← Тафсир

Тафсир · id 14533

اللباب في تفسير الاستعاذة والبسملة وفاتحة الكتاب

سليمان اللاحم

Полный текст (441 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

تعالى: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوء﴾ (١)، وقوله: ﴿وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَة﴾ (٢)، وقوله: ﴿وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى﴾ (٣). ولم يأمر بالاستعاذة منها في موضع واحد من القرآن، وإنما جاءت الاستعاذة من شرها بالسنة، كما في حديث أبي هريرة، في تعليم النبي ﷺ لأبي بكر كلمات يقولهن إذا أصبح، وإذا أمسى، وإذا أخذ مضجعه، وفيهن أمره ﷺ له أن يقول «أعوذ بالله من شر نفسي» (٤). وفي خطبة الحاجة كما في حديث ابن مسعود قال: علمنا رسول الله ﷺ خطبة الحاجة: «إن الحمه لله نستعينه ونستغفره ونعوذ به من شرور أنفسنا ... الحديث» (٥). ****

стр. 72

المبحث الثامن السبيل للخلاص من شر الشيطان ومكايده ابتلى الله آدم وذريته، بعداوة إبليس لهم، عداوة متأصلة، قديمة منذ أن تكبر عن السجود لآدم وحسده، وتسبب في إخراجه من الجنة، قال الله - تعالى: ﴿يَا بَنِي آَدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآَتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ (٢٧)﴾ (١). وقال تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ (٦)﴾ (٢). وقال تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا (٥٣)﴾ (٣). وقال تعالى: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا (٥٠)﴾ (٤). وقد أقسم - لعنه الله - على أنه سيعمل جاهدًا على إغواء بني آدم، فقال: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٨٣)﴾ (٥)، وقال - أيضًا - ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٣٩)﴾ (٦)، وقال: ﴿فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (١٦)﴾ (٧).

стр. 73

وقد جعل الله له سلطانًا على الذين يتولونه، فقال: ﴿إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ (١٠٠)﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَولَادِ وَعِدْهُمْ﴾ (٢). وقد طلب أن يُنظر إلى يوم القيامة، فأعطاه الله ذلك، ابتلاء واختبارًا للعباد، فقال تعالى: ﴿قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (٨٠) إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (٨١)﴾ (٣). وهو ساع بكل الوسائل والحيل، إلى إغواء بني آدم، وإهلاكهم، فعلى المسلم أن يحذر من هذا العدو، وأن يعلم أن أسباب الخلاص منه، وأسباب حفظ الله للعبد من شر الشيطان ومكايده تتلخص فيما يلي:- أولًا: بالإيمان والعمل الصالح، ولزوم الكتاب والسنة، وطاعة الله - تعالى - والتوكل عليه، قال الله - تعالى: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٩٩)﴾ (٤)، وقال تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ (٥).

стр. 74

وعن جندب بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : «من صلى الصبح فهو فى ذمة الله ...» الحديث رواه مسلم (١) ومفهوم هذا الحديث، وأمثاله أن من لم يصل الصبح فليس في ذمة الله، بل هو عرضه لتخبط الشيطان. وهكذا - بلا شك - كل تقصير في أداء ما أوجب الله - تعالى، فهو سبب لفقدان الأمان، الذي وعد الله به أهل الإيمان (٢)، ومقرب من المخاوف ومصائد الشيطان. ثانيًا: البعد عن معاصي الله لأن ما يصيب الإنسان من مصائب، ومنها تسلط الشيطان، فهو بسبب الذنوب والمعاصي .. قال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ (٣٠)﴾ (٣) وقال تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٤١)﴾ (٤). فينبغي تطهير القلب والنفس والجوارح عن كل ما نهى الله عنه، من الاعتقادات والأعمال التي تكون مجلبة للشيطان وسببًا لبعد الملائكة عن الإنسان. كالتعلق بالغناء والمزامير، قال تعالى مخاطبًا الشيطان: ﴿وَاسْتَفْزِزْ

стр. 75

مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ﴾ (١). وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «الجرس مزامير الشيطان» رواه مسلم (٢). وكاقتناء الصور والتماثيل والكلاب. فعن ابن عمر ﵄ أن جبريل قال للنبي ﷺ : «إنا لا ندخل بيتًا فيه صور ولا كلب» رواه البخاري (٣). عن أبي طلحة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا تدخل الملائكة بيتًا فيه كلب ولا صورة تماثيل» متفق عليه (٤). وكاقتناء الصليب، فعن عائشة ﵂ «أن النبي ﷺ لم يكن يترك في بيته شيئًا فيه تصاليب إلا نقضه» (٥). إلى غير ذلك من المعاصي الظاهرة والباطنة التي ينبغي البعد عنها والحذر منها. ثالثًا: الاستعاذة بالله من الشيطان وهمزاته ووساوسه، وجميع شروره، والحذر منه، والاعتصام بالله - تعالى - والالتجاء إليه،

стр. 76

بالألفاظ التي صحت في الاستعاذة، وبالمعوذتين، فإنه ما تعوذ متعوذ بمثلهما. وملازمة ذلك في جميع المواضع والأوقات التي شرع فيها التعوذ - مع الاعتقاد الجازم بأن النفع والضر بيد الله، وأنه - جل - وعلا - هو القادر على دفع شر الشيطان، مع قوة الاعتماد على الله والثقة. بهء وتيقن أن كيد الشيطان ضعيف، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا (٧٦)﴾ (١)، فغاية ما عنده الوسوسة كما قال ﷺ «الحمد لله الذي رد كيده إلى الوسوسة» (٢). ومع أن له تسلطًا على بني آدم، فهو لا يعلم الغيب، قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَاكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ (١٤)﴾ (٣)، وقال تعالى: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ (٤)، وقال تعالى: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ﴾ (٥)، وقال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ (٦)، وأيضًا - وكما تقدم - فليس له سلطان

стр. 77

على الذين آمنوا. قال تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا (٦٥)﴾ (١). وتسلطه على كثير من المسلمين، وتزيينه لهم المعاصى، إنما هو بسبب ضعف إيمانهم ووقوعهم فى المعصية، المؤدية بهم إلى ما هو أعظم منها، كما قال تعالى عن الكفار: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١١٠)﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ (٣) وقال ﷺ : «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن» (٤): أى أن إيمانه يضعف فيتسلط عليه الشيطان فيوقعه فى الزنا والمعاصي المذكورة فى الحديث، وغيرها. رابعًا: ملازمة قراءة القرآن فذلك مما يحصن المسلم ويحفظه بإذن الله من الشياطين. قال تعالى: ﴿إِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآَنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا (٤٦)﴾ (٥). وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (٣٦)﴾ (٦). وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا تجعلوا بيوتكم قبورًا، فإن الشيطان ينفر من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة» رواه مسلم (٧). وإذا نفر الشيطان حفت

стр. 78

الملائكة بالإنسان، كما في حديث أبي سعيد الخدري في قصة أسيد حضير حين قام يقرأ القرآن، فجالت فرسه، وفيه ذكر شهود الملائكة لقراءته (١). خامسًا: ملازمة الأذكار والأدعية والأوراد الموظفة اليومية كأدعية الصباح والمساء والنوم وغيرها. قال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ (٢٠٥)﴾ (٢). فإن ملازمة هذه الأذكار، مما يحفظ الله به المسلم من الشيطان. قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ (٢٠١)﴾ (٣). وفي حديث أبي هريرة في قصة مجئ الشيطان إليه عندما كان يحرس الطعام وفيه «إذا أويت إلى فراشك، فاقرأ آية الكرسي، لن يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربك شيطان، حتى تصبح» رواه البخاري (٤). وفي حديث أبي مسعود الأنصاري، قال: قال رسول الله ﷺ : «من قرأ الآيتين، من آخر سورة البقرة كفتاه» متفق عليه (٥).

стр. 79

وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، في يوم مائة مرة، كانت له عدل عشر رقاب، وكتب له مائة حسنة، ومحيت عنه مائة سيثة، وكانت له حرزًا من الشيطان يومه ذلك، حتى يمسي، ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به إلا رجل عمل أكثر من ذلك» متفق عليه (١). وكما في حديث أبي هريرة من أن الشيطان إذا سمع الأذان أدبر وله ضراط (٢). سادسًا: أن يجعل المسلم شيئًا من صلاة النوافل في بيته، بل الأولى أن تكون النوافل كلها في البيت لقوله ﷺ : «أفضل الصلاة صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة» متفق عليه (٣). وذلك أن صلاة النوافل في البيت مما يطرد الشيطان، ولهذا قال: ﷺ : «اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم، ولا تتخذوها قبورًا» متفق عليه (٤). وذلك لأن المقابر، والأماكن الخربة، والمستقذرة، مساكن

стр. 80

الشياطين، حيث تخلو هذه الأماكن من ذكر الله. سابعًا: الإمساك عن فضول النظر والكلام والطعام ومخالطة الأنام فإن الشيطان إنما يتسلط على ابن آدم وينال منه غرضه من هذه الأبواب (١). فهذا مجمل الأسباب التي بها يخلص الله الإنسان، ويحفظه من شر الشيطان ومكائده، والتي تبين بها ضعف كيد الشيطان أمام قوة الإيمان والاعتصام بالملك الديان. وبهذا يرد على الذين يسهولون من أمر الشيطان سواء كان ذلك منهم عن جهل مع حسن النية والمعتقد أو كانوا ممن ابتلوا بخدمة هؤلاء الشياطين لأغراض مادية ونحو ذلك ولو كان ذلك على حساب دينهم، حتى صار فئام من الناس يتخوفون من الشياطين ويصدقونهم ويعتقدون فيهم ما لا يجوز اعتقاده من أنهم يعلمون الغيب. ويستطيعون أن يفعلوا، وأن يفعلوا، وهذا باطل، قال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (٢٢)﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ (٣)، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (٤)، وقال تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا﴾ (٥). ****

стр. 81

الفصل الثاني البسملة: معناها، وأحكامها وفيه تسعة مباحث: المبحث الأول: لفظ البسملة، وإعرابها. أ- لفظها. ب - إعرابها. المبحث الثاني: معنى البسملة. المبحث الثالث: هل البسملة آية مستقلة من القرآن الكريم، أو من سورة الفاتحة، أو من كل سورة سوى «براءة»، أو ليست بآية؟. المبحث الرابع: السبب في عدم كتابة البسملة في مطلع سورة براءة. المبحث الخامس: حكم قراءة البسملة في غير الصلاة. المبحث السادس: حكم قراءة البسملة في الصلاة. المبحث السابع: حكم البسملة من حيث الجهر بها والإسرار هي الصلاة، أو خارجها. المبحث الثامن: المواضع التي تشرح فيها البسملة. المبحث التاسع: فوائد البسملة، والأحكام التي تضمنتها.

стр. 82

المبحث الأول لفظ البسملة، وإعرابها أ - لفظها: - لفظ البسملة المشروع هو: بسم الله الرحمن الرحيم عند جميع القراء (١)، وباتفاق أهل العلم. فلا يصح أن يقال عند القراءة: باسمك اللهم اقرأ، ولا عند الذبح: باسمك اللهم أذبح ... ، ولا يصح استبدال لفظ الجلالة «الله» ولا اسمي «الرحمن»، «الرحيم» بغيرها من أسمائه - جل وعلا. ب - إعرابها: - ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ بسم الله: الباء حرف الجر. اسم: اسم مجرور بالباء، وعلامة جره الكسرة، وحذفت منه الألف لفظًا وخطًا، تخفيفًا لكثرة الاستعمال (٢)، ولا تحذف إلا مع لفظ الحلالة، ولهذا أثبتت في قوله تعالى: ﴿اقْرَا بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ (٣).

стр. 83

وهو نائب عن المصدر «تسمية» كقول القطامي (١). أكفرا بعد رد الموت عني ... وبعد عطائك المائة الرتاعا أي بعد إعطائك، فأناب «عطاء» عن المصدر «إعطاء» (٢) وهذا كثير في اللغة. والجار والمجرور في محل نثب متعلقان بفعل محذوف (٣). قدره الكوفيون متقدمًا، نحو: أبتداء باسم الله، أو ابتدأ باسم الله، على الأمر، كقوله تعالى: ﴿اقْرَا بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ وقدره بعضهم متأخرًا نحو: باسم الله أبتداء، باسم الله أقرأ. أو متعلق باسم محذوف وقع خبرًا، قدره البصريون وأكثر النحويين متقدمًا نحو ابتدائي كائن، أو مستقر باسم الله، أو ابتدائي باسم الله. وقدره بعضهم اسمًا متأخرًا، ومنه قوله تعالى: ﴿وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٤) فـ (بسم الله) متعلق

стр. 84

بـ (مجريها). وكل هذه التقادير صحيحة (١). لكن الأولى - كما اختاره بعض المحققين - أن يكون المقدر فعلًا متأخرًا خاصًا: أي مناسبًا لما يسمى علية. فكونه فعلًا لأن الأصلى في العمل هو الأفعال، فهي تعمل بدون شروط، أما الأسماء فما يعمل منها كاسم الفاعل، واسم المفعول، والصفة المشبهة، إنما يعمل بشروط. وكونه متأخرًا تيمنًا وتبركًا بالبداءة باسم الله، ولإفادة الحصر (٢)، لأن تقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر، كقوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (٣). فالمعنى: لا أقرأ إلا باسم الله، ولا أتوضأ إلا باسم الله، ولا أذبح إلا باسم الله، وهكذا وكونه خاصًا مناسبًا لما يسمى عليه ليكون أدل على المقصود، وأبين للمراد (٤). فعند القراءة يكون التقدير: باسم الله أقرأ، وعند الوضوء: باسم

стр. 85

الله أتوضأ، وعند الذبح: باسم الله أذبح، وهكذا (١). ويدل على التخصيص قوله تعالى في الآيتين السابقتين: ﴿بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا﴾ (٢)، وقوله: ﴿اقْرَا بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١)﴾ وقوله ﷺ : «ومن لم يذبح فيلذبح باسم الله» (٣) فقدر في الآية الأولى اسمًا خاصًا، وهو مجريها، وفي الآية الثانية فعلًا خاصًا وهو اقرأ وفي الحديث فعلًا خاصًا وهو «يذبح». الله: لفظ الجلالة مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الكسرة الظاهرة على آخره. الرحمن الرحيم: صفتان للفظ الجلالة، كل منهما مجرورة، وعلامة جرها الكسرة الظاهرة على آخرها. ****

стр. 86

المبحث الثاني معنى البسملة بسم الله: الباء للاستعانة: أي بسم الله أقرأ، أو أتوضأ، مستعينًا به، ومتيمنًا، ومتبركًا (١). واسم: الاسم مأخوذ من الوسم، وهو العلامة، لأن الاسم علامة على من وضع له، وهذا اختيار الكوفيين وطائفة من النحويين. وذهب البصريون وأكثر النحويين إلى أنه مأخوذ من السمو، وهو العلو والارتفاع، لأن الاسم يسمو بالمسمى، فيرفعه عن غيره، وقيل لأن الاسم علا بقوته على الفعل والحرف، لأنه الأصل. وقول الكوفيين أظهر من حيث المعنى، وهو أن الاسم علامة على من وضع له، لكن تصريف اسم وجمعه يقوي قول البصريين: إنه من السمو، وهو العلو والارتفاع فهو يجمع على أسماء وأسامي، ويصغر على سمي، ولو كان من السمة، لكان أصله «وسم»، وجمع على «أوسام»، وصغر على «وسيم» لأن الجمع والتصغير يردان الأشياء إلى أصولها (٢).

стр. 87

وقد لا يمتنع أن يكون الاسم مأخوذًا من المعنيين معًا، لأن الاسم يظهر المسمى، فيكون فيه معنى العلو والارتفاع، ويميزه عن غيره فيكون فيه معنى العلامة. واسم: اسم مفرد أضيف إلى لفظ الجلالة - كما تقدم - وهو معرفة، فاستفاد العموم، فيعم جميع أسماء الله الحسنى، فالمعنى بكل اسم من أسماء الله (١). و «الله» علم على «الرب» ﵎ خاص به سبحانه ولا يجوز أن يسمى به غيره. قال تعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا (٦٥)﴾ (٢). قال سيبويه «وهو أعرف المعارف» وهو أصل أسمائه الحسنى، ودال عليها جميعًا، وعلى صفاته العليا (٣). بل قيل إنه الاسم الأعظم (٤). وتأتي أسماء الله - تعالى - تابعة لهذا الاسم، وأوصافًا له، ومضافة إليه (٥) قال تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (٢٢) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ

стр. 88

الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٢٣) هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٤)﴾ (١). وقال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ (٢). وقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ (٣)، وقال تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ (٤). وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ : قال: «إن لله تسعة وتسعين اسمًا من أحصاها دخل الجنة» متفق عليه (٥). ولهذا يقال: الرحمن والرحيم والحكيم من أسماء الله، ولا يقال: الله من أسماء الرحمن، أو من أسماء الرحيم أو من أسماء الحكيم. وقد يأتي لفظ الجلالة «الله» تابعًا لغيره من الأسماء، كما في قوله تعالى: ﴿الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ * اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي

стр. 89

الْأَرْضِ وَوَيْلٌ لِلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ (٢)﴾ (١). فلفظ الجلالة «الله» على قراءة الجر عطف بيان، تابع للاسم الذي قبله. واختلف هل لفظ الجلالة (الله) مرتجل أو مشتق. فقيل إنه مرتجل غير مشتق، والألف واللام لازمه له، لا لتعريف، ولا لغيره، بدليل دخول حرف النداء عليه، وبدليل أنه لا يثنى، ولا يجمع. وهو اختيار الخليل وسيبويه والزجاج وأكثر الأصوليين والفقهاء (٢). والصحيح أنه مشتق من «أله» إذا عبد، فهو مصدر في موضع المفعول، من أله الرجل يأله إلهه إذا تعبد وتأله وتنسك (٣). قال تعالى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ﴾ (٤)، وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ (٥)، وقال تعالى: ﴿أَءلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ (٦). قال رؤبة بن العجاج (٧).

стр. 90

لله در الغانيات المده ... سبحان واسترجعن من تألهي أي من تعبدي وطلبي لله بعملي (١). وأصله «إله» حذفت منه الهمزة، وعوض منها حرف التعريف (٢). ونظيره «الناس»، أصله «أناس». قال الشاعر: إن المنايا يطلـ ... ـن على الأناس الآمنينا (٣) واختار سيبويه أن أصله «لاه»، فدخلت الألف واللازم للتعظيم (٤). وأنشدوا قول ذي الإصبع العدواني (٥): لاه ابن عمك لا أفضلت في حسب ... عني ولا أنت دياني فتخزوني قال الزمخشري (٦): «الإله من أسماء الأجناس، اسم يقع على كل معبود بحق أو باطل، ثم غلب على المعبود بحق، أما «الله» بحذف الهمزة، فيختص بالمعبود بالحق لم يطلق على غيره».

стр. 91

ومعنى «الله»: أي المألوه المعبود الذي تعبده الخلائق، وتتأله له محبة وتعظيمًا وخضوعًا له، وفزعًا إليه في الحوائج والنوائب (١)، لما له من صفات الألوهية، وهي صفات الكمال (٢). قال شيخ الإسلام ابن تيمية (٣). «فإن الله سبحانه هو المستحق للعبادة لذاته لأنه المألوه المعبود الذي تألهه القلوب وترغب إليه، وتفزع إليه عند الشدائد». وقال ﵀ (٤): «الله وهو الإله المعبود، فهذا الاسم أحق بالعبادة يتضمن غاية العبد ومصيره ومنتهاه، وما خلق له، وما فيه صلاحه وكماله، وهو عبادة الله، ولهذا يقال: الله أكبر، الحمد لله، سبحان الله، لا إله إلا الله». الرحمن الرحيم: اسمان من أسماء الله - تعالى - مشتقان من الرحمة، وعن عبد الرحمن بن عوف، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «قال الله: أنا الرحمن، وهي الرحم، شققت لها اسمًا من اسمي، من وصلها وصلته، ومن قطعها قطعته» (٥). فالرحمن والرحيم مشتقان من

стр. 92

الرحمة، والرحم مشتقة من اسمه تعالى «الرحمن». و «الرحمن» على وزن «فعلان»، و «الرحيم» على وزن «فعيل» كل منهما صفة مشبهة، ومن صيغ المبالغة. لكن «فعلان» أبلغ من «فعيل»، لأن صيغة «فعلان» تدل على الامتلاء، يقال: رجل غضبان أي ممتلئ عضبًا. ولهذا قدم «الرحمن» على «الرحيم» (١). والرحيم مشتقان من وكل منهما دال على إثبات صفة الرحمة الواسعة الكثيرة المستمرة العظيمة لله - تعالى، كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ﴾ (٢). وقال تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ (٣)، وقال تعالى: ﴿كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ (٤)، وقال تعالى: ﴿فَانْظُرْ إِلَى آَثَارِ رَحْمَةِ اللَّهِ (٥) كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ (٦).

стр. 93

وعن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «جعل الله الرحمة مائة جزء، فأمسك عنده تسعة وتسعين، وأنزل في الأرض جزءًا واحدًا، فمن ذلك الجزء يتراحم الخلائق، حتى ترفع الدابة حافرها عن ولدها، خشية أن تصيبه» متفق عليه (١). وعن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ : «لما قضى الله الخلق، كتب في كتاب، فهو عنده فوق العرش: إن رحمتي سبقت غضبي» متفق عليه (٢). وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لو يعلم المؤمن ما عند الله من العقوبة ما طمع بجنته أحد، ولو يعلم الكافر ما عند الله من الرحمة، ما قنط من جنته أحد» رواه مسلم (٣). وإذا اجتمع «الرحمن» مع «الرحيم» في مثل البسملة، والفاتحة، وقوله تعالى: ﴿هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ (٤) دل «الرحمن» على إثبات صفة الرحمة الذاتية القائمة به سبحانه، كما قال تعالى: ﴿وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو

стр. 94

الرَّحْمَةِ﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ﴾ (٣). ودل «الرحيم» على إثبات صفة الرحمة الفعلية لله المتعلقة بالمرحوم - فهو تعالى فاعل الرحمة وموصلها إلى من شاء من عباده، كما قال تعالى: ﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ﴾ (٤) وقال تعالى: ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِنْ يَشَا يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِنْ يَشَا يُعَذِّبْكُمْ﴾ (٥). قال ابن القيم ﵀ (٦) بعد ما ذكر قول السهيلي: «فائدة الجمع بين الصفتين «الرحمن» و «الرحيم» الإنباء عن رحمة عاجلة وآجلة فى خاصة وعامة ... قال وهو أن «الرحمن» دال على الصفة القائمة به سبحانه، و «الرحيم» دال على تعلقها بالمرحوم، فكان الأول للوصف، والثاني للفعل، فالأول دال على أن الرحمة صفته، والثاني دال على أنه يرحم خلقه برحمته، وإذا أردت فهم هذا فتأمل قوله ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ ﴿إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ولم يجيء قط «رحمن بهم» فعلم أن «الرحمن» هو الموصوف بالرحمة، و «رحيم» هو الراحم برحمته ....» أهـ.

стр. 95

أما إذا جاء كل منهما منفردًا عن الآخر، كما في قوله - تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ (١) وكما في قوله تعالى: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ (٢)، فإن كلا منهما - بمفرده - يدل على إثبات الرحمة لله، باعتبارها صفة ذاتية لله، وباعتبارها صفة فعلية له - تعالى (٣). والفرق بين «الرحمن» و «الرحيم» من وجوه ثلاثة: الوجه الأول: أن بينهما عمومًا وخصوصًا، من حيث اللفظ، فالرحمن اسم خاص با لله - تعالى - لا يسمى به غيره (٤)، كاسم «الله»، و «الرزاق». بل إن «الرحمن» يُعد عند طائفة من أهل العلم، ثاني اسم من أسماء الله - تعالى، لقوله - تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا

стр. 96

تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ (١) وقوله - تعالى: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آَلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ (٢). وإنما تسمى مسيلمة بذلك من باب التعنت والكفر (٣)، فأذله الله. قال ابن كثير (٤) -رحمه الله تعالى-: «ولما تجهرم مسيلمة الكذاب، وتسمى برحمن اليمامة، كساه الله جلباب الكذب، وشهر به، فلا يقال إلا مسيلمة الكذاب، فصار يضرب به المثل في الكذب، بين أهل الحضر من أهل المدر، وأهل الوبر من أهل البادية والأعراب». و «الرحيم» اسم عام يجوز أن يوصف به غير الله، كاسم الرؤو ف، والسميع، والبصير، قال - تعالى - عن نبيه محمد ﷺ : ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (٥)، وقال تعالى: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ (٦). الوجه الثاني: أن بينهما عمومًا وخصومًا من حيث المعنى

стр. 97

(١)، فالرحمن رحمة عامة لجميع الخلق مؤمنهم وكافرهم، وناطقهم وبهيمهم، فى الدنيا والآخرة. فرحمته للمؤمنين فى الدنيا، هدايتهم للحق، وإلى الطريق المستقيم، إلى غير ذلك من نعم الله عليهم، مما هو دون ذلك، ورحمته لهم فى الآخرة، وإدخالهم جنات النعيم، ووقايتهم عذاب الجحيم. ورحمته لكافرين، والبهائم فى الدنيا، ما يتمتعون به من نعم الله، من الصحة والمآكل والمشارب ونحوها. ورحمته لهم فى الآخرة العدك فى حسابهم، كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ (٣) حتى إنه ليقتص للشاة الجلحاء من الشاة القرناء» (٤). قال ابن كثير (٥) - رحمه الله تعالى - بعد أن ذكر القول بأن «الرحمن» لجميع الخلق و «الرحيم» بالمؤمنين - قال: «ولهذا قال: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ﴾ (٦)، وقال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (٧). قال ابن

стр. 98

كثير: «فذكر الاستواء باسمه الرحمن ليعم جميع خلقه برحمته». وقال الشنقيطي (١) - رحمه الله تعالى - بعد أن ذكر كلام ابن كثير السابق قال: «ومثله قو له تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ﴾ (٢). قال أي ومن رحمانيته لطفه بالطير، وإمساكه إياها صافات وقابضات في جو السماء، ومن أظهر الأدلة في ذلك قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآَنَ (٢)﴾ إلى قوله: ﴿فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (١٣)﴾ (٣)». والرحيم رحمة خاصة بالمؤمنين في الدنيا والآخرة كما قال تعالى: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ (٤)، وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (٥). الوجه الثالث: أن «الرحمن» أبلغ من «الرحيم» (٦)، ولهذا، ولكونه أي: «الرحمن» أخص من، «الرحيم» قدم عليه «في البسملة والفاتحة، وقدم عليهما لفظ الجلالة لأنه أخص منهما وأعرف، وهما وغيرهما من

стр. 99

أسمائه تعالى تبع له. قال ابن كثير (١) - رحمه الله تعالى -: «بدأ باسم الله، ووصفه بالرحمن، لأنه أخص وأعرف من الرحيم، لأن التسمية أولًا إنما تكون بأشرف الأسماء، فلهذا ابتدأ بالأخص فالأخص». وقد كان اسم «الرحمن» معروفًا - والله أعلم - عند العرب قبل الإسلام، وقد ورد ذلك في أشعارهم. كقول سلامة الجعدري (٢): عجلتم علينا عجلتينا عليكم ... وما يشأ الرحمن يعقد ويطلق وقول الآخر:- ألا ضربت تلك الفتاه هجينها ... ألا قبضب الرحمن ربي يمينها (٣) أما قوله - تعالى عن المشركين ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَامُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا﴾ (٤). وكذا قولهم في صلح الحديبية لما قال الرسول ﷺ لعلي:

стр. 100

«اكتب بسم الله الرحمن الرحيم» قالوا: «ما ندري ما الرحمن اكتب باسمك اللهم» (١). فذلك منهم محمول - والله أعلم - على الجحود والعناد، والتعنت في الكفر، كما قال كثير من المفسرين (٢). ****

стр. 101

المبحث الثالث هل البسملة آية مستقلة من القرآن الكريم أو من سورة الفاتحة، أو من كل سورة سوى براءة، أو ليست بآية؟ اختلف أهل العلم في هذه المسألة على أقوال عدة، بعد إجماعهم على أنها بعض آية من سورة النمل، في قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣٠)﴾ (١). وفيما يلي ذكر خلاصة لأقوالهم، وأدلتهم في هذه المسألة (٢). القول الأول: - أن البسملة ليست آية من القرآن الكريم مطلقًا (٣)، إلا في سورة النمل فهي بعض آية منها. وانما كتبت البسملة في أوائل السور للاستفتاح بها، والابتداء والتبرك بها، والتيمن، والفصل بين السور. وهذا القول يُروى عن قراء ائمدينة والبصرة والشام (٤)، وهو قول

стр. 102

الإمام مالك (١) وعبد الله بن معبد (٢)، ونسب لأبي حنيفة، وبعض أصحابه (٣)، والأوزاعي (٤)، وحُكي رواية عن الإمام أحمد (٥)، لكن قال ابن تيمية (٦): «لايمنح هذا عنه، وإن كان قولًا في مذهبه». واختاره الباقلاني (٧). ولم أقف على دليل صحيح صريح لهذا القول، ولا على تعليل مقبول إلا التمسك بأدلة وأحاديث لا تدل عليه، كحديث أنس بن مالك وعائشة ﵄ (٨) - وما في معناهما من الأدلة، التي فيها: أن الرسول ﷺ وخلفاءه كانوا يستفتحون القراءة، أو الصلاة بالحمد لله رب العالمين ... ، وسيأتي ذكر هذه الأحاديث - إن شاء الله - في القول الرابع من هذه الأقوال، وبيان أن غاية بما تدل عليه في هذه الأحاديث أنهم كانوا لا يجهرون بالبسملة، لا أنهم يتركونها، وليس عدم الجهر بها، مما يخرجها من القرآن، كما زعم بعض من ذهب إلى

стр. 103

هذا القول (١). وقد احتج ابن العربي (٢) لهذا القول بأن مسجد الرسول ﷺ بالمدينة من لدن رسول الله ﷺ إلى زمان الإمام مالك لم يقرأ فيه أحد قط (بسم الله الرحمن الرحيم) اتباعًا للسنة. وهذا إن أراد به أنهم لا يجهرون بها فصحيح، وإما أن أراد أنهم لا يقرؤونها أبدًا لا سرًا ولا جهرًا فالجواب عنه هو الجواب عن احتجاجهم بحديث عائشة وأنس المشار إليهما وأن ذلك محمول على أنهم يسرون بها لا أنهم يتركونها. كما احتج الباقلاني (٣) والقرطبي (٤) لهذا القول بأن القرآن لا يثبت إلا بالتواتر، ولا تواتر هنا فيجب القطع بنفي كونها من القرآن. وقد أجاب شيخ الإسلام ابن تيمية (٥) عن هذا بقوله: «والتحقيق أن هذه الحجة مقابلة بمثلها، فيقال لهم: بل يقطع بكونها من القرآن حيث كتبت كما قطعتم بنفي كونها ليست منه - ومثل هذا النقل المتواتر عن الصحابة بأن ما بين اللوحين قرآن، فإن التفريق بين آية وآية يرفع الثقة بكون القرآن المكتوب بين لوحي المصحف كلام الله، ونحن نعلم بالاضطرار أن الصحابة الذين كتبوا المصاحف نقلوا إلينا أن ما كتبوه بين لوحي المصحف كلام الله الذي أنزله على نبيه ﷺ

стр. 104

لم يكتبوا فيه ما ليس من كلام الله ... «ويكفي في ضعف هذا القول: أن فيه القول على الصحابة ﵃ أنهم أودعوا المصحف ما ليس من كلام الله، على سبيل التبرك (١). قال الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على «سنن الترمذي» (٢)، بعد أن ذكر الخلاف في هذه المسألة: «القول الذي زعموا نسبته إلى مالك، ومن معه في أنها ليست آية أصلا قول لا يوافق قاعدة أصولية ثابتة، ولا قراءة صحيحة». القول الثاني: أنها آية من سورة الفاتحة فقط. وهذا القول مروي عن طائفة من السلف، منهم سعيد بن جبير (٣)، وأكثر القراءة والفقهاء من أهل مكة (٤) والكوفة (٥)، وهو قول الشافعي (٦)، ورواية عن الإمام

стр. 105

أحمد (١)، وروي عن إسحاق (٢)، وأبي عبيد (٣)، وأبي ثور (٤)، ومحمد ابن كعب القرظي، والزهري (٥)، وعطاء (٦)، وغيرهم (٧). واستدلوا لهذا القول بأدلة منها: ١ - إثباتها في المصاحف مع الفاتحة، وعدها من آياتها. ٢ - ما جاء عن أم سلمة ﵂ أنها سُئلت عن قراءة النبي ﷺ فقالت: «كان يقطع قراءته آية آية، بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم» (٨). ووجه استدلالهم من هذا الحديث: أن الرسول ﷺ قرأ البسملة مع الفاتحة، قالوا: فدل هذا على أنها آية منها. والجواب من هذا: أنه لا يلزم من قراءتها مع الفاتحة أن تكون منها، إذ لو لزم هذا للزم أن

стр. 106

تكون آية من كل سورة، لأنها تقرأ مع كل سورة، كما هو مثبت معلوم. ٣ - وعن أنس بن مالك ﵁ أنه سئل عن قراءة النبي ﷺ فقال: «كانت مداً، ثم قرأ: بسم الله الرحمن الرحيم، يمد بسم الله، ويمد بالرحمن، ويمد بالرحيم». رواه البخاري (١). قالوا: فقراءة النبي ﷺ للبسملة بالمد تدل على أنها آية من القرآن إذ لو لم تكون آية من القرآن لما قرأها الرسول ﷺ بالمد كما يقرأ القرآن. وهذا الاستدلال صحيح في الرد على الذين ينفون أن تكون البسملة آية من القرآن مطلقا - لكن لا يلزم من قراءة الرسول ﷺ لها بالمد، كما يقرأ القرآن أن تكون آية من سورة الفاتحة (٢)، ولا من غيرها، فالحديث يدل على أنها آية تقرأ - وهذا صحيح - لا أنها آية من سورة الفاتحة، أو من غيرها من السور. ٤ - حديث نعيم بن المجمر قال: «صليت وراء أبي هريرة، فقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم، ثم قرأ بأم القرآن حتى بلغ (ولا الضالين) فقال: «آمين»، فقال الناس: «آمين»، ويقول كلما سجد: الله أكبر، وإذا قام من الجلوس في الاثنتين قال: الله أكبر، وإذا سلم قال: والذي نفسي بيده، إني لأشبهكم صلاة برسول الله ﷺ ».

стр. 107

ووجه استدلالهم من هذا الحديث أن أبا هريرة قرأ البسملة مع أم القرآن، ورفع ذلك إلى النبي ﷺ حيث قال في آخر الحديث: «والذي نفسي بيده إني لأشبهكم صلاة برسول لله ﷺ ». وهذا الحديث ضعفه جمع من أهل العلم (١). وأيضًا لو صح هذا الحديث فليس فيه ما ينص صراحة على أن البسملة من الفاتحة، وغاية ما فيه أن يكون أبو هريرة قرأ البسملة مع الفاتحة سواء كان ذلك جهرًا أم سرًا، ولا يلزم من قراءتها مع الفاتحة على أي حال أن تكون منها - كما تقدم في الجواب عن استدلالهم بحديث أم سلمة. ٥ - ما رواه أبو هريرة عن النبي ﷺ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا قرأتم الحمد، فاقرؤوا بسم الله الرحمن الرحيم، إنها أم القرآن، وأم الكتاب، والسبع المثاني، وبسم الله الرحمن الرحيم، أحد آياتها» (٢). والصواب أن هذا الحديث موقوف من كلام أبي هريرة، كما ذكر

стр. 108

أهل العلم (١) قال الزيلعي (٢) بعد ما صوب وقف الحديث على أبي هريرة «فإن قيل أن هذا موقوف في حكم المرفوع إذ لا يقول الصحابي إن البسملة إحدى آيات الفاتحة إلا عن توقيف أو دليل قوي ظهر له قلت: لعل أبا هريرة سمع النبي ﷺ يقرأها فظنها من الفاتحة , وأبو هريرة لم يخبر عن النبي ﷺ أن قال: هي إحدى آياتها وقراءتها قبل الفاتحة لا يدل على ذلك». وقال أيضًا: فالمحفوظ الثابت عن سعيد المقبري عن أبي هريرة في هذا الحديث عدم ذكر البسملة كما رواه البخاري في صحيحه من حديث ابن أبي ذئب عن سعيد المقبري عن أبي هريرة. قال: قال رسول الله ﷺ «الحمد لله هي أم القرآن، وهي السبع المثاني والقرآن العظيم» (٣). القول الثالث: أنها آية أو بعض آية من كل سورة سوى سورة براءة، وقد نسب هذا القول لقراء مكة والكوفة وفقهائهما (٤). وحكي هذا القول عن ابن عباس وابن عمر، وابن الزبير، وأبي هريرة، من الصحابة، ومن التابعين: عطاء وطاوس وسعيد ابن

стр. 109

جبير ومكحول والزهري (١). وهو المشهور من مذهب الشافعي (٢)، ورواية عن الإمام أحمد (٣)، ونسب لأبي حنيفة (٤)، وسفيان الثوري (٥)، وعبد الله بن المبارك (٦)، وإسحاق بن راهويه (٧)، وأبي عبيد (٨)، والأوزاعي (٩). واستدل أصحاب هذا القول بأدلة منها ما يلي: ١ - ثبوت البسملة في المصاحف، بخط المصحف، مع كل سورة، سوى براءة، مما يدل على أنها آية، أو بعض آية، من كل سورة (١٠). والجواب: أنه لا يلزم من ثبوتها في المصاحف مع كل سورة، بل لا يلزم من قراءتها مع كل سورة أن تكون آية منها، فهناك سور ثبت

стр. 110

بالسنة وباتفاق العادين عدد آياتها، من غير احتساب البسملة منها كما سيأتي في ذكر أدلة القول الرابع. ٢ - ما رواه أنس بن مالك ﵁ قال: «أغفى النبي ﷺ إعفاءة - ثم تبسم ضاحكًا، فقال: أنزل علي آنفا سورة ثم قرأ بسم الله الرحمن الرحيم ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ إلى آخر السورة. رواه مسلم (١). ووجه استدلالهم من هذا الحديث: أن البسملة آية أنزلت مع سورة الكوثر، فهي كذلك آية، أو بعض آية من كل سورة، تنزل معها، وتعد منها. والجواب عن هذا أن يقال: صحيح أن البسملة تنزل مع كل سورة، لكن لا يلزم من نزولها مع السورة أن تكون آية منها، ولهذا اتفق العادون على أن سورة الكوثر ثلاث آيات، بدون البسملة. فالذين قالوا: البسملة آية مستقلة أسعد بهذا الدليل، من أصحاب هذا القول، كما سيأتي بيان ذلك. استدلوا - أيضًا - بحديث أم سلمة السابق (٢)، الذي فيه أن النبي ﷺ كان يقطع قراءته آية آية: «بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب
следующие страницы →