← Тараджим

Тараджим · id 145334

المقفى الكبير

المقريزي

Полный текст (3 152 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

ابن المغربيّ إليه وعرّفه ما فيه الغرض، وصار من خواصّه. ولم يكن عند أهل الدولة علم من أنّ المستنصر استدعاه وظنّوا أنّه قدم زائرا، فلم يتأخّر أحد منهم عن ضيافته والقيام بما يتعيّن من كرامته، وقدّموا إليه أشياء كثيرة حتى كملت نوبه من الجميع. [ف] استدعى الأمراء إلى دعوة صنعها لهم، وقرّر مع خواصّه أنّه إذا بات الأمراء وجنّهم الليل فإنّه لا بدّ لكلّ واحد منهم أن يصير إلى الخلاء لقضاء حاجته، فمن صار منهم إلى الخلاء يقتل فيه ووكّل بكلّ أمير منهم واحدا من أصحابه، وجعل له سائر ما هو بيد ذلك الأمير من إقطاع وجار ودار ومال وجوار وغير ذلك. فلمّا حضر الأمراء عنده وقام لهم بما يليق بهم ظلّوا نهارهم عنده في أرغد عيش وباتوا مطمئنّين إليه. فلم يطلع الفجر حتى استولى أصحاب أميرالجيوش على بيوت الأمراء وصارت رءوس الأمراء بين يديه. فقويت شوكته وانبسطت يده وخلت الديار له من منازع. فاستدعاه حينئذ المستنصر وقرّره في الوزارة وردّ إليه الأمور كلّها وعاهده على ذلك. وكتب له سجلّ نعت فيه ب «السيّد الأجلّ أمير الجيوش كافل قضاة المسلمين وهادي دعاة المؤمنين»، وصار القاضي والداعي نائبين عنه يقلّدهما [٢٤٣ أ] هو. وكان من جملة ما في سجلّه بعد التقريظ الكبير: وقد قلّدك أمير المؤمنين جوامع تدبيره وناط بك النظر في كلّ ما وراء سريره، فباشر ما قلّدك أمير المؤمنين من ذلك مدبّرا للبلاد، مصلحا للفساد، ومدمّرا أهل العناد. وخلع عليه بالعقد المنظوم بالجوهر بدل الطوق الذي كان للأمراء، وزيد له الحنك الذي يعرف اليوم باللثام مع الذؤابة المرخاة، وهي التي يقال لها العذبة (١)، وجعل له الطيلسان المقوّر- ويعرف اليوم بالطرحة، وهي التي يلبسها قاضي القضاة. ونزل إلى داره، فحضر إليه المتصدّرون بالجامع للسلام عليه. وقرأ القارئ: وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ [آل عمران: ١٢٣]، وسكت عن تمام الآية (٢)، فقال له بدر: والله لقد جاءت في مكانها، وجاء سكوتك عن تمام الآية أحسن- وأنعم عليه. وشرع في تدبير الأحوال، واستبدّ بأمور الدولة، وحجّر على المستنصر أتمّ حجر، وكبر أمره، وأخذ في تلافي ما انتهك من حرمته. وكانت الأحوال قد فسدت والأمور قد تغيّرت وطوائف العسكر قد انتشرت، والوزراء يقنعون بالاسم دون نفاذ الأمر والنهي، والرخاء قد أيس منه، والصلاح لا يطمع فيه، ولواتة قد ملكت الوجه البحريّ كلّه، والعبيد في الصعيد، والطرقات قد انقطعت برّا وبحرا إلّا بالخفارة الثقيلة، والخراب قد شمل مدينة مصر، والعسكر [قد ثاروا]. فتجرّد لإزالة الفساد، وساعدته الأقدار حتى أنشأ دولة جديدة، واستعاد ما كان قد تغلّب عليه أمراء البلاد وقضاتها مثل عسقلان وصور وطرابلس. وقتل سائر أهل الفساد. وأنشأ دارا بحارة برجوان من القاهرة وسكنها، فعرفت بعده بدار المظفّر. وقتل من أماثل المصريّين وقضاتهم ووزرائهم وأعيانهم خلقا كثيرا. وقدمت إليه عدّة من طوائف الأرمن تقوّى بهم. فلمّا دخلت سنة سبع وستّين [وأربعمائة] حصر شكليّ (٣) أخو أتسز [بن أوق] الخوارزميّ ثغر عكّا

стр. 772

وأخذه بالسيف، وكان به أولاد أمير الجيوش وأهله، فلم يعترضهم بسوء وأحسن إليهم وبعثهم إليه. وفيها سار أمير الجيوش إلى الوجه البحريّ وأوقع بعرب لواتة وهزمهم وقتل مقدّمهم سليم [ان] اللواتيّ وولده، واستصفى أموالهما. ثم سار إلى دمياط وقتل عدّة من المفسدين وأحرقهم. وأصلح سائر البرّ الشرقيّ من مصر. ثم غدا إلى البرّ الغربيّ وقتل من الطائفة الملحيّة (١) وأتباعهم بالإسكندريّة عددا كبيرا بعد ما أقام أيّاما على الإسكندريّة يحاصرها حتى أخذها من الملحيّة عنوة، وعفا عن أهل البلد فلم يضرّهم بشيء. وفي سنة تسع وستّين اجتمع كثير من عرب جهينة والجعافرة والثعالبة وغيرهم بمدينة طوخ (٢) العليا من صعيد مصر واتّفقوا على محاربة أمير الجيوش. فخرج إليهم وسار حتى كان قريبا منهم [ف] نزل بحماهم وأقام إلى نصف الليل. ثم أمر فضربت طبوله وأشعلت المشاعل، وأكثر من وقود النار وضرب الطبول والبوقات، وصرخ كلّ من في عسكره وحملوا حملة واحدة على العرب، فقتل أكثرهم بالسيف، وانهزم باقيهم فغرقوا ولم ينج منهم إلّا قليل. واحتوى من أموالهم على ما لا يحدّ كثرة وبعثها للمستنصر. ثم سار إلى أسوان وبها كنز الدولة محمد قد تغلّب عليها وعظم شأنه وكثرت أتباعه فقاتله وقتله، وبنى في موضع الوقعة مسجدا سمّاه مسجد النصر. ثم عاد إلى القاهرة وقد صلحت أرض مصر كلّها أعلاها وأسفلها، وزالت العربان والعساكر المفسدة منها. وقدم أتسز بن أوق الخوارزميّ في مدّة غيبته ببلاد الصعيد إلى القاهرة يريد الاستيلاء عليها، فقاتله المستنصر وهزمه. ثمّ خرجت عرب قيس وعرب فزارة وسليم عن الطاعة فخرج إليهم وقاتلهم وهزمهم إلى برقة. ثم ندب في سنة سبعين وأربعمائة العساكر إلى دمشق وقدّم عليها نصر الدولة أفتكين الجيوشيّ، فسار إليها وحاصرها مدّة أيّام، ثم رجع. فلمّا كانت سنة اثنتين وسبعين سيّر عسكرا آخر فحاصرها [٢٤٣ ب] حتى أشرف على أخذها، ثم عاد خوفا من قدوم تاج الدولة تتش. وفي سنة سبع وسبعين عصى الأوحد ابن أمير الجيوش على أبيه بالإسكندريّة وصار في جمع كثير من العرب. فسار إليه وحصر الإسكندريّة إلى أن أخذها وقبض على ولده وقتل كثيرا من الناس وأغرم أهل البلد مالا كثيرا، وبنى بها الجامع المعروف بجامع العطّارين، وقتل ابنه. فلمّا كانت سنة اثنتين وثمانين وأربعمائة جهّز جيشا [ف] أخذ صور وصيدا وفتح جبيل (٣) وعكّا، وكانت بيد تاج الدولة تتش، وأخذ غزّة من أصحابه وقبض منهم مالا كثيرا من ذخائر تتش. وفي سنة خمس وثمانين أنشأ باب زويلة الكبير على ما هو عليه الآن، وأنشأ باب الفتوح وباب النصر، بناها له ثلاثة إخوة من أهل الرها. ولم يزل على قوّة وسداد من أمره إلى أن مات بعد مرض طويل أسكت فيه مدّة ولم يقدر على الكلام، في ذي القعدة- وقيل: في شهر ربيع، وقيل: في جمادى الأولى- سنة سبع وثمانين

стр. 773

وأربعمائة عن ثمانين سنة، منها مدّة تحكّمه بديار مصر زيادة على عشرين سنة. وكان شديد الهيبة مخوف السطوة كثير البطش، قتل في سلطنته خلقا لا يعدّ من كبار المصريّين وقوّادهم وكتّابهم ووزرائهم. وقد ذكره الشريف أبو يعلى محمد بن محمد ابن الهبّاريّة (١) في كتاب الصادح والباغم فقال [الرجز]: كان بمصر بدر ... له عليها الأمر يقتل كلّ ساعة ... من أهلها جماعة ويهرق الدماء ... حتى تخال ماء أصلحها بسيفه ... وجوره وحيفه جزاء كلّ فعل ... لديه سوء القتل لمّا عصاه ولده ... وبان منه نكده خنقه بيده ... ثمّ رمى بجسده فغضب المستنصر ... وقال: هذا منكر فقال: لو عصاني ... قلبي في جثماني نزعته من صدري ... ولم يكن بنكر ثمّ غزا لواته ... إذ ظنّهم حماته فحين قيد الأسرى ... قال: اقتلوهم صبرا عشرين ألفا كانوا ... حتى جرى الميدان في النيل من دماهم ... ولجّ في إفناهم وهو على ظهر الفرس ... كضيغم إذا افترس ومات حتف أنفه ... لم يعتسف بعسفه وكان واسع النفس بحيث إنّه كان اتّخذ وهو بعكّا، ثلاثمائة قنطار بالشاميّ سكّرا، فعزّ في سنة اثنتين وستّين وأربعمائة السكّر، وبلغت قيمة القنطار إلى خمسين دينارا، وطلب فلم يوجد في أوّل شهر رجب منها، فقيل لبدر: ثمن هذا السكّر الذي عندك خمسة عشر ألف دينار، تبيعه أو بعضه؟ فامتنع، وقال: نحن نحتاج إليه في هذه الشهور، يعني رجب وشعبان ورمضان، فاستعملت كلّها في مطابخه، وسمحت نفسه بإتلاف هذا المبلغ الكبير من الذهب. وعلى يده صلحت ديار مصر وعمرت بعد تحكّم الفساد بها وخرابها. ومن محاسن سيرته أنّه أباح الأرض لمن يزرعها مدّة ثلاث سنين حتى تراجعت إلى الفلّاحين أحوالهم واستغنوا في أيّامه. ومنها أنّه بسط العدل فأمّنت الطرق، وحضر إلى مصر والقاهرة كثير من التجّار وأرباب الأموال، بعد انتزاحهم عنها في أيّام الشدّة.

стр. 774

ومنها كثرة كرمه: وقد حكي أنّ علقمة بن عبد الرزّاق العليميّ قصده، فإذا على بابه أشراف الناس وأكابرهم، فلم يتجاسر على العبور إلى مجلسه، وبقي أيّاما إلى أن خرج أمير الجيوش يريد الصيد، فوقف له على تلّ رمل وأشار برقعة في يده وأنشد [الكامل]: نحن التجار وهذه أعلافنا ... درّ، وجود يمينك المبتاع [٢٤٤ أ] قلّب وفتّشها بسمعك، إنّما ... هي جوهر تختاره الأسماع كسدت علينا بالشآم، وكلّما ... قلّ النّفاق تعطّل الصّنّاع فأتاك يحملها إليك تجارها ... ومطيّها الآمال والأطماع حتى أناخو [هـ] اببابك، والرجا ... من دونك السمسار والبيّاع فوهبت ما لم يعطه في دهره ... هرم ولا كعب ولا القعقاع وسبقت هذا الناس في طلب العلى ... والناس بعدك كلّهم أتباع يا بدر أقسم: لو بك اعتصم الورى ... ولجوا إليك جميعهم ما ضاعوا (١) قال العليميّ: وكان بيده باز، فدفعه لأحد مماليكه وجعل يستعيد الأبيات وأنا معه إلى أن استقرّ في مجلسه، فلمّا اطمأنّ قال للحاضرين: من أحبّني فليخلع عليه! . فخرجت من عنده ومعي سبعون حملا يحملون إنعامه، وأمر لي من ماله بعشرة آلاف درهم. وهو أوّل من ولي في الدولة الفاطميّة الوزارة من أرباب السيوف، وأقام دولة الأرمن بديار مصر. ٩١٢ - بدر [الكبير] الحماميّ [الطولوني] [- (٣١٠)] (٢) كان من غلمان أحمد بن طولون، وكان روميّا حسن الخلق: من حسن خلقه أنّه إذا قبّل أحد من الرجّالة يده باس هو رأسه. وما زال يترقّى إلى أن صار أكبر قوّاد مصر، وتعيّن هو وصافي بعد قتل خمارويه. فلمّا صار الأمر إلى هارون بن خمارويه قبض كلّ من بدر وصافي على قطعة من الجيش حازها لنفسه وطالب عنها بأرزاقها، وسأل أن يكون مالهم محمولا إليه يتولّى هو إعطاءهم في داره. ففعل ذلك به، وصارت عدّة كلّ طائفة من الجند إلى دار من صاروا في جملته يغدون إليه ويروحون من عنده، ويطالبونه بأرزاقهم ويقبضونها من يد كاتبه، لا يخافون ولا يرجون سواه. وخرج إلى دمشق ومعه نجح والحسين بن أحمد الماذرائي في سنة ثلاث وثمانين ومائتين، فأصلح أمر الشام، واستخلف على دمشق طغج بن جفّ الفرغانيّ، وعاد إلى مصر. فحجّ بزيّ حسن وآلة جميلة وأنفق نفقة كبيرة، وبنى ميضاة بباب الجامع العتيق بمصر ووقف عليها فيساريّة ملاصقة لها، وجعل مع الميضاة ماء عذبا في كيزان كبار، فوضع في كلّ حلقة من حلق الجامع كوزا، وجعل أزيارا (٣) مملوءة ماء مطلقة لسائر الناس.

стр. 775

وكان على صدقاته الليث بن داود فيجيء المساكين زمرا زمرا إلى بابه وهم ينادون في الطريق: دار ليث! فيأخذون الدراهم الصحاح (١) والخبز واللحم المطبوخ قدورا مملوءة، وتفرّق فيهم في الشتاء الجباب الصوف وفي يوم الأكسية، وما زال ذلك معروفا قائما أيّام حياة بدر كلّها. فلمّا انهزم طغج بن جفّ بدمشق من الحسن بن زكرويه (٢) القرمطيّ الذي يعرف بالمطوّق وبصاحب الجمل- ويسمّى علي بن عبد الله- في سنة تسع وثمانين ومائتين، خرج بدر وفائق بعساكر مصر وقاتلا القرمطيّ إلى أن قتل وقام من بعده أحمد بن عبد الله- وقيل: عبد الله بن أحمد- صاحب الخال (٣) فقاتله بدر حتى هزمه، وفيه يقول، من أبيات [الكامل]: سبقت يدي يده بضر ... بة هاشميّ المحتد وأنا ابن أحمد لم أقل ... كذبا ولم أتزيّد من خوف بأسي قال بد ... ر: ليتني لم أولد (٤) وأقاما بدمشق وحثّا محمّد بن سليم [ان] الكاتب على أخذ مصر وسارا معه حتى أزال دولة بني طولون من مصر في ربيع الأول سنة اثنتين وتسعين ومائتين. ثمّ أخرج بدرا من مصر واليا على دمشق، فخرج [٢٤٤ ب] قوّاد بني طولون ومواليهم. ٩١٣ - بدر الحقيقي بدر الحقيقيّ، كانت إليه ضياع أبي أحمد ابن المتوكّل بمصر، والطراز، والخيل، وضياعهما، وكان من وجوه غلمان أحمد بن طولون وكبارهم. ولم يزل على ذلك إلى أن بعث أبو أحمد الموفّق نحريرا خادم المتوكّل ومعه كتاب إلى أحمد بن طولون في حمل ما يستعين به من المال في قتال صاحب الزنج، فلمّا قدم نحرير إلى مصر ورد في عقبه كتاب المعتمد سرّا أنّ الموفّق إنّما أنفذ نحريرا إليك عينا عليك ومستقصيا على أخبارك، وأنّه قد كاتب بعض أصحابك، فاحترس منه. فاحترس أحمد بن طولون على نحرير، وتلطّف حتى أخذ منه الكتب التي كانت معه، فإذا هي إلى جماعة من قوّاده يضرّبهم (٥) عليه ويستميل قلوبهم إليه، منهم بدر هذا، فضربه بالسوط حتى مات. ٩١٤ - بدر الإخشيديّ [- بعد ٣٥٧] (٦) كان أجلّ غلمان الأمير أبي بكر محمد بن طغج الإخشيد، وترقّى عنده حتى ولّاه دمشق في [ذي الحجّة سنة ٣٢٧]. فلمّا قدم محمد بن رائق إليها، سار عنها إلى

стр. 776

مصر، ثم أعيد إلى دمشق بعد موت الإخشيد. فلمّا دخل كافور الإخشيدي من الشام إلى مصر في ربيع الآخر سنة ستّ وثلاثين وثلاثمائة، وتأخّر أبو المظفّر الحسن بن طغج بالرملة، وقام كافور بخلافة الأمير أبي القاسم أونوجور ابن الإخشيد، وخاطبه نظراؤه الإخشيديّة بالأستاذ، مثل جانك، وطغان، ومبشّر، ومرتاح الشرابيّ، ومرتاح الخازن، ومرتاح صلايه، وشادن، والحسين بن لؤلؤ، ونحرير الأزغليّ، ونحرير الخاصّة، وبشارة، وفرج البجكميّ، وغيرهم، امتنع، وكان بدمشق. فأرسل كافور إلى أبي المظفّر يستدعيه فسار، وعمل عليه حتى حصل بمصر في ربيع الأوّل سنة سبع وثلاثين وثلاثمائة، فخاطبه الغلمان من الكبار في أن يكاتب كافور بالأستاذ فامتنع، فقبض عليه كافور واعتقله بالإسكندريّة ودمياط مدّة عشرين سنة، وأجرى عليه في كلّ شهر مائة دينار. فلم يزل حتى مات كافور، فأطلق من اعتقاله، وأدخل من دمياط إلى مصر في رجب سنة سبع وخمسين وثلاثمائة، فكثرت الفتن واشتدّ الخلاف، فصار الإخشيديّة والكافوريّة إلى دار الشريف أبي جعفر مسلّم بن عبيد الله الحسينيّ للمشورة، وقالوا لبدر هذا: أنت شيخ الجماعة، فإيش الرأي؟ قال: ما عندي رأي. قد شخت، ولكنّ الذي أراه أن تطلبوا خادما أسود اسمه كافور تقلّدو [ن] هـ، فإنّي أرى الأمر يستقيم. فضحكوا وقاموا على غير شيء. ٩١٥ - بدر صاحب عبد الرحمن الداخل بدر، أبو الغصن، مولى معاوية بن هشام بن عبد الملك. فرّ مع عبد الرحمن بن معاوية من قريته ذات الزيتون بالشام لمّا طلبه المسوّدة بعد قتل مروان الحمار، إلى فلسطين. ثمّ تأخّر عنه لأمر، ولحقه بمال وجوهر بعثت به إليه معه أخته أمّ الأصبغ ابنة معاوية بن هشام بن عبد الملك. فقبض عليه عبد الرحمن بن حبيب الفهريّ، متولّي إفريقيّة، وقرّره على مولاه عبد الرحمن، فأنكر خبره، ثم أفرج عنه حتى لحق مولاه. فقدّمه بين يديه يدعو له، فقدم الأندلس وتجسّس له، وما زال حتى أخذ له البيعة وجهّز إليه مركبا فيه جماعة من الأعيان فبذلوا له الطاعة وساروا به، إلى أن كان من أمره ما ذكر في ترجمته (١). وكان عبد الرحمن [ ... ] (٢). ٩١٦ - بدر الحبشيّ [- ٥٧٦] بدر بن عبد الله، أبو الضياء الحبشيّ، مولى الشيخ أبي عبد الله محمد بن خداداد المعدّل (٣). سمع أبا عبد الله الرازيّ وأبا الحسن الفرّاء، وأبا القاسم بن الدوري [و] عبد الرحمن بن فاتك، وأبا صادق وغيرهم، وحدّث. توفّي ليلة الخميس ثالث شوّال سنة ستّ وسبعين وخمسمائة.

стр. 777

٩١٧ - برلغي الأشرفيّ [- ٧١١] (١) [٢٩٧ أ] برلغي الأشرفيّ، الأمير سيف الدين، أحد البرجيّة، من المماليك المنصوريّة قلاوون. كان أوّلا مملوكا للأمير حسام الدين مهنّا أمير العرب، أسره في بعض غاراته على التتار، وبعث به إلى الملك المنصور قلاوون [٢٤٥ أ] فأعطاهلولده الأشرف خليل. وترقّى في الخدم إلى أن صار من الأمراء. فلمّا أعيد الناصر محمد بن قلاوون بعد قتل المنصور لاجين، وقويت البرجيّة، وقام بأمرهم الأمير بيبرس الجاشنكير، واشترك هو والأمير سلّار في تدبير أمور الدولة، زاحمهما برلغي في الأمر والنهي وقويت شوكته باجتماع المماليك الأشرفيّة عليه. وتزوّج بابنة الأمير بيبرس فتضاعفت حرمته، إلى أن كانت وقعة شقحب (٢) ظاهر دمشق مع التتار [ف] انهزم هزيمة قبيحة. فلمّا انتصر المسلمون وقدم السلطان دمشق، عاد برلغي فمنعه السلطان أن يدخل إليه، وقال: بأيّ وجه تدخل إليّ أو تنظر في وجهي؟ فلم يزل الأمراء به حتى عفا عنه، وأنعم عليه بعد قدومه إلى مصر بثلاثين ألف درهم. وسار بالركب إلى الحجّ في سنة اثنتين وسبعمائة، وأبطل من الحرم الأذان ب «حيّ على خير العمل»، ومنع الزيديّة من الإمامة في الصلاة بالحرم (٣)، وعاد إلى القاهرة. فلمّا تسلطن بيبرس الجاشنكير وتلقّب بالملك المظفّر في شوّال سنة ثمان وسبعمائة، أنعم عليه بإقطاعه قبل سلطنته، فإنّه كان تزوّج بابنته وجهّزها بيبرس بجهاز عظيم جدّا. وأنعم بإقطاع برلغي على بدخاص، وبإقطاع بدخاص على الأمير جمال الدين آقوش الأشرفيّ نائب الكرك. فلمّا أهلّت ستة تسع وسبعمائة زفّت ابنة السلطان الملك المظفّر على برلغي (٤)، وعمل مهمّ عظيم خلع فيه على جميع الأمراء وأرباب الوظائف. فلم يتهنّ [أ] بذلك، وبعده [ب] قليل تحرّك الملك الناصر من الكرك لأخذ السلطنة، فخرج برلغي على العسكر يريد محاربته ونزل العبّاسة طرف الرّمل. فخامر العسكر ولحق بالناصر شيئا بعد شيء حتى لم يبق عنده الجند، فسار هو والأمير آقوش نائب الكرك ولحقا بالناصر، بعد ما وصل إلى برلغي من المظفّر في هذه الحركة زيادة على أربعين ألف دينار مصريّة.

стр. 778

فلقي الناصر بغزّة، وقدم معه إلى مصر في شوّال، فلم يمهله إلّا قليلا، وقبض عليه في ذي الحجّة منها، وقبض معه على الأمير علاء الدين مغلطاي القازاني- وكان قد توجّه معه إلى السلطان من مصر. فلمّا قدم الأمير مهنّا في سنة عشر وسبعمائة إلى مصر، حدّث السلطان في الإفراج عنه (١)، فلم يجبه. وألحّ مهنّا إلى أن وعده بتخلية سبيله بعد شهر. وأجرى له راتبا، [٢٩٧ ب] ومكّن خدمه وجواريه من العبور إليه، فرضي مهنّا بذلك وسار عائدا إلى بلاده. [ف] أخرج [السلطان حينئذ] من كان عنده، ومنعه الأكل والشرب أيّاما حتى يبست أعضاؤه وخرس لسانه وعجز عن الحركة. ثم قتل ليلة الأربعاء ثاني شهر رجب سنة إحدى عشرة وسبعمائة، ودفن بزاوية الجعبريّ في سابع رجب. ورأى من السعادة وكثرة المال ما لا يمكن حصره. وكان كريما يضرب ببيته المثل في كثرة الخير والحرمة وسعة العطاء. وكان يرى في نفسه أنّه أكبر من بيبرس وسلّار. فلمّا أراد السلطان قتله استدعى الأمير أيتمش المحمّدي وأمره أن يمضي إليه، فإن وجده ميتا دفنه، وإلّا قتله، فإنّالطواشي الموكّل به أخبر أنّه أشرف على الموت، فقبّل أيتمش الأرض وسأل أن يعفى من ذلك. فأعفاه لما يعلمه من تديّنه، واستدعى الأمير بدرجك وتقدّم إليه بذلك. فمضى إليه فإذا به قد خرس لسانه ويبست أعضاؤه واحترقت آماق عينيه، وهو جالس. فحاول أن يقوم لدخول بدرجك فلم يجد معه قوّة تنهض به، وحاول ذلك بجهده حتى قام، ثم سقط، وصار يشير إليه بيده، ولم يقدر على الكلام من الجوع. فرقّ له بدرجك وبكى رحمة له، وخرج وهو يقول في نفسه: والله لا خلّيت هذا في صحيفتي أبدا. وأسرّ بما رآه للسلطان فسبّه سبّا فاحشا، وقد اشتدّ حنقه منه، وأخذ ينخسه في رقبته بالنمجاة، ثمّ طرده وأبعده. وطلب الأمير قجليس وأمره بما تقدّم فخنقه. ووجد في المخدّة التي [٢٤٥ ب] كانت عنده أثر فمه فيها ممّا يكدمها (٢) من الجوع. ٩١٨ - برلغي الصغير [- ٧٤٩] (٣) [٢٩٧ ب] برلغي الصغير، الأمير سيف الدين، قريب الملك الناصر محمد بن قلاوون [لأمّه]. قدم إلى مصر سنة أربع وسبعمائة، وترقّى حتى صار من جملة الأمراء. ثم تنكّر عليه وسجنه من سنة اثنتي عشرة إلى رجب سنة خمس وعشرين مدّة ثلاث عشرة سنة، ثمّ أفرج عنه. وذلك أنّه كان زوج ابنة المظفّر بيبرس (٤). ثمّ قبض عليه وأفرج عنه. وكان لا يدعه في راحة، إمّا يجرّده أو يقبض عليه ويسجنه. فكانت مدّة حبسه عشرين سنة متفرّقة. فلمّا مات السلطان لم يزل منغّصا. ثم أنعم عليه بإمرة مائة فلم يقم غير أيام، ومات في طاعون سنة تسع وأربعين وسبعمائة (٥).

стр. 779

٩١٩ - برح بن عسكر (١) [٢٩٨ أ] برح بن عسكر- ويقال: خشكل، ويقال: عسكل- بن وتار بن كرغ بن حضرميّ بن التغمى بن مهريّ بن حيدان بن عمرو بن الحاف بن قضاعة، المهريّ. وقد على رسول الله ﷺ وشهد فتح مصر واختطّ بها وسكنها، وهو رجل معروف من أهل مصر. قال ابن لهيعة: كان الديوان في زمن معاوية بن أبي سفيان أربعين ألفا، منهم أربعة آلاف في مائتين مائتين. فأعطى مسلمة بن مخلد أهل الديوان أعطياتهم وأعطيات عيالاتهم وأرزاقهم، ونوائبهم ونوائب البلاد من الجسور و [أرزاق] الكتبة وحملان القمح إلى الحجاز، ثمّ بعث إلى معاوية بستّمائة ألف دينار (٢). وقال ابن عفير: فلمّا نهضت الإبل لقيهم برح بن حشكل المهريّ فقال: ما هذا؟ ما بال مالنا يخرج من بلادنا؟ ردّوه! فردّوه حتى وقف على باب المسجد، فقال: أخذتم أعطياتكم وأرزاقكم وأعطيات عيالاتكم؟ قالوا: نعم. قال: لا بارك الله لهم فيه! وكانت امرأة برح نعم بنت يزيد بن قضم بن غويجي بن أحور بن عرابي بن الكتب بن دينيّ بن الدّين بن مهري بن حيدان بن عمرو بن الحاف بن قضاعة. ٩٢٠ - برغش العادليّ [- ٦٠٨] [٢٩٨ ب] برغش بن عبد الله، العادليّ، صارم الدين. كان من أمراء الملك العادل ابن أيّوب. وولّاه قلعة دمشق. ومات بها في رابع عشرين شهر ربيع الأوّل سنة ثمان وستّمائة (٣). ٩٢١ - بسر بن أرطاة [- ٨٦] (٤) [٢٩٩ أ] بسر بن أرطاة بن أبي أرطاة- واسم أبي أرطاة عمير- بن عويمر بن عمران بن الجليس بن سيّار بن نزار بن معيص بن عامر بن لؤي بن غالب بن فهر، أبو عبد الرحمن، القرشيّ، العامريّ. يقال إنّه سمع من النبيّ ﷺ ، وقيل: لم يسمع منه لأنّ رسول الله ﷺ قبض وهو صغير. وهذا قول الواقدي ويحيى بن معين وأحمد بن حنبل في آخرين. وقال ابن عديّ عن ابن معين أنّه قال: أهل المدينة ينكرون أن يكون بسر سمع من رسول الله ﷺ ، وأهل الشام يروون عنه عن رسول الله ﷺ . وقال الواقدي: وكان من الشجعان، إلّا أنّه كان غير مرضيّ في دينه، وأبلى في الفتنة وكان فيها رأسا. ومات في أيّام معاوية.

стр. 780

وقال ابن معين: كان رجل سوء خبيثا، لا تصحّ له صحبة. وقال الهيثم بن عديّ: لم يكن في بني عامر بن لؤي أخبث من بسر ولا أسوأ منه. ولد قبل وفاة رسول الله ﷺ بسنتين، ما رأى رسول الله ﷺ ولا سمع منه. وأخرج له الإمام أحمد [بن حنبل] في المسند حديثين. [شهد فتح مصر]: ويقال إنّه أحد الذين بعثهم عمر بن الخطّاب ﵁ مددا لعمرو بن العاص، وشهد فتح مصر بلا خلاف واختطّ بها دارا وحمّاما. ولمّا وقعت فتنة عثمان ﵁، لحق بمعاوية بن أبي سفيان وصار من شيعته وخرج معه إلى صفّين، فاستعمله على السّاقة حين كتّب الكتائب بصفّين [ف] استعمله على رجّالة أهل دمشق، فقال لمعاوية: أنا لعليّ. فقال له: أنت له لولا تتيّعك وتسرّعك في الحرب. فلمّا عيّن معاوية أصحابه لقتال أصحاب عليّ ﵁ [٢٤٦ أ] ندب بسرا لقتال قيس بن سعد بن عبادة، فطعنه بسر واقتتلا ثمّ انصرفا، وقال بسر [الرجز]: أنا ابن أرطاة عظيم القدر ... مردّد في غالب بن فهر (١) ليس الفرار من طباع بسر ... أن يرجع اليوم بغير وتر وقد قضيت في العدوّ نذري ... يا ليت شعري، ما بقي من عمري؟ ونظر معاوية وكان واقفا على التلّ ومعه وجوه قريش فقال: والله لقد دعاني عليّ للبراز حتى لقد استحييت من قريش. فقال له عتبة بن أبي سفيان: اله عن هذا كأنك لم تسمعه، فقد علمت إنّه لا أحد يعتريه إلّا قتله. وإنّما أراد معاوية بقوله بسر بن أرطاة، فقال بسر: ما كان أحد أحقّ بمبارزته من بني حرب، فأمّا إذ أبيتموه فأنا له. قال له معاوية: أما إنّك ستلقاه في العجاجة غدا في أوّل الخيل. فأتى بسر [ا] ابن عمّ له فقال: أما تعلم أنّ معاوية الوالي، ثمّ من بعده عتبة، ثمّ من بعده محمد [أخوه]، فما يدعوك إلى ما أرى؟ قال: الحياء، خرج منّي شيء فأنا أستحي أن أرجع عنه، وهو الموت، لا بدّ والله من لقاء الله. [قتاله لعليّ في صفّين]: فاستقبل عليّا ﵁، فطعنه عليّ وهو لا يعرفه فألقاه برجله فانكشفت عورته (٢) فانصرف عليّ. فناداه الأشتر النخعيّ: يا أمير المؤمنين، إنّه بسر بن أرطاة! قال: دعه لعنه الله! فقال الأشتر [الرجز]: أكلّ يوم رجل شيخ شاغرة ... وعورة وسط العجاج ظاهرة؟ أبرزها طعنة كفّ واترة ... عمرو وبسر رميا بالفاقرة [٢٩٩ ب] وقام بسر من طعنة عليّ وولّت خيله. ونادى عليّ: يا بسر، معاوية كان أحقّ بهذا منك. فرجع بسر إلى معاوية، فقال له: ارفع طرفك يا بسر، فقد أدال الله عمرا منك. فقال النضر بن الحارث السهميّ [الطويل]:

стр. 781

أفي كلّ يوم فارس تندبونه ... له عورة وسط العجاجة بادية؟ يكفّ بها عنه عليّ سنانه ... ويضحك منها في الخلاء معاوية بدت أمس من عمرو فقنّع رأسه ... وعورة بسر مثلها حذو حاذية فقولا لعمرو وابن أرطاة انظرا ... سبيلكما لا تلقيا اللّيث ثانية ٥ ولا تحمدا إلّا الخصا وخصاكما ... هما كانتا والله للنفس واقية فلولاهما لم تنجوا من سنانه ... وتلك بما فيها عن العود ناهية متى تلقيا الخيل المشيحة صبحة ... وفيها عليّ فاتركا الخيل ناحية وكونا بعيدا حيث لا يبلغ القنا ... وحمي الوغى، إنّ التجارب كافية وإن كان منه بعد في النفس حاجة ... فعودا إلى ما شئتما، هي ماهية فكان بسر بعد ذلك إذا لقي الخيل التي فيها عليّ ﵁، تنحّى ناحية. وتحامى فرسان أهل الشام عليّا. فلمّا انقضت أيّام صفّين بعثه معاوية في سنة أربعين- وقيل: سنة اثنتين وأربعين- على ثلاثة آلاف فارس. فسار حتى قدم المدينة النبويّة، وعليهاأبو أيّوب الأنصاريّ من قبل عليّ بن أبي طالب ﵁، ففرّ منه إلى عليّ. ودخل بسر المدينة بغير قتال، فصعد المنبر فنادى عليه: يا دينار، يا نجّار، يا زريق- وهذه بطون من الأنصار رضوان الله عليهم- ثم قال: أين شيخي الذي عهدته ههنا بالأمس؟ - يعني عثمان ﵁ ثم قال: يا أهل المدينة، والله لولا ما عهده إليّ معاوية، ما تركت فيها محتلما إلّا قتلته [٢٤٦ ب]. [عسفه بأهل المدينة]: ثم أمر أهل المدينة بالبيعة لمعاوية، وأرسل لبني سلامة فقال: ما لكم عندي أمان ولا مبايعة حتى تأتوني بجابر بن عبد الله. فأخبر جابر ﵁، فانطلق حتى جاء أمّ سلمة ﵂، فقال لها: يا أمّ المؤمنين، ماذا ترين؟ فإنّي خشيت أن أقتل، وهذه بيعة ضلال. فقالت: أرى أن تبايع. وقد أمرت ابني عمر بن أبي سلمة أن يبايع. فأتى جابر بسرا فبايعه لمعاوية. وهدم بسر دورا بالمدينة، وأقام بها شهرا يستعرض الناس، لا يقال له عن أحد إنّه شرك في دم عثمان إلّا قتله. ثم انطلق حتى أتى مكّة، وبها أبو موسى [٣٠٠ أ] الأشعري ﵁، فخافه على نفسه أن يقتله فهرب. فقيل ذلك لبسر، فقال: ما كنت لأقتله وقد خلع عليّا. وكتب أبو موسى إلى اليمن: إنّ خيلا مبعوثة من عند معاوية تقتل الناس، تقتل من أبى أن يقرّ بالحكومة (١). وأكره بسر الناس بمكّة أيضا على البيعة لمعاوية. ثم مضى إلى اليمن وعليها عبيد الله بن العبّاس، ففرّ منه إلى الكوفة حتى أتى عليّا ﵁، واستخلف على اليمن عبد الله بن عبد المدان الحارثيّ- وقيل: بل استخلف عمرو بن أراك الثقفيّ- فقتله بسر وقتل ابنه. ولقي

стр. 782

ثقل عبيد الله بن العبّاس، وفيه ابنان صغيران لعبيد الله قد وارتهما أمّهما، فأخذهما من تحت ذيلها فقتلهما، ورجع إلى الشام. وارتكب أمورا عظاما في الإسلام، منها قتل ابني عبيد الله بن عبّاس. وقد قيل إنّه إنّما قتلهما بالمدينة، والأكثر أنّ ذلك كان منه باليمن. كان يحيى بن معين يقول: لا تصحّ له صحبة. وكان يقول فيه: رجل سوء. وقال أبو الحسن الدارقطنيّ: له صحبة، ولم تكن له استقامة بعد النبيّ ﷺ ، هو الذي قتل طفلين لعبيد الله ابن عبّاس بن عبد المطّلب باليمن في إمارة معاوية، وهما عبد الرحمن وقثم ابنا عبيد الله بن عبّاس. [ذبحه طفلين لبعض أتباع عليّ]: وقال أبو مخنف: لمّا توجّه بسر بن أرطاة إلى اليمن أخبر عبيد الله بن عبّاس بذلك، وهو عامل لعليّ عليها، فهرب. ودخل بسر اليمن فأتي بابني عبيد الله بن العبّاس وهما صغيران فذبحهما، فنزل بأمّهما عائشة بنت عبد المدان (١) من ذلك أمر عظيم، فأنشأت تقول [الوافر]: ألا من بيّت الأخوي ... - ن أمّهما هي الثّكلى تسائل من رأى ابنيها ... وتستنعي فما تنعى (٢) وفي ذلك تقول أيضا [البسيط]: ها من أحسّ بنيّيّ اللذين هما ... كالدّرّتين تشظّى عنهما الصّدف (٣) ها من أحسّ بنيّيّ اللذين هما ... سمعي وعقلي، فقلبي اليوم مختطف ها من أحسّ بنيّيّ اللذين هما ... مخّ العظام فمخّي اليوم مزدهف (٤) حدّثت بسرا وما صدّقت ما زعموا ... من قتلهم ومن الإفك الذي اقترفوا ٥ أنحى على ودج ابنيّ بمرهفة ... مشحوذة، وكذاك الإثم يقترف من ذا لوالهة حيرى مدلّهة ... على صبيّين ذلّا إذ غدا السّلف ثم وسوست فكانت تقف بالموسم تنشد هذا الشعر وتهيم على وجهها. وقد روي أنّ هذين الابنين كانا عند رجل من بني كنانة بالبادية. فلمّا أراد بسر قتلهما قال له الكنانيّ: فلم تقتل هذين، ولا ذنب لهما؟ فإن كنت قاتلهما فاقتلني معهما- فقتله وقتلهما بعده-. وقيل: إنّ الكنانيّ أخذ سيفه وقاتل عن الغلامين وهو يقول [الرجز]: الليث من يمنع حافات الدار ... ولا يزال مصلتا دون الجار [٢٤٧ أ] ألا فتى أروع غير غدّار؟ [٣٠٠ ب] وقاتل حتى قتل. ولمّا ذبح بسر الغلامين خرجت نساء بني كنانة، فقالت امرأة منهنّ: يا هذا، قتلت الرجل، فعلام تقتل الولدان؟ والله ما كانوا يقتلون في جاهليّة ولا إسلام! والله إنّ سلطانا لا يقوم إلّا بقتل الطفل الصغير والشيخ الكبير، ويرفع الرحمة، ويأتي بعقوق الأرحام، لسلطان سوء! . فلمّا بلغ عليّا ﵁، قتل الغلامين جزع جزعا شديدا ودعا على بسر، فقال: - اسلبه دينه وعقله- وفي رواية: اللهمّ، أذهب عقله، ولا تبق له من دينه ما يستوجب به عفوك! فأصابه ذلك وفقد عقله، فكان يهذي بالسيف

стр. 783

ويطلبه فيؤتى بسيف من خشب، ويجعل بين يديه زقّ منفوخ، فلا يزال يضربه. وما زال كذلك حتى مات في آخر أيّام معاوية. وقال أبو عمرو الشيبانيّ: لمّا وجّه معاوية بسر بن أرطاة لقتل شيعة عليّ ﵁، قام إليه معن- أو عمرو- بن يزيد بن الأخنس السلميّ، وزياد بن الأشهب الجعديّ فقالا: يا أمير المؤمنين، نسألك بالله والرحم أن [لا] تجعل لبسر على قيس سلطانا فيقتل قيسا بما قتلت بنو سليم من بني فهر وكنانة [يوم] دخل رسول الله ﷺ مكّة. فقال معاوية: يا بسر، لا إمرة لك على قيس. فسار حتى أتى المدينة فقتل ابني عبيد الله بن عبّاس، وفرّ أهل المدينة ودخلوا حرّة بني سليم. وفي هذه الخرجة أغار بسر على همدان وسبى نساءهم- فكنّ أوّل مسلمات سبين في الإسلام- وقتل أحياء من بني سعد. وذكر أبو بكر بن أبي شيبة عن زيد بن الحباب، قال: حدّثني موسى بن عبيدة: نا زيد بن عبد الرحمن بن أبي سلامة [نا] أبو سلمة عن أبي الرباب وصاحب له أنّهما سمعا أبا ذرّ ﵁، يدعو ويتعوّذ في صلاة صلّاها أطال قيامها وركوعها وسجودها. (قال) فسألناه: ممّ تعوّذت، وفيم دعوت؟ فقال: تعوّذت بالله من يوم البلاء ويوم العودة. فقلنا: وما ذاك؟ قال: أمّا يوم البلاء فتلتقي فئتان من المسلمين فيقتل بعضهم بعضا. وأمّا يوم العودة، فإنّ نساء من المسلمات يسبين فيكشف عن سوقهنّ، فأيّتهنّ كانت أعظم ساقا اشتريت على عظم ساقها. فدعوت الله أن لا يدركني هذا الزمان، ولعلّكما تدركانه. (قال) فقتل عثمان ﵁، ثم أرسل معاوية بسر بن أرطاة إلى اليمن فسبى نساء مسلمات فأقمن في السوق. والصحيح أنّ بسر بن أرطاة لمّا سار إلى اليمن استخرج ابني عبيد الله بن عبّاس من بيت أمّ سعيد بنت بزرج بن وهرام من الأبناء (١)، امرأة داذويه بن هرم. واسم ابني عبيد الله بن عبّاس أحمد ومحمد، وأمّهما عائشة بنت عبيد الله بن عبد الله بن عبد المدان الحارثيّ، فذبحهما على درج القصّابين عند باب مدينة صنعاء، وذبح على دمائهما سبعين شيخا من الأبناء- هكذا نقلته من خطّ ابن الكلبي في كتاب «نسب الأبناء» له، وهو عندي بخطّه. ولمّا صالح الحسن بن عليّ ﵇ معاوية، اجتمع الناس عنده، وبسر جالس إلى جنب عبيد [٣٠١ أ] الله بن عبّاس، وهو واضع سيفه في حجره، وقائمه إلى عبيد الله، إذ أخذ عبيد الله بقائم السيف فاخترطه، ثمّ قام على رأس بسر وقال: أي عدوّ الله، عمدت إلى صبيّين صغيرين فقتلتهما عبثا؟ فألقى بيده، وقام إليه حبيب بن مسلمة الفهريّ فدخل بينهما، فقال: أسألك بالله والرحم إلّا ما أعطيتني السيف! فأعطاه إيّاه، وأقبل حبيب على بسر فقال: خذ سيفك، عليك لعنة الله! حمار خبيث! قتلت ابني الرجل، ثم جلست إلى جنبه وأدنيت قائم سيفك منه! والله لو ضربك ما انتطح فيك عنزان! فتفرّقوا.

стр. 784

[ولايته البصرة لمعاوية]: ثمّ ولّاه معاوية على البصرة في سنة إحدى وأربعين، وأمره بقتل بني زياد ابن أبيه. وكان زياد [٢٤٧ ب] على فارس من قبل عليّ ﵁. فقدم بسر البصرة وصعد منبرها فشتم عليّا ﵁، وتنقّصه وذكره بالقبيح، ثم قال: نشدت الله رجلا يعلم أنّي صادق إلّا صدّقني، أو كاذب إلّا كذّبني! فقال أبو بكرة نفيع (١) بن الحارث ﵁: إنّك تنشد عظيما. والله ما صدقت ولا بررت! - وفي رواية: اللهمّ، إنّا لا نعلمك إلّا كاذبا. فأمر به فخنق. فقام أبو لؤلؤة الضبيّ عليه فرمى بنفسه عليه فمنعه. وقيل لأبي بكرة: ما حملك على ذلك؟ فقال: يناشدنا بالله، ثمّ لا نصدقه! وأخذ بسر أولاد زياد: عبد الرحمن، وعبد الله، والمغيرة، وسلما، وحربا، وكتب إلى زياد: لتقدمنّ على أمير المؤمنين أو لأقتلنّ بنيك! فكتب إليه: لست بارحا مكاني حتى يحكم الله بيني وبين صاحبك. وإن قتلت ولديّ، فالمصير إلى الله، ومن ورائنا الحساب وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ [الشعراء: ٢٢٧]. فأراد بسر قتلهم، فأتاه أبو بكرة فقال: قد أخذت ولد أخي بلا ذنب، وقد صالح الحسن على ما أصاب أصحاب عليّ حيث كانوا، فليس عليهم ولا على أبيهم سبيل. فأجّله أسبوعا حتى يأتيه بكتاب معاوية. فركب أبو بكرة إلى معاوية وهو بالكوفة، فلمّا أتاه قال: يا معاوية، إنّ الناس لم يعطوك بيعتهم على قتل الأطفال. فقال: وما ذاك يا أبا بكرة؟ قال: بسر يريد قتل بني أخي زياد. فكتب له بتخليتهم. فأخذ الكتاب وعاد إلى البصرة يوم الميعاد وقد أخرج بسر أولاد زياد مع طلوع الشمس ينتظر بهم الغروب لقتلهم. واجتمع الناس لذلك إذ رفع أبو بكرة ثوبه وكبّر، فكبّر الناس معه. وأقبل يسعى على رجليه ودفع الكتاب إلى بسر فأطلقهم. ثمّ صرفه معاوية بعبد الله بن عامر، فكانت إقامته بالبصرة ستّة أشهر. وبعثه فغزا بلاد الروم سنة ثلاث [٣٠١ ب] وأربعين وشتّى بأرضهم حتى بلغ القسطنطينيّة فيما زعم الواقديّ. وأنكر قوم أن يكون بسر شتّىبأرض الروم. ثمّ غزا بسر في البحر أيضا سنة أربع وأربعين. وغزا سنة خمسين أرض الروم، وخرج على الصائفة في سنة إحدى وخمسين. وقيل: إنّه شتّى بأرض الروم سنة اثنتين وخمسين ومعه سفيان بن عوف الأزديّ. [قلعة بسر بإفريقية]: وذكر أبو القاسم عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم أنّ موسى بن نصير وجّه بسر بن أرطاة إلى قلعة من مدينة القيروان على ثلاثة أيّام فافتتحها وسبى الذرّيّة وغنم الأموال، فسمّيت قلعة بسر (٢)، فهي لا تعرف إلّا به إلى اليوم. وكان ذلك سنة ستّ وثمانين. وذكر ابن السكن أنّه مات أيّام معاوية. وذكر

стр. 785

محمد بن سعد أنّه عاش إلى أيّام عبد الملك بن مروان، وهو قول خليفة (١) ومحمد بن حبّان (٢). وحكى المسعودي أنّه مات في خلافة الوليد بن عبد الملك سنة ستّ وثمانين. ٩٢٢ - بشارة الإخشيديّ الخادم [- بعد ٣٨٨] (٣) [٣٠٢ أ] ... فلمّا مات سيف الدولة ابن حمدان بحلب، سار بتايوته إلى ديار بكر بشارة الخادم وتقيّ، في جمادى الأولى سنة ستّ وخمسين وثلاثمائة، وكان بينهما منافرة. فأذاع تقيّ الدين عن بشارة أنّه كاتب حمدان بن ناصر الدولة- وكان قد غلب على الرقّة ونصيبين عند وفاة عمّه سيف الدولة- وحثّ [هـ] على أخذ حلب. وكتب تقيّ إلى قرغويه القائم بضبط حلب نيابة عن سعد الدولة أبي المعالي شريف ابن سيف الدولة، فقبض قرغويه على أسباب بشارة بحلب. فلمّا بلغ ذلك بشارة داخل تقيّ [الدين] وآنسه فأنس به وصفّى نيّته له، وأطلعه على أنّه يريد ديار بكر ليعمل على أبي المعالي شريف ابن مولاه ويقبض عليه ويملك التدبير، وضمن لبشارة أنّه يسلّم له ميافارقين. فأظهر له بشارة القبول، وسار بمسيره إلى قريب من ميافارقين. فكتب بشارة مع من يثق به إلى أبي المعالي يحذّره الخروج إلى [٢٤٨ أ] لقاء تابوت أبيه، ويعرّفه ما عزم عليه تقيّ. فلمّا قرب تقيّ كتب إليه بخبر التابوت وأن يخرج لتلقّيه. فأظهر أبو المعالي علّة وامتنع من الركوب، وأخرج كلّ من في البلد لتلقّيه. وضرب تقيّ مضاربه ولم يدخل المدينة ووكّل بأبوابها الرجال. فطلع بشارة على السور وغلّق الأبواب وخاطب أصحابه عن الأمير أبي المعالي بكلّ جميل. فانقلبوا عن تقيّ، وبطل ما دبّره. وسار إلى منازكرد، وكتب إلى أبي المعالي يطلب منه الأمان. فأمّنه حتى حصل عنده، فقبض عليه وسلّمه إلى بشارة فقتله. وسار إلى حلب في رجب منها ومعه بشارة. فلم يزل عنده أثيرا إلى أن مات في رمضان سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة. وبايع أجناده كلّهم ابنه أبا الفضائل سعيد بن شريف، إلّا بشارة، فإنّه استأمن إلى العزيز بالله نزار ابن المعزّ [لدين] الله معدّ (٤) الفاطميّ في نحو أربعمائة غلام. وقدم عليه بالقاهرة، ومعه وفاء الصقليّ أيضا في ثلاثمائة غلام. فقبلهم العزيز- وكان يميل إلى الأتراك أكثر من [هـ إلى] المغاربة، لا سيّما الحمدانيّة (٥)، لشدّة بأسهم وفضل النجدة فيهم. وولّى بشارة طبريّة، وولّى وفاء ثغر عكّا، وولّى رباحا قيساريّة، وذلك في سنة إحدى [٣٠٢ ب] وثمانين وثلاثمائة. فاستجلب بشارة من جند حلب عدّة وضبط الأمور، وعزّ وقوي أمره بطبريّة. ولمّا خرج يلتكين التركيّ من القاهرة على عسكر كبير لقتال [مفرّج بن دغفل] (٦) ابن الجرّاح، سار إليه بشارة من طبريّة ليكون عونا له على ابن الجرّاح. فلقيا ابن الجرّاح وهزماه عن الرملة. وسارا إلى دمشق وفيهاقسّام فقاتلاه. وأبلى أصحاب بشارة في القتال بلاء حسنا لكثرة الرماة فيهم، إلى أن أخذ

стр. 786

قسّام وحمل إلى مصر. ولم يزل في طبريّة إلى أن كتب له من القاهرة بولاية دمشق. فسار ونزل عليها يوم الجمعة رابع رجب سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة. فاجتمع جيشه مع عسكر جيش بن الصمصامة على دمشق. فاستخلف على البلد، وسار مع جيش في رابع عشر رجب إلى فامية، وقد نزل عليها الدوقس متملّك أنطاكية فقاتلوه قتالا شديدا انهزم فيه عسكر جيش وملك الروم ما معهم. فانهزم من كان مع بشارة من بني كلاب وغيرهم من العرب وتفرّقوا على طريق جوسيّة إلى بعلبك وعلى طريق الجادّة إلى دمشق. فلمّا رأى جيش وبشارة ما نزل بالناس حملا فيمن معهما على الروم فانهزموا وأخذهم السيف، فقتل منهم نحو الخمسة آلاف وقتل الدوقس (١)، وذلك يوم الثلاثاء لتسع بقين من رجب، وتفرّق المنهزمون في الجبال ووصلوا إلى أنطاكية. ونفر الناس بعد ذلك من دمشق وأعمالها ومن الساحل إلى عسكر جيش، فسار بهم إلى مرعش. وسار بشارة إلى دمشق فنزلها يوم الاثنين النصف من شوّال، وقدم جيش لتسع بقين من ذي القعدة فنزل بيت لهيا، وكان الشتاء قد هجم. فكتب من مصر بصرف بشارة عن دمشق إلى طبريّة وولاية جيش. ٩٢٣ - بشتاك الناصريّ [- ٧٤٢] (٢) بشتاك الناصريّ، الأمير سيف الدين، أحد المماليك الناصريّة محمد بن قلاوون. جلب من بلاد القان أزبك بن طقطاي ملك التتر، فاشتراه السلطان بستّة آلاف درهم وسلّمه للأمير قوصون ليربّيه، فترقّى في الخدم، وشغف به السلطان وقرّبه وأفرط في العطاء له والإنعام عليه. وأنعم عليه في ثالث المحرّم سنة ثمان وعشرين وسبعمائة بإقطاع الأمير سيف الدين كوجري أمير شكار فصار من أمراء الألوف. فلمّا مات الأمير بكتمر الساقي أنعم السلطان بإقطاعه وحواصله ومغلّه على بشتاك، ثمّ زوّجه بامرأته أمّ أمير أحمد بن بكتمر، وأسكنه إصطبله المطلّ على بركة الفيل، واشترى جارية بكتمر المدعوّة خوبي (٣) بستّة آلاف [٢٤٨ ب] دينار وأتته ومعها ما قيمته عشرة آلاف دينار وأخذ [أحمد] بن بكتمر عنده. وحمى (٤) الشرقيّة بعد بكتمر. وزاد أمره وعظم محلّه بحيث كان السلطان يسمّيه في غيبته بالأمير. وبلغ إقطاعه سبع عشرة طبلخاناه يتحصّل منها زيادة على مائتي ألف دينار مصريّة. وأنشأ في سنة سبع وثلاثين جامعا في غاية الحسن على بركة الفيل، وتجاه بابه خانقاه مطلّة على الخليج (٥). وحجّ في سنة تسع وثلاثين فأنعم عليه السلطان عند سفره بمائتي ألف درهم ومائة هجين وأربعين بختيّا وستّين جملا، ولم يبق أحد من الأمراء حتى بعث إليه بتقادم جليلة. فلمّا دخل مكّة فرّق بها على الأمراء الألوف، كلّ أمير ألف دينار، وعلى

стр. 787

كلّ أمير طبلخاناه خمسمائة دينار، وأنفق في جماعة من الأجناد، وفي من حجّ من نساء الأمراء، وفرّق في جميع المجاورين وفي أهل مكّة من الأشراف والفقراء والزيالعة (١) حتى لم يدع أحدا إلّا ووصله بمال، فبلغ مصروفه في هذه السفرة ثلاثين ألف دينار وأربعمائة ألف درهم فضّة، سوى ما حمل في البحر من الغلال وغيرها. وكان السلطان قد تقدّم إليه بأنّه إذا فرغ من الزيارة بالمدينة النبويّة يمضي على الكرك ليكشف حال الأمير أبي بكر، ابن السلطان، وأنّه يكتب إلى الأمير شطّي (٢) أن يتلقّاه بقربه. فسار من المدينة نحو الكرك فإذا شطّي في انتظاره ومعه نحو أربعمائة فارس. فتخيّل منه وخاف أن يكون قد كتب إليه بقبضه إذا دخل الكرك. وركب ليلا في ثقاته وترك بقيّة مماليكه مع طلبه، وقصد عقبة أيلة وقدم منها إلى السلطان وقال له: إن أردت مسكي [٣٠٣ ب] فها أنا جئت إليك برقبتي! . فطيّب خاطره ولم يظهر له سوى البشر. وفي الباطن فإنّه قد ثقل على السلطان وأراد الفتك به ففاته غرضه منه، وخلع عليه. وأخذ بشتاك في تفرقة هداياه، وكانت شيئا يجلّ عن الوصف، بلغت قيمة ما كان فيها من اللؤلؤ والعطر الرقيق اثني عشر ألف دينار. ثمّ بعثه السلطان إلى دمشق للقبض على تنكز نائب الشام. فقدمها في المحرّم سنة أربعين بعد أن كان قد قبض عليه، وقدّم في خدمته عشرة أمراء، منهم أرقطاي، وبرسبغا، وطاجار الدوادار. فنزل بالقصر من الميدان وحلّف الأمراء الشاميّين للسلطان وذرّيته، واستخرج أموال تنتكز، ووسّط جنغاي وطغاي (٣) مملوكي تكنز، وخرج بعد خمسة عشر يوما عائدا إلى مصر، وقد تعلّق خاطره بنيابة الشام، فلم يجسر على مفاتحة السلطان فيها. وفرغت في هذه السنة عمارته للقصر المعروف به بخطّ بين القصرين. ثم سار في سنة إحدى وأربعين ليتصيّد ببلاد الشام، فكتب إلى نوّاب الشام بتعبئة الإقامات له والخروج لتلقّيه، فغاب أيّاما وعاد. فاتّفق مرض السلطان وأرجف به، فتنافس بشتاك وقوصون، وكادت الفتنة تقع بينهما. وبلغ ذلك السلطان فشقّ عليه واستدعاهما ليصلح بينهما، فلم يتمالك نفسه وغشي عليه، فأقاما على شرّ. فبادر المشايخ من الأمراء إلى الاجتماع بالسلطان وما زالوا به حتّى عهد لابنه أبي بكر وأصلح بين بشتاك وقوصون وأسند إليهما وصيّته، وجعلهما مدبّري أمر ولده وحلّفهما ألّا يغدر أحدهما بالآخر ولا يخونه. فلمّا مات السلطان لم يوافق بشتاك على سلطنة أبي بكر واختار إقامة أخيه أحمد. فقام قوصون إلى الشبّاك وطلبه وقال له: أنا ما يجيء منّي ولا منك سلاطين لأنّا كنّا كذا وكذا، وهذا أستاذنا أوصى لمن هو أخبر به من أولاده [٢٤٩ أ]، وهذا في ذمّته وما يسعنا إلّا امتثال أمره حيّا وميتا. وأنا ما أخالفك إن أردت أحمد أو غيره.

стр. 788

وما زال به حتى أذعن له وتحالفا وتعانقا وقاما إلى رجلي السلطان فقبّلاهما، ونصبا أبا بكر ابن السلطان ولقّباه بالملك المنصور، وحلفا له فيمن حلف من الأمراء، فلم يكن غير أيّام قلائل حتّى سأل بشتاك نيابة الشام، فلم يوافقه قوصون على ذلك، فقوي توهّمه منه. وأخذ يهادي خاصّكيّة السلطان ويسأل أكابر الأمراء في مساعدته على قصده، إلى أن أنعم له السلطان. وتحدّث مع قوصون في ذلك فحطّ على بشتاك [٣٠٤ أ] وقرّر مع السلطان بعد أن رجّعه عن إجابته بأن يعده بولايته إذا قدم الأمير قطلوبغا الفخري المتوجّه لتحليف نوّاب الشام، وأخبر بطاعتهم وحلفهم وأحضر معه نسخة يمين الأمير الطنبغا نائب الشام. فعند ما دخل أكابر الأمراء إلى الخدمة عرّفهم السلطان بأنّ الأمير بشتاك قد سأل في نيابة الشام- ولم يكن لهم علم بما قرّره قوصون- فأخذوا في الثناء على بشتاك. فطلبه السلطان وطيّب خاطره ووعده بالولاية عند مجيء نسخة حلف نائب الشام، وتقدّم إليه بأن يتجهّز. فطار من الفرح كلّ مطار، ونزل فعرض خيوله، وبعث لكلّ من أكابر الأمراء ما بين فرسين وثلاثة بالقماش المذهّب. وأخرج ذهبه وجواهره وتحفه وبعث إلى الأمراء الخاصّكيّة منها بشيء كثير. وفرّق جواريه أيضا حتى لم يدع أحدا من الأمراء إلّا وبعث إليه بما ملأ عينه، وعمّ مماليكه وأجناده بعطاء كثير، وخرج فيه عن الحدّ حتى تخيّل منه السلطان وقوصون وجعلا ذلك سببا لمسكه عند حضور الفخريّ من الشام. فإنّ الذي خصّ قوصون من تفرقته هذه حجران لاعتصار السكّر بما فيهما من القند والعسل، والأبقار، والقدور، والغلال، وخمسمائة فدّان من القصب مزدرعة في أرض ملك له. واتّفق مع ذلك أنّه أشيع بأنّ بشتاك يقتل الفخريّ عند قدومه. فقدم بعض مماليك الفخريّ وهو بالرّمل عائد [ا] من الشام وأعلمه بذلك. فاستعدّ لمحاربة بشتاك، حتى وصل بئر البيضاء وقارب سرياقوس، وقد خرج بشتاك بجيوشه بالربدانيّة خارج القاهرة حتى يعرض جماله. فبلغ النخريّ أنه أقام بالربدانية في انتظاره حتى يفتك به. فلبس وألبس مماليكه، وسار في لحف الجبل (١) معرّجا عن الدرب المسلوك حتى حاذى موضع بشتاك، وقد كان عنده علم من قدوم الفخري. فعند ما رأى سواده عن بعد بعث أحد مماليكه بالسلام عليه وأنّه يقف له حتى يأتيه، فأجابه بأنّه لا يمكن اجتماعي به ولا بغيره حتى أقف قدّام السلطان. واشتدّ توهّمه وساق خشية أن يدركه بشتاك حتى صعد القلعة، وعرّف السلطان وقوصون والأمراء بطاعة النوّاب، وأنّ بشتاك قصد قتله. ففاوضوه في القبض عليه عند طلوعه إلى الخدمة حتى تقرّر ذلك. فلمّا كان وقت العصر من يوم الأحد ثامن المحرّم سنة اثنتين وأربعين وعملت الخدمة بالقصر على العادة، وحضر بشتاك فيمن حضر، تقدّم إليه الفخريّ بعد انقضاء السماط، ومعه الأمير طقزدمر وقبضا عليه وعلى ثلاثة [٣٠٤ ب] من الزامه، وقيّد وحمل إلى الإسكندريّة. وأحيط بجميع حواصله وحواشيه، فوجد له مبلغ مائتي ألف دينار، ومن الجواهر والزركش والتحف شيء كثير جدّا. ووجد له ثمانون جارية قد أعتقهنّ وزوّجهنّ. ووجد اثنا عشر ألف إردبّ، بعد ما أنعم باثني عشر ألف إردبّ.

стр. 789

ثم قتل في ليلة الجمعة تاسع عشر ربيع الأوّل منها، ودفن بقيده. وكان جميلا حلو الوجه، في قدّه هيف، زائد التيه لا يكلّم أستاداره وكتّابه إلّا بترجمان، كثير الشبق يحكى عنه في ذلك أوابد. وتمكّن من السلطان حتى أطلعه على سرّه الذي ما كان يطلع غيره عليه، وبالغ في العطاء له بحيث أنعم له في دفعة واحدة بألف ألف درهم ليشتري بها [قرية] يبنا من ساحل رملة لدّ. وكان راتبه في كلّ يوم برسم شراء الفحم لشيّ اللحم عشرين درهما عنها دينار مصري. وسافر مرّة إلى دمياط فكان راتبه في كلّ يوم لسماطه خمسين رأس غنم يذبحهما مع فرس، سوى الدجاج والإوزّ، وهو كثير جدّا. وهو أوّل من أمسك من الأمراء الناصريّة محمد بن قلاوون بعد موته وقتل. ٩٢٣ م- بشر بن الحسن [- ٥٢٧] بشر بن الحسن بن وائل يكنّى أبا الرجاء. [ ... ] ثمان شهر شوّال سنة سبع وعشرين وخمسمائة. ٩٢٤ - بشر بن مروان الأمويّ [- ٧٥] (١) [٣٠٥ أ] بشر بن مروان بن الحكم بن أبي العاصي بن أميّة بن عبد شمس بن عبد مناف، القرشيّ، الأمويّ، أبو مروان. أمّه [قطيّة بنت بشر بن عامر ملاعب الأسنّة أبي براء بن مالك بن جعفر بن كلاب] (٢). ... وقدم مع أبيه إلى مصر وتركه مع أخيه عبد العزيز بن مروان، وهو حدث، فأقام عنده بمصر. ثمّ شخص إلى الشام، وخرج مع أخيه عبد الملك بن مروان إلى العراق في سنة إحدى وسبعين فولّاه الكوفة بعد قتل مصعب بن الزبير. ثم ضمّ إليه البصرة عوضا عن خالد بن عبد الله القسريّ. وكتب إليه: أمّا بعد، فإنك أخو أمير المؤمنين يجمعك وإيّاه مروان بن الحكم وإنّ خالدا لا مجتمع له مع أمير المؤمنين دون أميّة. فانظر المهلّب بن أبي صفرة فولّه حرب الأزارقة، فإنّه سيّد بطل مجرّب. وأمدده من أهل الكوفة بثمانية آلاف رجل. فشقّ عليه ما أمره به في المهلّب وقال: والله لا قبلته! فقال له موسى بن نصير: أيّها الأمير، إنّ للمهلّب حفاظا وبلاء ووفاء. وخرج بشر يريد البصرة فتلقّاه المهلّب على بغل فسلّم عليه في غمار الناس. فلمّا جلس بشر مجلسه قال: ما فعل أميركم المهلّب؟ قالوا: قد تلقّاك أيّها الأمير وهو شاك. فهمّ بشر أن يولّي حرب الأزارقة غيره. ثم كتب إلى عبد الملك يعلمه بعلّة المهلّب، وأنّ بالبصرة من يغني غناءه. فكتب يعزم عليه أن يولّي المهلّب فولّاه. وخرج صالح بن مسرّح التّميميّ ومعه فرسان من الخوارج، فاتّبعه بشر فنكص عنه وكره لقاءه وأتى النهروان، فبعث إليه بشر وقتله وهزم من معه.

стр. 790

وخرج أيضا يزيد بن بغثر التّميميّ، فوجّه إليه بشر خيلا فقتلته. وخرج هدبة بن عمرو الطائيّ في جماعة، فبعث إليه بشر فقتله (١). ومات بشر بالبصرة بعد مقامه بها شهرين- وقيل: أربعة أشهر- وهو أوّل أمير على البصرة مات بها. وهو أوّل من أحدث الأذان والإقامة ورفع اليدين في العيدين، فلمّا سمع الناس ذلك أنكروه. وهو أوّل من عاقب في التخلّف عن الغزو: وذلك أنّ الرجل كان إذا أخلّ بوجهه الذي يكتب إليه في زمن عمر وعثمان ﵄، نزعت عمامته، ويقام للناس ويشهّر أمره. فقال مصعب: ما هذا شيء! - وأضاف إليه حلق الرءوس واللّحى. فلمّا ولي بشر زاد فيه: فصار يرفع الرجل عن الأرض ويسمّرونه في يديه بمسمارين في حائط، فربّما مات وربّما خرق المسماران يديه، فقال فيه [البسيط]: لولا مخافة بشر أو عقوبته ... وأن ينوّط في كفّيّ مسمار (٢) إذا لعطّلت ثغري ثمّ زرتكم ... إنّ المحبّ لمن يهواه زوّار وكان بشر سهل الحجاب ليّن الولاية، وله يقول أعشى بني شيبان [الوافر]: رأينا ما خلا أخويه بشرا ... من الفتيان سيّد عبد شمس وسيّد من سواهم من قريش ... ويصبح خيرهم أبدا ويمسي إذا خلّى أخوك إلى أخيه ... خلافته بسعد غير نحس فأنت الثالث الموصى إليه ... وصيّة حازم في غير لبس [٣٠٥ ب] وله يقول أيمن بن خريم بن فاتك [الوافر]: ركبت من المقطّم في جمادى ... إلى بشر بن مروان البريدا فلو أعطاك بشر ألف ألف ... رأى حقّا عليه أن يزيدا وقدم الأخطل البصرة وعليها بشر، وقد احتمل ديات عن قومه وحلف لا يسأل إلّا ربعيّا، فأتى مجلس بني سدوس فسألهم المعونة في حمالته، فقال الأسعدي (٣): أولست الذي يقول [الوافر]: إذا ما قلت: قد صالحت بكرا ... أبى الأضغان والنسب البعيد وأيّام لنا ولهم طوال ... يعضّ الهام فيهنّ الحديد هما أخوان يصطليان نارا ... رداء الحرب بينهما جديد والله لا نرفدك ولا نعينك، وإنّك منّا للهوان لأهل.

стр. 791

فقام وهو يقول [الوافر]: متى آت الأراقم لا يضرني ... نبيب الأسعديّ وما يقول فإن تمنع سدوس درهميها ... فإنّ الريح طيّبة قبول وإنّ بني أميّة ألبستني ... ظلال كرامة ليست نزول سيحملها أبو مروان بشر ... فذاك لكلّ مثقلة حمول ويكفيني الذي استكفيت منها ... بفعل لا يمنّ ولا يحول (١) ولها تتمّة. ثم أتى بشرا فأنشده شعره وأخبره بما لقي. فقال: وكم حمالتك؟ قال: خمسون ألفا. فأمر بها وقال: أنا أحقّ برفدك من بني سدوس وبني أسعد. فقال يمدحه [الطويل]: لعمري لقد أمست معدّ وأصبحت ... تحبّك يا بشر بن مروان كلّها أراها إذا ما زادك الله رفعة ... كثيرا بها مسرورها ومهلّها تمنّى ويرجو أن تكون خليفة ... ويرجوك للدنيا وللدين جلّها فإن أشرفت يوما على هول غمرة ... مخوف رداها من بعيد مزلّها ٥ فأنت الذي تقتاد منها لأهلها ... وأنت إذا ما اقتدتها لا تضلّها حياتك ما دامت لها العزّ والغنا ... وملكك يحيي سلكها ويثلّها يعمّ عليهم من جزيل ببسطة ... يعيش بها ذو وفرها ومقلّها يراها الجواد البحر منك رغيبة ... وأنت إذا أعطيتها تستقلّها وأمر بشر سراقة البارقي بهجاء جرير فهجاه، فقال جرير [الكامل]: يا بشر، حقّ لوجهك التبشير ... أهجى بلا ذنب وأنت أمير قد كان حقّا أن تقول لبارق ... يا آل بارق فيم سبّ جرير؟ لا يدخلنّ عليك إنّ دخولهم ... نحس وإنّ خروجهم تطهير ولمّا قدم بشر استبطأ الفرزدق في إتيانه بالكوفة، فاعتذر إليه من ذلك، فقال [البسيط] (٢): لو أنّني كنت ذا نفسين إن هلكت ... إحداهما بقيت أخرى لمن غبرا إذا لجئت على ما كان من وجل ... وما رأيت حذارا يغلب القدرا [٢٥٠ ب] كلّ امرئ آمن للخوف أمّنه ... بشر بن مروان، والمذعور من ذعرا تغدو الرياح فتمسي وهي فاترة ... وأنت ذو نائل يمسي وما فترا في أبيات. فأكرمه وحباه وحمله على فرس عتيق وأمر خازنه أن لا يمنعه شيئا. فكان الفرزدق لا يكون في قومه حمالة إلا احتملها وأدّاها عنه بشر حتى قيل إنّه كان ينادمه على شرابه. وقال آخر (٣) يذكر سهولة حجاب بشر

стр. 792

[الطويل]: بعيد مراد الطرف لم يثن طرفه ... حذار الغواشي باب دار ولا ستر فلو شاء بشر حال من دون بابه ... طماطم سود أو صقالبة حمر ولكنّ بشرا سهّل الباب للّتي ... يكون له في غبّها الحمد والأجر وقحط الناس في زمن بشر فخرجوا فاستسقوا وبشر معهم فمطروا، فقال سراقة بن مرداس البارقيّ [الوافر]: دعا الرحمن بشر فاستجابا ... لدعوته فأسقانا السحابا وكان دعاء بشر صوب غيث ... يعاش به ويحيي ما أشابا أغرّ بوجهه نسقى ونرعى ... ونستجلي بغرّته الضبابا ومرّ بشر بسراقة بعد ما استسقى بالكوفة وقد دخل ماء المطر داره، فقال: ما هذا يا سراقة؟ قال: هذا ولم ترفع يديك بالدعاء، فلو رفعتهما لجاء الطوفان. وكان بشر صاحب شراب دخل البصرة لمّا قدمها بين الحكم بن المنذر بن الجارود ورجل آخر، كلاهما يعلم الناس أنّه لا يدع الشراب، فلم يزالا نديمين له حتى مات. وكان يقول الشعر فقال حين احتضر لعبد الملك [الطويل]: إذا متّ يا خير البريّة لم تجد ... أخا لك يغني عنك مثل غنائيا يواسيك في الضرّاء واليسر جهده ... إذا لم تجد عند الحفاظ مواسيا [٣٠٦ ب] شريحان لوني من سواد وحمرة ... تبدّلته من واضح كان صافيا وكم من رسول قد أتاني بعثته ... إليّ، ورسلي يكتمونك ما بيا وقال مالك بن دينار: لمّا مات بشر بن مروان فدفن مات رجل أسود فدفن إلى جنب قبره، فلمّا أتت عليه ثالثة مررت بقبريهما فلم أعرف أحدهما من صاحبه. فذكرت قول الشاعر [الرمل]: والعطيّات خساس بيننا ... وسواء قبر مثر ومقلّ (١) وكان بشر في حجر عبد العزيز بن مروان، وكان مروان قد جعل أصاغر بنيه في حجور أكابرهم، فلمّا ولي بشر العراق كتب إلى عبد العزيز [الطويل]: غنينا وأغنانا غنانا وغالنا ... مآكل عمّا عندكم ومشارب (٢) فلمّا قرأ عبد العزيز كتابه قال: غير هذا كان أولى بأبي مروان. لو [قال] كما قال عبد العزيز بن زرارة (٣) [الطويل]: فإن أك قد ودّعت نجدا وأهله ... فما عهد نجد عندنا بذميم فلمّا قرأ بشر كتابه، قال: صدق والله أبو الأصبغ، ما عهده عندنا بذميم.

стр. 793

٩٢٥ - بشر بن أوس الجرشيّ [- بعد ١٣١] (١) [٣٠٦ ب] بشر بن أوس، أبو الجرّاح، الجرشيّ. كان تسلّم الأمير حوثرة بن سهيل [الباهليّ] إمرة مصر من حفص بن الوليد [الحضرمي]، وأمر عبد الرحمن بن سالم الجيشانيّ بالصلاة بالناس، وختم على الدواوين وبيت المال. فلمّا قدم حوثرة استخلفه على مصر. ثمّ خرج إلى الإسكندريّة في سنة إحدى وثلاثين ومائة واستخلفه على الشرطة. ٩٢٦ - بشر بن صفوان [- ١٠٩] (٢) [٢٧٣ أ] بشر بن صفوان بن تويل (٣) بن بشر بن حنظلة بن علقمة بن شراحيل بن عديّ بن أبي جابر بن زهير بن حباب بن هبل بن عبد الله بن كنانة بن بكر بن عوف بن عذرة بن زيد اللات بن رفيدة بن ثور بن كلب، الكلبيّ. شهد جدّه تويل بن بشر صفّين مع معاوية، وقتل ومعه اللواء. وقدم بشر إلى مصر من قبل يزيد بن عبد الملك بن مروان واليا عليها لسبع عشرة خلت من شهر رمضان سنة إحدى ومائة بعد أيّوب بن شرحبيل. فجعل على شرطه شعيب بن حميد، ثم نزعه وولّاه التابوت (٤)، وجعل على شرطه أخاه حنظلة بن صفوان. ونزلت الروم يتنيس فقتل مزاحم بن مسلمة أميرها في جمع من الموالي (٥). وكتب يزيد بن عبد الملك بمنع الزيادة التي كان عمر بن عبد العزيز أمر لأهل الديوان بها فمنعوها. وكتب إلى يزيد يستأذنه في استخراج من في القبائل من قضاعة، وكانوا متفرّقين، فأذن له في ذلك. فأخرج مهرة من كندة، وتنوخا من الأزد، وآل كعب بن عليّ من قريش، وجهينة من أهل الراية، وخشينا من لخم، فجعلهم من سائر قضاعة دعوة مفردة. وكان تدوين بشر هذا تدوينا رابعا لأنّ الأوّل تدوين عمرو بن العاصي، والثاني تدوين عبد العزيز بن مروان، والثالث تدوين قرّة بن شريك، والرابع تدوين بشر هذا. ثمّ ورد كتاب يزيد على بشر بتأميره على إفريقيّة. فخرج إليها في شوّال سنة اثنتين ومائة، واستخلف أخاه حنظلة بن صفوان على مصر. فلمّا دخل إفريقيّة بلغه أنّ عبد الله بن موسى بن نصير هو الذي دسّ بقتل يزيد بن أبي مسلم (٦)، فكتب إلى يزيد فأمره بقتله، فقتله. ثمّ وفد بشر إلى يزيد بهدايا جليلة، فبلغه لمّا قدم مصر وفاة يزيد بن عبد الملك لأربع بقين من شعبان سنة خمس ومائة. فقدم بتلك الهدايا على هشام بن عبد الملك فردّه إلى إفريقيّة، فقدمها. وتتبّع أموال موسى بن نصير وعذّب عمّاله.

стр. 794

وولّى على الأندلس عنبسة بن سحيم الكلبيّ (١) وعزل عنها الحرّ بن عبد الرحمن القيسيّ. وغزا في البحر جزيرة صقليّة فغنم شيئا كثيرا وأصابه هول البحر، فهلك من جيشه خلق كثير. وعاد فمرض بالدميلة (٢) ومات في شوّال سنة تسع ومائة. ويذكر أنّه نزع [٢٧٣ ب] عن إفريقيّة في سنة خمس ومائة وردّ إليها في سنة ستّ ومائة. واستخلف على إفريقية قبل موته نغاش بن قرط الكلبيّ (٣). ٩٢٧ - بشر بن نصر «غلام عرق» [- ٣٠٢] (٤) [٢٧٤ أ] بشر بن نصر بن منصور، أبو القاسم، الفقيه الشافعيّ، المعروف ب «غلام عرق»، وعرق خادم للسلطان كان على البريد بمصر، يقال له عرق الموت، قدم معه فيمن قدم من بغداد، وتفقّه، وكان فقيها مستضلعا ديّنا. توفّي بمصر في جمادى الآخرة سنة اثنتين وثلاثمائة. وأخذ عنه الفقيه أبو بكر محمد بن أحمد بن الحدّاد، وكان يقول: شيخنا ومعلّمنا وقدوتنا. وكان القاضي أبو عبيد عليّ بن الحسين بن حربويه كثيرا ما يطلبه، ويحبّ مجالسته. وكان في يده حبس عرق الخادم، فإنّه كان قد ربّاه وحبّس عليه رباعا بمصر. فسعى ساع إلى أبي عبيد بأنّ حبس عرق في يد رجل لا يستحقّه، ولم يسمّه. فأحضره وقال له: هذا الوقف في يدك؟ قال: نعم. قال: من محبّسه؟ قال: مالكه. قال: فمن مالكه؟ قال: محبّسه. قال: فمن محبّسه؟ قال: مالكه. فقال له القاضي: قد سمعت ما تقول، يا هذا، من مالكه؟ قال: محبّسه. قال: فمن محبّسه؟ قال: مالكه. فقال له القاضي: ما أحسبك تزول عن هذا الجواب إلى قيام الساعة. قال: ولا عند النفخة الثانية. فقال له القاضي: ما [٢٧٤ ب] كلّ قصير اللّحي [ة] عاقل- وكان أبو القاسم بشر شيخا ربعة حسن اللحية. فقال له بشر: ولا كلّ قصير مجدور (٥) عاقل- وهذه صفة أبي عبيد-. فغاظه ذلك وقال: يلازم. فقام بشر ملزوما (٦). فبلغ ذلك أبا بكر [٢٥١ ب] ابن الحدّاد (٧)، فأتى إلى أبي عبيد فقال له: أيّد الله القاضي، أليس

стр. 795

القاضي على الرغبة في مجالسة شيخنا أبي القاسم بشر؟ فقال: بلى! فقال: ولا تغيّرت له حال عند القاضي زهّدته فيه؟ قال: لا. قال: فإنّه ملزوم بباب القاضي. فأطرق أبو عبيد ثمّ قال: وإنّه للشيخ الذي دخل آنفا، وإنّ كلامه لكلام فقيه. فاصرفه ولا تدخله إليّ- كأنّه احتشم منه. فخرج ابن الحدّاد فصرفه. وما زال يعرف الاحتشام من القاضي إلى أن توفّي أبو القاسم ﵀. ٩٢٨ - البعيث المجاشعيّ [- قبل ٩٨] (١) [٢٧٥ أ] البعيث الشاعر. اسمه خداش بن بشر بن لبيد- وقيل خداش بن لبيد- ابن بيبة بن قرط بن سفيان بن مجاشع المجاشعيّ. قدم مصر ومدح عبد العزيز بن مروان. وكان خطيبا شاعرا بليغا. وكان أخطب الناس. وقال: إنّي والله ما أرسل الكلام قضيبا خشيبا وما أريد أن أخطب الناس. وقال: [لا] آتي يوم الحفل إلّا بالبائت المحكّك. وقيل لرؤبة: من أخطب بنيتميم؟ فقال: خداش بن لبيد بن بيبة- يعني البعيث. وإنّما قيل له البعيث لقوله [الطويل]: تبعّث منّي ما تبعّث بعد ما ... أمرّت حبالي كلّ مرّتها شزرا وقال سحيم بن حفص: أخطب تميم البعيث إذا أخذ القناة (٢). وقال يونس (٣): لعمري لئن كان مغلّبا في الشعر لقد كان غلّب في الخطب. وفي الشعر ممّن يغلب شيء قاله في شعره على اسمه وكنيته فيسمّى به، بشر كثير. فمنهم البعيث هذا. ٩٢٩ - بغا الصغير [- ٧٣٧] (٤) [٢٧٦ أ] بغا الصغير، الأمير سيف الدين، أحد المماليك الناصريّة محمد بن قلاوون. ترقّى في الخدم إلى أن عمله دوادارا صغيرا مع الأمير الجاي. فلمّا مات الجاي تشوّف إلى أن يستقرّ دوادارا كبيرا. فولّى السلطان صلاح الدين يوسف بن أسعد الدواداريّة مدّة سنة، ثم أخرجه إلى صفد. وأقام بغا في الدواداريّة بإمرة عشرة في آخر سنة ثلاث وثلاثين وسبعمائة، رفيقا لمحيي الدين يحيى بن فضل الله كاتب السرّ، فسار سيرة جميلة بسكون وهدوء وعقل، إلّا أنّه كان يتعلّل من قرحة به وينقطع عن الخدمة أيّاما. فبلغ السلطان أنّه في انقطاعه [٢٧٦ ب] يشتغل باللهو من معاشرة الشباب ومعاقرة الخمر، إلى أن قدّم قصّة على لسان بعض التجّار في شيء طرحه عليه النشو من متجر الخاصّ. فما زال به النشو حتى عزله السلطان في سنة خمس وثلاثين وأخرجه إلى صفد

стр. 796

فمات بعد قليل في سنة سبع وثلاثين وسبعمائة. ٩٣٠ - بغدوين صاحب القدس [- ٥٠٨/ ١١١٨] (١) [٢٧٧ أ] [ ... ]. ملك بيت المقدس بعد قتل أخيه كندفرى على عكّا في سنة أربع وتسعين وأربعمائة/ ١١٠٠ م (٢). قدمها في خمسمائة فارس وراجل، فخرج من مصر في رجب سنة خمس وتسعين عسكر لمنع الفرنج ممّا بقي بيد المسلمين من البلاد الشاميّة. فسار إليهم بغدوين في سبعمائة فارس وقاتلهم، فنصرهم الله عليه وقتلوا أكثر أصحابه، ونجا إلى أجمة قصب، فأضرموها عليه بالنار، ففرّ وقد احترق بعض جسده. وصار إلى الرملة والمسلمون في أثره. فسار إلى يافا بعد ما عظم القتل والأسر في أصحابه. ثم كانت بينه وبين سعد الدولة القوّاسيّ مقدّم عسكر مصر وقعة فيف سنة ستّ وتسعين انهزم فيها سعد الدولة وقتل، وأخذ بغدوين أمواله. ثمّ ظهر المسلمون عليه ففرّ بغدوين إلى الرملة ثمّ إلى يافا. وعاود الحرب مع ابن الأفضل مدّة. ثم ملك عكّا في سنة سبع وتسعين/ ١١٠٤ م وسار إلى الفرما في سنة اثنتي عشرة وخمسمائة فبعث الأفضل ابن أمير الجيوش من القاهرة فأخذ بغدوين في نهب الفرما وخرّبها وأحرقها، وعزم على الرجوع، فأهلكه الله بها. وخاف الفرنج من إظهار موته فكتموه. وساروا به بعد ما شقّوا [٢٥٢ أ] بطنه وملئوه ملحا ودفنوا ما في بطنه بالسبخة التي عرفت به إلى اليوم قرب الورادة، والعامّة تسمّيها سبخة بردويل وترجم موضع قبره بالحجارة. ٩٣١ - بقيّ بن مخلد [٢٠١ - ٢٧٦] (٣) [ ... ] ولد في شهر رمضان سنة إحدى ومائتين [ ... ]، وطوّف الشرق والغرب وسمع [ ... ]. وبلغت شيوخه مائتي ونيفا وثمانين شيخا. وكان إماما عالما قدوة مجتهدا لا يقلّد أحدا، ثقة، حجّة، صالحا، عابدا، متهجّدا، أوّاها، منيبا، عديم النظير في زمانه. قال أحمد بن أبي خيثمة (٤): ما كنّا نسمّيه إلّا المكنسة. وهل يحتاج بلد فيه بقيّ أن يأتي منه إلينا أحد؟ وقال أبو الوليد [ابن] الفرضيّ: ملأ بقيّ الأندلس حديثا. وقال أبو عبد الملك القرطبيّ في تاريخه (٥): كان بقيّ طوالا، أقنى، ذا لحية. وكان متواضعا، ملازما لحضور الجنائز. وكان يقول: إنّي لأعرف رجلا كان يمضي عليه الأيّام في وقت طلبه ليس له عيش إلّا ورق الكرنب. وقال بقيّ: لمّا رجعت من العراق أجلسني

стр. 797

يحيى بن بكير إلى جنبه وسمع منّي سبعة أحاديث وقال: لقد غرست للمسلمين غرسا بالأندلس لا يقلع إلّا بخروج الدجال. وقال أبو محمد بن حزم: كان بقيّ ذا خاصّة من أحمد بن حنبل، وجاريا في مضمار البخاري ومسلم والنسائي. وقال بقيّ: كلّ من رحلت إليه، فماشيا على قدمي. وكان مجاب الدعوة. ويؤثر عنه إيثار حتى بثوبه. وقيل إنّه كان يختم القرآن كلّ ليلة في ثلاث عشرة ركعة، ويسرد الصوم. وحضر سبعين غزاة. ومات في جمادى الآخرة سنة ستّ وسبعين ومائتين. ولمّا قدم من رحلته إلى الأندلس تعصّب عليه فقهاء زمانه لإظهاره مذهب أهل الأثر فمنعهم عنه أمير الأندلس محمد بن عبد الرحمن المروانيّ واستنسخ كتبه، وقال لبقيّ: انشر علمك! ٩٣٢ - بكّار بن قتيبة [١٨٢ - ٢٧٠] (١) [٢٧٩ ب] بكّار بن قتيبة بن أسد بن أبي برذعة بن عبيد الله بن بشير بن عبيد الله بن أبي بكرة نفيع بن الحارث [بن كلدة الثقفيّ] مولى رسول الله ﷺ ، يكنّى أبا بكرة. بصريّ ولد بالبصرة سنة اثنتين وثمانين ومائة. تفقّه بالبصرة على هلال بن يحيى بن مسلم المعروف بهلال الرأي (٢)، أحد أصحاب أبي يوسف، وزفر بن الهذيل، وأخذ عنه علم الشروط أيضا. وسمع أبا داود الطيالسيّ، ويزيد بن هارون. ونشر علم البصريّين بمصر فحدّث عن عبد الصمد بن عبد الوارث، وصفوان بن عيسى الزهريّ، ومؤمّل بن إسماعيل. روى عنه أبو جعفر الطحاوي فأكثر، وبه تخرّج. وروى عنه أيضا أبو عوانة في صحيحه، وأبو بكر بن خزيمة. [تولّيه قضاء مصر]: وكان له اتّساع في الفقه فولّاه المتوكّل قضاء مصر، فقدمها قاضيا ودخل الفسطاط يوم الجمعة لثمان خلون من جمادى الآخرة سنة ستّ وأربعين ومائتين. فأقام على القضاء ثماني سنين حتى قدم أحمد بن طولون إلى مصر. واستمرّ قاضيا حتى توفّي ليلة الخميس لستّ خلون من ذي الحجّة سنة سبعين ومائتين. فكانت مدّة ولايته القضاء أربعا وعشرين سنة. وكان محدّثا جليلا. حدّث بمصر حديثا كثيرا. وجرت له مع أحمد بن طولون قصص، منها أنّه بعث به إلى برقة لمّا خالف عليه ابنه العبّاس بن أحمد، فسار إليها ولقي العبّاس فيمن خرج معه من مصر وحدّثه في الرجوع إلى أبيه، فقال له: يا أبا بكرة، المستشار مؤتمن، وأنا أقلّدك أمري، أسألك الله، هل تأمنه عليّ؟ فقال له: قد حلف لي أبوك أن لا يسوءك، فأمّا أن يفي فليس ممّا أعلمه، وهذا الله دوني.

стр. 798

ثمّ عاد بكّار إلى أحمد بن طولون بغير طائل. فلمّا أخذ العبّاس وأسر أصحابه بعد ما أمّنهم أحمد بن طولون، رأى بكّار أن لا أمان لهم: وذلك أنّ أحمد بن طولون أمّنهم خوفا من النهب وسفك الدماء وهتك الحريم [٢٥٢ ب]، فلم ير بكّار هذا أمانا. وعارضه يزيد بن محمد بن عبد الصمد، ورأى أنّهم آمنون وذكر قوله ﵇: «المؤمنون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمّتهم أدناهم» (١)، فأسكته أحمد بن طولون، وقال: أهل الفقه أدرى بهذا منك. وأمر باكتتاب محضر بما رآه بكّار وقتلهم. [غضب ابن طولون عليه وسجنه]: ولمّا بلغ أحمد بن طولون القبض على المعتمد ومنعه في دارا، استدعى بكّارا من مصر إلى دمشق، فاجتمع بها مع من حضر لخلع الموفّق، فلم يكن منه ما يرضاه أحمد بن طولون. فتغافل عنه وأسرّها في نفسه إلى أن قدم مصر. فأمر بكشف بكّار وأوقفه للناس وأمر بسجنه في جمادى الآخرة سنة سبعين ومائتين، وذلك بعد ما خرّق سواده. ثمّ أحضر قيس بن حفص كاتب بكّار وأصحابه وأمرهم برفع حساب ما جرى على أيديهم. فاجتمع أصحاب الحديث إلى أحمد بن طولون وشكوا [٢٨٠ أ] إليه انقطاع سماع الحديث من بكّار، وسألوه أن يأذن له في الحديث، ففعل. وكان بكّار يحدّث وهو في السجن. وفي كلّ يوم جمعة يلبس ثيابه ويتأهّب للرواح فيقول له الموكّل به: أعذرني أيّها القاضي، ما أقدر- فيقول: اللهمّ اشهد! . ثمّ إنّ ابن طولون بعث إليه يقول: إنّك زعمت أنّ المحجور عليه يأمر وينهى ويكتب ويكاتب. فكيف رأيت حال الممنوع ممّا يريد؟ أنت أيضا أوردت عليّ كتابا من الخليفة بتقليدك القضاء فأنفذت ذلك لك. والآن فقد منعتك حتى تورد عليّ كتابا منه بردّك فأردّك حينئذ. فلم يزل في السّجن حتى مات أحمد بن طولون، وقام من بعده ابنه أبو الجيش خمارويه بن أحمد بن طولون فأخرجه من الحبس فيمن أخرج من أرباب الجرائم والتّهم. فلم يتمّ له شهر بعد إطلاقه حتى مات. وقال أبو عمر الكنديّ: إنّ بكّار [ا] القاضي أطلق في شعبان سنة سبعين، وذلك يقتضي أن أحمد بن طولون هو الذي أطلقه لأنّه مات في ذي القعدة سنة سبعين، والله أعلم. [ندم ابن طولون على سوء معاملته لبكّار]: وقال أحمد بن يوسف الكاتب: حدّثني نسيم الخادم قال: دعاني أحمد بن طولون، وقد مضت قطعة من الليل، قبل وفاته بشهر واحد، فقال لي: ادخل إلى بكّار بن قتيبة، فإن كان يصلّي فانظر فراغه من ركعته، ثمّ قل له: أنت تعلم ميلي إليك قديما وإكرامي لك، وأنّه لم يفسد محلّك عندي إلّا أمرالخلع، فإنّ شهادتك فيه شهادة مغلّب للتّقيّة، وقد شاع في عسكري أنّك نقمت هذا الخلع. وو الله ما انحرفت عن الناكث لانحراف قلب ولا إساءة اعتدتها له ولا أردت بخلعه إلّا الله ، لأنّه أسر الخليفة ومنعه ما يجب له. والصواب أن تحضر مجلسي ويجتمع فيه أولياء أمير المؤمنين وتتبرّأ من الناكث براءة تدلّ على صدق

стр. 799

نيّتك لأمير المؤمنين، وترجع إلى عملك وما كنّا عليه من إكرامك وموالاتك. وإن تأخّرت عن هذا فلا لوم علينا فيما آتيناه إليك ممّا لا أؤثره والله فيك. قال نسيم: ففتحت باب الحجرة التي كان بها فوجدته قائما يصلّي. فقلت وصحت: رسول الأمير! - لأنّه كان ثقيل السمع- فو الله ما تجوّز في صلاته ولم يزل يقرأ، ثمّ ركع وسجد ورفع رأسه وقام، فقرأ صدرا كبيرا، ثمّ ركع وسجد وجلس. فلمّا سلّم [٢٨٠ ب] قلت: الأمير! فقال لي: وما يريد الأمير؟ فلمّا قصصت عليه الرسالة قال لي: قل له: أعزز عليّ بأن يكون حرصك على ما تفارقه أكثر من ميلك إلى ما لا تنفكّ عنه. وقد أعنتني لأنّك تكلّفني التصديق لبلاغات لا يعتدّ بها الحكّام. فخف الله في أمري، فإنّي شيخ فان وأنت مريض مدنف، ولعلّ التقاءنا بين يدي الله قريب. وقد والله نصحت لك، والسلام. (قال): فخرجت من عنده، فقال: ما قال لك؟ فقصصت عليه قوله. فقال: شيخ فان وعليل [٢٥٣ أ] مدنف، ولعلّ الالتقاء بين يدي الله قريب- وأقبل يكرّرها. وقال لي: انظر إلى أعفّ المضمونين إليك وأكتر دارا ووكّله ببابها، وأطلق له ابني أخيه ومن أحبّ إليه. فاكتريت دارا في قمّاحي الموقف، وكان الموكّل به رشيق أخو سعد الفرغانيّ. ومات بعد أحمد بن طولون بأقلّ من عشرين يوما. [سبب القطيعة بينهما]: وكان سبب ذلك كلّه (١) أنّ أمير المؤمنين المعتمد على الله أبا العبّاس أحمد بن المتوكّل كانت أيّامه مضطربة الأحوال مختلفة التدبير كثيرة العزل والتولية بتدبير الموالي وغلبتهم عليه. فقام أخوه الموفّق بالله أبو أحمد طلحة، الملقّب بالموفّق بالله، والناصر، والمنصور، بالخلافة أحسن قيام وصار الحكم إليه ولا تجبى الأموال كلّها إلّا له. وولّاه المعتمد العهد بعده وخطب له بذلك على المنابر فكان يقال: اللهمّ أصلح الأمير الناصر لدين الله أبا أحمد الموفّق بالله وليّ عهد المسلمين أخا أمير المؤمنين. ولم يبق للمعتمد معه من الخلافة إلّا الاسم بحيث لم ينفذ له توقيع في كبير ولا حقير. فضجر من ذلك وكتب إلى أحمد بن طولون سرّا يشكو من أخيه الموفّق، فأشار عليه أن يلحق بمصر ووعده بالنصرة له، وأخرج من مصر والشام عسكرا إلى الرقّة ينتظرون وصول المعتمد إليهم، وخرج بنفسه من مصر يريد لقاء المعتمد وأقام بدمشق مترقّبا له. فاغتنم المعتمد غيبة الموفّق عنه، وسار في جمادى الأولى سنة تسع وستّين ومائتين ومعه جماعة من القوّاد، منهم إبراهيم بن المدبّر، وأحمد بن خاقان وخطارمش، وغيرهم، في أربعة آلاف فارس على خيل جريدة يريد مصر، في هيئة متصيّد، إلى أن وصل إلى عمل إسحاق بن كنداجق (٢) عامل الموصل وعامّة الجزيرة. فكتب الموفّق وهو بالبصرة على حرب صاحب الزنج، كتب إلى إسحاق يخبره أنّ المعتمد قصد أحمد بن طولون، وإن دخل مصر تنحّيت عن العلويّ حتى يغلب على [٢٨١ أ] دار السلطان. وإن استولى أحمد بن طولون على أمره لم يبق منكم معشر الموالي اثنان- وناشده الله لما جرّد العناية في خروجه.

стр. 800

فقام إسحاق، ووكّل بالطرق أصحابه ومنعهم أن يطلقوا (١) لأحد ممّن مع المعتمد العبور. وسار فوجد المعتمد بين الموصل والحديثة، فضرب مضربه دونه وركب حتى وافى مضرب المعتمد من غير أن يشعر به أحد من أصحابه. فخرج إليه نحرير الخادم وسلّم عليه واستأذن له. فدخل على المعتمد ومعه ابنه محمد بن إسحاق وجماعة من وجوه أصحابه، فسلّم ووقف بأصحابه. فقال له المعتمد: يا إسحاق، لم منعت الحشم من الدخول إلى الموصل؟ فقال: وما معنى دخول الحشم الموصل؟ قال: لأنّي آثرت دخولها. قال: لا والله، يا أمير المؤمنين، ما إلى ذلك من سبيل. أخوك في وجه العدوّ وأنت (٢) تخرج من دار مستقرّك ومدينة آبائك، ولئن صحّ هذا عنده ليرجعنّ عن مقاومة الخارجيّ حتى يغلب العدوّ على دار ملكك. وهذا كتاب أخيك. فقال له: أنت غلامي أم غلام أخي؟ (٣). قال: كلّنا غلمانك يا أمير المؤمنين، ما أطعت الله. فإذا عصيته فلا طاعة لك علينا. قال: فما عصيته؟ قال إسحاق: تخلّي دار خلافة آبائك وتزيل أخاك عن عدوّ دولتك وتبعد عن مستقرّك، ولا ترى أنّك عاص لربّك؟ ثمّ خرج من المضرب وترك أصحابه الذين دخلوا معه، ووقف على باب المضرب، وبعث نحريرا إلى المعتمد يسأله أن يبعث إليه خطارمش ................ .... ونيزك (٤) حتى يناظرهم. فبعث بهم إليه مع أخيه عيسى بن المتوكّل وإبراهيم بن المدبّر. فلمّا دخلوا مضرب إسحاق قال لهم: ما جنى على الإسلام أحد [٢٨١ ب] جنايتكم: أخرجتم الخليفة في عدّة يسيرة، وهارون الشاري (٥) في جمع كبير بإزائكم، فلو عارضكم وأسر الخليفة لكنّا فضيحة. ولولا أنّي لحقتكم في عسكري [٢٥٣ ب] لذهب الخليفة وذهبتم. ثمّ وكّل بهم وبعث إلى مضاربهم، فعاد دوابّهم وغلمانهم. فلمّا دجا اليل وجّه إسحاق ابنه محمد بن إسحاق، وحبشيّ [ا] ووصيف [ا] ابني أخيه، ومعهم ثلاثون رجلا يحفظون المعتمد. وأصبح عند المعتمد وقال له: يا أمير المؤمنين، ما مقامنا هاهنا، والأمر مضطرب بناحية أخيك؟ فقال له: احلف لي أنّك تنحدر معي ولا تسلمني. فحلف له وانحدر به إلى سرّ من رأى. فتلقّاه أبو العبّاس أحمد بن الموفّق وصاعد بن مخلد كاتب الموفّق، فسلّم إسحاق المعتمد إلى صاعد. فأنزله في دار ووكّل به قائدا في خمسمائة رجل يمنعون من الدخول إليه. [امتناع بكّار من خلع الموفّق]: فورد رسول أحمد بن طولون إليه وهو بدمشق وأخبره ما فعل بالمعتمد. فكتب إلى أعماله بحمل القضاة والفقهاء، فلمّا اجتمعوا عنده بدمشق استفتاهم في خلع الموفّق. فأفتاه من حضره بأن يخلعه إلّا بكّارا فإنّه ضعّف الأمر، فتغافل عنه أحمد بن طولون. وكتب كتاب خلع طويل [ا]

стр. 801

خلّده في أمصاره وقرئ على منابر أعماله، وهذه نسخته بعد البسملة: «هذا ما أجمع عليه القضاة والأولياء ووجوه الأمصار: إنّ أحمد بن طولون أحضرهم مجلسه بمعسكره في دمشق سنة تسع وستّين ومائتين وسألهم عمّا يوجبه ما أقدم عليه الناكث أبو أحمد في أمير المؤمنين المعتمد على الله من إيقاع احتياله في قبضة جيوشه وتشريد جملته بحملهم على السيف مرّة وغيلتهم بالسمّ أخرى، وتخطّى ذلك إلى إخافة سربه [٢٨٢ أ] وحمله على الائتمار له في كثير ممّا آثره. فلمّا كثر ذلك عليه وخافه على نفسه أجمع على النفوذ إلى أحمد بن طولون والاعتصام به إذ كان ثقته وعدّته ومن خلص على تجريبه ورأى توقّفه عن مكاره الخلفاء قبله. وإنّ أبا أحمد لمّا رأى ذلك تخوّف أن يصير مأمورا بعد أن كان آمرا فكتب إلى إسحاق بن كنداج في قصده وردّه. فشخص في جمع كثيف حتى وافاه بين الموصل والحديثة فردّه، وأمير المؤمنين يناشده الله ويذكّره به ويعلمه مروقه من الدين ونقضه ما أكّدته بيعته عليه، وأنّه إن فعل ما أقدم عليه فقد فارق طاعته وبرئ من ذمّته ووجب على الأمّة جهاده. فلم يصغ إلى ذلك ولا اكترث به حتى أدخله سرّ من رأى وسلّمه إلى صاعد، فحبسه ومنع منه جميع أهله وشمله، وغدا مقبوض اليد، بعيد الناصر، عرضة لسوء القول وقبيح الفعل، يخاف على نفسه في آناء الليل والنهار. فالأمّة في حرج من القعود عن نصرته والأولياء في حنث من نقض بيعته، والسنن داثرة، والأحكام ضائعة، والحقّ منبوذ، والعدل شارد، وعين الله تنظر. فرأى كلّ من حضر خلعه ممّا كان أمير المؤمنين أثبته له من ولاية عنه، والتبرّؤ منه، والجهاد له إذ كان قد منع حقوقا ثلاثة: أوّلها حقّ الإمامة، والثاني حقّ الأخوّة، والثالث حقّ النعمة عليه». وأوقع من حضر من الحكّام شهادتهم عليه وفتياهم فيه، وجعل عشر نسخ على نسق واحد. وفي آخر الكتاب: يقول عبد الله بن محمد العمري القاضي بجند قنسرين والعواصم والثغور الشاميّة وجند حمص: قد قرئ عليّ هذا الكتاب، وهو قولي والحقّ عندي، والذي أفتيت به، وقد صحّ عندي غدر الناكث المعروف بأبي أحمد، وتعدّيه، وخروجه عن طاعة أمير المؤمنين أيّده الله، وأنّه استوجب بما كان منه ممّا سمّي ووصف في هذا الكتاب إسقاط اسمه وخلعه وقطع الدعاء له، وأنّه غير مستحقّ لإمامة المسلمين، ولا مأمون عليها، ولا موثوق به فيها. وأشهدت على قولي وفتياي من كتب شهادته في هذا [٢٨٢ ب] الكتاب. وكتب عبد الله بن محمد القاضي خطّه يوم الخميس لإحدى عشرة ليلة خلت من ذي القعدة سنة تسع وستّين ومائتين. يقول عبد الحميد بن عبد العزيز القاضي على دمشق [٢٤٥ أ] والأردنّ وفلسطين، قد قرئ عليّ هذا الكتاب من أوّله إلى آخره، وهو قولي، والحقّ عندي، والذي أفتيت به، وقد صحّ عندي غدر الناكث المعروف بأبي أحمد، وتعدّيه، وخروجه عن طاعة أمير المؤمنين، وأنّه استوجب بما كان منه إسقاط اسمه وخلعه ... - وحكى في شهادته مثل ما حكى صاحبه حرفا بحرف. يقول أحمد بن العلاء القاضي بديار مضر مثل ما قال صاحبه حرفا بحرف (١).

стр. 802

شهد بكّار بن قتيبة القاضي بمصر والإسكندريّة ونواحيهما على ما سمّي ووصف في هذا الكتاب من أوّله إلى آخره، وعلى إحسان أمير المؤمنين أعزّه الله إلى الناكث أبي أحمد بن جعفر المتوكّل على الله، وتفضّله عليه، وما كان من تعدّيه على أمير المؤمنين وغدره، وأنّ الناكث أبا أحمد قد استحقّ بما كان منه خلعه وترك الدعاء له. وكتب بكّار بن قتيبة بيده. وصار الخاطب إذا دعا لأمير المؤمنين في أعمال أحمد بن طولون قال بعد الدعاء: اللهمّ أكفه من ظلمه وحصره، واستنقذه ممّن أسره وجار عليه وقهره- يريد الموفّق- ثمّ يدعو للمفوّض لله جعفر بن المعتمد ووليّ عهده ولأحمد بن طولون فقط. وخرج أمر الموفّق إلى أمصاره بلعن أحمد بن طولون على ما فعله من خلعه [ويقول]: إنّ الله قد قرن بطاعته وطاعة رسوله طاعة أولي الأمر الذين انتخبهم الله لإعزاز دينه وإقامة معالمه، فقال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ [النساء: ٥٩]. وإنّ عدوّ الله المباين لجماعة المسلمين المعروف بأحمد بن طولون أظهر ما كان منه من معصية وشقاق، وكفر ونفاق، فيما بين أقاصي المغرب إلى أكناف العراق، ومرق عن الدين، وخالف أمير المؤمنين، وأخرب ثغور المسلمين، وقاتل فيها المجاهدين، بأهل الفسق من المخالفين، واستباح حرمهم، وسفك دماءهم. فلمّا تبيّن أمير المؤمنين أمره وعرف كفره وغدره، تبرّأ إلى الله منه، ولعنه لعنا ظاهرا، وأمر بلعنه [٢٨٣ أ] ليلحقه ذلك من خواصّ الأولياء وعوامّ الرعايا. اللهمّ، العنه لعنا يفلّ حدّه، ويتعس جدّه، ويجعله مثلا للغابرين، إنّك لا تصلح عمل المفسدين، يا ربّ العالمين. وسار أحمد بن طولون إلى مصر، وبعث إلى بكّار بعد ما أسقط من مصر وغيرها اسم الموفّق وأزاله من على الطراز. فسأله عن امتناعه من لعن الموفّق، وقال: تتوقّف عن خلع رجل حصر الخليفة وحجر عليه وأسره واستبدّ بالأمر دونه؟ مثل هذا أيؤمن على المسلمين أو على خلافة ربّ العالمين؟ فقال بكّار لرسوله: قل له: أنت أوردت عليّ كتابا من الخليفة بتولية الموفّق العهد. فإن أوردت عليّ كتابا منه أنّه خلعه، خلعته، وإلّا لم أقل في هذا شيئا. قال: صدقت، أتيتك بكتاب منه بتقليده العهد. فلم يرع عهده، وهو نافذ الأمر مطاع القول. وإنّه اليوم محصور مأسور مضيّق عليه. فقال بكّار: ما أقول في هذا شيئا بغير حجّة. فقال أحمد بن طولون: أنت شيخ قد خرفت ونقص عقلك وأعجبك قول الناس: بكّار! بكّار! ثم أمر به فحبس. [بعض مناقب بكّار]: ومن مناقب بكّار أنّ أحمد بن طولون بقيت له بقيّة كبيرة من خراج على بعض المتقبّلين فاستتر وتغيّب، وعمد قبل استتاره إلى ربع نفيس في ملكه يفي بما عليه من الخراج ويفضل، فحبسه على ولده وخرج عن مصر. فرفع الخبر إلى ابن طولون فطلبه فلم يدركه. فطلب القاضي بكّار [ا] وقال له: صاحبك- يعني أبا حنيفة ﵀ يقول بحلّ بيع الحبس في الدّين. نحلّ حبس هذا الهارب منّا ونأخذ مال السلطان منه.

стр. 803

فقال له بكّار: لا تفعل، ولا تسنّ سنّة يستنّ بها فيك؛ لأنّ لك أوقافا على وجوه، فإن حللت حلّوا عنك. فوقف عن ذلك وكفّ عنه وشكر لبكّار مشورته [٢٥٤ ب] عليه. وباع مدين دابّة فظهرت بها عيوب فطالبوه بالرّدّ فأبى، وبالتحطيط فأبى. قالوا: فاليمين! قال: ما حلفت على حقّ ولا باطل قطّ! فصاروا به إلى بكّار فطالبوه فأنكر. فأرادوه على اليمين فقال: ليس في هذا حيلة. فطمعوا في الردّ، فقال له بكّار: إمّا أن رددت، وإمّا حلفت. فقال: أخاف أن حلفت [أن] يعاودوني. فقال: أضعهم في الحبس. فحلف بالغموس. ثم قال: وهذه رجحان اليمين: بلغت السماء مع الشيطان وأفنيت كواكب الرحمن، ولعبت بالكعاب في الكعبة، وأعنت عاقر الناقة على صالح، ولقيت الله بذنب فرعون يوم قال: أنا ربّكم الأعلى، وحاسبني الله على مثل مال قارون لا أعلم فيه مثقال ذرّة خير إلّا أنفقته في هدم المساجد، وخراب الثغور، وشرب الخمور، والجمع على الفجور، وضرب العود والطنبور، والقمار بالطيور، والكفر ببعث من في القبور، إن لم أكن قدّمته بعشر دوابّ كانت تخلع أرسانها، فكان هذا الدائن يجيء يصلح أرسانها بفمه قليلا قليلا، فكان السائس يزيد في شعيره لهذا السبب. فضحك بكّار حتى أمسك بطنه بيده وقال: لو عرفتم صاحبكم لما تعبتم. انصرفوا راشدين! قال محمد بن موسى سقلاب: سمعت بكّار القاضي، وذكر في مجلسه الوعيد، فقال: الدليل على أنّ الله تعالى يخلف وعيده قوله : * لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لا يُجاوِرُونَكَ فِيها إِلَّا قَلِيلًا [الأحزاب: ٦٠]. والله ما انتهوا، وما أغراه بهم ولقد جاوروه. ولبكّار عدّة مصنّفات، منها: كتاب الشروط، وكتاب المحاضر والسجلّات، وكتاب العهود والوثائق، وهو كبير، وكتاب نقض فيه على الإمام الشافعيّ في ردّه على الإمام أبي حنيفة (١). وسبب تصنيفه أنّه نظر في مختصر المزنيّ فوجد فيه ردّا على أبي حنيفة، فقال لبعض شهوده: اذهبا واسمعا هذا الكتاب من أبي إبراهيم المزنيّ، فإذا فرغ منه قولا له: سمعت الشافعيّ يقول ذلك؟ - واشهدا عليه به. فمضيا وسمعا من المزنيّ المختصر وسألاه: أنت سمعت الشافعيّ يقول ذلك؟ قال: نعم. فعادا إلى القاضي بكّار وشهدا عنده على المزنيّ أنّه سمع الشافعيّ يقول ذلك. فقال بكّار: الآن استقام لنا أن نقول: قال الشافعيّ. ثمّ ردّ على الشافعيّ بهذا الكتاب. وكان بكّار قد لقي في قدومه إلى مصر محمد بن أبي الليث قاضي مصر قبله وهو خارج إلى العراق، فقال له: أنا رجل غريب، وأنت قد عرفت البلد، فدلّني على من أشاوره وأسكن إليه. فقال: عليك برجلين: أحدهما عاقل، وهو يونس بن عبد الأعلى، والآخر زاهد وهو أبو هارون موسى بن عبد الرحمن. فقال بكّار: صفهما لي.

стр. 804

فوصفهما له. فلمّا دخل مصر أتاه الناس. وأتاه يونس فرفعه وأكرمه، وأتاه موسى، فاختصّ بهما. وكانت علامته: الحمد لله، هكذا قدّر. ٩٣٣ - بكتاش الفخريّ [- ٧٠٦] (١) [٢٨٤ أ] بكتاش الفخريّ، الأمير بدر الدين، أمير سلاح، الصالحيّ، النجميّ. كان أحد مماليك الأمير الوزير فخر الدين [يوسف] ابن شيخ الشيوخ. فلمّا مات أخذه الملك الصالح نجم الدين أيّوب. وترقّى في الخدم حتى صار من أمراء مصر في الأيّام الصالحيّة. وأعطي إمرة مائة وتقدمة ألف في أيّام الظاهر بيبرس. وأقام أميرا زيادة على ستّين سنة، وعرف بأمير سلاح. وتردّد في الغزو مرارا عديدة في بلاد سيس وغيرها. ولمّا قتل المنصور لاجين عرضت عليه السلطنة فامتنع، وأشار بإحضار الملك الناصر محمد بن قلاوون من الكرك. فصار الأمراء يتردّدون إلى داره بالقاهرة ويأكلون على سماطه، إلى أن حضر الناصر من الكرك وأعيد إلى السلطنة، فبالغ في إكرامه. وما زال يواظب الخروج إلى الغزاة حتّى مرض وقد أناف على الثمانين. فخاف أستاداره بكتمر الفارسيّ أنّه يموت فيطالب من الديوان السلطانيبتفاوت (٢) الإقطاع في مدّة إمرته وهي ستّون سنة وأن يلزم بالتقاوي (٣) السلطانيّة، فحسّن لولده ناصر الدين محمد أن يجتمع بالأميرين بيبرس [٢٥٥ أ] وسلّار- وهما يومئذ القائمان بتدبير أمور الدولة ويبلّغهما سلام أبيه وأنّه يسألهما الكلام مع (٤) السلطان في إخراج الإمرة عنه وكتابة مسموح لأولاده ومباشريه بما يخصّ السلطان من تفاوت الإقطاعات والانتقالات من ابتداء تاريخ إمرته وإلى حين خرج إقطاع الإمرة عنه، ويذكر لهما عنه أنّه قال: قد كبر سنّي وعجزت عن الركوب، ولا يحلّ لي أكل هذا الإقطاع بغير استحقاق، وأن يذكّرهما بما له من قديم الهجرة والتذمّم بخدمة البيت المنصوريّ ومناصحته. وخيّل لابن بكتاش أنّه إن لم يفعل هذا حتى يموت أبوه لا يبقى له ولإخوته شيء، ويحتاج إلى الاستدانة في وفاء ما يجب للديوان السلطانيّ. فانفعل له وبلّغ الأميرين عن أبيه ما رتّبه فيه أستداره. فتألّما وبكيا بكاء كثيرا ورأيا من تمام حقّ الأمير بكتاش المبادرة إلى امتثال ما أشار به، ولم يشكّا في صدق ولده. واجتمعا بالخدمة السلطانيّة مع الأمراء، وقام ابن بكتاش فأعاد الرسالة على الجميع، فلم يجدوا بدّا من إجابته. وكتب مرسوم سلطانيّ بمسامحته، وحمل إليه مع الأمير سنقر الكماليّ الحاجب والأمير بدر الدين محمد بن الوزيريّ، وتقدّمهما ابن بكتاس ودخل على أبيه ومعه بكتمر أستاداره، وأخذا [٢٨٤ ب] يقولان له ما هو فيه من المرض والعجز عن الحركة، وأنّ الإقطاع الذي باسمه يستكثر عليه، ويعرّضان له بتركه. فقال لهما: أنا أرجو أن يمنّ الله بالعافية وأن أموت على ظهر

стр. 805

فرسي مجاهدا في سبيل الله. فذكرا له ما يتخوّفا [ن] هـ بعد وفاته من كثرة المغرم للديوان. فلم يعبأ بكلامهما، وهما في ذلك إذ قدم الأميران بالمسموح، فخرجا إليهما وقالا لهما: لا تطيلا في الحديث معه فإنّه قد تغيّر عقله واختلط. فصدّقاهما فيما قالا، ودخلا عليه، وعرّفاه ما قال ولده عنه للسلطان بحضرة الأمراء، وأنّه يسلّم عليه. وقد أجاب سؤاله وأخرج الإقطاع وكتب المسموح- وأخرجاه إليه- ثمّ بلّغاه سلام الأمراء عليه، وأنّهم يقولون له: لو لم تبعث ولدك بهذا ما أخرج الإقطاع عنك بوجه من الوجوه، وأنّه قد رتّب لك في كلّ شهر خمسة آلاف درهم. فلمّا بلّغاه هذا اشتدّ غضبه وقال: قطع السلطان خبزي؟ قالا: نعم- وأعادا عليه ما قاله ولده. فالتفت إليه وقال: أنت سألت في ذلك؟ قال: نعم. فسبّه. وقال للأميرين: قولا للسلطان والأمراء: ما كنت أستحقّ أن يقطع خبزي قبل الموت، وهم يعرفون ما فعلته معهم. وكان أملي أن أموت في الجهاد. ولذلك كنت أخرج كلّ سنة إلى الغزو في سبيل الله فلم يقدّر الله ذلك. ثمّ استدار بوجهه إلى الحائط، فقاموا عنه. فتمادى مرضه إلى أن مات في يوم [ ... ] ربيع الآخر سنة ستّ وسبعمائة عن ثمانين سنة. وكان كثير الصدقة خيّرا وافر الحرمة في كلّ دولة، فارسا شجاعا، له مقامات مشهورة في الحرب. ورأى من الحظّ شيئا طائلا في مدّة طويلة ولم ينكب قطّ. وقلّ سنة لا يخرج فيها إلى الغزاة. وكان يبعث النفقة لمن يخرج معه من الأمراء والمقدّمين، ويعمّهم بالشعير والأغنام. واقتنى المماليك الحشميّة النافعة. وكانت أخبازهم من عشرين ألف درهم في السنة إلى عشرة آلاف وهي أقلّها. وكان يكره من يتحدّث عنه في أمر المملكة ومتعلّقاتها. وكان الملك المنصور قلاوون يبالغ في تعظيمه بحيث قال لنائبه الأمير طرنطاي: ما بقي في الأمراء غير أمير سلاح إذا قلت فارس الجبل ما يردّ وجهه عن عدوّه وإذا حلف ما تحوّل وإذا قال صدق، ولا يتطلّع إلى رفعة. ٩٣٤ - بكتمر البوبكريّ [- ٧٢٨] (١) [٢٨٥ أ] بكتمر البوبكريّ، الأمير سيف الدين، السلاح دار، أحد المماليك المنصوريّة قلاوون. ربّاه صغيرا ورقّاه في الخدم وعمله من جملة البرجيّة. فلمّا قبض [٢٥٥ ب] الأمير سنقر الطويل عرض جماعة من البرجيّة واختار منهم أربعة: بكتمر هذا، وأيدمر الخطيريّ، وسنجر الجمقدار، وطاشتمر الجمقدار. ثم عيّن من الأربعة بكتمر وأنعم عليه بإمرة سنقر الطويل وهي طبلخاناه. فقال له الأمير بيدرا النائب: يا خوند، أوّل إمرة الجندي تكون عشرة ثم ينقل منها إلى الطبلخاناه. فقال: قد قلت شيئا وما أرجع عنه- وكان البكوبكري أوّل من نقل من الجنديّة إلى إمرة طبلخاناه، وذلك في نصف ذي القعدة سنة تسع وثمانين وستّمائة. وتقدّم حتى صار من أكابر الأمراء الناصريّة محمد بن قلاوون، وجعله أمير سلاح ويجلس رأس الميسرة، والأمير آقوش نائب الكرك رأس

стр. 806

الميمنة (١). فلمّا كانت سنة عشرين وسبعمائة رسم أن يتحوّل من القلعة ويسكن في دار الأمير كراي المنصوري بالقاهرة، لأنّه ثقل عليه وصار يعارضه ويشير عليه بغير ما يريده. فسكن القاهرة إلى سنة اثنتين وعشرين. [ف] عيّنه لنيابة صفد، واعتذر إليه على لسان الأمير أرغون بأنّ السلطان يستحي منه إذا رآه في الخدمة لما يعلمه من تقدّمه وكبر سنّه، وأنّه قصد بنيابته صفد إراحته. فامتنع من ذلك واحتجّ بأنّه رجل غتميّ لا يعرف بالعربيّ، وما حكم قطّ بين أحد فلا أعرف ما يقول الناس إذا وقفوا لي. فأعرض السلطان عن هذا القول، وبعث إليه بألفي دينار مع كريم الدين ناظر الخاصّ وجهّز له تشريف نيابة صفد، والإنعام على أولاده بإمرتات. فلمّا جاءه كريم أقام ساعة حتى أذن له، ثمّ دخل عليه فلم يحتفل به كاحتفال غيره من الأمراء. فوضع الذهب والتشريف بين يديه، وقام كالمغضب إلى السلطان. فأصبح يوم الخميس ثاني شهر [رمضان] منها، [ف] ألبس السلطان ولده الأصغر شربوش الإمرة، فصعد في آخر النهار إلى الخدمة وجلس رأس الميسرة على عادته واستعفى من صفد، فأعرض عنه، وقبض عليه وعلى أولاده في ليلة الجمعة ثالث شهر رمضان. فوقف غوغاء العامّة بكرة يوم الجمعة تحت القلعة وصرخوا بالسلطان: ما يستأهل مسكه! - فاشتدّ حنقه، وبعث إليه مع قجليس فرسا وطعاما وأمره أن يقرئه السلام ويعتذر إليه ممّا وقع ويستعرض حوائجه. فسأل أن يفرج عن أولاده. فأجابه إلى ذلك وأفرج عنهم ليلة عيد الفطر، ومنعهم من الخدمة السلطانيّة. وبعثه إلى الإسكندريّة (٢) فسجن بها، إلى أن كانت فتنة أهل الإسكندريّة [ف] حمل إلى قلعة الجبل هو وبقيّة الأمراء المسجونين، فقدموا في ثامن عشر رجب سنة سبع وعشرين، وأرسل هو وتمر الساقي إلى الكرك (٣). ثمّ أحضر هو والأمير كراي ليفرج عنهما. فلمّا قدما بركة الحجّاج (٤) خرجا إليهما الأمير مغلطاي الجمالي، وصعد بهما إلى قلعة الجبل، فسجن بكتمر بها إلى أن مات يوم السبت نصف شعبان سنة ثمان وعشرين وسبعمائة، فشهد الأمراء جنازته ودفن بالقرافة. وكان جوادا، له صدقات ومعروف، سليم الباطن. وترك ولدين من أمراء الطبلخاناه بمصر، ولم يقع هذا لغيره. ٩٣٥ - بكتمر الجوكندار [- ٧١٦] (٥) [٢٨٦ أ] بكتمر الجوكندار المنصوريّ، الأمير سيف الدين، أمير جاندار. ترقّى في الخدم حتى صار جوكندار وأحد أمراء الألوف بديار مصر. فلمّا كانت أيّام بيبرس وسلّار، كان من أهل الحلّ والعقد. ولم يزل الملك الناصر محمد بن قلاوون يقول له إذا خاطبه: يا عمّ، ويقول لابنه ناصر الدين محمد: يا أخي. وحجّ في سنة سبعمائة، وأنفق في حجّه خمسة

стр. 807

وثمانين ألف دينار، وصنع معروفا كثيرا، من جملته أنّه حمل في البحر سبعة مراكب مشحونة بالدقيق والقمح وأنواع الإدام، ما بين سكّر وعسل وزيت وحلوى ونحو ذلك. فوافى ساحل ينبع منها ثلاثة فنقلها إلى ينبع وجعل ما فيها أصنافا مثل التلال، ونادى في الحجّاج: من كان محتاجا إلى مؤنة أو شيء من الإدام أو السكّر أو الحلوى فليحضر! . فأتاه المحتاجون فعمّهم [٢٥٦ أ] وفرّق ما بقي على من لم يحضر من الأغنياء وعلى أهل ينبع. ووافت بقيّة المراكب جدّة فحملها إلى مكّة وفرّق ما فيها على أهل مكّة وعلى فقراء حجّاج الشام، وعاد إلى مصر. فلم يزل على حاله إلى أن ضجر الملك الناصر من شدّة الحجر عليه وعزم خاصّكيّته على القيام معه. فاستدعى بكتمر هذا وأعلمه بحاله وما عزم عليه، فوافقه على ما أراد، وأنّه يهجم على الأميرين بيبرس وسلّار في بيوتهما ويأخذهما. فنقل الخبر إليهما فاحترسا على أنفسهما، وثارت فتنة كبيرة آلت إلى إخراج ثلاثة من خاصكيّة السلطان إلى القدس، ونفي بكتمر إلى الصّبيبة في نصف المحرّم سنة سبع وسبعمائة. فأقام بها إلى شعبان منها، فرسم له بنيابة صفد بعد وفاة سنقر شاه. فدخلها في ثمانمائة مملوك كانوا يركبون معه فيصير في عسكر يقارب عسكر صفد. فما زال بها إلى أن خرج الملك الناصر من الكرك وتوجّه إلى دمشق. [ف] توجّه إليه وقدم معه مصر. فولّاه نيابة السلطنة بديار مصر في يوم الخميس ثالث عشرين شوّال سنة تسع وسبعمائة. فلمّا كان في سنة عشر وسبعمائة، نقل إلى السلطان أنّه قد وافق الأمير بتخاص المنصوريّ على إقامة الأمير [مظفّر الدين] موسى ابن [الملك] (١) الصالح عليّ بن قلاوون سلطانا واستمال مماليك المظفّر بيبرس. فبادر السلطان وقبض على بتخاص وأمير موسى، ولم يظهر لبكتمر شيئا. وتتبّع المظفّريّة وأمسك منهم جماعة كثيرة نحو المائة وعشرين. فلمّا أوقفوا بين يديه في [٢٥٦ ب] الحديد، أخذ بكتمر الجوكندار فقال له أحدهم: ها هو شغلك المشئوم. فتغافل السلطان عنه وأمر بقتل الجميع، ثمّ عفا عنهم، وتغاضى عن بكتمر الجوكندار إلى يوم الجمعة سابع عشر جمادى الأولى سنة إحدى عشرة [ف] استدعاه. فلمّا دخل إليه قبض عليه وعلى صهره الكتمر [الجمدار] (٢) وعلى آي دغدي العثمانيّ ومنكوتمر الطبّاخي، وسجنوا. وفوّضت نيابة السلطنة بعده إلى الأمير بيبرس الدوادار المنصوريّ. وحمل بكتمر إلى الإسكندريّة فسجن بها. ثمّ نقل إلى الكرك فأقام بها مسجونا في عدّة من الأمراء إلى أن قتل في سنة ستّ عشرة وسبعمائة (٣). وكان خيّرا ساكنا كثير المسالمة لا يرى سفك دم أحد ولا يعتني بالقصاص بل يعاقب بالضرب المؤلم حتى يبلغ قريب ألف ضربة، ويقول: الحيّ خير من الميت، فليقم هذا في السجن! - فكثر الفساد في أيّام نيابته. وكان كثير الخير والصدقات، وقد تقدّم ذكر

стр. 808

حجّته وما فعل فيها من أنواع الخير. وأجرى الماء من عين إلى بلد الخليل ﵇ وأنفق عليها أربعين ألف دينار. ولمّا فرغ منها وقدّم له أوراق مصروفها لم يقرأها وغسلها كلّها وقال: شيء خرجنا عنه لله تعالى لا نحاسب عليه. وعظم النفع بهذه العين، فقد كان بلد الخليل معطّشا تباع فيه الشربة بنصف درهم وربّما بلغت إلى درهم، فوسّع الله على يديه وزال ذلك. ٩٣٦ - بكتمر السلاح دار الظاهريّ [- ٧٠٣] (١) [٢٨٧ أ] ... وخرج من القاهرة على عسكر فيه من الأمراء: عزّ الدين طقطاي، ومبارز الدين أولياء بن قرمان، وآي دغدي شقير الحساميّ، وثلاثة آلاف فارس، مددا للأمير بدر الدين بكتاش الفخريّ أمير سلاح في قتال أهل سيس من الأرمن. فوصل دمشق في سابع عشر ذي القعدة سنة سبع وتسعين وستّمائة. وخرج منها بالعسكر في عشرينه يريد حلب فأقام بها. وأخذ الأمير منكوتمر نائب السلطنة بديار مصر يدبّر مع أستاذه الملك المنصور لاجين على قبض أكابر الأمراء بمصر والشام. وبعث حمدان بن صلغاي من مصر على البريد إلى بلاد الشام بسبب ذلك، وأن يرسل الأمير بكتمر هذا إلى مصر على البريد، ليفرّق شمل الأمراء. فسار بكتمر من حلب ونزل بلبيس، وقد عزم الأمير منكوتمر النائب على [٢٥٦ ب] قبضه، فمنعه السلطان من ذلك حتى يرد خبر قبض الأمراء بحلب. وكان بكتمر قد أحسّ بالشرّ، ووصّى قبل خروجه من حلب، وأخذ ألف دينار فتصدّق بها طول طريقه. واتّفق أنّه لمّا نزل بلبيس اشتدّ خوفه وكثر قلقه وغلبه [٢٨٧ أ] الفكر، فقام وصلّى ركعتين وسأل الله أن يكفيه ما يخافه وجدّ في الدعاء، وإذا بالمسبّح قد صعد المئذنة على العادة وابتدأ بعد البسملة بقوله تعالى: إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً [الفتح: ١]، فتفاءل بذلك وسجد لله شكرا- وكان من المتديّنين المشهورين بالخير. ثمّ ركب من ساعته وقد طاب خاطره حتى دخل على السلطان، فبالغ في إكرامه وسأله عن العسكر وما جرى له في غزاته، وأظهر له أنّه ما استدعاه إلّا لذلك، وخلع عليه، وأمر له بألف دينار إنعاما، وردّه إلى حلب. فشقّ ذلك على منكوتمر وعتب السلطان فقال له: والله ما زلت أريد مسكه حتى دخل عليّ فغيّر الله ما كان في خاطري منه، واستحييت منه لما له عليّ من الخدمة. فلم يرض منكوتمر، وما زال به حتى كتب له تقليدا بنيابة طرابلس عوضا عن الأمير عزّ الدين أيبك الموصليّ بعد وفاته في صفر سنة ثمان وتسعين، ورتّب أنّه يجهّز طلبه وثقله إليها، ويحضر بمفرده على البريد إلى مصر ليشافهه السلطان بأمور مهمّة. فلمّا ورد المرسوم بذلك أظهر البشر به، وعلم أنّه قد خدع، واحترز على نفسه، وثار من حلب هو وفارس الدين البكي و [سيف الدين] عزاز (٢) إلى حمص، وعليها الأمير قبجق نائب دمشق، وتحالفوا. ورحلوا في ليلة الثلاثاء ثامن ربيع الآخر منها، ومضوا إلى القان محمود غازان. فأكرمهم وأنعم عليهم، وسار بهم إلى بلاد الشام،

стр. 809

وهزم عساكر مصر في ثامن عشرين ربيع الأوّل سنة تسع وتسعين، وولّى بكتمر هذا حلب وحماة وحمص وعاد إلى بلاده. فأقام بكتمر وقبجق والبكي بدمشق، ثم ساروا يريدون مصر وقد عادوا إلى الطاعة، فلقوا السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون على منزلة الصالحيّة في عاشر شعبان، فأكرمهم وعاد بهم إلى قلعة الجبل وأجرى عليهم ما يليق بهم. ثمّ أنعم عليه بإمرة مائة تقدمة ألف بديار مصر، فلزم الخدمة حتى مات في [ ... ] سنة ثلاث وسبعمائة. وكان من أكابر الأمراء وفرسانها وشجعانها، مشهورا بالإقدام في الحروب، حسن الشكل، قويّا إلى الغاية، يرمي على ستّة وخمسين رطلا بالدمشقيّ (١)، مع خفّة روح وبشاشة وجه ومحبّة في الطرب ورغبة في السماع والرقص ومعاناة الظّرف، وليس الكامليّات والتبسّط في المطاعم الفاخرة، وكثرة الإكرام والإحسان، بحيث إنّه وشي إليه بكاتبه شرف الدين [ ... ] المعروف بكاتب النطرون أنّه يفسد مماليكه بشرب الخمر وسعة العطاء، وأنّه أخذ مركبا فيها ستّمائة إردبّ قمحا عند وصولها من بلاد الصعيد إلى الشونة، وباعها وأخذ ثمنها لنفسه. فاستدعاه وأحضر من حاققه على ذلك. فلم يزد الكاتب على أن نظر إليه طويلا وتبسّم، وقال: يا متعوس، والله لقد رافعت وحش. ويلك! أحد يسرق ستّمائة إردبّ ويوسّخ عرضه! ليتك قلت: ألف إردبّ أو ألفين- وولّى قفاه وانصرف وهو يضحك، والأمير أيضا يضحك. فقيل له: إيش قال الكاتب حتى تركته؟ فقال: بلغني أنّه رجل كريم معطاء لا يبقي على شيء. فإن كان ما نقل عنه صحيحا فقد أتلفه وأكل به وشرب، وذهب ولم يبق معه شيء، فلا نحصل منه إلّا على شناعة نقيمها على أنفسنا. ولمّا انسحب إلى بلاد الشرق لم يخدم هذا الكاتب بعده أحدا حتى عاد. فشكر له ذلك. وأقام سنة يتناول ما رتّب باسمه على الحوائج خاناه السلطانيّة من اللحم والكماج (٢) والسكّر والتوابل ونحو ذلك من غير أن يطلع الأمير عليه، ويستهلكه في ملاذّه إلى [٢٥٧ أ] أن حضر الأمير يوما عند الأمير سلّار نائب السلطنة، وقد حضر الأمير بيبرس الجاشنكير الأستادار والأمراء لأكل طعامه. فأخذ يعتبهم ويقول: إي والله يا أمراء، أنتم تشبعوا اللحم ونحن نشتريه وما نشبع منه! فأنكر الأمراء هذا إنكارا عظيما وشقّ عليهم سماعه. وقال له الأمير بيبرس: لم تقول هذا يا أمير؟ إن كان راتبك ما يكفي نزيده. فقال: ومن له عندكم راتب؟ من يوم حضرت ما رأيت راتبا ولا غيره. فظنّ بيبرس أنّ راتبه لم يصل إليه وخجل. فلمّا انفضّوا من عند النائب استدعى ديوان البيوت وهمّ أن يوقع بهم. فعرّفوه أنّ الراتب مصروف باسمه إلى آخر يومه على يد كاتبه ما بين لحم وتوابل وجرايات وعليق. وكتبوا ذلك في قائمة، وبعثها إليه. وان بكتمر لمّا وصل إلى بيته طلب كاتبه وذكر له ما وقع، فتبسّم وقال: والله يا خوند لقد أخجلتهم- ووقف قدّامه قليلا وخرج، فإذا بنقيب

стр. 810

معه ورقة بقبض [٢٨٨ ب] الراتب قد بعثها الأمير بيبرس، فأخذها منه وعاد إلى بكتمر وقال له: قد أثّر كلامك يا خوند عندهم وبعث الأمير بيبرس يطلبني. فقال: اذهب إليه، وإن ذكر لك شيئا، اعتذر عنّي بأنّي لم أقل ما قلت إلّا مزحا. فأراه أنّه متوجّه إليه وغاب قليلا، وعاد وهو يقول: يا خوند، لا تسأل ما جرى عليهم بسبب ذلك: طلبوا ديوان الحوائج خاناه وقصدوا ضربهم ثمّ مصادرتهم كيف لم يذكّروا الأمير بأمر الرواتب؟ فما زلت حتى خلّصتهم، وقال لي الأمير بيبرس والأمير سلّار وبقيّة الأمراء: يا شرف الدين، مانعرف سرّ هذه القضيّة إلّا منك، فقد خجلنا من الأمير- وحلفوا ما عندهم من هذا الأمر خبر. فالتزمت لهم أنّني أعرّف الأمير أنّ هذا الراتب وصل إليّ وأنّي كنت أتناوله، وأبرّئ الأمراء من عتبه. فمشى هذا على بكتمر وأعجبه منه هذا القول. فلم يكن غير قليل حتى أعلمه خوّاصّه الحال بنصّه وأغروه بالكاتب. فلم يغضبه ذلك وقال لمن أغراه: وا لك يا نحس! أنا ما عرفت أنّه كان يأخذ الراتب لنفسه! ومن أين كان هذا المسكين ينفق مدّة غيبتنا في البلاد؟ ولا بدّ أن يكون قد استدان بالأ [لوف] فوفّاه من الراتب (١). فعدّ هذا من نادر مكارم الأخلاق، ﵀. ٩٣٧ - بكتمر العلائيّ [- ٧٤٥] (٢) [٢٨٨ ب] بكتمر العلائيّ، الأمير سيف الدين، أحد المماليك المنصوريّة قلاوون. تنقّل في الخدم حتى صار من جملة الأمراء. وولي أستادار الملك الناصر محمد بن قلاوون مدّة. وجرّده إلى اليمن صحبة الأمير بيبرس. فلمّا قدم أخرجه إلى دمشق. ثمّ بعد مدّة ولّاه نيابة حمص. ثمّ نقله إلى غزّة، ثم أعاده إلى نيابة حمص، وبها مات في سنة خمس وأربعين وسبعمائة. وكان مهابا كثير المال، وهو أخو الأمير بدر الدين بكتوت الفتّاح. ٩٣٨ - بكتمر الحاجب [- ٧٢٨] (٣) [٢٨٩ أ] بكتمر الحاجب، الأمير جمال الدين الحساميّ. كان من جملة مماليك الأمير حسام الدين طرنطاي النائب. فترقّى في الخدم إلى أن أنعم عليه المنصور لاجين بإمرة عشرة. ثم أنعم عليه بإمرة طبلخاناه في نصف ربيع الآخر سنة ستّ وتسعين وستّمائة بعد وفاة بلبان الفاخريّ نقيب الجيش. ثمّ عمله أمير أخور في سنة سبع وتسعين [وستّمائة]، فباشر ذلك إلى سنة إحدى وسبعمائة. فثقل على الأميرين بيبرس وسلّار من أجل أنّه أكثر الكلام مع الملك الناصر محمد بن قلاوون- وكان حينئذ محجورا عليه، وقصد الأميرين أن لا يتعرّف به أحد- وصرفاه. فأقام بطّالا مدّة، إلى أن مات مغلطاي التقويّ بدمشق (٤)، فأنعم عليه بإمرته
следующие страницы →