← Тараджим

Тараджим · id 145334

المقفى الكبير

المقريزي

Полный текст (3 152 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

١٠١٨ - بيغرا الناصريّ [- ٧٥٤] (١) [الأمير سيف الدين بيغرا بن عبد الله الناصريّ ثمّ المنصوريّ] (٢). كان من أمراء الناصر. وتقدّم في سلطنة [ ... ] ولمّا نكل الكامل شعبان نائب السلطنة بمصر قرّره حاجبا كبيرا يحكم بين الناس، ورتّب له موقفين بين يديه لمكاتبات الولاة. ثمّ ولي كشف الجسور بالوجه القبليّ. ثمّ نفي إلى حلب في سنة أربع وخمسين وسبعمائة. وكان مشكور السيرة. ١٠١٩ - بيليك الأيدمريّ [- ٦٨٧] (٣) بيليك الأيدمري، الأمير بدر الدين، أحد الأمراء الصالحيّة. تنقّل في الخدم من أيّام الصالح أيوب حتى صار من أعيان الأمراء في الدولة الظاهريّة والمنصوريّة. واشتهر بالشجاعة والكرم وحسن الرأي مع الحرمة الوافرة وسلامة الباطن التي يظنّ أنّها بله. ويقال إنّه كان يظهر ذلك ويتصنّعه حتى يؤمن جانبه ويطمئنّ على نفسه. وله في ذلك أخبار: منها أنّه قرئ عليه حسابه فوجد فيه باسم ولده بلجك ألف درهم، فانزعج انزعاجا كثيرا وقال لأستاداره: وا لك! أنت مجنون؟ تصرف من مالي ألف درهم؟ - وأراد أن يخرق به. وكان كاتبه يعرف حاله، فقال: لا تغتظ يا خوند، ما هي ألف، وإنّما هي تسعمائة وتسعة وتسعون درهما لا غير. فسكن غضبه وأعجبه كلامه. وممّا يؤيّد أنّه [كان] عاقلا غير مغفّل أنّ ابنه بلجك كان من الفرسان المعدودة، فمات وأبوه مجرّد في سيس. فرسم السلطان أن لا يخبره أحد بموته، وإن أخبره أحد شنقته. فلم يجسر أحد [أن] يخبره حتى قدم وسأل عنه. فقيل: هو في الصيد- فركب للسلطان وتلقّاه من قبّة النصر وترجّل له وعانقه وردّه إلى بيته وبعث إليه على الفور النائب طرنطاي، فقبّل يده وبلّغه سلام السلطان. فقبّل الأرض، ثمّ قال له طرنطاي: يقول لك السلطان: يعيش رأسك في ولدك. فقال: مات بلجك؟ فقال: نعم. فتبسّم وقال: بلجك مات. السلطان يعيش وألف مثل بلجك يموت. ولم يظهر الحزن. فلمّا قام عنه طرنطاي وهو يتعجّب من أمره سأله كاتبه، وكان يدلّ عليه: لم تظهر الحزن عند ما عزّاك السلطان؟ فقال له: والله كنت أحسب لك عقل. والله لمّا قال طرنطاي: ولدك مات أحسست نشّابة في قلبي. ولكنّ الملوك ما يريدو [ن] من يظهر لهم الحزن على أحد. وتوفّي سنة سبع وثمانين وستّمائة. ١٠٢٠ - بيليك المحسنيّ [- ٦٩٥] (٤) الأمير بدر الدين، أبو شامة. ولي الكشف

стр. 877

بالوجه القبليّ في الدولة المنصوريّة قلاوون. ومات في سنة خمس وتسعين وستّمائة. ١٠٢١ - بيليك الطيّار [- ٦٩٩] (١) بيليك الطيّار [يّ]، الأمير بدر الدين، أحد المماليك [ ... ]. ولّاه المنصور قلاوون نيابة صفد في حادي عشرين شوّال سنة ثمان وسبعين وستّمائة عوضا عن [علم الدين] سنجر الكرجي. ١٠٢٢ - بيليك المسعوديّ [- ٦٩٠] (٢) الأمير بدر الدين، أحد أمراء مصر. مات على عكّا عند فتحها في جمادى الأولى سنة تسعين وستّمائة. ١٠٢٣ - بيليك المحسنيّ الجزريّ [- ٧٣٩] (٣) بيليك المحسنيّ، الجزريّ، الأمير بدر الدين. ترقّى في الخدم حتى ولي الغربيّة. وصرف منها بأياز الملوحيّ في رمضان سنة ثمان وسبعين وستّمائة. وتوجّه في الرسالة إلى اليمن، ومعه شرف الدين إبراهيم بن فرج كاتب الدرج في خامس عشرين ذي القعدة سنة ثمانين، وقدم. ثمّ ولي كشف البحيرة. ونقل منها إلى ولاية القاهرة عوضا عن أيدمر [عزّ الدين] الزرّاق في ذي الحجّة سنة ثلاثين وسبعمائة. وعزل بأيدكين البريديّ في سنة أربع وثلاثين، وأخذ إلى الإسكندريّة هو وعلاء الدين بن هلال [الدولة] فسجنا بها لتنكّر النشو ناظر الخاصّ عليهما. ثمّ نفي ومعه ابناه ناصر الدين محمد، وشهاب الدين أحمد إلى طرابلس (٤)، فمات بها في سنة تسع وثلاثين وسبعمائة. وكان عفيفا ديّنا، إذا وجد فقيرا أو مظلوما دفع إلى غريمه ما يطلبه منه ولا يرجع عليه به. وكان مشهورا بالفروسيّة ومعرفة الخيل وتربيتها وحسن المعاملة. وقد ولي ابنه محمد بن بيليك ولاية القاهرة أيضا (٥).

стр. 878

[حرف التاء]

стр. 879

١٠٢٤ - تبر الإخشيديّ [- ٣٦٠] (١) [٢٨١ ب] نافق في شعبان سنة تسع وخمسين وثلاثمائة بأسفل الأرض، فأرسل إليه جوهر القائد يستعطفه فلم يجب. فسيّر إليه عسكرا فحاربه بناحية صهرجت ونهبها ومضى منهزما إلى الشام في البحر. فأخذ بمدينة صور وحمل إلى القاهرة فدخل على فيل مع عليّ بن جعفر بن فلاح وشهر في البلد وسجن إلى صفر سنة ستّين وثلاثمائة. [و] اشتدّت المطالبة عليه بالمال وضرب بالسوط، وقبضت ودائعه، وقبض على جماعة من أصحابه وسجنوا في القيود. وفي ربيع الآخر جرح نفسه فأقام أيّاما ومات. فسلخ بعد موته وصلب عند كرسيّ الجسر (٢) خارج مصر إلى جانب من صلب من أصحابه. ١٠٢٥ - ترمش الطولونيّ [- ٢٨٣] (٣) [٣٠٧ أ] ترمش بن عبد الله، أحد موالي الأمير أبي الجيش خمارويه بن أحمد بن طولون. ترقّى في الخدم إلى أن اختلف القوّاد على جيش بن خمارويه، واجتمعوا على خلعه. فهجم عليه ترمش وأمسكه وهمّ بقتله ثمّ كفّ عنه. وخلعوه وأقاموا أخاه هارون بن خمارويه (٤)، وقام بأمره أبو جعفر محمد بن أبّا، فلم تنضبط الأمور، وتغلّب بدر (٥) وصافي وفائق ونحوهم من القوّاد على الدولة. فعزّ ذلك على ابن أبّا، وكان صاحب مكر ودهاء، وفي نفسه حقد على ترمش لكونه قبض على الأمير جيش حتى تمّ خلعه، وأنّه قال لابن أبّا: أنت خليفته ونصف ذنبه عليك (٦) - وجرّه إلى المنظر وألّب عليه حتى هرب منه وأفلت من القتل. فخلا به يوما وقال له: يا ترمش، ويحك! أما ترى ما نحن فيه مع هؤلاء الروم؟ (٧) قد انقلبت الدولة روميّة، ما لنا معهم أمر ولا نهي! - وكان ترمش خزريّا أحمق، فبسط لسانه في بدر وغيره [منالأروام] (٨)، ودسّ إلى بدر غلاما نوبيّا، فوقف له على باب الأمير هارون وفي كمّه مشمل (٩). فلمّا خرج بدر أقبل إليه وقبّل فخذه، فأكبّ بدر على رأسه يقبّله- وكانت هذه عادته- فقنّعه (١٠) النوبيّ بالمشمل فشجّه. ووقعت الصيحة فقبض على النوبيّ، وقالوا: ترمش دسّه. فغضب الناس لبدر وركبوا إلى دار ترمش. فركب ترمش في غلمانه ومن انضمّ إليه وخرج يريد الحرب. فركب ابن أبّا إلى الأمير هارون وأركبه. فلمّا رآه الناس انضمّوا إليه، وسار. فأقبل ترمش ليقاتل فناداه الناس: مولاك! مولاك! فقال: أروني، أنا لا أقاتل مولاي، وإنّما أقاتل هؤلاء الروم بني الزانية! فأومأ إلى الأمير، فلمّا رآه رمى بنفسه عن

стр. 880

فرسه إلى الأرض فابتدره الرجال يتعاورونه بأسيافهم حتى قتل. ورجع الأمير هارون إلى داره، ونهبت دار ترمش وجميع أسبابه. وكان قتله في [ ... ] (١). ١٠٢٦ - تركان شاه بن بلدكوش [- بعد ٤٦٦] (٢) ناصر الجيوش، أبو الملوك، ابن سلطان الجيوش. كان أبوه كبير الأتراك بمصر، واستبدّ بعد قتل ناصر الدولة الحسن [بن الحسين بن حمدان]، إلى أن دخل أمير الجيوش (٣). وقبض عليه المستنصر بالله أبو تميم معدّ وقتله كما ذكر في ترجمته (٤). ففرّ ابنه تركان شاه إلى الشام في عدّة من العساكر، والتجأ إلى أطسز بن أوق الخوارزميّ مقدّم الأتراك بدمشق وأهدى إليه ستّين حبّة لؤلؤ مدحرجة، زنة كلّ حبّة فوق المثقال، وحجرا من ياقوت، زنته سبعة عشر مثقالا، إلى غير ذلك من التحف. وأغراه بملك مصر وأطمعه في أخذه حتّى سار إليها، وكان من خبره ما تقدّم ذكره في ترجمته (٥). ١٠٢٧ - تميم بن المعزّ الفاطميّ [٣٣٧ - ٣٧٤] (٦) [٣٢٩ أ] تميم بن المعزّ لدين الله أبي تميم معدّ بن المنصور بنصر الله أبي الطاهر إسماعيل بن القائم بأمر الله أبي القاسم محمد بن المهديّ عبيد الله، الأمير أبو عليّ، أكبر أولاد المعزّ. [تحويل ولاية العهد منه إلى أخيه عبد الله]: ولد بالمغرب لستّ بقين من رجب سنة سبع وثلاثين وثلاثمائة. وعهد إليه أبوه بالخلافة بعده. فلمّا أخذ مصر جوهر القائد كتب المعزّ إلى جوذر الصقلبيّ، وكان بالمهديّة، يأمره بالوصول إليه. فلمّا وصل أسرّ إليه أنّه قد ردّ العهد من تميم إلى عبد الله، وكلّف (٧) جوذر بذلك. فلمّا قرب جوذر أمر المعزّ ولده الأمير تميم بن المعزّ أن يخرج في العساكر إلى لقائه لأنّه كان مكينا عنده. فخرج تميم ومعه أخوه عبد الله خلفه حتى قرب من جوذر. فترك جوذر تميما وقصد عبد الله وترجّل وقبّل يده، وقال للناس: هذا مولاي ومولاكم. فرجع الناس كلّهم وراء عبد الله ورجع تميم وحده، وصار عبد الله وليّ العهد من ذلك اليوم. وكان الذي دعا المعزّ إلى خلع تميم من العهد أنّه رأى أنّه لا يعقب، وتحرّفه الأدب. ومات مع زوال الشمس في يوم الثلاثاء ثالث عشر ذي القعدة سنة أربع وسبعين وثلاثمائة (٨) في

стр. 881

بستانه بخليج بني وائل خارج مدينة مصر، وكان العزيز بالله مبرزا بعين شمس، فعاد إلى البستان وأقام به حتى فرغ من جهازه. وغسّله القاضي محمد بن النعمان وكفّنه في ستّين ثوبا. وأخرج من البستان مع المغرب وحمل بين يديه فصلّى عليه بالقرافة، وحمل إلى القصر فدفن به. [شيء من شعره]: وكان تميم فاضلا شاعرا ماهرا لطيفا ظريفا. وقال في كتاب «معاقرة الشراب»: إنّ تميما ركب في النيل متنزّها فمرّ ببعض طاقات الدور المشرفة على النيل وجارية تغنّي [الكامل]: نبّهت ندماني بدجلة موهنا ... والنجم في أفق السماء معلّق والبدر يضحك وجهه في وجهها ... والماء يرقص حولنا ويصفّق فاستحسن ذلك وطرب عليه وما زال يستعيده ويشرب عليه حتى انصرف وهو لا يعقل سكرا. فلمّا أصبح عارضه فقال [المتقارب] (١): شربنا على النيل لمّا بدا ... بموج يزيد ولا ينقص كأنّ تكاثف أمواجه ... معاطف جارية ترقص فأحسن ما شاء. وبلغ هذا الشعر عبد الله بن محمد الكاتب (٢)، فجمع شعراء إفريقيّة وأمرهم أن يقولوا في معناه فلم يأتوا بطائل. وقال [الخفيف]: وانجلى الغيم عن هلال تبدّى ... في يد الأفق مثل نصف سوار (٣) وقال [الخفيف]: وكأنّ الصباح في الأفق باز ... والدّجى بين مخلبيه غراب (٤) وكأنّ السماء لجّة بحر ... وكأنّ النجوم فيها حباب وقال [البسيط]: ناولتها شبه خدّيها مشعشعة ... بكرا كأنّ سناها ضوء مقباس تقبّلتها وقالت وهي ضاحكة ... وكيف تسقى خدود الناس للناس؟ (٥) ... قلت: اشربي، إنّها دمعي، وحمرتها ... دمي، وطابخها في الكأس أنفاسي قالت: إذا أنت من حيي بكيت دما ... فسقّنيها على العينين والرأس

стр. 882

يا ليلة بات فيها البدر معتنقي ... وباتت الشمس فيها بعض جلّاسي وبتّ مستغنيا بالثغر عن قدح ... وبالخدود عن التفّاح والآس (١) وقال [البسيط]: قالت وقد نالها للبين أوجعه ... والبين صعب على الأحباب موقعه اجعل يديك على قلبي فقد ضعفت ... قواه عن حمل ما فيه وأضلعه (٢) واعطف عليّ المطايا ساعة فعسى ... من شتّ شمل الهوى بالبين يجمعه (٣) كأنّني يوم ولّت حسرة وأسى ... غريق بحر يرى الشاطي ويمنعه وقال [الطويل]: إذا حان من شمس النهار غروب ... تذكّر مشتاق وحنّ غريب ... وما بلد الإنسان إلّا الذي له ... به سكن يشتاقه وحبيب ... ترى عندهم علم وإن شطّت النوى ... بأنّ لهم قلبي عليّ رقيب (٤) وقال [الكامل]: والله لولا أن يقال تغيّرا ... وسلا، وإن كان التسلّي أجدرا (٥) لأعدت تفّاح الخدود بنفسجا ... لثما وكافور الترائب عنبرا وقال [الكامل]: يوم لنا بالنيل مختصر ... ولكلّ وقت مسرّة قصر (٦) والسّفن تصعد كالخيول بنا ... فيه وحشد الماء منحدر (٧) وكأنّما أمواجه عكن ... وكأنّما داراته سرر وقال [البسيط]: أما ترى يومنا قد جاء بالعجب ... فما انتظارك باللذّات والطرب؟ والبدر في الأفق الغربيّ تحسبه ... قد مدّ جسرا على الشطّين من ذهب (٨) وقال [الطويل]: راتني وقد شبّهت بالورد خدّها ... فتاهت وقالت: قاس خدّي بالورد! كما قال إنّ الأقحوان كمبسمي ... وأنّ قضيب الآس يشبهه قدّي وحقّ صفا ماء النعيم بوجنتي ... وحسن الجبين والفاحم الجعد لئن عاد للتشبيه يوما حرمته ... لذيذ الكرى، لا بل أذوّقه فقدي! إذا كان هذا في البساتين عنده ... فقولوا له: لم جاء يطلبه عندي؟ (٩) وكان قد طال عهده بالاجتماع مع أخيه عقيل وعمّه حيدرة، فلمّا [٣٨٠ أ] التقوا في يوم عيد الفطر سنة إحدى وسبعين وثلاثمائة قال لهما في

стр. 883

بعض مخاطبته ارتجالا [الخفيف]: لم أفارقكما اختيارا، وهل تخ ... تار يمنى اليدين بعد الشمال؟ (١) حاش لله من قلى وصدود ... وسلو وجفوة وملال أنتما نور ناظريّ وهل في ال ... نّاس خلق لنور عينيه قال؟ أنتما حيثما حللت مقيما ... ن بقلبي وساكنان ببالي (٢) غير أنّ الزمان أبخل من أن ... يتمادى على إدامة حال شأنه نقض ما استتمّ من الأم ... - ر وإفساد ما انتهى من حلال فاعذرا من عذلتماه على البع ... د ولوما في البعد جور الليالي لا أهنّيكما بعيد لأنّ ال ... عيد نقص [لنا] من الآجال إنّما عيدنا العزيز الذي نل ... نا بنعماه منتهى الآمال كلّ يوم لنا بجدوى أبي المن ... نصور عيد مجدّد الإقبال ملك من بني الوصيّ عزيز ... نبويّ الهدي كريم النوال (٣) [إكرام أخيه نزار العزيز له]: وتنزّه أخوه أمير المؤمنين العزيز بالله إلى بركة الحبش يوما، فخرج إليه تميم راجلا حافيا حتى لقيه فسلّم عليه بالخلافة، وقال: يا أمير المؤمنينقد وجب على عبدك الضيافة، قال: نعم. ودخل معه إلى بستانه وقد أمر بجنيبة من الجنائب التي كانت بين يديه وأقسم على تميم أن يركبها ويسايره. فلمّا توسّطا البستان نظر إلى ثمر يلوح الذهب عليه فتعجّب منه واستطرفه ودنا من شجرة فأخذ منها ثمرة واحدة فقرأها، فإذا عليها مكتوب بالذهب [الوافر]: أنا الثمر الذي غذيت غصوني ... ببرد الماء في حرز حريز حسنت فليس يصلح أن يحيّى ... بأمثالي سوى الملك العزيز (٤) فجعلها في كمّه وقال: «هذه ضيافتي عندك»، وانصرف إلى قصره. فبعث إلى أبي جعفر بن مهذّب صاحب بيت المال فقال: «ما عندك من ضرب هذه السنة؟ » - وكان ذلك في أوّلها- فقال: «مائة ألف وسبعة وستّون ألفا». فأمره أن يحملها إلى الأمير تميم فحملت إليه من ساعته مع راشد العزيزيّ وقال له: أمير المؤمنين يقرأ عليك السلام، ويقول لك: «استعن بهذه على مروءتك» (٥)، فقبّل الأرض وبعث إليه من الغد قصيدة يمدحه فيها ويشكره. [عطفه على أهل الغناء]: ووصل إلى مصر فتى من أهل بغداد كانت له نعمة فزالت عنه، فنزل في بعض دور الكراء، وكان القيّم عليها رجلا فيه مروّة. فنظر إلى البغداديّ وهو لا يتصرّف في تجارة ولا غيرها، فسأله عن حاله ومقصده فقال: توفّي أبي وترك لي

стр. 884

نعمة طائلة، فأقبلت على القصف واللهو حتى أتيت عليها وأفضيت إلى بيع الديار والعقار. فلمّا لم أدع شيئا أرجع إليه، ولم تكن لي صنعة أتصرّف بها، رأيت أنّ مكابدة الفقر ومسألة الناس في غير بلد الإنسان الذي يعرف به أستر، فتحمّلت إلى هذه البلدة. قال: وما تعرف صنعة تعود عليك بقوتك؟ قال: لا، إلّا أنّي أغنّي بالعود غناء لا أحكمه ولا أرضاه. قال: فغنّ! فإن كان غناؤك ممّا ينفق ببلدنا أخذت جذرا (١) تنفق منه. وإن كان ممّا لا ينفق سترت على نفسك وتحمّلت قوتك ما بقيت وبقيت. وأحضر له عودا فغنّى غناء مقصّرا لو سأل عليه جذر درهم واحد لما وجده. فقال له: استر حالك، ويدك مع يدي فيما ملكت، وثوبك مع ثوبي. فأقام على ذلك مدّة من الزمان. ثمّ إنّ المصري قال للبغدادي: ويحك! قد سنح لي رأي، وو الله ما أشير به عليك لأنّي ضقت من مقامك. قال: اذكر رأيك. قال: تنظّف اليوم ثيابك، فإذا كان الغداة لبست وتطيّبت وتصدّيت لقاء الأمير تميم وعرّفته أنّك من وجوه أهل بغداد وأنّك كنت في نعمة فزالت عنك. وقل: [٣٣١ أ] «إنّي رفعت من بلدي قاصدا إليك ومعوّلا بعد الله عليك، وليست لي حرفة تعود عليّ، إلّا أنّي أغنّي غناء لا أحمده»، ونظرت إلى ما يكون منه وعدت إلى حالك عندي. ففعل البغداديّ ذلك ووافى الأمير تميما عند ركوبه فسلّم عليه وذكر له ما أوصاه به صاحبه. فالتفت إلى حسن الطّرّاز فقال له: احمل الرجل واحتفظ به، فإذا أنا عدت من قصر أمير المؤمنين، ذكّرتني به. فلمّا عاد إلى قصره واستقرّ به مجلسه وحضر ندماؤه دعا البغداديّ وكان عنده حسن بن الجزّاز وقسّام ونحرير وابن الحويلا (٢) وجماعة من كبراء المغنّين المذكورين بمصر. فلمّا أكلوا وشربوا غنّى القوم على مراتبهم حتى انتهوا إليه. فأمر الأمير بعوده فوضع في حجره فضرب وغنّى. فتغامز المغنّون وضحكوا منه، فغضب الأمير تميم وقال: «أبضيفي تستخفّون ومنه تضحكون؟ » فأطرق القوم إجلالا له ومهابة. فلمّا كان في آخر المجلس قال للبغداديّ: أين منزلك؟ قال: والله يا مولاي ما لي منزل، وما نزلت إلّا عند رجل حرّ تحمّل ضيافتي منذ وصلت إلى هذه البلدة، وأنا أتعرّض في كلّ يوم إلى رؤيتك فإذا أمكنتني قطعتني هيبتك. فدعا بحسن الطّرّاز قهرمانه، فقال له: احمل إلى حجرة هذا كفايتها من الفرش والآنية والأطعمة والأشربة. واحمل إليها جاريتين لفراشه وخادمين لخدمتها وابعثهنّ مع قلاوون الصقلبي وعرّفه أنّي وهبته له ومره بلزوم دهليزه. فلمّا خرج البغداديّ قرّبت إليه بغلة فارهة بسرج محلّى ومعه غلامان، ومشى به حسن حتى أنزله في الدار. فلمّا كان من غد وحضر الندماء، دعا به فجاء في ثياب نفيسة وبزّة حسنة. فلمّا طعموا وشربوا جاء حسن قهرمانه، فقال له: يا مولاي أنفذ فلان الوكيل على ضيعة كذا بثلاثة آلاف دينار.

стр. 885

قال: أحضرها! فجاء بها وفرّغها بين يديه، وقال: يا بغدادي، كيف تراها؟ قال: يا مولاي، هذا مال عظيم. قال: تطارحك عليّ وقصدك إليّ أعظم منه. ارفعه مباركا لك فيه. فأدرك المغنّين من حسده ما أحدّ مزاج حسن الطرّاز، فلم يخرج إلّا محموما، ف [ت]- خلّف أيّاما قليلة، وكان ذلك سبب موته. وما كان يمرّ له يوم من الأيّام إلّا أفاد فائدة جليلة، فبعث البغداديّ إلى صديقه المصريّ الذي دلّه على الأمير تميم، وقال له: هذه نعمتك وأنت سببها وأنسي (١) فيها. فقد كنت شركتني في مالك مبتدئا بالفضل، فو الله لا مددت يدي إلى حبّة فما فوقها إلّا من تحت نظرك. فبلغ ذلك الأمير تميما فاستحسنه، وكانا جميعا في خدمته حتى مات تميم. [عطفه على المحبّين]: [٣٣١ ب] وكان بمصر رجل موسر من أهل طرابلس يعرف بابن فرح له نعمة عريضة إلّا أنّه قبيح الوجه وحش الصورة. فمرّ يوما بدار ابن الشعيري النخّاس فرأى عنده جارية حلوة أديبة حاذقة للغناء فوقعت بنفسه، فخاطبه على ثمنها فوافقه على خمسمائة دينار. فلمّا علمت أنه أرادها امتنعت أشدّ الامتناع، فلم يصبر عنها لما خامره منها. فسأل أحد أصحابه فاشتراها ومضى بها إلى دار ابن فرح، وكانت في بعض الشوارع المسلوكة، فوجّه طعاما كثيرا وفاكهة وشرابا. فشمّرت الجارية عن ساعديها وأصلحت من ذلك ما يجب وعبّت الفاكهة ونضدتها وروّقت الشراب وجلست في انتظار مولاها في روشن (٢) ترى منه كلّ جاء وذاهب. فلمّا نظرت إليه وعرفته أظهرت به سرورا وقدّمت إليه طشتا فتوضّأ وغسلت بيديها وجهه ورجليه وقرّبت له الطعام فأكل وقد كاد أن يطير سرورا لما رأى من انشراحها. ثمّ شربت ثلاثا وسقته وتناولت العود فغنّت له كلّ شيء حسن. فما زالا في أطيب عيش وأنعم بال حتّى [إذا] كان ثلث الليل أقبل الأمير تميم في ذلك الشارع، وبين يديه مشاعل. فلمّا قرب منها ألقت العود وكسرته وألقت بنفسها إليه. فوقف وارتاع، وقال: ما هذا؟ . فقالت: «استجرت بالله وبالأمير». ثمّ قصّت حديثها كلّه. فدعا بمولاها، فلمّا نظر إليه عذرها وأمر بحملها [٣٣٢ ب] إلى قصره. فلمّا عاد إليه أحضرها ومولاها وقال له: يا هذا، ليس لك فيها مستمتع وقد كرهتك، فكم ثمنها؟ قال: خمسمائة دينار. فأمر بإحضار ألف دينار وقال له: هذه خير لك منها إن طبت عنها نفسا. فأخذ المال وأثنى وشكر وانصرف، فأمر بإيصاله إلى بيته. ونظر إلى غلام له تركيّ أمرد قيمته ألف دينار، فقال لها: «خير لك من مولاك»، وأعتقها وزوّجها منه. [تسريحه لجارية رغم تعلّقه الشديد بها]: وذكر محمد بن أبي نصر الحميدي (٣): نا أبو

стр. 886

محمد عليّ بن أحمد بن سعيد بن حزم (١) بن غالب الفارسيّ: نا أبو البركات محمد بن عبد الواحد الزبيريّ: حدّثني أبو علي حسن ابن الأسكريّ (٢) المصري قال: كنت من جلّاس تميم ابن أبي تميم وممّن يخفّ عليه جدّا (قال): فأرسل إلى بغداد فابتيعت له جارية رائقة فائقة الغناء، فلمّا وصلت إليه دعا جلساءه (قال) - وكنت فيهم-: ثمّ مدّت الستارة وأمرها فغنّت [الكامل]: وبدا له من بعد ما اندمل الهوى ... برق تألّق موهنا لمعانه يبدو كحاشية الرّداء ودونه ... صعب الذرى متمنّع أركانه وبدا لينظر كيف لاح فلم يطق ... نظرا إليه وصدّه سجّانه (٣) والنار ما اشتملت عليه ضلوعه ... والماء ما سحّت به أجفانه (قال): فأحسنت ما شاءت، وطرب تميم وكلّ من حضر، ثمّ غنّت [الطويل]: سيسليك عمّا فات دولة مفضل ... أوائله محمودة وأواخره ثنى الله عطفيه وألّف شخصه ... على البرّ مذ شدّت عليه مآزره (قال): فطرب تميم ومن حضر طربا شديدا. ثم غنّت [البسيط]: أستودع الله في بغداد لي قمرا ... بالكرخ من فلك الأزرار مطلعه (٤) فاشتدّ طرب تميم وأفرط جدّا. ثمّ قال لها: تمنّي ما شئت فلك مناك! فقالت: أتمنّى عافية الأمير وسعادته. فقال: والله لا بدّ لك أن تتمنّي! فقالت: على الوفاء أيّها الأمير بما أتمنّى؟ قال: نعم. قال: أتمنّى أن أغنّي هذه النوبة ببغداد. (قال): فامتقع لون تميم وتغيّر وجهه وتكدّر المجلس، وقام وقمنا. (قال ابن الأسكري): فلحقني بعض خدمه وقال لي: «ارجع فالأمير يدعوك! » فرجعت فوجدته جالسا ينتظرني. فسلّمت وقمت بين يديه، فقال: ويحك! أرأيت ما امتحنّا به؟ فقلت: نعم أيّها الأمير. فقال: لا بدّ لنا من الوفاء وما أثق في هذا بغيرك. فتأهّب لحملها إلى بغداد، فإذا غنّت هناك فاصرفها. فقلت: سمعا وطاعة. (قال): ثمّ قمت وتأهّبت. وأمرها بالتأهّب،

стр. 887

وأصحبها جارية له سوداء تعادلها وتخدمها. وأمر بناقة ومحمل (١) فأدخلت فيه وجعلها معي وسرت إلى مكّة مع القافلة فقضينا حجّنا. ثمّ دخلنا في قافلة العراق وسرنا. فلمّا وردنا القادسيّة أتتني السوداء عنها فقالت: تقول لك سيّدتي: أين نحن؟ فقلت لها: نحن نزول بالقادسيّة. فانصرفت وأخبرتها. فلم أنشب (٢) أن سمعت صوتها قد ارتفع بالغناء [الكامل]: لمّا وردنا القادس ... يّة حيث مجتمع الرفاق وشممت من أرض الحج ... از نسيم أنفاس العراق أيقنت لي ولمن أح ... بّ بجمع شمل واتّفاق وضحكت من فرح اللق ... اء كما بكيت من الفراق (٣) فتصايح الناس من أقطار القافلة: أعيدي بالله! أعيدي بالله! (قال): فما سمع لها كلمة. ثمّ نزلنا الياسريّة وبينها وبين بغداد نحو خمسة أميال [٣٣٣ ب] في بساتين ينزل الناس بها فيبيتون ليلتهم ثمّ يبكّرون لدخول بغداد. فلمّا كان قرب الصباح إذا بالسوداء قد أتتني مذعورة. فقلت: ما لك؟ قالت: إنّ سيّدتي ليست بحاضرة. فقلت: ويلك! وأين هي؟ قالت: والله ما أدري. (قال): فلم أحسّ لها أثرا البتّة. ودخلت بغداد وقضيت حوائجي بها وانصرفت إلى تميم فأخبرته خبرها فعظم ذلك عليه واغتمّ له. ثمّ ما زال بعد ذلك ذاكرا لها واجما عليها (٤). ١٠٢٨ - أبو الطاهر الباديسيّ [- ٥٦٥] [٣٣٣ ب] تميم بن المعزّ بن يعلى الباديسيّ، الفقيه أبو الطاهر، المالكيّ. يروي عن سند بن عنان الأزديّ. توفّي سنة خمس وستّين وخمسمائة. ١٠٢٩ - تكين الخاصّة [- ٣٢١] الأمير أبو منصور الخزريّ. ولي مصر من قبل

стр. 888

المقتدر بالله على صلاتها، فدعي له بها يوم الجمعة لإحدى عشرة خلت من شوّال سنة سبع وتسعين ومائتين. وقدمها يوم السبت لليلتين خلتا من ذي الحجّة، وتقدّم إليه بالجدّ في أمر المغرب والاحتراس منه، فعقد لأبي النّمر أحمد بن صالح على برقة فبعث معه بجيش فلقي حباسة بن يوسف فواقعه. ثمّ صرفه بخير المنصوريّ فقاتل حباسة خيرا وهزمه. وكتب تكين إلى المهديّ عبيد الله صاحب إفريقيّة كتابا على لسان أمير المؤمنين المقتدر بالله يدعوه فيه إلى الطاعة والتّمسّك بها. وجمع وجوه أهل مصر وقرئ عليهم وأنفذه إليهم (١)، وذلك في سنة ثلاثمائة. وخرج رجل بمدين (٢) يقال إنّه من آل أبي طالب. فبعث إليه تكين محمد بن طاهر صاحب الشرطة فأتى به وشهّره في رابع عشر شعبان منها. وأمر تكين في يوم نوروز أو المهرجان بجمع المؤنّثين (٣)، فأمرهم بإظهار المعازف والمزامير والطبول وشهّرهم في لباسهم وطافوا الفسطاط ومرّوا على الجامع العتيق، وذلك يوم الثلاثاء سابع ذي القعدة منها. وقدم عليه الخبر بدخول حباسة إلى الإسكندريّة في ثامن المحرّم سنة اثنتين وثلاثمائة، فبعث بالخبر إلى بغداد فقدمت الجيوش في العشرين من صفر مددا له. وقدم الحسين ابن أحمد الماذرائي وأبو بكر محمد بن عليّ الماذرائي (٤) من بغداد على الخراج بمصر في تاسع ربيع الأوّل [سنة ٣٠٢]، ومعهما أحمد بن كيغلع وأبو قابوس (٥) محمود بن حمك في جمع من القوّاد، فبعث تكين مقدّمته في الخامس من جمادى الأولى إلى الجيزة. وخرجت الجيوش يوم الاثنين تاسعه فعسكر بالجيزة. ونودي بالنفيربالفسطاط، وقابل حباسة يوم الخميس لثمان بقين منه، وهزمه وقتل رجاله. وتبعه طائفة من الناس فخرج عليهم كمين لحباسة قتل منهم عشرة آلاف، ومضى حباسة إلى المغرب. فقدم المظفّر مؤنس الخادم من بغداد للنصف من شهر رمضان ومعه جمع من الأمراء، فصرف تكين عن مصر يوم الخميس الرابع عشر من ذي القعدة سنة اثنتين وثلاثمائة وأخرجه في سابع ذي الحجّة [سنة ٣٠٢]. ثمّ ولي مصر ثانيا بعد موت ذكا الأعور (٦)، وتسلّم [له] خليفته (٧) حتى قدم، والعسكر بالجيزة، لقتال أبي القاسم ابن المهديّ صاحب إفريقيّة. فنزلها يوم الخميس لإحدى عشرة خلت من شعبان سنة سبع وثلاثمائة وحفر خندقا ثانيا.

стр. 889

وأقبلت مراكب إفريقيّة تريد الإسكندريّة، فبعث إلى ثمل الخادم فقدم بمراكب طرسوس فقاتل سليمان وهو على مراكب إفريقية وأسره وقتل أكثر من معه. وقدم بسليمان ومن بقي إلى تكين فقتلهم. وقدم المظفّر مؤنس الخادم من العراق مددا إلى تكين في المحرّم سنة ثمان وثلاثمائة، فعسكر معه بالجيزة وسارا بعسكريهما يوم الخميس لثماني عشرة خلت من صفر سنة سبع وثلاثمائة وملكا الفيّوم. فمضى أبو القاسم حتى بلغ برقة، ولم يكن لقاء. وعاد إلى الجيزة يوم السبت الرابع من ربيع الأوّل سنة تسع وثلاثمائة. فصرف مؤنس تكين عن مصر يوم الأحد لثلاث عشرة خلت من ربيع الأوّل بأبي قابوس محمود بن حمك ثمّ أعاده يوم الجمعة لخمس بقين من ربيع الأوّل، فأقام أربعة أيّام وصرفه عنها وأمره أن يسير إلى الشام، فخرج في أربعة آلاف من أهل الديوان، فقال ابن مهران [الوافر]: وليت ولاية وعزلت عنها ... كما قد كنت تعزل من تولّي رحمتك يا أبا منصور لمّا ... خرجت كذا بلا علم وطبل (١) ١٠٣٠ - تلك الحسنيّ [- ٧٥٣] (٢) [٣٢٦ أ] تلك الحسنيّ، الأمير سيف الدين الأرغونيّ، أحد مماليك الأمير آقوش الأفرم. ونسب إلى الأمير أرغون الدوادار النائب. ترقّى في الخدم حتى صار من جملة الأمراء. وأخرج على إمرة طبلخاناه بدمشق فقدمها في آخر شعبان سنة ثمان وأربعين. وعمل حاجبا ثانيا في نيابة الأمير أيتمش سنة خمسين، إلى أن طلب في خامس عشرين شعبان سنة اثنتين وخمسين، فعمل حاجبا صغيرا بالقاهرة. ثمّ عمل أمير أخور عوضا عن الأمير قردم (٣) في أواخر شهر ربيع الأوّل سنة ثلاث وخمسين وسبعمائة بإقطاعه، وهو حاجب. وخرج في الخدمة السلطانيّة إلى دمشق في نوبة بيبغا أروس. فمرض بها. وعاد فمات بغزّة في شوّال منها (٤). ١٠٣٠ م- تلك الشحنة [- ٧٥٧] (٥) [٣٢٦ أ] الأمير سيف الدين.

стр. 890

أخرج إلى دمشق على إقطاع أمير مسعود [بدر الدين ابن الخطير في سنة خمسين وسبعمائة]، وكان أكبر أمرائها. ثم طلب [إلى الباب الشريف صحبة سيف الدين منكلي بغا السلحدار] على إقطاع الأمير قردم بعد إخراجه إلى دمشق في عشرين ربيع الأوّل سنة ثلاث وخمسين [وسبعمائة]. توفّي في أوائل صفر سنة سبع وخمسين وسبعمائة. ١٠٣١ - ابن الحنبليّ الواعظ [- ٦٢٠] (١) [٣٢٦ ب] تمّام بن عبد الهادي بن أبي البركات عبد الوهاب بن أبي الفتوح (٢) عبد الواحد بن محمد بن عليّ، الأنصاريّ [الخزرجيّ السعديّ العبّاديّ] الواعظ، أبو القاسم، حسام الدين، الشيرازيّ الأصل، الدمشقيّ، الحنبليّ. سمع من السلفيّ وحدّث عنه. ومات بمصر في [الخامس من] ذي الحجّة سنة عشرين وستّمائة. ١٠٣٢ - تمر الساقي [- ٧٤٣] (٣) [٣٢٧ أ] تمر الساقي، الأمير سيف الدين المنصوريّ، أحد المماليك المنصوريّة قلاوون. تنقّل في الخدم إلى أن صار من جملة الأمراء. وولي نيابة حمص بعد موت بلبان الجوكندار في ذي الحجّة سنة ستّ وسبعمائة. ثمّ صرف عنها، وأقام بدمشق من جملة أمرائها. فلمّا تسحّب الأمير جمال الدين آقوش الأفرم هو وقرا سنقر نائب حلب إلى خربندا رسم لتمر هذا بنيابة طرابلس عوضا عن الأفرم، وأرسل إليه التقليد، وكتب إليه أنّه إذا مرّ بحمص وخرج نائبها بيبرس العلميّ إلى لقائه، يقبض عليه ويحمله إلى دمشق. فسار تمر من دمشق في ربيع الأوّل سنة اثنتي عشرة وسبعمائة ونزل على حمص، فوجد الأمير بكتوت القرمانيّ شادّ الدواوين بدمشق قد عاد من كشف القلاع. وأقام على حمص، فخرج بيبرس العلميّ إلى لقاء تمر على العادة ونزلا. فللحال أحاط به تمر والقرمانيّ وقبضا عليه، وسار به القرمانيّ إلى دمشق. وتوجّه تمر إلى طرابلس وأقام على نيابتها. وقبض عليه في ربيع الآخر سنة خمس عشرة، وسجن بالكرك، ثمّ نقل إلى مصر. واستقرّ عوضه في نيابة طرابلس الأمير سيف الدين كوستاي الناصريّ وحمل إلى ثغر الإسكندريّة فسجن بها. ثمّ أحضر في ثامن عشر رجب سنة سبع وعشرين لمّا كاتب فيه أهل الإسكندرية، وسيّر هو والأمير بكتمر البوبكريّ إلى الكرك. ثمّ سجن مدّة سنين (٤) وأفرج عنه في رجب سنة خمس وثلاثين [وسبعمائة]، وأمّر على إمرة طبلخاناه بالشام [ ... ] فاستمرّ إلى أن مات بها سنة ثلاث وأربعين. ١٠٣٣ - تمربغا المنصوريّ [- ٦٩٨] (٥) [٣٢٧ ب] تمربغا المنصوريّ [٣٨٤ ب] [الأمير

стр. 891

سيف الدين]. كان رفيق الناصر محمد [بن قلاوون] لمّا خلع في المرّة الأولى من السلطنة ونقل إلى الكرك. فأقام معه مدّة. ثمّ نقل إلى طرابلس فمات بها في سنة ثمان وتسعين. وكان جميل الصورة كثير الأدب مقبلا على اللهو. وله مسجد بالقرب من الميدان الكبير. ١٠٣٤ - تنكز الحساميّ نائب الشام [- ٧٤١] (١) [٣٣٤ أ] تنكز الحساميّ، الأمير سيف الدين، أبو سعيد، نائب السلطنة بالشام. [جلبه إلى مصر]: جلب إلى مصر صغيرا مع الخواجا علاء الدين [ ... ] السيواسيّ، فاشتراه الأمير حسام الدين لاجين قبل سلطنته. فلمّا تسلطن وقتل انتقل تنكز إلى الملك الناصر محمد بن قلاوون، وصار من جملة خاصّكيّته، وشهد معه واقعة وادي الخزندار، ثمّ وقعة شقحب، وأنعم عليه بإمرة عشرة. ثمّ خرج معه إلى الكرك. فلمّا عاد إلى السلطنة مرّة ثالثة بعد فرار الملك المظفّر بيبرس أنعم عليه بإمرة في يوم السبت خامس عشرين شوّال سنة تسع وسبعمائة مع جماعة من المماليك، عدّتهم اثنان وثلاثون مملوكا، أنعم عليهم الجميع في هذا اليوم بإمرتات ما بين طبلخاناه وعشرات، وركبوا بالشرابيش من قلعة الجبل وشقّوا القاهرة من باب زويلة إلى القبّة المنصوريّة بين القصرين ليحلفوا كما كانت العادة، واشتعلت لهم الشموع والقناديل في سائر طرقاتهم، وأوقفت لهم أرباب الملاهي في عدّة مواضع، وكان يوما مشهودا. ثمّ نقله من إمرة العشرة إلى الطبلخاناه، ثمّ إلى التقدمة وألزمه هو وسودي بملازمة الأمير أرغون النائب ليتعلّما منه الأحكام، فبقيا يلازمانه كلّ يوم مدّة سنة. [تولّيه نيابة دمشق]: فلمّا استدعى الأمير جمال الدين آقوش الأشرفيّ، المعروف ب «نائب الكرك» إلى مصر، وحضر إليه، ولّى تنكز عوضه نيابة دمشق يوم السبت مستهلّ شهر ربيع الآخر سنة اثنتي عشرة وسبعمائة. وخشي أنّه لا ينهض بأعباء نيابة دمشق فشرك معه الأمير سيف الدين الحاج أرقطاي، والأمير حسام الدين طرنطاي البجمقدار (٢)، وتقدّم إليه أن لا يستبدّ بأمر دونهما ولا ينفرد برأي ولا تدبير ولا كتابة مطالعة عنهما. وسيّره وهما معه على البريد في يوم الجمعة سابعه. فوصلوا دمشق في يوم الخميس عشرينه. فلمّا جلس بدار السعادة وحضره الأمراء والقضاة وأهل الدولة على العادة، قام علاء الدين أبو الحسن علي بن محمد بن سلمان بن غانم الموقّع وأنشد [الكامل]: بشّر دمشق [ ... ] بوجوده ... فيها ومن ظهرت دلائل جوده إذ جاءها الرحمن منه برحمة ... وسمت جميع الأرض عند وروده

стр. 892

ويمين طلعته وطالعه الذي ... شرقت علينا نيّرات سعوده طابت دمشق لأهلها وجميع من ... فيها بما سكنت لخفق بنوده كم في المغاني من معان أطربت ... فرحا بمقدمه ويمن وروده وتناثرت ورد الحباء حيا له ... لمّا جنينا الدرّ من تقليده [و] كأنّ غداة قدومه لسروره ... حقّا يرى ذاك النهار كعيده فشكره على ذلك. وركب الموكب على العادة في تجمّل عظيم، وجلس وأرقطاي إلى جانبه، وقرئت القصص عليهما. وأقام تنكز حرمة وافرة، فهابه أمراء [٣٣٤ ب] دمشق وخشوا عاقبته. [تأميره على كافّة أمراء الشام]: فلمّا راك السلطان البلاد الشاميّة في سنة ثلاث عشرة، زاد إقطاع النيابة عن عادته. ورسم أن تكون كتب نوّاب بلاد الشام كحلب وحماة وطرابلس وصفد وغيرها ترد على تنكز بما عادته أن ترد على السلطان، ويكاتب السلطان بما تشتمل عليه ويجاوبه عنها. وبقي أمر البلاد الشاميّة كلّها لا يخرج منه شيء عنه. وخرج أوّل المحرّم سنة خمس عشرة بعساكر مصر والشام، ومعه القضاة، وهو بزيّ الملوك من العصائب السلطانيّة والكوسات- ولم يفعل ذلك نائب قبله- وجرّ ثلاثة وثمانين نجيبا من الخيل، وسار وفي إثره عسكر صفد وحماة وطرابلس إلى حلب. وتنكّر على الملك المؤيّد عماد الدين إسماعيل صاحب حماة من أجل أنّه لم يتلقّاه (١) من بعد، وأبى أن يأكل طعامه، وأعرض عنه. فلمّا نزل حلب جرّد منها عسكرا إلى ملطية، وكان في ظنّ كلّ أحد أن العساكر متوجّهة إلى سيس. ثمّ سار في إثره ونازل ملطية يوم الثلاثاء ثالث عشرين المحرّم حتى تسلّمها من أهلها. فأقرّ كلّ أحد على ما هو عليه، وقبض على مندوه الكرديّ متولّي الخراج. ونهب العسكر المدينة فقام تنكز وأخرجهم. ورحل بمال كثير وأسرى متعدّدة وعاد إلى دمشق في سادس عشر ربيع الأوّل، وقد قاسى الأمراء منه ما لا يوصف من الجنف (٢) والترفّع، بحيث كان إذا ركب يترجّل سائر الأمراء وتمشي في خدمته، حتى البوبكريّ، إلى أن ينزل. [جامع تنكز بدمشق]: فلمّا كانت سنة ثماني عشرة أنشأ بالشرف القبليّ خارج دمشق جامعا في غاية الحسن، وهدم أماكن كثيرة استجدّت في أسواق دمشق كانت قد ضيّقت الطرقات من باب جسر الحديد إلى باب الفراديس، وفي سوق الخيل أيضا حتى ذهبت عن آخرها، وكانت شيئا كثيرا، فلم يتجاسر أحد على الكلام فيها. وحجّ سنة إحدى وعشرين، واستخلف عنه الأمير بيبرس الحاجب إلى أن عاد. ثمّ قدم إلى مصر يوم الأربعاء تاسع عشر شهر رجب بعد الاستئذان، فأكرمه السلطان وقرّبه، ورسم لسائر الأمراء أن تحمل إليه التقادم والهدايا، فلم يبق أحد منهم حتى بالغ فيما يحمله إليه، وبلغت قيمة ما جاءه منالتقادم ثمانين ألف دينار، منها مبلغ أربعة آلاف دينار حملت إليه من السلطان، ونحو عشرة آلاف دينار من كريم الدين ناظر الخاصّ. وبلغت عدّة السلاسل الذهب والفضّة التي [٣٣٥ أ]

стр. 893

حضرت إليه في الخيل أربعين سلسلة. ورسم أن تكون الخلع التي يخلعها على من يحضر من مماليك الأمراء إليه بالتقادم من الخزانة السلطانيّة. فأقام بقلعة الجبل خمسة أيّام، وسار عائدا إلى دمشق على البريد يوم الاثنين رابع عشرينه. فقدمها في يوم الاثنين أوّل شعبان، وكان يوما مشهودا. وأضاف إليه السلطان الكلام في أمر سيس، ومنع الأمير الطنبغا نائب حلب من ذلك في سنة أربع وعشرين، فابتدأت العداوة بينهما. وقدم إلى مصر باستدعاء في عاشر شهر ربيع الأوّل سنة خمس وعشرين، فأقام أيّاما، وعاد بإنعام جزيل. وقدم في سنة سبع وعشرين باستدعاء، فبالغ السلطان في إكرامه، وأنزله بدار الأمير بكتمر الساقي، وكان السلطان قد خرج إلى لقائه بسرياقوس. وأشار السلطان بأن يزوّج ابنته من الأمير أحمد بن بكتمر الساقي، فعقد لها عليه وجهّزها جهازا عظيما، وكان من جملته دائر بيت فيه مبلغ ستّين ألف مثقال من الذهب. وألبسه السلطان تشريفا كاملا، بلغ مصروف القبا الفوقانيّ خاصّة مبلغ أربعة وخمسين ألف درهم فضّة. [منشآته العمرانيّة بالشام]: وعاد إلى دمشق فنظر في أوقاف الجوامع والمساجد والخوانك والزوايا والربط والمدارس، ومنع أن يصرف لأحد من أرباب معاليمها شيء حتى يرمّ شعثها، فعمرت كلّها أحسن عمارة. ونظر في مقاسم المياه التي تتفرّق في الدور، فكسح ما اجتمع فيها من الأوساخ، وفتح منافذ كانت استدّت وصار الوخم يعتاد أهل دمشق في كلّ سنة بسببها، فتفشو بها الأمراض في الناس لما يخالط المياه. فزال ذلك كلّه وسرّ الناس سرورا كبيرا، وكثر الدّعاء له والثناء عليه. وبلغ المصروف على ذلك ثلاثمائة ألف درهم. وبلغه قلّة الماء بمدينة القدس، فأخرج بعض ثقاته بمال ليجري إليها عينا، وكتب إلى ولاة الأعمال بإخراج الرجال للعمل، فأقاموا سنة في عملها حتى دخلت القدس. وبنى بها مصنعا سعته مائة ذراع (١)، فعظم نفع أهل القدس بها. وعمّر لهم بها حمّاما وخانكاه وقيساريّة، فكثر الناس بالقدس في أيّامه. وقدم إلى بيروت تجّار الفرنج بمائة وأربعين أسيرا مسلمين اشتروهم ممّن أسرهم ليبيعوهم. وكان قاضي القضاة جلا [ل] الدين محمد بن عبد الرحمن القزوينيّ قد قرّر معهم أن يفيدهم في الأسرى عشرين درهما المائة تكون ربحا على رأس المال. ففعل ذلك تنكز بعد ما حلف تجّار الفرنج أنّهم اشتروهم بكذا، وأعطاهم المال. وكسا الأسرى وزوّدهم وبعث بهم إلى السلطان فعظم سرور الناس بهم، وأعلنوا بالدعاء له. [تطهير دمشق من الكلاب]: وأمر شهاب الدين بن برق والي مدينة دمشق ووالي البرّ بجمع الكلاب [٣٣٥ ب] كلّها من جميع الجهات، وألزم التجّار والباعة بإحضارها وإلقائها في خندق المدينة، وبنى حائطا يحجز بين ذكورها وإناثها. فصار الناس يأتون بالكلاب من النواحي إلى تحت الطارمة (٢)، ومعهم الطبول والزمور وهم في ضجيج حتّى يلقوهم إلى الخندق، وقد خرج النساء والصبيان وعامّة الناس لرؤيتها،

стр. 894

وأكثروا من إلقاء المأكل لهم. فاستمرّ الناس في جمع الكلاب نحو شهر حتى امتلأ بهم الخندق وشنع عوارهم، فقال الشعراء في ذلك وأكثروا. ثمّ قدم على السلطان في محرّم سنة ثلاثين، فأنعم عليه بمائة ألف درهم من مال مصر، وكتب له من مال دمشق بمائة ألف أخرى، وعاد في رابع عشره. ثمّ قدم في سادس جمادى الآخرة سنة إحدى وثلاثين، وصحبته الأمير أرقطاي نائب صفد، فأكرما وأعيدا إلى محلّ ولاياتهما. وقدم في سنة اثنتين وثلاثين لحضور عرس الأمير آنوك ابن السلطان، فلمّا انقضى عاد إلى دمشق. وقدم في صفر سنة ثلاث وثلاثين لهناء السلطان بعوده من الحجّ سالما. وكتب له تقليد بإضافة غزّة إليه. فبلغ إنعام السلطان عليه في هذه النوبة ألف ألف درهم وخمسين ألف درهم سوى الخيل، والسروج، وما له على الشام من عين وغلّة وأغنام. واشتملت أوراق كلفته على ثلاث وعشرين قائمة بما يحتاج إليه، ومن جملته طبلاباز (١) ذهبا صرفا زنتهما ألف مثقال، والقباء الذي يلبسه عند سفره يتقوّم على السلطان بألفي دينار مصريّة فيه ألف وخمسمائة دينار. [تكرّر قدومه إلى مصر]: وقدم في محرّم سنة أربع وثلاثين، فأنعم عليه بمائة ألف درهم. وقدم في سنة ثمان وثلاثين (٢)، فخرج السلطان إلى سرياقوس يريد لقاءه. وبعث إليه أوّلا قوصون بالإقامات، فعمل له سماطا جليلا. ثمّ بعث بأولاده عند ما قرب، وركب في إثرهم. فلمّا قرب ترجّل له السلطان، فترجّلت الأمراء وألقى تنكز بنفسه عن الفرس إلى الأرض، وأسرع في جريه وهو يقبّل الأرض ويقوم وقد دهش، حتى انكبّ على قدمي السلطان يقبّلهما. فأمسك رأسه بيديه وأمره أن يركب، فركب وساير السلطان حتى نزل، فأنعم عليه. وأقام أيّاما وعاد. [إكرام الناصر ابن قلاوون له]: وقدم في سنة تسع وثلاثين ومعه أولاده، فركب السلطان إلى لقائه، ومعه أولاده، إلى بئر البيضاء. فلمّا قاربه ترجّل له وقبّل رأسه وضمّه إليه بعد ما كان يجيء إليه أمير بعد أمير ويسلّم عليه ويبوس يده وركبتيه راجلا على قدميه، وهو راكب فرسه، وبعد ما خرج إليه الأمير قوصون إلى الصالحيّة بالإقامات. ثمّ سار به السلطان، وقد بالغ في إكرامه، وأنزله بالقلعة على العادة. ثمّ نزل إلى داره التي بخطّ الكافوريّ من القاهرة، وهيّأ تقادم للسلطان والأمراء على قدر منازلهم وحملها إليهم من الغد، فكانت شيئا يجلّ عن الوصف، بلغت قيمتها مائتي ألف دينار وعشرين ألف دينار، ومثلها جوهر بثلاثين ألف دينار، وزركش بعشرين ألف دينار. فأكرمه السلطان بأن أخذ يده في يده وعبر به إلى الدور حتى خرجت إليه ابنته فقبّلت يده. ثم خرجت بنات السلطان جميعهنّ، فصار السلطان يقول لكلّ واحدة منهنّ: بوسي يد عمّك! - فتتقدّم وتقبّل يد تنكز. ثمّ عيّن اثنتين

стр. 895

منهنّ لولدي تنكز، فقبّل تنكز الأرض. وخرج هو والسلطان وسار معه إلى الصيد نحو بلاد الصعيد، فبالغ [٣٣٦ أ] السلطان مبالغة زائدة في إكرامه واحترامه، بحيث إنّه جاء إليه وقدّامه من الأمراء ملكتمر الحجازيّ، ويلبغا اليحيويّ، والطنبغا المارديني، وآقسنقر وآخر [ون]، على يد كلّ منهم طير من الجوارح، فقال له: يا أمير، أنا أمير شكارك، وهؤلاء بازداريتك، وهذه طيورك! فأراد أن ينزل عن فرسه ويقبّل الأرض فمنعه. وكان لتنكز مملوك قد شغف به يقال له جنغيه، فصار السلطان يستدعيه عند ما تنتظم الحلقة ويناوله السنقر (١) من يده ليرمي به على الصيد، ثم يسير ومعه تنكز حتى يرمي جنغيه الصيد بسنقر السلطان، هذا وتنكز، كلّما فعل السلطان ذلك، نزل وقبّل الأرض واستعفى من فعل هذا مع جنغيه، إلى أن أعفاه. فلمّا قدم السلطان من صيده، تقدّم إلى النشو بتجهيز مال لمهر ابني تنكز ولتجهيزه للسفر. فحمل له أربعة عشر ألف دينار عين، منها برسم المهر ألفان، وبرسم تسفير تنكز اثنا (٢) عشر ألفا. وعقد لابنتيه على ابني تنكز في بيت الأمير قوصون. فلمّا ولدت ابنة تنكز من السلطان جاءت بابنة. وعند ما قدم البشير بولادتها، وتنكز عند السلطان، قام على قدميه وقبل الأرض، ثمّ سجد لله شكرا وقال: يا مولانا السلطان، كنت أتمنّى أن تأتي بأنثى، فإنّها لو وضعت ذكرا [ل]- خشيت من كمال السعادة. فإنّ السلطان تصدّق عليّ في هذا المهمّ وجبرني حتى غمرني بصدقاته. ثمّ أخذ السلطان في تعبئة ما جرت به العادة من الإنعام على تنكز، وضاعف له في الخيل وتعابي القماش وغيرها، وأحضر ذلك بين يديه واختار منه الأحسن وبعث به إليه. فبلغ ما صرف على تنكز من الخزانة وغيرها نحو المائة ألف وخمسين ألف دينار عينا. وكان راتبه كلّ يوم أربعة آلاف درهم. [تفويض حكم الشام إليه مطلقا]: ثمّ سافر بعد ما أقام في هذه النوبة بمصر شهرين، وقد كتب له تقليد بتفويض الحكم في جميع مملكة الشام، وأنّ النوّاب بأسرها تكاتبه بما يكاتب به السلطان، ويكون هو الذي يكاتب السلطان بمهمّاتهم. وأنعم على مغنّية قدمت معه بعشرة آلاف دينار، سوى ثلاث بدلات زركش وثلاثين تعبئة قماش، وأربعة مقانع (٣) وخمسمائة دينار من الحريم. وكانت مكاتبة السلطان له: أعزّ الله أنصار الجناب- فكتب له: «أعزّ الله أنصار المقرّ الكريم العالي الأميري». وزيد في ألقابه: الأتابكي، الزاهديّ، العابديّ. وفي نعوته: «معزّ الإسلام والمسلمين، سيّد الأمراء في العالمين». ولم يكتب ذلك في الدولة التركيّة لأحد سواه. فقدم تنكز دمشق وسرّ الناس بقدومه. ثمّ سار منها بالعسكر فمرّ على حماه ونزل عند المؤيّد، وخلع عليه. ثمّ مضى إلى حلب وتوجّه إلى بلاد سيس. فبعث إليه تكفور بتقادم وطلب الهدنة، فهادنه. وكشف ما أنعم [٣٣٦ ب] به السلطان عليه من تلك البلاد وعمّرها وعاد.

стр. 896

[تغيّر الناصر عليه]: فلمّا أراد الله انقضاء أيّامه غيّر قلب السلطان عليه حتى قتله. وسبب ذلك أنّ حسن بن دامرداش كان قد أهمّه أمر تنكز وخافه. فيقال إنّه بلغ السلطان عنه أنّه قصد الحضور إليه إلى بلاد الروم، وأنّه يخامر عليه. واتّفق مع ذلك أنّه وقع حريق بدمشق في ليلة السادس والعشرين من شوّال سنة أربعين [وسبعمائة]، استمرّ يومين بلياليهما حتّى طغى، ثمّ وقع حريق ثان في ليلة سلخه أشدّ من الأوّل مكث يومين وليلتين تلف فيه من الحوانيت والأمتعة شيء عظيم جدّا. فعثر على أنّه من فعل طائفة من النصارى. فقبض عليهم تنكز وأحاط بأموالهم، فأفتى الفقهاء بقتلهم فسمّرهم ووسّطهم. وكتب يعلم السلطانبذلك ويستأذنه أن يصرف أموالهم في عمارة ما خرّب من أوقاف الجامع الأمويّ. فشقّ قتلهم على السلطان وعتبه في مكاتبته على قتلهم، وأنّه قد جرّ على من بالقسطنطينيّة وغيرها تحت يد الفرنج من المسلمين بقتل هؤلاء بلاء عظيما، ويأمره بحمل مالهم إلى الخزانة السلطانيّة (١)، ويعلمه أنّ الأمير بشتاك والأمير يلبغا اليحيويّ وعشرين أميرا من الخاصّكيّة يحضرون ببنتي السلطان حتى يعمل مهمّ دخول ولديه عليهما. وكان قد شرع في عمارة ما خرب في الحريق من أوقاف الجامع، وإنفاق مال النصارى عليه. فلمّا قرأ كتاب السلطان استوحش منه، فإنّه [منذ] ولي الشام لم ينكر عليه شيئا فعله. وأخذ يعمل فكره في ذلك حتى قوي عنده أنّ السلطان قد ملّه وتغيّر عليه. وكتب يعتذر عن قتل النصارى ويتلطّف في الاعتذار، ويسأل المهلة في عمل المهمّ، وأنّه قد أنفق المال في عمارة ما احترق. وبعث به قرمجي الحاجب ووصّاه أن يكشف له عن حاله. فوجد قرمجي السلطان وقد تغيّر عمّا يعهده في حقّ تنكز. فاستحال مع السلطان ووشى بتنكز وعرّفه أنه قد خاف وبعثه لكشف أحواله. فرتّبه السلطان جاسوسا له على تنكز وعينا يحصي عليه جميع ما يتحرّك فيه، ووعده أن يعمله حاجبا بمصر. فعاد قرمجي إلى تنكز وملأ قلبه خوفا، فأخذ في تدبير أمره. وأخذ السلطان في العمل عليه أيضا، وبعث طاجار الدوادار في صورة أنّه يعتب تنكز على تأخير عمل المهمّ، وحمّله ملطّفات لقرمجي وغيره بمطالعة السلطان بما عزم عليه تنكز. وكان تنكز قد عوّل على حمل ماله إلى قلعة جعبر وأنّه يخرج كأنّه يتصيّد حتّى يصل إليها. فعبّأ ماله وسلاحه وبعث إلى جعبر وأمر العسكر بالتهيّؤ للصيد. [تجسّس السلطان عليه]: هذا وقد اشتهر بدمشق تغيّر السلطان عليه، وهو يفضي بأسراره لقرمجي ثقة به ولا يعلم أنّه قد صار عينا عليه للسلطان. [٣٣٧ أ] فلمّا قدم طاجار إلى ظاهر دمشق، بعث تنكز من يتلقّاه ويمنعه من إيصال ملطف لأحد، فصار معه إلى أن دخل عليه وبلّغه ما جاء به. وجرت بينهما مفاوضة حفظ عليه فيها طاجار سقطة: وهي أنّه لمّا قال له طاجار: السلطان حلف لك، قال تنكز: ولمن حلف وصدق حتى يصدق

стр. 897

لي؟ قم، اخرج من وجهي! فقام وركب من فوره البريد. فبعث قرمجي يعرّف السلطان بأن يستدرك أمره، فإنّ الرجل قد جهّز [ر] حاله، ومتى لم تبادره فاتك. وعرف تنكز أنّ طاجار ولا بدّ يبلّغ السلطان مقالته. فعزم على أن يخرج إلى المرج بالعسكر كأنّه يتصيّد، ثمّ بعد يومين يقتل الأمير قطلوبغا الفخري ويسير إلى الشرق أو بلاد الروم. فقدم طاجار بعد غيبته سبعة أيّام ليلا وعرّف السلطان الخبر بنصّه. فطلب الأمير بشتاك وأطلعه على خبر طاجار، وبعثه إلى الأمير بيبرس الأحمديّ، والأمير جنكلي بن البابا، والأمير أرقطاي، والأمير طقزدمر، وغيره. فلمّا صاروا بين يدي السلطان، عرّفهم خروج تنكز عن الطاعة، وعدّد له ذنوبا كثيرة، وقرّر معهم خروج تجريدة لقبضه. وعيّن من الأمراء جنكلي بن البابا، وأرقطاي، وبشتاك، وأرنبغا أمير جندار (١)، وقماري أمير شكار، وقماري أخا بكتمر الساقي، وبرسبغا الحاجب، وصحبتهم ثلاثون أمير طبلخاناه، وعشرون أمير عشرة، وثلاثمائة من مماليك السلطان. وأنفق ألف دينار (٢) في كلّ أمير مائة، وفي كلّ أمير طبلخاناه أربعمائة دينار، ولكلّ مملوك خمسمائة درهم. وكتب إلى جميع العربان بأخذ الطرقات على تنكز. وأركب بهادر حلاوة البريد إلى الطنبغا نائب غزّة، وطشتمر نائب صفد، وعلى يده ملطفات، بتوجّه طشتمر إلى دمشق وقبضه على تنكز. ثمّ بعد ذلك يعبر دمشق متنكّرا إلى قطلوبغا الفخري وقرمجي والأمراء، ويعرّفهم أن يكونوا على تعبئة حتى يأتيهم العسكر. وإن قدروا على أخذ تنكز فقبضوه، وإلّا فيعوّقو [ن] هـ عن التوجّه. [القبض على تنكز]: وكثر وهم السلطان وزاد قلقه وتنغّص عيشه. وأخرج العسكر يوم الثلاثاء [ ... ] عشرين ذي الحجّة [سنة ٧٤٠]. فلمّا عبر [بهادر] حلاوة دمشق أوصل الملطفات [٢٨٧ أ] لأصحابها ليلا. وأصبح (٣)، وقد ركب تنكز إلى خارج دمشق وأقام في قصره بالقطائع (٤)، وإذا بطشتمر نائب صفد قد ركب منها يريد دمشق. فلمّا بلغه قربه منه عاد إلى دار السعادة. فبادر أمراء دمشق وركبوا بالسلاح وغلّقوا باب النصر وغيره من الأبواب وأحاطوا به. فوافاهم نائب صفد وقت الظهر بعد ما وصل دواداره بكرة النهار واتّفق مع الأمراء. فدخل تمر الساقي، وطرنطاي البشمقدار، وبيبرس السلاح دار على [٣٣٧ ب] تنكز وأخرجوه إلى ميدان الحصا، وقيّدوه، في يوم الثلاثاء ثالث عشرين ذي الحجّة [سنة ٧٤٠] خلف مسجد القدم. فأقامه الحدّاد وأقعده أربع مرّات، والناس قد وقفوا لرؤيته، فسبحان مزيل النعم! (٥). وكان الذي تولّى تقييده بيده فرنجيّ [ا]. وساروا به وقت العصر. فحدث له بمنزلة الكسوة إسهال ورعدة حتى أشفى على الموت. وتقدّم حلاوة بالبشارة فقدم بلبيس والعسكر عليها، فعرّف بشتاك بقبض تنكز. ووصل إلى السلطان

стр. 898

فسرّ بمسك تنكز سرورا زائدا. وكتب بعود جماعة من العسكر، وأن يسير بشتاك وأرقطاي وبرسبغا إلى دمشق، وأن يقيم بيغرا أمير جندار وقماري على الصالحيّة حتى يحضر تنكز. [قتله بالإسكندريّة]: فقدم في يوم الثلاثاء عاشر المحرّم سنة إحدى وأربعين صحبة الأمير بيبرس السلاح دار، وطلع إلى القلعة نهارا، وسجن في موضع ضيّق، ثمّ أخرج ليلا إلى الإسكندريّة، وقتل بها في يوم الثلاثاء خامس عشر المحرّم سنة إحدى وأربعين وسبعمائة، على يد إبراهيم بن صابر مقدّم الدولة. وصلّى عليه الناس ودفن بمقبرة الإسكندريّة. ثمّ نقل منها إلى دمشق فدفن بتربته إلى جانب جامعه في أوائل رجب سنة أربع وأربعين وسبعمائة. [اشتغاله بالحديث]: وكان قد سمع في نيابته غير مرّة صحيح البخاري على الحجّار، وسمع كتاب الآثار للطحاويّ، وسمع صحيح مسلم، وروى عن عيسى المطعم، وأبي بكر بن عبد الدائم، وحدّث بثلاثيّات البخاري في المدينة النبويّة. [علوّ شأنه عند السلطان وعند الشاميّين]: وعظم شأنه في نيابة دمشق وهابه الأمراء والنوّاب، وأمن الرعايا به فلم يقدر في أيّامه أمير ولا متجوّه (١) أن يظلم ذمّيّا فضلا عن مسلم، لخوفهم من بطشه وشدّة انتقامه. وما زال في ارتقاء وعلوّ درجة وإقطاعه يتضاعف وأنعامه تزداد وعوائده من الخيل والقماش والطيور والجوارح تنمو كثرة. وكان السلطان لا يفعل في أكثر الأوقات شيئا حتى يبعث يستشيره. وقلّما كتب هو في شيء إلى السلطان فردّه، بل كان إذا قرّر بدمشق إمرة أو نيابة أو وظيفة قضاء ونحوه أو إقطاعا، أمضى السلطان ما قرّره وبعث بتوقيعه أو منشوره. ولم يسمع قطّ عنه أنّه أخرج إقطاعا ولا إمرة ولا وظيفة- جلّت أو قلّت- فأخذ عليها رشى، بل كان عفيف اليد والفرج. وبلغ من أمره أن أمراء مصر الخاصكيّة كانت تخافه، وأنّ السلطان قال مرّة للأمير سيف الدين قرمشي الحاجب: يا قرمشي، لي ثلاثون سنة وأنا أحاول من الناس أن يفهموا عنّي ما أرومه في حقّ الأمير تنكز، ولم يفهم الناس عنّي ذلك. وناموس الملك يمنع من قولي ذلك بلساني: وهو أنّي لا أقضي حاجة لأحد إلّا على لسانه أو بشفاعته- ودعا له بطول العمر. فلمّا بلغ تنكز ذلك قال: بل أموت في حياة السلطان! - فلمّا أنهى ذلك الأمير قرمشي إلى السلطان قال له: قل له: لا! أنت إذا عشت بعدي نفعتني في أولادي [٣٨٨ أ] وحريمي وأهلي. وإذا متّ قبلي، إيش أعمل مع أولادك أكثر ما يكونون أمراء؟ ها هم الآن أمراء في حياتك! [عفّته ونزاهته]: ومن فضائله التي انفرد بها أنّه كان له كاتب لا شغل له إلّا ضبط ما يدخل خزانته من المال وما يستقرّ له، فإذا حال الحول عمل أوراقا بما يجب عليه صرفه من الزكاة فيأمر بإخراجه وصرفه إلى ذوي الاستحقاق. وزادت أمواله، وعمّر بظاهر دمشق جامعا، وإلى جانبه تربة وحمّاما. وعمّر لزوجته تربة، وعمّر دارا للقرآن. وأنشأ بالقدس رباطا، وعمّر مدينة القدس، وساق إليها الماء حتى مرّ على باب المسجد الأقصى. وعمّر بصفد مارستان [ا]، وجدّد قنوات دمشق وجدّد بها عدّة

стр. 899

مساجد ومدارس ووسّع طرقاتها. وأنشأ بالقاهرة دارا في غاية الحسن. وعمل له في جميع بلاد الشام آثار يذكر بها. وكان سليم الباطن لا يعرف المكر ولا الدهاء. وكان لا يحتمل شيئا ولا يصبر على أذى، ولا يداري الأمراء، ولا يرفع لهم رأسا، بل يعرض عنهم. وكان الناس في أيّامه آمنين على أموالهم ووظائفهم. وكان يسير في كل سنة بالعسكر للصيد إلى نواحي الفرات. وعدّي في بعضها الفرات وتصيّد في ذاك البرّ خمسة أيام، فكان الناس ينجفلون قدّامه إلى بلاد توريز وسلطانيّة، وكذلك بلاد ماردين وبلاد سيس. وكانت أغراضه كلّها في عمل الحقّ ونصرة الشرع، إلّا أنّه كان يتخيّل في بعض الأوقات تخيّلا فاسدا ويبني عليه، فهلك بذلك أناس، ومن مهابته [٣٣٨ ب] لا يتجاسر أحد على إظهار الصواب له فيما يفعله. وكان شديد الغضب لا سبيل إلى إرضائه إذا غضب، ولا يعفو إذا قدر، بل كان يبطش بطش الجبّارين. وإذا كان الذنب صغيرا لا يزال يكبّره إلى أن يخرج فيه عن الحدّ. وكان إذا غضب على أحد، في الغالب لا يزال في خمول حتى يموت، وما غضب على أحد فرضي عنه. وقال مرّة: أيّ لذّة للحاكم إذا لم يكن رعاياه آمنين مطمئنّين؟ وكان يأكل مرّة مع بعض خواصّه فرأى أصبعه مربوطة فسأله عنها فأخبره أن قوّاسا عمل له قوسا ثلاث مرّات فلم يعجبه وأنّه لكمه. فأمر بإقامته عن الطعام وضربه فضرب نحو أربعمائة عصا، وأخرج عنه إقطاعه وغضب عليه عدّة سنين. وكان لا يغفل عن نفسه في وقت من الأوقات، بل كان كأنّه واقف بين يدي الله تعالى، ويواظب على قيام الليل ويجدّد لكلّ صلاة وضوءا. ولم يعرف عنه أنّه أمسك بيده ميراثا قطّ منذ كان مملوكا في الطباق حتى مات. [تركته وثروته]: وحمل له من دمشق ثلاثمائة ألف وستّة وثلاثون ألف دينار مصريّة، وألف ألف وخمسمائة ألف درهم، وجواهر، ولؤلؤ، وطرز زركش، وكلوتات زركش وحوائص ذهب بجامات مرصّعة، وثياب أطلس، وأنواع قماش، [م] ما كان جملته ثماني مائة حمل. ثمّ استخرج له أربعون ألف دينار وألف ألف ومائة ألف درهم، سوى الجواري والمماليك والخيول. وقوّمت أملاكه التي بدمشق بالعدول وأرباب الخبرة وشهود القيمة، وعمل بذلك محاضر فبلغت قيمة أملاكه بدمشق وضياعها خمسة [٣٣٩ أ] آلاف ألف درهم وثلاثمائة ألف وأربعة وعشرين ألفا وخمسمائة درهم، وأملاكه ببيروت ثلاثمائة ألف وخمسة وأربعين ألف درهم، والقرى التي بالبقاع، وأملاك بصرخد وأذرعات وعجلون وغيرها، ثلاثة آلاف ألف وأربعمائة ألف وأربعة عشر ألف درهم، وأملاك بقارا ألف ألف ومائتي ألف وخمسة آلاف درهم: فجملة ذلك عشرة آلاف ألف وستّمائة ألف وثمانية آلاف وخمسمائة درهم، منها زيادة على خمسمائة ألف دينار مصريّة سوى أملاكه وأوقافه بصفد وعجلون والقدس ونابلس والرملة وجلجوليّة (١) والقاهرة. ١٠٣٥ - توبة بن النّمر القاضي [- ١٢٠] (٢) [٣٣٩ ب] توبة بن النمر بن حرمل بن يغلب بن

стр. 900

ربيعة بن نصر بن شاجي بن ليشرح [بن ذي الملك]، الحضرميّ، ثم البسّيّ، نسبة إلى [بسّ وهو] بطن من حضرموت، يكنّى أبا محجن وأبا عبد الله. كان ممّن جمع له القضاء والقصص بمصر. ١٠٣٦ - البيّع الدمشقيّ [٦٢٠ - ٦٩٨] (١) [٣٤٠ أ] توبة بن عليّ بن مهاجر بن شجاع بن توبة، الصدر، الوزير الصاحب تقيّ الدين، أبو البقاء، الربعيّ، التكريتيّ، المعروف بالبيع الدمشقيّ. ولد سنة عشرين وستّمائة يوم عرفة بعرفة وعانى المتجر. وسافر في طلب كسب المال. وقدم مصر وتعرّف بقلاوون وهو أمير [ ... ]. فلمّا ولي الملك المنصور قلاوون السلطنة ولّاه نظر الخزانة السلطانيّة بدمشق، ثمّ فوّض إليه وزارة دمشق في خامس شوّال سنة ثمان وسبعين وستّمائة عوضا عن فتح الدين ابن القيسرانيّ، وخلع عليه خلع الوزراء. وتلقّب بالصاحب. فلمّا تسلطن سنقر الأشقر بدمشق قبض عليه في خامس عشرين ذي الحجّة، واستوزر مجد الدين إسماعيل بن كسيرات. وسجنه بقلعة دمشق إلى أن انهزم عن دمشق. فخرج فيمن خرج من الاعتقال وعاد إلى الوزارة، وحملت إليه الخلع من مصر. فلبسها في ثاني عشر ربيع الأوّل سنة تسع وسبعين. وأعطي دواة الوزارة فباشر الوزارة إلى أثناء جمادى الأولى. ثمّ احتيط عليه وحبس وأخذ له مال كثير. ثمّ استقرّ ناظر النظّار بالشام شريكا للتاج ابن السنهوريّ في شعبان منها، ثمّ أعيد إلى الوزارة بدمشق عوضا عن محيي الدين محمد بن يعقوب بن إبراهيم بن النحّاس (٢). فسافر من القاهرة إلى دمشق، وقدمها سلخ ربيع الآخر سنة خمس وثمانين وستّمائة، ثم صرف عنها. واستقرّ ناظر الدواوين بالشام في ربيع الآخر سنة سبع وثمانين، إلى أن قدم الأمير علم الدين سنجر الشجاعيّ مع السلطان إلى دمشق بعد فتح طرابلس في جمادى الأولى سنة ثمان وثمانين. فأوقع الحوطة عليه وباع له بضائع ما بين سكّر وخشب وغيره بنحو خمسمائة ألف درهم. وأخرجه مع العسكر مقيّدا إلى مصر. فلمّا وصل بيسان مرّ عليه الأمير طرنطاي النائب والأمير كتبغا، وهو بالزردخاناه، فسبّهما كما هي عادته، فأتياه ومازحاه وضمنا خلاصه. فلمّا عادا قبل السلطان شفاعتهما وأفرج عنه وسلّمه لهما. فلم يزل بالقاهرة إلى أن مات الملك المنصور [٣٤٠ ب] قلاوون وقام من بعده ابنه الملك الأشرف خليل. [ف] أعاده إلى وزارة دمشق. فخرج من القاهرة ودخل دمشق في الخامس من المحرّم سنة تسعين وستّمائة. ثم عزل في ثاني عشر رجب، واستقرّ عوضه ابن النحّاس. وأبطل اسم الوزارة بدمشق ودعي ابن النحّاس ناظر الشام. فلمّا تسلطن العادل كتبغا كان توبة بالقاهرة. فولّاه وزارة دمشق على عادته في الأيّام المنصوريّة، وكتب له بردّ ما أخذ منه في الدولة الأشرفيّة وسار إلى دمشق في المحرّم سنة أربع وتسعين.

стр. 901

ثمّ صرف في ثامن ذي الحجّة سنة خمس وتسعين بشهاب الدين أحمد ابن الحنفيّ، واستقرّ في نظر الخزانة إلى أن خلع كتبغا من السلطنة، وقام من بعده لاجين. فأعاده إلى وزارة دمشق. فقدمت ولايته في ثاني عشرين ربيع الأوّل سنة ستّ وتسعين وستّمائة، فلم يزل حتى مات. وفيه يقول علاء الدين عليّ بن مظفّر الوداعيّ (المجتثّ): إني حلفت يمينا ... لم آت فيها بحوبة مذ أقعدتني الليالي ... لا قمت إلّا بتوبة وله فيه وقد وقع من أعلى حصانه [المتقارب]: فديناك لا تخش من وقعة ... فإنّ وقوعك للأرض فخر سقوط الغمام بفضل الربيع ... ففي البرّ برّ وفي البحر درّ وكانت وفاته بدمشق ليلة الخميس ثامن جمادى الآخرة سنة ثمان وتسعين وستّمائة. وصلّى عليه من الغد بالجامع وسوق الخيل. ودفن بتربته تجاه دار الحديث الأشرفيّة بسفح قاسيون. وكان ظالما عسوفا، وفيه مع ذلك مروءة وسلامة باطن من الغشّ، وسماح ومداعبة، وكرم كثير، وحسن خلق، ومحبّة في التجمّل واقتناء الخيول المسوّمة والمماليك الملاح. ومرّ يوما آخر النهار بالربوة ظاهر مدينة دمشق ومملوكه أقطوان خلفه راكب [ا]، وكان مليحا، فمرّ ببعض الفقراء وهو نائم، فعند ما أحسّ بركض الخيل انتبه وقال: يا لله، توبة! فقال له: يا كذا، إيش تعمل بتوبة؟ واحد شيخ نحس. اطلب منه أقطوان أحبّ إليك. ١٠٣٧ - توران شاه بن أيّوب، الملك المعظّم [- ٦٤٨] (١) [٣٤١ أ] توران شاه بن أيّوب بن محمد بن محمد بن أيّوب بن شاذي بن مروان، السلطان، الملك المعظّم، غياث الدين، أبو [ ... ]، ابن السلطان الملك الصالح نجم الدين أبي الفتوح، [ابن الكامل محمد]، ابن السلطان الملك العادل أبي بكر، ابن والد الملوك نجم الدين أبي الشكر أيّوب، الأيّوبيّ، الكرديّ، الدوينيّ، آخر ملوك بني أيّوب بديار مصر، الفقيه، الشافعيّ. ولد في [ ... ]. ورتّبه أبوه في حصن كيفا، فلمّا مات الملك الصالح (٢)، قام الأمير فخر الدين يوسف، ابن شيخ الشيوخ، بتدبير الأمور وكتم موت السلطان. وبعث الفارس أرقطاي رأس المماليك البحريّة لإحضار الملك المعظّم من حصن كيفا، وخطب له على منابر مصر بعد الدعاء لأبيه، ونقش اسمه على السكّة بعد اسم أبيه. [تولّيه السلطنة]: فخرج المعظّم من حصن كيفا ليلة السبت لإحدى عشرة مضت من رمضان سنة سبع وأربعين وستّمائة في خمسين فارسا من خواصّه، وصحبتهالفارس أرقطاي، وقصد عانة ليعدّي الفرات، خوفا من بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل، ومن الحلبيّين، وكانوا قد أقاموا له جماعة لتقبض عليه ففاتهم، وعدّى الفرات من عانة، وسلك البرّيّة فكاد يهلك عطشا. وقدم دمشق يوم الخميس

стр. 902

النصف منه، ونزل القصير في دهليز ضربه له الأمير جمال الدين موسى بن يغمور نائب دمشق. ثمّ دخل المدينة في يوم الاثنين ونزل بالقلعة. وكان يوما مشهودا. وقام ابن يغمور بخدمته وحلّف له الأمراء وغيرهم. وتسلطن وخلع على الأمراء وأنفق فيهم مالا جزيلا بحيث أنفد ما كان في قلعة دمشق من المال، ومبلغه ثلاثمائة ألف دينار، واستدعى بمال من الكرك أنفقه أيضا. وأفرج عمّن كان [بدمشق] في سجن أبيه. وأتته الرسل من حماة وحلب تهنّئه بقدومه وسلطنته، وكتب بذلك إلى القاهرة على أجنحة الحمام، فسقط الطائر في رابع شوّال فدقّت البشائر بالعسكر وقلعة الجبل. وخرج المعظّم من دمشق في يوم الأربعاء سابع عشرينه يريد القاهرة، وخلع على ابن يغمور وأقرّه على نيابة دمشق. وأصحب معه الأسعد شرف الدين هبة الله بن صاعد الفائزيّ، ومعين الدين هبة الله ابن أبي الزهر بن [٣٤١ ب] حشيش [الكاتب النصرانيّ] ليولّيه الوزارة. ثمّ وجّه به في أوّل ذي القعدة إلى الكرك فاحتاط على حواصلها ولحقه بالرّمل. وخرج قاضي القضاة بدر الدين يوسف بن الحسن بن علي السنجاريّ حتى لقيه بغزّة. وخرج الأمير حسام الدين أبو عليّ نائب السلطان إلى الصالحيّة فلقيه بها في يوم السبت سادس عشره، وقد نزل بقصر أبيه الملك الصالح. فأعلن الناس يومئذ بموت الملك الصالح وخلع على الأمير أبي عليّ باستقراره في النيابة خلعة جليلة، [ف] كانت حلية السيف والمنطقة ثلاثة آلاف دينار مصريّة. وأنشده الشعراء عدّة قصائد تهنّئه وتمدحه، وجرت بين يديه مناظرات في أنواع من العلوم فجاراهم فيها. [تضلّعه بالفقه]: وذلك أنّه كان قد عرف الفقه والخلاف والأصول، فإنّ جدّه الملك الكامل كان يحبّه ويلقي عليه من صغره المسائل المشكلة ويأمره بحفظها وامتحان الفقهاء بها في مجلسه. ولازم مع ذلك الاشتغال بالعلم حتى برع فيه. إلّا أنّه كان فيه هوج وخفّة، بحيث إنّه لمّا نزل قلعة دمشق وتسلطن قام بعض الشعراء، وأنشد قصيدة أوّلها [الخفيف]: قل لنا كيف جئت من حصن كيفا ... حين أرغمت للأعادي أنوفا فلم يتمالك نفسه وقال سريعا: الطريق الطريق، يا ألف نحس ... مرّة آمنا وطورا مخوفا فخالف طريق آبائه في الوقار والسكون. ثمّ رحل من الصالحيّة ونزل تلبانة، ونزل بعدها منزلة ثالثة. ثم دخل المنصورة حيث المعسكر. فتلقّاه الأمراء والمماليك حتى نزل قصر أبيه وجدّه في يوم الخميس لتسع بقين من ذي القعدة. فأوّل ما بدأ به [أن] أخذ مماليك الأمير فخر الدين يوسف ابن شيخ الشيوخ، وكان قد استشهد قبل قدومه. وأخذ كثيرا من مخلّفه ولم يعط ورثته شيئا، وكان ذلك بنحو خمسة عشر ألف دينار. وأخذ يسبّ فخر الدين ويعيبه بأنّه أطلق السكّر والكتّان وأنفق المال وأطلق المحابيس، ويقول: قد أتلف المال، فإيش ترك لي؟ [جهاده للفرنج]: وجدّ في قتال الفرنج فظفر لهم باثنين وخمسين مركبا وأسر منهم ألف رجل بعد ما قتل كثيرا منهم،

стр. 903

وغنم منهم شيئا كثيرا، وقطع المدد أن يصل لهم إلى مدينة دمياط، وهم يومئذ بها مالكون لها، حتى اشتدّ الغلاء عندهم وصاروا محصورين. ثمّ أخذوا في أوّل ذي الحجّة من [/] المراكب التي في بحر المحلّة سبع حراريق ونجا من كان بها من المسلمين. وفي ثانيه بعث السلطان بالأمير حسام الدين أبي عليّ ليقيم بدار الوزارة من القاهرة على عادته في النيابة. وفيه وصل إلى السلطان الشيخ عزّ الدين عبد العزيز بن عبد السلام، والبهاء عليّ بن هبة الله بن الجمّيزى، وجماعة من العلماء، فجلس معهم وناظرهم حتى أعجبوا به. وفي يوم عرفة ظفر باثنين وثلاثين شينيا فيها ميرة للفرنج، فعظم البلاء عليهم من الغلاء. وبعثوا في طلب الهدنة على أن يسلّموا مدينة دمياط ويعوّضوا عنها بالقدس. فلم يجبهم إلى ذلك. فأخذوا في الاستعداد للهرب وأحرقوا في سابع عشرينه أخشابهم وكثيرا من أثقالهم ورحلوا في ليلة الأربعاء ثالث المحرّم سنة ثمان وأربعين من منزلتهم بفارسكور (١) وانحدرت مراكبهم في النيل قبالتهم يريدون دمياط. فركب المسلمون أقفيتهم وقد عدّوا إلى البرّ الذي هم فيه. فما طلع صباح يوم الأربعاء إلّا وقد أحاطوا بالفرنج ووضعوا فيهم السيوف يقتلون ويأسرون حتى بلغت عدّة القتلى عشرة آلاف في قول المقلّ، وثلاثين ألفا في قول المكثر. واستشهد من المسلمين نحو مائة رجل. والتجأ ريدافرنس ملك الفرنج في خاصّته إلى تلّ [المنية] وطلب الأمان، فأمّنهم الطواشي جمال الدين محسن الصالحيّ وأنزلهم على أمانه وساقهم إلى المنصور. وقيّد الملك ريدافرنس وسجن في دار فخر الدين إبراهيم بن لقمان كاتب الإنشاء بالمنصورة، ووكّل به الطواشي صبيح المعظّمي، وسجن معه أخوه وأجري له ما يكفيه (٢). وأمر السلطان بقتل الأسرى، فتقدّم إليهم سيف الدين الطودي وصار يقتل منهم في كلّ ليلة ما بين الثلاثمائة إلى الأربعمائة، ويلقيهم في البحر حتى أتى على جميعهم. ورحل السلطان من المنصورة، ونزل فارسكور بالدهليز السلطانيّ، وقد نصب به برجا من خشب، وأقبل على اللهو. [رسالته إلى الوزير يبشّره بالنصر]: وكتب بخطّه إلى الأمير جمال الدين موسى بن يغمور كتابا، فيه بعد البسملة: [من] ولده توران شاه. الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ [فاطر: ٣٤]. وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ [آل عمران: ١٢٦]، وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ* بِنَصْرِ اللَّهِ [الروم: ٤ - ٥]، وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ [الضحى: ١١]، وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوها [إبراهيم: ٣٤]. نبشّر المجلس السامي [٣٤٢ ب] الجماليّ، بل نبشّر المسلمين كافّة بما منّ الله به على المسلمين من الظّفر بعدوّ الدين، فإنّه كان قد استفحل أمره واستحكم شرّه، ويئس العباد من البلاد والأهل والأولاد، فنودوا وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ [يوسف: ٨٧]. ولمّا كان يوم الاثنين مستهلّ السنة المباركة- تمّم الله على الإسلام بركتها! - فتحنا الخزائن وبذلنا الأموال وفرّقنا السلاح وجمعنا العربان والمطوّعة وخلقا لا يعلمهم إلّا الله،

стр. 904

فجاءوا منّ كلّ فجّ عميق ومكان سحيق. فلمّا كان ليلة الأربعاء تركوا خيامهم وأموالهم وأثقالهم، وقصدوا دمياط هاربين. وما زال السيف يعمل في أدبارهم عامّة الليل، وقد حلّ بهم الخزي والويل. فلمّا أصبحنا يوم الأربعاء قتلنا منهم ثلاثين ألفا، غير من ألقى نفسه في اللجج. وأمّا الأسرى فحدّث عن البحر ولا حرج. والتجأ الفرنسيس (١) إلىالمنية وطلب الأمان فأمّنّاه وأخذناه وأكرمناه. وتسلّمنا دمياط بعون الله وقوّته وجلاله وعظمته». ثمّ ذكر كلاما طويلا. وبعث مع الكتاب غفارة (٢) الملك ريدافرنسيس، فلبسها ابن يغمور، وكانت من أشكرلاط أحمر بفروسنجاب. فقال نجم الدين [محمد] بن إسرائيل في ذلك [الخفيف]: إنّ غفّارة الفرنسيس قد جا ... ءت حباء لسيّد الأمراء (٣) ببياض القرطاس في اللون، لكن ... صبغتها سيوفنا بالدّماء وقال أيضا [الطويل]: أسيّد أملاك الزمان بأسرهم ... تنجّزت من نصر الإله وعوده فلا زال مولانا يبيح حمى العدى ... ويلبس أسلاب الملوك عبيده [تنكّره لرجال الدولة]: وأخذ المعظّم في [إ] بعاد رجال الدولة، وأخرج الملك المغيث فتح الدين عمر ابن العادل أبي بكر ابن الكامل من قلعة الجبل إلى الشوبك واعتقله بها. وأخرج الملك السعيد فخر الدين حسن ابن العزيز عثمان ابن العادل أبي بكر ابن أيّوب من القاهرة إلى دمشق فقبض عليه ابن يغمور واعتقله. وعزل الأمير حسام الدين أبا عليّ من نيابة السلطنة وأقام عوضه بالقاهرة في النيابة الأمير جمال الدين آقوش النّجيبيّ، واطّرح جانب أبي عليّ، وبعث يتهدّد شجر الدرّ حظيّة أبيه ويطالبها بالأموال والجواهر. فخافت من هوجه وخفّته. وكاتبت المماليك البحريّة بما توعّدها به المعظّم، وذكّرتهم بما قامت به عند موت السلطان الملك الصالح من ضبط الدولة حتى قدم المعظّم، وأنّه جازاها على ذلك بتهديدها على ما ليس عندها. فحنقوا لها وحرّك كتابها إليهم كوامن في أنفسهم، منها أنّه كان قد وعد الفارس أرقطاي لمّا جاءه إلى حصن كيفا بإمرة فلم يف له، فتنكّر عليه في باطنه، ومنها أفعاله التي لم يعهدوها من أبيه، ومنها تغييره الأحوال واطّراحه لجانب أهل الدولة وإعراضه عن البحريّة وإبعاده لترابي أبيه وغلمانه (٤) وتقديمه عليهم جماعته القادمين معه وتوليته إيّاهم الوظائف السلطانيّة. وكان قد جعل طواشيه مسرورا أستادار، وأقام صبيحا العبد الحبشيّ الفحل أمير جاندار وأنعم عليه بمال جزيل وإقطاع كبير، وأمر أن تصاغ له عصا من ذهب. وأكثر من الإرعاد والإبراق على البحريّة حتى إنه كان إذا جلس مع ندمائه في الليل للمعاقرة يجمع ما بين يديه من الشموع ويضرب رءوسها بسيفه حتى تنقطع ويقول: هكذا أفعل بالبحريّة! - ويسمّيهم بأسمائهم.

стр. 905

[حنق المماليك والناس عليه لسوء سيرته]: وانعكف مع ندمائه على لذّاته وزاد في تحجّبه، وألقى مقاليد أمور المملكة إلى أصحابه. وأشيع عنه أنّه يخلو بغلمانه وحظايا أبيه، فجاءهم ما لا عهد لهم به ولا عرفوه من سيرة أبيه. فنفرت قلوبهم منه وتواعدوا على الفتك به. فلمّا مدّ السماط يوم الاثنين تاسع عشرين المحرّم وجلس على عادته، تقدّم إليه بيبرس البندقداري، من البحريّة، وضربه بالسيف [ف] أطار أصابع يده. ففرّ إلى البرج الخشب وهو يصيح: من جرحني؟ - فقيل: بعض الحشيشيّة. فقال: لا والله، إلّا البحريّة، لا أبقيت منهم بقيّة! . واستدعى المزيّن ليداوي جرحه، فاقتحم البحريّة البرج بسيوفهم ففرّ إلى أعلاه وأغلق بابه، والدم يسيل من يده. فأضرموا عليه نارا ورموه بالنّشّاب، فألقى نفسه من البرج، وتعلّق بأذيال الفارس أرقطاي فلم يجره، فمرّ يعدو إلى البحر وهو يقول: ما أريد ملكا، دعوني أرجع إلى الحصن! يا مسلمين، ما فيكم من يصطنعني ويجيرني؟ . هذا وجميع العسكر قد وقفوا ينظرونه فلم يجبه أحد، والنّشّاب يأتيه من كلّ جهة وهو يسبح في الماء، وهم في طلبه حتى قطعوه قطعا بسيوفهم فمات غريقا حريقا جريحا قتيلا. وفرّ أصحابه، وبقي على شاطئ النيل ثلاثة أيّام منتفخا حتى شفع فيه [٣٤٣ ب] رسول الخليفة فحمل ودفن. وكانت مدّته سبعين يوما. وكان الذي تولّى قتله أربعة من مماليك أبيه البحريّة، وهم الذين قتلوا العادل الصغير. وذلك أنّ الصالح استدعى الطواشي محسن الصالحيّ وأمره أن يذهب إلى أخيه العادل ومعه طائفة من المماليك حتى يخنقوه في محبسه، فعرض جماعة من المماليك ليذهب بهم لذلك فلم يوافقوه، إلّا أربعة منهم، فإنّهم ساروا معه وخنقوا العادل. فقدّر الله أن يجعل منيّة ابنه المعظّم على أيدي هذه الأربعة، فكان في ذلك عبرة لمن يعتبر. ورؤى الملك الصالح في النوم بعد قتل المعظّم، وهو يقول [الرمل]: قتلوه شرّ قتلة ... صار للعالم مثلة لم يراعوا فيه إلّا ... لا ولا من كان قبله ستراهم عن قريب ... لأقلّ الناس أكلة (١) فكان كذلك وقتل أعيان الأمراء في الوقعة التي كانت بين المعزّ أيبك والناصر يوسف، كما ذكر في موضعه من هذا الكتاب (٢). وانقرضت بقتل المعظّم دولة بني أيّوب من مصر، وفنيت رجالها بتحكّم المماليك الأتراك البحريّة، فكانت مدّة بني أيّوب إحدى وثمانين سنة وعدّة رجالهم ثمانية، ولله الأمر من قبل ومن بعد (٣).

стр. 906

١٠٣٨ - توزان التركيّ (١) [٣٤٣ ب] توزان- بالزاي- التركيّ. ولّاه أحمد بن طولون الشرطة بعد بوليغا، ثمّ صرفه بأخيه موسى بن طولون بعد سنة. وكان ربّما صلّى بالناس في الجامع.

стр. 907

حرف الثاء

стр. 908

١٠٣٩ - ثابت بن عبد الله بن الزبير (١) [٣٤٤ أ] ثابت بن عبد الله بن الزبير بن العوّام بن خويلد بن أسد بن عبد العزّى بن قصيّ، القرشيّ، الأسديّ، أبو حكمة. قدم أيلة. وأمّة تماضر بنت منظور بن زبان. نشأ هو وإخوته: وخبيب وحمزة وعبّاد عند جدّهم لأمّهم منظور بن زبّان بالبادية يرعون عليه الإبل كما يفعل عبيده، حتى تحرّك ثابت فقال لإخوته: انطلقوا بنا نلحق بأبينا! فركبوا بعض الإبل حتى قدموا على أبيهم بمكّة. واتّبعهم منظور فقدم على آثارهم، فقال لعبد الله بن الزبير: اردد عليّ أعبدي هؤلاء! فقال: إنّهم قد كبروا واحتاجوا إلى أن أعلّمهم القرآن، ولا سبيل إليهم. قال: أما إنّ الذي صنع بهم الصنيع ابنك هذا. ما زلت أخافها منه منذ كبر- يعني ثابتا. فجمع ثابت القرآن أوّلهم، جمعه في ثمانية أشهر، وزوّجه عبد الله قبلهم بنت أبي عيسى عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصدّيق ﵁، فولدت له حكمة، وبها كان يكنّى. وكان أبوه يكنّيه أبا حكيمة، يشبّه لسانه بلسان زمعة بن الأسود، فإنّه كان يكنّى أبا حكيمة. وكان ثابت يشهد القتال مع أبيه ويبارز [٢٩٠ ب] بين يديه. وكان حمزة بن عبد الله بن الزبير قد قال لبني عبد الله: لا تطلبوا أموالكم من عبد الملك- حين قبضها- وأنا أنفق عليكم- فأبى ثابت وقدم على عبد الملك فدخل عليه فأكرمه، وردّ عليه وعلى إخوته بعض أموالهم بكلامه. فإنّه كان لسان آل الزبير جلدا وفصاحة وبيانا، وانصرف بها معه. ولمّا كتب عبد الملك بن مروان إلى هشام بن إسماعيل المخزوميّ عامله على المدينة يأمره أن يقيم آل عليّ عند المنبر يشتمون عليّ بن أبي طالب، ويقيم آل الزبير عند المنبر يشتمون الزبير وابنه عبد الله بن الزبير، قال آل عليّ وآل الزبير: والله لا نفعل حتى نموت ونكفّن ونحنّط! (٢). فركبت إلى هشام بن إسماعيل أخته، فقالت له: يا أحول مشئوما، [أما] تخاف أن تكون الأحول الذي على يديه هلاك قريش، تأمر القوم أن يشتموا آباءهم؟ أتراهم يفعلون حتى يموتوا؟ قال لها: فما أصنع؟ كتب إليّ أمير المؤمنين بذلك، ولا يحتمل لي أن أراجعه. قالت: فأمر دون ذلك يرضيه، ويكون أيسر عليهم. قال: وما هو؟ قالت: تأمر آل عليّ يشتمون آل الزبير وابن الزبير، وتأمر آل الزبير [٣٤٤ ب] بسبّ آل عليّ. قال: فذاك. فأمرهم بذلك. فمشى القوم بعضهم إلى بعض، آل عليّ إلى آل الزبير، وآل الزبير إلى آل عليّ، فقالوا: إنّ هؤلاء يقيموننا غدا فيسبّ بعضنا بعضا، فيتشاقّون بذلك. فالله والرحم! فقال آل الزبير لآل عليّ: أنتم تقامون قبلنا، فما قلتم من شيء قلنا مثله. فكان أوّل من أقيم حسن بن حسن بن عليّ بن أبي طالب (٣)، وأمّه خولة بنت منظور بن زبان بن

стр. 909

سيّار بن عمرو بن جابر الفزاريّ، أخت تماضر بنت منظور أمّ بني عبد الله بن الزبير الأكابر، لأبيها وأمّها. فقام في المرمر (١)، وهشام بن إسماعيل على المنبر، فقال له: سبّ آل الزبير! - فأبى. فأقبل هشام على حرسيّ إلى جنبه، فقال له: اضربه! - وعلى حسن قميص كتّان، وكان رجلا رقيقا، فضربه الحرسيّ ضربة بالسوط أسرعت في جلده حتى سال دمه تحت قدمه في المرمر. فقال حسن: إنّ لآل الزبير رحما أبلّها ببلالها وأربّها بربابها.* وَيا قَوْمِ ما لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ [غافر: ٤١]. فلمّا رأى أبو هاشم عبد الله بن محمد بن علي بن أبي طالب امتناع الحسن وما لقي، قام فقال: أصلح الله الأمير، عندي ما تريد. قال: هلمّ لك! - وقال للحسن: اجلس! فقام أبو هاشم فسبّ آل الزبير. وقام عبد الله بن عروة بن الزبير، وحمزة بن عبد الله بن [٣٤٤ ب] الزبير فسبّا آل عليّ. وكان ثابت بن عبد الله بن الزبير غائبا عن هذا الخطب. فلمّا قدم جاء إلى هشام بن إسماعيل، فقال: أيّها الأمير، إنّي كنت غائبا، ومثلي لا يغيب عن مثل هذا المشهد. فقال هشام: ذلك موطن قد تفادى منه الناس، فما تصنع به؟ قال: آخذ بحظّي من ذلك. فجمع له الناس، ثمّ قام فاستقبل الناس، فقال: لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ [المائدة: ٧٨]. ثمّ قال: بم أيّها الناس لعنوا؟ - كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ [المائدة: ٧٩]. لعن الله من لعنه كتاب الله! ولعن من لعنته قوارع القرآن! لعن الله المتمنّي ما ليس له، هو أقصر باعا، وأوهن ذراعا! لعن الله ابن شرّ العضاه، أقصرها فرعا، وأقلّها مرعى. لعنه الله ولعن الذي أخذ حباءه! لعن الله الأثعل (٢) الأحول المترادف الأسنان- الرامي أمير المؤمنين عثمان برءوس الأقانيز (٣)، ثمّ قال: إنّ الله رماك- وكذب لو رماه ما أخطأه! - المتوثّب في الفتن توثّب الحمار في القيد، لعنه الله ولعن التي كانت تحته! لعن الله العقلاء الوطباء التي بيعت بسوق ذي المجاز بغير عهدة، لعنها الله ولعن تفرّد قفاها! . فأقبل عليه هشام (٤)، فقال [٣٤٥ أ]: ما أراك تسبّ منذ اليوم إلّا رهط أمير المؤمنين- وأمر به إلى السجن. فأخذه الأعوان يسحبونه يقع مرّة إلى السجن. فأخذه الأعوان يسحبونه يقع مرّة ويقوم أخرى، حتى مرّ برجل قاعد قد كان أقيم مع من أقيم، هو ورجلان معه، فقال: أبعدك الله! . فقال له ثابت: أما والله، ما عذرا إليك! ما منعني أن أذكر خالك نسيان، ولكنّي كنت في مقام ذكر فيه الأشراف، ولم يكن منهم، فكرهت أن أخلطه بهم. وانطلقوا به إلى السجن. ولقيه آخر من الثلاثة الذين أقيموا ليسبّوا آل الزبير وآل عليّ، فقال له ثابت: أنت الشاتم عبد الله بن الزبير؟ والله ما

стр. 910

يحمد منك إلّا ما يحمد من الحمار: ضرسه وحافره. فلم يزل في السجن حتى كتب عبد الملك في إطلاقه، وأعجبه ما قال: وقال: ذكر أخابث خلق الله وأمر بشتمهم- وكانوا قوما خالفوا على عبد الملك. وكان ثابت بن عبد الله كأنّه من رجال العرب، وقال سليمان بن عبد الملك له، وهو خليفة: من أفصح الناس؟ قال: أنا. قال: ثمّ من؟ قال: أنا. قال: ثمّ من؟ قال: أنا. قال: ثمّ من؟ قال: أنت. فرضي سليمان بذلك منه بعد ثلاث- وكان سليمان فصيحا. وقال مسوّر بن عبد [٣٤٥ ب] الملك: كنّا نأتي مسجد رسول الله ﷺ ما ينزعنا إليه إلّا استماعنا لكلام ثابت بن عبد الله بن الزبير، والعجب بألفاظه. وتوفّي ثابت بسرع من طريق الشام منصرفا من عند سليمان بن عبد الملك إلى المدينة، وهو ابن سبع أو ثمان [٢٩٥ ب] وسبعين سنة. وقيل: توفّي بمعان. وعتب الوليد بن عبد الملك بن مروان على أهل المدينة في شيء. ثمّ حجّ، فاحتاج أهل المدينة إلى من يعذرهم عنده. فكلّموا في ذلك ثابتا، فكلّمه فقال قولا عجيبا، فقبل منه وعفا عنهم، فقال مساحق بن عبد الله بن مخرمة العامريّ في ذلك يمدح ثابتا [الطويل]: لسانك خير كلّه من قبيلة ... ومن كلّ ما يأتي الفتى أنت فاعله ورثت أبا بكر أباك بيانه ... وسيرته في ثابت وشمائله فأنت امرؤ يرجى لخير، وإنّما ... لكلّ امرى ما أورثته أوائله ١٠٤٠ - ثابت بن نعيم الجذاميّ [- ١٢٧] (١) [٣٤٦ أ] ثابت بن نعيم بن يزيد بن روح بن سلامة [ ... ] الجذاميّ، أبو [ ... ]. بعثه الخليفة هشام بن عبد الملك إلى إفريقيّة بعد قتل كلثوم بن عياض [القشيريّ]، فأفسد الجند. وقدم على هشام فحبسه، إلى أن قدم عليه مروان بن محمّد في بعض وفاداته، فشفع فيه وأخذه معه إلى أرمينية. فلم يزل عنده حتى سار منها يظهر الطلب بدم الوليد بن يزيد بن عبد الملك. فسار ثابت وأمر من مع مروان من جند الشام بمفارقته، فأجابوه وانضمّوا إليه، فصاروا ضعف من بقي مع مروان، وباتوا يتحارسون. وأصبحوا مصطفّين للقتال. فلم يزل بهم مروان حتى انقادوا له، وأخذ ثابت [ا] وأولاده فحبسهم. ثمّ أفلت منه إلى فلسطين. فلمّا بويع لمروان بدمشق وعاد إلى حرّان، دعا ثابت أهل حمص إلى مخالفة مروان وراسلهم في ذلك. فأجابوه، وبعثوا إلى من بتدمر من كلب، وأتاهم نحو الألف. فأدركهم مروان وقاتلهم وأخذ المدينة.

стр. 911

فانتفض ثابت بفلسطين وخرج بأهلها إلى طبريّة، وقد خلع مروان. فحاصرها، وعليها الوليد بن معاوية بن مروان بن الحكم، فقاتله أيّاما. فبعثمروان بأبي الورد مجزأة بن الكوثر بن زفر بن الحارث مددا لأهل طبريّة، فقاتلوا ثابتا وهزموه واستباحوا عسكره، فعاد إلى فلسطين وأبو الورد في أثره، فاقتتلا مرّة ثانية، فانهزم ثابت، وتفرّق عنه أصحابه وأسر (١) ثلاثة من أولاده حملوا إلى مروان، ومرّ ثابت على وجهه يريد مصر، فبعث إليه حفص بن الوليد [الحضرميّ] بشرحبيل بن قليب الحجريّ ليمنعه. وخرج إليه زبّان بن عبد العزيز [بن مروان] ببني أميّة ومواليه إلى الهامّة من أرض مصر، واجتمع إلى زبّان جمع من قيس، فقاتلوا ثابتا فهزموه. فظفر به الرماحس بن عبد العزيز الكنانيّ عامل مروان على فلسطين، فبعثه موثقا بعد شهرين. فأمر مروان به وبأولاه الثلاثة فقطعت أيديهم وأرجلهم، وحملوا إلى دمشق فألقوا على باب المسجد، ثم صلبهم على أبواب المدينة (٢)، وذلك سنة سبع وعشرين ومائة. ١٠٤١ - ثابت التفليسيّ [- ٦٣١] (٣) [٣٤٦ ب] أبو التقى (٤) الصوفيّ، يلقّب بنجم الدين. له رواية عن ابن الجوزيّ. وقدم مصر رسولا من بغداد. ومات بدمشق في جمادى الأولى سنة إحدى وثلاثين وستّمائة. ويقال: اسم أبيه: تاوان بن أحمد. وله نظم. ١٠٤٢ - القاضي رضي الدين ثعلب الخطيب [- ٦٣١] (٥) [٣٤٦ ب] ثعلب بن عبد الله بن عبد الواحد، الخطيب، يلقّب رضيّ الدين، أبو العبّاس. أوّل من خطب بالمسجد المجاور لقبّة الشافعيّ. وناب في الحكم بالجيزة. ومات في ذي الحجّة سنة إحدى وثلاثين وستّمائة. ١٠٤٣ - ثعلبة بن سلامة العامليّ [- ١٣٢] (٦) [٣٤٧ أ] ثعلبة بن سلامة بن جحدم بن عمرو بن الأجذم بن ثعلبة بن مازن بن مزين بن مالك، ابن أبي عزم بن هوكلان بن الزّهد بن سعد بن الحارث بن عديّ بن الحارث بن مرّة بن أدد بن زيد بن يشجب بن عريب بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان، أبو سلمة، العامليّ. خرج من دمشق مع كلثوم بن عياض وبلج بن بشر في الجيوش. ومرّ بمصر وصار إلى إفريقيّة، فشهد حروب كلثوم، وأقام مع بلج إلى أن مات بلج (٧)، فقدّم أصحابه عليهم بقرطبة ثعلبة لأنّ هشام بن عبد الملك عهد إليهم لمّا سيّرهم من دمشق إلى إفريقيّة، إن حدث ببلج وكلثوم حدث،

стр. 912

فالأمير ثعلبة. فقام بالأمر بعد بلج، وثارت في أيّامه البربر بناحية ماردة فغزاهم وقتل وأسر منهم كثيرا، وساق ألف أسير إلى قرطبة. فلمّا ولي أبو الخطّاب حسام بن ضرار الأندلس وقدمها، أخرج ثعلبة في سفينة إلى إفريقيّة، وأخرج معه أهل الشام، وكانوا بالقيروان مع حنظلة بن صفوان، فشهد ثعلبة مع صفوان وقعة البربر بالأصنام. فلمّا بلغ أهل إفريقيّة قتل الوليد بن يزيد بن عبد الملك بن مروان، خرج ثعلبة وعامّة قوّادهم إلى الشام في سنة ستّ وعشرين ومائة. فولي الأردنّ، حتى مرّ به مروان بن محمّد الجعديّ، وقد انهزم على الزاب من عبد الله بن علي بن عبد الله بن عبّاس، فمرّ معه إلى مصر، وقتل معه في حروبهبمصر. ١٠٤٤ - ثقبة ابن أبي نمي أمير مكّة [- ٧٦٢] (١) [٣٤٨ أ] ثقبة بن رميثة بن أبي نمي محمد، ابن أبي سعد حسن بن عليّ بن قتادة، الشريف أبو [شهاب، أسد الدين] (٢)، الحسنيّ، أمير مكّة. قدم إلى مصر، وقد استقرّ أخوه عجلان في إمرة مكّة، ومعه قود (٣) من خيل وتمر ونحو ذلك، في شهر رمضان سنة ستّ وأربعين وسبعمائة. ليكون شريكا لأخيه. ثمّ قدم في شعبان سنة اثنتين وخمسين بعد حضور قوده وقود أخيه عجلان، فخلع عليه بإمارة مكّة، وأعطاه الأمير طاز ألف دينار، والأمير شيخو عشرة آلاف درهم. واستخدم عسكرا واستعدّ بالخيل والسلاح [ ... ]. ثمّ قبض على ثقبة في ذي الحجّة سنة أربع وخمسين [وسبعمائة] واعتقل بمصر، ثمّ أفرج عنه بشفاعة فيّاض بن مهنّا في سنة ستّ وخمسين. وكان ثقبة ينصر مذهب الزيديّة ولا يكفّ عبيده عن ظلم الناس وأقام له خطيبا زيديّا يخطب يوم العيد. وكان بعض عبيده إذا ذكر الخطيب السّنيّ الشيخين رجموه. ثمّ إنّ ثقبة بعد أن أطلق هرب. فتبعه العسكر فلم يدركوه. وبقي خارج مكّة إلى سنة إحدى وستّين. فهجم بعد رجوع الحاجّ وفعل أفعالا قبيحة ونهب خيول الأتراك المقيمين بمكّة، واستولى على ما في بيوتهم وأسر منهم جماعة فباعهم بثمن بخس، وأسر أميرهم قندس فأجارته امرأة ثقبة من القتل. فعذّب بأنواع العذاب. ثمّ أطلقه ثقبة على أن يخرج من مكّة فخرج منها إلى أن لحق الركب المصريّ فصار معهم. ولم يمتّع ثقبة بعد ذلك بالحياة، بل مات في رمضان أو شوّال سنة اثنتين وستّين [وسبعمائة]. ١٠٤٥ - ثمال بن صالح بن مرداس [- ٤٥٤] (٤) [٣٤٩ أ] ثمال بن صالح بن مرداس بن إدريس [ ... ]، الأمير معزّ الدولة، أبو علوان، الكلابيّ. تغلّب أبوه صالح بن مرداس على حلب، إلى أن قتله أمير الجيوش أنوش تكين الدزبري (٥)

стр. 913

بالأقحوانة على الأردنّ في محاربته العرب في ربيع الآخر سنة عشرين وأربعمائة. فاقتسم من بعده حلب ابناه: معزّ الدولة هذا- وأخذ القلعة- وأقام أخوه شبل الدولة نصر في المدينة. ثمّ إنّ معزّ الدولة جرى بينه وبين زوجته كلام، فغضبت عليه وخرجت إلى الحلّة بظاهر حلب. فأمر أن تصاغ لها لألكة (١) من ذهب مرصّعة بالجوهر. فلمّا تهيّأت أخذها في كمّه وخرج إلى زوجته. فبادر أخوه نصر وركب وأخذ القلعة، وقال: إنّ من قدّم أخي عليّ فقد أساء، لأنّي أولى بمداراة الرجال، وهو أولى بمداراة النساء. وانفرد نصر بن صالح بأمر قلعة حلب والمدينة، وجعل لأخيه ثمال بالس والرحبة، وذلك في سنة إحدى وعشرين وأربعمائة. فاستمرّ نصر في ملك حلب إلى أن قتله الدزبريّ في نصف شعبان سنة تسع وعشرين، وملك حلب من بعده. فلمّا مات في النصف من جمادى الأولى (٢) سنة ثلاث وثلاثين، قدم معزّ الدولة بتوقيع سيّره إليه أمير المؤمنين المستنصر بالله أبو تميم معدّ ابن الظاهر، بولاية حلب. فتسلّم البلد لليلتين بقيتا من جمادى الآخرة [سنة ٤٣٣]. وكان الوزير بمصر يومئذ عليّ بن أحمد الجرجرائيّ، فقرّر عليه في كلّ سنة مالا يحمله. فلمّا صارت الوزارة إلى الوزير صدقة بن يوسف الفلاحيّ، ثمّ وزارة أبي البركات الحسن بن محمد الجرجرائيّ، تأخّر الحمل سنتين (٣) بأربعين ألف دينار، فسيّر إليه الأمير ناصر الدولة أبا محمد الحسن بن الحسين بن الحسن بن حمدان، متولّي دمشق بعد الدزبريّ. فوصل إلى حلب ورجع عنها إلى دمشق من غير أن يقدر على ثمال. فنقم عليه ذلك وقبضه الأمير منير الدولة. ثمّ إنّ معزّ الدولة بعث إلى المستنصر بالقسط على يد شيخ الدولة علي بن أحمد بن الأيسر، وسيّر معه زوجته ابنة (٤) الأمير وثّاب السيّدة علويّة بنت وثّاب، ومعها من القلعة أربعون ألف دينار وهدايا فاخرة. فأكرمها المستنصر وكتب لمعزّ الدولة بحلب وأعمالها، وسيّر إليه بتشريف ولجميع بني عمّه. ولمّا اندفع الأمير أبو الحارث أرسلان البساسيريّ من بغداد إلى [٣٤٩ ب] الشام في سنة سبع وأربعين منهزما من طغرل بك وحصل في أرض الرحبة، وقد وصل في قلّ من الرجال، لقيه ثمال وأكرمه وحمل إليه مالا عظيما. فقيل عن البساسيريّ إنّه لم ير مثله في الشجاعة والمكر. وكان إذا ركب معزّ الدولة قفز إليه ليمسك له الركاب ويصلح ثيابه في السرج. وسلّم إليه معزّ الدولة الرحبة في سنة ثمان وأربعين ليجعل فيها ماله وأهله. فلمّا ولي الوزير الناصر للدين أبو محمد الحسن بن [عليّ بن] عبد الرحمن اليازوري (٥) وزارة المستنصر، لم يرض من معزّ الدولة بما رضيه الوزراء قبله ورأى أنّ الحيلة والخديعة أبلغ فيما يريده. فاستعمل السياسة وبعث خفايا التدبير، وندب لذلك رجلا من ثقاته (٦). فسار إلى حلب وساس الأمر وأحكم التدبير مع كاتب معزّ الدولة بكثرة ما وعده به ومنّاه. إلى أن نزل معزّ

стр. 914

الدولة من القلعة وسلّمها إلى الأمير مكين الدولة أبي عليّ الحسن بن علي بن ملهم بن دينار العقيليّ نائب المستنصر، وسار من حلب إلى مصر. فلمّا بلغ رفح سمع بالقبض على اليازوريّ فقال: والله إنّي أموت بحسرة ونظرة إلى من استلبني من ذلك الملك وأخرجني بلا رغبة ولا رهبة إلّا بحسن السياسة. ولو رام ذلك منّي قسرا ربّما تعذّر عليه (١). وسار حتى قدم على المستنصر بالقاهرة في المحرّم سنة خمسين وأربعمائة، فعوّضه عن حلب مدينة عكّا وبيروت وجبيل. فاتّفق في مدّة إقامته بمصر قتل البساسيريّ. فسار أسد الدولة أبو ذؤابة عطيّة بن صالح بن مرداس إلى الرحبة وأخذ جميع ما تركه البساسيريّ بها من السلاح الذي لم ير مثله كثرة وجودة. فطمع بنو كلاب في حلب وقدّموا عليهم محمود بن نصر بن صالح بن مرداس. فسار إليها في جمادى الأولى سنة اثنتين وخمسين وتسلّمها. فانحاز مكين الدولة بن ملهم إلى القلعة وأنفذ إلى المستنصر يطلب النجدة. فوصل إليه ناصر الدولة أبو علي الحسين، ابن ناصر الدولة الحسن بن الحسين بن حمدان، وكانت وقعة الفنيدق، وهو المعروف بتلّ السلطان، وأسر ابن حمدان، وعاد محمود بن نصر إلى حلب. فلمّا بلغ ذلك المستنصر صرف معزّ الدولة عن عكّا وبيروت وجبيل، وقال له: إنّ هذه أخذتها عوضا عن حلب. وقد [٣٥٠ أ] عادت إلى ابن أخيك. فامض إلى حلب واستعدها منه. فعاد إلى أن وصل إلى معرّة النعمان. فسيّر محمود أبا محمد عبد الله بن محمد الخفاجيّ رسولا إلى ملك الروم يستنجد به على عمّه معزّ الدولة. ثم صالح محمود عمّه وسلّم إليه حلب يوم الاثنين أوّل شهر ربيع الآخر سنة ثلاث وخمسين. فلم يزل بها حتى مات فيها يوم الخميس لستّ بقين من ذي القعدة سنة أربع وخمسين وأربعمائة. فدفن في مقام إبراهيم الفوقانيّ بقلعة حلب، وبقي إلى أيّام الملك رضوان فقلع وبلط عليه. وكان معزّ الدولة كريما حليما. حكي أنّ العرب اقترحوا عليه مضيرة، فتقدّم إلى وكيله أن يطبخها لهم، وسأله: كم ذبحت لأجلها؟ . فقال: سبعمائة وخمسين رأسا. ويحكى عن حلمه أنّ فرّاشا صبّ يوما على يده ماء بإبريق كان في يده، فصادفت أنبوبة الإبريق بعض ثنيّة معزّ الدولة فكسرتها وسقطت في الطشت، وهمّ به الغلمان فمنعهم، وأمر برفعها وعفا عنه. فقال ابن أبي حصينة فيه من أبيات [الوافر]: حليم عن جرائمنا إليه ... وحتى عن ثنيّته انقلاعا وقدم عليه الوزير فخر الدولة أبو نصر محمد بن محمد بن جهير فاستوزره وفوّض أموره إليه جميعها. فحسد على مكانه وقرّبه منه، وسعي به إليه. وكان معزّ الدولة له وفاء وذمّة فنبّهه على ما سعي به إليه، فاستأذنه أبو نصر في المفارقة فأذن له، وسار من حلب، وذلك في سنة ستّ وأربعين وأربعمائة. ولمّا مات معزّ الدولة ولي بعده حلب أسد الدولة أبو ذؤابة عطيّة بن صالح بن مرداس.

стр. 915

١٠٤٦ - ثمل الخادم [- بعد ٣١١] (١) [٣٥١ أ] [ ... ] وغزا في يحر الروم فغنم وسبى وعاد في سنة ستّ وثلاثمائة. فلمّا قدمت مراكب المهديّ عبيد الله من إفريقيّة تريد الإسكندريّة، وعدّتها ثمانون مركبا، وقائدها سليمان الخادم ويعقوب الكتاميّ، وقد ملكها أبو القاسم ابن المهديّ، بعث أمير المؤمنين المقتدر بالله أبو الفضل جعفر إلى ثمل، وهو على مراكب طرسوس، فأتى في خمسة وعشرين مركبا إلى رشيد، فلقي المراكب وعليها سليمان الخادم في العشرين من شوّال سنة سبع وثلاثمائة، وقاتله قتالا شديدا. فبعث الله الريح على مراكب سليمان فألقتها إلى البرّ فتكسّر أكثرها. وأخذ ثمل من فيها أخذا باليد وقتل أكثرهم. وسار بمن بقي إلى الفسطاط فأنزلهم بالمقس يوم الاثنين لأربع بقين منه. فأمر أبو منصور تكين أمير مصر بتمييز الأسارى فأطلق أهل القيروان وأهل طرابلس وبرقة وصقلّية، وميّز كتامة وزويلة ناحية، ثمّ أذن للناس في قتلهم، فقتلوا منهم نحو السبعمائة. ودخل ثمل ومعه سليمان الخادم فطاف به مقيّدا، ومعه رؤساء المراكب وهم مائة وسبعة عشر رجلا في يوم الثلاثاء لثلاث بقين منه. ثمّ مضى إلى الإسكندريّة في مراكبه فقاتله أصحاب أبي القاسم وهزمهم، وملكها، ونقل أهلها إلى رشيد، وذلك في المحرّم سنة تسع وثلاثمائة. ورجع إلى الفسطاط فمضى في مراكبه إلى اللاهون (٢). ثمّ عاد بعد مسير أبي القاسم إلى برقة. وخرج مع مؤنس في ربيع الآخر سنة تسع وثلاثمائة، ومعه سليمان الخادم والأسرى في مراكبه، فحمل سليمان إلى بغداد. وغزا في سنة إحدى عشرة وثلاثمائة، فغنم من السبي ألف رأس وثمانية آلاف دابّة ومائة ألف رأس من الغنم، ومن الذهب والفضّة شيئا كثيرا (٣). ١٠٤٧ - ثوبان بن بجدد، مولى رسول الله ﷺ [- ٥٤] (٤) ثوبان بن بجدد- ويقال: ابن جحدر- مولى رسول الله ﷺ يكنّى أبا عبد الله. أصله من ألهان (٥) من أهل اليمن، أصابه سباء فابتاعه رسول الله ﷺ بالمدينة وأعتقه، وقال له: «يا ثوبان، إن شئت أن تلحق بمن أنت منهم فعلت، فأنت منهم، وإن شئت أن تثبتفأنت منّا أهل البيت». فثبت على ولاء رسول الله ﷺ ، ونزل حمص وله بها دار صدقة وشهد فتح مصر، واختطّ بها. وروى عنه من أهل مصر مرثد بن عبد الله اليزنيّ وأبو عبد الرحمن الجبلانيّ (٦)، وروى عنه
следующие страницы →