده سنة ثلاث وثلاثين وخمسمائة ثالث عشرين ذي الحجّة، وكتب بخطّه الحسن كثيرا. وتوفّي ليلة العشرين من شعبان سنة ثلاث عشرة وستّمائة. ٧٦٨ - فخر الدين الإمام الإسنائيّ [- ٧٢٠] (٤) إسماعيل بن عبد القويّ بن الحسن بن حيدرة الحميريّ، الإسنائيّ الأصل، الفرميّ، المعروف بالإمام. تفقّه على البهاء القفطيّ. وأمّ بالمدرسة [العزيّة] بإسنا، وناب في الحكم في منشأة إخميم، وطوخ، والمراغة. ثمّ نزل قوص إلى أن مات في جمادى الآخرة سنة عشر [ين] وسبعمائة. ذكره الكمال جعفر [الأدفوي]. ٧٦٩ - أبو الطاهر الديباجيّ [- ٥٧٢] (٥) إسماعيل بن عبد الرحمن بن يحيى بن إسماعيل، العثمانيّ، الديباجيّ، أبو الطاهر [ ... ]. توفّي يوم الأربعاء [ ... ] ذي القعدة سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة. ٧٧٠ - الحافظ تقيّ الدين الأنماطي [- ٦١٩] (٦) إسماعيل بن عبد الله بن عبد المحسن بن أبي بكر بن هبة الله بن حسن بن عبد الله، الحافظ، تقيّ الدين، أبو الطاهر، الأنصاريّ، المصريّ، والأنماطيّ، الشافعيّ. ولد بمصر وسمع بها من أبي عبد الله محمّد بن عبد المولى، وأبي القاسم هبة الله بن عليّ البوصيريّ، وأبي الحسن شجاع بن محمّد بن سيدهم الدلجيّ، وجماعة كبيرة. وسمع بمكّة من أبوي عبد الله محمّد بن عبد الله الإسكندراني، ومحمّد بن إبراهيم بن أحمد الشيرازيّ، وغيرهما. ودخل إلى دمشق سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة، واستوطنها وانقطع إلى الحافظ أبي القاسم عليّ بن عساكر وسمع منه كثيرا. وسمع

стр. 615

من التاج [أبي اليمن زيد بن الحسن] الكنديّ، وأبي القاسم عبد الصمد بن محمّد الحرستانيّ، وجماعة كثيرة. ثمّ حجّ. ودخل بغداد، فسمع بها من حنبل بن عبد الله بن فرح [البغداديّ] وأبي حفص بن طبرزد، وغيرهما. ودخل واسط، وسمع بها [من أبي الفتح محمّد بن أحمد بن بختيار وغيره]. وعاد إلى دمشق. ثمّ قدم مصر في سنة ثلاث وستّمائة، وحدّث بها بشيء من مجموعاته. وحدّث بدمشق. وكتب الكتب، وحصّل كتبا كثيرة. وتوفّي بدمشق في ليلة الثالث عشر من شهر رجب سنة تسع عشرة وستّمائة. [وكان أوّلا مالكيّ المذهب، ثمّ انتقل إلى مذهب الشافعيّ، وبلغت عدّة مشايخه ألف شيخ]. ٧٧١ - أبو الحسن النحّاس المقرئ [- بعد ٢٨٠] (١) إسماعيل بن عبد الله بن عمرو بن سعيد بن عبد الله، أبو الحسن، النحّاس، مقرئ الديار المصريّة. جوّد القرآن على أبي يعقوب الأزرق صاحب ورش. وتصدّر للإقراء مدّة، وقرأ عليه خلق لإتقانه وتجويده وبصره بقراءة ورش. وكان قد قرأ على الأزرق سبع عشرة ختمة، وقرأ على عبد القويّ بن كمّونة ختمتين، وعلى عبد الصمد بن عبد الرحمن إلى سورة طه، وهما من أصحاب ورش. وكان يقرئ بمكتبه [و] بجامع عمرو بن العاص. وكفّ بصره بأخرة. قرأ عليه أبو جعفر بن عبد الله بن هلال الأزديّ، وحمدان بن عون الخولانيّ، ومحمّد بن خيرون الأندلسيّ، وأبو الحسن بن شنّبوذ، وأحمد بن إبراهيم الخيّاط، وأبو جعفر أحمد بن أسامة التجيبيّ، وأبو بكر بن أحمد بن أبي الرخاء. توفّي سنة بضع وثمانين ومائتين (٢). ٧٧٢ - القاضي عماد الدين ابن درباس [٥٧٠ - ٦٢٤] (٣) إسماعيل بن عبد الملك بن عيسى بن درباس، القاضي عماد الدين، أبو إبراهيم، ابن قاضي القضاة صدر الدين أبي القاسم [١٨٧ ب]، المارانيّ، الشافعيّ. مولده بالقاهرة لأربع خلون من شوّال سنة سبعين وخمسمائة. سمع من والده، ومن أبي القاسم البوصيريّ، والحافظ أبي محمّد القاسم بن عساكر، وأبي بكر عبد العزيز ابن أبي الفتح البغداديّ. وسمع بالمدينة النبويّة من الشيخ أبي محمّد جعفر بن أموسان الأصبهاني. وأبي الحسين يحيى بن عقيل البغداديّ. وأجاز له جماعة كثيرة. وحدّث بمكّة والقاهرة. وناب عن والده في القضاء. ودرّس بالمدرسة السيفيّة في القاهرة إلى حين وفاته في الثاني عشر من شهر رمضان سنة أربع وعشرين وستّمائة.

стр. 616

وكان عارفا. ٧٧٣ - الظافر العبيديّ [٥٢٧ - ٥٤٩] (١) [١٧٢ أ] إسماعيل بن عبد المجيد بن محمّد بن معدّ بن عليّ بن منصور بن نزار بن معدّ بن إسماعيل بن محمّد بن عبيد الله، الإمام الظافر بأمر الله، أبو المنصور، أمير المؤمنين، ابن الحافظ لدين الله أبي الميمون، ابن الأمير أبي القاسم، ابن المستنصر، ابن الظاهر، ابن الحاكم، ابن العزيز، ابن المعزّ، ابن المنصور، ابن القائم، ابن المهديّ. ولد يوم الأحد نصف ربيع الآخر سنة سبع وعشرين وخمسمائة. وبويع بالخلافة بعد موت أبيه يوم الأحد خامس جمادى الآخرة سنة أربع وأربعين وخمسمائة، وعمره سبع عشرة سنة وأربعة أشهر وعشرة أيّام، بعهد من أبيه. وكان أصغر إخوته، ولقّب بالظافر بالله. فاستوزر الأمير نجم الدين أبا الفتح سليمان بن محمّد بن مصال. فخرج عليه الأمير المظفّر أبو الحسن عليّ بن إسحاق ابن السلار واستولى على الوزارة إلى أن قتل. فقام من بعده بأمر الدولة المظفّر أبو نصر عبّاس ابن أبي الفتوح، وكان الظافر قد اختصّ بولده ناصر الدين نصر بن عبّاس واتّهم به. فأنكر عليه أبوه ما يقال في حقّه، فأراد البراءة ممّا رمي به، وسأل الظافر أن يأتيه ليلة ليتفسّحا. فنزل إليه في ليلة الخميس سلخ المحرّم سنة تسع وأربعين وخمسمائة وهو متنكّر، ومعه خادمان. فقتله ورماه في جبّ، ومعه أحد الخادمين، وغطّاه برخامة بيضاء. وفرّ الخادم الآخر إلى القصر. فكانت مدّته أربع سنين وسبعة أشهر وأربعة عشر يوما، وعمره إحدى وعشرون سنة وعشرة أشهر تنقص خمسة أيّام. وكان محكوما عليه من الوزراء. وفي خلافته ملك الفرنج عسقلان، وظهر الخلل في الدولة. وكان كثير اللهو واللعب مع جواريه، مقبلا على سماع الغناء. وأنشأ الجامع الظافريّ بالقاهرة المعروف بجامع الفكّاهين بخطّ الشوّائين. وقام في الخلافة بعده ابنه الفائز بنصر الله أبو القاسم عيسى. ٧٧٤ - أبو هاشم المقدسيّ قاضي مصر [- ٣٢٥] (٢) إسماعيل بن عبد الواحد بن محمّد، أبو هاشم، الربعيّ، المقدسيّ، الشافعيّ، أحد قضاة مصر. تمكّن من الأمير أبي منصور تكين تمكّنا زائدا، حتّى سلّم إليه قضاء مصر لعشر خلون من صفر سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة وبسط يده في الأحكام. فاستكتب أبا محمّد بكر بن محمّد بن بدر الصيرفيّ الحنفيّ الذي ولي القضاء فيما بعد. وتجبّر واعترض في كلّ شيء. وقد كان قبل ولايته يتحدّث مع تكين حتّى حمله على أن بعث بجكم صاحب الشرطة إلى المسجد الجامع، وأقام كثيرا من المالكيّين والشافعيّين والحنفيّين من حلقهم، ولم يدع في الجامع إلّا خمس حلق: حلقة أبي جعفر الطحاويّ.

стр. 617

وحلقة أبي بكر الرازيّ. وحلقة أبي بكر محمّد بن رمضان [الزيّات]. وحلقة عبد الرحمن [بن إسحاق] الجوهري. وحلقة ابن عبد الغنيّ. وعسف في ولايته بجماعة من الشهود. واستخلف محمّد بن عليّ العسكريّ على الفروض (١) وهمّ بإسقاط شهادة جماعة في نفسه عليهم شيء، وجمع الشهود ليركبوا معه إلى تكين. فركبوا ووقفوا على بابه [حتّى] يخرج فيسيروا معه فخرج، وقد قدّمت بغلته، فنظر إلى الجماعة وقال لهم: ألم يكن معكم أبو بكر محمّد بن رمضان؟ قالوا: نعم. قال: وأين هو؟ قالوا: هو ماشي. فنظر إليه قائما فقال: قدّموا له [١٨٨ أ] بغلتي، وأسرجوا لي بغلة أخرى. فقدّمت بغلته إلى أبي بكر محمّد بن رمضان بالسرج المرتفع، وأسرج لأبي هاشم. فلمّا ركب قال لابن رمضان: سر! - فسار وسار أبو هاشم والجماعة خلفه. وقال: هذا مكافأة من أتانا ماشيا. فشكرته الجماعة. وكان هذا من محاسنه. فلمّا مات الأمير تكين، وشجر ما بين الأمير محمّد بن تكين وبين محمّد بن عليّ الماذرائي صاحب الخراج ومتولّيه، وتحاربا، فقوي أبو بكر محمّد بن عليّ الماذرائي، ونظر في أمر البلد، رفع إليه جماعة من الشهود على القاضي أبي هاشم، وكان في نفسه عليه شيء من أيّام تكين. فأرسل يأمره بأن لا تحكم بين الناس واستخلف أبا بكر محمّد بن عليّ العسكريّ. فوقعت الفتنة بمصر بين المصريّين وأصحاب تكين، فنهبت دار أبي هاشم وأخذ جميع ما فيها. واستتر خوفا على نفسه وقد أودع بضعة عشر ألف دينار عند شخص فخانه في أكثرها. ثمّ سار في استتاره إلى الرملة، فكانت مدّة ولايته شهرين، وبقيت مصر بغير قاض. وقام جماعة من الفقهاء بكتابة محضر عليه وساعدهم أبو بكر العسكريّ، فأتاه الفقيه أبو بكر محمّد بن أحمد بن الحدّاد بعد عتمة ووبّخه على مساعدته لأعداء [١٧٣ ب] أبي هاشم، فذكر العسكريّ عنه أمورا. فما زال به ابن الحدّاد حتّى صرفه عن ذلك وأبطل كتابة المحضر. فأقام أبو هاشم بالرملة خمس سنين حتّى ملك الأمير أبو بكر محمّد بن طغج الإخشيد، فبعث يستدعيه، فإذا به قد فلج وقال للرسول: قل للأمير ما قال الجاحظ وقد طلبه بعض الملوك: ما تصنع بشقّ مائل، ولعاب سائل، وعقل فائل؟ ومات بالرملة سنة خمس وعشرين وثلاثمائة. وكان من كبار الفقهاء الشافعيّة يجمع بين الحفظ والفهم، إلّا أنّه كان جبّارا عنيدا. ٧٧٥ - أبو الطاهر ابن عطيّة الجذامي [- ٥٧٠] [١٧٣ ب] إسماعيل بن عبد الوهاب بن عطيّة، أبو الطاهر، الجذاميّ. سمع الحديث، وتفقّه بالإسكندريّة. ومات في أوائل المحرّم سنة سبعين وخمسمائة عند ما هجم الفرنج الثّغر فازدحم الناس في الأبواب فمات.

стр. 618

٧٧٦ - إسماعيل ابن أبي المهاجر [- ١٣٢] (١) [١٨٠ أ] إسماعيل بن عبيد الله بن أبي المهاجر أقرم، أبو عبد الحميد، مولى بني مخزوم. حدّث عن عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عبّاس. وحدّث عنه عمران بن عوف الغافقي، والحرث ابن مزيد، وبكر بن سوادة، وعبيد الله بن أبي جعفر. سكن إفريقيّة. وكان له عبادة وفضل. وكانت عادة خلفاء بني أميّة إذا أتتهم جباية الأمصار إلى الشام، أتى معها رجال من خيار تلك الأجناد والأمصار يحلفون بالله [أنّه] ما فيها درهم إلّا أخذ بحقّه، وأنّه فضل عن أعطيات ذلك البلد من المقاتلة والذرّيّة بعد أخذ كلّ ذي حقّ حقّه. فإذا حلفوا أدخل ذلك المال إلى بيت المال. فأتى وفد إفريقيّة بخراجها بعد أعطيات الأجناد وفرائض الناس في زمن سليمان بن عبد الملك. فحلف قوم من الوفد ونكل إسماعيل بن عبيد [الله]، ونكل بنكوله السمح بن مالك الخولانيّ، وقالا: لا نحلف لأنّه أخذ على الظلم والغشم. فأمر سليمان بن عبد الملك بردّ المال. وأعجب عمر بن عبد العزيز ما كان من فعلهما وضمّهما إلى نفسه، فاختبر منهما صلاحا وفضلا. فلمّا استخلف بعد موت سليمان بن عبد الملك استعملهما معا، فولّى إسماعيل إفريقيّة، والسمح الأندلس في سنة مائة. ولّى إسماعيل إفريقية على حربها وخراجها وصدقاتها. وسار أحسن سيرة، فلم يبق في ولايته من البربر أحد إلّا أسلم. فلمّا مات عمر بن عبد العزيز في رجب سنة إحدى ومائة وقام بعده يزيد بن عبد الملك، عزل إسماعيل وولّى يزيد بن أبي مسلم كاتب الحجّاج (٢). وغرق إسماعيل ببحر الروم سنة سبع ومائة (٣). وقال عبد الله بن المغيرة: قلت لسعيد بن المسيّب: إنّ عندنا رجلا من الأنصار يقال له [١٨٨ ب] إسماعيل بن عبيد، من العبّاد، إذا سمعنا نقول شعرا صاح علينا. فقال: ذاك رجل نسك نسك العجم. ٧٧٧ - الرشيد ابن المعلّم [٦٢٣ - ٧١٤] (٤) [١٨١ أ] إسماعيل بن عثمان بن محمّد بن عبد الكريم بن تمّام بن محمّد، رشيد الدين، أبو الفداء، المعروف بابن المعلّم، القرشيّ، الحنفيّ، شيخ الحنفيّة في عصره. ولد بدمشق في رجب سنة ثلاث وعشرين (٥) وستّمائة. قرأ القراءات السبع على السخاويّ. وسمع من أبي عبد الله الحسين ابن الزبيديّ، وابن الصلاح، وعزّ الدين النسّابة، وأحمد بن مسلمة وطبقتهم.

стр. 619

وتفقّه على الجمال محمود الحصيريّ. وعليه تفقّه شمس الدين وغيره. وعمّر حتّى انفرد. وأفتى ودرّس وحدّث. فلمّا كان الجفل سنة تسع وسبعمائة قدم فيمن قدم إلى القاهرة، فحدّث بها. وأقام حتّى مات في الخامس من شهر رجب سنة أربع عشرة وسبعمائة عن إحدى وتسعين سنة. وكان من كبار أئمّة العصر في الفقه والعربيّة والقراءات. لكنّه كان ضيّق الخلق، فلم يقدر الناس على الأخذ عنه. وكان الشيخ تقيّ الدين محمّد ابن دقيق العيد يعظّمه ويثني على علمه وفضله وديانته. وكان لديه زهد وانقطاع عن الناس. وعرض عليه قضاء دمشق فامتنع. ومن شعره [الكامل]: كبر وأمراض ووحشة غربة ... مع سوء حال قد جمعن لعاجز بئس الصفات لمن غدت أوصافه ... هذي الصفات، وما الممات بناجز لولا رجاء تفضّل من راحم ... حتما لخاب ولم يكن بالفائز يا ربّ أنجز رحمة تحيي بها ... [ف] الفضل فضلك ما له من حاجز ٧٧٨ - ابن أبي النّمر [٦٣٠ - ] [١٥٩ أ] إسماعيل بن عليّ بن محمّد بن عبد الواحد بن أبي النّمر [ ... ]. ولد بدمشق سنة ثلاثين وستّمائة. وقدم القاهرة. ومدح الصاحب الوزير زين الدين يعقوب بن الزبير في سنة ثمان وخمسين. ومن شعره يصف غلاما يمدّ الشريط [الوافر]: حكيت شريطه لونا وسقما ... على أنّا كلينا في يديه ويربح أجره من دون أجري ... فيبعدني ويجذبه إليه وقال [الرمل]: جانب الشرّ فحتف ال ... - مرء يجنه لسانه واعتبر بالرمح ما ح ... طّمه إلّا سنانه وقال يعاتب صديقا [الكامل]: لم أنت في ودّ الصديق مفرّط ... ترضى بلا سبب عليه وتسخط؟ يا من تلوّن في الطباع، أما ترى ... ورق الغصون إذا تلوّن يسقط؟ وقال في وصف النهر [المنسرح]: والنهر قد جنّ بالغصن [جوى] ... فصار في نفسه يميلها وغار فيه النسيم عاشقها ... فجاء عن وصله يميلها وقال [الطويل]: كأنّ شعاع الشمس بعد غروبها ... على النيل لمّا زانه بخضابه نديم عقار ملّ من صرف كأسه ... فبدّدها في الماء قبل ذهابه ٧٧٩ - سراج الدين المهدويّ [- ٦٣٥] (١) [١٥٩ ب] إسماعيل بن عليّ بن يوسف، الكاتب

стр. 620

الأديب، سراج الدين، أبو الطاهر، الحميريّ، المهدويّ. اشتغل [١٨٩ أ] على أبي الخير سلامة بن عبد الباقي النحويّ، والشريف النسّابة محمّد بن أسعد الجوّاني. ورحل إلى بغداد وسمع بها. وكتب على ابن البرقطيّ. وتوفّي بقرافة مصر في العشر الأوسط من ذي القعدة سنة خمس وثلاثين وستّمائة، وبها دفن. ٧٨٠ - المنصور العبيديّ [٣٠١ - ٣٤١] إسماعيل بن محمّد بن عبد الله بن محمّد بن جعفر بن محمّد بن إسماعيل بن جعفر بن محمّد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب ﵁، الإمام المنصور بالله، أبو الطاهر، أمير المؤمنين، ابن الإمام القائم بأمر الله أمير المؤمنين أبي القاسم، ابن الإمام المهدي بالله أبي محمّد. ولد برقّادة سنة إحدى وثلاثمائة، وهو الصحيح. وقيل: ولد بالعراق، وهو خطأ. وقيل: ولد سنة اثنتين وثلاثمائة. [تولّيه الخلافة بعد أبيه القائم]: وأقام إلى أن أظهر القائم بأمر الله أمره وفوّض إليه عهده في يوم الاثنين لسبع خلون من شهر رمضان سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة. وكانت سنّه إذ ذاك ثلاثا وثلاثين سنة. فقال محمّد بن قاسم التونسي (١) من قصيدة [طويل]: شهدت بأنّ الله بالغيب عالم ... وأنّ أمير المؤمنين موفّق لقد كانت الأيام خرسا فأصبحت ... لها ألسن بالشكر لله تنطق أمير تمنّته الإمامة مذ نشا ... وتصبو إلى أخلاقه وتشوّق وكانت عيون الأمر من شفق على ... رقبة ترنو إليه فتطرق وقالت فيه الشعراء فأكثرت. ثمّ كان يوم الفطر من هذه السنة، فخرج، وهو وليّ العهد، من قصره، وقد حفّ به بنوه وإخوته وعمومته وجنده وعبيده وعامّة الناس يدعون له ويزدحمون عليه، فصلّى بالناس وصعد المنبر وخطب خطبة بليغة. وتوفّي القائم بأمر الله لثلاث عشرة خلت من شوّال هذا [سنة ٣٣٤]. فكتم المنصور بالله موته ولم يظهر عليه حزنا، خوفا أن يتّصل ذلك بأبي يزيد مخلد بن كيداد النكّاري، وهو بالقرب منه، فيستأسد وتقوى عزيمته. فأبقى الأمور على حالها وأكثر العطايا والصلات، ولم يتسمّ بأمير المؤمنين فكانت كتبه تنفذ: من الأمير إسماعيل وليّ عهد المسلمين إلى أمير المؤمنين. واستفتح أموره بإطلاق المحبوسين الذين حبسهم القائم بسبب القدح في الدولة، وقتل الرجال الذين كانوا يسعون في فساد الدولة وخراب المملكة. ووصل الفقراء والمساكين، ووجّه مراكب كثيرة مشحونة بالطعام إلى فقراء مدينة سوسة المستورين بها ففرّقت فيهم، لما قاسوه من حصار أبي يزيد، فاتّسع ببركة أيّامه الحاضر والبادي، والشاسع والداني. وأقرّ الأمور على حالها ولم يغيّر السكّة ولا البنود. وأقام على

стр. 621

ذلك بقيّة سنة أربع وسنة خمس وثلاثين. وكان القائم بأمر الله قد عقد الأمر في حياته لابنه قاسم (١) فمات قاسم، ورجع الأمر إلى إسماعيل في الوقت المقدّم ذكره، دون عمومته وإخوته (٢). فلمّا كانت سنة ستّ وثلاثين أظهر إسماعيل موت أبيه بعد أن أمكنه الله من أبي يزيد، فتسمّى حينئذ بأمير المؤمنين. [استعداده لحرب أبي يزيد]: ولمّا أفضى الأمر إليه أخذ في أهبة السفر وأعدّ السلاح وآلة الحرب وألقى المراكب في الماء وشحنها بالرجال والسلاح والعدّة، ووجّه بعضها إلى مدينة سوسة وقوّد عليها رشيقا الكاتب، فوصل إليها لإحدى عشرة خلت من شوّال. ثمّ ركب لعشر بقين منه إلى دار الصناعة، وأمر يعقوب بن إسحاق أن يشحن ستّة مراكب بالرجال من ساعته ففعل. فأمره أن يركب فيها فعظم ذلك عليه، وسأله أن يمضي إلى داره لوداع أهله فمنعه من ذلك، وأمره أن يمضي [١٨٩ ب] بالمراكب إلى سوسة ويلتقي مع رشيق وقال: «لا تقاتلوا أحدا حتّى يأتيكم رسولي، وإن طلب أبو يزيد والبربر قتالكمفلا تقاتلوهم». فتوجّه يعقوب لا يدري أحد ما أسرّ إليه. ثمّ قال لجماعة كتامة والعبيد: «وافوني بالغداة في قرية «بكّة» بسلاحكم وعدّتكم، فإنّي أريد أن أتنزّه وأرى آثار العدوّ» - يعني أبا يزيد- وقرية بكّة على ميلين من المهديّة. فبكّر من قصره في شرذمة من عبيده وخدمه قبل الصبح من يوم الاثنين لتسع بقين من شوّال ووافته العساكر فتوجّه بهم مع الساحل يريد مدينة سوسة، وهم لا يدرون إلى أين يقصد ومع ذلك يخافون من أبي يزيد لما يعلمون من قوّته وكثرة عدده. فبلغ قرية «لمطة»، وهي نصف الطريق من المهديّة إلى سوسة. فاجتمع الناس إليه وسألوه عن مراده وأن لا يخاطر بنفسه وبهم. وكانت (٣) عدّتهم ستّمائة فارس. فقال لهم: «قد عزمت على التّمادي إلى هذا العدوّ بنفسي». فسألوه وتضرّعوا إليه في الرجوع حتى أذعن. فدعا كبون بن تصولا وقدّمه إلى سوسة ووصّاه، فتوجّه، وقد حار من قوّة العدوّ وشدّة شوكته لأنّه كان في زيادة على مائة ألف وكبّون في أربعمائة فارس. وقدم المنصور بمن معه إلى المهديّة فوافاها صلاة المغرب. [فكّ الحصار عن سوسة]: فلمّا كان صباح يوم الثلاثاء قرّب يعقوب مراكبه إلى البرّ وأنزل رجاله في هدوء وسكون بالقرب من الباب. فجلسوا تحت درقهم، ووقف راكبا في وسطهم فخرج إليه رشيق بمن معه، والرماة يحمونه من أعلى السور. فلمّا رآهم أبو يزيد وتأمّل سكونهم قال: «هؤلاء قوم ينتظرون غيرهم». وقرب كبّون من أبي يزيد، فركب أبو يزيد بجموعه، وخرج أهل سوسة مع رجال المنصور، فاقتتلوا قتالا شديدا فانكسر أبو يزيد وانهزم إلى القيروان ثمّ توجّه إلى ناحية سبيبة. وغنم أصحاب المنصور أثقاله، وقتلوا من أصحابه خلقا كثيرا. فخرج المنصور لمّا بلغه فتح سوسة في يوم الأربعاء لسبع بقين منه، فوصل إلى سوسة ونزل

стр. 622

ظاهرها، وأتاه خبر رحيل أبي زيد عن القيروان فسرّه ذلك، وكتب كتابا يؤمّن فيه أهل القيروان. وأصبح راحلا إلى مدينة القيروان فخيّم خارج المدينة يوم الخميس لستّ بقين منه، وهو في قلّة من العسكر مع ضعف الدوابّ. فخرج إليه الناس فأمّنهم ووعدهم خيرا. ووجد بالقيروان جماعة من حرم أبي يزيد ونسائه وأولاده فجمعهم وكساهم وحملهم إلى المهديّة وأجرى عليهم الأرزاق. وولّى قضاء القيروان محمّد بن أبي المنظور (١). وكتب إلى القبائل التي بجبال إفريقية يأمرهم بالقدوم، فتثاقلوا عنه. وجمع أبو يزيد قبائل البربر حتّى صار في خلق كثير وكان على يومين من مدينة القيروان، فأوقع أصحابه بكبون بن تصولا وقتلوه (٢) بعد حروب شديدة وقتلوا معه عددا كبيرا. فعزم المنصور على حفر خندق على معسكره وشاور في ذلك وجوه رجاله، فكلّهم كره حفره وقالوا: «هذه ذلّة». فقال لهم: «إنّ النبيّ ﷺ قد حفر خندقا وتحصّن به، ونحن أولى أن نفعل فعله ونتأدّب بأدبه ونقتفي أثره». وأمر بحفر الخندق فبدئ فيه يوم الأربعاء غرّة ذي القعدة، وأخذ فيه الناس بالجدّ. [القتال حول القيروان]: وأقبل أبو يزيد إلى القيروان ونزل قريبا منها. وزحف ليلة الجمعة لثلاث خلون منه مخفّا ليبيّت العسكر. وكانت ليلة مظلمة فأخطأ الطريق فلم يصل إلّا عند الفجر. فقامت الحرب على ساق، وركب المنصور وعبّأ الصفوف، والقتال يشتدّ وهو يكرّ على العدوّ يمينا وشمالا، وهو في قلّة من أصحابه، والمظلّة على رأسه فصارت كالعلم يعرف بها. ونزل على موضعه وحوله نحو خمسمائة فارس، وأبو يزيد في زائد على ثلاثين ألف فارس. فهزم البربر أصحاب المنصور حتّى أدخلوهم الخندق [١٩٠ أ] وهرب جماعة منهم إلى داخل القيروان ونهبت فازات كثيرة حتى بقي المنصور في تقدير عشرين فارسا من خدمه الذين لا يعرفون القتال. فأقبل أبو يزيد في جماعة يريد المنصور. فحمل عليهم المنصور مشهّرا سيفه ذا الفقار (٣). وأراد الصقلبيّ أن يلقي المظلّة عن رأسه ليخفي موضعه فزجره ونهره وقال: «لا تجزع فإنّ لله وعدا لا يخلفه». وأقبل نحو أبي يزيد حتى كاد أن يضع سيفه في رأسه، فألقى الله الرعب في قلب أبي يزيد فولّى هاربا مع أصحابه، فقتل من أدرك منهم وثبت مكانه ومسح الغبار عن وجهه بكمّه وقال لمن حوله من النجّابين (٤)، ولم يبق منهم غير أربعة: «اذهبوا فردّوا الناس! » وقد أخذ كثير منهم طريق المهديّة وطريق سوسة، فرجع من كان قريبا منه وأتوه من كلّ جهة فقال لهم وهو يبتسم: «ادخلوا في [كمّي! ]. فاستحيى القوم منه. وكثر العجب من ثباته هذا الثبات مع أنّه لم يحضر قتالا قبله. وكان نساء أهل القيروان فوق الأسطحة يصرخن ويبكين ويرمين المنهزمين بالحجارة ويقلن: «يا كلاب، تركتم مولاكم، أخرجتموه من حصنه وأسلمتموه! ». وماج أهل البلد

стр. 623

خوفا (١) من البربر، وعاود الفريقان القتال وتمادى بينهم إلى بعد الظهر فقتل بينهم خلق كثير، وكان يوما شديد الحرّ، فانصرف البربر إلى معسكرهم. فكان هذا اليوم من الأيّام المشهورة، وقد وصفه جماعة من الشعراء. [و] قال أبو يزيد لمّا رجع إلى مناخه: «ما رأيت قطّ أثبت من إسماعيل ولا أشجع. هذا يصلح أن يكون ملكا». وفي ذلك يقول محمّد بن الحرث (٢) الأبروطي من قصيدة طويلة [طويل]: ولم أر كالمنصور بالله ناصرا ... لدين، ولا أحمى لملك وأمنعا ألم تر يوم القيروان وقوفه ... وقد همّت الأكباد أن تتصدّعا؟ وأبرز عن وجه من الصبر أبيض ... يقابل وجها للكريهة أسفعا (٣) ثمّ زحف أبو يزيد في يوم الاثنين إلى الخندق فعبّأ له المنصور ووقف ووقعت الحرب فنادى مناديه: «من أتاني برأس أبي يزيد فله عشرة آلاف دينار». وكانت في هذا اليوم أعجوبة وقف عليها جميع أهل العسكر: وذلك أن رجلا من البربر حمل بدابّته إلى أن وقف بالقرب من المنصور فجعل يشتمه ويؤنّبه، فهمّ الأولياء به من كلّ وجه، فزجرهم عنه، فلمّا استوفى مقالته رفع المنصور يديه إلى السماء وقال: «اللهمّ، خذ لي بحقّي منه! » فما هو إلّا أن ردّ فرسه البربريّ حتّى انقلب عليه الفرس فوقع قربوس (٤) سرجه على صدره فمات من حينه وحمل الأولياء عليه فجزّوا رأسه، فخرّ المنصور ساجدا على معرفة (٥) فرسه. ووقعت الحرب وكانت للبربر. ثمّ اشتدّ القتال وعظم الحرّ وطلب المنصور الحشود وحثّ في ذلك، فتوقّف كثير من الناس عنه مخافة أن تكون الغلبة لأبي يزيد. وقدم عليه طوائف فأنزل كلّ طائفة بموضع وخندقوا عليهم. فكانت الحرب كلّ يوم مرّة لهم ومرّة عليهم، وغلب على ظنون أكثر الناس أنّ أبا يزيد سيظهر لما رأوا من قوّته وكثرته. وأخذ أصحابه الناس في الطرقات إلى أن كان يوم الاثنين لعشر بقين منه، فزحف أبو يزيد بنفسه وأطلق النار في بقية الأنادر (٦)، ونشب القتال ووقف المنصور على باب الخندق يمدّ العسكر بالخيل والرماة، وأبو يزيد ثابت. فوجّه المنصور خيلا ورجالا ومعهم بندان وركب في أثرهم. فلمّا رآهم أبو يزيد ترك القتال وتوجّه نحو أخبيته فاشتدّت الهزيمة عليه وعلى أصحابه وأثخنتهم الجراح فمات منهم في هذه الليلة خلق عظيم ونقصت خيولهم [١٩٠ ب] بالنشّاب. وعاد المنصور إلى معسكره. [حسن معاملته لحرم خصمه]: فلمّا أصبح أبو يزيد جمع أصحابه وأشار عليهم بترك القتال، وبثّ أصحابه ينهبون، ومنع الميرة عن القيروان إلى أن اشتدّ بهم الأمر. ثمّ زحف في نصف ذي الحجّة وقاتل قتالا شديدا، وخرج المنصور وقاتل بنفسه حتّى هزمهم. ونزل فجلس على كرسيّ والقتال مشتدّ فسأله الأولياء أن يركب، لخوفهم عليه فقال: «لا تخافوا فإنّ النصر

стр. 624

قريب». ثمّ أمر الرقّاص (١) أن ينزعوا لجام فرسه ويسقوه من بئر هناك، ففعلوا. وقصد بذلك أن يريهم قلّة اكتراثه بالعدوّ. ثمّ افترق القتال. فكتب إليه أبو يزيد يسأله في ردّ عياله وأولاده ونسائه ونساء رجاله وأولادهم الذين أخذوا من القيروان، وحلف وأكّد الأيمان أنّه إن ردّهم رجع إلى الطاعة، على أن يعطيه الأمان في نفسه وولده وأهله ويخلّي بينه وبين السكنى في منزله بتقيوس. فأجابه إلى ذلك ووجّه المنصور في رفعهم من المهديّة، فلمّا علم أبو يزيد ذلك عزم على إخراج عسكر ليقطع عليهم الطريق ويخلّصهم، فبلغ ذلك المنصور فبادره بالزحف، وبرز إليه أبو يزيد فالتحم القتال وقتل جماعة. فبعث أبو يزيد يقول: قد كان بيننا أمر في وصول العيالات ونتمّ ما عقدناه. فردّ عليه المنصور: قد اتّصل بنا أنّكم أخرجتم خيلا تقطع على العيالات الطريق. فقال أبو يزيد: كنّا على أن نفعل ذلك، وما فعلنا. فأمسك عن قتالهم. وقدمت العيالات فأبرّهم المنصور وبعث بنجّاب إلى أبي يزيد يخبره بقدومهم ليوجّه من يتسلّمهم، وأمر بفازة فنصبت خارج المدينة وفرشت. فقدم رجلان من ناحية أبي يزيد فأنزلهما وحمل الطعام إليهما وكسا سائر عيالات أبي يزيد الديباج والخزّ، وأعطى كلّ نسمة عشرة دنانير وبعث إلى الرسول بمائة دينار، ووجّه بهم ليلا، ومعهم عدّة أحمال من حلوى، والمشاعل بين أيديهم وجماعة تحفّ بهم حتّى حلّوا بمعسكر أبي يزيد. فبعث بهم إلى جبل أوراس، ونكث ما عقده وحرّض أصحابه على الجهاد. [استئناف القتال]: فلمّا بلغ ذلك المنصور خرج قبل صلاة الفجر من يوم الأربعاء لليلتين بقيتا من ذي الحجّة، وقد تقلّد سيفه وبيده رمح، وتمادى بعساكره إلى ناحية أبي يزيد فلم يخرج إليه أحد. فأمر بالهجوم عليهم. فهابوا ذلك فعاد وقد غضب ولم يخرج من مضربه أيّاما كثيرة ولا دخل عليه أحد. ووجد على كتامة فإنّ بعضهم كان قد قال له: «يا مولانا لا نقاتلهم في هذا اليوم فإنّه يوم الأربعاء» (٢). فأكثر البربر في تلك الأيام من أخذ الناس في الطرقات. ثمّ زحفوا في يوم الأربعاء لخمس خلون من المحرّم سنة خمس وثلاثين فركب المنصور، فكانت حرب عظيمة قتل فيها من أصحاب المنصور جماعة كثيرة. وهمّ بعض البربر، وقد اقتحموا عليه، أن يطعنه برمحه فحمل عليهم وهزمهم، وقتل منهم خلق كثير. ثمّ عاد القتال في يوم الخميس لثلاث عشرة خلت منه واشتدّ وعظم بحيث لم يكن قبله مثله. وحمل أبو يزيد على الميمنة فهزمها ثمّ قصد القلب، فبادر إليه المنصور بنفسه فخافت عليه كتامة وضرعوا إليه (٣) أن يرجع وقالوا: «نحن أحقّ بهذا منك». فزجرهم وقال: «إلى متى هذا التجنّب عن هذا الكلب؟ وحقّ جدّي لا تركته ولا أمهلته، ثقة منّي بوعد الله لرسوله! ». ورفع ثيابه على عاتقه

стр. 625

وقال للعبيد والرجال بين يديه: فأجمعوا على بركة الله وعونه، فهذا يوم الفتح إن شاء الله، وبه أستعين وعليه أتوكّل. فلمّا قرب أبو يزيد منه وعا [ين] صورته نكص على عقبيه [١٩١ أ] وولّى منهزما، وأخذت السيوف أصحابه فأسلموا عسكرهم وأخبيتهم، فقتل أصحاب المنصور من كان فيها وغنموها. فسجد المنصور على معرفة فرسه شكرا لله ورجع إلى قصره. ونادى مناديه: من أتى برأس فله ربع دينار، فأتي بزائد على عشرة آلاف رأس. وأصبح المنصور يوم الجمعة فأخرج أحمالا كثيرة، دنانير ودراهم، تصدّق بها على الفقراء والمساكين والمستورين (١). [إسقاط الضرائب عن أهل القيروان]: وأمر جعفر بن عليّ الحاجب بالسير إلى الجامع فصلّى الجمعة، ثمّ صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه وشكره على ما رزق من النصر والظفر، وما كشف غمّته (٢) بالأمير عن الخاصّ والعامّ، والحاضر والبادي، من البلاء، وما رزقهم من الأمن والسلامة، ثمّ قال: «معاشر الناس، مولانا وسيّدنا الأمير إسماعيل- أطال الله بقاءه وأدام عزّه وخلّد ملكه- يقرأ عليكم السلام ويقول لكم: قد علم الله حسن نيّتي لكم وما نويته من الخير فيكم وما أحبّه من صلاح أموركم. وإنّ لي آمالا حسنة فيكم منع من إظهارها ما كان من وقائع بيني وبين هذا الفاسق. فلو كنّا أظهرنا ما نؤمّله من الإحسان قبل الظفر لقال الجاهل: إنّما فعل ذلك استمالة لقلوب الرعيّة وخوفا من العدوّ. «فلمّا كان من فضل الله علينا ما علمتموه، ومن نصره لنا ما رأيتموه، أردنا أن نقابل منّة الله علينا بالشكر له والإحسان إلى عباده، والرفق بخلقه، وأردنا أن نظهر بعض ما نويناه فيكم، إذ كان إظهاره بعد الفتح أولى وأشبه. «قد ترك لكم الأمير، أعزّه الله، ما يجب عليكم من العشر والصدقات وجميع اللوازم، وفعل ذلك بجميع الناس، مسلميهم وذمّيّيهم، رفقا بهم، وعونا لهم على عمارة أرضهم. فليبلّغ الشاهد الغائب! «ثمّ لا يؤخذ منكم في استقبال السنين إلّا العشر والصدقة: فالطعام من الطعام، والشاة من الغنم، والثور والبقر من السائمة، على فرائض الله وسنّة جدّي رسول الله ﷺ . «ثمّ بعد ذلك يساق إليكم من الإحسان والعدل، وإحياء الحقّ، وإماتة الباطل، ما تعظم به منّة الله عليكم، وتعرفو [ن] به بركة أيّامي ويمن دولتي إن شاء الله». فكبّر (٣) الناس في الجامع ومن حوله وارتفعت أصواتهم بالبكاء والدّعاء. وأخذ المنصور في السفر لطلب أبي يزيد، فأقام بالمنصوريّة (٤) باقي محرّم، وصفر، وأكثر ربيع الأوّل [سنة ٣٣٥]. [ملاحقته أبا يزيد]: ورحل يوم الأحد لأربع بقين من شهر ربيع الأوّل واستخلف على البلاد مداما الصقلبيّ (٥).

стр. 626

ونادى مناديه بعد ما رحل: من عزم على صحبتنا للجهاد فلينهض معنا! ومن كان ذا جبن عند اللقاء وفشل عند مصادمة الأعداء، فليرجع إلى موضعه ووطنه، وهو في حلّ وسعة. وقدم عسكر برقة. وقدم رسول ملك الروم، فوصله بألف دينار وكسى نفيسة، وردّه غرّة ربيع الآخر. وأعاد النداء في العسكر بمثل ما تقدّم، وأتته القبائل شيئا بعد شيء، ونزل إليه أهل تلك القلاع فأمّنهم وعفا عنهم، وأمر الناس بالتهيّؤ للحرب. وركب نجيبا وسار على مقدّمة العسكر يريد لقاء أبي يزيد على باغاية. فلمّا علم به أبو يزيد ترك حصارها وفرّ. فنزل المنصور عليها وفرّق مالا كثيرا في ضعفائها. ثمّ رحل عنها يوم الأربعاء لعشر بقين من ربيع الآخر، وسار حتى وصل إلى نقاوس. ورحل عنها وقد لبس درعا ومغفرا. وأمر الناس أن يسيروا على تعبئة الحرب، وكان أبو يزيد على طبنة يحاصرها. فلمّا سمع طبول المنصور فرّ إلى جهة الرمال. فنزل المنصور على طبنة. وقدم إليه جماعة من قبائل كتامة. ثمّ رحل لليلتين [١٩١ ب] خلتا من جمادى الأولى يريد بسكرة فنز [ل] بقسطيلية (١). ووافاه جعفر بن عليّ بن حمدون عامل المسيلة بهدايا من خيل وإبل ومال. وقدم معه بثائر قام بجبل الأوراس ادّعى أنّه من آل البيت ودعا إلى نفسه، فاجتمع عليه البربر وتلقّب «بعبد الله الناصر لدين الله المحتسب في سبيل الله» فشهّر على جمل وسلخ حيّا (٢) وصلب. [وصوله إلى بسكرة ثمّ المسيلة]: ثمّ رحل فنزل على بسكرة وقد فرّ أبو يزيد عنها إلى جبل سالّات على جهة الرمال حيث لا تسلك العساكر لعدم الماء. فمضى المنصور إلي المسيلة وقد جمع أبو يزيد النكّار من جبل سالات ونزل إلى جبل كيانة (٣) في خلائق كثيرة، وقصد أن يبيّت المنصور بمدينة مقرة، فكمن في تلك الأوعار والجبال. فلمّا طلعت الخيل التي له على العسكر تصايحوا: «العدوّ! العدوّ! ». فخرج المنصور وقد لبس درعا وشدّ وسطه بمنطقة وأرخى لعمامته ذؤابة، وهزّ رمحا وكسره واخترط سيفه ذا الفقار وقال: «ليس هذا يوم رمح ولكنّه يوم جلاد بالسيوف! ». وعبّأ عساكره ميمنة وميسرة وقلبا، وجعل خلف كلّ طائفة من هذه ردءا من عبيده، وفرّق السلاح في العسكر، فالتحم القتال. وأقبل أبو يزيد فقاتلوا قتالا كبيرا فانهزمت ميمنة المنصور إلى أن صارت إلى الردء الذي خلفها فثبتوا بمراكزهم، وأردفها المنصور بكتيبة من قبله فقويت الميمنة. ومال أصحاب أبي يزيد على الميسرة فهزموها وقتل جماعة. فغضب المنصور وقصد أبا يزيد بالكتيبة التي معه فانهزم أبو يزيد بمن معه، وتمادى المنصور في طلبهم فقتلوا قتلا ذريعا. وانحاز أبو يزيد إلى قلعة عقار ثمّ فرّ ليلا إلى جبل سالّات. فغنم أصحاب المنصور جميع ما كان له، ورجع المنصور إلى مضربه بعد العشاء بالمشاعل بين يديه.

стр. 627

ورحل من الغد وهو يوم الخميس لأربع عشرة خلت من جمادى الأولى، فنزل المسيلة فأقام بها خمسة عشر يوما، وقد كثر الإرجاف بالقيروان بعد هذه الوقعة. فكتب مدام بذلك إلى المنصور، فوقّع إليه بخطّه: «ذكرت ما كان المرجفون أشاعوه، وخاضوا فيه وأذاعوه، وأنّ ذلك أقلقك وأغمّك، وقد كنت تقدّمت إليك قبل خروجي وأمرتك بالإعراض عمّا تسمعه والإقبال على ما تعتقده، وعرّفتك أنّي لم أركب الغرر وأتجشّم الخطر، وإنّما خرجت منتجزا لوعد قديم، من ربّ عزيز حكيم، لا تبديل لكلماته، ولا رادّ لأمره، ولا خلف لوعده. فثق بربّك واتّقه ترشد وتسعد. واقرأ هذا الفصل على المنبر إن شاء الله». فقرأ ذلك مدام فسكن الإرجاف. ورحل المنصور من المسيلة لليلتين بقيتا من جمادى الأولى، في طلب أبي يزيد وأمر الناس بالزحف فساروا على تعبئة الحرب قبائل وعرائف (١)، وركب المنصور على نجيب ولبس جوشنا مذهبا عليه خفتان أحمر مثقل وعلى رأسه عمامة خزّ صفراء حتّى نزل في وسط جبل سالّات على ماء جار. ففرّ أبو يزيد يريد الرمال فرحل في طلبه. واجتمع إليه الأدلّاء وعرّفوه أنّه موضع ما سلكه عسكر قطّ. واشتدّ الأمر على العسكر وعدموا الشعير وغيره فبلغ علف الدابّة دينارا ونصفا وقربة الماء دينارا. وعلّف أكثر الدوابّ الحلفاء. فعاد إلى بلد صنهاجة. فلقي الناس من الوعور والثلج ما يئسوا معه من أنفسهم ومات منهم كثير. فأناخ المنصور ستّة أيّام حتّى تلاحق به الناس. ووافاه البريد من المهديّة بمولد ولد له اسمه هاشم. وقدم عليه زيري بن مناد بعساكر صنهاجة فحمله وخلع عليه وقلّده سيفا ووصله بصلة جزيلة وعقد له على قبائل صنهاجة والبربر. وفي مناخه هذا اعتلّ. [دخوله بلاد صنهاجة]: ورحل في نصف جمادى الآخرة ثمّ نزل بوسط بلد صنهاجة ليشتّي هنالك فاشتدّت به العلّة ثلاثة عشر يوما ثمّ نقه. ورحل إلى [١٩٢ أ] المسيلة يوم الأربعاء لليلتين خلتا من رجب، وقد سبقه أبو يزيد إليها فارتفع إلى جبال كيانة. فاستدعى المنصور كتامة وعجيسة وزواوة وغيرهم فأتوه وأخذ على أبي يزيد الطرق فانحصر أبو يزيد في تلك الجبال. ثمّ ركب المنصور يوم السبت لعشر خلون من شعبان متنزّها في أربعة آلاف فارس ومعه زيري في خمسمائة من صنهاجة، وكان النكّار قد كمنوا له. فلمّا سار ركبوا ساقته فعطف عليهم وقاتلهم. فأقبل أبو يزيد في خلق عظيم، فاستدعى المنصور بقيّة عساكره فأتته، وجرّد سيفه وقصد أبا يزيد فلم يثبت له وولّى على وجهه وأسلم أولاده، فركب السيف أقفية أصحابه فقتلوا أبرح قتل واتّبعوا في الجبال وبطون الأودية، ونجا أبو يزيد إلى الوعر فخلص، والعسكر في طلبهم أربعين ميلا حتّى كلّت الخيول وتكسّرت السيوف. وحزّ منهم ألف وسبعون رأسا وجّه بها إلى القيروان (٢). وكانت القتلى يومئذ يزيدون على عشرة آلاف. ولم يقتل من الأولياء فارس واحد. وغنموا ما لا يدخل تحت حصر. ورأى الناس في ذلك اليوم أعجوبة: وذلك أنّ الفريقين لمّا برزا للقتال أقبلت النسور والغربان من وراء النكّار قبل الهزيمة فوقفت كالمنتظرةللحومهم

стр. 628

ودمائهم. فلمّا كان من قتلهم ما كان نزلت على أجسادهم. وأقام المنصور بعد الظفر، والعساكر توافيه من كلّ جهة، وقد اعتصم أبو يزيد بجبل كيانة ومعه بنو كملان. ورحل المنصور من المسيلة في يوم الجمعة غرّة شهر رمضان حتّى نزل على ستّة أميال من أبي يزيد. وركب في يوم السبت بعساكره فسلك طريقا صعبة في جبال شامخة وأودية ضيّقة. وترجّل عن دابّته في بعض تلك الأوعار ومشى راجلا نحو ثلاثمائة خطوة. ثمّ ركب وسار حتّى أشرف على أخبية أبي يزيد وخصوصه، وهو يرتّب الناس للقتال في ذلك الوعر ويأمرهم بتقوى الله والإمضاء على أعداء الله وينهاهم عن النهب. وانتشب القتال فكانت بينهم حرب شديدة. وقصد المنصور أبا يزيد بنفسه، فلمّا رآه ولّى منهزما على عادته وأسلم أخبيته وخصوصه، فأمر المنصور بإلقاء النار فيها. وانتهب العسكر ما لا يوصف، فوكّل المنصور قوما من الصقالبة بقتل من وجدوا معه شيئا من النهب لأنّهم اشتغلوا عنه به وتفرّقوا حتّى لم يبق معه إلّا اليسير، فطمع أصحاب أبي يزيد وكسروا أجفان سيوفهم واستحرّ القتال وعلا بعضهم على تلك الجبال يقاتلون من أعلاها بالحجارة. وأحاط القتال بالمنصور من كلّ جهة فكان الأولياء إذا اشتدّ عليهم القتال وأرادوا الفرار صدّهم ما وراءهم من ضيق المسالك فيرجعون إليه ويلوذون حول مظلّته، فكلّما أقبل العدوّ من جهة حمل عليهم بنفسه فانهزموا بين يديه ولم يحتملوا رؤيته. فقتل من الفريقين خلق عظيم، وكان يوما لم يسمع قطّ بمثله. وانطبقت (١) الحرب ودامت إلى اصفرار الشمس، وكلّت الخيل وفني السلاح، وتعجّب البربر من صبره وشجاعته. وانصرف راجعا من طريقه فتسابق البربر إلى الجبال التي في طريقه ليرسلوا الصخور عليهم فأنذره رجل بذلك فسلك طريقا غيرها فتخلّص الجيش بأسره إلى معسكره بعد أن مضى صدر من الليل. فلم يكن في تلك الحروب كلّها أعظم من هذا اليوم ولا أشدّ. ونادى في الناس أن يردّوا كلّ ما انتهبوه لعصيانهم إيّاه ومخالفة أمره. فأحرق ذلك كلّه بالنار. [تحصّن أبي يزيد بجبل كيانة]: وأوى [١٩٢ ب] أبو يزيد إلى قلعة كيانة وهي منيعة لا ترام. ثمّ وصل في سابعه خفيف الخادم ومعه ثائر ثار بأرض كتامة وادّعى الربوبيّة فقتل. وأمر في هذا اليوم المنصور بعمل قفص من خشب على بكرات وقال: «لا بدّ أن أدخل الفاسق- يعني أبا يزيد- في هذا القفص مع قردين». وكان الناس يمرّون به ويتعجّبون. وأقبلت هوارة وسائر القبائل يطلبون الأمان فأمّنهم وأحسن إليهم وخلع عليهم. وبعث بنو كملان ومزّاته الذين مع أبي يزيد في القلعة يطلبون العفو إلى أن يأتوا بأبي يزيد أسيرا فأجابهم وكفّ عن قتالهم، وانتظرهم شهرا حتّى تبيّن له كذبهم. ثمّ ركب يوم الأحد غرّة شوّال إلى مصلّى بناه فصلّى بالناس صلاة العيد وخطب خطبة بليغة (٢) ثمّ انصرف إلى مضاربه فأمر بإطعام الناس على مراتبهم. ونادى من الغد بالرحيل وسار إلى قلعة كيانة فنزل تحتها، وأبو يزيد ومن معه قيام ينظرون إليه. وجاءت السماء بمطر عظيم ورعد هائل وبرق ملحّ

стр. 629

لم ير مثله. وركب عند غروب الشمس بجميع العسكر وأقام المحرس حول العسكر خشية أن يبيّتهم النكّار وأقام على ذلك ثلاث ليال ثمّ جعل ذلك نوبا على العسكر في الليل والنهار. وقطع الميرة عن القلعة من جميع الطرق. وفي اليوم الرابع من نزوله أمر بحفر الخندق على معسكره في سفح القلعة وأخذ بيده معولا فحفر به أوّل الناس، فتسارعوا بأجمعهم في الحفر وجدّوا فيه. وأمر بقطع شجر الزيتون والثمار التي في سفح الجبل. وأخذت الرّماة في الرمي فقتلوا جماعة من أصحاب أبي يزيد بالنشّاب، وصلّى المنصور بالناس المغرب تحت القلعة وانصرف إلى مضاربه. فبلغه أن النكّار على عزم بيات العسكر، فأمر الكافّة بالخروج عن العسكر بالخيل والرجل وأمرهم بالصمت. فأقبل القوم في أوّل الليل فألفوا العسكر مستعدّين فانصرفوا. ثمّ عادوا فلم يجدوا فرصة فانصرفوا. ثمّ لمّا كان يوم الثلاثاء لثلاث عشرة بقيت من شوّال، زحف المنصور إلى القلعة وترجّل أكثر الناس، وصعد المنصور بنفسه إلى القلعة وجلس على بساط، والناس في القتال. ثمّ ركب يحرّضهم حتّى غربت الشمس [ف] انصرف بهم، وقد أثخنوا في العدوّ. وبعث طائفة إلى غربيّ القلعة وشمالها حيث كان النكّار يرعون دوابّهم، فحصروا القلعة من تلك الجهة حتّى ضاق أهلها ضيقا شديدا. وزحف يوم الجمعة لعشر بقين منه، وصعد بنفسه إلى سفح القلعة وكان قتالا شديدا إلى المساء، وكان يوم السبت مثل ذلك إلى الليل. وكان قد بعث طائفة من العسكر إلى قلعة شاكر وبها قبائل هوارة ومن انضمّ إليها فحصروها حتّى استأمنوا وملكها. فلمّا علم بذلك أبو يزيد ومن معه طارت قلوبهم رعبا وخوفا. ثمّ زحف أبو يزيد يوم الجمعة لاثنتي عشرة خلت من ذي القعدة إلى الخندق فقاتل ورجع خاسئا. وفي غرّة ذي الحجّة نزل جماعة من كيانة بحرمهم مستأمنين فأمّنهم المنصور وأحسن إليهم. [عيد الأضحى في حصار كيانة]: وجاء عيد الأضحى يوم الجمعة، فركب المنصور إلى المصلّى على فرس ورد بتجافيف مذهب [ة] وعليه ثوب أصفر وعمامة صفراء، والمطارد (١) والبنود والطبول في نواحي العسكر، فصلّى بالناس ثمّ رقي المنبر فخطب (٢). «باسم الله الرحمن الرحيم. «الله أكبر! الله أكبر! لا إله إلّا الله. «والله أكبر! الله أكبر! ولله الحمد. «الحمد لله المتوحّد بالربوبيّة، المتفرّد بالوحدانيّة، المتعزّز بالقدرة والبقاء، المتجبّر بالعظمة والكبرياء، الأوّل بلا غاية، والآخر بلا نهاية، المتعالي عن تشبيه الجاهلين وتحديد الواصفين وتكييف الناعتين. «وأشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ [١٩٣ أ] محمّدا عبده ورسوله، أكرمه بالنبوّة، واصطفاه بالرسالة، وحباه بالفضيلة وابتعثه بالنور ساطعا، وبالحقّ صادعا، وبالهدى آمرا، وعن الكفر زاجرا، وعلى الأنبياء مهيمنا، ولما جاءوا به مصدّقا. فبلّغ الرسالة، وهدى من الضلالة، وأنقذ من الهلكة، وأنهج معالم الدين وفرائضه، وبيّن حدوده وشرائعه، وجاهد في سبيل الله حقّ جهاده حتّى أتاه اليقين، صلّى الله

стр. 630

عليه في الأوّلين والآخرين، وعلى آله الطيّبين، الأئمّة المهديّين، وسلّم، ورحم وكرّم. «أوصيكم عباد الله بما أوصيت به نفسي، من تقوى الله ومراقبته، والعمل بما يرضيه ويقرّبنا وإيّاكم إليه، ففي تقواه ورضاه الفوز بالجنّة والنجاة من النار: فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ [آل عمران: ١٨٥] وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا مَتاعُ الْغُرُورِ [الحديد: ٢٠]. «ألا وإنّ يومكم هذا يوم حرام في شهر حرام، معظّم على الأيّام: يوم الحجّ الأكبر، افترض فيه على كافّة [أهل] الإسلام الحجّ إلى بيته الحرام الذي جعله مثابة للناس. فتقرّبوا فيه إلى الله بما أمركم: فانحروا إناث الإبل والبقر وفحول الضأن، واجتنبوا ذوات العيوب والمشوّهة بالزيادة والنقصان، فبذلك جرت سنّة نبيّكم ﷺ وعلى الأئمّة من ولده الأطهار الكرام الأبرار ﵈. لَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها وَلا دِماؤُها وَلكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى مِنْكُمْ [الحج: ٣٧]. «تقبّل الله منّا ومنكم، وكتب لنا ولكم حجّ بيته الحرام، والوصول إلى مشاهده العظام، باعتزاز ملكنا، وإتمام أمرنا، وإنجاز متقدّم وعد [هـ] لنا، إنّه لا يخلف الميعاد، ولا يعجزه إذا أراد». والخطبة الثانية بعد الجلوس: «الحمد لله المبدئ المعيد، الكريم المجيد، الفعّال لما يريد، خالق الخلق، وباسط الرزق، منزل القطر، ومدبّر الأمر. «وأشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له. وأشهد أنّ محمّدا عبده ورسوله المرتضى، وأمينه على ما أوحى، المنقذ من الضلالة والردى ﷺ ، وعلى آل بيته الكرام المهديّين، الأئمّة الراشدين الطاهرين، وعلى عليّ أمير المؤمنين وفاطمة الزهراء سيّدة نساء العالمين، وعلى الحسن والحسين سيّدي شباب أهل الجنّة، جبال الدين وسادات العالمين، وعلى الإمام المرتضى، والوليّ المصطفى، عبد الله أبي محمّد الإمام المهديّ بالله أمير المؤمنين، ووارث فضل الأئمّة المهديّين من آبائه الخلفاء الراشدين، وصفو الصفوة من الأوّلين والآخرين، الذي قامت به دولة المؤمنين، وبسيفه ذلّت رقاب المنافقين، فأعاد الإسلام غضّا ناضرا، والدين مشرقا زاهرا، والحقّ مضيئا باهرا، فأحيى الله به من الدين ما اندرس، ومن الحقّ ما التبس، وجمع له شرف الدنيا وفخرها، وفضل الآخرة وذخرها، صلوات الله عليه ورضوانه، ورحمته وحنانه. «وصلّى الله على وليّ عهده، ووارث مجده، وخليفته من بعده، المتقلّد الإمامة، المتوّج بالكرامة، عبد الله أبي القاسم الإمام القائم بأمر الله أمير المؤمنين، سليل النبيّين، وبقيّة الأئمّة المهديّين، صلاة يزيده بها كرامة وعلاء، وشرفا وسناء، سامية القدر، عالية الفخر، باقية على الدهر. «اللهمّ، وكما قلّدتني خلافتك التي كرّمتها وشرّفتها، ولعنت مدّعيها، وأخزيت مناوئها، واخترت [لها] الواحد بعد الواحد من آبائي الكرام المصطفين، الخلفاء الراشدين، ثمّ ألبستني ثوب مجدهم، وتوّجتني تاج عزّهم، وطوّقتني إمامتهم، وقلّدتني خلافتهم، وأورثتني مقامهم، وأحييت [١٩٣ ب] بي ذكرهم، وتمّمت بي أمرهم، ونصبتني لما نصبتهم من الاحتجاج على خلقك، والقيام بحقّك، ونصر دينك، وإعزاز ملّة رسولك، ثمّ أيّدتني ونصرتني وأظهرتني، وأعززت بي الأمّة بعد الذلّة، وكثّرتهم بعد القلّة، وجمعتهم بعد الفرقة، وكشفت عنهم مدلهمّ الفتنة، ودياجي المحنة، فأصبح الحقّ مشرقا،

стр. 631

والباطل زاهقا، فضلا منك عليّ، ونعمة جدّدتها لديّ، اللهمّ، فألهمني شكر نعمتك، ووفّقني للعمل بما يرضيك، ويزلفني لديك، ويقرّبني إليك، فإنّه لا حول ولا قوّة إلّا بك، عليك توكّلت وإليك أنيب. «اللهمّ اغفر للمؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات، إنّك رءوف رحيم». ونزل ونحر ناقته بيده. وانصرف الناس، وقد علموا أنّه الإمام، وأنّ القائم بأمر الله قد توفّي، ففرحوا بخلافته. وكتب أهل العسكر بذلك إلى القيروان والمهديّة، فسرّ الخاصّ والعامّ سرورا عظيما. ووصلت عساكر كتامة في ثاني يوم النحر، فأعرض عنهم وقال: «لا حاجة لي اليوم بكم». فتضرّعوا إليه وسألوه الرضى عنهم، وضمنوا له أنّهم يوافونه بعشرين ألف فارس وراجل. فرضي عنهم وبعث معهم ميسورا (١) الخادم، وأجّل لهم عشرين يوما. فبلغ ذلك أبا يزيد فأيقن بالهلكة، وكتب إلى معبد بن خزر مع ابنه فضل ابن أبي يزيد يسأله النصر، وكان معبد يرى رأي النكّار، فأجابه وحشد الحشود وزحف على بسكرة وطبنة فانصرف مفلولا. ودخلت سنة ستّ وثلاثين وثلاثمائة. فوصل ميسور بعساكر كتامة في يوم الثلاثاء لعشر خلون من المحرّم. وكان المنصور يقول في سفره هذا كلّه: «إن لم آخذ أبا يزيد وأسلخه فلست بابن فاطمة ولست لكم بإمام». ولمّا أمر بعمل القفص قال: «إن لم أدخل أبا يزيد في هذا القفص فلست بابن رسول الله، ولقد ندمت إذ لم أصعد منبر القيروان وأذكر هذا لسائر الناس». وكان يقول هذه، وأبو يزيد في ستّة وثمانين ألف خصّ، في كلّ خصّ جماعة أقلّهم ثلاثة، وكلّ الناس قد يئسوا من بقاء الدولة. [رؤيا للمنصور تبشّره بالنصر]: ثمّ لمّا كان قبل أخذ أبي يزيد بثلاث ليال قال المنصور لطبيبه موسى بن العزار (٢): يا موسى، رأيت البارحة في النوم كأنّ القائم بأمر الله، نضّر الله وجهه، قد جاء من خلفي فضرب بيده على كتفي، فحوّلت وجهي إليه مظهرا إجلاله وإعظامه، فقال لي: يا إسماعيل لك البشرى! فأخرج من كمّه كتف شاة وقال: انظر في هذه الكتف فإنّ فيها قبر عدوّك، وأنت تأخذه وتظفر به سريعا- وأراني موضعا من الكتف فيه القبر الذي أومأ إليه. فقال له موسى: يا مولاي، هذه بشرى ألقاها الله إليك! و[بينا] هم في الكلام إذ أتى الطبّاخ بالمائدة، فأكل المنصور ومدّ يده إلى كتف فجرّدها وأمر بمسحها ثمّ أخذها ونظر فيها وقال: «والله لكأنّ هذه الكتف التي رأيت في منامي، وهذا القبر في المكان الذي أرانيه! ». فكان أخذه بعد ذلك بثلاثة أيام. وذلك أنّه لمّا كان يوم الخميس النصف من المحرّم زحف إلى القلعة عند طلوع الشمس بجميع عساكره فكان قتال شديد في يوم شديد الحرّ. ونزل المنصور على تلّ مشرف ليرى منه القتال، وأمر بالروايا والقرب، فنقل فيها الماء على البغال إلى المقاتلة. وقتل من البربر خلق

стр. 632

عظيم، ثمّ انصرف إلى معسكره. وصابحهم يوم الجمعة فكان القتال أشدّ من اليوم الذي قبله. وأصعد المنصور ثلاثمائة عبد إلى القلعة فألقوا بها النار فاحترق كثير ممّا فيها وعادوا، فأنعم على كلّ عبد بمائة درهم وخلعة. [الوقعة الحاسمة وأسر أبي يزيد]: ثمّ صبحهم يوم السبت [١٩٤ أ] ولبس ثوبا أخضر موشّحا بذهب وعمامة حمراء معلمة (١)، فقويت نفوس الناس وأيقنوا بالفتح لأنّه لم يلبس هذا اللباس في جميع حروبه. وقامت الحرب على ساق، فكان يوما لم يشهد قطّ مثله، وعلا البربر على تلك القلاع والأوعار وألقوا الصخور العظيمة فطحنت من الرجال والدوابّ ما شاء الله. فلمّا كان نصف النهار كلّ جميع الناس وملّوا وعطشوا من شدّة الحرب والحرّ وأثخنوا بالحجارة والجراح، فغضب المنصور وتقدّم بنفسه في ثلاثة آلاف فارس وعشرة آلاف راجل فتوغّل وعرا شديدا لا مسلك فيه للفارس ولا للراجل. فظنّ النكّار أنّهم قد ظفروا به فحمل جميعهم عليه حملة منكرة منحدرين كالسيل في الليل، فتفرّق عنه أصحابه وأسلموه حتّى بقي وحده، فقصدوه وتعاورته السيوف والرماح والحجارة، وثار عجاج مظلم طبّق الأرض، فرماه في تلك الحالة أحدهم برمح فاتّقاه بالدرقة فأنفذها إلى صدره، وكانت الحجارة تمرّ على فرسه يمينا وشمالا حتّى كاد يسقط، ثمّ تجلّى الغبار، وقد ظنّ النكّار أنهم أتوا عليه، فرأوه قائما فانهزموا بين يديه، واتّبعهم وحده في وعر لا مسلك فيه، فرآه أصحابه سالما وقد كانوا يئسوا منه فعطفوا من كلّ ناحية إليه وقتلوا البربر قتلا ذريعا. ولجأ أبو يزيد وأصحابه إلى قصر في ذروة القلعة وقاتلوا من أعلاه، فضربت فازة صغيرة بالقرب من القصر وجلس المنصور فيها، والجيوش محيطة بالقصر من كلّ ناحية، ثمّ ألقوا النار في أبوابه. وكتب المنصور كتابا بأمان من في القصر إن هم خرجوا وأسلموا أبا يزيد، ورفعه على قناة إليهم، فمزّقوه ورموا به وقاتلوا قتال أهل البصائر (٢) حتّى هجم الظلام وقد ملّ الفريقان وأعيوا. فأمر المنصور بإيقاد المشاعل حول القصر، ودارت الجيوش عليه، وخرج من الفازة إلى بساط جلس عليه قريبا من القصر، وأطلق النار في الشعاري فصار الليل كالنهار المشرق، وهو جالس، والطبول تضرب بين يديه والأعلام منشورة. فلمّا كان في آخر الليل فتحوا باب القصر وخرجوا وهم يحملون أبا يزيد وأبا عمّار على أيديهم، فحملوا على من يليهم حملة شديدة حتّى اختلط الناس، وقتل من النكّار من قتل ونجا من نجا. وكان فيمن قتل أبو عمّار (٣) وجماعة. وأسر منهم رجل فأخبر المنصور عن أبي يزيد أنّه خرج محمولا على أيدي ثقاته، فأمر بطلبه فلم يوجد. فشقّ ذلك عليه وغمّه ووقعت فترة في العسكر (٤). وجاء المؤذّنون فأذّنوا بصلاة الصبح فقام وصلّى على وضوءه بالأمس. فلمّا سلّم من صلاته قال: «لو علم الفاسق أنّ في الأرض أحصن من هذه القلعة لصار إليها، وما أحسبه زال عن هذا المكان، ولو كان في السماء لسقط في يدي». فهو في الكلام حتّى أتوه به أسيرا، فحمد الله وأثنى عليه وشكره وسجد شكرا لله، وأمر للّذي بشّر به بألف دينار. وأمر بأبي يزيد فحمل إلى المضرب وهو لما به (٥) من الضعف والجراح، والناس

стр. 633

يكبّرون ويهلّلون ويحمدون الله ويشكرونه. وركب المنصور فرسه وقد ظهر السرور في وجهه، وهو يحمد الله ويشكره حتى انتهى إلى فسطاطه، والناس يهنّئونه بما فتح الله له ونصره وأعزّه. فأمر الناس بالانصراف ودخل، فوجد أبا يزيد ملقى ورأسه في حجر جعفر بن علي الحاجب، فأعرض عنه ودخل إلى مضربه وأمر بمعالجة أبي يزيد من جراحاته ووكّل به من يحفظه. وكتب بالفتح إلى الآفاق فكانت نسخة الكتاب إلى مدام من إملائه بنفسه بعد الصدر: [رواية المنصور للأحداث]: «أمّا بعد، فالشكر والحمد لله ربّ العالمين الذي نصر عبده وأنجز له وعده، وتفرّد بالمنن عليه وحده فأظهرني جلّ ثناؤه متوّجا بعزّته [١٩٤ ب]، رافلا في حلل كرامته، مبوّأ من الشرف ذراه، ومن المجد أعلاه، بعد أن زاغَتِ الْأَبْصارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ [الأحزاب: ١٠]، وظنّ العباد بالله الظنون، فجلّى بي الظلام، وأنقذ الأنام، وأثبت الإسلام، وجمع الأمم بعد الفرقة، وأمّنهم بعد المخافة، وأعزّهم بعد الذلّة، فحقن بي الدماء، وسكّن الدهماء، وأيّدني بنصره وإعزازه، فاعترف لي به المؤمن المساعد، والكافر المعاند، لقصر طاقة المخلوقين عن بلوغ ما أملوه، وإدراك ما حاولوه، فضلا من هذه النعمة الجليلة، والمنن الجزيلة التي حقّقت الآمال وقطعت أطماع الدجّال، فأصارها الله إليّ كلّها، ورآني أهلها. «فلم أزل، منذ انتصبت للجهاد في سبيله، وأهدفت نحري دون دينه، باذلا نفسي، متعبا جسمي، مستصغرا لكلّ عظيم، راكبا لكلّ هول، متعرّفا من الله أجمل الصنع، وأحسن التوفيق في كلّ شيء أمّمته، ورأي ارتأيته، وموقف حرب وقفته، إلى أن أتمّ الله عليّ النعمة، وأكمل المنّة، بالإمكان من عدوّ الله الخائن أبي يزيد، أسيرا ذليلا، بعد حرب شديد كان بيننا وبينه ثلاثة أيّام متتابعة لم يكن قبلها مثلها. «بدأنا إليه بالزحف يوم الخميس لثمان بقين من المحرّم، طلوع الشمس، فقاتلناه قتالا شديدا إلى بعض العصر. ثمّ عاودناه القتال صبيحة السبت. وأيقنوا بالهلاك، واشتدّ القتال في وعر شديد، فجعلوا يلقون علينا الصخور العظيمة لا تمرّ بفارس ولا راجل إلّا صيّرته رميما، والله يدفع ذلك عنّا بمنّه ويكلؤنا بعينه. فلم نزل من أوّل النهار حتّى كلّ الناس وملّوا من حرّ يسقط طيور الجوّ منه، وتقطّع الأولياء جراحا، وأثخنوا بالحجارة، وهابوا الإقدام فأغضبني ذلك فزجرتهم وتوعّدتهم وتقدّمت بنفسي واثقا بالله ربّي، ومعي مطحّية (١) فيها أكثر من ثلاثة آلاف فارس ونيف على عشرة آلاف راجل. ورأى العدوّ إقدامي إليهم فأيقنوا بالهلكة، وانهزموا بين يديّ حتّى توسّطت الوعر الشديد الهائل إليهم، فظنّوا أنّهم قد ظفروا بما دبّروه، فحملوا علينا حملة رجل واحد ردّت كلّ من كان معي، وأسلموني فقصدني الفسقة وتعاوروني بالسيوف والحجارة والرماح. وثار عجّاج مظلم طبّق الأرض فوصلوا [إليّ حتّى

стр. 634

تجاذبوا ردائي فمزّقوه، وقبضت ركابي، ورميت في تلك الحملة برمح] (١) أخذته في درقتي فنفذ إلى صدري، وأثخنوا فرسي بالحجارة فكاد يسقط تحتي، فوثقت بالله وطبت بالشهادة في سبيله نفسا، وقلت: يا نفس، حبّذا والله موقف عشت بعده عزيزا أو رحت منه شهيدا إلى لقاء جدّي رسول الله ﷺ ، فو الله ما ثنيت عنهم عنانا، وإنّي لواقف في غلالة ورداء ودرقة، فما هو إلّا أن تجلّى الغبار ورأوني قائما في وجوههم فانهزموا وولّوا الأدبار. واتّبعتهم وحدي في وعر لا مسلك للخيول فيه، ورآني الأولياء واستيقنوا بسلامتي فعطفوا عليهم عطفة واحدة، فصحت بهم وحرّضتهم فاستأسدوا وتفرّقوا يمينا وشمالا في طلبهم وقتلهم، وملكت القلعة بالسيف قسرا. «وانجحر اللعين أبو يزيد وأهله وكماته ورجاله وغزاته في قصر أوّلي (٢) بذروة القلعة، وأحاطت الجيوش به من كلّ ناحية، فرميا بالحجارة والرماح ورشقا بالسهام. وأشعلنا النار في أبواب القصر، والكفرة مصرّون على كفرهم وغيّهم. فكتبت لهم في ذلك المقام كتابا منشورا بأمانهم إن هم خرجوا إليّ وأسلموا اللعين، وأردت بذلك الاستظهار بالحجّة عند الله . فأخذوا الكتاب فمزّقوه، فأوّل من [١٩٥ أ] مدّ يده إلى تمزيقه أصابه سهم فمات وصيّر الله روحه إلى عذابه. وتمادوا على إصرارهم، وأمرت بإيقاد المشاعل، وبتّ ليلتي كلّها ساهرها، ورجالنا على خيولهم، وسيوفهم على أعناقهم. فلمّا كان آخر الليل حمل اللعين وأصحابه من الحصن حملة واحدة فاختلط الناس، وقتل في تلك المعركة من الفسقة من قتل ونجا من نجا. وكان ممّن قتل أبو عمّار اللعين الأعمى، ويدرس المزاتي، وجعفر الناظر (٣) وجماعة منهم، ونجا من نجا منهم متراميا بنفسه من أعلى القلعة [إلى وعر شديد هائل، وأخذنا منهم أسيرا فعرّفني أن اللعين خرج من القلعة] هاربا. فلم أصدّقه (٤)، وأمرت الأولياء بالثبات على مصافّهم وتعبئتهم حول ذلك [القصر. ولم أزل قائما حتّى لاح ضياء الفجر، وإذا اللعين قد] جرح في تلك الحملة فحمله ثلاث [ة من أصحابه حتى] خلّصوه من المعركة ثمّ ولّوا وأسلموه فذهب لينزل من القلعة فسقط، ثمّ قام ليلحق بأصحابه فسقط سقطة أخرى أوهت جسمه فلم يستطع حراكا فبقي ملقى عل ضفّة الوادي، فأتينا به أسيرا بحمد الله ومنّه وصنعه وعونه عند صلاة الفجر يوم الأحد لخمس بقين من المحرّم. ورأيت من سوء حاله وما أصاره الله إليه من الذلّ وأحلّه به من النقمة ما في بعضه شفاء للغيظ. فحمدت الله وشكرته، وأمرت بمداواة اللعين والرفق به إلى أن أصل به إلى المهديّة إن شاء الله. «فاحمد الله أنت ومن قبلك من رعايانا، وأكثروا معاشر العباد من الشكر، وتقرّبوا إليه بالصدقات وعتق الرقاب من طيّب أموالكم، واذكروا ما كنتم فيه [أمس] وما أصبحتم فيه اليوم من العزّ بعد الذلّة، والأمن بعد الخوف، والطمأنينة بعد الروع، والاجتماع بعد الفرقة، والدعة بعد المحنة. واحمدوا الله على ما وهبكم وصرف عنكم. فقد تحمّلت ما لم يتحمّله ملك قطّ قبلي، لم أرد بذلك من المخلوقين جزاء ولا شكورا إلّا القربة إلى الله ، والزلفى لديه والرغبة في

стр. 635

ما عنده. فالحمد لله على إنجاح سعيي وتبليغي أملي، وإليه أرغب في العون على أداء شكره وتوفيقي لمرضاته، وهو حسبي ونعم الوكيل». وذكر المنصور أنّه لمّا وقف في المضيق صعد رجل على صخرة يرميه بالحجارة ويقلب الصخور عليه، وهو لا يستطيع أن يتحرّك لضيق الموضع، وإذا برجل قد جاء إلى ذاك الرجل من ورائه فرماه برمح فقتله وحزّ رأسه. فأمره أن يحمل الرأس إلى المضرب وينتظره ليكافئه. فلمّا تراجع إليه الناس وعاد إلى المعسكر وجد الرأس بين يديّ المضرب فعرفه. وطلب قاتله فلم يجده، فعلم أنّ ذلك من نصر الله له. [المناظرة بين المنصور وأبي يزيد]: وأحضر المنصور أبا يزيد بعد أخذه بيوم فقال: «أي عدوّ الله وعدوّ دينه، كيف رأيت صنع الله؟ ألم ينصر الله الحقّ على قلّة أنصاره ويخذل الباطل على كثرة أعوانه؟ ». وقرأ قوله تعالى: وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ وَقالَ لا غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَراءَتِ الْفِئَتانِ نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ [الأنفال: ٤٨]. فرفع أبو يزيد رأسه وقال: قد أقدرك الله، والعفو أولى بك. فقال له: تكلّم آمنا مطمئنّا: ما الذي اعتددت على أمير المؤمنين- يعني القائم بأمر الله- حين خرجت عليه؟ فقال: كان أبو القاسم كريما حوله قوم سوء أحدثوا هذه القبالات (١) التي فيها الجور على المسلمين، فقمت لذلك منكرا أريد إصلاح أمور الناس. قال: فهل علمت أنّ ذلك من رأي أمير المؤمنين وأمره؟ قال: لا أعلم. قال: فهلّا رفعت ذلك إليه وأطلعته عليه؟ فإن (٢) غيّر المنكر، كان الذي أردت، وإن هو لم يفعل اتّخذت ذلك [١٩٥ ب] حجّة عليه؟ فسكت. قال: كأنّك إنّما قمت محتسبا؟ قال: نعم. قال: وهل غيّر الإسلام ونقض شريعة محمّد ﵇ غيرك؟ قال: كيف؟ قال: بما ارتكبت من المحارم واحتقبت من العظائم، وسفكت من الدماء، وهتكت من الحرمات. قال: فعل ذلك قوم سوء تبعوني. قال: عن معرفة منك بهم أم عن جهل؟ قال: عن جهل. قال: فإذا كنت لا ترى الحجّة عليك بفعل أصحابك، فمن أين رأيت الحجّة واجبة على أمير المؤمنين من فعل عبيده في أقاصي البلدان، وملكه بحمد الله كالبحر الذي فيه الجواهر والغثاء؟ فسكت. قال المنصور: ما تقول في بني كملان هؤلاء خاصة؟ قال: قوم سوء ملاعين. قال: قد نقضت قولك وأكذبك الله على لسانك إذ زعمت أنّك جاهل بأهل الشرّ من أصحابك. ثمّ هذا قولك في بني كملان، وهم عمدتك وأصحابك، فالويل لك من الله!
следующие страницы →