← Тараджим

Тараджим · id 145334

المقفى الكبير

المقريزي

Полный текст (3 152 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

الكرك. فلم يزل على نيابتها إلى أن قبض السلطان على الأمير بكتمر الجوكندار نائب السلطنة وبعثه ليسجن بالكرك. [ف] خاف من أيتمش أن يتّفق معه. فإنّه كان خوشداشه ومؤاخيا له. فصرفه عن نيابة الكرك بالأمير بغا الأشرفيّ، وأحضره إلى مصر في أثناء سنة إحدى عشرة وخلع عليه وصار من أكابر أمراء مصر. فلمّا توجّه السلطان إلى دمشق في سنة اثنتي عشرة وحجّ منها، استخلفه بقلعة الجبل. فسار في مدّة غيبة السلطان سيرة جميلة [و] هابه الناس مهابة زائدة، ومنع الأكابر من النخوة إلى أن قدم السلطان. ثم أخرجه على عسكر إلى الحجاز في سنة ثماني عشرة، وكانت له حروب مع الشريف حميضة بن أبي نمي أمير مكّة والشريف ودّي أمير المدينة قد ذكرت في ترجمتي حميضة ومنصور بن جماز (١). ثم أخرجه في آخر المحرّم سنة تسع عشرة إلى برقة، ومعه من الأمراء بلبان الخاصّ تركيّ وبلبان الحسنيّ وسنقر المرزوقي وصمغار بن سنقر الأشقر ومنكلي الجمدار وغرلوا الجكندار ونوغاي، وثلاثمائة فارس من أجناد الحلقة. وسبب ذلك أنّ قائدا وسليمان، من أمراء عرب برقة، وصفا للسلطان فرسين عند جعفر بن عمر وبالغا في مدحهما فكتب يطلبهما منه، فأنكرهما. فأخذ قائد وسليمان يوحشان ما بينه وبين السلطان ويتّهمانه بالعصيان والامتناع من إعطاء زكاة غنمه، وأنّه كثير [٢٤٨ أ] الغارات على عربان الطاعة، ونحو هذا القول، إلى أن جرّد أيتمش على من تقدّم ذكره. وأخرج معه قايدا وسليمان، وكتب لعربان برقة بالركوب معه. فسار إلى الإسكندريّة، وتوجّه منها بعد ما أحضر إليه سرّا من يخبر الطريق ليسير به على غير الجادّة حتى يطرق العرب بغتة. وكانت الجادّة مسافتها إليهم نحو الشهرين. فدلّه على طريق توصله في ثلاثة عشر يوما، بعد ما شرط عليه أن يأخذ منه مائة دينار ويخلص له بعد عوده من السلطان إقطاعا ليقيم بالبحيرة فدفع إليه المائة الدينار والتزم بالإقطاع، وأخذ يسير بالعسكر. فأنكر قائد وسليمان سلوك العسكر في غير الجادّة وأرادوا [من] الأمير أيتمش أن يرجع عن طريقه التي هو فيها [٢٣٢ أ] ويسلك الجادّة، وخوّفوا عاقبتها. فلم يرجع إليها ومضى والعساكر تتبعه حتى أشرف على منازل جعفر بن عمر بعد ثلاثة عشر يوما، وهم في غفلة لا علم لهم بالعسكر، فبهتوا عند رؤية الخيل. ووقف أيتمش وبعث إليهم يدعوهم إلى الطاعة. فبعث جعفر إليه بأنّا في طاعة السلطان، ونريد أن نعرف ما الذي أوجب مسيركم إلينا؟ فأعادهم بأنّ معي مرسوم السلطان، فليحضر جعفر ليسمع ما فيه. فواعدوه الغد، فبات أيتمش ليلته على ظهر فرسه هو ومن معه حتى أصبح. وأتاه أخو جعفر وأكابر قومه. فأبى إلّا حضور جعفر. فامتنع من الحضور وقال: أبعث بالفرسين وغيرهما للسلطان، وكان قايد وسليمان قد عرّفاه أنّ الغرض إرسال الفرسين وتكفّلا له برجوع العسكر ووافقاه أن يكونا معه يدا واحدة. فبعث يستنجد العربان فأتته طوائف طوائف، فراب أيتمش توارد العرب شيئا بعد شيء. فبادر إلى لبس السلاح وألبس أصحابه ومنع العرب أن تركب معه، واختار من الأجناد مائة وخمسين راميا قدّمهم أمامه ووصّاهم أن لا يسوقوا ولا

стр. 737

يسرعوا في السير حتى تحمل العرب برمّتها عليهم، فحينئذ يكون الرمي عليهم من غير أن يحملوا على العرب، بل يستقرّ كلّ واحد من العسكر في موضعه. وركب ساقة العسكر وأفرد العرب ناحية وحرّك الطبول، فحملت عرب جعفر على العسكر حملة واحدة برماح فيها ما يبلغ طوله ثمانية أذرع وسنانه قدر الذراع ونصف، فرشقهم العسكر بالنشّاب، وأصيب غرلوا (١) [٢٤٨ ب] وسقط عن فرسه فتلاحقوا به وأركبوه. فلم تثبت العرب للسهام ورجعت. ثم حملت حملة ثانية ثم أخرى حتى تمّ لهم سبع حملات، وهم ينهزمون فيها. ووصل العسكر إلى بيوتهم فإذا هي في جزيرة كلّها غابة أشجار، فقاتلوا عند البيوت قتالا عظيما حتى انهزموا إلى الجزيرة. فمنع أيتمش العسكر من اقتحامها عليهم وحمى حريمهم من النّهب ونادى: من تعرّض لنهب بيت شعراء ودخل إليه قتل- ونادى بنهب الأغنام والجمال خاصّة، فاشتغل العسكر بها وظفروا منها بما لا يدخل تحت حصر، فكان الواحد يسوق المائة وفوقها ويترك أضعاف ما أخذ. واقتحم بعض الغلمان بيوت العرب فصاحت النسوان، فأخرج أيتمش الغلمان وقطع أيدي عدّة منهم وسقّ أنوف جماعة وقطع أعصاب طائفة، فلم يجسر أحد بعدها [أن] يدنو من الحريم. وبات العسكر على غاية التيقّظ والاحتراس. فلمّا أصبح سار عائدا ومعه ستّمائة من الأسرى بعد ما قتل عددا كثيرا في الحرب. فعرضهم وعفا عنهم. وافتقد عسكره فوجد فيهم اثني عشر قد جرحوا وقتل منهم فارس واحد. وحاز العسكر مالا عظيما حتى أبيع الجمل من عشرين إلى ثلاثين درهما والرأس الغنم بدرهم، ولم يبق للصوف والسمن قيمة من كثرته. واستمرّ ستّة أيام بالسلاح، وبعث بالبشارة إلى السلطان، فبعث للقائه الأمير الجاي الساقي فأخذ خمس ما مع العسكر من المال للسلطان، وفرّق ما بقي في العسكر فجاء نصيب الواحد ما بين أربعة جمال إلى خمسة، وما بين عشرين رأسا من الغنم إلى ثلاثين. وعاد أيتمش بمن معه إلى القاهرة فشكره السلطان وخلع عليه. ثم بعثه إلى القان أبي سعيد بن خربندا في سنة اثنتين وعشرين، وعلى يده هدايا جليلة ليعقد الصلح بينه وبين أبي سعيد. وأنعم عليه بألفي دينار، فسار بتجمّل لم يسر بمثله أحد ممّن توجّه في الرسالة إلى الشرق من مصر، فما ترك أحدا من مماليكه حتى عمل له الكلفتاه زركش والقبا بطراز ذهب [٢٣٢ ب] وشبه ذلك من الخيل والعدد فإنّه كان كبير الهمّة عارفا كريما. فلمّا قدم ماردين تلقّاه صاحبها وأكرمه وبعث إليه التقادم، فلم يقبل منه إلّا يسيرا، وحمل إليه الهديّة السلطانيّة ومعها تقدمة (٢) من جهته. فأركبهعند فراقه فرسا وقاد معه بغلا وهجينا (٣). فلم يبعد عن [٢٤٩ أ] ماردين غير قليل حتى تلقّاه بعض أمراء أبي سعيد بالإقامات إلى أن قدم توريز. [ف] ركب الوزير خواجا علي شاه ومعه المجد محمد السلاميّ (٤) إلى لقائه، فأكرمه وجهّزه إلى الأردو. فأجلّ القان أبو سعيد قدره وناوله الهنّاب (٥)

стр. 738

[ب] المشروب من يده ليشرب، وهذه أعظم كرامة عندهم. فامتنع من شرب الخمر، واعتذر بأنّه حجّ فأعفاه. وبلّغ رسالة السلطان ودفع إليه كتابه. فأنزله ورتّب له في كلّ يوم ستّين رأسا من الغنم. وأعجب به أهل الأردو وبمن معه لحسن زيّهم، وحلّ عندهم محلّا رفيعا، فإنّ [هـ] كان من خالص جنس المغل عارفا بلغتهم منزلته من الترك منزلة النحويّ بين العامّة، ويكتب كتابة فائقة الحسن، فلم يبق أحد فيهم من الأمراء إلّا وأضافه، فما أضافه منهم أحد إلّا وقدّم له تقدمة تليق به. وفرّق راتبه في فقرائهم، وتقدّم إلى جميع من معه أن يعفّوا عن الفواحش. فتيسّر على يده ما أراده السلطان من الصلح، وصعد الخطيب في يوم الجمعة منبر توريز ودعا للسلطان الملك الناصر بعد القان وحثّ على الصلح ورغّب المغل في الإسلام وعرّفهم أنّ المملكتين صارتا مملكة واحدة. فلمّا تهيّأ سفره حلف أبو سعيد والأمير جوبان والوزير علي شاه على ما تقرّر وكتبت نسخة اليمين، وغمره بالإنعام وسفّره. فقدم إلى مصر وأحضر إلى السلطان ما حصل له وهو نحو المائتي ألف درهم سوى القماش. وقدّم من عنده لؤلؤا اشتراه بأربعين ألف درهم قوّم بمائة ألف، فأنعم السلطان عليه بذلك كلّه. فأقسم بالأيمان الحرجة أنّه لا بدّ من قبول السلطان لذلك جميعه. فحمل إلى الخزانة. وأنعم عليه بمائة ألف درهم، وقدّم له كريم الدين الكبير عشرين ألف درهم. فقدم عقيب ذلك رسول أبي سعيد لتحليف السلطان في رابع عشر جمادى الآخرة منها، فحلف له. ثمّ سار في سابع جمادى الأولى سنة ستّ وعشرين في الرسالة لأبي سعيد وعلى يده هدايا جليلة، وقدم يوم الثلاثاء ثامن عشرين شعبان وقد قضى المهمّات السلطانيّة فأكرمه السلطان ورفع محلّه. وتوجّه أيضا وعاد يوم الأحد رابع عشرين المحرّم سنة تسع وعشرين، وتوجّه إلى مكة على عسكر للنصف من صفر سنة إحدى وثلاثين لمحاربة الشريف رميثة بن أبي نمي، فقدم مكّة وقد خرج منها رميثة وجمع عربانه [٢٤٩ ب] يريد الحرب، فتلطّف به أيتمش، وبعث إليه عشرة أحمال ما بين دقيق وبشماط (١) وشعير، وخمسة آلاف درهم، حتى قدم إليه طائعا ولبس تشريف السلطان واستقرّ في إمارة مكّة. وقصد أن يقدّم لأيتمش ومن معه من العسكر تقادم فلم يمكّنه أيتمش من ذلك. وعاد بمن معه فقدم القاهرة في سابع جمادى الآخرة، وقد كانت مدّة غيبته أربعة أشهر تنقص ثمانية أيّام. ثم خرج لنيابة صفد عوضا عن الأمير [٢٣٣ أ] أرقطاي في [ ... ] سنة ستّ وثلاثين، وكان قد اعتراه مرض الفالج مدّة سنة وصار إذا دخل الخدمة السلطانيّة يتوكّأ على عصا ليتوفّر عليه حضور الخدمة. ونقل أرقطاي إلى مصر على إقطاع أيتمش وتقدمته. وأحسن أيتمش السيرة في أهل صفد، فلم تطل بها أيّامه ومات في السنة المذكورة (٢) [ ... ] فولي بعده نيابة صفد الأمير طشتمر حمّص أخضر. وكان أيتمش ططريّ (٣) الجنس عارفا بلسان المغل جيّد الخطّ به. وذلك هو سبب سعادته: فإنّ العادل كتبغا لمّا عرض المماليك أعجب بكلامه وجودة خطّه بالمغليّ فزاد في جامكيّته (٤)، واتّفق

стр. 739

قدوم رسل ملوك الشرق بكتاب فقرأه على كتبغا وكتب جوابه. فأنعم عليه بإقطاع، ثم ولي نيابة الكرك كما تقدّم وتنقّل في الأسفار والخدم حيث كانت رسل أبي سعيد بن خربندا إذا قدمت مصر تبلغ السلطان عن أبي سعيد وحاكم دولته الأمير جوبان بأن لا يأتينا في الرسالة إلّا أيتمش. وكان السلطان إذا جلس عنده الأمراء في خلوة وتذاكروا سير بعضهم بعضا يقول: اذكروا أيتمش، فإنّه [كان] ميمون الغرّة ما سيّرته في أمر إلّا قضاه ولا وقف في حرب إلّا وانتصر. ولمّا مات أنعم السلطان بجميع ما خلّفه على [أخيه] الأمير أرقطاي: فإنّ [أيتمش] لم يترك ولدا. ٨٦٨ - آي دغدي شقير [- ٧١٥] (١) [٢٥٠ أ] آي دغدي شقير، الأمير علاء الدين، [المنكوتمريّ]، أحد مماليك الملك المنصور لاجين. ترقّى في خدمته إلى أن تسلطن [لاجين] فجعله من أمراء مصر. ثم خرج إلى الشام فأقام بها بعد قتل لاجين. وتوجّه على عسكر من دمشق إلى الرحبة في سنة سبع وسبعمائة. فلمّا عاد الملك الناصر محمد بن قلاوون إلى السلطنة مرّة ثالثة قدم معه إلى مصر في سنة تسع وسبعمائة. وتمكّن منه تمكّنا زائدا بواسطة خشداشة الأمير طوغاي حتى صار يستشيره. فأكثر من رمي الفتن بينه وبين الأمراء وغيرهم، فنفرت القلوب منه وكثر ذمّه، ودسّوا عليه للسلطان أنّه يريد الفتك به هو وخوشداشيته، إمّا بأن يغتاله أو يسقيه السمّ. فبنى على صحة ذلك كما هي عادته أنّه لا يكذّب خبرا يقتضي القدح في الملك، وقبض عليه في مستهلّ شهر ربيع الأوّل سنة خمس عشرة وسبعمائة، وقتل في يومه. وكان قد بعث إليه السلطان في هذا اليوم بكرة النهار مع كريم الدين الكبير ناظر الخاصّ بألفي مثقال ذهبا في كيسين توجّه بهما إليه كريم الدين نفسه إعانة له على عمارة إسطبله (٢) تحت القلعة. فقبض عليه بعد الظهر وأحاط بموجوده. ٨٦٩ - آي دغدي الخوارزميّ [- ٧٢٩] (٣) [٢٥٠ أ] آي دغدي الخوارزمي، الأمير علاء الدين، أحد [ ... ]. ترقّى إلى أن صار من جملة الأمراء وعمل حاجبا نائبا. وبعثه الملك الناصر محمد بن قلاوون غير مرّة في الرسالة إلى القان أزبك (٤). ثم أخرجه من مصر في سنة إحدى وعشرين وسبعمائة حاجبا بدمشق لمغاضبته الأمير ألماس الحاجب، فما زال بها إلى أن مات في أوّل شهر رمضان سنة تسع وعشرين وسبعمائة، وأنعم بإمرته على قلبرس (٥) ابن الأمير علاء الدين الحاج طيبرس. ٨٧٠ - آي دغدي الشهرزوريّ [- بعد ٧٠٥] (٦) [٢٥٠ ب] آي دغدي الشهرزوريّ، الأمير علاء الدين.

стр. 740

كان من جملة الأكراد بمصر. فلمّا قبض الظاهر بيبرس على الأمير بهاء الدين يعقوبا أمير الأكراد الشهرزوريّة وجماعة من أكابرهم، فرّ إلى بلاد المغرب في عدّة من الأكراد، وتعلّقوا بخدمة السلطان أبي يعقوب يوسف بن يعقوب المرينيّ. وتمكّن منه آي دغدي وتحدّث في أمور الوزارة وسار فيها سيرة جيّدة. ثم قدم إلى القاهرة في سنة أربع وسبعمائة يريد الحجّ في حشمة زائدة وعبيد وحفدة، ومعه هديّة جليلة للسلطان من أبي يعقوب (١). وقدم معه ركب المغاربة لقصد الحجّ. [٢٣٣ ب] فقدّم الهديّة ومعها كتاب مرسله إلى الملك الناصر محمد بن ثلاوون، فقبلت منه، وأنزل في مكان يليق به، وأجريت عليه الرواتب السنيّة، إلى أن حجّ مع الأمير سلّار النائب. فلمّا عاد في المحرّم سنة خمس وسبعمائة جهّزت معه هديّة فيها عشرون إكديشا (٢) من أكاديش التتار التي أخذت في وقعة شقحب مع عشرين أسيرا من التتر في عدّة من طبولهم وقسيّهم وعدّة ثياب وتحف. وأرسل معه علاء الدين آي دغدي التليليّ (٣). ٨٧١ - آي دغدي التليليّ [- ٧٢٨] (٤) [٢٥٠ ب] آي دغدي التليليّ، الأمير علاء الدين الشمسيّ، أحد أمراء دمشق. [جهّزه الناصر رسولا إلى صاحب المغرب مرّة. ومات بطّالا بدمشق في رابع شعبان سنة ثمان وعشرين وسبعمائة]. ٨٧٢ - آي دغمش الحكيميّ [- ٦٨٠] (٥) [٢٥١ أ] آي دغمش الحكيميّ، الأمير سيف الدين، أحد الأمراء الظاهريّة. قتله الملك المنصور قلاوون لموافقته كوندك على الفتك بالسلطان، وغرّقه في بحيرة طبريّة في خامس عشر المحرّم سنة ثمانين وستّمائة. ٨٧٣ - آي دغمش الناصريّ [- ٧٤٣] (٦) آي دغمش الناصريّ، الأمير علاء الدين، أحد المماليك الناصريّة محمد بن قلاوون، انتقل إليه من الأمير سيف الدين بلبان الطبّاخي، ونقله في الخدم إلى أن صار من جملة الأمراء، وعمله أمير أخور بعد مجيئه من الكرك وعوده إلى السلطنة، عوضا عن بيبرس الحاجب في سنة تسع وسبعمائة. فاستمرّ على ذلك حتى مات السلطان وأقيم من بعده ابنه المنصور أبو بكر. فوافق الأمير قوصون على خلعه وأعان عليه بخذلانه. ثم توحّش ما بينه وبين قوصون في الأيّام الأشرفيّة كجك، وانقطع عن طلوعه إلى القلعة أيّاما، واحترس على نفسه، بحيث إنّه كان يغلق باب السلسلة إذا ركب قوصون تحت القلعة في الموكب. فما زال به قوصون حتى عاد إلى

стр. 741

مصالحته على دخل. فلم يقم إلّا قليلا وثار عليه فيمن ثار من الأمراء وأخرجوه مقيّدا إلى الإسكندريّة. ودبّر أمور الدولة، وبعث الأمير جنكلي بن البابا والأمير بيبرس الأحمديّ إلى الناصر أحمد بالكرك ليحضراه، وقبض على عدّة من الأمراء، وأفرج عن الأمير ملكتمر الحجازيّ ومن كان معه من الأمراء، وطلب عبد المؤمن والي قوص وقتله لقتله الملك المنصور أبا بكر، وأعاد أولاد الناصر محمد بن قلاوون من نفيهم بقوص إلىقلعة الجبل، وحلّف الأمراء والعسكر للنّاصر أحمد. فلمّا ثبتت دولة الناصر أحمد أخرجه لنيابة حلب، واستقرّ قماري أمير شكار عوضه أمير أخور، وسار في أوائل ذي القعدة سنة اثنتين وأربعين في نيابة حلب إلى أن خلع أحمد الناصر بأخيه الصالح إسماعيل، فرسم بنقله إلى نيابة دمشق في المحرّم سنة ثلاث وأربعين، واستقرّ عوضه في نيابة حلب الأمير طقزدمر. فقدم آي دغمش دمشق يوم الخميس العشرين من صفر فأقام بها إلى يوم الثلاثاء ثالث جمادى الآخرة منها. فركب حتى أطعم طيوره وعاد إلى دار السعادة، وقرئت عليه القصص على العادة وأكل الطعام وعلّم على [٢٥١ ب] ما رسم بإمضائه، وعرض طلبه، وظلّ نهاره في تنفيذ الأشغال. ثم قام إلى داره فإذا جاريتان تتخاصمان، فضرب إحداهما ضربتين، وأراد أن يضرب الثانية فسقط ميتا. فأخرج من الغد ودفن خارج ميدان الحصى في تربة عمّرت له هناك. وكان كثير العطاء جوادا. وترك ثلاثة أولاد أمراء هم: أمير عليّ وأمير حاجّ، وأمير أحمد، أمّرهم الناصر أحمد لعلوّ مكانة آي دغمش عنده. وكان الصالح إسماعيل قد تنكّر عليه وكتب بإمساكه، وذلك أنّه وشي به أنّه يباطن أخاه أحمد الناصر بالكرك. فوصل خبر موته، والقاصد بمسكه في قطيا سائر إليه، فعاد. ٨٧٤ - أيدكين البندقدار [- ٦٨٤] (١) [٢٥٢ أ] أيدكين البندقدار، الأمير علاء الدين الصالحيّ [٢٣٤ أ] النجميّ، أحد المماليك البحرية الصالحيّة. كان مملوكا للأمير جمال الدين موسى بن يغمور. ثم انتقل إلى الملك الصالح نجم الدين أيّوب، وتنقّل في الخدم بديار مصر. وجعله الملك الصالح بندقداره ورتّبه على عسكر بعجلون لمّا ملكها. ثم نقم عليه لكونه تزوّج سرّيّة الأمير علي ابن قليج بغير إذنه وطرده. ثم كتب بالقبض عليه فأخذ من البرّيّة وحمل إلى السلطان فأخذ منه بيبرس (٢) وغيره من المماليك وسجنه بعجلون، إلى أن صار من الأمراء بعد زوال الدولة الأيّوبيّة. واستنابه الملك المعزّ أيبك التركماني في سنة ثمان وأربعين وستّمائة. وكان يجلس مع نوّاب دار العدل بالمدارس الصالحيّة بين القصرين للنظر في المظالم. ثم ولي نيابة حلب في سنة تسع وخمسين، وتركها لشدّة غلاء الأسعار بها وعاد إلى القاهرة سريعا. ومات بالقاهرة في شهور سنة أربع وثمانين

стр. 742

وستّمائة، ودفن بخانكاته التي تعرف بالبندقداريّة قريبا من صليبة (١) الجامع الطولوني خارج القاهرة. وإليه ينسب الملك الظاهر بيبرس البندقداري، فإنّه كان في ملكه أوّلا. ٨٧٥ - أيدكين الصالحيّ [- ٦٩٠] (٢) [٢٥٢ أ] أيدكين الصالحيّ، الأمير علاء الدين، أحد المماليك الصالحيّة. تنقّل في الخدم إلى أن ولي نيابة السلطنة بصفد، وبها مات في سنة تسعين وستّمائة. ٨٧٦ - أيدكين [الأزكشيّ] البريديّ والي القاهرة [- بعد ٧٣٥] (٣) [٢٥٢ ب] أيدكين البريديّ، الأمير علاء الدين. [ ... ] ثم استقرّ في ولاية القاهرة عوضا عن ناصر الدين محمد بن بيليك المحسنيّ (٤) في [يوم الخميس ثاني شعبان] سنة أربع وثلاثين وسبعمائة بسفارة شرف الدين عبد الوهاب النشو ناظر الخاصّ. فاستبدّ على أهل الرتب، وتتبّع أهل الفساد، وصار يتنكّر ليلا ويمشي بأزقّة القاهرة ويتسمّع من في الدور يغنّي وتشتمّ عنده رائحة خمر، فيحلّ به بلاء عظيما. فأخرق بجماعة من المستورين، وقويت حرمته وزادت مكانته عند السلطان فلم يتلطّف بالأمراء بل شاققهم وتعامى عن مداراتهم. وركب في ذي الحجّة منها إلى النخيلة خارج اللوق حيث يجتمع الزّعّر- وكان يعمل هناك عدّة أخصاص يجتمع بها الناس للفرجة على الزعر (٥) - وطرقهم على بغتة وأخذ كثيرا منهم وسلب خلقا كثيرا ثيابهم. وجمع الباعة وطرحها عليهم فبلغ ثمنها نحو الخمسة عشر ألف درهم. ثم صرف عن الولاية لتنكّر الأمير قوصون عليه في سنة خمس وثلاثين، وأخرج بطّالا إلى الشام، وأقيم عوضه في ولاية القاهرة بلبان الحساميّ. ٨٧٧ - أيدمر القشّاش [- ٧٠٢] (٦) [٢٥٣ أ] أيدمر القشّاش، الأمير عزّ الدين، أحد المماليك [ ... ]. وولي في الأيّام المنصوريّة قلاوون الغربيّة فأرهف حدّه وأكثر من سفك الدماء، فخافه أهل الفساد. فأضيف إليه ولاية الشرقيّة وكشف الوجه البحريّ. فلمّا مات المنصور وقام من بعده ابنه الملك الأشرف خليل واستوزر الصاحب شمس الدين محمد بن عثمان بن السلعوس، تكبّر عليه أيدمر هذا ولم يلتفت إلى مراسيمه، فشكا منه للسلطان شكوى كثيرة حتى كتب بإحضاره.

стр. 743

وكانت العادة أن يحضر الولاة كلّ سنة للسلطان تقدمة. فخرق أيدمر العادة و [أ] حضر تقدمة عظيمة في سنة اثنتين وتسعين وستّمائة فيها ستّون حجرة (١) من عتاق الخيل، وعشرون حصانا، ومائة هجين كلّهم بعبى سخبريّة (٢) ومقاود بعضها فضّة وأكوار وسلاح كثير من أسلحة العرب. فأعجب بها السلطان وشكره. فسأل النائب بيدرا أن ينعم عليه بالمثول بين يدي السلطان ليقبّل الأرض فقال: لا، بل يذهب إلى الوزير، فإنّه شكا منه أنّه أخذ لي شيئا كثيرا من مالي. فقال: ونفرض أنّه أخذ؟ فقد أحضر قدر ما أخذ في هذه التقدمة. وأبى إلّا أن يذهب إلى الوزير. فعزّ ذلك على أيدمر وقال: ليفعل السلطان بي كلّ ما يختار! ولا أدخل إلى الوزير، فإنّه كبير النفس وأنا أكبر نفسا منه [٢٣٤ ب]، فيحصل الضرر. فلاطفه بيدرا، وبعث قبله أحد الحجّاب إلى الوزير بالوصيّة عليه فإنّه رجل شيخ له قدر معتبر. ثم بعثه. فلمّا دخل على الوزير لم يعبأ به، وتشاغل عنه ساعة. ثم نظر له وقال: أنت الذي يقال لك القشّاش؟ فاشتدّ حنقه، ونظر إلى الوزير شزرا، وخرج وهو يسبّه بالتركيّ، والحاجب يصيح به فلا يلتفت إليه، والنقباء في طلبه. فسبقهم إلى دار النيابة وقال لبيدرا: ألف ضربة بالسيف، ولا وقوفي قدّام عامّي يهينني! - وحلّ سيفه وألقاه. فسكّن بيدرا الشرّ وأظهر أنّه قد غضب عليه، وأخذ سيفه ووكّل به، وأعلم الوزير بما فعل به. فلمّا دخل إلى السلطان شكا من أيدمر وقوّة نفسه. فقال له السلطان: ما نجد من يقوم مقامه، فإنّه مسلّط على المفسدين فلاطف الأمر معه. فخرج وطلبه من دار النيابة ورسم عليه ليعمل حساب البلاد. فقال: قل للصاحب: أنا ما ولّاني الملك المنصور [٢٥٣ ب] جابيا حتى أعمل الحساب، وإنّما أقامني لأشنق وأوسّط وأسمّر وأحطّ ابن آدم على الخازوق، وما أعرف غير سفك الدماء. فإن كان للوزير حساب [فل] يطلبه من دواوينه! وإن كنت قتلت له أحدا من أقاربه [فل] يطلبني بدمه! - ونهر في شادّ الدواوين وفي المقدّمين. فعادوا إلى الوزير بما قال، فاقشعرّ جلده من شناعة هذا القول. فأقام في الترسيم ثلاثة أيّام [ثم] استدعاه السلطان وخلع عليه وقال له: قد سمعت أنّك قتلت خلقا كثيرا، فكم تبلغ عدّتهم؟ فقال: زيادة على اثني عشر ألف رجل، وما أعتقد أنّ الله أجرى حكمي على غير مفسد. قال: وسمعت أنّك سمّرت ثلاث نساء، منهنّ اثنتان بكران. لم ذلك؟ قال: شكا إليّ تاجر من أهل المحلّة عجوزا وجد معها شيئا من ثياب أخيه، وكان قد غاب مدّة وانقطع خبره. فأنكرت ما قال، ففتّشتها، فإذا معها مصاغ فيه خواتم رجاليّة. فادّعت أنّه من حلي بناتها، فعاقبتها ثلاثة أيّام فلم تقرّ ولا عرّفتني باسم بلدها، حتى ذكر لي بعض الرقّاصين أنّها من ناحية بطشة (٣) بالقرب من المحلّة. فركبت وهجمت بيتها فوجدت فيها كثيرا من ملابس الرجال والنساء، ووجدت لها ابنتين فعاقبت الثلاث (٤) عقوبة الموت، فلم يعترف أحد منهنّ بشيء،

стр. 744

فسمّرتهنّ. فكانت العجوز تئنّ من ألم المسامير، فقالت لها ابنتها الصغرى وهي مسمّرة: يا أمّاه، إيّاك أن يعيب علينا باعة المحلّة! موتي وأنت ساكتة! فشكره السلطان وأعاده إلى عمله، فاستمرّ فيه مديدة، إلى أن حدث به مرض المفاصل. فطلب الإعفاء. وأقام بالقاهرة، إلى أن سار الملك الناصر محمد بن قلاوون إلى قتال التتار. فسار مع العسكر في محفّة حتى التقى الفريقان على شقحب. [ف] لبس آلة حربه وركب فرسه، وبه من ورم رجليه وضربانه [ما] ألم شديد. فقال له بعض أصحابه: يا خوند، أنت رائح ترمي نفسك للموت! فنهره وقال: ويلك! والله لمثل هذا اليوم كنت أنتظر! وإلّا، بأيّ شيء يتخلّص القشّاش من ربّه إلّا بهذا؟ ثمّ اقتحم بفرسه وحمل برمحه على العدوّ، وكأن لم يكن به ألم قطّ. وقاتل حتى قتل في يوم الأحد ثاني شهر رمضان سنة اثنتين وسبعمائة، فوجد فيه عدّة جراحات. وكان ﵀ صاحب حرمة وافرة ومهابة [٢٥٤ أ] زائدة. واقترح في أيّامه نوعا شنيعا من العذاب. فأقام خوازيق في الأرض وجعل محدّدها منتصبا قائما، وبأعلاها عود من خشب طويل ختامه بكرة فيعلّق الرجل من المفسدين بيده في تلك البكرة، وترفعه [٢٣٥ أ] حتى يصل إلى آخر الخشبة، ثم يرخيه بسرعة فيقع على الخازوق فيخرج من جسده بحسب ما يقع عليه. فذعر أهل النواحي منه واشتدّ خوفهم وفزعهم وصاروا بحيث لا يقدر أحد منهم على لبس مئزر أسود (١) ولا يتجاسر أن يتقلّد بسيف ولا يأخذ بيده عصا ولا يركب فرسا في مدّة ولايته. وأقام عدّة جسور وتراع كثر النفع بها، منها جسر بين ملقة سندفا وأرض سمنود عرف بالشقفيّ. فلمّا كان بعد موته بمدّة رآه رجل في نومه وسأله عمّا لقي، فقال: سامحني الله وغفر لي بعمارتي جسر الشقفيّ (٢). ٨٧٨ - أيدمر الحلّيّ [- ٦٦٧] (٣) [٢٥٤ أ] أيدمر الحلّيّ، الأمير عزّ الدين، الصالحيّ، النجميّ، أحد المماليك الصالحيّة نجم الدين أيّوب. ترقّى في الخدم حتى صار أكبر أمراء مصر وأعظمهم محلّا عند الملك الظاهر بيبرس، وينوب عنه في غيبته لثقته به واعتماده عليه، مع قلّة خبرته، غير أنّ الله خوّله نعما يقصر الوصف عنها. ومات بدمشق في [أوّل شعبان] سنة سبع وستّين وستّمائة، وقد أناف على الستّين. ٨٧٩ - أيدمر الرشيديّ [- ٧٠٨] (٤) [٢٥٤ ب] أيدمر الرشيديّ. كان من مماليك الأمير بلبان الرشيديّ خشداش الملك الظاهر بيبرس. وترقّى في خدمه إلى أن عمله أستداره. وآخر ما عمل أستدار الأمير سلّار نائب السلطنة،

стр. 745

فعظم ماله وقوي جاهه، إلى أن قتل سلّار فقبض عليه. ثم مرض وتهوّس ومات بأسوإ حال في تاسع عشر شوّال سنة ثمان وسبعمائة وعدّ ذلك من بركة الشيخ عبد الغفّار بن نوح (١). وكان من كرماء الناس يقصده أرباب الحوائج فيسعدهم ويساعدهم. وكان منهمكا في اللذّات، فقام عليه الأمير بيبرس الجاشنكير وأغرى به الأمير سلّار أنّه يتلف ماله في اللهو. فقال له سلّار: يا عزّ الدين، بلغني أنّك تشرب الخمر وتعمل المقامات وتنعم وتعطي. فعرّفني: أيّ وقت يسعك لهذا؟ فقال: إذا نزلت من خدمتك قبل المغرب أجد مكاني قد جهّز فيه كلّ ما يحتاج إليه وحضر جماعتي، فأقيم إلى آخر الليل وأفعل ما يفعله أرباب المجالس. ثم أتطهّر وأغيّر ثيابي وأصلّي الصبح وأفطر وأركب إلى خدمتك. فتبسّم من كلامه وقال: أقم على ما أنت عليه ولا تتغيّر عنه. فتتبّع أيدمر ما أوجب ذكر سلّار هذا حتى ظهر أنّه من قبل الأمير بيبرس. فركب إليه ومعه مكتوب معصرة ببلاد الصعيد ابتاعها بالقوّة والجاه بمائة وعشرين ألف درهم. فعند ما رآه بيبرس ترحّب به وأجلسه وقال: لعلّ لك شغلا؟ قال: نعم، يا خوند، لمّا سافرت إلى الصعيد اشتريت معصرة بجميع ما تحتاج إليه، وقمت بعد شرائها بكلفها إلى آخر السنة. وما ابتعتها إلّا على اسم الأمير، وهذه مكاتيبها. (وقال إنّ) الطلاق يلزمه ما يأخذ لها ثمنا، وترك المكاتيب وقام. فمن يومئذ كان بيبرس إذا سمع سلّار يذكر أيدمر يثني عليه ويبالغ في شكره. ٨٨٠ - أيدمر السنانيّ [- ٧٠٧] (٢) [٢٥٤ ب] أيدمر السنانيّ، عزّ الدين، أحد الأجناد. وله معرفة بتعبير الرؤيا، ويقول الشعر. توفّي [سنة ٧٠٧ بدمشق] (٣). ومن شعره [الكامل]: تخذ النسيم إلى الحبيب رسولا ... دنف حكاه رقّة ونحولا يجري العيون من العيون صبابة ... فتسيل في إثر الفريق سيولا وتقول من حسد له: يا ليتني ... كنت اتّخذت مع الرسول سبيلا! ٨٨٠/ ٢ - أيدمر الناصري الدوادار [- ٧٧٦] (٤) [٢٣٧ أ] أيدمر [الآنوكيّ] الأمير عزّ الدين الدوادار الناصري، أتابك العساكر المصريّة. أصله من مماليك آنوك (٥) ابن الناصر، وتنقّل في الخدم وحظي عند الناصر حسن وجعله دويداره (٦)، ولم يكن في آخر أيّام الناصر أحظى من أربعة أمراء: يلبغا الخاصّكيّ، وطيبغا

стр. 746

الطويل، وتمان تمر العمريّ (١) وأيدمر الدوادار. فلمّا ركب يلبغا على السلطان [ ... ] (٢) كان أيدمر مع السلطان وهرب معه، فلمّا قبض يلبغا على السلطان وقتله نفى المذكور إلى الشام ثمّ ولّاه نيابة البيرة فأقام بها إلى أن قتل يلبغا فنقل المذكور إلى نيابة بهنسا ثمّ إلى نيابة غزّة، ثمّ في ذي الحجّة سنة سبعين ولي نيابة طرابلس، ثمّ في أوّل سنة ثلاث وسبعين نقل إلى نيابة حلب، ثمّ في جمادى الآخرة سنة أربع [وسبعين] أعيد إلى نيابة طرابلس، فاستمرّ بها إلى أن طلب في المحرّم سنة ستّ وسبعين إلى مصر وجعل أتابك العساكر بعد الجاي اليوسفيّ (٣). قال بعضهم: وكان مهابا سيوسا، حازما يبدأ الناس بالسلام ويتّبع الأحكام الشرعيّة. توفّى في ذي القعدة سنة ستّ وسبعين وسبعمائة. ٨٨٠/ ٣ - أيدمر الشمسيّ الناصريّ [- ٧٨٣] (٤) [٢٣٧ أ] أمّا عزّ الدين أيدمر الشمسيّ الناصري فهو أحد مقدّمي الألوف بالديار المصريّة ورأس الميمنة. أنعم عليه أستاذه الملك الناصر بطبلخانة وبعده أعطي تقدمة واستمرّت في يده سنين كثيرة. وأقعد رأس الميمنة واستمرّ على ذلك إلى أن توفّي. وكان ليّنا، ولمّا حجّ الملك الأشرف كان من جملة الأمراء الذين أقاموا بمصر وهو نائب الغيبة فغلب عليهم المماليك وأخذوا مصر. توفّي مطعونا في صفر سنة ثلاث وثمانين وسبعمائة. وقد [ ... ] هو والذي قبله في [ ... ] (٥). ٨٨١ - أيدمر التركيّ المحيويّ [- ٦٤٨] (٦) [٢٥٥ أ] أيدمر بن عبد الله المحيويّ التركيّ، علم الدين، مملوك محيي الدين أبي المظفّر محمد ابن محمد بن ندى الجزري. اشتغل بالأدب على جماعة، منهم الإمام ضياء الدين أبو طالب بن عبد الله ابن أبي طالب بن سيّد السنجاري، فبرع في الأدب ونظم كفاية المتحفّظ في اللغة، وسمّاها «الغاية في نظم الكفاية» (٧).

стр. 747

وله [٢٣٥ ب] قصيدة في فضل الصحابة، وله ديوان شعر مشهور. وأقام بالقاهرة دهرا طويلا. فلمّا كانت الوقعة بين الملك المعزّ عزّ الدين أيبك التركماني ملك مصر، وبين الملك الناصر يوسف ابن العزيز صاحب الشام على العبّاسيّة في يوم الخميس عاشر ذي القعدة سنة ثمان وأربعين وستّمائة، خرج فيها فوجد في مدينة بلبيس على بعض الدكاكين وقد ضربه بعض الأعراب بدبّوس على حنكه وقد ورم. فحمل إلى القاهرة فتوفّي بعد الوقعة بأربعة أيّام في يوم الاثنين رابع عشر ذي القعدة المذكور. ومن شعره يمدح الملك الصالح نجم الدين أيّوب، من أبيات [البسيط]: نصرت بالرعب قبل البيض والأسل ... ولطف صنع كصنع الله للرّسل أوتيت بسطة تمكين قهرت بها ... معانديك فضع وارفع وصل وطل تثبّتا ما ظننّاه يكون لإن ... سان وقد خلق الإنسان من عجل (١) له يقين أبي بكر وعدل أبي ... حفص وجود أبي عمرو وبأس عليّ (٢) ومن أخرى [رمل]: حفظ الله لنا الصال ... ح مولانا وأبقاه ووقاه حادث الده ... ر ولا زال موقّاه وقال [الهزج]: أما والسيف لا ترجى ... له أوبة مضروب بحدّ غير مصنوع ... وحسن غير مجلوب ورمح من قنا الخطّ ... إلى سمهر منسوب صليب المتن مأمون ال ... حشا صدق الأنابيب وطرف يسبق الطرف ... جواد غير مركوب لقد ألبس هذا الدي ... ن عزّا غير مسلوب بهذا الملك الصال ... ح نجم الدين أيّوب وقال من أبيات في الملك الجواد مظفّر الدين يونس بن مودود ابن العادل أبي بكر بن أيّوب عند وصوله غزّة [البسيط]: ما بعد مرآك للآمال مقترح ... ولا وراء هواها فيك مطّرح أهلا وسهلا وأدنى الله دارك با ... ملكا هو الروح والدنيا له شبح أنتم ملوك بني أيّوب إن فسدوا ... يفسد ويصلح أمر الناس إن صلحوا وله [الوافر]: لقد عتب الأمير عليّ إذ لم ... أسلّم إذ مررت به لماما [٢٥٥ ب] ولو علم المراد بذاك منّي ... تبيّن عنده عذري وقاما هو الروح الأمين فلست إلّا ... بظهر الغيب أقريه السلاما وقال [الوافر]:

стр. 748

أقول وقد تلاعبت الحميّا ... بنا وطغى بسورته الشراب عدوت قضيّة الإنصاف فينا ... وغيّب من حكومتك الصواب أخذت الشاربين بما جناه ... عليك العاصرون وما أصابوا فقالت وهي تضحك في كئوس ... ينوب عن الثغور بها الحباب وجرم جرّه سفهاء قوم ... فحلّ بغير جارمه العذاب وله من أبيات [الطويل]: إلهي، أتاك العالمون بفضلهم ... من العمل الزاكي ففازوا وأدركوا ولا فضل إلّا أنّني بك مؤمن ... وأنّي بحبّ المصطفى متمسّك وقال [السريع]: حللت نفسي من عقال الهموم ... بعقدي الطرف بكتب العلوم [٢٣٦ أ] لمّا رأيت الحظّ بي قاعدا ... قعدت أستأنيه حتى يقوم وقال [الطويل]: وذي سفه أضحى يدير لسانه ... بغيبته منّي على صفح جلّد (١) ولو شئت قول السوء فيه وفعله ... لما خانني فيه لساني ولا يدي وقال [الكامل]: أهلا بغرّة وجهك الحسن الذي ... غرر المحاسن أهله وذووه إن زارني فبفضله أو زرته ... فلفضله فالفضل لا يعدوه وقال [الرمل]: حبّذا الفسطاط من والدة ... جنّبت أولادها درّ الجفا يرد النيل إليها كدرا ... فإذا مازج أهليها صفا لطفوا فالمزن لا يألفهم ... خجلا حين رآهم ألطفا (٢) وقال [السريع]: يا حبّذا مجلسنا مجلسا ... قد حفّت النعمة جلّاسه يجلو عليه الغصن أعطافه ... زهوا ويهدي الزهر أنفاسه وقال في قصر النهار [الكامل]: واها ليوم قد لهوت به ... مقارب الطرفين مختصر قطعت غزالته مسافتها ... وثبا كمثل اللمح بالبصر لم تبد فيه الشمس طالعة ... حتى تلاها الليل في الأثر وقال [الرجز]: كأنّما الهالة حول بدرها ... كمامة تفتّقت عن زهرها وقال [المجتثّ]: وليلة للمعانى ... فيها اضطراب المريض قد حال بين جفوني ... ولذّة التّغميض

стр. 749

رقص البراغيث فيها ... على غناء البعوض وقال [المنسرح]: لو ينطق الدين قال مشتكيا ... يوما مقال الشجيّ ذي الكمد [٢٥٦ أ] كم فارس لي وكم ظهير وكم ... ركن وكم صارم ومعتمد الحكم لله ما عرضت على ... الخذلان حتى تكاثرت عددي قد كنت ذا عزّة ممنّعة ... أيّام ما لي في الناس من أحد وقال [الوافر]: إذا استقصى ودادك ذو وداد ... فقد أبدى مقدّمة الزّهادة إذا ما الشيء زاد إلى انتهاء ... فلا يرقب سوى نقص الزيادة وقال [الكامل]: لي صاحب متلوّن ... في خلقه جمّ التقلّب لو كان يجني لم أبل ... لكنّه يجني ويغضب وقال [الخفيف]: لا أهنّي مولاي بالعيد إلّا ... خوف تعطيل سنّة تعتاد فمن الجهل أن يهنّا بعيد ... من به الدهر كلّه أعياد وقال [الخفيف]: خير صوم مضى وأعقب أجرا ... ليس يمضي وخير فطر أتاكا فتلقّاك بالسعادة هذا ... وتوخّاك بالمثوبة ذاكا وقال [الكامل]: يا نائيا عنّي ولم يبعد وإن ... بخلت بقرب مزاره الأيّام [٢٣٦ ب] وإذا تقاربت القلوب فأهون ... الأشياء أن تتباعد الأجسام لو كان أمكن سار كلّ عشيّة ... منّي إليك تحيّة وسلام وقال [الكامل]: كثر العجائب في الزمان ولا أرى ... عجبا كمثل عجيبة الخصيان نقصوا فزاد البغض [فلت] عجبوا ... لزيادة أخذت من النقصان (١) وقال [م. الخفيف]: عابني عيبه العيو ... ب ولو شئت عبته لكن الفحش لم تع ... وّده نفسي فعفته وقال [الكامل]: انظر إلى الهرمين واسمع منهما ... ما يرويان عن الزمان الغابر وانظر إلى أثر الليالي فيهما ... نظرا بعين القلب لا بالناظر لو ينطقان يخبّرانا بالذي ... فعل الزمان بأوّل وبآخر وإذا هما بدوا لعيني ناظر ... وصفا له أذني جواد عائر (٢) وقال [السريع]: مررت مجتازا بصوفيّة ... لهم لحى يضحك منها جحا

стр. 750

ففيهم قطب فلو أنصفوا ... أدير للصنع عليهم رحا وكان يقرأ على العلّامة ضياء الدين أبي طالب ابن عبد الله بن أبي طالب بن سيّد السنجاري، وقد أقبل الطواشي جمال الدين كافور خادم محيي الدين الجزري أستاذه على فرس أشهب، فقال ضياء الدين [كامل]: جاء الجمال وتحته مهر أجز يا علم الدين: فأنشد عقيب قوله من غير رويّة ولا فكر: فتدفّقا فكلاهما بحر فقال ضياء الدين: فكأنّما كافور حين بدا فقال علم الدين أيدمر: [٢٥٦ ب] كافور إذ خضعت له مصر! وكتب الصاحب كمال الدين عمر بن أحمد ابن العديم على ديوانه [طويل]: وكنت أظنّ الترك تختصّ أعين ... لهم إن رنت بالسحر فيها وأجفان إلى أن أتاني من بديع قريضهم ... قواف هي السحر الحلال وديوان فأيقنت أنّ السحر أجمعه لهم ... يقرّ له هاروت فيه وسحبان (١) ٨٨٢ - أيدمر الدوادار [- ٧٤٠] (٢) [٢٥٦ ب] أيدمر الدوادار، الأمير عزّ الدين، أحد المماليك الناصريّة محمد بن قلاوون. عمله دوادار [ا] مدّة، ثم أنعم عليه بإمرة في دمشق. وسار إليها في سنة سبع عشرة وسبعمائة. ومات في سنة أربعين وسبعمائة. وكان خيّرا، له معروف وصدقات، واشتغال بالعلم، ويكتب الخطّ المنسوب (٣). ٨٨٣ - أيدمر العلانيّ [- ٦٧٦] (٤) [٢٥٦ ب] أيدمر العلانيّ، الأمير عزّ الدين، أخو أيدكين الصالحيّ، أحد البحريّة الذين خرجوا في نوبة أقطاي. فكان من بينهم، إذا أتوا إلى زرع أطلقوا خيولهم فيه، فيمسك هو فرسه ولا يطعمه إلّا ممّا يشتريه بماله (٥). فلمّا ملك السلطان الملك الظاهر صفد ولّاه نيابتها. وكان يقول: هو قاضي الترك! واتّفق في نيابته أنّ بعض البحريّة طارت شرارة نار من شمعة بيده فأحرقت قشر أرز وتعلّقت بحواصل منجنيقات فأحرقتها كلّها، فكاتب السلطان بذلك وبذل من ماله ألف دينار لبيت المال عن نظير ما احترق من المنجنيقات. فعاد جوابه: يشنق الرجل وما لنا حاجة بالذهب. فأعاد كتابه بدفع ألفي دينار. فأجيب بشنقه من غير معاودة، وإلّا بعثنا من يشنقك ويشنقه- كلّ هذا ولا يعلم الرجل ما جرى، وامتنع من شنقه، تديّنا. فخاف والي القلعة سطوة السلطان فأخذ

стр. 751

الرجل وشنقه في يوم ثلج. واتّفق قدوم بيت الرجل وأهله من مصر فرأوه مشنوقا فعملوا عزاءه. ومات العلّانيّ في سنة ستّ وسبعين وستّمائة. ٨٨٤ - أيدمر الظاهريّ [- ٧٠٠] (١) [٢٥٧ أ] أيدمر الظاهريّ، الأمير عزّ الدين، أحد المماليك الظاهريّة بيبرس. رقّاه في خدمه إلى أن أنعم عليه بإمرة وجعله أستادار [ا]. فلمّا قبض على الملك المغيث عمر صاحب الكرك، بعث أيدمر هذا والصاحب فخر الدين محمد ابن حنّا في ليلة الجمعة رابع عشرين جمادى الآخرة سنة إحدى وستّين وستّمائة فتسلّما القلعة، ووافاهما السلطان وقد أقاما الخطبة باسمه. فرتّب أمور القلعة والمدينة واستناب أيدمر، وأضاف إليه الشّوبك، وأنعم عليه بثلاثين ألف درهم وغير ذلك من الآلات والأثاث، وعاد إلى مصر. فلم يزل بالكرك إلى أن قدم عليه السلطان في سابع صفر سنة سبعين وستّمائة، وقرّر عوضه في نيابة الكرك علاء الدين أيدكين الفخريّ. فتسلّمها في ثامنه. وأفهم أيدمر أنّه طلبه لنيابة حصن الأكراد، وسار به معه إلى دمشق فدخلها في ثالث عشره على حين غفلة بعد ما كتب إلى النوّاب والأمراء ثمانين كتابا بخطّ فتح الدين محمد بن عبد الظاهر كاتب السرّ في يوم وليلة بحضرته أنّه استناب أيدمر هذا بدمشق عوضا عن الأمير جمال الدين آقّوش النجيبي. وبعث تشريفا للنجيبي وأمره أن يتوجّه إلى مصر، ويسلّمها إلى أيدمر فامتثل ذلك وسلّمها لأيدمر. فلم يزل في نيابة دمشق حتى مات الملك الظاهر، وقام من بعده الملك السعيد محمد بركة خان [ف] أقرّه في النيابة إلى أن اختلف عليه الأمراء وهو بدمشق وساروا إلى مصر وهو في إثرهم وكان من خلعه ما قد ذكر في ترجمته (٢). [ف] قدم عسكر من حلب وفيهم (٣) الأمير عزّ الدين أزدمر العلائيّ، والأمير قراسنقر المعزّيّ، والأمير آقوش الشمسيّ، والأمير برلغي في نحو الألفين [وساروا] إلى دمشق، واتّفقوا على إقامة آقوش الشمسيّ في نيابة دمشق. وقبضوا على أيدمر (٤) وسجنوه بقلعة دمشق في جمادىالأولى سنة ثمان وسبعين وستّمائة. ثم أفرج عنه في الدولة المنصوريّة قلاوون. وأقام بدمشق حتى مات برباطه في سفح قاسيون يوم الأربعاء ثاني شهر ربيع الآخر (٥) سنة سبعمائة، ودفن بتربته على نهر ثورا. وكان شجاعا مقداما كريما، وله عدّة مماليك تأمّروا، منهم سنقر الأعسر الوزير، وأيدمر النقيب. ٨٨٥ - أيدمر العزّي [- ٧٠٢] (٦) [٢٥٧ ب] أيدمر العزّيّ، الأمير عزّ الدين

стр. 752

النقيب، أحد مماليك الأمير عزّ الدين أيدمر الظاهريّ نائب دمشق. تقدّم في الأيّام الأشرفيّة خليل. والأيّام الحساميّة لاجين بمعاشرة الأمراء إلى أن أنعم عليه بإمرة واستقرّ نقيب المماليك عوضا عن [ ... ]. وأسر (١) في وقعة شقحب، وقتل في ثالث شهر رمضان سنة اثنتين وسبعمائة. وإليه تنسب سويقة العزّيّ (٢) خارج باب زويلة من القاهرة. وكان كثير الهزل خفيف الروح، واسطة خير، محبوبا إلى الناس. ٨٨٦ - أيدمر الرفّاء [- ٧٠٢] (٣) أيدمر الرفّاء، الأمير عزّ الدين، أحد الأمراء المنصوريّة قلاوون. استشهد في وقعة شقحب يوم الأحد ثاني رمضان سنة اثنتين وسبعمائة بعد ما أبلى بلاء عظيما وأصيب فرسه بسهم سقط به إلى الأرض. فعند ما أحاط به المغل، قتل منهم فارسين وألقى الثالث إلى الأرض واعتنقه وتعاركا حتى قتل هو وإيّاه جميعا. وكان من أحسن الأشكال وأجملها. ٨٨٧ - أيدمر العلائيّ الزرّاق [- نحو ٧٦٠] (٤) [٢٥٧ ب] أيدمر العلائيّ الجمقدار، الأمير عزّ الدين الزرّاق، أحد [ ... ]. ترقّى في الخدم إلى أن استقرّ في ولاية القاهرة عوضا [ ... ]. ثم خلع عليه في يوم الخميس ثاني عشر المحرّم سنة إحدى وثلاثين وسبعمائة، واستقرّ أمير جندار عوضا عن الأمير الدمر المقتول بمكّة (٥). واستقرّ في ولاية الإسكندريّة عوضا عن بيبرس الركنيّ في سنة أربعين فباشر قليلا واستعفى فأعفي، واستقرّ عوضه بكتاي البريديّ متولّي قطيا. ثم أمّر بدمشق في سلطنة حسن، ثمّ نقل إلى حلب أميرا. مات في حدود الستّين [وسبعمائة]. وكان ديّنا وطيء الجانب. ٨٨٨ - أيدمر الخطيريّ [- ٧٣٧] (٦) أيدمر الخطيريّ، الأمير عزّ الدين. [٢٥٨ أ] كان مملوكا لشرف الدين أوحد الخطير [الروميّ] (٧) والد الأمير مسعود بن الخطير، ثم صار من جملة المماليك السلطانيّة، وأنعم عليه

стр. 753

بإمرة عند قدوم الملك الناصر محمد بن قلاوون من الكرك وإقامته في السلطنة مرّة ثانية في جمادى الأولى سنة ثمان وتسعين وستّمائة. وأقيم في أستداريّة السلطان نيابة عن الأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكير بعد نفي الأمير سنجر الجاولي في محرّم سنة ستّ وسبعمائة، فاستمرّ في ذلك إلى أن خرج مع الملك الناصر يريد الحجّ في شهر رمضان سنة ثمان وسبعمائة. فعرّج إلى الكرك وكتب معه بأنّه قد نزل عن السلطنة، فقام بها بيبرس الجاشنكير وتلقّب بالملك المظفّر. فزادت مكانته. وعند ما توقّف ماء النيل عن الزيادة في سنة تسع وسبعمائة توقّع الناس الغلاء، وامتنع الأمراء من بيع الغلال التي بالشون (١). فتقدّم الخطيريّ إلى مباشريه ببيع سائر غلاله وأن لا يتركوا منها إلّا قدر مؤنته لسنة، وأن لا تباع غلّاته إلّا على الفقراء. فارتفق الناس بها. ولم يزل إلى أن فرّ الملك المظفّر. فخرج فيمن خرج معه من الزامه (٢) إلى إطفيح في سادس عشر رمضان ولم يزل معه [حتى وصل المظفّر] إلى إخميم. فعاد [أيدمر] إلى القاهرة، وقد ملك الناصر قلعة الجبل. فخلع عليه، ثم قبضه عقيب ذلك هو وبكتوت الفتّاح أمير جندار، وسجنا بالإسكندريّة إلى أن مات الفتّاح، فنقل الخطيريّ إلى مكانه. وكان للأمير بكتوت الخزنداريّ نائب الإسكندريّة به عناية. فلمّا ورد عليه المرسوم بنقله بعث له في خفية إناء كبيرا جدّا فيه ماء. ومعه رغيف كبير من خبز يزن أرطالا كثيرة ليتقوّت بذلك، فإنّ السلطان كان يقتل الأمراء بمنعهم الزاد والماء، فعند ما دخل الخطيريّ إلى حيث مات الفتّاح ورأى ما ذكرنا فهم المراد، وتبلّغ به أيّاما ونجا. وطار الخبر إلى القاهرة بنقله إلى موضع الفتّاح فأيس منه أتباعه وكان قد أسند وصيّته عند القبض عليه لأستاداره بدر الدين بيليك. فلم يزل يسعى له عند خواصّ السلطان ويملأ أعينهم بما يهديه إليهم من التحف حتى ودّ كلّ منهم لو خلص الخطيريّ. فشقّ عليهم ما صار إليه ولم يشكّوا في هلاكه، وأطلعوا بيليك على هذا ووصّوه بحفظ مال أستاذه لأولاده. فمضى عنهم وترقّب ورود الخبر بموته. فلم يمض سوى أحد عشر يوما حتى [٢٥٨ ب] رأى في منامه قائلا يأمره بالصدقة عن أستاذه. فلمّا أصبح تصدّق من شونة الخطيريّ بألف إردت قمحا، ومن ماله بعشرة آلاف درهم فضّة في يومه. ومضى الغد وبعده تتمّة ثلاثة عشر يوما، وإذا بقصّاد خواصّ السلطان أتوه بطلبه. فلمّا أتاهم أخبروه أنّ السلطان البارحة ذكر الأمراءالمحبوسين وقال: أترى الخطيريّ يعيش إلى اليوم أو مات؟ فوجدوا السبيل إلى الكلام وسألوه في الإفراج عنه، فقال: ما تدركونه إلّا وقد مات. فقالوا: يرسم السلطان ونتكل على الله. فإن كان حيّا حصل له الفرج وإن كان ميّتا فيرحمه الله. فأنعم بالإفراج عنه. فسرّ بذلك. وعقبها حضر الخطيريّ إلى القاهرة في أثناء ذي الحجّة سنة إحدى عشرة، فأقبل عليه السلطان وأنعم عليه بإقطاعه، وكان بيد الجاوليّ. فاستمرّ من جملة أمراء مصر، وعدّ هذا من بركة الصدقة. فصار أمير مائة مقدّم ألف يجلس رأس الميسرة ولا يمكّن من المبيت إلّا في قلعة الجبل، فلا ينزل لداره برحبة باب العيد من القاهرة

стр. 754

إلّا نهارا، ويطلع إلى القلعة آخر النهار، فكانوا يرون هذا تعظيما له. ولم يزل على هذا إلى أن مات في يوم الثلاثاء أوّل شهر رجب سنة سبع وثلاثين وسبعمائة. وترك ولدين أميرين: هما محمد وعليّ. وكان من الأمراء الأجواد الأتقياء المحتشمين، له [٢٣٨ أ] أطعمة مفتخرة وأسمطة جليلة، بحيث إنّ مباشريه ذكروا له أنّ أطعمته تحلّى بالسكّر المكرّر، والقصد إنّما هو وجود الحلاوة، ويكفي أن يكون السكّر غير مكرّر. فقال: لا، فإنّه ليبقى في نفسي أنّه غير مكرّر [فلا يطيب] (١). وكان زائد التجمّل كبير الهمّة. أنشأ الجامع المعروف بالخطيري في رملة بولاق والربع بجانبه، أنفق عليهما نحو أربعمائة ألف درهم فضّة. وأخذه النيل في حياته فجدّده، كما قد ذكرته في أخباره عند ذكر الجوامع من كتاب «المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار» (٢). وأنشأ أيضا دارا جليلة بخطّ المنحر المعروف اليوم بالدرب الأصفر قريبا من رحبة باب العيد قد ذكرتها أيضا عند ذكر الدور (٣). ولم يلبس هو ولا أحد من مماليكه قباء مصقولا قطّ. وحجّ ثلاث مرّات فرّق فيها مالا عظيما. وكان يخرج الزكاة في كلّ سنة. وكانت له صدقات جارية، ومرتّبات دائرة على ذوي الحاجات من أرباب البيوت مع مهابة قويّة وحرمة زائدة وشيبة منوّرة. ٨٨٩ - أيدمر الشمسيّ (٤) [٢٥٩ أ] أيدمر الشمسيّ، الأمير عزّ الدّين. ترقّى في الخدم حتى صار من جملة الأمراء. ثم أخرج في أوّل أيّام الناصر حسن إلى دمشق، ونقل إلى صفد. وأنعم عليه بإمرة عبد الله بن اللمش. ثم أعيد إلى دمشق. ٨٩٠ - أيدمر الزرّاق [- بعد ٧٤٨] (٥) [٢٥٩ أ] أيدمر الزرّاق، الأمير عزّ الدين، أحد المماليك [ ... ]. ترقّى في الخدم حتى صار من جملة الأمراء. ثمّ عمل نيابة غزّة في سنة خمس وأربعين [وسبعمائة]. وأعيد بعد مدّة إلى القاهرة. ثم توجّه ومعه الأمير نجم الدين داود بن الزيبق للحوطة على أموال الأمير يلبغا اليحياويّ في جمادى الآخرة سنة ثمان وأربعين. وعاد ومعه الأمير آقسنقر أمير جندار بالمال إلى السلطان الملك المظفّر حاجّي. فزالت دولته بعد تحوّله ولم يكن معه من الأمراء إلّا أيدمر هذا وآقسنقر وأيدمر الشمسيّ. فنقم الخاصّكيّة ذلك عليهم وأخرجوهم إلى الشام. فقدموها يوم عيد الفطر منها [سنة ٧٤٨]. ثم نقل الزرّاق إلى حلب في نصف شوّال المذكور على إمرة الأمير أسندمر الحسنيّ.

стр. 755

٨٩١ - أيدمر الشّيخيّ [- ٧٧٣] (١) [٢٥٩ ب] أيدمر الشيخيّ، الأمير عزّ الدين نائب حماة. أحد المماليك الناصريّة محمد بن قلاوون. ترقّى في الخدم إلى أن أنعم عليه في الأيّام المنصوريّة حسن بتقدمة ألف. فلمّا قتل السلطان حسن عمل أمير جاندار، ثم أخرج إلى نيابة حماة عوضا عن عمر شاه في سنة تسع وستّين، وصرف عنها في ثالث ربيع الآخر سنة إحدى وسبعين بالأمير كبجكي (٢)، وأنعم عليه بإمرة بحلب. فلم يزل بها حتى مات في سنة ثلاث وسبعين وسبعمائة عن بضع وخمسين سنة. وكان خيّرا مهابا متواضعا يوصف بدين وإحسان. ٨٩٢ - أيدمر «دقماق» [- ٧٣٤] (٣) [٢٥٩ ب] أيدمر العلائيّ المعروف بدقماق. أحد المماليك الأشرفيّة خليل بن قلاوون. ترقّى في الخدم إلى أن صار من نقباء المماليك السلطانيّة. ثم استقرّ نقيب الجيش حتى مات في [ ... ] سنة أربع وثلاثين وسبعمائة. فاستقرّ عوضه الأمير صاروجا نقيب المماليك، واستقرّ ناصر الدين محمد بن لاجين المحمّديّ نقيب المماليك عوضا عن صاروجا. وكان دقماق مشكورا. ٨٩٣ - أيمن بن خريم [- ٨٦] (٤) [٢٦٠ أ] أيمن بن خريم- أوّله خاء معجمة مضمومة، ثم راء مهملة مفتوحة- بن فاتك- ويقال: حريم بن الأخرم- بن شدّاد بن عمرو بن الفاتك بن عمرو بن أسد بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معدّ بن عدنان. وأبوه الأخرم يقال له: فاتك. وقد قيل إنّ فاتكا هو ابن الأخرم. ويكنّى أيمن بن خريم «أبو عطيّة»، ويكنّى أبوه خريم بن فاتك «أبو يحيى»، وقيل: «أبو أيمن». وهو أسديّ من بني أسد بن خزيمة. شهد أبوه خريم بدرا مع أخيه سبرة بن فاتك. وقيل: أسلم حريم وابنه أيمن يوم فتح مكّة، والأوّل أصحّ: فقد صحّح البخاريّ وغيره أنّ خريم ابن فاتك [٢٣٨ ب] وأخاه سبرة بن فاتك شهدا بدرا. ولقي أيمن [ ... ] طليحة بن خويلد فقال له: ما بقي من كنانتك؟ قال: نفخة أو نفختان بالكير- يعيّره بأنّه من القيون (٥).

стр. 756

وروى أيمن عن أبيه وعمّه. وروى عنه الشعبيّ. وهو شاميّ نزل الكوفة. وقدم مصر مع مروان بن الحكم سنة خمس وستّين، واستعان به على ولده عبد العزيز بن مروان حين كره الإقامة بمصر. وكان شاعرا محسنا. قال الشعبيّ: أرسل مروان إلى أيمن بن خريم يوم المرج يوم قتل الضحّاك بن قيس الفهريّ: ألا تخرج تقاتل معنا؟ ألا تتبعنا على ما نحن فيه؟ فقال: إنّ أبي وعمّي شهدا بدرا، وإنّهما عهدا إليّ ألّا أقاتل رجلا يشهد أن لا إله إلا الله وأنّ محمدا رسول الله. فإن جئتني ببراءة من النار فأنا معك. فقال: لا حاجة لنا بمعونتك. فخرج وهو يقول [وافر]: ولست مقاتلا رجلا يصلّي ... على سلطان آخر من قريش له سلطانه وعليّ إثمي ... معاذ الله من سفه وطيش أأقتل مسلما في غير جرم ... فلست بنافع ما عشت عيشي وقال الدارقطني: قد روى أيمن بن خريم عن النبي ﷺ . قال ابن عبد البرّ: وأمّا أنا فما وجدت له رواية إلّا عن أبيه وعمّه. وقال أبو الفرج الأصبهانيّ: وكان أيمن يتشيّع. وكان أبوه أحد من اعتزل حرب الجمل وصفّين وما بعدهما من الأحداث فلم يحضرها. وقال مجالد: كان [٢٦٠ ب] عبد الملك بن مروان شديد الشغف بالنساء. فلمّا أسنّ وضعف عن الجماع ازداد غرامه بهنّ. فدخل عليه أيمن بن خريم فقال له: كيف أنت يا أيمن؟ قال: بخير يا أمير المؤمنين. قال: كيف قوّتك؟ قال: كما أحبّ ولله الحمد: إنّي لآكل الجذعة من الضأن بالصاع من البرّ، وأشرب العسّ المملوء أعبّه عبّا، وأرتحل البعير الصعب فأنضيه، وأركب المهر الأرن (١) فأذلّله، وأفترع العذراء لا يقعدني عنها الكبر ولا يمنعني منها إلّا السحر، لا يرويني الغمر ولا ينقضي منّي الوطر. فغاظ عبد الملك قوله وحسده. فمنعه العطاء وحجبه وقصده بما يكره حتى أثّر ذلك في حاله. فقالت له امرأته: ويحك! اصدقني عن حالك! فهل لك جرم؟ قال: لا والله. قالت: فأيّ شيء دار بينك وبين أمير المؤمنين آخر ما لقيته؟ فأخبرها. فقالت: إنّا لله، ها هنا أتيت! أنا أحتال لك في ذلك حتى أزيل ما جرى عليك، فقد حسدك الرجل على ما وصفت به نفسك. فتهيّأت ولبست ثيابها ودخلت على عاتكة بنت يزيد بن معاوية امرأة عبد الملك فقالت: أسألك أن تستعدي لي أمير المؤمنين على زوجي. قالت: وما له؟ قالت: ما أدري أنا مع رجل أو مع حائط، وإنّ له لسنين ما يعرف فراشي. فاسأليه أن يفرّق بيني وبينه. فخرجت عاتكة إلى عبد الملك فذكرت له ذلك وسألته في أمرها. فوجّه إلى أيمن فأحضره وسأله عمّا شكت امرأته. فاعترف بذلك. فقال له: أو لمأسألك عام أوّل عن حالك، فوصفت لي كيت وكيت؟

стр. 757

فقال: يا أمير المؤمنين، إنّ الرجل ليتجمّل عند سلطانه، ويتجلّد عند أعدائه بأكثر ممّا وصفت نفسي به، وإنّي القائل [متقارب]: لقيت من الغانيات العجابا ... لو ادرك منّي النساء الشبابا يرى الشيب جمع النساء الحسان ... عناء شديدا إذا المرء شابا (١) ولو كلت بالمدّ للغانيات ... وضاعفت فوق القياب الثيابا إذا لم تنلهنّ من ذاك ذاك ... نعينك عند الكبير الكذابا (٢) يذدن بكلّ عصا ذائد ... ويصبحن كلّ غداة صعابا إذا لم يخالطن كلّ الخلا ... ط أصبحن مخرنطمات غضابا [٢٣٩ أ] علام يكحّلن حور العيون ... ويحدثن بعد الخضاب الخضابا ويعركن بالمسك أجيادهنّ ... ويدنين عند الحجاب العيابا ويبرقن إلّا لما تعلمون ... فلا تمنعنّ النساء الضّرابا (٣)! فجعل عبد الملك يضحك من قوله، ثم قال: أولى لك يا ابن خريم! لقد لقيت منهنّ ترحا. فما ترى أن نصنع بينك وبينها؟ قال: نستأجلها إلى أجل العنّين، وأداريها لعلّي أستطيع إمساكها. قال: أفعل ذلك. ففعل وردّها إليه. وأمر له بما فات من عطائه وعاد إلى برّه وتقريبه. وقال ابن قتيبة: قال له عبد الملك لمّا أنشده هذا الشعر: ما وصف النساء أحد بمثل هذا، ولا عرفهنّ أحد معرفتك. فقال له: لئن كنت صدقت، لقد صدق الذي يقول- وهو علقمة بن عبدة-[طويل]: فإن تسألوني بالنساء فإنّني ... خبير بأدواء النساء طبيب إذا شاب رأس المرء أو قلّ ماله ... فليس له في ودّهنّ نصيب يردن ثراء المال حيث علمنه ... وشرخ الشباب عندهنّ عجيب وقال أيمن في شبيب ومحاربته الحجّاج بن يوسف، من أبيات [متقارب]: أبي الجبناء من اهل العراق ... على الله في الحرب إلّا قسوطا يقتّلهم مائتا فارس ... من السافكين الدماء العبيطا وخمسون من مارقات النسا ... ء يجررن للمنديات المروطا وخيل غزالة تنتابهم ... تحوز العراق وتجبي النبيطا تكرّ وتحجر فرسانهم ... كما أجحر الحيّة العضرفوطا (٤) قد آذى الخليفة ما يصنعون ... ومستنصر الأمّة المستشيطا

стр. 758

فلو كان لوط إماما لكم ... لأسلمتم يوم تلقون لوطا (١) وقال [بسيط]: تفاقد الذابحو عثمان ضاحية ... أيّ قتيل حرام- ذبّحوا- ذبحوا (٢) ضحّوا بعثمان في الشهر الحرام، ولم ... يخشوا على مطمح الكفّ الذي طمحوا فأيّ سنّة جور سنّ أوّلهم ... وباب سوء (٣) على سلطانهم فتحوا ماذا أرادوا- أضلّ [الله] سعيهم- ... في سفح ذاك الدم الزاكي الذي سفحوا فاستوردتهم سيوف المسلمين على ... تمام ظمئ كما يستورد النّضح إنّ الذين تولّوا قتله سفها ... لقوا أثاما وخسرانا وما ربحوا وقال أبو بكر الصولي: وكان يسمّى «خليل الخلفاء» لإعجابهم به لحسن حديثه وعلمه وفصاحته. وكان به وضح ويغيّره (٤) بزعفران فقدم على عبد العزيز بن مروان، فكان حظيّا عنده يؤاكله ويحتمل ذاك لإعجابه به. ثم خرج من مصر إلى الشام إلى بشر بن مروان، وقال [وافر]: ركبت من المقطّم في جمادى ... إلى بشر بن مروان البريدا فمرّ بي البريد على شميل ... يجوب مهامها غبرا وسودا [٢٨٩ ب] أمير المؤمنين أقم ببشر ... عمود الدين إنّ له عمودا ودع بشرا يقوّمهم ويحدث ... لأهل الزيغ إسلاما جديدا فلو أعطاك بشر ألف ألف ... رأى حقّا عليه أن يعودا (٥) كأنّ التاج تاج بني هرقل ... جلوه لأعظم الأعياد عيدا (٦) يصافح خدّ بشر حين يمسي ... إذا الظلماء صافحت الخدودا على ديباج خدّي وجه بشر ... إذا الألوان حالفت الخدودا قيل: إنّه عرّض بقوله: «إذا الألوان حالفت الخدودا» بكلف (٧) كان في [٢٦٢ أ] وجه عبد العزيز. وإنّا قد وجدنا أمّ بشر ... كأمّ الأسد مذكارا ولودا فأعطاه بشر مائة ألف درهم. وكان سبب خروجه من مصر أنّه دخل على عبد العزيز بن مروان وعنده نصيب. فقال له: يا أيمن، كم ترى ثمن هذا العبد؟ فنظر إلى نصيب فقال: والله لنعم الغادي في إثر المخاض. هذا أيّها الأمير أرى ثمنه مائة دينار. قال: فإنّ له شعرا وفصاحة. قال: فثمنه ثلاثون دينارا. قال: يا أيمن، أرفعه وتخفضه؟ قال: لكونه أحمق أيّها الأمير، أمثل هذا يقول الشعر أو يحسن شعرا؟

стр. 759

فقال: أنشده يا نصيب. فأنشده. فقال عبد العزيز: كيف تسمع يا أيمن؟ قال: شعر أسود هو أشعر أهل جلدته. قال: هو والله أشعر منك! قال: منّي أيّها الأمير؟ قال: إي والله، منك. قال: والله أيّها الأمير، إنك لملول طرف (١). قال: كذبت، والله ما أنا كذلك، ولو كنت كذاك ما صبرت عليك تنازعني التحيّة وتؤاكلني الطعام وتتكئ على وسادتي وفرشي، وبك ما بك- يعني وضحا كان بأيمن-. فقال: ائذن لي أن أخرج إلى بشر بالعراق، واحملني على البريد. قال: قد أذنت لك. وأمر به فحمل على البريد إلى بشر فقال الأبيات المذكورة. وروى مسلمة بن محارب الزياديّ أنّ خريم بن فاتك مرّ بمجذوم في الطريق فاحتمله وآواه فقال النبي ﷺ : رحم الله من فعل هذا [٢٦٢ ب] بالمجذوم! وقال أبو اليقظان (٢): كان لأيمن فضل ودين. وكتب إليه عبد الملك بن مروان أن يقاتل معه عمرو بن سعيد [بن العاص، الأشدق] فقال [وافر]: أأقتل في حجاج بين عمرو ... وبين خصيمه عبد العزيز فأقتل ضيعة في غير جرم ويبقى بعدنا أهل الكنوز؟ ... لعمرك ما هديت إذن لرشدي ولا وفّقت للحرز الحريز ... فإنّي تارك لهما جميعا ومعتزل كما اعتزل ابن كوز (٣) وقال [الرمل]: إنّ للفتنة شرّا [بيّنا] ... فاصطبر للأمر حتى يعتدل وإذا كان عطاء فأتهم ... وإذا كان قتالا فاعتزل إنّما يسعرها جهّالها ... حطب النار فدعها تشتعل وقال- وقيل: هو لغيره-[وافر]: يقول لي الأمير إذا رآني ... تقدّم حين جدّ به المراس فما لي إن أطعتك غير نفس ... وما لي غير هذا الرأس رأس ٨٩٤ - أيوب ابن النحّاس [٦١٧ - ٦٩٩] (٤) [٢٦٢ ب] أيّوب بن أبي بكر بن إبراهيم بن هبة الله بن طارق بن سالم بن عبد الله، [الأسديّ]، الحلبيّ، [بهاء الدين]، أبو صابر، الحنفيّ، ابن النحّاس، [مدرّس القليجيّة وشيخ الحديث بها]. سمع بمكّة من ابن بنت الجمّيزى، وبالقاهرة

стр. 760

من يوسف الساويّ، وببغداد من ابن الحارث، وغيرهم. واشتغل كثيرا وأفتى ودرّس. ومات في شوّال سنة تسع وتسعين وستّمائة. ٨٩٥ - نجم الدين الكرديّ، والي القاهرة [- بعد ٧٤٠] (١) [٢٤٠ أ] أيّوب، الأمير نجم الدين الكرديّ. خدم أستدارا للأمير الأكوز (٢) شادّ الدواوين. ثم ولي الشرقية (٣). وخلع عليه في يوم الاثنين عاشر صفر سنة أربعين واستقرّ في ولاية القاهرة عوضا عن علاء الدين علي بن حسن المروانيّ، وعزل وأعيد مرارا. ٨٩٦ - أيّوب بن شاذي، والد صلاح الدين [- ٥٦٨] (٤) [٢٦٣ أ] أيّوب بن شاذي بن مروان بن يعقوب، الملك الرحيم الأفضل والد الملوك، نجم الدين، أبو سعيد وأبو الشكر الدوينيّ الكردي. كان أبوه شاذي بن مروان، من أبناء أعيان دوين، وبينه وبين جمال الدولة المجاهد بهروز صحبة. فاتّفق أنّ بهروز اتّهم بزوجة بعض أمراء دوين فخصاه. فخرج منها واتّصل بلالا أولاد السلطان غياث الدين مسعود السلجوقيّ، واختصّ به وصار يركب مع أولاد السلطان. فرآه السلطان يوما مع أولاده فأنكره فقال اللالا: إنّه خادم مثلي. ثم صار يسيّره إلى السلطان فخفّ على قلبه، ولعب معه الشطرنج والنرد. وكان من أظرف الناس، فحظي عنده. ومات اللالا فأقامه مكانه، فاشتهر ذكره. واستدعى شاذي بن مروان، فلمّا قدم عليه أكرمه. ثم إنّ السلطان بعث بهروز واليا ببغداد ونائبا عنه، فسار معه شاذي وأولاده، وكانت تكريت قد أعطاها السلطان لبهروز فأرسل إليه شاذي، فأقام بها مدّة ومات. فولي ابنه نجم الدين أيّوب عوضه فنهض في أمرها وشكره بهروز. فاتّفق أنّ عماد الدين زنكي صاحب الموصل لمّا قصد حصار بغداد أيّام الخليفة المسترشد بالله الفضل بن أحمد المستظهر بالله، وكان من محاربة المسترشد ما كان وانهزام عماد الدين زنكي وعبوره على تكريت خدمه نجم الدين أيّوب وأقام له السفن حتى عبر دجلة. وتبعه أصحابه فأحسن إليهم وسيّرهم. فبلغ ذلك بهروز فأنكر على نجم الدين وقال: كيف تظفر بعدوّنا وتحسن إليه؟ واتّفق مع ذلك أن أسد الدين شيركوه أخا نجم الدين أيّوب أتته امرأة باكية وذكرت أنّ فلانا الإسفهسلار تعرّض لها وهي داخلة في باب القلعة. فقام وضرب الإسفهسلار بحربة [ف] قتله. فأمسكه أخوه نجم الدين واعتقله وكتب يعلم بهروز بخبره. فعاد جوابه: إنّ لأبيكما شاذي عليّ حقّا، وما يمكنني أن أكافئكما بسوء. ولكن اتركا خدمتي واخرجا من بلدي. فخرج أيّوب وشيركوه من تكريت وقصدا عماد الدين زنكي بن آقسنقر صاحب الموصل، فأحسن إليهما وأقطعهما إقطاعا جيّدا. وما زالا في خدمته إلى أن ملك قلعة بعلبك. فاستخلف بها نجم

стр. 761

الدين أيّوب، فأقام بها وعمّر بها الخانقاه [٢٦٣ ب] النجميّة. فلمّا قتل عماد الدين زنكي وحصر مجير الدين آبق صاحب دمشق (١) بعلبك ضاق الأمر على نجم الدين ولم تأته نجدة من أولاد عماد الدين زنكي، [ف] سلّم آبق قلعة بعلبك على إقطاع ذكره بعد ما حلف له، وانتقل إلى دمشق بأولاده وتسلّم الإقطاع والمال. وقدّمه آبق وعمله من أكبر الأمراء. واتّصل أخوه شيركوه بنور الدين محمود بن زنكي وخدمه في أيّام أبيه فحظي عنده، وجعله بعد موت أبيه مقدّم عسكره بحلب، إلى أن ملك دمشق. فأقرّ أيّوب وشيركوه بخدمته. وبعث شيركوه إلى مصر نجدة لشاور كما ذكر في ترجمتيهما (٢). فتوجّه صلاح الدين يوسف بن أيّوب في خدمة عمّه أسد الدين شيركوه إلى مصر. وكان من تملّك شيركوه مصر، ثمّ تملّك صلاح الدين يوسف بعده إلى أيّام الخليفة العاضد لدين الله ما كان. فاستدعى [صلاح الدين] أباه نجم الدين أيّوب من دمشق، فجهّزه إليه نور الدين محمود في سنة خمس وستّين وخمسمائة. وخرج العاضد فتلقّاه عند صحراء الإهليلج خارج باب الفتوح وأقطعه الإسكندريّة ودمياط والبحيرة [٢٤٠ ب]، وأقطع ابنه شمس الدولة توران شاه (٣) بن أيّوب قوص وأسوان وعيذاب، وعبرتها في كلّ سنة مائتا ألف وستّة وستّون ألف دينار. فسلك صلاح الدين مع أبيه من الأدب ما يليق به وعرض عليه الأمر، فأبى وقال: يا ولدي، ما اختارك الله لهذا إلّا وأنت له أهل. فلمّا استبدّ صلاح الدين بسلطنة مصر بعد موت العاضد، وخرج إلى حصار الفرنج بالكرك، ركب نجم الدين أيّوب في يوم الثلاثاء ثامن عشر ذي الحجّة ليسير [على عادة الجند] (٤)، وخرج من باب النصر، [ف] شبّ (٥) به فرسه وألقاه. فحمل إلى داره بالقاهرة ولزم الفراش حتى مات يوم الخميس لثلاث بقين من ذي الحجّة سنة ثمان وستّين وخمسمائة. ودفن بجانب أخيه شيركوه، ثم نقلا إلى المدينة النبويّة ودفنا بجوار الحجرة الشريفة في تربة هناك سنة ثمانين وخمسمائة. وترك نجم الدين أيّوب من الأولاد: السلطان صلاح الدين يوسف، والملك العادل سيف الدين أبا بكر محمدا، وشمس الدولة توران شاه، وشاهنشاه، وسيف الإسلام طغتكين، وتاج الدين بوري، وستّ الشام، وربيعة خاتون. وكان ديّنا خيّرا له صدقات وعقل رصين وكرم وسماح. ورثاه الفقيه عمارة بقصيدتين (٦).

стр. 762

٨٩٧ - أيّوب بن شرحبيل الأصبحيّ [- ١٠١] (١) [٢٦٤ أ] أيّوب بن شرحبيل بن أكسوم بن أبرهة ابن الصباح بن لهيعة بن شرحبيل بن مرثد بن الصباح بن معدي كرب بن يعفر بن تنوف بن شراحيل بن أبي شمر بن شرحبيل بن ياسر بن أشعر بن ملكي كرب بن أبي شمر بن أشعر بن ينوف بن أصبح الأصبحيّ. أمّه أمّ أيّوب بنت مالك بن نويرة بن الصباح. روى عنه أبو قبيل، وعبد الرحمن بن مهران. وهو أحد أمراء مصر. ولّاه عمر بن عبد العزيز. وذلك أنّه لمّا ولي الخلافة قال: دلّوني على رجل من أهل مصر له شرف وصلاح أولّيه صلاتها. فقيل له: بها رجلان: معاوية بن عبد الرحمن ابن معاوية بن حديج، وأيّوب بن شرحبيل. قال: أيّ الرجلين أقصد؟ قالوا: أيّوب. قال: فهذا أردت. وكتب إلى أيّوب بولايته، وأمر البريد بكتمان ذلك، وأن تكون موافاته يوم الجمعة. فقدم الرسول ودفع الكتاب إلى أيّوب، فراح كما كان يروح، فركع قريبا من المنبر، وعبد الملك بن رفاعة أمير مصر يومئذ. فلمّا أذّن المؤذّن صعد أيّوب المنبر فخطب الناس وصلّى بهم الجمعة وانصرفوا. وابن رفاعة لم يعلم، وذلك في ربيع الأوّل سنة تسع وتسعين، وجعل على شرطه الحسن بن يزيد الرعينيّ. فورد كتاب عمر بن عبد العزيز بالزيادة في أعطيات الناس عامّة. ومنعت الخمر وكسرت أوانيها وعطّلت حاناتها. ثم صرف الحسن عن الشرط في رجب بالحارث بن ذاخر بن بهشم الأصبحيّ (٢). وكتب عمر بن عبد العزيز إلى أيّوب بفريضة للجند، فقال: ألصق ذلك بأهل البيوتات الصالحة، فإنّما [٢٦٤ ب] الناس معادن معادن. وقسم للغارمين خمسة وعشرين ألف دينار. وقفل أهل قسطنطينيّة، ونزعت مواريت (٣) القبط عن الكور، واستعمل المسلمون عليها، ومنع النساء الحمّامات. وشكي ضعف أيّوب إلى عمر بن عبد العزيز فقال: إنّ أيّوب زجرت به أعراق صالحة فلان لين الأشراف وقصد قصد السادة. ومات عمر بن عبد العزيز في رجب سنة إحدى ومائة واستخلف يزيد بن عبد الملك فأقرّ أيّوب على صلاة مصر إلى أن توفّي لإحدى عشرة بقيت من رمضان. وقيل: نزع أيّوب لسبع عشرة خلت من رمضان ببشر بن صفوان [الكلبيّ] (٤) وكانت ولايته سنتين ونصفا.

стр. 763

٨٩٨ - أيّوب الملك الصالح صاحب كيفا [- ٧٢٧] (١) [٢٤٠ ب] أيّوب بن موسى بن عبّاس الراشديّ الشاميّ. سمع صحيح مسلم من الشريف عزّ الدين الموسويّ وسمع صحيح البخاري من نور الدين علي بن محمد بن هارون ومن ستّ الوزراء (٢). ومات في تاسع شهر ربيع الأوّل سنة إحدى وستّين وسبعمائة. [٢٦٥ أ] أيّوب ابن سيف الدين أبي بكر، ابن تقيّ الدين عبد الله بن توران شاه بن أيّوب بن محمد بن أبي بكر محمد بن أيّوب بن شاذي بن مروان، الملك الصالح نجم الدين، ابن الملك الكامل الموحّد، ابن المعظّم، ابن الصالح، ابن الكامل، ابن العادل، ابن والد الملوك نجم الدين. ولي حصن كيفا هو وأبوه وجدّه. وقدم إلى دمشق حاجّا في شهر رمضان سنة ستّ وعشرين وسبعمائة. وتوجّه إلى خدمة السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون فقدم القاهرة. وحجّ وعاد مسرعا خوفا على بلده. فحال وصوله إلى الحصن تلقّاه أخوه وهيّأ له من قتله وقتل ولده، واستقلّ بملكه. ٨٩٨ م- أيّوب الراشدي [- ٧٦١] (٣)

стр. 764

[حرف الباء]

стр. 765

٨٩٩ - باديس بن زيري [- بعد ٣٧٠] باديس بن زيري بن مناد بن منقوش. أنفذه العزيز بالله نزار ابن المعزّ أميرا على حاجّ مصر في سنة سبع (١) وستّين وثلاثمائة. فلمّا وصل مكّة أتاه اللصوص وقالوا له: نحن نتقبّل منك الحاجّ بخمسين ألف درهم، ولا تتعرّض لنا (٢). فقال لهم: كرامة! اجمعوا أصحابكم حتى أعقد معكم ذلك. فاجتمعوا نيفا وثلاثين رجلا. فقال: هل بقي منكم أحد؟ فحلفوا أنّه ما بقي منهم أحد. فأمر فقطعت أيديهم كلّهم. فلمّا قدم بالحاجّ بعثه العزيز بالله إلى أخيه يوسف المعروف ببلكين بن زيري خليفته على المغرب بكتاب. فقدم عليه يوم الأحد لسبع خلون من ذي الحجّة سنة سبعين وثلاثمائة، فأقام بأشير مدّة وتوفّي بها. ٩٠٠ - بارزطغاي الغزّيّ [- ٦١٦] (٣) بارزطغاي بن محمود بن أبي الفتح الحميريّ الغزيّ، أبو طالب. تفقّه للشافعيّ، وولي قضاء غزّة مدّة. ثم انتقل إلى إربل فمات بها. وكان قد سمع بالإسكندريّة من أبي الطاهر بن عوف، وبدمشق من أحمد بن حمزة الموازيني ومن عثمان. وحدّث بمدرسة المنذريّ وغيره. وذكره في معجمه. وكانت وفاته سنة ستّ عشرة وستّمائة. ٩٠١ - باينجار رسول القان أزبك باينجار رسول الملك أزبك خان بن طغرل خان ابن منكوتمر بن طغان بن باطو بن [جوشي بن] جنكز خان. قدم بالخاتون طلباي (٤) ومعه [الشيخ] برهان الدين، إمام القان أزبك، وقاضي سراي (٥)، على مائة وخمسين، منهم إيتغلي وطقبغا ومنغوش وطرجي وعثمان خجا، وهو مقدّم عليهم. وكان شيخا كبيرا لا يطيق من كبره المشي ولا القيام، فحمل حتى حضر بدار العدل في يوم الاثنين ثاني شهر ربيع الآخر سنة عشرين وسبعمائة، وجلس بين يدي السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون ودفع كتاب القان أزبك وقال: أخوك القان أزبك يقول: أنت سيّرت طلبت من عظم القان بنتا. فلمّا لم يبعثها إليك لم يطب خاطرك. وقد سيّرنا لك بنتا من بيت كبير، فإن أعجبتك فلا يكون عندك أكبر منها، وإن لم تعجبك فاعمل بقولالله تعالى: * إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ

стр. 766

تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها [النساء: ٥٨]. فقال السلطان: نحن ما أردنا الحسن، وإنّما أردنا كبر البيت والقرب من أخي، وأن نكون شيئا واحدا. ثمّ عقد عليها وأكثر من الإنعام والخلع على باينجار ومن معه حتى أعادهم، فساروا إلى الإسكندريّة وركبوا منها البحر إلى اسطنبول (١)، وساروا إلى بلاد أزبك. ٩٠٢ - باينجار المنصوريّ [- ٧١٦] (٢) باينجار المنصوريّ، الأمير سيف الدين، أحد مماليك الملك المنصور قلاوون. ترقّى في الخدم وصار من أمراء الألوف إلى أن قبض عليه الملك الناصر محمد بن قلاوون في يوم الاثنين ثاني ربيع الآخر سنة اثنتي عشرة وسبعمائة، هو وآقوش نائب الكرك، وبيبرس الدوادار نائب السلطنة (٣)، وسنقر الكماليّ، ولاجين الجاشنكير، والدكز الأشرفيّ، ومغلطاي المسعوديّ. وكان سبب تغيّر السلطان عليه بعد اختصاصه به أنّ الأمير آي دغدي شقير (٤) حقد عليه كلاما [٢٤١ ب] مازحه فيه بحضرة السلطان، فنقم عليه أنه يريد الفتك بالسلطان ونحو ذلك، فتغيّر منه وقبضه. وما برح في السجن حتى قتل في سنة ستّ عشرة وسبعمائة. وكان كريما فيه مروءة وعصبيّة، ويعمل سماطا عظيما. وبلغ من حشمته أنّ نصرانيّا حضر إليه سرّا من بلده بأوراق مرافعة في مباشرته تشتمل على ثمانية آلاف إردبّ غلّة ومائتي ألف درهم فضّة، والتزم أنّه إن لم يحقّقها قام بها من ماله. فأخذها منه وصرفه سرّا. ثم غسلها وقال لبعض خواصّه: إنّ مباشري ديواني لهم عندي عدّة سنين وما منهم إلّا من اشترى له ملكا أو جارية أو عهدا، أو أنشأ سكنا مليحا. فإذا سمعت من هذا احتاجوا إلى بيع ما يساوي ألف [ا] بمائتي درهم، ويخرج اسمنا اسم النحس بين الناس. وسكت عن مباشريه ولم يتعرّض لهم بشيء. ٩٠٣ - باورد بن براجوا [- بعد ٧٢١] (٥) من أمراء المغل. قدم إلى مصر في سنة إحدى وعشرين وسبعمائة فأكرمه الملك الناصر وأنعم عليه بخيل ومال وأعطاه إمرة طبلخاناه. ٩٠٤ - بتخاص العادليّ [- ٦٩٦] بتخاص، الأمير سيف الدين، أحد مماليك الملك العادل كتبغا. أعطاه الإمرة وجعله أستدار السلطان في رابع

стр. 767

عشرين المحرّم سنة أربع وتسعين وستّمائة. وقتل على منزلة العوجاء يوم خلع كتبغا في ثامن عشرين المحرّم سنة ستّ وتسعين وستّمائة (١). ٩٠٥ - بتخاص المنصوريّ نائب صفد [- ٧١٠] (٢) بتخاص المنصوريّ، الأمير سيف الدين، أحد المماليك البرجيّة. تنقّل في الخدم إلى أن صار من أكابر الأمراء. فلمّا عاد العسكر منهزما من غازان إلى مصر، استعفى الأمير كراي من نيابة صفد فوليها عوضه بتخاص هذا في جمادى الأولى سنة تسع وتسعين وستّمائة فباشر النيابة بمهابة زائدة، وأكثر من سفك الدماء ومهّد جبل عاملة، وزاد في التجبّر إلى أن صرف. ثم قصد إقامة الأمير مظفّر الدين موسى ابن الملك الصالح عليّ بن قلاوون وخلع الملك الناصر محمد بن قلاوون، ووافقه الأمير سيف الدين بكتمر الجوكندار (٣) نائب السلطنة على ذلك. فوشي بهم إلى السلطان وقد كاد أمرهم أن يتمّ. فاستدعى بكتمر الجوكندار ليلا وشاغله بالحديث، وقد بعث بهادر النقيب في عدّة مماليك لإحضار بتخاص طوعا أو كرها. فلمّا أتاه الطلب أحسّ بالشرّ وألبس مماليكه السلاح، وقصد أن يفرّ ويعمل ما كان في نفسه. فعاجلته المماليك وأخذوه بعد ما رماهم مماليكه بالنشّاب. وأدخلوه على السلطان ليلا فقيّد وحبس ثم نقل إلى الكرك فمات بحبسها في سنة عشر أو إحدى عشرة وسبعمائة. وكان شجاعا مقداما شديد الكبر والحمق، يرى في نفسه أنّه أكبر من جميع البرجيّة. ٩٠٦ - بجكم الأعور [- ٣٢٨] ولّاه الأمير أبو منصور تكين الشرط بعد وصيف في يوم السبت لثلاث بقين من رجب سنة سبع عشرة وثلاثمائة. ومات تكين (٤) وولي أحمد بن كيغلغ (٥) مضر فأقرّه على الشرط. ثمّ صرفه بالحسين بن علي بن معقل في يوم الأحد لأربع بقين من شوّال سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة. فردّه محمد بن عليّ الماذرائي إلى الشرط فحارب الجند بالجزيرة فانهزم منهم وعاد ابن معقل إلى الشرط فكانت فتنة الجند وقيام حبشيّ في المغاربة لمحاربتهم. فلمّا قدم محمد بن تكين أعاد بجكم وصرف الحسين بن معقل عن الشرط في ثالث ربيع الأوّل، فخالف على محمّد بن تكين ولحق بالمغاربة في العشرين من جمادى الآخرة. فلمّا تمّ الأمر لأحمد بن كيغلغ أعاد بجكم إلى الشرط وصرف ابن معقل في ثالث رجب. ثمّ خرج بجكم إلى الحجّ وقد ولي مصر محمد

стр. 768

ابن طغج الإخشيد، وسار إليها فلحق به سعد بن عثمان (١) وهو على الشرط. فجعل أحمد بن كيغلغ بجكم مكانه في رمضان سنة اثنتين وعشرين. فلمّا تسلّم محمد بن طغج الفسطاط، وكره حبشيّ والمغاربة المقام معه وخرجوا [٢٤٢ أ] إلى الفيّوم، خرج معهم بجكم، وعليّ بن بدر، ونظيف النوشريّ، وعليّ المعدني. وكان من أمر صاعد معهم وقتله ما ذكر في ترجمته (٢). فلمّا سار حبشيّ من الفيّوم إلى الإسكندرية قدم بجكم وعليّ بن بدر في مراكب صاعد التي غنموها لمّا قتل، حتى قدما الفسطاط أوّل يوم من ذي القعدة سنة ثلاث وعشرين [وثلاثمائة]، وأرسوا بجزيرة مصر، وبها حينئذ الصناعة فشعّثوها. وخرج إليهم محمّد بن طغج فلم يمكنه الوصول إليهم وعادوا من آخر يومهم إلى الإسكندريّة ولحقوا ببرقة وكاتبوا صاحب إفريقيّة في إرسال جيش ليأخذوا له مصر. فمات حبشيّ (٣) وقدم جيش إفريقيّة، فسار بجكم على مقدّمته حتى ملك الإسكندريّة في ربيع الآخر سنة أربع وعشرين [وثلاثمائة] (٤). فبعث الإخشيد بأخيه الحسن بن طغج، فقاتل المغاربة وأسر عدّة منهم وقتل كثيرا وهزم باقيهم، وفيهم بجكم، فلحق ببرقة وأقام بها إلى أن قدم على الإخشيد ومعه علي المعدنيّ مستأمنين، وذلك في جمادى الأولى سنة ثمان وعشرين [وثلاثمائة] (٥). ٩٠٧ - بجاس النوروزيّ [- ٨٠٣] (٦) بجاس بن عبد الله النوروزيّ النحويّ. مات في رجب سنة ثلاث وثمانمائة. ٩٠٨ - بحر بن ضبع الرعينيّ (٧) بحر بن ضبع بن أتّه بن يحمد بن موهشل بن عقب بن الليشرح بن سعد بن بدر بن شرحبيل بن حجر بن زيد بن مالك بن زيد بن رعين. ويقال: ذو رعين، واسمه بريم بن زيد بن سهل بن عمرو ابن قيس بن معاوية بن جشم بن عبد شمس بن وائل ابن الغوث بن قطن بن عريب بن زهير بن أيمن بن ميسع بن حمير- واسمه العرنجج- بن سبأ، وهو عامر بن شجب بن يعرب بن قحطان بن عابر بن سلاح بن أرفخشد بن سام بن نوح، أبو [ ... ] الرعينيّ.

стр. 769

وفد على النبيّ ﷺ مع يعفر بن عريب بن عبد كلال، وشهد فتح مصر واختطّ بها. وكان بمصر من ولده عدد. ٩٠٩ - بحر بن نصر الخولانيّ [١٨٠ - ٢٦٧] (١) بحر بن نصر بن سابق مولى خولان، أبو عبد الله. ولد سنة ثمانين أو إحدى وثمانين. وقال الطحاوي: ولد بحر بن نصر، والربيع المراديّ، والمزنيّ، ثلاثتهم في سنة أربع وسبعين ومائة. روى عن عبد الله بن وهب، وأيّوب بن سويد الرمليّ، والشافعيّ، وبه تفقّه، وضمرة بن ربيعة، وأشهب، وبشر بن بكر، في آخرين. وروى [عنه] ابن جوصا، وأبو جعفر الطحاويّ، وأبو بكر بن زياد النيسابوريّ، وعبد الرحمن بن أبي حاتم، وأبو عوانة الأسفرايينيّ، وأحمد بن مسعود بن عمرو العكري (٢)، وجماعة. قال ابن يونس: كان من أهل الفضل. حدّثني أحمد بن محمد بن سلامة قال: سمعت يونس بن عبد الأعلى ذكر بحر بن نصر، فوثّقه، وقال الأصيفر: رأيته عند ابن وهب، ووثّقه ابن أبي حاتم. توفّي بمصر ليلة الاثنين لثمان خلون من شعبان سنة سبع وستّين ومائتين، وصلّى عليه أخوه إدريس بن نصر الخولاني (٣). ٩١٠ - بحير بن ذاخر الناشريّ (٤) بحير بن ذاخر بن عامر المعافريّ ثمّ الناشريّ. حدّث عن عمرو بن العاصي، وعبد الله بن عمرو، ومسلمة بن مخلد، وعقبة بن عامر الجهنيّ (٥). حدّث عنه الأسود بن مالك الحميريّ، وعبد الله بن لهيعة. وكان سيّافا لمسلمة بن مخلد. وروى أيضا عن عبد العزيز بن مروان. روى عنه ابنه عليّ بن بحير. وجعل الدارقطنيّ الذي روى عن عبد العزيز غير بحير بن ذاخر، وهو وهم. وذكره ابن يونس على الصحّة وبيّن أنّ عليّ بن بحير هو ابن ذاخر. ٩١١ - بدر الجماليّ [٤٠٥ - ٤٨٧] (٦) بدر، أبو النجم، الجماليّ، المنعوت بالسيّد الأجلّ، أمير الجيوش، سيف الإسلام، ناصر الإمام، كافل قضاة المسلمين، وهادي دعاة المؤمنين. كان مملوكا أرمنيّا لجمال الدولة أبي الحسن علي بن عمّار صاحب طرابلس الشام [فلذلك عرف بالجماليّ]. وما زال يأخذ نفسه بالجدّ من زمن الشبيبة فيما يباشره ويوطّن نفسه على قوّة العزم وينتقل في الخدم إلى أن ولي دمشق من قبل المستنصر بالله في يوم الأربعاء الثالث والعشرين من شهر ربيع الآخر سنة خمس وخمسين

стр. 770

وأربعمائة، فتسلّمها ومعه الشريف القاضي ثقة الدولة ذو الجلالين [٢٤٢ ب] أبو الحسن يحيى بن زيد الحسينيّ الزيديّ ناظرا في الأعمال (١). وأقام بها إلى أن خرج منها كالهارب من أهلها في ليلة الثلاثاء لأربع عشرة خلت من شهر رجب سنة ستّ وخمسين. ثمّ وليها ثانيا يوم الأحد السادس من شعبان سنة ثمان وخمسين، فأقام بها إلى أن بلغه قتل ولده بعسقلان. فخرج منها ونزل على مسجد القدم (٢) خارج دمشق في شهر رمضان سنة ستّين وأربعمائة. فخرج الأحداث والعسكريّة إلى قصره وأحرقوه. وفي سنة اثنتين وستّين نزل على صور وحاصر القاضي عين الدولة أبا الحسن محمد بن عبد الله ابن عياض بن أبي عقيل الغالب عليها. ثمّ حصره في سنة ثلاث وستّين. وتتابع وصول الأتراك من العراق إلى أعمال فلسطين والساحل وبلاد الشام مع أتسز بن أوق الخوارزميّ وإخوته جاولي والمأمون وقرلو وشكليّ، وأخذوا أعمال فلسطين واختلفوا هناك. فصار بعضهم مع أمير الجيوش بدر بعكّا وبلاد الساحل التي هي في يده، وبعضهم مع القاضي عين الدولة محمد بن [عبد الله بن عياض بن] أبي عقيل صاحب صور. وبقي أتسز ابن أوق الخوارزميّ وأخوه بفلسطين، واستولى على الرملة وطبريّة والقدس. فلم يزل أمير الجيوش بعكّا إلى أن انتهكت حرمة المستنصر بتغلّب ناصر الدولة الحسين بن حمدان إلى أن قتل. فاستطال عليه الأمير يلدكوش والأتراك والوزير ابن أبي كدينة. فكتب إلى أمير الجيوش كتابا من إملاء الوزير أبي الفرج محمد بن جعفر ابن المغربيّ، وهو يومئذ يتولّى الإنشاء، يستدعيه للقدوم عليه وإنجاده، من جملته [الطويل]: فإن كنت مأكولا فكن خير آكل ... وإلّا فأدركني ولمّا أمزّق (٣) فلمّا بلغه الكتاب قال: لبّيك! - وكرّرها ثلاثا. وكتب إلى المستنصر يشترط عليه أنّه لا يقدم إلّا بعسكر معه، وأنّه لا يبقي على أحد من عساكر مصر. فأنعم له بذلك. فسار من عكّا في مائة مركب مشحونة بالأرمن، وغيرهم من العسكر. فنهاه الناس عن ركوب البحر من أجل أنّ الوقت شتاء في كانون الأوّل، فأبى. ونزل على دمياط بعد [أربعين يوما] من إقلاعه. فزعم البحريّة أنّهم لم يعرفوا صحوة تمادت أربعين يوما في الكوانين إلّا هذه، فكان هذا الأمر بدء سعادته. واستدعى تجّار تنيس واقترض منهم مالا، وقام له (٤) سليمان اللواتي بالعليق وغيره من الضيافة. وسار إلى ظاهر قليوب، وبعث إلى المستنصر يقول له: لا أدخل إلى القاهرة ما لم تقبض على يلدكوش- فأمسكه. وعبر أمير الجيوش عشيّة يوم الأربعاء لليلتين بقيتا من جمادى الأولى سنة ستّ وستّين وأربعمائة، ودخل على المستنصر، فاستدناه وقرّبه ودعا له وشكر سعيه وبالغ في كرامته. وقرّر أن يكون السفير بينه وبين أمير الجيوش الوزير ابن المغربيّ كاتب الإنشاء، فصار

стр. 771

ابن المغربيّ إليه وعرّفه ما فيه الغرض، وصار من خواصّه. ولم يكن عند أهل الدولة علم من أنّ المستنصر استدعاه وظنّوا أنّه قدم زائرا، فلم يتأخّر أحد منهم عن ضيافته والقيام بما يتعيّن من كرامته، وقدّموا إليه أشياء كثيرة حتى كملت نوبه من الجميع. [ف] استدعى الأمراء إلى دعوة صنعها لهم، وقرّر مع خواصّه أنّه إذا بات الأمراء وجنّهم الليل فإنّه لا بدّ لكلّ واحد منهم أن يصير إلى الخلاء لقضاء حاجته، فمن صار منهم إلى الخلاء يقتل فيه ووكّل بكلّ أمير منهم واحدا من أصحابه، وجعل له سائر ما هو بيد ذلك الأمير من إقطاع وجار ودار ومال وجوار وغير ذلك. فلمّا حضر الأمراء عنده وقام لهم بما يليق بهم ظلّوا نهارهم عنده في أرغد عيش وباتوا مطمئنّين إليه. فلم يطلع الفجر حتى استولى أصحاب أميرالجيوش على بيوت الأمراء وصارت رءوس الأمراء بين يديه. فقويت شوكته وانبسطت يده وخلت الديار له من منازع. فاستدعاه حينئذ المستنصر وقرّره في الوزارة وردّ إليه الأمور كلّها وعاهده على ذلك. وكتب له سجلّ نعت فيه ب «السيّد الأجلّ أمير الجيوش كافل قضاة المسلمين وهادي دعاة المؤمنين»، وصار القاضي والداعي نائبين عنه يقلّدهما [٢٤٣ أ] هو. وكان من جملة ما في سجلّه بعد التقريظ الكبير: وقد قلّدك أمير المؤمنين جوامع تدبيره وناط بك النظر في كلّ ما وراء سريره، فباشر ما قلّدك أمير المؤمنين من ذلك مدبّرا للبلاد، مصلحا للفساد، ومدمّرا أهل العناد. وخلع عليه بالعقد المنظوم بالجوهر بدل الطوق الذي كان للأمراء، وزيد له الحنك الذي يعرف اليوم باللثام مع الذؤابة المرخاة، وهي التي يقال لها العذبة (١)، وجعل له الطيلسان المقوّر- ويعرف اليوم بالطرحة، وهي التي يلبسها قاضي القضاة. ونزل إلى داره، فحضر إليه المتصدّرون بالجامع للسلام عليه. وقرأ القارئ: وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ [آل عمران: ١٢٣]، وسكت عن تمام الآية (٢)، فقال له بدر: والله لقد جاءت في مكانها، وجاء سكوتك عن تمام الآية أحسن- وأنعم عليه. وشرع في تدبير الأحوال، واستبدّ بأمور الدولة، وحجّر على المستنصر أتمّ حجر، وكبر أمره، وأخذ في تلافي ما انتهك من حرمته. وكانت الأحوال قد فسدت والأمور قد تغيّرت وطوائف العسكر قد انتشرت، والوزراء يقنعون بالاسم دون نفاذ الأمر والنهي، والرخاء قد أيس منه، والصلاح لا يطمع فيه، ولواتة قد ملكت الوجه البحريّ كلّه، والعبيد في الصعيد، والطرقات قد انقطعت برّا وبحرا إلّا بالخفارة الثقيلة، والخراب قد شمل مدينة مصر، والعسكر [قد ثاروا]. فتجرّد لإزالة الفساد، وساعدته الأقدار حتى أنشأ دولة جديدة، واستعاد ما كان قد تغلّب عليه أمراء البلاد وقضاتها مثل عسقلان وصور وطرابلس. وقتل سائر أهل الفساد. وأنشأ دارا بحارة برجوان من القاهرة وسكنها، فعرفت بعده بدار المظفّر. وقتل من أماثل المصريّين وقضاتهم ووزرائهم وأعيانهم خلقا كثيرا. وقدمت إليه عدّة من طوائف الأرمن تقوّى بهم. فلمّا دخلت سنة سبع وستّين [وأربعمائة] حصر شكليّ (٣) أخو أتسز [بن أوق] الخوارزميّ ثغر عكّا

стр. 772

وأخذه بالسيف، وكان به أولاد أمير الجيوش وأهله، فلم يعترضهم بسوء وأحسن إليهم وبعثهم إليه. وفيها سار أمير الجيوش إلى الوجه البحريّ وأوقع بعرب لواتة وهزمهم وقتل مقدّمهم سليم [ان] اللواتيّ وولده، واستصفى أموالهما. ثم سار إلى دمياط وقتل عدّة من المفسدين وأحرقهم. وأصلح سائر البرّ الشرقيّ من مصر. ثم غدا إلى البرّ الغربيّ وقتل من الطائفة الملحيّة (١) وأتباعهم بالإسكندريّة عددا كبيرا بعد ما أقام أيّاما على الإسكندريّة يحاصرها حتى أخذها من الملحيّة عنوة، وعفا عن أهل البلد فلم يضرّهم بشيء. وفي سنة تسع وستّين اجتمع كثير من عرب جهينة والجعافرة والثعالبة وغيرهم بمدينة طوخ (٢) العليا من صعيد مصر واتّفقوا على محاربة أمير الجيوش. فخرج إليهم وسار حتى كان قريبا منهم [ف] نزل بحماهم وأقام إلى نصف الليل. ثم أمر فضربت طبوله وأشعلت المشاعل، وأكثر من وقود النار وضرب الطبول والبوقات، وصرخ كلّ من في عسكره وحملوا حملة واحدة على العرب، فقتل أكثرهم بالسيف، وانهزم باقيهم فغرقوا ولم ينج منهم إلّا قليل. واحتوى من أموالهم على ما لا يحدّ كثرة وبعثها للمستنصر. ثم سار إلى أسوان وبها كنز الدولة محمد قد تغلّب عليها وعظم شأنه وكثرت أتباعه فقاتله وقتله، وبنى في موضع الوقعة مسجدا سمّاه مسجد النصر. ثم عاد إلى القاهرة وقد صلحت أرض مصر كلّها أعلاها وأسفلها، وزالت العربان والعساكر المفسدة منها. وقدم أتسز بن أوق الخوارزميّ في مدّة غيبته ببلاد الصعيد إلى القاهرة يريد الاستيلاء عليها، فقاتله المستنصر وهزمه. ثمّ خرجت عرب قيس وعرب فزارة وسليم عن الطاعة فخرج إليهم وقاتلهم وهزمهم إلى برقة. ثم ندب في سنة سبعين وأربعمائة العساكر إلى دمشق وقدّم عليها نصر الدولة أفتكين الجيوشيّ، فسار إليها وحاصرها مدّة أيّام، ثم رجع. فلمّا كانت سنة اثنتين وسبعين سيّر عسكرا آخر فحاصرها [٢٤٣ ب] حتى أشرف على أخذها، ثم عاد خوفا من قدوم تاج الدولة تتش. وفي سنة سبع وسبعين عصى الأوحد ابن أمير الجيوش على أبيه بالإسكندريّة وصار في جمع كثير من العرب. فسار إليه وحصر الإسكندريّة إلى أن أخذها وقبض على ولده وقتل كثيرا من الناس وأغرم أهل البلد مالا كثيرا، وبنى بها الجامع المعروف بجامع العطّارين، وقتل ابنه. فلمّا كانت سنة اثنتين وثمانين وأربعمائة جهّز جيشا [ف] أخذ صور وصيدا وفتح جبيل (٣) وعكّا، وكانت بيد تاج الدولة تتش، وأخذ غزّة من أصحابه وقبض منهم مالا كثيرا من ذخائر تتش. وفي سنة خمس وثمانين أنشأ باب زويلة الكبير على ما هو عليه الآن، وأنشأ باب الفتوح وباب النصر، بناها له ثلاثة إخوة من أهل الرها. ولم يزل على قوّة وسداد من أمره إلى أن مات بعد مرض طويل أسكت فيه مدّة ولم يقدر على الكلام، في ذي القعدة- وقيل: في شهر ربيع، وقيل: في جمادى الأولى- سنة سبع وثمانين

стр. 773

وأربعمائة عن ثمانين سنة، منها مدّة تحكّمه بديار مصر زيادة على عشرين سنة. وكان شديد الهيبة مخوف السطوة كثير البطش، قتل في سلطنته خلقا لا يعدّ من كبار المصريّين وقوّادهم وكتّابهم ووزرائهم. وقد ذكره الشريف أبو يعلى محمد بن محمد ابن الهبّاريّة (١) في كتاب الصادح والباغم فقال [الرجز]: كان بمصر بدر ... له عليها الأمر يقتل كلّ ساعة ... من أهلها جماعة ويهرق الدماء ... حتى تخال ماء أصلحها بسيفه ... وجوره وحيفه جزاء كلّ فعل ... لديه سوء القتل لمّا عصاه ولده ... وبان منه نكده خنقه بيده ... ثمّ رمى بجسده فغضب المستنصر ... وقال: هذا منكر فقال: لو عصاني ... قلبي في جثماني نزعته من صدري ... ولم يكن بنكر ثمّ غزا لواته ... إذ ظنّهم حماته فحين قيد الأسرى ... قال: اقتلوهم صبرا عشرين ألفا كانوا ... حتى جرى الميدان في النيل من دماهم ... ولجّ في إفناهم وهو على ظهر الفرس ... كضيغم إذا افترس ومات حتف أنفه ... لم يعتسف بعسفه وكان واسع النفس بحيث إنّه كان اتّخذ وهو بعكّا، ثلاثمائة قنطار بالشاميّ سكّرا، فعزّ في سنة اثنتين وستّين وأربعمائة السكّر، وبلغت قيمة القنطار إلى خمسين دينارا، وطلب فلم يوجد في أوّل شهر رجب منها، فقيل لبدر: ثمن هذا السكّر الذي عندك خمسة عشر ألف دينار، تبيعه أو بعضه؟ فامتنع، وقال: نحن نحتاج إليه في هذه الشهور، يعني رجب وشعبان ورمضان، فاستعملت كلّها في مطابخه، وسمحت نفسه بإتلاف هذا المبلغ الكبير من الذهب. وعلى يده صلحت ديار مصر وعمرت بعد تحكّم الفساد بها وخرابها. ومن محاسن سيرته أنّه أباح الأرض لمن يزرعها مدّة ثلاث سنين حتى تراجعت إلى الفلّاحين أحوالهم واستغنوا في أيّامه. ومنها أنّه بسط العدل فأمّنت الطرق، وحضر إلى مصر والقاهرة كثير من التجّار وأرباب الأموال، بعد انتزاحهم عنها في أيّام الشدّة.

стр. 774

ومنها كثرة كرمه: وقد حكي أنّ علقمة بن عبد الرزّاق العليميّ قصده، فإذا على بابه أشراف الناس وأكابرهم، فلم يتجاسر على العبور إلى مجلسه، وبقي أيّاما إلى أن خرج أمير الجيوش يريد الصيد، فوقف له على تلّ رمل وأشار برقعة في يده وأنشد [الكامل]: نحن التجار وهذه أعلافنا ... درّ، وجود يمينك المبتاع [٢٤٤ أ] قلّب وفتّشها بسمعك، إنّما ... هي جوهر تختاره الأسماع كسدت علينا بالشآم، وكلّما ... قلّ النّفاق تعطّل الصّنّاع فأتاك يحملها إليك تجارها ... ومطيّها الآمال والأطماع حتى أناخو [هـ] اببابك، والرجا ... من دونك السمسار والبيّاع فوهبت ما لم يعطه في دهره ... هرم ولا كعب ولا القعقاع وسبقت هذا الناس في طلب العلى ... والناس بعدك كلّهم أتباع يا بدر أقسم: لو بك اعتصم الورى ... ولجوا إليك جميعهم ما ضاعوا (١) قال العليميّ: وكان بيده باز، فدفعه لأحد مماليكه وجعل يستعيد الأبيات وأنا معه إلى أن استقرّ في مجلسه، فلمّا اطمأنّ قال للحاضرين: من أحبّني فليخلع عليه! . فخرجت من عنده ومعي سبعون حملا يحملون إنعامه، وأمر لي من ماله بعشرة آلاف درهم. وهو أوّل من ولي في الدولة الفاطميّة الوزارة من أرباب السيوف، وأقام دولة الأرمن بديار مصر. ٩١٢ - بدر [الكبير] الحماميّ [الطولوني] [- (٣١٠)] (٢) كان من غلمان أحمد بن طولون، وكان روميّا حسن الخلق: من حسن خلقه أنّه إذا قبّل أحد من الرجّالة يده باس هو رأسه. وما زال يترقّى إلى أن صار أكبر قوّاد مصر، وتعيّن هو وصافي بعد قتل خمارويه. فلمّا صار الأمر إلى هارون بن خمارويه قبض كلّ من بدر وصافي على قطعة من الجيش حازها لنفسه وطالب عنها بأرزاقها، وسأل أن يكون مالهم محمولا إليه يتولّى هو إعطاءهم في داره. ففعل ذلك به، وصارت عدّة كلّ طائفة من الجند إلى دار من صاروا في جملته يغدون إليه ويروحون من عنده، ويطالبونه بأرزاقهم ويقبضونها من يد كاتبه، لا يخافون ولا يرجون سواه. وخرج إلى دمشق ومعه نجح والحسين بن أحمد الماذرائي في سنة ثلاث وثمانين ومائتين، فأصلح أمر الشام، واستخلف على دمشق طغج بن جفّ الفرغانيّ، وعاد إلى مصر. فحجّ بزيّ حسن وآلة جميلة وأنفق نفقة كبيرة، وبنى ميضاة بباب الجامع العتيق بمصر ووقف عليها فيساريّة ملاصقة لها، وجعل مع الميضاة ماء عذبا في كيزان كبار، فوضع في كلّ حلقة من حلق الجامع كوزا، وجعل أزيارا (٣) مملوءة ماء مطلقة لسائر الناس.

стр. 775

وكان على صدقاته الليث بن داود فيجيء المساكين زمرا زمرا إلى بابه وهم ينادون في الطريق: دار ليث! فيأخذون الدراهم الصحاح (١) والخبز واللحم المطبوخ قدورا مملوءة، وتفرّق فيهم في الشتاء الجباب الصوف وفي يوم الأكسية، وما زال ذلك معروفا قائما أيّام حياة بدر كلّها. فلمّا انهزم طغج بن جفّ بدمشق من الحسن بن زكرويه (٢) القرمطيّ الذي يعرف بالمطوّق وبصاحب الجمل- ويسمّى علي بن عبد الله- في سنة تسع وثمانين ومائتين، خرج بدر وفائق بعساكر مصر وقاتلا القرمطيّ إلى أن قتل وقام من بعده أحمد بن عبد الله- وقيل: عبد الله بن أحمد- صاحب الخال (٣) فقاتله بدر حتى هزمه، وفيه يقول، من أبيات [الكامل]: سبقت يدي يده بضر ... بة هاشميّ المحتد وأنا ابن أحمد لم أقل ... كذبا ولم أتزيّد من خوف بأسي قال بد ... ر: ليتني لم أولد (٤) وأقاما بدمشق وحثّا محمّد بن سليم [ان] الكاتب على أخذ مصر وسارا معه حتى أزال دولة بني طولون من مصر في ربيع الأول سنة اثنتين وتسعين ومائتين. ثمّ أخرج بدرا من مصر واليا على دمشق، فخرج [٢٤٤ ب] قوّاد بني طولون ومواليهم. ٩١٣ - بدر الحقيقي بدر الحقيقيّ، كانت إليه ضياع أبي أحمد ابن المتوكّل بمصر، والطراز، والخيل، وضياعهما، وكان من وجوه غلمان أحمد بن طولون وكبارهم. ولم يزل على ذلك إلى أن بعث أبو أحمد الموفّق نحريرا خادم المتوكّل ومعه كتاب إلى أحمد بن طولون في حمل ما يستعين به من المال في قتال صاحب الزنج، فلمّا قدم نحرير إلى مصر ورد في عقبه كتاب المعتمد سرّا أنّ الموفّق إنّما أنفذ نحريرا إليك عينا عليك ومستقصيا على أخبارك، وأنّه قد كاتب بعض أصحابك، فاحترس منه. فاحترس أحمد بن طولون على نحرير، وتلطّف حتى أخذ منه الكتب التي كانت معه، فإذا هي إلى جماعة من قوّاده يضرّبهم (٥) عليه ويستميل قلوبهم إليه، منهم بدر هذا، فضربه بالسوط حتى مات. ٩١٤ - بدر الإخشيديّ [- بعد ٣٥٧] (٦) كان أجلّ غلمان الأمير أبي بكر محمد بن طغج الإخشيد، وترقّى عنده حتى ولّاه دمشق في [ذي الحجّة سنة ٣٢٧]. فلمّا قدم محمد بن رائق إليها، سار عنها إلى
следующие страницы →