← Тараджим

Тараджим · id 145334

المقفى الكبير

المقريزي

Полный текст (3 152 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

الأوّل سنة تسع وتسعين، ونزل على دمشق واستناب قبجق على دمشق، وأنعم على البكي بحمص وحماة، ورحل عائدا إلى بلاده. فرجع قبجق والبكي إلى الطاعة وسارا والأمير بكتمر السلاح دار إلى لقاء السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون، فوافوه في العشرين من شوّال، وهو مخيّم بالصالحيّة. فتلقّاهم وبالغ في إكرامهم، وقدم بهم إلى قلعة الجبل. وأنعم على البكي بإمرة في دمشق ثم ولّاه نيابة حمص. فلم يزل بها إلى أن مات يوم الثلاثاء ثامن ذي القعدة سنة اثنتين وسبعمائة، فولي عوضه عزّ الدين أيبك الحمويّ نائب صرخد. وكان مليح الشكل ليس في وجهه [٢١٩ أ] شعرة كأنّه طلعة القمر. وكان كثير الأدب حشما رئيسا لم ير قطّ في ليل ولا نهار [٢٢٤ ب] بغير خفّ ولا أبدى رجله ولا مدّها بحضرة أحد. وكان كلّما نزل من الركوب حلّ جمداره شاشه وقتحه وتركه. فإذا أراد الركوب لفّه بيده مرّة واحدة لا يزيد عليها ثمّ يركب. وكان خيّرا ساكنا لطيف الحركات قريبا من الناس معروفا بالشجاعة والثبات موصوفا بالفروسيّة. ٨٢٩ - ابن أخي آل ملك [- ٧٥٦] (١) [٢٢٤ ب] البكي، الأمير فارس الدين، ابن أخي الأمير سيف الدين آل ملك النائب. ترقّى في الخدم حتى صار من جملة الأمراء. ثم ولي نيابة غزّة بعد موت الأمير دلنجي في جمادى الأولى سنة إحدى وخمسين (٢)، ثمّ صرف بالأمير أرغون الإسماعيليّ. وقدم القاهرة في جمادى الأولى سنة اثنتين وخمسين فأنعم عليه بإمرة طبلخاناه، ثم نقل إلى تقدمة ألف، وأخرج إلى الصعيد إعانة للأمير أزدمر الكاشف على العرب في شهر رجب سنة اثنتين وخمسين [وسبعمائة]. ومات سنة ستّ وخمسين [في أواخر شوّال]. ٨٣٠ - الجاي الدوادار [- ٧٣٢] (٣) [٢٠٢ أ] الجاي الدوادار، الأمير سيف الدين، أحد المماليك الناصريّة محمد بن قلاوون. ترقّى في خدمه إلى أن أقامه دوادار [ا] صغيرا مع الأمير بهاء الدين أرسلان. ثم أنعم عليه بإمرة عشرة في شهر رمضان سنة سبع عشرة وسبعمائة بعد موت بهاء الدين أرسلان وجعله دوادار [ا] كبيرا، فباشر الدواداريّة أجمل مباشرة من عفّة ونزاهة وطولة روح (٤) وتأنّي، بحيث إنّه لم يعرف عنه أنّه غضب على أحد ولا جاهر أحدا بالسوء. ثمّ نقل إلى إمرة الطبلخاناه، حتى مرض، ونزل من القلعة فمات بدار [هـ] خارج باب زويلة مستهلّ شهر رمضان سنة اثنتين وثلاثين وسبعمائة، وهو في سنّ الكهولة، ودفن بالقرافة، وكانت جنازته حافلة بالأمراء والأعيان. وكان يكتب الخطّ الجيّد، ويحبّ الفضلاء ويعتني بأمرهم ويكثر من معاشرتهم ليلا ونهارا،

стр. 702

ويجاريهم في عدّة فنون من فقه وغيره. وكان حنفيّ المذهب، وله اختصاص بالشيخ تقيّ الدين السّبكيّ، وهو الذي نوّه به. وشغف بالكتب فاقتنى منها شيئا كثيرا. وكان يؤنّث المذكّر في خطّه ويعظّم وظيفته ويتبجّح بها. ولم يزل مشهورا من صغره إلى وفاته بالخير وحسن الطريقة. وأنشأ دارا بالشارع خارج باب زويلة بلغت النفقة على بوّابتها خاصّة مائة ألف درهم، عرفت بعده بالقردميّة، ثم عرفت ببيت محمود فلمّا كادت الدار أن تفرغ عمارتها عمل فيها الجاي مجتمعا تليت فيه ختمة شريفة بالغ في الاحتفال فيه، وحضره عامّة أهل العلم فلم يمتّع بهذه الدار ومرض بعد ذلك بقليل، فطلب من السلطان الإذن في نزوله إلى داره، فأذن له في ذلك. فقيل له فيه، فقال: أنا أدرى بخلق أستاذي، قد يكون في خاطره أن يولّي الدواداريّة أحدا غيري. ونزل إليها، فلم يزل صاحب فراش حتى مات واستقرّ عوضه الأمير صلاح الدين يوسف المهمندار دوادار [ا]. ٨٣١ - الجيبغا المظفّريّ [- ٧٥٠] (١) [٢٠٣ أ] الجيبغا المظفّريّ، الأمير سيف الدين. رقّاه السلطان الملك المظفّر حاجيّ بن محمد بن قلاوون بحيث لم يكن عنده أحد في رتبته حتى زالت دولته، والجيبغا أحد أمراء المشور الذين تصدر الأوامر عنهم. فأخرج إلى دمشق في أوائل سلطنة الناصر حسن على إقطاع الأمير لاجين أمير أخور صحبة الأمير طقبغا وطلب لاجين [إلى مصر] في تاسع عشر ربيع الآخر سنة تسع وأربعين وسبعمائة، واتّهم أنّه أراد الفتنة. ثم نقل من الإمرة بدمشق إلى نيابة طرابلس [٢١٩ ب] عوضا عن الأمير بدر الدين أمير مسعود بن خطير في أثناء شعبان منها. فلم يزل إلى أوائل شهر ربيع الأول سنة خمسين، [ف] استأذن الأمير أرغون شاه نائب الشام في التصيّد بالناعم فأذن له، فسار وأقام على بحيرة حمص أيّاما يتظاهربالصيد. ثم ركب ليلا بمن معه من عسكر طرابلس وساق إلى خان لاجين ظاهر دمشق وأقام به من الثانية من النهار إلى قبيل الغروب. وركب بمن معه وطرق أرغون شاه نائب الشام، وهو بالقصر الأبلق من الميدان ليلا، وأمسكه وسجنه مقيّدا، وقد عاونه على ذلك الأمير فخر الدين أياز السلحدار. فلمّا أصبح نزل بالميدان الأخضر وطلب أمراء دمشق وعسكرها، وأخرج كتاب السلطان بإمساك أرغون شاه، فلم يشكّ أحد في ذلك. واحتاط بأموال أرغون شاه وجعلها عنده في القصر الأبلق، وذلك في يوم الخميس ثالث عشرين شهر ربيع الأوّل، وأظهر في يوم الجمعة ثانية بأنّ أرغون شاه قد ذبح نفسه (٢) وجهّز البريد وكتب على يد الأمير أيدمر الشمسيّ إلى السلطان بأنّه أمسك أرغون شاه وأنّه ذبح نفسه (٣). فلمّا كان يوم الثلاثاء ارتاب الأمراء بدمشق بما هو فيه، فركبوا لحربه ووقفوا تحت القلعة. فركب بمن معه وواقعهم وقتل منهم عدّة وجرح جماعة،

стр. 703

ومضى بمن معه، وقد حمل أموال أرغون شاه، على [طريق] المزّة وسلك [سهل] البقاع إلى طرابلس. فورد إلى دمشق مرسوم السلطان بإنكار ما جرى من قتل أرغون شاه والاجتهاد في أخذ الجيبغا. فخرج عسكر الشام وربطوا عليه الدروب. فلمّا بلغه ذلك خرج من طرابلس، فأدركه عسكرها عند بيروت وقد وقف له أمراء العرب والتركمان والجبليّة وأهل بيروت. فوقف من الثانية من النهار (١) إلى العصر وكرّ راجعا، فوجد عسكر طرابلس، فواقعوه حتى سلّم نفسه. فأسلموه إلى عسكر دمشق. وقد فرّ أياز في ثلاثة أنفار فقبض عليه وقيد بقلعة بعلبك وقدم به وبألجيبغا إلى قلعة دمشق (٢). وحمل الجيبغا إلى مصر صحبة الأمير [سيف الدين] باينجار الحاجب، فوصل من مصر الأمير [سيف الدين] قجا السلحدار في يوم الأربعاء بكتاب السلطان أن يوسّط الجيبغا وأياز. فركب العسكر في يوم الخميس حادي عشرين شهر ربيع الآخر- الغد- تحت القلعة، ووسّطا وعلّقا. وكان لألجيبغا من العمر تسع عشرة سنة كما بقل عذاره وطرّ شاربه. ٨٣٢ - الدمر الناصري [- ٧٣٠] (٣) [٢٠٤ أ] الدمر، الأمير سيف الدين، الناصريّ، أحد المماليك الناصريّة محمد بن قلاوون. ترقّى في خدمه حتى صار من أمراء الألوف أمير جاندار. وتوجّه حاجّا صحبة الركب، وقد قدم ركب العراق إلى مكّة صحبة محمد الحويج (٤) من أهل طوريز، وكان صاحب هزل ومجون، فتوصّل بأولاد الأمير جوبان إلى منادمة أبي سعيد بن خربنده ملك العراق، وبعثه في الرسالة إلى مصر. فراج عند السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون، وتردّد إليه مرارا. فبلغه عنه ما أغضبه فأسرّها في نفسه إلى أن بلغه مسيره بركب الحاجّ من العراق، فكتب إلى الشريف عطيفة بن أبي نميّ أمير مكّة أن يتحيّل في قتله، فأطلع ابنه مبارك بن عطيفة على ذلك في عدّة من قوّاده فاستعدّوا لقتله. وتمهّلوا إلى أن عادوا إلى مكّة بعد قضاء النسك، وقد تقدّم بعض الحاجّ من المصريّين على العادة وتأخّر الأمير خاصّ ترك أمير الحاجّ والأمير الدمر والأمير أحمد ابن خالة السلطان بمكّة لأجل صلاة الجمعة. فلمّا قام الخطيب على المنبر قصد عبيد عطيفة إثارة فتنة لينالوا غرض السلطان في أمير ركب العراق، وشرعوا في نهب السوقة والباعة وعبثوا بحاجّ العراق وخطفوا من متاعهم، والشريف عطيفة جالس إلى جانب أمير الركب (٥). فصرخ الناس [٢٢٠ أ] وكثر ضجيجهم. فنهض الدمر ومعه جماعة من المماليك، وسبّ الشريف رميثة ظنّا منه أنّه يريد نهب الناس، ولم يكن له علم بما أسرّه السلطان لعطيفة. ومسك بعض القوّاد [و] أخرقبه، فقام عطيفة وأخذ يلاطفه ليردّ [هـ] وهو من قوّة نفسه لا يرجع، وكان حادّ المزاج قويّ النفس

стр. 704

معروفا بالشجاعة. فقوي الأمر وزاد صياح الناس وركب مبارك بن عطيفة في قوّاد مكّة لابسين السلاح، وركب من بمكة من جند مصر. فتقدّم خليل بن الدمر وضرب [هـ] بعض العبيد فوقعت فيه ضربة خرّ [بها] ميتا. فاشتدّ عند ذلك حنق الدمر وتقدّم لأخذ ثأره فإذا المبارك بن عطيفة فرفع سلاحه ليضربه فبدره مبارك بحربة أنفذها من صدره [ف] سقط ميّتا، وركب أمير الركب وخرج من مكّة بنفسه، ورمى مبارك بن عطيفة بسهم في يده [فشلّت] (١). وقاتل أحمد قريب السلطان (٢) حتى خلص بمن معه. وسار المصريّون والعراقيّون [٢٠٤ ب] من غير أن يحصل الغرض (٣)، وذلك في يوم الجمعة رابع عشر ذي الحجّة سنة ثلاثين وسبعمائة. فاتّفق في هذا اليوم بعينه أن اشتهر بالقاهرة ومصر قتل الدمر وحصول الحرب بمكّة حتى لم يبق أحد إلّا وهو يتحدّث بذلك. وبلغ السلطان والأمراء ما يتحدّث الناس به وأنكروه. وانطلقت الإشاعة إلى الريف أيضا. وما زالت حتى قدم مبشّرو الحاجّ فأخبروا بالحرب و [ب] قتل الدمر وولده في يوم الجمعة الذي حصلت فيه الإشاعة، فكان ذلك من غرائب الاتّفاقات. وترك الدمر مالا جمّا ما بين نقد وزراعات ومتاجر. وإليه ينسب حمّام الدمر خارج باب زويلة من القاهرة (٤). ٨٣٣ - الطبرس المجنون المنصوريّ [- ٧٠٨] (٥) [٢٠٥ أ] الطبرس المنصوري المعروف بالمجنون، والي القلعة، الأمير علاء الدين، أحد المماليك المنصوريّة قلاوون. كان ديّنا عفيفا تغلب عليه سلامة الباطن، وله أحكام يضحك منها. وكان فيه تسلّط على النساء بحيث يركب أيّام المواسم إلى القرافة ويفتك فيهنّ (٦) ويشهّرهن شهرة بالغة. وهو الذي عمّر فوق عقد القنطرة المعروفة بالمجنونة على الخليج [قبّة للفقراء] فقال [علم الدين أحمد بن يوسف ابن الصاحب] فيه [كامل]: ولقد عجبت من الطبرس وصحبه ... وعقولهم بعقوده مفتونة عقدوا عقودا لا تصحّ لأنّهم ... عقدوا لمجنون على مجنونة وتوفّي سنة ثمان وسبعمائة. ٨٣٤ - الطنبغا الحمصيّ [- ٦٧٨] [٢٠١ أ] الطنبغا الحمصيّ، الأمير فخر الدين، أحد الأمراء الظاهريّة بيبرس. مات يوم السبت سادس عشر رمضان سنة ثمان وسبعين وستّمائة.

стр. 705

٨٣٥ - الطنبغا الجمدار [- ٦٩٣] (١) [٢٠٦ أ] الطنبغا الجمدار، الأمير علاء الدين، أحد المماليك المنصوريّة قلاوون. تنقّل في الخدم بديار مصر إلى أن صار من جملة الأمراء. فلمّا ثار الأمير بيدرا نائب السلطنة بديار مصر على الملك الأشرف خليل بن قلاوون وقام معه جماعة من الأمراء، كان منهم الطنبغا هذا. فقتلوا [الأشرف] كما ذكر في ترجمته (٢)، وتسلطن من بعده أخوه الملك الناصر محمد بن قلاوون، وقام بتدبير أمره الأمير كتبغا نائب السلطنة، وتتبّع قتلة الأشرف، فقبض على الأمير حسام الدين طرنطاي الساقي، وسيف الدين نوغاي السلاحدار، وسيف الدين الناق (٣) الساقي السلاحدار، وسيف الدين أروس الحساميّ السلاحدار، وعلاء الدين الطنبغا الجمدار، وسيف الدين أقسنقر الحساميّ، وناصر الدين محمّد خواجا، في العشرين من المحرّم سنة ثلاث وتسعين وستّمائة. فاعتقلوا بخزانة البنود (٤) من القاهرة، وتولّى عقوبتهم الأمير بيبرس الجاشنكير، في كلّ يوم إلى يوم الاثنين خامس صفر [ف] أخرجوا إلى باب القلعة، وقطعت أيديهم وأرجلهم، وسمّروا على الجمال وطيف بهم وأيديهم وأرجلهم معلّقة في رقابهم ورأس بيدرا على رمح قدّامهم فلم يترك شارع بالقاهرة ومصر حتّى مرّوا بهم منه، واجتمع من الناس لرؤيتهم عالم عظيم، ومرّوا بهم على أبواب دورهم ففجع الناس بهم واشتدّ حزنهم وأسفهم عليهم. وكان الطنبغا هذا جميلا، فلمّا قربوا من داره خرج حريمه وأولاده يصيحون، قد نشروا الشعور [٢٢٠ ب] وسوّدوا الوجوه، وألقت زوجته نفسها من مكان عال لترتمي عليه فقبض الجواري عليها ومنعنها ذلك، فقطّعت شعرها وألقته عليه وقالت: يا ليتني كنت فداك! وكانت أهوال شنيعة، وتركوا مسمّرين على الجمال عدّة أيام فمات منهم طائفة، ووقعت الشفاعة فيمن بقي ففكّت مساميرهم [٢٠٦ ب] وحملوا إلى منازلهم. فلم ترض مماليك الأشرف بذلك، فأخذوا من ديارهم وسمّروا مرّة ثانية. فلم تحمل قواهم ذلك وماتوا، فدفنوا بالقرافة. ٨٣٦ - الطنبغا الماردينيّ [- ٧٤٤] (٥) [٢٠٦ ب] الطنبغا المارديني (٦) الساقي، أحد المماليك الناصريّة محمد بن قلاوون. ربّاه صغيرا واختصّ به اختصاصا كبيرا ورقّاه في خدمه حتى صار من أمراء الألوف وزوّجه بابنته. واختصّ بعده بابنه المنصور أبي بكر. واتّهم أنّه وشى به أنّه يريد الفتك بقوصون فقام عليه قوصون وخلعه (٧). ثم إنّه خذل قوصون وشغب عليه وركب تعاويقه (٨) عن الركوب حتى قبض

стр. 706

عليه (١). وأقدم بعده على الطنبغا نائب الشام لمّا قدم وأخذ سيفه وقبض عليه فترفّع ووقف فوق آغاه (٢) بهادر الدمرداشي فأسرّها في نفسه. وأخرجه [بهادر] في أيّام الصالح إسماعيل على البريد في خمسة سروج إلى نيابة حماة يوم [ ... ] ربيع الأوّل سنة ثلاث وأربعين. ثم نقل بعد شهرين إلى نيابة حلب عوضا عن طقزدمر في أوّل شهر رجب منها، فمرض بعد قليل ومات مستهلّ صفر سنة أربع وأربعين وسبعمائة. وكان جميلا كريما صائب الحدس. أنشأ خارج باب زويلة من ظاهر القاهرة جامعا في غاية الحسن أنفق عليه مالا كبيرا. ٨٣٧ - الطنبغا التركيّ [- ٦٤٢] الطنبغا بن عبد الله التركيّ، الأمير شمس الدين، أحد أمراء مصر. ولي الغربيّة وغيرها، وكان شهما مقداما، له في الولاية أخبار دالّة على فهمه وخبرته. توفّي ليلة السابع عشر من شهر ربيع الأوّل سنة اثنتين وأربعين وستّمائة. ٨٣٨ - الطنبغا الحاجب [- ٧٤٢] (٣) النطبغا الحاجب، الأمير علاء الدين، نائب حلب، أحد المماليك الناصريّة محمد بن قلاوون. ترقّى في خدمه إلى أن ولّاه الحجوبيّة بحلب، فأقام بها مدّة [ ... ]. فلمّا مات الأمير سودي استقرّ عوضه في نيابة حلب لأيّام من شهر رجب سنة أربع عشرة وسبعمائة فشكرت دربته بالأحكام. وعمّر بها جامعا حسنا. ثم صرف بالأمير أرغون نائب السلطنة، وقدم إلى مصر مع الأمير الجاي الدواداري في يوم السبت أوّل صفر سنة سبع وعشرين وسبعمائة. فأكرمه السلطان وخلع عليه وأسكنه بقلعة الجبل وأنعم عليه بإمرة مائة من جملة إقطاع الأمير أرغون النائب. واستقرّ الأمير أرغون في نيابة حلب [وبقي الطنبغا] عوضه بمصر من جملة الأمراء الكبار، إلى أن ورد الخبر بموت أرغون نائب حلب، فخلع على الأمير الطنبغا واستقرّ في نيابة حلب كما كان، في يوم الخميس عشرين ربيع الآخر سنة إحدى وثلاثين، وسار إليها على البريد ففرح به أهل حلب. فتنكّر ما بينه وبين الأمير تنكز نائب الشام، وأخذ تنكز في الحطّ عليه، وأغرى السلطان بعزله وولاية طوغاي عوضه. فعزل عن حلب وأحضر إلى مصر في سنة ثمان وثلاثين، فلمّا قدم لم يقبل السلطان عليه وتركه على باب الإصطبل، والسلطان يطعم الجوارح بالميدان حتى فرغ فأحضره. وبقي مقيما بالقلعة على إمرة طوغاي الطبّاخي وإقطاعه، إلى أن قدم الأمير تنكز في حادي عشر جمادى الأولى سنة تسع وثلاثين. فبعث السلطان [ ... ] (٤) الحاجب إلى الطنبغا أن يجهّز أمره ولا يصبح إلّا وهو سائر إلى غزّة، وأردفه بتشريف

стр. 707

نيابتها، إرضاء لخاطر تنكز. فسار من الغد وقد شقّ عليه ذلك، فتألّم له الأمراء. فلمّا خرج تنكز من مصر عائدا إلى دمشق سار الطنبغا ليتلّقاه بالداروم وعمل له سماطا يليق به. فلم يأكل منه غير لقمة واحدة، وركب ولم يبشّ لألطنبغا ولا استدناه حتى نزل بالميدان ظاهر غزّة، فأكبّ الطنبغا يقبّل [٢٢١ أ] يده، وكشف رأسه واعترف بالخطإ. فأقبل حينئذ عليه وحادثه وأكل طعامه وطاب خاطره عليه، ثمّ سار بعد ما خلع عليه. فلم يزل على نيابة غزّة إلى أن تغيّر السلطان على تنكز. [ف] كتب إليه بنيابة دمشق، وأنّ الأمراء واصلون إليه بالعسكر حتى يسيروا معه إلى دمشق، وأنّ الأمير طشتمر قد رسم له بالتوجّه من صفد إلى دمشق ليجتمع هو والأمير قطلوبغا الفخريّ وأمراء دمشق ويقبضوا تنكز. فسرّ بذلك أعظم مسرّة، وأخذ في الأهبة للمسير، وقدّم أحد نجّابته بملطفات إلى أمراء دمشق بذلك، فبقوا على أتمّ استعداد إلى أن قدم عليهم الأمير طشتمر نائب صفد وقبض على تنكز كما ذكر في ترجمته (١)، وبعث به إلى مصر، ونزل بالمدرسة النجيبيّة. وقام الأمير قطلوبغا الفخريّ وبقيّة أمراء دمشق بحفظ المدينة. فقدم مملوك الأمير الطنبغا إلى الأمير طشتمر بعوده إلى صفد، فتوجّه إليها. وقدم العسكر من مصر إلى غزّة صحبة الأمير بشتاك، والأمير أرقطاي، والأمير برسبغا، فتلقّاهم الأمير الطنبغا وأنزلهم، ثم سار معهم يريد دمشق. فالتقوا مع تنكز على بيسان وهو محتفظ به ومرّوا لمقصدهم. فقدم الأمير الطنبغا، والأمير بشتاك ومن معهما دمشق في يوم الاثنين سادس المحرّم سنة إحدى وأربعين. فخرج الناس إلى لقائهم، ونزل الطنبغا بدار السعادة على العادة، ونزل بشتاك بالميدان، وتفرّق بقيّة الأمراء في عدّة أماكن. وركب من الغد يوم الثلاثاء الطنبغا [إلى] الموكب ومعه الأمراء. وقبض على الأمير صاروجا المظفّريّ، والأمير الجيبغا العادليّ، وجنغية وطغية (٢)، وأوقعت الحوطة على موجودهم، وعوقب جنغية وطغية وعوقب حواشيهما وأسبابهما، ثم وسّطا تحت قلعة دمشق. وأكحل صاروجا، وتتبّعت أموال تنكز، وتولّى بيعها الطنبغا وأرقطاي مدّة شهر، فكان في ذلك أعظم عبرة، فإنّ تنكز لم يعرف عنه أنه قصد أحدا فخاب قصده، إلّا في الطنبغا وأرقطاي، فإنّه ما زال يحاول قتلهما، والأقدار تحول بينه وبينهما، بحيث إنّ السلطان كان يقول بعد قتله لتنكز: والله ما خلّصت الطنبغا وأرقطاي منه إلّا كما تخلّص من الأسد فريسته. ونودي بدمشق: «من [ترك] تنكز عنده وديعة [فل] يحضرها، فإنّه كتب كلّ ماله في أوراق عند السلطان. فخاف الناس وأتوا بما عندهم، وصودر جماعة كثيرة من الناس بدمشق وأخذت أموالهم فكانت أيّام نكدات. ثم رسم بتجهيز عساكر الشام لأخذ توريز، فتأهبّبوا لذلك وأنفقوا في إصلاح شأنهم مالا كثيرا تكلّفوا له. وبينا هم في ذلك إذ قدم الخبر بموت السلطان فبطلت التجريدة، وحلف الأمراء

стр. 708

والعسكر [ل] لسّلطان الملك المنصور أبي بكر ابن الناصر محمد، فلم تطل أيّامه وخلعه الأمير قوصون، وأقام عوضه السلطان الملك الأشرف كجك ابن الناصر محمد، وقصد أن يقبض أيضا على الناصر أحمد بالكرك، وبعث إليه تجريدة مع الأمير قطلوبغا الفخريّ، وأخرج بقيّة أولاد السلطان الملك الناصر محمد من قلعة الجبل إلى قوص. فغضب لذلك الأمير طشتمر نائب حلب وبعث يعيبه على ذلك و [أ] نكر على الأمير بيبرس الأحمديّ موافقة قوصون على هذا. فقبض قوصون على مملوك نائب حلب (١)، وكتب إلى الطنبغا يحذّره من موافقة نائب حلب ويستميلة إليه. وسيّر له إنعاما سنيّا ووعده عدّة مواعيد. فمال إليه وصار من حزبه. هذا وقد اتّفق الأمير قطلوبغا الفخريّ مع الناصر أحمد بالكرك على سلطنته، ووافقه طتشمر نائب حلب وغيره من الأمراء. فأخذ الطنبغا يحترسعلى الطرقات، وكتب يعرّف الأمير قوصون بذلك كلّه. فكتب إليه أن يتوجّه إلى حلب ويقبض على طشتمر نائبها، وكتب [٢٢١ ب] إلى نوّاب صفد وحمص وحماة وطرابلس بالمسير معه، وبعث إليهم بالتشاريف والخلع والنفقات. فسار في يوم الجمعة [ ... ] جمادى الآخرة، وقد اشتدّ المطر، والناس يدعون عليه أن لا يسلّمه الله! - فإنّ العامّة كانت تكرهه وتسبّه في وجهه وتدعو عليه. فنشب سنان شطفته (٢) من خلفه في سقيفة [ف] انكسر فتفاءلوا عليه بالشؤم. ومضى فلقيه أرقطاي نائب طرابلس على حمص. وكتب إلى طقزدمر نائب حماة أن يتلقّاه، فاعتذر بوجع رجله- وكان قد مال مع الناصر أحمد، وبلغهم عنه ذلك. فبعث إليه الطنبغا من حلّفه أنّه باق على طاعة الأشرف كجك، ومضى إلى حلب. فورد عليه الخبر في سلميّة بفرار طشتمر من حلب يريد بلاد الشرق حتى نزل أبلستين وتوجّه إلى قيصريّة (٣). فدخل الطنبغا حلب بغير مانع. وكتب يعرّف قوصون فرار طشتمر. وأخرج أمواله وباع موجوده. فأتاه الخبر بأنّ الأمير قطلوبغا الفخريّ قد سلطن الناصر أحمد بالكرك وسار من عنده إلى دمشق، وقد مال معه آقسنقر السلّاريّ نائب غزّة وأصلم نائب صفد وطقزدمر نائب حماة، واستخدم بدمشق الأجناد وجمع الأموال من الناس وخرج إلى خان لاجين. فكتب يعرّف قوصون بذلك. فجرّد [قوصون] من أمراء مصر برسبغا الحاجب وأمير محمود الحاجب في جماعة، وساروا في أخريات رجب إلى غزّة. فسار آقسنقر منها إلى قطلوبغا الفخريّ بدمشق. فسار من حلب إلى حمص وحلّف من معه. ثم سار حتى وصل خان لاجين ظاهر دمشق ومعه عشرة آلاف فارس. وقد برز إليه قطلوبغا الفخريّ في ثلاثة آلاف فارس. فتردّدت الرسل بينهما ثلاثة أيّام بلياليها فلم يرجع أحد منهما إلى صاحبه، ووقف مع غرضه: الطنبغا في نصرة قوصون، والفخريّ في نصرة الناصر أحمد حتى ضجرت العساكر. ثم ركب الطنبغا بكرة نهار [ ... ] (٤) بمن معه ليحمل على الفخريّ، فمال من معه إلى جهة الفخريّ

стр. 709

وصاروا معه. فلم يبق مع الطنبغا سوى أرقطاي نائب طرابلس في قليل من أمراء الشام، منهم أسنبغا ابن البوبكري وأيدمر المرقبي. فساروا إلى المرج وقصدوا طريق صفد، وأحمد مشدّ الشرابخاناه أحد أمراء طرابلس، ومعه جماعة، في طلبهم. فلم يقدروا عليهم وعادوا عنهم. فخطب في دمشق لأحمد الناصر، وكان برسبغا ومن معه قد دخلوا غزّة فكتبوا إلى قوصون بهزيمة قطلوبغا الفخريّ. ثم قدم عليهم الطنبغا بمن معه غزّة وقد بلغوا الجهد من التعب فنزلوا بها وبعثوا بخبرهم إلى قوصون. فكثر اضطرابه وبعث لألطنبغا ومن معه بالأقبية والأقمشة الفاخرة، وكان ما أرسله لكلّ من الطنبغا وأرقطاي ثلاثين بدلة قماش، وثلاثين قبا مسنجبا (١) بطرز زركش، ومائتي كلفتاه، ومائتي خفّ، سوى كساوي مماليكهما وغلمانهما وحاشيتهما. وشرع في تجهيز أمره للسفر، فاختلف الأمراء عليه وأمسكوه كما ذكر في ترجمته (٢). وكان الطنبغا وأرقطاي قد سارا بمن معهما من غزّة ونزلوا على مدينة بلبيس. فبعث إليهم قوصون بتلجك ابن أخيه أن يلقوه تحت القلعة في يوم الاثنين ثامن عشرين رجب. فلم يرحلوا عنها إلّا (٣) يوم الثلاثاء. وعند ما وصلوا إلى سرياقوس جاءهم الخبر بركوب الأمراء على قوصون، وأنّه محصور بالقلعة. فساروا إلى بركة الحجّاج، وإذا بطلب قوصون مع مائة من مماليكه قد خرجوا حميّة ليعرّفوهم ما بأستاذهم، فمضوا كما هم حتى وصلوا تحت القلعة. فقصدهم [٢٢٢ أ] الأمير آي دغمش ومن معه من الأمراء وسلّم عليهم وأصعدهم إلى القلعة. ثم قبض على الطنبغا وأرقطاي من الغد يوم الخميس مستهلّ شعبان في سبعة عشر أميرا. وكتب باستدعاء الناصر أحمد من الكرك، والأمير قطلوبغا الفخريّ من دمشق، ويعلمهما بمسك قوصون والطنبغا وأرقطاي فيمن أمسكه. فقدم الناصر أحمد واستقرّ في السلطنة. وبعث بألطنبغا وغيره من الممسوكين إلى الإسكندريّة فسجنوا بها، ثم قتلهم واحدا بعد واحد. فلمّا دخلوا على الطنبغا وجدوه قد تأهّب للموت وتوضّأ وشدّ من تحته حفاظا (٤) واستقبل القبلة. فأخذوا يعنّفونه على فعله وهو لا يكترث بقولهم. فلما أكثروا عليه قال: نحن حفظنا اليمين التي حلفناها لابن أستاذنا- يعني الأشرف كجك- وبقينا عليها إلى هذه الساعة. فقالوا له: أوص بما تريد. قال: ما لي أحد أوصيه على ولدي، وقد وكّلته إلى الله. ثمّ استلقى وغطّى وجهه فخنقوه حتى مات. وذلك في أوّل ذي القعدة سنة اثنتين وأربعين وسبعمائة، وقد تجاوز الخمسين سنة. وكان خيّرا له دربة بالأحكام وطولة روح في المحاكمات، مليح الشكل، مجيدا للّعب بالرمح ورمي النشّاب والكرة، فارسا معدودا من الأبطال، قويّا لم يقدر أحد أن يصرعه. وكان سخيّا لا يدّخر مالا، ولا يتجر ولا يعمر ملكا، فريدا في أبناء جنسه، إلّا أنّه لم تساعده الأقدار في نيابته بدمشق. وكانت أيّامه كثيرة الشرور والأنكاد. وركب هواه

стр. 710

في معاندة طشتمر نائب حلب حتى كان ما كان. ٨٣٩ - الطنفش الجماليّ [- ٧٤٥] (١) كان مملوك الأفرم، ثمّ تنقّل في الخدم بعده، وولّاه الناصر محمد الشرقيّة. ثمّ استقرّ أستادارا لابن السلطان آنوك (٢)، ثم استقرّ أستادار السلطان. وكان شهما كثير العصبيّة لمن يعنى به، مع سوء معاملة. ومات في سنة خمس وأربعين وسبعمائة، وهو صاحب التربة بالقرب من جامع الماردانيّ. ٨٤٠ - ألماس الحاجب [- ٧٣٤] (٣) [٢٢٥ أ] ألماس الناصريّ الحاجب، الأمير سيف الدين، أحد المماليك الناصريّة محمد بن قلاوون. ترقّى في الخدم حتى صار من أكبر أمراء الدولة، واستقرّ حاجبا. فلمّا أخرج السلطان الأمير أرغون النائب إلى نيابة حلب شغر منصب النيابة، فعظمت رتبة ألماس وجلس في منزلة النيابة، إلّا أنه لم يسمّ بالنائب، وركبت الأمراء في خدمته عن آخرهم، وجلس بباب القلّة من قلعة الجبل في رتبة النيابة، ووقف الناس بين يديه. وما زال على ذلك إلى أن حجّ السلطان سنة اثنتين وثلاثين [وسبعمائة] وتركه بالقلعة ومعه الأمير جمال الدين آقوش نائب الكرك، والأمير أقبغا عبد الواحد، والأمير طشتمر حمّص أخضر، ولم يدع سوى هؤلاء الأمراء، بل أخذ منهم طائفة في خدمته وفرّق بقيّتهم في أعمال مصر، وتقدّم إليهم أن [لا] يدخلوا القاهرة حتى يعود من حجّه. فلمّا قدم من الحجاز تغيّر على ألماس وقبض عليه في صفر. وذلك أنّه بلغه عنه أنّه كان مدّة الغيبة يراسل آقوش نائب الكرك ويواده- وكانت العادة أنّ الأمراء لا يخالط أحد منهم الآخر- وأنّه بدت منه مع ذلك قبائح من معاشرة الأحداث ومن كلام حفظ عليه في حقّ السلطان، وأنّه شغف بشابّ من أولاد الحسينيّة خارج القاهرة يعرف بعمير كان ينزل إليه ويجمع الأويراتيّة (٤) مع عمير هذا ويعاقرهم الخمر. وأضيف إلى هذا كلّه أنّ الأمير بكتمر السّاقي لمّا مات بطريق الحجاز وجد فيما وجد له حرمدان (٥) فيه جواب ألماس له يتضمّن: إنّي أحفظ لك القلعة إلى أن تجيء. فلم يحتمل السلطان ذلك، وسلّمه بعد القبض عليه [٢٢٢ ب] لآق بغا عبد الواحد، فخنق بعد ثلاثة أيّام بقلعة الجبل في ليلة الثاني عشر من صفر سنة أربع وثلاثين وسبعمائة. وحمل إلى جامعه خارج باب زويلة فدفن فيه. وأحيط بموجوده فوجد له ستّمائة ألف درهم فضّة وأربعة آلاف دينار ذهبا وفلوس بمائة ألف درهم، وثلاثون حياصة من ذهب، ومثلها كلوتات من ريش، ومثلها خلع حرير، سوى جواهر وتحف نفيسة. وأخذ رخام

стр. 711

داره المجاور لجامعه وكان فاخرا. وكان ألماس أغتم لا يعرف بالعربيّة ولا يفهم منها شيئا. ٨٤١ - الحاج آل ملك [- ٧٤٧] (١) [٢٢٦ أ] آل ملك، الأمير سيف الدين، الحاجّ. أخذه الظاهر بيبرس في سنة ستّ وسبعين وستّمائة من كسب الأبلستين لمّا دخل بلاد الروم، فصار إلى الأمير قلاوون فأنعم به على ابنه أمير عليّ. وترقّى في الخدم أيّام سلطنة المنصور قلاوون حتى صار من الأمراء. وطالت أيّامه، فاستقرّ في الأيّام الناصريّة محمد بن قلاوون من رءوس المشور. وما زال جليل القدر حتى كانت أيّام الناصر أحمد بن محمد [ف] أخرجه إلى نيابة حماة. وأعاده الصالح إسماعيل بن محمد وعمله نائب السلطنة بديار مصر عوضا عن أقسنقر السلّاري في يوم الجمعة ثاني عشر المحرّم سنة أربع وأربعين [وسبعمائة]، وجلس من الغد بشبّاك النيابة. وأوّل شيء بدأ به أن بعث والي القاهرة إلى خزانة البنود بالقاهرة فكسّر ما فيها من أواني الخمر وأخرج منها الأسرى، وكان الناصر محمد قد أسكن بها النصارى المأسورين عند مجيئه من الكرك، فكثر عددهم وأكثروا من اعتصار الخمر حتى بلغت عدّة جرار الخمر الذي اعتصروه في سنة واحدة اثنتين وثلاثين ألفّ جرّة وتظاهروا ببيع الخمر فقصدهم أهل الفسوق من الرجال والنساء والمردان، وصارت حانة يعلن فيها بأنواع الفواحش من الزنا واللواط والقمار وشرب الخمر، وانفسد بها كثير من نساء الناس وأولادهم، ولم يقدر أحد على إنكار ذلك. فنزل إليها الوالي والحاجب وأزالوا ما كان بها من الفساد وهدموها كلّها. واشترى الأمير قماري الأستادار أرضها وحكّرها فبنيت بها الدور. وطلب الأمير آل ملك أيضا والي قلعة الجبل وألزمه أن يكبس بيوت الأسرى بها ويريق ما بها من الخمور، ففعل ذلك وأنزلهم من القلعة، فسكنوا في مواضع وزال بذلك فساد كبير. ومنع من نصب الخيم على شاطئ النيل وكانت من أعظم المفاسد فانكفّ الناس عن التظاهر بالمعاصي. وأنعم عليه زيادة على إقطاع النيابة بناحيتي المطريّة والخصوص من الضواحي وعبرتهما أربعمائة ألف وخمسون ألف درهم. وصار إذا شكي إليه والي عمل كتب إليه في ظهر قصّة الشاكي. وينكّت على الناس فيما يوقّع به: فوقّع لأمير عشرة طلب زيادة على إقطاعه بمائتي فدّان من الجبل الأحمر! ووقّع على قصّة سأل رافعها أن يقسّط ما عليه [٢٢٦ ب] من الدّين بما مثاله [بسيط]: ومن تقاضى ديون الناس يوفيها وارتفع إليه جنديان قد تقايضا (٢) بإقطاعيهما وزاد أحدهما الآخر مبلغا. فأخرج الإقطاع عنهما وحمل المبلغ لبيت المال. وبعث مرسوم السلطان إلى الأعمال بإبطال جميع ما استجدّ في الدول المنصوريّة أبي بكر والأشرف كجك والناصريّة أحمد والصالحيّة

стр. 712

[إسماعيل] من راتب أو رزقة (١) أو إقطاع وأن تعود الأمور على ما كانت في الأيّام الناصريّة محمد. وجدّ في إراقة الخمور ومعاقبة شربة الخمر. فلم يوافق الوقت، وثقل على أهل الدولة وكرهه حاشية السلطان، فإنّه كان إذا طلب منه أحد إقطاعا أو مرتّبا يقول له: اذهب إلى باب الستارة واطلب فلان الطواشي- أو: توصّل إلى بعض المغاني (٢) تقضي حاجتك. فلمّا قام شعبان في طلب السلطنة بعد أخيه الصالح إسماعيل [٢٢٣ أ] لم يوافق الحاج آل ملك على أن يكون سلطانا، فغلب وتسلطن شعبان الكامل. فأخذ الملك يستعفي من النيابة، فصرفه عنها وولّى عوضه الأمير آقسنقر الناصريّ نائب طرابلس. وخلع عليه في يوم السبت ثالث عشر شهر ربيع الآخر سنة ستّ وأربعين واستقرّ في نيابة الشام عوضا عن الأمير طقزتمر وأخرج من يومه على البريد. فلم يدخل غزّة حتى لحقه البريد بتقليده نيابة صفد وأن يكون ابنه وابن أخيه بحلب. فباشر نيابة صفد وتشدّد على عادته في إنكار المنكر إلى أن بعث إليه الكامل بمنجك السلاح الدار يستدعيه إلى مصر على إقطاع الأمير جنكلي بن البابا بعد موته، فسرّ بذلك وخرج من صفد أوّل المحرّم سنة سبع (٣) وأربعين ومعه تقدمة للسلطان فيها نحو سبعين فرسا وكثير من الهجن والبخاتي، وعشرون بقجة قماش. فلمّا وصل غزّة قبض عليه وقيّد وأحيط بما معه، وحمل سيفه إلى السلطان على العادة، وحمل هو إلى الإسكندريّة فسجن بها. فوجد في شونه نحو ثلاثين ألف إردبّ غلّة. وما زال محبوسا حتى قتل في محبسه، ونقل إلى القاهرة فدفن يوم الجمعة تاسع عشر جمادى الآخرة سنة سبع وأربعين وسبعمائة. وله بالقاهرة مدرسة وحمّام، وبالحسينيّة جامع. وكان جمّاعا للمال يفعل فيه الخير، ويحبّ أهل العلم والصلاح. وخرّج له الشهاب أحمد بن أيبك [الدمياطي] مشيخة حدّث بها وهو بشبّاك النيابة من القلعة. وكان مهابا محتشما. ٨٤٢ - أميّة بن عبد العزيز [(٤٦٩) - ٥٢٩] (٤) [٢٢٧ أ] أميّة بن عبد العزيز، الحكيم، الأديب البارع، أبو الصلت، الإشبيلي (٥)، قدم مصر في سنة ستّ وتسعين وأربعمائة. وهرب منها في سنة ستّ وخمسمائة، وذلك أنّه غرق مركب من مراكب الديوان بالإسكندريّة وفيه جملة من مال السلطان. فعظم ذلك على قاضي الإسكندريّة ومشارفها مكين الدولة وأمينها أبي طالب أحمد بن عبد المجيد بن حديد. فجاءهم أبو الصلت، وكان بالإسكندريّة، والتزم بإخراجها من البحر بجميع ما فيها من البضائع. فبعث ابن حديد يستأذن الأفضل ابن شاهنشاه أمير الجيوش في ذلك فأذن له. فاقترح أبو الصلت عليه عمل حبال من الحرير الخوارزميّ والجرجانيّ الرفيع، وإحضار السّنديان (٦) الأسود لعمل ذلك، فأحضر له ذلك.

стр. 713

وأراد ابن حديد أن يجمع له من في البلد ليجرّ الحبال فأبى أبو الصلت وقال: «جمع قليل يكفي». وخرج ابن حديد والناس عند ما فرغ أبو الصلت من عمله ليروا جرّ المركب. فانتخب أبو الصلت مائة وخمسين رجلا لجرّ المركب بعد ما أحكم الحبال فيها وهي غارقة في البحر. فلم يزالوا في جرّها إلى أن ظهرت. فتكاثر الرجال في الجرّ فانقطعت الحبال وردّت في وجوه الناس وصدورهم فأتلفت عدّة منهم. وشقّ على ابن حديد تلف (١) الحبال. فغضب أبو الصلت منه لإعراضه عن استحسان ما فعله. وصوّت استهزاء به في الملإ العظيم من الناس. فطالع ابن حديد الأفضل بذلك وأغراه بأبي الصلت وأنّه أتلف المال وأنّه أثّر في الرجال آثارا قبيحة، ولم يف بالشرط بإخراج المركب. فأعيد الجواب بحمله فحمل إلى القاهرة وسجن بالمعونة (٢)، وفيه ألّف كتاب الحديقة ورسالة الأسطرلاب. ولمّا فرّ لحق بيحيى بن المعزّ بن باديس الصنهاجيّ صاحب المهديّة وأقام بها حتى مات يوم الاثنين مستهلّ المحرّم سنة تسع وعشرين وخمسمائة. وكان كما قال في حقّه العماد الأصفهانيّ أوحد زمانه وأفضل أقرانه، متبحّرا في العلوم، وأفضل فضائله إنشاء المنثور والمنظوم. وكان له القدرة على علم الأوائل، وله الباع الأطول في المنطق والأصول. وله مصنّفات، منها: [٢٢٣ ب] الحديقة، على أسلوب [٢٢٧ ب] يتيمة الدهر للثعالبيّ، والرسالة المصريّة، تجري مجراها، وله: تقويم الذهن في المنطق، وغير ذلك. وله ديوان شعر فائق. ٨٤٣ - أمير كاتب [٦٨٥ - ٧٥٨] (٣) أمير كاتب، ابن أمير عمر، العميد، ابن العميد أمير غازي، الشيخ قوام الدين، أبو حنيفة، الفارابي، الأتقاني، الحنفي. ولد بأتقان ليلة السبت تاسع عشر شوّال سنة خمس وثمانين وستّمائة. وقدم دمشق في عاشر رجب سنة سبع وأربعين وسبعمائة، واجتمع بنائبها الأمير سيف الدين يلبغا اليحياوي، واختصّ به. وذكر له مسألة رفع اليدين في الصلاة وادّعى بطلان الصلاة بالرفع. فقام عليه قاضي القضاة تقيّ الدين السبكيّ ووهّى قوله. ثم إنّه طلب إلى القاهرة فقدمها ثاني ربيع الأوّل سنة إحدى وخمسين فراح على الأمير صرغتمش فعظّمه، وولّاه تدريس مدرسته لمّا بناها بالصليبة خارج القاهرة (٤). وكان قد قام في أيّام الملك الصالح صالح (٥) على الشافعيّة، وسعى في إبطال المذهب جملة حتى كاد يتمّ ذلك، لولا [أن] تدارك الله بلطفه وخيّب سعيه. ومات يوم السبت حادي عشرين شوّال سنة ثمان وخمسين وسبعمائة بالقاهرة. وكان قيّما بمذهبه- كتب شرحا كبيرا على

стр. 714

الهداية (١) - شديد التعصب على الشافعيّة، يتظاهر بتنقّصهم والطعن عليهم، ويصرّح بأنه لو تحكّم فيهم لأتلفهم، ويتمنّى ذلك ويجتهد فيه ويبذل جهده في إزالتهم من أرض مصر والشام. وكان شديد الإعجاب بنفسه كثير المدح لها والفخر على الناس، يرى أنّ كلّ أحد دونه. وكان عارفا بالعربيّة واللغة، يقول شعرا سمجا. ٨٤٤ - أنص الملك المجاهد [- ٧٢٣] (٢) [٢٢٨ أ] ابن السلطان الملك العادل كتبغا. ولد بمصر ونشأ بها. وعانى الفروسيّة، وأكثر من الرمي بالسّهام حتى كان يرمي على قوس زنته تنيف على مائة وثمانين رطلا بالمصريّ (٣). وشهد مع الملك خليل حصار عكّا وأصاب كثيرا من أهله بسهامه، فصوّب عليه أحدهم بسهم أصابت عينه حتى خرج النصل من قفاه فتلفت عينه، ثم بعد قليل ذهب ضوء أختها. فلمّا ملك أبوه لقّبه بالمجاهد. ثمّ حجّ في سنة أربع وتسعين وستّمائة، ومعه الأمير سيف الدين طغجي وغيره من الأمراء. ففرّق مالا عظيما، أنعم على الشريف أبي النمى أمير مكّة بعشرين ألف درهم، وعلى أولاده بعشرة آلاف درهم، وعلى الأمير طغجي بمائة وستّين ألف درهم، منها بدلة كلّها زركش فيها قبا تتريّ فيه ألف دينار. وفرّق على الغلمان والفقراء ثمانين ألف درهم. وعمل طول الطريق روايا مملوءة سكّرا وسويقا ونحوه. وفرّق حلوى كثيرة حتى أبيعت العلبة من الحلواء بدرهمين والرطل السكّر بدرهم ونصف. وخلع على جميع من معه من الأمراء والأجناد وغيرهم. فلمّا ثار الأمير حسام الدين نائب السلطنة بمنزلة العوجاء من طريق الشام على الملك العادل كتبغا، وهزمه، وتسلطن عوضه (٤)، طار الخبر إلى مصر، فأراد الأمراء المقيمون بديار مصر إقامة المجاهد ابن كتبغا في السلطنة. وأخرج الأمير كرتاي نائب الغيبة المال لنفقة العساكر، وتحليفهم للمجاهد. فقال المجاهد: متى سمع أنّ السلطان كان أعمى؟ وليس قصدي سوى الحياة، وهذا يوجب قتلي (٥). وامتنع منهم إلى أن حضر طقصبا الظاهريّ من قبل لاجين، وحلّف الأمراء له ودخل على المجاهد فقال له: إن مات أبي فما مات مهما كان عمّي يعيش- يعني لاجين. فلمّا قدم لاجين وملك قلعة الجبل رعى له ما فعله وأكرمه وخلع عليه، وأنزله في بيت أبيه بالقاهرة. فاستمرّ به إلى أن مات يوم الثلاثاء ثالث

стр. 715

المحرّم [٢٢٤ أ] سنة ثلاث وعشرين وسبعمائة. وكان كريما حشما جميلا ذكيّا، يركب مع عماه إلى الصيد، فكأنّه ذو عينين، لا يخطئ في حركة من الحركات، ما بين إرسال الجارح على الصيد وسوق الفرس تحته ونحو ذلك. وإذا وقف له أحد وأسمعه حسّه رماه بالبندق فلا يخطئه. وكانت مواهبه وعطاياه خارجة عن الحدّ في الكثرة. وكان السلطان الملك الناصر يعزّه إذا حضر إليه ويكرمه ويسائله عن حوائجه، يقول: ما أحسن إليّ أحد بعد موت أبي ما أحسن إليّ [أنص] (١) هذا. وكانت إخوته تسيء عليّ الأدب وتهينني، فإذا بلغه ذلك عنهم أخرق بهم، وطلبني، وأكرمني، وأجلسني على مخدّة، ويرضيني بكلّ شيء حسن، ولا يخاطبني إلّا ب «سيّدي» ويبرّني بذهب له صورة. فلمّا مات أكرم السلطان أولاده وأقرّهم على أوقافهم، واشترت خوند طغاي أمّ أنوك (٢) دار أبيه كتبغا بالقاهرة بمائة وعشرين ألف درهم. ٨٤٥ - أنوشتكين الدزبري [- ٤٣٣] (٣) [٢٢٩ أ] أنوشتكين أبو منصور الدزبريّ التركيّ الختني. كان يلقّب بالأمير المظفّر، أمير الجيوش، عدّة الإمام، سيف الخلافة، عضد الدولة، شرف المعالي، منتخب الدولة، مصطفى الملك. ولد بختن (٤) من بلاد ما وراء النهر. وسبي فبيع بكاشغر. وهرب منها إلى بخارى فاسترقّ بها وحمل إلى بغداد وبيع بها. وجلب إلى الشام، فاشتراه بدمشق القائد دزير (٥) بن أونيم الديلمي في سنة أربعمائة، وربّاه فعرف بالشهامة والشجاعة وإصابة الرأي. واشتهر ذكره حتى اتّصل خبره بالخليفة الحاكم بأمر الله أبي علي منصور ابن العزيز، فاستدعى به من القائد دزبر فحمله إليه ومعه هديّة سنيّة، وسيّره من دمشق فدخل إلى القاهرة في سنة ثلاث وأربعمائة. ومثل بحضرة الحاكم فجعله من جملة الغلمان الحجريّة، وظهر منه عقل وأدب وشجاعة وفطنة وذكاء فأمره بلزوم الخدمة في سنة خمس وأربعمائة. فواظب خدمة الحاكم فأعجب به، وأحبّه الأجناد، فطوّقه الحاكم وسوّره وجعله قائدا وبعثه إلى الشام مع سديد الدولة ذي الكفايتين أبي الحسن علي بن أحمد المعروف بالضيف في سنة ستّ وأربعمائة. فلمّا قدم دمشق تلقّاه دزبر الذي كان أستاذه وترجّل له عن فرسه إلى الأرض وقبّل يده وأهدى إليه عدّة هدايا. فلمّا عاد إلى القاهرة من هذه السفرة، لازم الخدمة. ثم خلع عليه وجرّد في السفارة (٦). ثم ولي بعلبك فظهر منه عدل في أحكامه وإنصاف للرعيّة. وكثر الثناء عليه. فاستدعي إلى القاهرة، وسار حتى بلغ العريش. وتلقّاه كتاب [ب]- ولاية قيساريّة فتأفّف من ذلك، وسار إليها من العريش. ثمّ إنّه استدعي من قيساريّة إلى الحضرة. فلمّا وافى الرملة خرج إلي [هـ] سجلّ بولاية فلسطين [من] قبل الظاهر لإعزاز دين الله

стр. 716

عليّ ابن الحاكم، فقدمها في المحرّم سنة أربع عشرة وأربعمائة. فخافه حسّان بن مفرّج، وكانت له معه حروب كثيرة كان له في جميعها الظفر. فنمّى عليه حسّان وأغرى به الوزير حسن بن صالح الروذباريّ فتوغّر صدره عليه، وسعي به إلى أن قبض عليه بعسقلان في سنة سبع عشرة وأربعمائة. فقام في أمره الأستاذ سعيد السعداء صاحب القلم عند الظاهر، إلى أن أعاده إلى الخدمة، وردّ عليه إقطاعه وأمواله. ولم يزل بالقاهرة إلى أن فسد أمر بلاد الشام بتغلّب العربان عليها. واقتضى الحال إخراج عسكر من القاهرة فعيّنه الوزير عليّ بن أحمد الجرجرائيّ [٢٢٤ ب] وأقامه على العسكر وكتب [٢٢٩ ب] له أمير الجيوش وأطلق له خمسة آلاف دينار وأصحبه صدقة ابن يوسف الفلاحيّ ناظرا في الأموال، وذلك في ذي القعدة سنة تسع عشرة وأربعمائة. وخرج في سبعة آلاف فارس سوى العرب والرجّالة. وركب الظاهر إلى وداعه. وسار إلى الرملة ثم إلى القدس، وجمع العساكر، وحارب حسّان بن مفرّج وأوقع بصالح بن مرداس، فانهزم منه حسّان، وقتل صالح، واستباح عسكريهما. وبعث بذلك إلى المستنصر فأجيب بالثناء والشكر، وزيد في ألقابه: منتخب الدولة، سيف الإمامة، عدّة الخلافة، مصطفى الملك. وسار بعد هذه الوقعة إلى حلب فحاربه صاحبها شبل الدولة صالح بن نصر بن مرداس على حماه. فقتل في سنة تسع وعشرين، وحمل رأسه إلى القاهرة. وعاد الدزبري إلى دمشق، ثم سار عنها إلى حلب، وملكها. وقد كتب له المستنصر بمملكة حلب ملكا، فأحسن إلى أهلها. واستولى على بالس ومنبج. ثم عاد إلى دمشق. وكانت بينه وبين الروم في سنة ثلاثين وأربعمائة حروب ظفّره الله فيها ونصره. وبعث إلى الخليفة المستنصر بالله نزار ابن الظاهر بخبر ذلك. فأجيب بالثناء عليه والشكر منه وزيد في ألقابه: عدّة الإمام. ولمّا عظم شأنه اطّرح الوزير الجرجرائيّ وقصّر به، فغضب من ذلك. وظهر في سنة اثنتين وثلاثين وأربعمائة بقلعة حلب نصف رأس زكريا النبي ﵇، في جرن من رخام مكتوب عليه اسمه، وهو باق بلحمه. وكان هذا الرأس ظهر في أرض طبريّة وحمل منها إلى حلب في أيّام سيف الدولة بن حمدان، وجرت بسببه حرب بين سيف الدولة وبين عساكر المصريّين غلب فيها سيف الدولة وحمله إلى حلب. فبنى عليه الدزبري ضريحا. وسار إلى أرمناز (١) وجاهد الروم مرّة ثانية واستخلص منهم عدّة من المسلمين كانوا عندهم في الأسر. وعاد إلى حلب. ثم سار منها إلى دمشق في سنة ثلاث وثلاثين وأربعمائة وأقام بها وشرع في بناء الإمارة بها. فاتّصلت به أمور من جهة مصر، وأنّ الجرجرائيّ في التدبير عليه. فاقتضى ذلك نفوره، وأعمل الحيلة في المسير إلى حلب. وأحسّ به العسكر فثاروا عليه وقاتلوه ونهبوا دار الإمارة بدمشق، فانهزم ليلا وخرج إلى حلب فوافاه بها كتاب المستنصر يتضمّن مخاطبته بغير ألقاب، ويقبّح عليه فعله، ويزري به ويعدّد مساوئه ويهدّد تهديدا كثيرا. فأجاب وهو يطلب العفو واعتذر عن مسيره إلى حلب. فلم يقم غير ليال قليلة ومات يوم الأحد رابع عشرين جمادى الأولى سنة ثلاث (٢) وثلاثين وأربعمائة. فدفن

стр. 717

بحلب ثم نقل منها إلى بيت المقدس. وكتب المستنصر إلى سائر البلاد الشاميّة بأنّ [٢٣٠ أ] تابوته إذا مرّ ببلد يخرج أهل ذلك البلد ويصلّون عليه ويمشون خلفه. وسيّر إليه ثوب من ثياب الخليفة كفّن فيه. وحمل من حلب إلى القدس، فلم يمرّ ببلد من البلاد، إلّا خرج عامّة أهله وصلّوا عليه ومشوا خلف تابوته وشيّعوه حتى دفن بالقدس. وكان ﵀ حسن السيرة محمود الطريقة وافر الذكاء، مظهرا للعدل متين الدين. وفي آخر عمره انحرف عن مذهب الإسماعيليّة، وكان هذا أعظم أسباب الوحشة بينه وبين أهل الدولة بمصر. وخلّف بعد موته ستّمائة ألف دينار عينا، وترك آلات وعروضا قوّمت بمائة ألف درهم. ونهب له من القصر بدمشق مائتا ألف دينار. ووجد له بديار مصر وبلاد فلسطين مبلغ مائتي ألف دينار. ووجد له عند التجّار مبلغ خمسين ألف دينار. وكانت له مائدة من الفضّة تنقسم على أربع قطع وتجتمع بزرافين (١) حسنة الصنعة، وزنها بالرطل الشاميّ (٢) [٢٢٥ أ] مائة وثلاثون رطلا. وكان إذا دخل إلى مدينة يكون معه ألف بوق وستّمائة قصبة فضّة وثلاثمائة بوق فضّة صغار، وثلاثمائة جنيب، منها ثلاثون عليها سروج الذهب والزمرّد والعنبر. ومن جميل أفعاله أنه لمّا كان بالقاهرة بلغه أنّ ببعض بلاد الصعيد نخلة تحمل في كلّ سنة عشرة أرادب تمرا فأخذها، فلم تحمل في تلك السنة شيئا. فقيل له: إذا ظلم السلطان انتزعت البركة- فتاب إلى الله تعالى من الظلم وترك النخلة لأربابها. وكان خليج الإسكندريّة لكثرة ما فيه من الأسماك تمسك بالأيدي ويأخذها الصبيان، فضمنه، فلم يؤخذ منه في تلك السنة شيء، ولا وجد في الخليج سمكة واحدة. وورد عليه كتاب عبد الصمد بن أبي الفوارس صاحب طرابلس يعرّفه فيه غرق شلنديين، ونصّه بعد البسملة: أعرّف الأمير أعزّه الله- أي حفظهالله- أنّ شلنديين- أي مركبين- صقعا من جانب البحر- أي غرقا- من شدّة موجه فهلك من فيهما- أي تلفوا. فكتب إليه يوسف بن عليّ الفلاحي وزير الدزبري بدمشق عنه: ورد كتابك- أي وصل- وفهمناه- أي علمنا ما فيه- فأدّب كاتبك- أي اصفعه- واستبدل به- أي اعزله- فإنّه مائق- أي أحمق- والسلام- أي انقضى الكتاب. فأعجب الدزبري ذلك وأعطاه ألف دينار. ويقال: إنّ الدزبري مات مسموما لكثرة معاداة الجرجرائيّ له، وأنّه هو الذي بعث إلى أهل دمشق حتى قاتلوه ونهبوا ماله، والله أعلم. والدّزبريّ بدال مهملة مكسورة ثم زاي معجمة ساكنة من بعدها باء موحّدة مكسورة وراء مهملة: نسبة إلى مولاه دزبر بن أونيم الديلمي. [٢٣٠ ب] ولأنوشتكين هذا صنّف أبو العلاء أحمد بن سليمان المعرّيّ كتاب «شرف السيف» وقد بلغه عنه كلام جميل وتوجّه إليه بالسلام ويحفي المسألة عنه فأراد جزاءه على ما فعل. وصنّف له أبو الهيجاء فارس بن حسن بن

стр. 718

منصور بن البلخي النبهاني والد أبي الوحش غضنفر بن فارس كتابا في سيرته. وتزوّج أنوشتكين شوّاقة ابنة صمصام الدولة. ٨٤٦ - أنوش الدرزي [- بعد ٤١٠] (١) أنوش [تكين] البخاري الدرزي، أبو عبد الله- وسمّاه بعضهم محمد بن إسماعيل، أحد موالي الأتراك. سلك طريق حمزة اللبّاد الزوزنيّ (٢) في القول بحلول الإله سبحانه في الحاكم بأمر الله أبي عليّ منصور ابن العزيز نزار، ودعا الناس إلى ذلك فكثرت أتباعه وأصحابه، وعلّق على باب داره سلاحا كبيرا، وسمّى نفسه سيّد الهادين (٣)، وحياة المستجيبين. فكان الحاكم إذا ركب تعرّض له وخلا به، إلى أن كان اليوم الثاني عشر من صفر سنة عشر وأربعمائة، [ف] اجتمعت طائفة من أصحاب الزوزنيّ على خيول وبغال، ودخلوا الجامع العتيق بمصر ركبانا، وهم يعلنون مذهبهم ويجهرون بإلحادهم. وتقدّم ثلاثة منهم إلى مجلس قاضي القضاة أبي العبّاس أحمد بن محمد [بن أبي] العوّام (٤)، والمتحاكمون ينتظرونه، فتكلّموا بكلام أنكره الناس [ف]- ضجّوا بالتكبير والتهليل والثناء على الله تعالى. فاجتمع أهل مصر بالجامع من كلّ جهة فصار تسبيحهم كأنّه دويّ الرعد. وتقدّم بعضهم فتلقّى القاضي، وقد أقبل في موكبه يريد الجامع فعرّفه الخبر. فلمّا استقرّ في مجلس الحكم تقدّم إليه أحد الثلاثة وناوله رقعة من الزوزنيّ يأمره فيها بمذهبه ويدعوه إليه. فقال له: «حتى أدخل إلى حضرة مولانا وأسمع كلامه»، وطاوله (٥) في الكلام ساعة فثارت العامّة بالرجل وقتلوه ورفيقيه جميعا وأخذوا باقيهم بالضرب حتى قتلوهم شرّ قتلة. وتتّبعوا من كان على مثل رأيهم من أهل البلد فقتلوهم، وجرّوا بأرجلهم في الطرقات [٢٢٥ ب] وحرّقوهم. فبعث الحاكم من يومه فعزل متولّي الشرطتين وولّى غيره وطلب من أوقع بأصحاب الزوزني فقبض على أربعين رجلا وقتلوا في أوقات متفرّقة. فحنق عامّة العسكر والرعيّة واجتمع الأتراك لسبع بقين من صفر على دار أنوش تكين هذا يريدون أخذه، فامتنع بها وقاتلهم من أعلاها فقاتلوه، وهدموا داره ونهبوها وقتلوا من أتباعه أربعين رجلا، وخلص هو منهم فارّا فلم يقدروا عليه وصار إلى القصر. فلبس الأتراك السلاح وأرسلوا إلى الحاكم يسألونه أن يدفع إليهم أنوش تكين. وقالوا: نحن لا نمنعك أن تتصرّف في ملكك كيف شئت. وهذا الرجل منّا، ونحن لا نتركه. فوعدهم بتسليمه إليهم. فانصرفوا عن القصر. فلم يبعثه إليهم. فركبوا في يوم الجمعة من الغد وراسلوه في إنفاذه إليهم فخرج الجواب بأنّه قد قتله. فزحفوا بأجمعهم ومعهم بقيّة العسكر إلى مسجد ريدان يريدون الزوزني، فلم يجدوه وأحرقوا باب المسجد وعادوا. فاشتدّ غضب الحاكم على الأجناد في ربيع الأوّل، ثم رضي عنهم في ربيع الآخر، وطيّب قلوبهم، وأجرى

стр. 719

الواجبات عليهم. فلمّا دخل جمادى الآخرة أخذ يدبّر على أهل مصر وسلّط طوائف الرجّالة، وتقدّم إلى مقدّمي السودان وغيرهم بما يفعلونه: فكانوا ينزلون إلى مدينة مصر طوائف فيكبسون الحمّامات نهارا ويأخذون النساء ويلجون الدور ويسلبون الناس في الطرقات ليلا ونهارا. ثم وجدت عدّة رقاع في المساجد تتضمّن تهديد أهل مصر بالقتل والحريق ونهب المال وسبي الحريم فتزايد ضرر النّاس. وفتحت حوانيت البزّازين ونهب ما فيها، والناس يصيحون من أعلى الدور فلا يجدون من يغيثهم. وصارت الحوانيت مفتّحة، والبلد في حركة شديدة من نقل الأمتعة من الحوانيت إلى الدور. ثم نزل جمع كبير من العبيد إلى مصر، وقد غلقت الدروب قبل غروب الشمس، فمرّوا في المدينة وفتحوا ما وراء الجامع من النحّاسين والبزّازين والسكريّين والمربعيّين (١) ودار الشمع، وأخذوا ما قدروا عليه وأفسدوا ما بقي، حتى كانوا يخلطون العقاقير بعضها ببعض، ويخلطون الزيت بالمياه المختلفة ويفسدون هذا بهذا. فنزل بالناس من البلاء ما لا يمكن وصفه. ونقلوا أمتعتهم من مصر إلى القاهرة، وتزايد النهب، وطرحت النيران في أبواب القياسر المجاورة للجامع وقد نهبت. وتخطّفت الناس فسلبوا وأخذت عمائمهم، فعظم الضجيج والصراخ، وكثر الدعاء، فوقفوا إلى الحاكم فشكوا ما هم فيه. وتقدّم بعض الأشراف في طائفة منهم للشكوى فصار للناس دويّ كالرعد وارتفعت شهب النيران بالحريق، فقال الحاكم (٢): ما للنّاس؟ فقالوا: يا مولانا، عبيد الشرّ قد أخربوا البلد، وسلبوا أهله وسبوا حريمه. فقال: ومن أمرهم بهذا لعنهم الله؟ فقال له بعض الأشراف: أراك الله في أهلك ما رأيناه في أهلنا. فلم يزده على أن قال له: أيّها الشريف، أنت معذور لأنّك مغتاظ. فاجتمع عند ذلك الأتراك والكتاميّون، وتحالفوا على قتال الرجّالة، فكانت بينهم حروب كثيرة قتل فيها عالم كثير من الرجّالة. وطالت عدّة أيّام والحاكم يركب حماره ويأتيهم، فإذا رأوه تفرّقوا هيبة له، ثم إذا مضى عادوا لحربهم. فاشتدّ حنقه على الأتراك والكتاميّين. وهذا الدرزيّ هو الذي أدخل دعوة الحاكم إلى بلاد الشام والساحل واستجاب له عالم كثير منهم، وصار لهم مذهب رديء ويعرفون إلى اليوم بالدرزيّة. ومن مذهبهم كتمان السرّ، فلا يطلعون سواهم على عقائدهم. ويذكر أنّ هذا الدرزيّ أباح البنات والأخوات والأمّهات، وهم إلى اليوم على ذلك، ويصرّحون بأنّ الحاكم حيّ وأنّه سيعود. ٨٤٧ - آنوك بن محمد بن قلاوون [٧٢١ - ٧٤١] (٣) [٢٣١ أ] آنوك بن محمد بن قلاوون، الأمير [٢٢٦ أ] ناصر الدين، ابن السلطان الملك الناصر، ابن السلطان الملك المنصور، أمّه خوند طغاي. ولد للنصف من جمادى الآخرة سنة إحدى

стр. 720

وعشرين وسبعمائة. فأحبّه السلطان محبّة زائدة لشغفه بأمّه ولجماله، وعقد له على [ ... ] ابنة الأمير بكتمر السّاقي، وقد حمل مهرها من بيت المال، وهو عشرة آلاف دينار مصريّة. وحمل معه مائتان وخمسون ثوبا من التفاصيل الحرير (١)، ومائتا نافجة (٢) مسك، وألف مثقال عنبر خام، ومائة شمعة موكبيّة، وثلاثة أرؤس من الخيل مسرّجة ملجّمة. فتوجّه بذلك كريم الدين الكبير ناظر الخاصّ، والأمير طقتمر الخزندار، والأمير آي دغمش أمير أخور في يوم السبت النصف من شهر رمضان سنة إحدى وثلاثين، وهم بتشاريف جليلة. ثم أنعم عليه بإمرة مائة تقدمة ألف في يوم الاثنين ثالث عشرين صفر سنة اثنتين وثلاثين، وأركبه من باب الدار، فمضى، والأمراء في خدمته حتى خرج من باب القلعة الذي يعرف بباب القرافة، ودار على سور القلعة إلى أن خرج من عند باب القلعة الكبير، وعلى رأسه الشربوش (٣). وصعد منه إلى القلعة فنثرت عليه الدنانير والدراهم وخلع على أرباب الوظائف، ومدّ لهم سماط جليل، وعملت الأفراح مدّة أيّام. ثم وقع الشروع في عمل الأفراح العظيمة لدخوله على زوجته. واستخدم في ديوانه شرف الدين عبد الوهاب النشو أحد المستوفين، وجعل الأمير الطنفش أستاداره. فحمل رنك (٤) جدّه المنصور، وتميّز على جميع إخوته مع صغر سنّه، لأنّه ليس فيهم من معه إمرة مائة سواه، وبقيّتهم إنّما هم أمراء أربعين. وقدم الأمير تنكز نائب الشام لحضور المهمّ فأقام الفرح سبعة أيّام بلياليها. ولم يبق أمير إلّا وبعث حريمه بالذهب وتفاصيل الحرير لنقوط المغاني (٥). فلمّا كانت ليلة السابع، وهي ليلة الجمعة حادي عشر شعبان منها، جلس السلطان على باب القصر وجلس مقابله أنوك، وتقدّم الأمراء على مراتبهم بإحضار شموعهم: فمن قدّم شمعة قبّل الأرض للسلطان ثم قبّلها للأمير أنوك- ثم أعفوا عن تقبيل الأرض لأنوك- فبلغت عدّتها زيادة على ثلاثة آلاف شمعة زنتها ألف قنطار ونيف، ما فيها شمعة أمير إلّا وقد بالغ في جودتها وثقل وزنها وتحسينها بأنواع الزينة. ثم أشعلت بأسرها، وحملها الأمراء ومماليكهم ومشوا على حسب مراتبهم حتى مضى آخرهم. ونصب الأمير قوصون صاريين عليهما نفط غرم عليه مبلغ ثلاثين ألف درهم. وأطعم الناس بالإيوان. فلمّا انقضى عامّة الليل دخل السلطان إلى حيث مجتمع النساء، فتقدّمته كلّ واحدة من نساء الأمراء وقبّلت الأرض وقدّمت ما أحضرته من التقدمة، والمغاني تزفهنّ. وكان [٢٣١ ب] المهمّ عظيما جدّا، ذبح فيه من الغنم والبقر والخيل والإوزّ والدجاج ما ينيف على عشرين ألف حيوان، واستعمل فيه من السكّر ثمانية عشر ألف قنطار، وبلغت قيمة شورة (٦) العروس ألف ألف دينار مصرية حمل على ثمانمائة حمّال، وستّة وثلاثين قطارا (٧) من البغال سوى الحلي والمصاغ

стр. 721

والجواهر. وبلغت زنة الزركش والمصاغ ثمانين (١) قنطارا مصريّة. فلمّا نصب لم يعجب السلطان وقال: رأيت شوار بنت سالار، وهو أكثر من هذا وأحسن، على أنّ هذا يا أمراء ما يقابل به أنوك! - والتفت إلى الأمير طقزدمر، والأمير أقبغا وقال: جهّزا بنتيكما، ولا تتخاسسا مثل الأمير- يعني بكتمر. وعظم ديوان أنوك حتى صار له تحت يد خزنداره من الذهب العين ستّمائة ألف دينار، سوى ما كان له من أصناف المتجر. وكانت إخوته، وهم أسنّ منه يركبون وينزلون في خدمته ويخلع عليهم ويعطيهم. وقبل له: لم لا تلعب بالشطرنج؟ فقال: الملوك لا يصلح لهم الشطرنج، ولا النبيذ. وكان يحبّ اقتناء البقر والغنم والإوزّ والبطّ. وقال مرّة: أنا أحبّ البقر [٢٢٦ ب] أكثر من الخيل. ثم جدر وتغيّرت محاسنه. وتوفّي يوم الجمعة [ ... ] عشرين ربيع الآخر سنة إحدى وأربعين وسبعمائة قبل موت أبيه بسبعة أشهر، فدفن بقبّة المدرسة الناصريّة بين القصرين. وكانت جنازته عظيمة. واستمرّت أمّه مدّة سنة تعمل على قبره في كلّ ليلة جمعة ختمة تنفق فيها مالا كثيرا للفقراء والقرّاء. وكان قد شغف بمغنيّة تدعى زهرة. فلمّا منعت منه أشفى على التلف. إلى أن أحضرت إليه. وأغضى السلطان عن ذلك وتغافل عنه، وقد ساءه منه إعراضه عن ابنة بكتمر واشتغاله بزهرة. فحرّج (٢) عليه وأراد ضربه فمنعته أمّه، فرجف (٣) الصبيّ ولزمه المرض حتى مات. ٨٤٧ م- أوليا القرمانيّ [- ٧٠٢] (٤) [٢٣٧ ب] أوليا بن قرمان القرماني [مبارز الدين] كان من المعروفين بالفروسيّة واتّصل بالظاهر بيبرس فأمّره وقتل بعد ذلك في وقعة شقحب في سنة اثنتين وسبعمائة. ٨٤٨ - أونوجور بن محمد بن طغج [٣١٩ - ٣٤٩] (٥) [٢٣٢ أ] أونوجور- ومعناه محمود- بن محمد بن طغج بن جف بن بلتكين بن قوران بن قوردي بن خاقان صاحب سرير الذهب، الأمير أبو القاسم، ابن الأمير أبي بكر الإخشيد، ابن الأمير أبي محمد الفرغائي، صاحب مصر والشام. ولد بدمشق في سنة تسع عشرة وثلاثمائة. وكنّاه أمير المؤمنين المتّقي لله، وجعله خليفة لأبيه في سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة، وسنّه يومئذ اثنتا عشرة سنة، فدعي له بعد أبيه على منابر مصر والشامات من الرقّة إلى برقة بالكنية، وكان أبوه قد أخذ البيعة على جميع القوّاد له في يوم الخميس لليلتين بقيتا من ذي القعدة سنة إحدى وثلاثين. فلمّا مات الإخشيد بدمشق ورد خبر موته إلى مصر، وبها أونوجور مع عمّه أبي المظفّر الحسن ابن طغج في يوم الأربعاء لخمس خلون من المحرّم سنة خمس وثلاثين وثلاثمائة. فاجتمع الناس ثم

стр. 722

افترقوا من غير رأي. وانصرف الوزير محمد بن عليّ بن مقاتل (١) في أكثر أهل الدولة ووجوه البلد. ومضى أبو المظفّر إلى داره في خلق. ثم أصبحوا من الغد إلى دار الإمارة، وبعثوا إلى أبي بكر محمد بن عليّ الماذرائي فأحضروه وشاوروه فأشار بإقامة أونوجور، وأن يكون أبو المظفّر خليفته (٢) فتقرّر ذلك، وفوّض أمر الدولة لمحمد بن عليّ، وأقيم ابنه أبو عليّ الحسين بن محمد في الوزارة، وقبض على محمد بن علي بن مقاتل، وطلب منه المال، وذلك في يوم الخميس سادس المحرّم. وحضر هذا العقد وجوه الناس بمصر، وأهل الرأي، وهم: أبو بكر محمد بن علي الماذرائي، وأبو الفضل جعفر بن الفضل بن الفرات، وأبو الحسن محمد بن عبد الرحمن الروذباري كاتب الإخشيد، وأبو بكر علي بن محمد بن كلا، وأبو عبد الله الحسين بن طاهر العلويّ، وأبو محمد عبد الله بن أحمد بن طباطبا، وأبو القاسم أحمد بن محمد بن الحسين الرسيّ، وأبو جعفر مسلّم بن عبيد الله العلويّ، وأبو محمد القاسم بن عبد الله الشبيه، في كثير من الأشراف ووجوه الكتاب. وكان أبو محمد الحسن بن طاهر العلويّ، وأبو الحسين محمد بن الحسين بن عبد الوهاب الشام. وحضر هذا المجلس من أهل الدولة أحمد بن بدر الشمشاطيّ وأحمد بن موسى الزغلمان، وعمر بن فارس، وفارس كور التركيّ، وسائر الحجريّة. وحضر أيضا أحمد بن محمد النيسابوري قاضي مكّة. وعبد الله بن محمد الخصيبي القاضي، وبكر ابن محمد القاضي المالكي، وأبو عبد الله أحمد بن شعيب بن [٢٣٢ ب] الوليد قاضي مصر والرملة وطبريّة. وحضر من الشهود محمد بن يحيى بن مهديّ المالكي، وعبد الرحمن بن سلمويه الرازي، وعلي بن أحمد بن إسحاق البغدادي وجمع كثير. وركب أبو القاسم أونوجور من الغد يوم الجمعة إلى الجامع العتيق في جيش مصر، وعمّه أبو المظفّر يحجبه، وخلفه أبو بكر محمد بن علي الماذرائي. وخلع على الحسين بن محمد الماذرائي، وكتب إلى دمشق بما استقرّ عليه الحال بمصر فسكنت الأمور. وسار كافور الإخشيدي بالعسكر، ومعه أبو الفتح مزاحم بن محمد بن رائق مقيّدا وقدم إلى الفسطاط في أحسن زيّ وأكمل عدّة في سلخ صفر. وجلس أونوجور جلوسا عامّا للناس [٢٢٧ أ] وأنشد الشعراء في رثاء أبيه، فأنشد أبو الطيّب المتنبي يومئذ قصيدته التي أوّلها [بسيط]: هو الزمان مشتّ [- ت] الذي جمعا ... في كلّ يوم ترى من صرفه بدعا (٣) وأنشد محمد بن الحسن بن زكريا بن أسد قصيدة أوّلها [خفيف]: في الرزايا روائع الأوجال ... والبرايا ذرّية الآجال (٤) وأنشد مهلهل بن يموت بن المزرّع قصيدة مطلعها [خفيف]: أيّ عزّ مضى من الإسلام ... أيّ ركن أضحى حديث انهدام (٥)

стр. 723

فكان يوما عظيما. وفي ربيع الأوّل ورد الخبر بأخذ سيف الدولة عليّ بن حمدان دمشق، وأنّه سار إلى طبريّة ثم إلى الرملة ودعي له على جميع منابر الشام. فجلس أونوجور، ومعه عمّه أبو المظفّر وغلام أبيه كافور حتى ندب العساكر إلى الشام، وعليها أبو المظفّر وكافور. فسارا في جمع عظيم ومعهماالوزير أبو علي الحسين بن محمد بن علي الماذرائي إلى الشام وقاتلا ابن حمدان، ودخلا دمشق في جمادي الآخرة، وبعثا بالأسرى من أصحاب ابن حمدان مع صالح بن نافع، وعدّتهم مائة رجل. فجلس لهم أونوجور جلوسا عامّا، وحضره الأشراف والوجوه والقضاة والرؤساء والشهود، وعرضوا عليه بعد ما شهّروا بالبرانس (١). فورد الخبر بخلاف غلبون بن سعيد المغربيّ متولّي إخميم وخروجه عن الطاعة. فندب لقتاله شادن الصقلبيّ فانهزم منه، وعاد في شعبان بنفسه، فأخرج إليه عسكر آخر. ثم خرج أونوجور فلقيه فانهزم منه، وملك غلبون دار الإمارة والمدينة ليلة الأربعاء سابع ذي القعدة. ثم عاد أونوجور في ضحى يوم الأربعاء فانهزم غلبون ولحق بالصعيد. فخرجت إليه العساكر وأحضر رأسه. وتأخّر حاجّ [٢٣٣ أ] البرّ في هذه السنة. وصرف أبو بكر محمد بن عليّ الماذرائيّ بمحمد بن الحسين بن عبد الوهاب [الماذرائيّ]. وقدم كافور من الشام بالعساكر في عاشر ربيع الأوّل سنة ستّ وثلاثين بعد ما هزم سيف الدولة بن حمدان على مرج عذراء، [ورجع] بدر الإخشيدي بدمشق متوليّا لها (٢)، وأقام أبو المظفّر بالرملة متوليّا لها. وقام كافور بخلافة أونوجور ووقف بين يديه، واختار لمجالسته من يتأدّب به ليلة في كلّ جمعة يتذاكرون بين يديه. وصار كافور يتولّى تدبير البلد كلّه، إلى أن كان في المحرّم سنة ثلاث وأربعين وثلاثمائة، شجر بينه وبين كافور، فخرج إلى المختار بالجزيرة فأقام فيه. وكان أكثر الوجوه مع كافور. فتوسّط بينهما الشريف أبو جعفر مسلّم حتى صلح الأمر. وكان رسم أونوجور كما كان أبوه الإخشيد: يصلّي الجمعة بالجامع العتيق ثلاث مرّات في السنة: أوّل رجب، وأوّل شعبان، وأوّل شهر رمضان. وينزل كافور بين يديه يحجبه. وينزل في شهر رمضان ليلة الختم في الجامع العتيق يحضر الصلاة والدعاء. فبلغ كافور في جمادى الآخرة سنة ستّ وأربعين وثلاثمائة أنّ أونوجور قد راسل الأولياء ووجوه الأمراء والقوّاد، ووعدهم الولايات والمال الجزيل إن يقتل كافور إذا نزل في رجب للصلاة بعد انصرافه من الجمعة. فلمّا كان يوم الجمعة بعث كافور إلى أونوجور: إنّي أجد شيئا، وقد تقدّمت إلى الجيش أن يركبوا مع مولاي. فأبى أونوجور وقال: لا بدّ أن تركب معي. فلم يفعل. وانكشف الأمر ولم يتمّ ما أراد أونوجور. ويقال إنّه أنفق على ذلك نحو مائة وخمسين ألف دينار. فلمّا دخلت سنة سبع وأربعين وثلاثمائة، خرج أونوجور إلى الفيّوم متصيّدا، وشكا [٢٢٧ ب] إلى

стр. 724

فاتك المجنون غلام أبيه من كافور. فوعده بنصرته وأظهر الخلاف على كافور. ثم أمسك عن قتاله وقدم عليه واتّفق معه. فغضب أونوجور من اتّفاقهما وخرج إلى المختار بالجزيرة. فقلق كافور واضطرب البلد. فلم يزل الشريف أبو [جعفر] مسلّم يمشي بينهما حتى دخل أونوجور ونزل في داره بالحمراء. فركب إليه كافور في جيش عظيم ومعه الشريف مسلّم ودخل عليه وقام بين يديه، وأونوجور لا يرفع وجهه إليه ولا يكلّمه، وهو مطرق. وأمر الشريف بالجلوس، فاحتشم من كافور وقال لأنوجور سرّا: الرجل قائم، وأنا أنصرف معه وأعود. فقال: عد إليّ. فأخذ مسلّم بيد [٢٣٣ ب] كافور وانصرفا. فاستوحش كافور وخافه. وكان أونوجور شجاعا مقداما. فلمّا كان بعد أيّام ركب بعد المغرب ومعه شاكريّان وهو متقلّد سيفا حتى وافى دار كافور، فتهارب البوّابون والحجّاب ومرّوا سراعا إلى كافور. فلمّا أعلموه قام يعدو إلى لقائه وقبّل يده. فقال له أونوجور: أأمنت يا أبا المسك؟ لو أردنا شيئا عملناه الساعة. وانصرف. فما جسر كافور يخرج معه وأنفذ إليه هديّة كبيرة. وكانت أمّ أونوجور هي التي ترفق به وتكسره عن كافور. فلم تزل الوحشية بينهما إلى أن اعتلّ علّة شديدة مات منها في يوم السبت لسبع خلون من ذي القعدة سنة تسع وأربعين وثلاثمائة، وهو يوم خروج الحاجّ. فركب كافور إلى الجنازة وصلّى عليه وحمل إلى بيت المقدس ليدفن عند أبيه. فكانت ولايته أربع عشرة سنة وعشرة أشهر. ومات وله من العمر إحدى وثلاثون سنة. وكان مشغولا بالصيد والأكل والشرب والتنزّه والأشعار، ولم يقتل أحدا، ولا عاقب أحدا ولا صادره. وكان كالمغلوب مع كافور. ويحكى عنه شجاعة وسماحة وعفو كثير. قال الشريف عبد الله أخو مسلّم: وقفت مع شبيب العقيليّ لننظر أونوجور وقد ركب. فقلت: كيف رأيت العسكر؟ فقال: رأيت شخوصا وبطونا وخصيانا، وما رأيت في العسكر غير صاحبه- يعني أونوجور. وكان لأنوجور في كلّ سنة أربعمائة ألف دينار جارية عليه من ضياع سلّمت إليه، وله كاتب نصرانيّ يقال له إبراهيم بن مرزوق، وسائر التصرّف لكافور. وأمّه أمّ ولد اسمها كروم. ووزر له أبو علي الحسين ابن أبي بكر محمد بن علي الماذرائي، ثم أبو الفضل جعفر بن الفضل بن الفرات. وفي أيّامه نزلت الروم على البرلّس وعلى إخنا فشعّثوا وانصرفوا في ذي القعدة سنة خمس وثلاثين وثلاثمائة. ونزلوا بالفرما وشعّثوا ثم ساروا إلى البرلّس فنفر إليهم في آخر سنة ثلاث وأربعين وثلاثمائة. ثم نزلوا على الفرما أيضا في جمادى الأولى سنة تسع وأربعين وثلاثمائة. فخرج المسلمون إليهم وأخذوا مركبا وقتلوا من فيه وأسروا عشرة. وفي أيّامه سار صاحب النوبة في جيش عظيم وأوقع بأهل الواحات وقتل منهم وأسر، وذلك في سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة. وفي أيّامه جفّ النيل عن برّ مصر، حتى استقى الناس من بحر الجيزة. وحفر خليج إلى أن دخل [٢٣٤ أ] الماء إلى ساحل مصر. ووقع غلاء في المحرّم سنة ثمان وثلاثين وثلاثمائة.

стр. 725

وفي سنة إحدى وأربعين وثلاثمائة كثر الفأر في أعمال مصر وأتلف الغلّات من القمح والكروم والأقصاب. ثم قصر النيل فنزع السعر حتى أبيع القمح ويبتين (١) ونصف بدينار، ثم طلب فلم يوجد. فشغبت الرعيّة يوم الجمعة وكسروا منبر الجامع العتيق في شهر رمضان سنة ثلاث وأربعين وثلاثمائة. وفي أيّامه زلزلت مصر زلزلة عظيمة في ليلة [٢٢٨ أ] السبت لثلاث عشرة خلت من ذي القعدة سنة ثمان وثلاثين وثلاثمائة، أقامت أربع ساعات وخرج الناس في الليل من البيوت. ثم زلزلت مرّة ثانية في ليلة الخميس سادس صفر سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة زلزلة عظيمة بعد عتمة، أقامت طويلا، وتهدّمت منها دور، واضطرب حائط الجامع العتيق الشرقيّ. ثم زلزلت في خمس خلون من صفر سنة خمس وأربعين وثلاثمائة بعد عتمة زلزلة عظيمة، ثم عادت في ثلث الليل، ثم عادت بعد الأذان الثاني، ثم عادت بعد الصبح، ثم عادت من العد في الثانية من النهار وكان عظمها وشدّتها بنواحي بنها العسل سقطت عدّة دور منها، وانشقّت الأرض وطفت مياه الآبار والرمال، وخرج أهل القرى إلى الصحراء، ثم عادت ليلة الخميس لتسع خلون من صفر في ثلث الليل. ثم كانت في ليلة الاثنين لعشر خلون من ربيع الآخر في ثلث الليل. فكانت الزلازل في هذه السنة متواترة ليلا ونهارا أقامت على ذلك ستّة أشهر إلى شهر رجب ثم سكنت. وزلزلت يوم السبت لثماني عشرة خلت من شهر رمضان سنة أربع وأربعين وثلاثمائة زلزلة عظيمة في الخامسة من النهار وكان فيها طول. ثم عادت يوم الثلاثاء بعد صلاة الصبح لسبع بقين من شهر رمضان. ثم زلزلت في شوّال سنة تسع وأربعين مرّتين زلزلة عظيمة. ٨٤٨ م- أويس المغلي [- ٧٧٦] (٢) [٢٣٨ أ] أويس ابن الشيخ حسن بن حسين بن أقبغا بن ايلكان القان صاحب بغداد وتبريز، قام في الملك بعد أبيه سنة سبع وخمسين وسبعمائةفملك منه جانيبك بن أزبك (٣) ملك الشمال تبريز في سنة ثمان وخمسين، وأقام عليها ابنه بردي بك، وعاد ومرض في طريقه فكتب أمراؤه إلى بردي بك يستدعونه فسار من تبريز وأقام عليها أخيجوخ. فوثب أويس من بغداد وجدّ في المسير حتى غلبه عليها. فجمع عليه أخيجوخ وأخرجه منها، فسار إليه شاه شجاع بن محمد اليزدي (٤) من أصبهان وقاتله فقتله وملك تبريز، فسار إليه أويس وغلبه عليها واستقرّت بيده حتى مات سنة ستّ وسبعين وسبعمائة بعد تسع عشرة سنة من ملكه تبريز وقد أناف على الثلاثين سنة. وترك خمسة أولاد وهم: حسن، وحسين، وعليّ، وأبو زيد، وأحمد. فأقيم منهم بعده حسين بن أويس.

стр. 726

٨٤٩ - أياي متملّك النوبة [- ٧١١] (١) صاحب دمقلة [٢٣٦ أ] قدم إلى مصر في آخر سنة أربع وسبعمائة، ومعه جمال وأنفار ورقيق وشبّ وس [ن] باذج (٢)، فقدّم ذلك للسلطان وسأل النجدة على ثائر قام عليه وأخرجه من ملكه. فأنزل بدار الضيافة وخلع عليه، وأجريت له الرواتب. واتّفق رأي الأميرين بيبرس وسلّار، وهما القائمان يومئذ بتدبير دولة الملك الناصر محمد بن قلاوون على تجريد عسكر معه، فعيّن ثلاثمائة فارس من أجناد الحلقة والأمراء. وكتب إلى ولاة الأعمال القبليّة بإخراج العربان ورجال الوافديّة (٣) مع الأمير قطصبا والي قوص ليسيروا صحبة متملّك النوبة. وسار إياي إلى قوص، وأقام عند طقصبا حتى اجتمعت له العساكر من البرّ والبحر، وسار بهم إلى بلاد النوبة، ففرّ الثائر بدنقلة ومعه جمع كبير. وعاد طقصبا فمرّ به وبالعسكر أهوال كبيرة من محاربة السودان، وقلّة الزّاد، وصعود الجبال، وسلوك الأوعار، وعبور الجزائر بحيث بقي أكثر العسكر مشاة لتلاف دوابّهم، وركبوا النيل إلى قوص فكانت غيبتهم تسعة أشهر ولم ينالوا طائلا. فأقام إياي على مملكة النوبة إلى أن قتل في سنة إحدى عشرة وسبعمائة وملك بعده أخوه كرنبش (٤). ٨٥٠ - أياز الملوحي [٢٣٥ أ] الأمير فخر الدين، ولّاه المنصور قلاوون الأعمال الغربيّة عوضا عن ناصر الدين محمد ابن المحسني (٥) الجزري. ٨٥١ - أياز المقرئ [- ٦٨٧] (٦) [٢٣٥ أ] أياز المقرئ الحاجب، الأمير فخر

стр. 727

الدين، أحمد المماليك البحريّة الصالحيّة. تنقّل في الخدم إلى أن صار من أمراء مصر. وكان من الحجّاب في الأيّام الظاهرية بيبرس. وكان يعتمد عليه ويثق به. وبعثه إلى أبغا ملك التتار، وإلى غيره. فلمّا ملك قلاوون جعله حاجب الحجّاب وعظم خبزه وكبرت منزلته، واعتمد عليه في مهمّاته، وبعثه لتحليف الفرنج بعكّا عند ما هادنهم في المحرّم سنة ثمانين وستّمائة. ولم يزل مقرّبا جليل القدر إلى أن حجّ وعاد. فتوفّي عقيب عوده في ليلة الجمعة العشرين من شهر ربيع الأوّل سنة سبع وثمانين وستّمائة. وكان من حسنات الدهر، مقرئا، سمع الحديث من ابن المقيّر، وحدّث بدمشق والقاهرة [٢٢٨ ب]. ٨٥٢ - أياز البانباشي [- ٦٣٣] [٢٣٥ أ] الأمير فخر الدين، أحد الأمراء الكبار في الدولتين العادليّة والكامليّة. مات ببلاد الجزيرة في شهر ربيع الأوّل سنة ثلاث وثلاثين وستّمائة. ٨٥٣ - أياز- ويقال إياس- الأمير فخر الدين (١) [٢٣٥ أ] كان أستادار الوزير سنقر الأعسر. فلمّا مات عزّ الدين أيدمر الرشيدي أستادار الأمير سلّار النائب جعله أستداره من بعده، إلى أن قبض على سلّار فتسلّم إياز الأمير علم الدين سنجر الخازن شادّ الدواوين ليصادره. فبعث إليه بألف دينار، وللوزير فخر الدين عمر بن الخليليّ بألف دينار. فأمّا الخازن فاستقبح أخذها وردّ عليه ردّا جميلا. وقبل الوزير الألف التي بعثها إليه فلم تمض غير أيّام يسيرة حتى عزل ابن الخليلي من الوزارة [٢٣٥ ب] بالأمير بكتمر الحساميّ، وعزل الجاولي من شدّ الدواوين (٢) بإياز هذا، وتسلّمهما ليصادرهما. فبعث الخازن إليه بألف دينار فردّها وقال لقاصده: سلّم عليه وقل له: ما لنا عنده شيء. وبعث إليه ابن الخليلي بألف دينار فأخذها وقال لقاصده: عرّفه أنّي أخذت وديعتي (٣) التي كان أخذها منّي (٤). ٨٥٤ - فخر الدين أياز [- ٧٥٠] (٥) [٢٣٥ ب] أياز، [الأمير فخر الدين]، السلاح دار الناصريّ. كان من الأرمن، فأسلم على يد السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون وتنقّل في الخدم حتى عمله من جملة مشدّي العمارة. ثمّ أخرج على إمرة عشرة بطرابلس؛ ونقل على إمرة دمشق في أواخر أيّام الأمير تنكز، فأقام بها حتى توجّه صحبة الأمير منكلي بغا الفخريّ إلى مصر في نوبة الناصر أحمد. فأنعم عليه بإمرة طبلخاناة بدمشق، فعاد إليها. ثم ولي شدّ الدواوين بها عوضا عن الأمير ينجي، وعمل الشدّ جيّدا. وعزل في نيابة الأمير طقزدمر. وعمل حاجبا

стр. 728

صغيرا، ثم نقل منها إلى الحجوبيّة الكبرى بعد موت اللمش (١) الحاجب في نيابة يليغا اليحياوي، واختصّ به، ثم طلب إلى مصر. واستقرّ في نيابة صفد في أيّام المظفّر حاجّي. فلم تطل أيّامه حتى خرج يلبغا بدمشق على المظفّر حاجّي وهرب. فركب أياز بعسكر صفد إلى دمشق فقدمها يوم الأحد ثاني عشر [جمادى] الأوّل. وخرج بعسكرها إلى حمص وأقام بها حتى قبض على يلبغا بحماه، فرجع إلى صفد. ونقل منها لنيابة حلب في جمادى الآخر سنة ثمان وأربعين، فأحبّه أهلها لحسن سيرته فيهم. ولم يزل حتى حضر الأمير [ركن الدين] عمر شاه الناصريّ بطلبه إلى مصر على البريد، فأمسكه وقيّده وسجنه بقلعة حلب في وسط شوّال منها. ثم نقل صحبة الأمير بلجك في الحديد إلى قلعة دمشق. وحمل منها بعد قليل إلى الإسكندريّة. فلم يزل مسجونا بها حتى أفرج عنه ونفي بطّالا إلى طرابلس في ربيع الأوّل سنة تسع وأربعين. ثم أنعم عليه بإمرة طبلخاناه بها عوضا عن سنقر الجمالي، ثمّ نقل إلى دمشق. ثم وسّط هو والجيبغا في شهر ربيع الآخر سنة خمسين وسبعمائة على ما ذكر في ترجمة الجيبغا (٢). ٨٥٥ - أيبك البغداديّ [- ٧٢٢] (٣) الأمير عزّ الدين المنصوريّ. [٢٤١ أ] [ ... ] فلمّا توجّه الأمير شمس الدين سنقر الأعسر لكشف القلاع الشاميّة استقرّ أيبك عوضه في الوزارة، وخلع عليه في عاشر المحرّم سنة إحدى وسبعمائة (٤). ثم صرف بناصر الدين ذبيان الشيخيّ (٥) يوم الاثنين تاسع عشر شوّال سنة ثلاث وسبعمائة. ٨٥٦ - أيبك الروميّ المنصوريّ [- بعد ٧١٣] (٦) [٢٤١ أ] أيبك الرومي المنصوري [الأمير عزّ الدين]، أحد المماليك المنصوريّة قلاوون، وأحد البرجيّة الأكابر، وأشدّهم. كان ضخم البدن شكلا تامّ القدّ لا يجرّ أحد قوسه، مع الشجاعة والعفّة، بحيث لم تعرف له فاحشة. ترقّى في الخدم حتى صار من أكابر [٢٢٩ أ] أمراء مصر. فجرت بينه وبين آي دغدي شقير مفاوضة بسبب تنقّل الإقطاعات، خرج عليه فيها آي دغدي بحضرة الأمراء. وتعصّب له الأمير طغاي وغيّرا عليه السلطان حتى قبضه في رابع عشرين شوّال سنة ثلاث عشرة وسبعمائة. ٨٥٧ - أيبك الحمويّ [- ٧٠٣] (٧) [٢٤١ ب] الأمير عزّ الدين [التركيّ الحمويّ] الظاهري. كان هو وعلم الدين سنجر [أبو]

стр. 729

الخرص من خواصّ الملك المنصور محمد ابن المظفّر محمود صاحب حماة. فبعث الملك الظاهر بيبرس البندقداري يطلبهما منه. فاعتذر بمرضهما. فأرسل إليه أن احملهما في محفّات. فلم يجد بدّا من إرسالهما. فلمّا قدما مصر أنعم على كلّ منهما بإمرة وصارا من خواصّ السلطان إلى أن مات. فاستمرّا بعده إلى أن صرف الملك الأشرف خليل بن قلاوون الأمير علم الدين الشجاعي عن نيابة دمشق، فولي أيبك هذا عوضه في سادس شوّال سنة إحدى وتسعين وستّمائة، فباشرها إلى أن صرفه الملك العادل كتبغا بمملوكه أغرلو في يوم الاثنين أوّل ذي الحجّة سنة خمس وتسعين [وستّمائة]، وأوقع الحوطة على خيوله وأمواله وجميع موجوده. ثم أنعم عليه بإقطاع أغرلو بديار مصر فسار إلى مصر وبقي بها إلى أن قبض عليه الملك المنصور لاجين في يوم النصف من ذي القعدة سنة ستّ وتسعين (١)، وقبض على قراسنقر نائب السلطنة وعلى الحاج بهادر، وسنقر شاه الظاهري، والأقّوش، وعبد الله، وكوري، والشيخ عليّ، وقيّد وسجن في الجبّ إلى أن قتل لاجين وأعيد الملك الناصر محمد بن قلاوون إلى السلطنة مرّة ثانية [ف] أفرج عنه وعن قراسنقر النائب وسنقر الأعسر الوزير (٢) في جمادى الأولى سنة ثمان وتسعين وخلع عليهم. وبعث لهم الأمراء التقادم الجليلة. ثمّ ولي صرخد بعد نقل كتبغا الملك العادل منها إلى حماة في شعبان سنة تسع وتسعين، ثم نقل إلى نيابة حمص عوضا عن [ ... ] فأقام بها شهرا. ومات في تاسع عشر ربيع الآخر سنة ثلاث وسبعمائة، فنقل إلى دمشق ودفن بقاسيون. وعمل عزاؤه بعد دفنه. وكان شجاعا مقداما. قال الذهبيّ في ترجمته: كان ساكنا عاقلا معروفا بالشجاعة. ٨٥٨ - أيبك الشيخ [- ٦٧٨] (٣) [٢٤٢ أ] الأمير عزّ الدين الكركي، أحد الأمراء الظاهريّة بيبرس. مات في ذي الحجّة سنة ثمان وسبعين وستّمائة. ٨٥٩ - أيبك الفخري [- بعد ٦٨٠] (٤) [٢٤٢ أ] الأمير عزّ الدين. استقرّ في ولاية مصر بعد وفاة الأمير أبي بكر بن أسباسلار (٥) في سابع عشرين ربيع الآخر سنة تسع وسبعين وستّمائة. ثم عزل عنها بالأمير نجم الدين إبراهيم ابن السّديد في رجب منها، وخرج واليا بقلعة صرخد، ثم نقل إلى ولاية قوص وإخميم في أوّل ذي القعدة سنة ثمانين وستّمائة عوضا عن بهاء الدين قراقوش. ٨٦٠ - أيبك العزّي [- ٦٩٠] (٦) [٢٤٢ أ] الأمير عزّ الدين، نقيب العسكر بديار مصر. استشهد على عكّا عند فتحها في جمادى

стр. 730

الأولى سنة تسعين وستّمائة. وإليه تنسب سويقة العزّي (١) خارج القاهرة قريبا من قلعة الجبل. ٨٦١ - أيبك الموصليّ [- ٦٩٨] (٢) [٢٤٢ ب] أيبك الموصليّ، الأمير عزّ الدين، أحد المماليك المنصوريّة قلاوون. تنقّل في الخدم إلى أن ولّاه الملك المنصور قلاوون نيابة طرابلس والفتوحات. فلم يزل بها حتى مات في صفر سنة ثمان وتسعين وستّمائة. وكان وقورا مهابا مجاهدا في الفرنج والتتار، عفيفا عن الفواحش جميل السيرة حسن الثناء. وولي نيابة طرابلس بعده سيف الدين كرد أمير أخور. ٨٦٢ - أيبك الخزندار [- ٧٠٩] (٣) [٢٤٢ ب] أيبك الخزندار، الأمير عزّ الدين، أحد المماليك المنصوريّة قلاوون. تنقّل في الخدم إلى أن صار من أمراء مصر. واستنابه الملك الأشرف خليل مدّة غيبته في حصار عكّا على ديار مصر. ثم ولّاه في أوّل المحرّم سنة اثنتين وتسعين وستّمائة نيابة طرابلس عوضا عن طغريل الإيغانيّ. فلمّا تسلطن العادل كتبغا بعد خلع الناصر محمد بن قلاوون توقّف عن الدخول في طاعته لولا قيام الأمراء عليه. فأسرّها السلطان في نفسه إلى أن خرج أيبك من طرابلس يتنزّه، وكان له شغف بالخمر، فحنق من بعض مماليكه وضربه [ف] كانت منيّته. فرحل أهله إلى مصر وشكوه. فوافق ذلك غرض السلطان. فكتب إلى الأمير عزّ الدين أيبك الحمويّ نائب الشام أن يرسل كرجي ليقبض عليه. فلمّا حضر إليه خدعه وقال له: لتحضر إلى مصر! فأظهر البشر وأنّه كان على عزم من طلب الإقالة من طرابلس. وسار منها على البريد، فلم يبعد سوى مرحلة حتى قيّده كرجي وبعث بالحوطة على جميع ماله، وحمل إلى مصر فقدمها في حادي عشر ذي القعدة سنة أربع وتسعين، واعتقل ببرج الساقية من قلعة الجبل ثلاثة وتسعين يوما. وولي عوضه نيابة طرابلس الأمير عزّ الدين أيبك الموصليّ الخزندار. ثم أفرج عنه وأنعم عليه بمال وإقطاع مائة فارس. وحجّ في سنة أربع وسبعمائة، وأقلع عن شرب الخمر، واستقرّ حتى مات في خامس رمضان سنة تسع وسبعمائة (٤). وكانت تحته ابنة الملك الظاهر بيبرس. وكان حشما يتناهى في الأسمطة الجليلة كلّ يوم، سفرا وحضرا. وكان سليم الباطن يخدعه مباشرو ديوانه في كلّ سنة: وذلك أنّهم يأخذون مالا جليلا من إقطاعه، ثم يدسّون إليه من يرافعهم فإذا أحضرهم لمحاققة مرافعهم صالحوه بشيء يسير فقبله وخلّاهم.

стр. 731

٨٦٣ - أيبك الأفرم الصالحيّ النجميّ [- ٦٩٥] (١) [٢٤٣ أ] أيبك الأفرم، الأمير عزّ الدين الصالحيّ النجميّ. يقال إنّه حرّ الأصل من أهل برقة، وأنّ اسم أبيه مصطفى. ثم صار من جملة مماليك الصالح نجم الدين أيّوب وأحد سقاته. سمع من ابن رواج وحدّث. [ ... ] فلمّا ولي الملك المنصور قلاوون السلطنة أفرج عنه ورتّبه نائب السلطنة بديار مصر، ثم عزله في رابع عشرين شهر رمضان سنة ثمان وسبعين وستّمائة بالأمير حسام الدين طرنطاي وعمله أمير جاندار على عادته. وجرّده على عسكر إلى قتال الملك المسعود نجم الدين خضر بن الملك الظاهر بيبرس بالكرك، فخرج من القاهرة في سابع ذي الحجّة منها، ونازل الكرك إلى أن قام سنقر الأشقر نائب دمشق بها ودعا إلى طاعته وأخذ مدينة غزّة فسار إلى غزّة هو والأمير بدر الدين بيليك الأيدمريّ وكان منازلا للشوبك، وأخرجا أصحاب سنقر الأشقر من غزّة وأسرا عدّة ممّن كان بها من أمرائه. فلمّا قدم الأمير علم الدين سنجر الحلبيّ بعساكر مصر سار معه حتى قاتلوا سنقر الأشقر وهزموه عن دمشق. ثم خرج في أثر سنقر الأشقر بالعساكر فلم يدركوه وعاد. فلم يزل في الخدمة إلى أن خرج إلى غزو النوبة في ثامن شوّال [٢٣٠ أ] سنة ثمان وثمانين، ومعه من الأمراء قبجق المنصوريّ، وبتكمر الجوكندار، وأيدمر والي قوص، ومن أجناد الأمراء وأجناد المراكز بالوجه القبليّ وعربان الوجه القبليّ [٢٤٣ ب] والوجه البحريّ زيادة على أربعين ألف راجل. وخرج معهم ملك النوبة ونائبه جريس (٢) وتجهّز معهم من المراكب والحراريق (٣) لحمل الزاد والزردخاناه والأثقال خمسمائة قطعة. فلمّا وصلوا أسوان مات ملك النوبة، فبعث السلطان من القاهرة رجلا (٤) من أولاد أخت الملك داود عوضا عنه ليملّكوه، فلمّا وصل أسوان انقسم الجيش نصفين في البرّين الغربيّ والشرقيّ. فسار الأفرم في البرّ الغربيّ بنصف الجيش، وساروا إلى قوص بالنصف الآخر من الشرق، وقدّموا جريس نائب ملك النوبة ومعه أولاد الكنز (٥) فجهّز لهم الإقامات وتلقّاهم أكابر أهل النوبة من بلاد الدّوّ (٦) إلى جزائر ميكائيل، وهي البلاد التي تحت حكم جريس. فلمّا تعدّوا بلاده نهبوا ما مرّوا به وقتلوا من وجدوه وحرّقوا حتى دخلوا مدينة دمقلة، فلم يجدوا بها أحدا سوى شيخ فان وعجوز كبيرة فأخبرا العسكر أنّ الملك سمامون قد تحصّن بجزيرة في النيل مساف [ت] ها من دمقلة خمسة عشر يوما وطولها مسيرة ثلاثة أيّام. فسار إليه أيدمر والي قوص ومن معه، ونزل تجاه الجزيرة، فلم يصل إليه لعدم المراكب معه.

стр. 732

وبعث إليه ليدخل في الطاعة وبذل له الأمان فامتنع. وأقام العسكر ثلاثة أيّام، وأوهموه أنّهم قد أرسلوا في طلب المراكب والحراريق. فانهزم عنالجزيرة إلى جهة الأبواب وليست في مملكته. فتركه من كان معه من السّواكرة (١) - وهم الأمراء- وفارقه الأسقف والقسوس ومعهم الصليب الفضّة الذي يحمل على رأس الملك وتاج المملكة، وطلبوا الأمان. فأمّنهم أيدمر وخلع على أكابرهم، وعادوا إلى دمقلة في جمع كبير. فعدّى الأمير عزّ الدين الأفرم وقبجق إلى البرّ الشرقيّ وتركا العسكر في مكانه وصارا إلى دمقلة. ولبس العسكر آلة الحرب وطلّبوا من الجانبين ورتّبت الحراريق في البحر ولعبت بالنفط. ومدّ الأفرم الخوان (٢) في كنيسة أسوس التي هي أكبر كنائس دمقلة، ثم ملك الرجل الواصل من القاهرة ووضع تاج المملكة على رأسه. وحلف على الطاعة للملك المنصور وحلفت أكابر النوبة، وتقرّر البقط (٣) على عادته. وأقيم بدمقلة مع ملكها من جهة السلطان رجل من أصحاب أيدمر والي قوص يقال له ركن الدين بيبرس العزّيّ. وعاد الأفرم بجميع العساكر إلى أسوان بعد أن كانت مدّة الغيبة عنها ستة أشهر [٢٤٤ أ]. وسار إلى القاهرة فوصل في أوّل جمادى الأولى سنة تسع وثمانين. ولم يزل إلى أن قبض عليه الأشرف في يوم السبت ثاني شوّال سنة اثنتين وتسعين، وأحيط بسائر أمواله، وحمل منها إلى بيت المال مبلغ مائة ألف وستّين ألف دينار مصريّة، ومن الغلّات ستّة وتسعون ألف إردبّ. فأقام في الاعتقال إلى أن قتل الأشرف وقام الأمير كتبغا النائب بتدبير سلطنة الملك الناصر محمد بن قلاوون، [ف] أفرج عنه في سلخ صفر سنة ثلاث وتسعين. ثم لمّا تسلطن جعله أمير جاندار في يوم الخميس ثاني عشر المحرّم سنة أربع وتسعين. فلم يزل على ذلك إلى أن مات بداره من مدينة مصر في يوم الأربعاء سادس عشرين صفر سنة خمس وتسعين وستّمائة. ودفن برباطه المطلّ على بركة الحبش. وكانت جنازته حافلة إلى الغاية. وكان كثير الخير والإحسان. وعمّر كثيرا من المدارس والمساجد بإسنا وبقوص وبمدينة مصر. وله بالرّصد إلى الآن رباط يشرف على بركة الحبش (٤). وكانت دنياه [٢٣٠ ب] واسعة مقبلة، وهو من وسائط الخير وأهل المعروف وأرباب المروءات ومن أهل الدين. وكانت أمواله من الزراعة فإنّه كان يتتبّع أراضي الحرس (٥) فيشتريها أو يستأجرها ثم يعمّرها، وكان مع هذا محظوظا فيها فصار بيده عدّة بلاد، وكلّ بلد يأخذها لا بدّ له من [أن] يعمل فيها أثرا: إمّا يبني مسجدا أو جامعا أو منارا يؤذّن عليه. وكان إذا سمع بمسجد خراب عمّره. فبنى نحو ثلاثمائة مئذنة.

стр. 733

وبلغ متحصّله من الغلال ما ينيف على مائتي ألف إردبّ، سوى التقاوى (١). وكان له في الغلاء أفعال فاضلة، من إطعام الفقراء والأيتام وأرباب البيوت الخبز والطعام. وأوصى أن يخرج طلبه على عادته، وخيوله ملبسة وسناجقه منشورة، وعلى مماليكه آلات الحرب مثل هيئة أيّام توجّهه إلى الغزاة في سبيل الله، ففعلوا ذلك من غير دقّ الطبول. وشهد نائب السلطان الأمير حسام الدين لاجين جنازته وجميع الأمراء والقضاة والمشايخ والفقراء، وطلبه معهم على الحالة التي يخرج فيها إلى الغزو. فكثر خشوع الناس واتّعاظهم به. وغلّقت مدينة مصر يومئذ. وكانت فيه خبرة وشجاعة ومعرفة بالأمور، منها أنّ المنصور قلاوون لمّا أفرج عنه عند ما تسلطن وولّاه نيابة السلطنة باشرها قليلا بعداستعفائه فلم يعفه، ثم تمارض وانقطع عن الخدمة في بيته فسأله ابنه أسد الدين [ ... ] عن فعله فقال: لي فيه أرب. فلمّا عزم السلطان [٢٤٤ ب] على عيادته صنع له الطبيب شيئا تهيّج به وجهه واصفرّ لونه. ودخل عليه السلطان فتوجّع له وقال له: تخبرني بحوائجك وما في نفسك حتى أقضيه لك- ظنّا منه أنه مريض وربّما مات من مرضه- ثم قال: قد مرضت في وقت حاجتي لرأيك في أمر مماليكي ومن أعطيه منهم الإمرة. فقال: يا خوند، مماليكك نافعة، وقد ربّيتهم وكلّ منهم يستحقّ الإمرة فلا تؤخّر أمرهم. وأمّا حاجتي التي في نفسي، فإنّي قد كبرت واعتراني هذا المرض، وضعف بصري من الحبس، ولا أصلح للحكم بين الناس ولا يحلّ لي، وأريد أنّ السلطان يعفيني من النيابة. فانزعج السلطان من كلامه وامتنع من إعفائه. فألحّ في تقبيل الأرض وطلب الإعفاء. فقال له: إن كان ولا بدّ، فأشر عليّ بمن يصلح. فقال: إن قبل السلطان منّي، فلا يول إلّا مملوكه طرنطاي. فوافق ذلك غرض السلطان وقام عنه. فدبّر نفسه حتى زال عنه ما به. وقال لولده بعد ذلك: أنت صبيّ، هذا قد تسلطن وله مماليك يريد أن ينشئهم ويكبّرهم، فإنّه يثق بهم ويعجبه تقديمهم، ويفرح بهم. وأنا فما يمكنه عزلي عن النيابة بغير ذنب، فيحتاج أن يعمل لي ذنبا، ويقبض عليّ ويولي النيابة لمملوكه، ويبقى خلاصي ممتنعا وقد شبعت حبسا، فعملت ما عملت، وأنت شابّ لا يصل فكرك إلى هذا. وما زال منقطعا حتى ولي طرنطاي النيابة، وأنعم السلطان على مماليكه بالإمرتات (٢). ثم ركب إلى القلعة فعمله السلطان أمير جاندار. ٨٦٤ - أيبك الأشقر [- ٧٠٧] (٣) [٢٤٥ أ] أيبك الأشقر، الأمير عزّ الدين الشجاعيّ، شادّ الدواوين. كان من مماليك الأمير علم الدين سنجر الشجاعيّ. وترقّى بعده ووليّ شدّ الدواوين عوضا عن [ ... ]. وتوفّي هو وابنه وامرأته وتتمّة أحد عشر شخصا

стр. 734

من داره في شهر المحرّم من سنة سبع وسبعمائة. فكان يرى أنّ ذلك بدعوة لحقته: فإنّه لمّا توجّه إلى بلاد الصعيد لإنشاء المراكب لغزو بلاد اليمن عيّن شجرة جمّيز (١) ليقطعها، وكانت تظلّ على مسجد فيه طائفة من الفقراء، وينتفعون بثمرها. فأتاه رجل [٢٣١ أ] منهم يعتقد فيه الخير وسأله أن يتركها للفقراء فلم يفعل وأمر بها فقطعت. فقال: اللهمّ، كما قطع شجرنا، اقطعه واقطع شجره! ففي تلك الليلة مرض، وركب من غده في النيل وقدم إلى داره وهو مريض فمات وجميع من في داره (٢). وكان مهابا عظيم الحرمة شديد الصولة. ٨٦٥ - أيتمش الجمدار الناصريّ [- ٧٥٥] (٣) [٢٤٦ أ] أيتمش الجمدار الناصري، الأمير سيف الدين، أحد المماليك الناصريّة محمد بن قلاوون. ترقّى في خدمته حتى أنعم عليه في سنة أربع وعشرين وسبعمائة بإمرة طبلخاناه، فعرف بالتؤدة والسكون وكثرة الأدب والحشمة، والتباعد من الشرّ، وجودة الرأي، وحسن التصرّف والتدبير، إلى أن كانت الأيّام الصالحيّة إسماعيل بن محمد. [ف] اتّفق الرأي على إقامته وزيرا، فامتنع من ذلك أشدّ الامتناع، فلم يترك وخلع عليه في نصف ربيع الآخر سنة خمس وأربعين عوضا عن نجم الدين محمود بن عليّ وزير بغداد. ثم صرف عنها. وأقام على إمرته وعمل حاجبا حتى خلع عليه في يوم الجمعة سادس عشرين شهر جمادى الأولى عوضا عن قطليجا الحمويّ [على نيابة دمشق]. وسار إليها فقدمها في حادي عشر جمادى الآخرة. وسلك سبيل العافية ولم يغيّر شيئا حتى طلب إلى مصر. فخرج من دمشق يوم الخميس ثالث عشرين شهر رجب سنة اثنتين وخمسين، فقبض عليه النائب قبلاي، وجهّز إلى الإسكندريّة فحبس بها. ثمّ أفرج عنه ونفي إلى صفد بطّالا فوصلها في أخريات شهر ربيع الأوّل سنة ثلاث وخمسين، وأقام بها إلى أن كانت نوبة الأمير بيبغا أروس، [ف] خلع عليه في ثالث شوّال منها، واستقرّ نائب طرابلس عوضا عن الأمير بكلمش [الناصريّ]، فمات بها في [ ... ] شهر رمضان سنة خمس وخمسين وسبعمائة. وكان ليّنا وطيء الجانب. ٨٦٦ - أيتمش السعيديّ [- ٦٨٤] (٤) [٢٤٧ أ] أيتمش السعيديّ، أحد المماليك الظاهريّة. ترقّى في الخدم حتى صار من الأمراء. فلمّا قبض الملك المنصور قلاوون على كوندك بحمراء بيسان (٥) فرّ أيتمش، ومعه بلبان الهارونيّ في نحو الثلاثمائة من الظاهريّة والسعيديّة ولحقوا بقلعة صهيون عند الأمير سنقر الأشقر. فأقاموا عنده إلى أن نزل لقتال التتار واجتمع بالمك المنصور قلاوون وقاتل معه. ثم عاد إلى صهيون فتأخّر عنه الأمير أيتمش هذا وسنجر الدواداري وكراي التتري

стр. 735

وقبجك (١) في جماعة. وعادوا مع الملك المنصور إلى مصر. فردّ على أيتمش إقطاعه وهو ناحية ناي وطنان (٢) وجعله أمير مائة فارس كما كان، وذلك في السبت آخر شعبان سنة ثمانين وستّمائة بحكم ارتجاعه عن الأمير أيبك الأفرم، وأعيد إلى الأفرم إقطاعه القديم ممّن هو بيده. ثم قبض عليه في يوم الاثنين خامس ذي القعدة منها وعلى الهارونيّ وغيره، واعتقلوا. فمات أيتمش في معتقله آخر شهر رمضان سنة أربع وثمانين وستّمائة. ٨٦٧ - أيتمش المحمّدي [- ٧٣٦] (٣) أيتمش المحمّدي، الأمير سيف الدين، أحد المماليك المنصورية قلاوون، ثم صار إلى ابنه الملك الناصر محمد بن قلاوون فخدمه. وخرج معه إلى الكرك في سنة ثمان وسبعمائة فرتّبه بالقلعة ومعه أخوه أرقطاي وأرغون الدوادار، إلى أن تحرّك في طلب الملك [ف] بعثه إلىدمشق بلطفين (٤)، أحدهما إلى الأمير قطلوبك المنصوريّ، والآخر إلى الأمير بكتمر الحساميّ الحاجب. فنزل ليلا على أحد مماليك قطلوبك وأعلمه بما قدم فيه لثقته به. فلمّا أعلم أستاذه عزم على قبض أيتمش وحمله إلى أقّوش الأفرم نائب الشام. فأوقف أيتمش على هذا وأمكنه من النجاة بنفسه، فطرق الأمير بهادر آص في الليل وحدّثه بخبره وما عزم عليه قطلوبك. فأمّنه وأنزله عنده وقام بواجب حقّه. وأركبه معه بكرة إلى الخدمة، فإذا بقطلوبك قد أعلم النائب [٢٣١ ب] بأنّ قاصد الملك الناصر حضر إليه في الليل وأنّ مملوكه هرّبه. فاستدعى الوالي وألزمه بالفحص عنه وإحضاره وهدّده إن لم يحضره بالقتل. فقال بهادر آص: ما نحتاج إلى هذا، فإنّه قد جاءني القاصد وأعلمني أنّ معه مشافهة لا يقولها إلّا لمولانا ملك الأمراء بحضرة الأمراء، وقد أحضرته معي- وأشار إلى أيتمش. فتقدّم وسلّم عليهم من قبل الملك الناصر وبلّغهم ما كان فيه من الحجر عليه حتى ترك السلطنة، وما يريده منه الملك المظفّر [٢٤٧ ب] وأنّه يريد المسير إلى الشام، ويريد أن يعلم من يمنعه منكم. فغضب النائب وأمر به فقبض عليه ووكّل به إلى الليل، وأحضره وأعطاه ذهبا وأعاده إلى الكرك. فأخرجه [الناصر] ثانيا ومعه الملطّفات فقدم حماة على الأمير قبجق فاعتذر بأنّه مع قراسنقر نائب حلب حيث كان. فسار إلى حلب واجتمع بقراسنقر، فأكرمه وكتب جوابه بالسمع والطاعة، وأن تكون الحركة أوّل شعبان. فعاد إلى الكرك بأجوبة قبجق وأسندمر نائب طرابلس بمثل ذلك. ثم خرج إلى صفد وبعث إلى الأمير ناصر الدين محمد بن بكتمر الجوكندار نائب صفد، وتلطّف به حتى اجتمع به سرّا والتزم له بأمر أبيه، وأخرجه ليلا في المقابر وأجاب إلى الطاعة كما أجاب غيره. ثم توجّه إلى القدس واجتمع بالأمير كراي المنصوريّ، وأخذ جوابه بالحركة مع النوّاب، وعاد إلى الكرك. فسار السلطان إلى دمشق واستخلفه على

стр. 736

الكرك. فلم يزل على نيابتها إلى أن قبض السلطان على الأمير بكتمر الجوكندار نائب السلطنة وبعثه ليسجن بالكرك. [ف] خاف من أيتمش أن يتّفق معه. فإنّه كان خوشداشه ومؤاخيا له. فصرفه عن نيابة الكرك بالأمير بغا الأشرفيّ، وأحضره إلى مصر في أثناء سنة إحدى عشرة وخلع عليه وصار من أكابر أمراء مصر. فلمّا توجّه السلطان إلى دمشق في سنة اثنتي عشرة وحجّ منها، استخلفه بقلعة الجبل. فسار في مدّة غيبة السلطان سيرة جميلة [و] هابه الناس مهابة زائدة، ومنع الأكابر من النخوة إلى أن قدم السلطان. ثم أخرجه على عسكر إلى الحجاز في سنة ثماني عشرة، وكانت له حروب مع الشريف حميضة بن أبي نمي أمير مكّة والشريف ودّي أمير المدينة قد ذكرت في ترجمتي حميضة ومنصور بن جماز (١). ثم أخرجه في آخر المحرّم سنة تسع عشرة إلى برقة، ومعه من الأمراء بلبان الخاصّ تركيّ وبلبان الحسنيّ وسنقر المرزوقي وصمغار بن سنقر الأشقر ومنكلي الجمدار وغرلوا الجكندار ونوغاي، وثلاثمائة فارس من أجناد الحلقة. وسبب ذلك أنّ قائدا وسليمان، من أمراء عرب برقة، وصفا للسلطان فرسين عند جعفر بن عمر وبالغا في مدحهما فكتب يطلبهما منه، فأنكرهما. فأخذ قائد وسليمان يوحشان ما بينه وبين السلطان ويتّهمانه بالعصيان والامتناع من إعطاء زكاة غنمه، وأنّه كثير [٢٤٨ أ] الغارات على عربان الطاعة، ونحو هذا القول، إلى أن جرّد أيتمش على من تقدّم ذكره. وأخرج معه قايدا وسليمان، وكتب لعربان برقة بالركوب معه. فسار إلى الإسكندريّة، وتوجّه منها بعد ما أحضر إليه سرّا من يخبر الطريق ليسير به على غير الجادّة حتى يطرق العرب بغتة. وكانت الجادّة مسافتها إليهم نحو الشهرين. فدلّه على طريق توصله في ثلاثة عشر يوما، بعد ما شرط عليه أن يأخذ منه مائة دينار ويخلص له بعد عوده من السلطان إقطاعا ليقيم بالبحيرة فدفع إليه المائة الدينار والتزم بالإقطاع، وأخذ يسير بالعسكر. فأنكر قائد وسليمان سلوك العسكر في غير الجادّة وأرادوا [من] الأمير أيتمش أن يرجع عن طريقه التي هو فيها [٢٣٢ أ] ويسلك الجادّة، وخوّفوا عاقبتها. فلم يرجع إليها ومضى والعساكر تتبعه حتى أشرف على منازل جعفر بن عمر بعد ثلاثة عشر يوما، وهم في غفلة لا علم لهم بالعسكر، فبهتوا عند رؤية الخيل. ووقف أيتمش وبعث إليهم يدعوهم إلى الطاعة. فبعث جعفر إليه بأنّا في طاعة السلطان، ونريد أن نعرف ما الذي أوجب مسيركم إلينا؟ فأعادهم بأنّ معي مرسوم السلطان، فليحضر جعفر ليسمع ما فيه. فواعدوه الغد، فبات أيتمش ليلته على ظهر فرسه هو ومن معه حتى أصبح. وأتاه أخو جعفر وأكابر قومه. فأبى إلّا حضور جعفر. فامتنع من الحضور وقال: أبعث بالفرسين وغيرهما للسلطان، وكان قايد وسليمان قد عرّفاه أنّ الغرض إرسال الفرسين وتكفّلا له برجوع العسكر ووافقاه أن يكونا معه يدا واحدة. فبعث يستنجد العربان فأتته طوائف طوائف، فراب أيتمش توارد العرب شيئا بعد شيء. فبادر إلى لبس السلاح وألبس أصحابه ومنع العرب أن تركب معه، واختار من الأجناد مائة وخمسين راميا قدّمهم أمامه ووصّاهم أن لا يسوقوا ولا

стр. 737

يسرعوا في السير حتى تحمل العرب برمّتها عليهم، فحينئذ يكون الرمي عليهم من غير أن يحملوا على العرب، بل يستقرّ كلّ واحد من العسكر في موضعه. وركب ساقة العسكر وأفرد العرب ناحية وحرّك الطبول، فحملت عرب جعفر على العسكر حملة واحدة برماح فيها ما يبلغ طوله ثمانية أذرع وسنانه قدر الذراع ونصف، فرشقهم العسكر بالنشّاب، وأصيب غرلوا (١) [٢٤٨ ب] وسقط عن فرسه فتلاحقوا به وأركبوه. فلم تثبت العرب للسهام ورجعت. ثم حملت حملة ثانية ثم أخرى حتى تمّ لهم سبع حملات، وهم ينهزمون فيها. ووصل العسكر إلى بيوتهم فإذا هي في جزيرة كلّها غابة أشجار، فقاتلوا عند البيوت قتالا عظيما حتى انهزموا إلى الجزيرة. فمنع أيتمش العسكر من اقتحامها عليهم وحمى حريمهم من النّهب ونادى: من تعرّض لنهب بيت شعراء ودخل إليه قتل- ونادى بنهب الأغنام والجمال خاصّة، فاشتغل العسكر بها وظفروا منها بما لا يدخل تحت حصر، فكان الواحد يسوق المائة وفوقها ويترك أضعاف ما أخذ. واقتحم بعض الغلمان بيوت العرب فصاحت النسوان، فأخرج أيتمش الغلمان وقطع أيدي عدّة منهم وسقّ أنوف جماعة وقطع أعصاب طائفة، فلم يجسر أحد بعدها [أن] يدنو من الحريم. وبات العسكر على غاية التيقّظ والاحتراس. فلمّا أصبح سار عائدا ومعه ستّمائة من الأسرى بعد ما قتل عددا كثيرا في الحرب. فعرضهم وعفا عنهم. وافتقد عسكره فوجد فيهم اثني عشر قد جرحوا وقتل منهم فارس واحد. وحاز العسكر مالا عظيما حتى أبيع الجمل من عشرين إلى ثلاثين درهما والرأس الغنم بدرهم، ولم يبق للصوف والسمن قيمة من كثرته. واستمرّ ستّة أيام بالسلاح، وبعث بالبشارة إلى السلطان، فبعث للقائه الأمير الجاي الساقي فأخذ خمس ما مع العسكر من المال للسلطان، وفرّق ما بقي في العسكر فجاء نصيب الواحد ما بين أربعة جمال إلى خمسة، وما بين عشرين رأسا من الغنم إلى ثلاثين. وعاد أيتمش بمن معه إلى القاهرة فشكره السلطان وخلع عليه. ثم بعثه إلى القان أبي سعيد بن خربندا في سنة اثنتين وعشرين، وعلى يده هدايا جليلة ليعقد الصلح بينه وبين أبي سعيد. وأنعم عليه بألفي دينار، فسار بتجمّل لم يسر بمثله أحد ممّن توجّه في الرسالة إلى الشرق من مصر، فما ترك أحدا من مماليكه حتى عمل له الكلفتاه زركش والقبا بطراز ذهب [٢٣٢ ب] وشبه ذلك من الخيل والعدد فإنّه كان كبير الهمّة عارفا كريما. فلمّا قدم ماردين تلقّاه صاحبها وأكرمه وبعث إليه التقادم، فلم يقبل منه إلّا يسيرا، وحمل إليه الهديّة السلطانيّة ومعها تقدمة (٢) من جهته. فأركبهعند فراقه فرسا وقاد معه بغلا وهجينا (٣). فلم يبعد عن [٢٤٩ أ] ماردين غير قليل حتى تلقّاه بعض أمراء أبي سعيد بالإقامات إلى أن قدم توريز. [ف] ركب الوزير خواجا علي شاه ومعه المجد محمد السلاميّ (٤) إلى لقائه، فأكرمه وجهّزه إلى الأردو. فأجلّ القان أبو سعيد قدره وناوله الهنّاب (٥)

стр. 738

[ب] المشروب من يده ليشرب، وهذه أعظم كرامة عندهم. فامتنع من شرب الخمر، واعتذر بأنّه حجّ فأعفاه. وبلّغ رسالة السلطان ودفع إليه كتابه. فأنزله ورتّب له في كلّ يوم ستّين رأسا من الغنم. وأعجب به أهل الأردو وبمن معه لحسن زيّهم، وحلّ عندهم محلّا رفيعا، فإنّ [هـ] كان من خالص جنس المغل عارفا بلغتهم منزلته من الترك منزلة النحويّ بين العامّة، ويكتب كتابة فائقة الحسن، فلم يبق أحد فيهم من الأمراء إلّا وأضافه، فما أضافه منهم أحد إلّا وقدّم له تقدمة تليق به. وفرّق راتبه في فقرائهم، وتقدّم إلى جميع من معه أن يعفّوا عن الفواحش. فتيسّر على يده ما أراده السلطان من الصلح، وصعد الخطيب في يوم الجمعة منبر توريز ودعا للسلطان الملك الناصر بعد القان وحثّ على الصلح ورغّب المغل في الإسلام وعرّفهم أنّ المملكتين صارتا مملكة واحدة. فلمّا تهيّأ سفره حلف أبو سعيد والأمير جوبان والوزير علي شاه على ما تقرّر وكتبت نسخة اليمين، وغمره بالإنعام وسفّره. فقدم إلى مصر وأحضر إلى السلطان ما حصل له وهو نحو المائتي ألف درهم سوى القماش. وقدّم من عنده لؤلؤا اشتراه بأربعين ألف درهم قوّم بمائة ألف، فأنعم السلطان عليه بذلك كلّه. فأقسم بالأيمان الحرجة أنّه لا بدّ من قبول السلطان لذلك جميعه. فحمل إلى الخزانة. وأنعم عليه بمائة ألف درهم، وقدّم له كريم الدين الكبير عشرين ألف درهم. فقدم عقيب ذلك رسول أبي سعيد لتحليف السلطان في رابع عشر جمادى الآخرة منها، فحلف له. ثمّ سار في سابع جمادى الأولى سنة ستّ وعشرين في الرسالة لأبي سعيد وعلى يده هدايا جليلة، وقدم يوم الثلاثاء ثامن عشرين شعبان وقد قضى المهمّات السلطانيّة فأكرمه السلطان ورفع محلّه. وتوجّه أيضا وعاد يوم الأحد رابع عشرين المحرّم سنة تسع وعشرين، وتوجّه إلى مكة على عسكر للنصف من صفر سنة إحدى وثلاثين لمحاربة الشريف رميثة بن أبي نمي، فقدم مكّة وقد خرج منها رميثة وجمع عربانه [٢٤٩ ب] يريد الحرب، فتلطّف به أيتمش، وبعث إليه عشرة أحمال ما بين دقيق وبشماط (١) وشعير، وخمسة آلاف درهم، حتى قدم إليه طائعا ولبس تشريف السلطان واستقرّ في إمارة مكّة. وقصد أن يقدّم لأيتمش ومن معه من العسكر تقادم فلم يمكّنه أيتمش من ذلك. وعاد بمن معه فقدم القاهرة في سابع جمادى الآخرة، وقد كانت مدّة غيبته أربعة أشهر تنقص ثمانية أيّام. ثم خرج لنيابة صفد عوضا عن الأمير [٢٣٣ أ] أرقطاي في [ ... ] سنة ستّ وثلاثين، وكان قد اعتراه مرض الفالج مدّة سنة وصار إذا دخل الخدمة السلطانيّة يتوكّأ على عصا ليتوفّر عليه حضور الخدمة. ونقل أرقطاي إلى مصر على إقطاع أيتمش وتقدمته. وأحسن أيتمش السيرة في أهل صفد، فلم تطل بها أيّامه ومات في السنة المذكورة (٢) [ ... ] فولي بعده نيابة صفد الأمير طشتمر حمّص أخضر. وكان أيتمش ططريّ (٣) الجنس عارفا بلسان المغل جيّد الخطّ به. وذلك هو سبب سعادته: فإنّ العادل كتبغا لمّا عرض المماليك أعجب بكلامه وجودة خطّه بالمغليّ فزاد في جامكيّته (٤)، واتّفق

стр. 739

قدوم رسل ملوك الشرق بكتاب فقرأه على كتبغا وكتب جوابه. فأنعم عليه بإقطاع، ثم ولي نيابة الكرك كما تقدّم وتنقّل في الأسفار والخدم حيث كانت رسل أبي سعيد بن خربندا إذا قدمت مصر تبلغ السلطان عن أبي سعيد وحاكم دولته الأمير جوبان بأن لا يأتينا في الرسالة إلّا أيتمش. وكان السلطان إذا جلس عنده الأمراء في خلوة وتذاكروا سير بعضهم بعضا يقول: اذكروا أيتمش، فإنّه [كان] ميمون الغرّة ما سيّرته في أمر إلّا قضاه ولا وقف في حرب إلّا وانتصر. ولمّا مات أنعم السلطان بجميع ما خلّفه على [أخيه] الأمير أرقطاي: فإنّ [أيتمش] لم يترك ولدا. ٨٦٨ - آي دغدي شقير [- ٧١٥] (١) [٢٥٠ أ] آي دغدي شقير، الأمير علاء الدين، [المنكوتمريّ]، أحد مماليك الملك المنصور لاجين. ترقّى في خدمته إلى أن تسلطن [لاجين] فجعله من أمراء مصر. ثم خرج إلى الشام فأقام بها بعد قتل لاجين. وتوجّه على عسكر من دمشق إلى الرحبة في سنة سبع وسبعمائة. فلمّا عاد الملك الناصر محمد بن قلاوون إلى السلطنة مرّة ثالثة قدم معه إلى مصر في سنة تسع وسبعمائة. وتمكّن منه تمكّنا زائدا بواسطة خشداشة الأمير طوغاي حتى صار يستشيره. فأكثر من رمي الفتن بينه وبين الأمراء وغيرهم، فنفرت القلوب منه وكثر ذمّه، ودسّوا عليه للسلطان أنّه يريد الفتك به هو وخوشداشيته، إمّا بأن يغتاله أو يسقيه السمّ. فبنى على صحة ذلك كما هي عادته أنّه لا يكذّب خبرا يقتضي القدح في الملك، وقبض عليه في مستهلّ شهر ربيع الأوّل سنة خمس عشرة وسبعمائة، وقتل في يومه. وكان قد بعث إليه السلطان في هذا اليوم بكرة النهار مع كريم الدين الكبير ناظر الخاصّ بألفي مثقال ذهبا في كيسين توجّه بهما إليه كريم الدين نفسه إعانة له على عمارة إسطبله (٢) تحت القلعة. فقبض عليه بعد الظهر وأحاط بموجوده. ٨٦٩ - آي دغدي الخوارزميّ [- ٧٢٩] (٣) [٢٥٠ أ] آي دغدي الخوارزمي، الأمير علاء الدين، أحد [ ... ]. ترقّى إلى أن صار من جملة الأمراء وعمل حاجبا نائبا. وبعثه الملك الناصر محمد بن قلاوون غير مرّة في الرسالة إلى القان أزبك (٤). ثم أخرجه من مصر في سنة إحدى وعشرين وسبعمائة حاجبا بدمشق لمغاضبته الأمير ألماس الحاجب، فما زال بها إلى أن مات في أوّل شهر رمضان سنة تسع وعشرين وسبعمائة، وأنعم بإمرته على قلبرس (٥) ابن الأمير علاء الدين الحاج طيبرس. ٨٧٠ - آي دغدي الشهرزوريّ [- بعد ٧٠٥] (٦) [٢٥٠ ب] آي دغدي الشهرزوريّ، الأمير علاء الدين.

стр. 740

كان من جملة الأكراد بمصر. فلمّا قبض الظاهر بيبرس على الأمير بهاء الدين يعقوبا أمير الأكراد الشهرزوريّة وجماعة من أكابرهم، فرّ إلى بلاد المغرب في عدّة من الأكراد، وتعلّقوا بخدمة السلطان أبي يعقوب يوسف بن يعقوب المرينيّ. وتمكّن منه آي دغدي وتحدّث في أمور الوزارة وسار فيها سيرة جيّدة. ثم قدم إلى القاهرة في سنة أربع وسبعمائة يريد الحجّ في حشمة زائدة وعبيد وحفدة، ومعه هديّة جليلة للسلطان من أبي يعقوب (١). وقدم معه ركب المغاربة لقصد الحجّ. [٢٣٣ ب] فقدّم الهديّة ومعها كتاب مرسله إلى الملك الناصر محمد بن ثلاوون، فقبلت منه، وأنزل في مكان يليق به، وأجريت عليه الرواتب السنيّة، إلى أن حجّ مع الأمير سلّار النائب. فلمّا عاد في المحرّم سنة خمس وسبعمائة جهّزت معه هديّة فيها عشرون إكديشا (٢) من أكاديش التتار التي أخذت في وقعة شقحب مع عشرين أسيرا من التتر في عدّة من طبولهم وقسيّهم وعدّة ثياب وتحف. وأرسل معه علاء الدين آي دغدي التليليّ (٣). ٨٧١ - آي دغدي التليليّ [- ٧٢٨] (٤) [٢٥٠ ب] آي دغدي التليليّ، الأمير علاء الدين الشمسيّ، أحد أمراء دمشق. [جهّزه الناصر رسولا إلى صاحب المغرب مرّة. ومات بطّالا بدمشق في رابع شعبان سنة ثمان وعشرين وسبعمائة]. ٨٧٢ - آي دغمش الحكيميّ [- ٦٨٠] (٥) [٢٥١ أ] آي دغمش الحكيميّ، الأمير سيف الدين، أحد الأمراء الظاهريّة. قتله الملك المنصور قلاوون لموافقته كوندك على الفتك بالسلطان، وغرّقه في بحيرة طبريّة في خامس عشر المحرّم سنة ثمانين وستّمائة. ٨٧٣ - آي دغمش الناصريّ [- ٧٤٣] (٦) آي دغمش الناصريّ، الأمير علاء الدين، أحد المماليك الناصريّة محمد بن قلاوون، انتقل إليه من الأمير سيف الدين بلبان الطبّاخي، ونقله في الخدم إلى أن صار من جملة الأمراء، وعمله أمير أخور بعد مجيئه من الكرك وعوده إلى السلطنة، عوضا عن بيبرس الحاجب في سنة تسع وسبعمائة. فاستمرّ على ذلك حتى مات السلطان وأقيم من بعده ابنه المنصور أبو بكر. فوافق الأمير قوصون على خلعه وأعان عليه بخذلانه. ثم توحّش ما بينه وبين قوصون في الأيّام الأشرفيّة كجك، وانقطع عن طلوعه إلى القلعة أيّاما، واحترس على نفسه، بحيث إنّه كان يغلق باب السلسلة إذا ركب قوصون تحت القلعة في الموكب. فما زال به قوصون حتى عاد إلى
следующие страницы →