سلسلة البحوث العلمية المحكمة (٣٠)
الْمُخْتَصر فِي أَحْكَام السّفر
تأليف
فَهد بن يحيى العماري
القَاضِي بالمحكمة الْعَامَّة بجدة
دَار ابْن الْجَوْزِيّ
стр. 2
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
المقدمة
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، أما بعد:
فالإنسان بطبعه يحب الترحال والانتقال من مكان إلى مكان ومن حال إلى حال بل أصبح ذلك عند الكثير متعة وراحة وأنسا فتجده كل شهر في بلد وكل صيف على أرض، طلبا لمرغوب كعبادة أو حج أو علم أو دعوة أو رزق أو سياحة أو صيد أو حاجة، أو فرارا من مرهوب كمرض أو قتال أو خوف فتنة من ظلم أو طغيان، وحري بالجميع أن يكونوا على علم وبصيرة ودراية بأحكام عبادتهم في ظعنهم وإقامتهم وحلهم وترحالهم.
ومما يفرح القلب ويثلج الصدر ما يشاهد من حرص الكثير على السؤال عما يشكل عبر الدرس واللقاء ووسائل الاتصال، بحثا عن الحلال والحرام والواجب والمندوب، ليفعل أو يترك في جميع المجالات من جميع الفئات، وهذا كله جاء بعد فضل الله نتيجة لدور العلماء والدعاة والمربين وأثرهم على الناس. بل نرى إحياء السنن قولا وفعلا ونشر العلم في شباب الأمة وشيبها ونسائها ظاهرا بعد غياب بعضها أو ضعفها وإقبالهم على دين الله سؤالا وتعلما فلك اللهم الحمد والمنة.
стр. 3
ومما لا شك فيه أن في إجابتهم تجنيبًا للسائل عن الوقوع في الزلل والخلل وعبادة الله وفق شرع الله.
وفي إجابتهم كشف لكربة السائلين وتفريج لهمهم وقضاء لحوائجهم ونيل للأجر وبذل للمعروف وكل ذلك صدقة.
ومما لا شك فيه أن في إجابتهم وتعليمهم عونًا للمفتي وطالب العلم على البحث والجمع والتأليف ومراجعة العلم ومدارسته مع العلماء وتزكيته وتبليغه.
ولقد شاهدت من يلقي بنفسه على العالم فيقبل رأسه ويده بحرارة بعد جوابه له وتفريج همه عنه.
لقد شاهدت من يبكي فرحا بعد جواب العالم له وكأنما ولد من جديد.
لقد شاهدت من يحتضن زوجته ويقبلها عند العالم وقد فقد شعوره لأنه أفتي بعدم وقوع الطلاق.
لقد رأيت من أهدى أحد طلبة العلم سيارة فاخرة لأنه دخل صلحًا في مشكلة له.
لقد رأيت من أصبح بارًا وفيًا لعالم وداعية لأنه كان سببًا في هدايته واستقامته وطلبه العلم.
لقد رأيت أسرًا متهاجرة وقبائل متقاطعة جمع الله شملها بسبب عالم وداعية.
لقد رأينا شرورًا دفنت ومنكرات رفعت وخيرات وقعت بسبب العلماء والدعاة بعد الله.
стр. 4
لقد رأينا أصحاب انحراف ومخدرات وضياع وقلق واضطراب كانت هدايتهم بسبب العلماء والدعاة بعد الله.
لقد رأينا من حكم عليهم بالقتل، فكان العلماء سببا في رفع القتل عنهم بإقناع الورثة بالتنازل عنهم.
لقد رأينا وسمعنا كيف يلهج الناس للعلماء ومن أفتاهم بالدعوات، وعظيم الجلال، والتقدير لهم.
لقد رأينا وشاهدنا رحمة العلماء والدعاة بالمستفتين، وكان محمد ﷺ أعظمهم رحمة بالمستفتين وشفقة بالسائلين قال الله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧].
لقد رأيت ورأيتم الكثير والكثير مما لا يسع المقام ذكره.
وهكذا العلماء والدعاة؛ هم ورثة الأنبياء، هم مصابيح الدجى وشموس الهدى، فلهم منا البر والوفاء والثناء والدعاء والتأدب معهم والذب عنهم وعدم الوقوع فيهم وعدم الفري في أعراضهم وعدم اتهامهم بما هم منه براء، كبراءة الذئب من دم يوسف ﵇، فلا ندع لحاقد وحاسد وعدو وكافر مجالا للمزهم وهمزهم وإسقاطهم والتشكيك في دعوتهم وآرائهم وعلمهم وعدم مشورتهم، ولنعلم أن العصمة من الله للأنبياء ﵈، والعلماء بشر يعتريهم ما يعتري البشر من الخطأ والزلل، فاللهم احفظ العلماء وثبتهم على الحق وأيدهم واغفر لميتهم إنك سميع الدعاء.
قال ابن حجر: لا يزال الناس بخير ما كان فيهم أهل
стр. 5
فضل وصلاح وخوف من الله نلجأ إليهم عند الشدائد ويستهدى بآرائهم ويتوسل إلى الله بدعائهم ويؤخذ بتقويمهم وآرائهم (١).
وعلى السائل والمستفتي ألا يتتبع الرخص، فيسأل العلماء مرارا في المسألة الواحدة، ليختار ما يحلو له وتهواه نفسه، واتفق الفقهاء على أن من تتبع رخص العلماء فقد تزندق، وقيل: إن أخذت برخصة كل عالم اجتمع فيك الشر كله. وقد نقل ابن عبد البر إجماع العلماء على عدم جواز تتبع الرخص، ويعتبر فاسقا عند الإمام أحمد. وقد يسأل المستفتي من ظاهره الاستقامة وهو لا يعرفه أو لا يعرف أنه من طلبة العلم، فيتساهل في ذلك كله ويظن بهذا أن ذمته قد برئت، ولو مرض في بدنه لذهب إلى أفضل المستشفيات وأحسن الأطباء والله المستعان.
ما أشد تساهل الناس في أمر دينهم وأشدهم في أمر دنياهم؟!
ما أرخص دين الله في قلوب كثير من الناس.
وعلى السائل أن يختار الأوقات المناسبة للاتصال للاستفتاء إلا إذا كان الأمر ضرورة؛ لأنه وللأسف البعض يتصل بعد منتصف الليل أو قريبا منه أو وقت القيلولة لغير ضرورة.
وعلى العالم وطالب العلم ألا يعوقه ذلك التجاوز، وألا يضجر من السؤال وكثرة السائلين وجفائهم فإن على من منَّ الله
стр. 6
عليه بالعلم أن يجعل وقتًا ولو يسيرًا في كل أسبوع، يفتح هاتفه فيجيب السائلين فينال خيرا كثيرا وأجرا عظيما بإذن رب العالمين ومع هذا فلا بد أن يكون صبورا، رفيقا، حليما، فما كان الرفق في شيء إلا زانه، منبسطا، موجها، داعيا، لا مقتصرا على الجواب، منتهزا الفرصة في ذلك.
لذلك كله أقدم هذا المختصر في أحكام السفر، جمعته من كتب أهل العلم (١)، اقتصرت فيه على ما يحتاجه الناس غالبا في أسفارهم، ضمنته بعض الآداب والفوائد والمسائل المعاصرة، جردته من التفريع والخلاف إلا في مواضع يسيرة، فيه ما يزيد على مائة وخمسين مسألة وأدب وتوجيه وتنبيه وخطأ وفائدة، والتزمت فيه منهج الاختصار، ذكرت ما ترجح لدى الشيخين العالمين الفقيهين: الشيخ أبي عبد الله عبد العزيز بن باز والشيخ أبي عبد الله محمد بن عثيمين أو أحدهما عليهما سوابغ الرحمة والغفران، ليس تعصبا لهما أو ادعاء العصمة لهما، إنما لما حظي به علمهما من قبول في الأرض وصدقهما مع الله وتحريهما الدليل والقول الصحيح الموافق لسماحة الإسلام ومقاصد الشريعة، وإظهارا لعلمهما واختياراتهما رحمهما الله رحمة واسعة، مع ترجيحات اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في كثير من المسائل.
حاولت جاهدا أن يجد
стр. 7
القارئ فيه بغيته وما قد يخطر بباله أو يسنح في خياله وحذفت ما لا يحتاجه إلا القليل من الناس، فأرجو الله أن ينفع به من كتبه وقرأه ونظر فيه، وأن يؤتي أكله كل حين بإذن ربه، فيكون زادًا للمسافر، مذكرًا للغافل، معلمًا للجاهل، هداية للمبتدئ وبلغة للمقتصد، خفيف المحمل، سهل المتناول، مفيدًا في الرحلات والأسفار، دافعًا للنقاش والتذاكر بين طلاب العلم في أسفارهم ومجالسهم، حتى يحيا العلم ويرسخ في الذهن وتحقق المسائل، فالعلم يحيا بالتذاكر والفكرة والدرس والمناقشة.
حاولت أن آتي ولو ببعض ما قال الأول:
في سبعة حصروا مقاصد العقلا ... من التأليف فاحفظها تنل أملا
أبدع تمام بيان، لاختصارك في ... جمع ورتب وأصلح يا أخي الخللا
وأشكر الشيخ: عبد الرحمن العجلان رئيس محاكم القصيم سابقا والمدرس حالا بالمسجد الحرام على قراءته الكتاب وغيره من طلبة العلم، وما قدموه من اقتراحات.
أيها الجيل: أحييكم والتحايا مفاتيح القلوب، وأهديكم والهدايا طريق القلوب، ونعم الوصال بالعلم والذكر والكتاب، فنعم الحداء ونعم المسير.
ما أهدى المرء المسلم لأخيه هدية أفضل من كلمة حكمة يزيده الله بها هدى أو يرده بها عن ردى.
سلام من الأعماق أزكى من الورد ... وأزكى من الريحان أحلى من الشهد
لئن كان جل الوصل بيني وبينكم ... مدارسة للعلم والنصح والرشد
стр. 8
فذاك الوصال الحق لا وصل بعده ... عساه يدوم الوصل في جنة الخلد
* * * * *
لا خيل عندك تهديها ولا مال ... فليسعد النطق إن لم يسعد الحال
* * * * *
فيا أيها الناظر فيه بعين الرضا: أحسن بجامعه الظن، وإن لم يكن من أهل هذا الفن، فاصفح عما به من زلل وصحح ما طغى به القلم، جعله الله مباركا ونافعا على الدوام وخالصا لوجهه الكريم، وأن يلهمنا الصواب في النية والقول والعمل (١).
أقدم هذا المختصر في طبعة مزيدة، والعلم يتجدد بتجدد الأحوال والأزمان، شاكرا كل من أفاد وأجاد وأضاف وزاد، سائلا الله أن يكون من خير الزاد في الحياة وبعد الممات، ومن
стр. 9
الباقيات الصالحات ليوم تعز فيه الحسنات، وأن يعفو عما فيه من الزلات والهفوات، وأن يكون كتابا مباركا على مر الأزمان والعصور.
فأقول والله خير معين:
فسهل يا إلهي كل صعب ... فمن غير الرؤوف لنا يسهل
ويسر إلهي مقالي وسهل مهماتي ... واجعل مقالي في أعلى المقامات
اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلا وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلا.
يا عاشق الترحال والأسفار ... أنخ المطية واستمع أخباري
إن كنت في سفر فكل مسافر ... يحتاج زادا بلغة للدار
والزاد علم قد جمعت أصوله ... آي الكتاب وسنة المختار
وجمعت فيه فوائدا وفرائدا ... ومسائلا غابت عن الأنظار
وذكرت في الترجيح قول أئمة ... هم في الظلام كواكب ودراري
وهما ابن باز والعثيمين وقد ... شدا رحالهما إلى الغفار
يا ليتني أخطو بدربهم خطى ... لأنال رفقتهم بدار قرار
والله أسأل أن يكون كنجمة ... وسط السماء هداية للساري
قال شيخ الإسلام: " وقد يقول كثير من علماء المسلمين أهل العلم والدين من الصحابة والتابعين وسائر أئمة المسلمين كالأربعة وغيرهم أقوالا باجتهادهم، فهذه يسوغ القول بها، فهذا شرع دخل فيه التأويل والاجتهاد، وقد يكون في نفس الأمر موافقا للشرع المنزل فيكون لصاحبه أجران، وقد لا يكون موافقا له لكن لا يكلف الله نفسا إلا وسعها، فإذا اتقى العبد الله
стр. 10
ما استطاع آجره الله على ذلك وغفر له خطأه، ومن كان هكذا لم يكن لأحد أن يذمه ولا يعيبه ولا يعاقبه، ولكن إذا عرف الحق بخلاف قوله لم يجز ترك الحق الذي بعث الله به رسوله لقول أحد من الخلق، وذلك هو الشرع المنزل من عند الله وهو الكتاب والسنة، وهو دين الله ورسوله لتكون كلمة الله هي العليا ويكون الدين كله لله، لا يجاهدون على قول عالم ولا شيخ ولا متأول بل يجاهدون ليعبد الله وحده ويكون الدين لله (١).
- السفر موطن للتأمل والتفكير والاعتبار في ملكوت الله في جو أو بر أو بحر.
- السفر موطن للتفكير في النفس ومحاسبتها.
- السفر موطن تذكر السفر للدار الآخرة، فمن دار إلى دار حتى نصل دار القرار، إما نعيم وإما نار، أجارنا الله وإياكم من النار وبئس القرار.
- السفر موطن التفكر في نعمة الأمن في هذه البلاد زادها الإله أمنا ورخاء وسلاما وعزا ونصرا وتمسكا بالإسلام.
- السفر عبادة وسياحة، صلة للأرحام وزيارة للإخوان.
- السفر للبلد الحرام رحلة إيمانية ودورة تربوية للنفس والسلوك.
- السفر موطن للتعرف على البلدان وحضاراتها وأنسابها وأخلاقها وأعلامها.
стр. 11
- السفر موطن لتربية النفس على الصبر والتجلد والبعد عن كثير من الكماليات.
- السفر موطن لاكتشاف النفوس وتحملها وقدراتها ومعدنها وهذه للآباء والمربين.
- السفر رياضة قلبية ومتعة بدنية، يوصي بها الأطباء لمن ثقلت عليه نفسه وأطبقت عليه الهموم والأحزان وعلاج ناجع لأصحاب الأمراض النفسية.
لا يصلح النفس إن كانت مولية ... إلا التنقل من حال إلى حال
كان بشر يقول: سيحوا تطيبوا، فإن الماء إذا ساح طاب، وإذا طال مقامه في موضع تغير.
إذا ما ضاق صدرك من بلاد ... ترحل طالبا أرضا سواها
عجبت لمن يقيم بدار ذل ... وأرض الله واسعة فضاها
فذاك من الرجال قليل عقل ... بليد ليس يعلم ما طحاها
فنفسك فر بها إن خفت ضيما ... وخل الدار تنعى من بناها
فإنك واجد أرضا بأرض ... ونفسك لم تجد نفسا سواها
ومن كانت منيته بأرض ... فليس يموت في أرض سواها
* عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن رجلا زار أخا له في قريبة أخرى، فأرصد الله على مدرجته ـ أي طريقه ـ ملكا فلما أتى عليه قال: أين تريد؟ قال: أريد أخا لي في هذه القرية. قال: هل لك من نعمة تربها عليه. قال: لا، غير أني أحببته في الله قال: فإني رسول الله إليك بأن الله قد أحبك كما أحببته فيه» رواه مسلم.
стр. 12
وعنه قال رسول الله ﷺ : «من زار مريضا أو عاد أخا له في الله ناداه مناد: أن طبت وطاب ممشاك، وتبوأت من الجنة منزلا» رواه الترمذي وحسنه الألباني. إنها فضائل وسنن لطالما نسيت!!
همم حتى في السفر:
صاحب الهمة العالية تسافر همته معه عبر البحار والقفار وفي الوديان والجبال وفي الحل والترحال لأنها جزء لا يتجزأ من حياته بل تجري في دمه وعروقه.
فهذا ابن القيم ﵀ كتب زاد المعاد في ست مجلدات كبار في سفره للحج، وكتب البخاري التاريخ الكبير في روضة مسجد رسول الله ﷺ ، ومفتاح دار السعادة بمكة، وروضة المحبين وبدائع الفوائد وتهذيب سنن أبي داود وهو مسافر، واختصر السيوطي في رحلته لمكة الألفية، وكتب في مكة النفحة المسكية والتحفة المكية في يوم واحد (١)، وطاف الإمام أحمد الدنيا مرتين حتى جمع المسند، وهذا ابن منده المحدث خرج من بلده في طلب العلم وهو ابن عشرين فرجع إليها وهو ابن ستين، وكتب الحافظ ابن حجر النخبة وهو في سفره، قال الصنعاني ﵀ في نظم قصب السكر:
وبعد فالنخبة في علم الأثر ... مختصر يا حبذا من مختصر
ألفها الحافظ في حال السفر ... وهو الشهاب بن علي بن حجر
стр. 13
وكانت كثير من المؤلفات والمشروعات بدايتها فكرة طرأت في السفر، أو موقف أو حدث أو ردة فعل أو سؤال كان في السفر.
كان سفيان كثيرا ما ينشد:
إذا المرء كانت له فكرة ... ففي كل شيء له عبرة
* حال سماحة الشيخ ابن باز ﵀ في سفره:
جاء في كتاب جوانب من سيرة الإمام ابن باز للحمد برواية الشيخ محمد الموسى مدير مكتب بيت الشيخ ابن باز وقد لازم الشيخ قرابة ستة عشر عاما، وهو أفضل كتاب تحدث عن سيرة الإمام يحتاجه العالم والقاضي، الشيخ والداعية ورجل الحسبة، الأب والمربي والطالب، الرئيس والمرؤوس، الأمير والوزير، الذكر والأنثى، الصغير والكبير فهو كتاب ماتع رائع نافع سهل المنهل عذب المورد. فما أن يبدأ به الإنسان لا يكاد يفارقه حتى يغلبه صلاة أو نوم، فما أن يقرأه إلا ويجد عبراته تنهمر على خديه ووجنتيه ويدعو للشيخ بالرحمة والغفران ومجازاته خير الجزاء عن الإسلام والمسلمين، ويشعر بالنقص والتقصير ويزداد بذلا ونشاطا وجدا واجتهادا، علما وعبادة ودعوة وصبرا وتواضعا، حقا إنه فقيد الأمة، حقا إنه بقية السلف، حقا لم نعرفه حقا حتى فقدناه .. فرحمك الله شيخنا رحمة واسعة، تعجز الكلمات والأشعار ويكل القلم عن ذكر فضائله ومآثره.
стр. 14
جاء فيه: إن سماحة الشيخ يلزم الاعتدال في حال سفره وحضره، فلا يظهر عليه القلق أو كثرة الاهتمام، إذا جاء موعد السفر خرج سماحته متأنيا مطمئنا، مهللا؛ مسبحا، مستغفرا.
فإذا استقل السيارة أو الطائرة دعا بدعاء السفر، ثم التفت إلى من بجانبه من المرافقين وقال: ماذا معك؟ فيبدأ بقراءة الصحف وبعض الكتب والمعاملات؛ لأن سماحة الشيخ لا يركب سيارة أو طائرة إلا ومعه كاتب أو كاتبان يعرضان عليه ما تيسر من المعاملات أو الكتب أو غيرها.
فإذا كان يريد السفر على الطائرة ـ على سبيل المثال ـ فإنه فور ركوبه السيارة التي ستوصله إلى المطار يبدأ بسماع ما يعرض عليه حتى يصل إلى المطار، فإذا وصل إلى المطار وبقي على موعد إقلاع الطائرة وقت ولو كان يسيرا جلس بجانبه كاتب أو كاتبان ومعهما الكثير من المعاملات يقرآنها على سماحته، فإذا جاء وقت صعود الطائرة، وأخذ مكانه في الطائرة استأنف سماع القراءة، وعرض المعاملات حتى يصل إلى البلد الذي يريد السفر إليه سواء كان الرياض أو الطائف، ثم إن سماحة الشيخ يلزم السكينة في سفره؛ فلا يضيق ولا يضجر ولا يكدر على من معه حتى إنه ربما مكث في الطائرة أكثر من ساعة ينتظر بعض من معه ممن قد يتأخرون لعارض أو غيره عن موعد الإقلاع في الطائرة الخاصة التي تقل سماحته، ومع ذلك لا ترى على سماحته أي تكدر أو تغير بل يواصل سماع ما يعرض عليه حتى يصل من تأخر، وإذا وصل لم يبادره الشيخ
стр. 15
بعتاب أو نحوه بل لا يسأله عن سبب تأخره البتة.
ثم إذا وصل إلى مطار البلد المسافر إليه نزل بسكينة ونصلي إن كان وقت صلاة، وإذا كان ليس بصحبته أهله، فإنه يتصل بهم ويسلم عليهم فور وصوله ويخبرهم بأنه قد وصل بالسلامة.
وفي إحد الأسفار كنا قادمين من الطائف للرياض فصلى بنا الظهر بالمطار ومن ثم ركبنا السيارة فالتفت وقال: ما عندكم؟ فشرعنا نقرأ عليه حتى وصلنا منزله فأخذ مكانه بالمجلس وسلم على من ينتظره من الأبناء والأقارب وطلبة العلم والمحبين، وبعد ذلك مد يده إلى سماعة الهاتف ليتأكد هل هو يستقبل المكالمات؟ فإن كان مغلقا قال: افتحوه لكي يستقبل أسئلة الناس، وكل هذا قبل الدخول لمنزله وهذا دأبه في السفر .. اهـ. ولنا وقفة أخرى مع جانب من سفره بإذن الله.
جمال ذي الأرض كانوا في الحياة وهم ... بعد الممات جمال الكتب والسير
وإذا أردنا الوقوف مع هذا الإمام في هذا الجزء من حياته لوجدنا الكثير من الفوائد والآداب والأخلاق والجد والمثابرة وهذا في سفره العام. أما في سفره للحج ورمضان فلا يكاد يوصف من الجد والبذل فلنستق منها الدروس والعبر، اللهم فاغفر له وارحمه وارفع درجته في المهديين، واجعله مع النبيين والصديقين.
ونسألك اللهم الهمة العالية، والعزيمة الماضية، والنفس الصادقة، والنية الخالصة، واغتنام الأوقات، والثبات حتى الممات.
стр. 16
إن قل نفعك في أرض حللت بها ... سافر لتدرك قصدا أم ترى أملا
فالبيض لو لازمت أغمادها تلفت ... والشمس لو لم تسر ما حلت الحملا
* * * * *
وإذا رأيت الرزق ضاق ببلدة ... وخشيت فيها أن يضيق المكسب
فارحل فأرض الله واسعة الفضا ... طولا وعرضا شرقها والمغرب
وجماع ذلك:
تغرب عن الأوطان تكتسب العلى ... وسافر ففي الأسفار خمس فوائد
تفرج هم واكتساب معيشة ... وعلم وآداب وصحبة ماجد
فإن قيل: في الأسفار ذل وخسة ... وقطع الفيافي وارتكاب الشدائد
فموت الفتى خير له من حياته ... بدار هوان بين واش وحاسد
ولكن ظهرت فئة أفرادا وجماعات أرادوا أن يركبوا السفر لغير ذاك.
لقد فسد وأفسد من ظن السفر للسياحة في الأرض لهوا وفسادا وخروجا عن أوامر رب العباد!!.
لقد ضل وأضل من ظن السفر للسياحة في الأرض تبرجا وسفورا وغناء ومزامير!!.
لقد زل وأزل من ظن السفر للسياحة في الأرض حرية لا تخضع لشرع أو نظام!!.
إن الأمة المسلمة المؤمنة تريد سياحة للهو المباح المنضبط بأوامر الشرع.
تريد سياحة تكسب الثقافة والمعرفة.
стр. 17
تريد سياحة تكسب النفس الطمأنينة والراحة، ورضا الرب .
تريد سياحة تكسب الجيل والشباب الانضباط والأخلاق والآداب، لا التمرد والتسيب والضياع.
ولقد ظهرت بوادر رائعة رائدة متميزة نافعة جادة في أنشطة ومخيمات لمشاريع سياحية يتخللها الجانب التوجيهي والترفيهي والدعوى في قدرة على التكيف مع جميع الفئات والأحوال وفق الضوابط الشرعية، وهذا ما أغاظ البعض حينما رموها بالاتهامات الكاذبة وقد أظهرت الألسن ما أخفته القلوب في قالب ظاهره الرحمة وباطنه العذاب.
يرى ناصحا فيما بدا فإذا خلا ... فذاك سكين على الحلق حاذق
فيا أبطال أمتنا: واصلوا المسير دون عجز أو كلل أو ملل في قوة وهمة وصبر وثبات، في وحدة وائتلاف، والبعد البعد عن الخلاف فهو شر وهلاك وتعطيل وخسران، وضياع للجهود وفتح فرص للأطراف الأخرى لنشر الإرهاب بجميع صوره وأطيافه، فالميدان ميدان تنافس ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٣].
والحق ممتحن ومنصور فلا ... تجزع فهذي سنة الرحمن
إن ذلك الإقبال على تلك المشاريع السياحية النقية من المحرمات من الصغير والكبير، والرئيس والمرؤوس، والوزير والأمير، والعالم والقاضي لهي أكبر دليل على نجاحها وصلاح المجتمع وإقباله على الفضيلة، وكراهيته ورفضه للرذيلة،
стр. 18
وبراءتها من الإرهاب وأهله، بل عالجت الإرهاب بجميع صوره وأشكاله الفكري والأخلاقي والاجتماعي والأسري، والواقع خير شاهد ولا ينكر المحسوس إلا مكابر أو ممسوس، فكانت بداية مشرقة لقوافل التائبين، وحين الاتهام البينة على المدعي والحكم على الشيء فرع عن تصوره، ولو يعطى الناس بدعواهم لادعى أناس دماء آخرين وأموالهم ولكن البينة على المدعي، والتثبت التثبت قبل إصدار الأحكام يا أولي الألباب.
إن المشاركين بالتوجيه في تلك البرامج والمخيمات هم كبار العلماء والقضاة والدعاة وأساتذة الجامعات وأعضاء مجلس الشورى، أيكون هؤلاء دعاة للإرهاب؟! فجزى الله كل مسؤول وكل مشارك وحاضر محفز ومؤيد وناصر ومشرف وموجه وداعم وعامل وباذل خير- الجزاء والإحسان، ولهم منا ومن كل مسلم ومسلمة تحية إجلال وإكبار وشكر وتقدير ودعاء ووفاء.
ودعوتي ونصيحتي لدعاة الغناء والسياحة المحرمة ألا يكونوا دعاة على أبواب جهنم بل يكونوا دعاة على أبواب الجنة والموعد الله، ولا يهووا بأخلاق الأمة إلى الحضيض ويركبوا بها مركب الضياع، وعلى الأمة وخاصة الشباب هجر تلك المواطن ومقاطعتها، وعلى العلماء وأصحاب الكلمة نصح القائمين عليها وألا يشذ أصحابها على ما قامت به هذه البلاد والولاة على الشريعة الغراء والمحجة البيضاء وإلى الله المشتكى.
стр. 19
تنبيهات قبل البدء بالسفر:
* حاول أن تحدد أهداف الرحلة والسفر الأساسية والجانبية وضع خطة لذلك.
* حاول أن تكتب كل ما تحتاج حمله في سفرك من أغراض وكتب وبحوث وصور معاملات فقد ينشرح صدرك وتجد حلا لما أشكل فيها، وتجهزها قبل السفر بزمن فقد تنسى بعض المستلزمات إذا كان إعدادك متأخرا , فيختل كثير من برنامجك وقد تضطر للرجوع في منتصف الطريق أو قطع السفر.
* حاول أن تجتمع بأفراد عائلتك أو من يريد السفر معك للاتفاق لتوزيع المهام، وكتابة ما تحتاج، وخطة السير، وحاول أن تتفقد سيارتك.
* حاول أن تتصل بمن تريد زيارتهم في سفرك وتحدد مواعيد الزيارة ولذلك فوائد كثيرة لا يسع المقام ذكرها.
* حاول أن تتأكد من إغلاق نوافذ وأبواب منزلك والأجهزة الكهربائية وغير ذلك.
وبعد هذه المقدمة حان البدء بالشروع في الأحكام:
* * *
стр. 20
أولا: الضابط في السفر الذي يترخص فيه:
كل ما عده الناس سفرا فهو سفر، سواء طالت المسافة أم قصرت، طال الوقت أم قصر، والعبرة في ذلك العرف العام، والغالب عند الناس، وتقييده بالزمن أو العمل أو المسافة - قول ضعفه المحققون من أهل العلم كابن قدامة وابن تيمية وابن القيم والسعدي وابن عثيمين ﵏، وهذا يشمل البر والبحر وذلك لعدم الدليل على التحديد، وكل ما ورد في ذلك فهو إما حديث ضعيف أو غير صريح في التحديد، وإنما كان اتفاقا من النبي ﵊ ولم يقصد بالتحديد بالزمن أو المسافة، ولأن الناس ليسوا كلهم يدركون مقدار المسافات، ولأن أدلة السفر مطلقة في الترخص، لم تقيده بأي قيد، قال تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ [النساء:١٠١] (١). وبعض العلماء حد ذلك بما زاد عن ثمانين كيلو متر، فمتى سافر هذه المسافة كان مسافرا، ورجحه شيخنا ابن باز وكثير من المعاصرين وقالوا هذا الأضبط لحال الناس.
والخلاصة أن العرف في ذلك لا يخلو من ثلاث حالات:
أ- العرف متفق على أن المسافة مسافة سفر فيقصر.
стр. 21
ب- العرف متفق على أن المسافة ليست مسافة سفر فلا يقصر.
ج- العرف مختلف في أن المسافة مسافة قصر فالأحوط عدم القصر.
مسألة: إذا شك الإنسان في المسافة التي تجاوزها، هل تعتبر مسافة سفر عرفا وهل يعتبر بها مسافرا أو مقيما؟ فيقال: يعتبر مقيما، فلا يترخص لا بقصر ولا فطر ولا غيره احتياطا وبراءة للذمة، والاحتياط في مسائل الشك من تمام الديانة، والأصل أن الإنسان مقيم فيستصحب الحال الأصلية له وهي الإقامة كما هو مقرر عند أهل الفقه والأصول، ورجحه الشيخ ابن عثيمين ﵀ (١).
مسألة: من له طريقان: بعيد مسافة قصر، وقريب لا يبلغ مسافة القصر فله حالات:
أ- إن كان لا يمكن سلوك القريب لعذر ككونه مغلقا أو شاقا أو مخوفا أو غير ذلك وليس قصده الحيلة للترخص، جاز له الترخص لأنه قطع مسافة قصر.
ب- إن كان يمكنه سلوك القريب ولا يوجد عذر يمنعه وسلك البعيد ففيه خلاف بين الفقهاء، ورجح ابن قدامة في الشرح القصر واختاره ابن عثيمين ﵀، وهو مذهب الحنابلة.
ج- إن سلك البعيد حيلة لقصد الترخص فليس له الترخص،
стр. 22
نقله في الإنصاف ومال إليه ابن عثيمين (١).
فرع: قال في الشرح الكبير: وحكم سفر البحر حكم سفر البر إن بلغت مسافة سفره مسافة القصر أبيح له وإلا فلا.
ثانيا: بداية أحكام السفر:
إذا فارق الإنسان بنيان بلده ترخص، وإذا ولي البنيان مزارع وبساتين لا يسكنها أهلها طوال العام فلا عبرة بها لأن العبرة بما أعد للسكن، وأما التي تسكن في بعض الأحيان وكذا البيوت الخربة فلا يشترط مجاوزتها لأنه لا عبرة بها، فالترخص يكون بمجاوزة البنيان المسكون طيلة العام، وأما المصانع والشركات فإنه لا يعتد بها إلا إذا وجد فيها مقر سكن للعمال وغيرهم، والمقصود بالبنيان الظاهر والواضح على الطريق أما لو كان مخفيا مثلا وراء الجبال وليس محاذيا للطريق فلا عبرة به كما جاء في الفروع لابن مفلح ٢/ ٤٨.
وكل ما ينسب للبلد عرفا أو تنظيما إداريا فهو منه.
قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: والعبرة بالمفارقة البدنية ـ للبنيان ـ لا البصرية؛ أي: لا يشترط في المفارقة ألا ترى المنازل بل تكفي المفارقة بالبدن (٢)، وورد في البخاري: «خرج علي ﵁ فقصر الصلاة وهو يرى البيوت، فلما رجع قيل له: هذه الكوفة قال: لا، حتى ندخلها» قال ابن حجر ﵀: وعند
стр. 23
البيهقي: "حتى إذا رجعنا ونظرنا إلى الكوفة حضرت الصلاة. قالوا: يا أمير المؤمنين: هذه الكوفة أتم الصلاة قال: لا، حتى ندخلها" (١).
* مسائل في تقطع البيان وتجاور البنيان:
الأولى: إذا كان البنيان كله تابعا للبلد وينسب له عرفا، فإذا كان الانقطاع بين البنيان يسيرا أو كبيرا، فإن الترخص يبدأ بمفارقة آخر بنيان للبلد؛ لأن الحكم للخروج من البلد، وهذا ظاهر فعل الرسول ﷺ وصحابته.
الثانية: إذا كانت البلد بجوارها بلد آخر سواء كانت متصلة بها أو كان الانقطاع بينهما يسيرا، فيكون الترخص من مفارقته مدينته، ورجحه الإمام النووي والمرداوي والشيخ ابن عثيمين ﵏ (٢).
ثالثا: أقسام الناس من حيث الاستيطان والسفر والإقامة:
أ- استيطان الإنسان بلده الأصلي، فمثلا الرسول ﷺ وطنه الأصلي مكة وسكنها في بداية حياته.
حكمه: إذا خرج منه، وفي نيته العودة إليه، ولم يتخذ وطنا غيره، فإن حكمه حكم المسافر.
ب- استيطان الإنسان بلدا غير بلده الأصلي، واتخاذه بلدا
стр. 24
له وليس من قصده الارتحال عنه، فمثلا الرسول ﷺ هاجر من مكة إلى المدينة واتخذ المدينة وطنا له.
حكمه: حكم وطنه الأصلي فإذا خرج منه كان مسافرا، فإذا رجع لوطنه الأصلي للزيارة وغيرها، وليس قصده الاستيطان فيه فحكمه حكم المسافر، كالرسول ﷺ عندما خرج من مكة واستوطن المدينة إذا رجع إلى مكة كان مسافرا.
ج- من سافر إلى بلد ونوى الإقامة به مطلقا فهذا حكمه حكم المستوطن.
د- مسافر أجبر على الإقامة يقصر الصلاة كالأسير وغيره.
هـ- المسافر على الطريق، وهذا يقصر الصلاة اتفاقا.
و- إذا دخل المسافر بلده ولو ليوم واحد لحاجة أو مرور ثم أراد السفر مرة أخرى فإنه يتم لأنه دخل بلده (١).
ز- أصحاب السفر الدائم كسائقي سيارات الأجرة وملاحي الطائرات والسفن لهم حالتان:
١ - إن كان معهم أهلهم في تنقلهم فتعتبر مراكبهم أوطانهم، فلا يترخصون بأحكام السفر لأنهم غير مسافرين.
٢ - إن كان لهم أهل ولكنهم لا يحملونهم فلهم الترخص بأحكام السفر فيقصرون الصلاة، وأما صيام رمضان إن كان يشق عليهم أثناء السفر فإنهم يفطرونه ويقضونه في
стр. 25
أيام الشتاء لأنها أيام قصيرة وباردة، وأما إذا قدموا بلدهم في رمضان فإنهم يلزمهم الصوم وهو قول في مذهب الحنابلة ورجحه الشيخ ابن عثيمين ﵀ (١).
ح- إذا سافر الإنسان من بلده وفي الطريق أراد الرجوع إليه لحاجة وغيرها فهل يقصر؟ له حالتان:
١ - إن بلغ مسافة القصر له القصر.
٢ - إن لم يبلغ مسافة القصر فلا يقصر (٢).
ط- من سافر لبلد للعمل أو الدراسة وغيرها سواء مقيدا سفره بزمن أو عمل فهذه محل خلاف:
قيل: حكمه حكم المسافر في قصر الصلاة، وعليه حضور الجماعة في المسجد، وله المسح على الخفين، والجمع عند المشقة، والصوم في حقه أفضل إن لم يشق عليه، ولا ينبغي أن يؤخر القضاء إلى رمضان آخر لأن ذلك يوجب تراكم الشهور، فيثقل القضاء عليه أو يعجز عنه، ورجحه شيخ الإسلام وابن القيم وابن سعدي وابن عثيمين ﵏ والدليل أن الإقامة غير محددة في الشرع لا بزمن ولا عمل، وما ورد فيها إما دليل صريح غير صحيح أو صحيح غير صريح، والناس في الشرع إما مسافر أو مستوطن (٣) وهو مذهب ابن عمر وابن عباس وأنس، وإن كانت تعددت الروايات عن ابن عمر.
стр. 26
وقيل: إن نوى إقامة أربعة أيام فأكثر فيتم، ولهم أدلة لكنها غير صريحة في التقييد، وهو مذهب الحنابلة ورجحه ابن باز قال: وهو الأحوط وذهب لهذا القول كثير من العلماء المعاصرين.
ي- إذا سافر الإنسان إلى بلد وأقام فيها لحاجة لا يدري متى تنقضي، جاز له القصر والترخص بأحكام السفر، سواء طالت المدة أم قصرت. بل حكى شيخ الإسلام ﵀ الاتفاق على ذلك ورجحه الشيخان ـ رحمهما الله ـ (١) والدليل "أنه ﷺ أقام في بعض أسفاره تسعة عشر يوما يصلي ركعتين" رواه البخاري.
قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم أن للمسافر أن يقصر ما لم يُجْمع إقامة ولو أتى عليه سنون. وقال أنس: أقام أصحاب رسول الله ﷺ برامهرمز سبعة أشهر يقصرون الصلاة، رواه البيهقي وصححه النووي وابن حجر الخلاصة ٢/ ٧٣٤ الدراية ١/ ٢١٢. وعن أبي جمرة نصر بن عمران قال لابن عباس: إنا نطيل القيام بالغزو بخراسان فكيف ترى، فقال: صل ركعتين وإن أقمت عشر سنين، رواه ابن أبي شيبة. وهذه الأدلة هي أدلة المسألة السابقة، وقد ذكرها ابن حجر في الدراية.
ك- من له دار في وطنه الأصلي ودار في البلد الذي انتقل إليه وتأهل واستقر فيه، إذا انتقل إلى وطنه الأصلي للإقامة في الإجازات والأعياد وغيرها فإنه يقصر لأنه يعتبر
стр. 27
مسافرا، وتملك الدار ليس موجبا للإتمام على الصحيح كما هو مذهب الجمهور (١)، وكذلك إذا مر ببلدة له فيها زوجة أو ولد أو مال فإنه يقصر على الصحيح ما لم ينو الإقامة المطلقة.
ل- إذا استقر الإنسان في بلد وعزم على الإقامة فيه، ثم رجع إلى وطن والديه لزيارتهما وغير ذلك فإنه يترخص بأحكام السفر في مقر إقامة والديه، وهو قول عند الحنابلة ورجحه الشيخ ابن عثيمين ﵀ (٢).
م- من سافر مسافة تعتبر سفرا ولو ليوم واحد ثم رجع إلى بلده فإنه يقصر ما دام يعد مسافرا عرفا، كمن سافر من مكة إلى المدينة ورجع من يومه، ورجحه الشيخان ـ رحمهما الله. وورد عند ابن أبي شيبة في مصنفه عن علي ﵁ أنه خرج إلى النخيلة فصلى بها الظهر والعصر ركعتين ثم رجع من يومه، فقال: أردت أن أعلمكم سنة نبيكم ﷺ (٣).
ن- من يتردد يومياً مسافة قصر كبعض العاملين والمدرسين الدارسين لا يقصر ويجوز الجمع عند المشقة بلا قصر لحديث ابن عباس ﵁: "أن الرسول ﷺ جمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء من غير خوف ولا مطر، فسئل ابن عباس عن ذلك فقال: أراد ألا يحرج أمته" رواه مسلم، وفي
стр. 28
رواية له: "ولا سفر" والجمع أخف من القصر ورجحه الشيخ ابن عثيمين ﵀ احتياطا وبراءة للذمة (١)، وقال ابن باز: له القصر في مكان عمله وفي الطريق، وأما إذا وصل بلده فلا يقصر (٢).
س- من يقطع مسافة قصر للعمل أو الدراسة ويجلس أيام الدوام والعمل ثم يرجع إلى بلده في عطلة الأسبوع، فإنه يقصر في بلد العمل لكن يجب عليه حضور الجماعة في المسجد ويتم إذا رجع إلى بلد إقامته ووطنه الأصلي ورجحه الشيخ ابن عثيمين ﵀ (٣).
رابعا: الآداب:
* حكم استئذان الوالدين في السفر له حالات:
١ - السفر للحج الواجب محل خلاف، وسببه هل الحج على الفور أو التراخي؟ والصحيح أنه لا تجب طاعتهما لو منعاه؛ لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق؛ ولأن الحج واجب على الفور على الصحيح كما هو مذهب طائفة من الفقهاء، أما النافلة فيجب طاعتهما لو منعاه لأن طاعتهما واجبة وهنا نافلة.
٢ - السفر للعلم الواجب ولا يوجد تحصيله في بلده فلا يجب طاعتهما حين المنع، وأما النافلة والفرض الكفائي إن
стр. 29
كان لا يوجد في بلده أو ممن تحتاجه الأمة لتعلمه وقدرته ونبوغه على تحصيله فلا يشترط إذنهما لقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٢].
٣ - السفر للتجارة: إن كان لدفع حاجات نفسه أو أهله بحيث لو تركه تأذى بتركه كان له مخالفتهما للحديث المشهور: «لا ضرر ولا ضرار» رواه أحمد وابن ماجة وصححه الألباني في غاية المرام، وإن أراد به تكثراً فلا بد من الإذن.
٤ - السفر للجهاد: إذا توفرت شروط الجهاد في البلد الذي وقع فيه القتال وقرر العلماء ذلك فإنه لا بد من الإذن نص حديث رسول الله ﵊: «جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فاستأذنه في الجهاد فقال: أحي والداك؟ قال: نعم، قال: ففيهما فجاهد» رواه البخاري. وعند أبي داود «ارجع فاستأذنهما فإن أذنا لك فجاهد وإلا فبرهما» قال ابن حجر: قال جمهور العلماء يحرم الجهاد إذا منع الأبوان أو أحدهما بشرط أن يكونا مسلمين لأن برهما فرض عين والجهاد فرض كفاية. اهـ (١). ورجحه الشيخان، والمسألة هنا لها تفريعات مظانها في كتب أهل العلم ﵏.
٥ - السفر المباح: يشترط إذنهما.
стр. 30
وهذا التقسيم ذكره جمع من العلماء كابن حجر والقرافي والطرطوشي وابن علان وابن الشاط (١).
وذهب شيخ الإسلام ابن تيمية وتبعه شيخنا ابن عثيمين ـ الذي يعد امتدادا لمدرسة شيخ الإسلام ـ على أن الضابط في ذلك يعود إلى المنفعة والضرر، وحاصل كلامهم وتخريجا عليه لا يخلو من حالات:
أ- إذا كان في سفره منفعة له ولا ضرر عليهما فلا يشترط إذنهما.
ب- إذا كان في سفره منفعة وفيه ضرر عليهما فيشترط الإذن.
ج- إذا كان في عدم سفره ضرر عليه وفي سفره ضرر عليهما فلا يخلو من أحوال:
- إذا كان ضرره أعظم فلا يشترط إذنهما، وإذا كان ضررهما أعظم فلا بد من إذنهما.
- إذا تساوى الضرران فيراعى كل مسألة بحسبها. ولا شك أن البر والعقوق درجات رزقنا الله برهما وغفر للميت منهما (٢).
* سئل شيخ الإسلام عن سفر من له أولاد:
أجاب: أما سفر صاحب العيال فإن كان السفر يضر
стр. 31
بعياله لم يسافر؛ لقول الرسول ﷺ : «كفى بالمرء إثما أن يضيع من يقوت» رواه أبو داود، وسواء كان تضررهم لقلة النفقة أو لضعفهم وسفر مثل هذا حرام، وإن كانوا لا يتضررون بل يتألمون وتنقص أحوالهم فإن لم يكن في السفر فائدة جسيمة تربو على ثواب مقامه عندهم كعلم يخاف فواته وشيخ يتعين الاجتماع به وإلا فمقامه عندهم أفضل، وهذا لعمري إذا صحت نيته في السفر كان مشروعا.
وأما إن كان كسفر كثير من الناس إنما يسافر قلقا وتزجية للوقت، فهذا مقامه يعبد الله في بيته خير بكل حال، ويحتاج صاحب هذه الحال أن يستشير في خاصة نفسه رجلا عالما بحاله وبما يصلحه، مأمونا على ذلك، فإن أحوال الناس تختلف في مثل هذا اختلافا متباينا (١).
وعن الخلال قال: سمعت أبا عبد الله ـ أي: الإمام أحمد ـ سئل عن حديث: «كفى بالمرء إثما أن يضيع من يقوت» قال الرجل يكون له قرابة فيسافر ويتركهم، فإذا تركهم وحدهم أليس يضيعون وليس لهم أحد إلا هو؟ قلت: نعم. قال: هذا معناه. وسئل أخرى عن رجل خرج للكوفة ومن ثم سيذهب للحج وقد حج وخلف عيالا يخشى أن يضيعوا فذكر الحديث .. وفي رواية: «كفى بالمرء إثما أن يضيع من يعول» رواه النسائي وابن حبان والحاكم (٢).
стр. 32
* يستحب للمسافر أن يكتب وصيته قبل سفره وإن كانت عليه حقوق فيجب ذلك؛ لحديث ابن عمر في وجوب كتابة الوصية المشهور لمن له أو عليه حق في صحيح مسلم؛ ولأن التعرض للآفات في السفر أكثر مما هو في الحضر.
* يستحب أن يودع أهله ومشايخه وأصحابه: ورد في الحديث عن أبي هريرة ﵁ قال: «فأتينا رسول الله ﷺ نودعه حين أردنا الخروج» رواه البخاري، قال ابن حجر: "وفيه مشروعية توديع المسافر لأكابر أهل بلده وتوديع أصحابه له" (١) وهو نوع من الوفاء ويشتكي الكثير من قلة الوفاء في هذه الأزمان ..
* يستحب توديع المسافر أهله وأصحابه: بقوله: "أستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه" (٢) يردون عليه: "نستودع الله دينك وأمانتك وخواتيم أعمالك" (٣) ويقال كذلك: "زودك الله التقوى وغفر ذنبك ويسر لك الخير حيث كنت" وكلها صحيحة (٤). والحكمة من قولهم نستودع الله دينك .. : لأن السفر مظنة للتقصير والتساهل في أمور الدين بسبب المشقة، وعدم الرقيب من البشر، والبعد عنهم فكان الدعاء بذلك مناسبا للحال (٥).
стр. 33
قال ابن عبد البر: إذا خرج أحدكم إلى سفر فليودع أخوانه فإن الله جاعل في دعائهم بركة (١).
مسألة: بعض الناس يوصي المسافر تبليغ السلام لمن سيسافر إليهم فهل يجب أن يبلغ السلام؟
ورد في صحيح مسلم: «يا رسول الله إن أصحابك يقرؤون عليك السلام ورحمة الله» قال النووي: فيه استحباب إرسال السلام إلى الغائب سواء كان أفضل من المرسل أم لا. قال أصحابنا: ويجب على الرسول تبليغه (٢).
وجاء في فتح العلام في أحكام السلام ٣٧: "ويجب على الرسول تبليغ السلام للغائب ولو بعد مدة طويلة بأن نسي ذلك ثم تذكر لأنه أمانة" والأقرب الوجوب إذا قبل تحمل السلام وتبليغه فهو أمانة إن قبلها وجب عليه أداؤها وإن لم يقبلها لم يجب عليه أداؤه، وينبغي لمرسل السلام أن يقول للمرسل معه: إن استطعت وإن لم تنس ومن تقابل أو يحدد له أشخاصا حتى لا يثقله بما لا يطيق والناس يتساهلون في هذا من الجهتين.
* يستحب السفر يوم الخميس: لحديث: «أن رسول ﷺ كان يحب أن يخرج يوم الخميس» رواه البخاري، ويجوز السفر في سائر الأيام عدا الجمعة ويأتي التفصيل فيه، ولا يجوز التشاؤم من السفر في أي يوم من الأيام، فإذا عزم الإنسان على السفر في أي وقت فليفعل.
стр. 34
فرع: عن علي ﵁ قال: "لا تسافروا في المحاق" المحاق: اليوم التاسع والعشرين والثلاثين. وأنكر ابن حجر ذلك نسبته لعلي ﵁ (١).
* يستحب عند خروجه من منزله أن يصلي ركعتين: لقوله ﷺ : «ما خلف أحد عند أهله أفضل من ركعتين يركعهما حين يريد سفرا» (٢) حديث حسن. وورد ذلك عن علي وابن عمر ﵄ ورجحه ابن حجر (٣).
خطأ: يظن البعض أنه يستحب التصدق قبل الخروج إلى السفر وهذا ليس عليه دليل.
خطأ: يقرأ بعض الناس عند توديع المسافر سورة الفاتحة وهذه من البدع التي ليس عليها دليل.
* من السنة وضع مسؤول لميزانية السفر: ورد في الحديث: «إذا اجتمع القوم في السفر فليجمعوا نفقاتهم عند أحدهم فإنه أطيب لنفوسهم وأحسن لأخلاقهم» رواه الحكيم الترمذي في نوادر الأصول وضعفه الألباني في الجامع برقم ١٣٠٥.
قال ابن عبد البر: "وهو سنة" ولا شك أن في ذلك رفعا
стр. 35
للحرج والكلفة والمنة واستمرارا للألفة (١).
* النهي عن أن تصحب الرفقة كلب أو جرس: لحديث: «لا تصحب الملائكة رفقة فيها كلب أو جرس» رواه مسلم، قيد بعض أهل العلم هذا بما علق على البهيمة ولا دليل على التقييد بل الرواية مطلقة، والأخرى تدل على العموم «الجرس مزامير الشياطين» رواها مسلم.
* هل نخرج على ذلك مسألة: الجرس في السيارة، جرس السرعة أو الباب فتدخل في النهي؟ الظاهر أنها تدخل، ولكن يقال بالجواز للحاجة والمصلحة، وعند الفقهاء الكراهة تزول عند الحاجة، وأما إذا كان لغير حاجة فيكره.
وهل النهي للكراهة أم التحريم؟ محل خلاف.
قال أبو عمرو بن الصلاح: "فإن وقع شيء من ذلك من جهة غيره فليقل: اللهم إني أبرأ إليك مما صنع هؤلاء فلا تحرمني ثمرة صحبة ملائكتك وبركتهم" (٢). وهذا لا يقال على وجه التوقيف والنص الشرعي ولا شك أن أعظم من ذلك الموسيقى والغناء.
ورد عند أبي داود والطبراني: "لا تصحب الملائكة رفقة فيها جلد نمر" (٣).
قال في عون المعبود: يكره اتخاذ جلود النمور واستصحابها في السفر .. وورد عند النسائي وأحمد برواية:
стр. 36
"الجلجل" (١)، والمراد الجرس الصغير.
- الحكمة من النهي: عدم إيذاء الملائكة والمراد بهم ملائكة الاستغفار والرحمة لا الحفظة.
- حمل الكلب في الرفقة للحراسة جائز؛ لحديث مسلم: "إلا كلب ماشية أو صيد أو زرع" وما عداه لا يجوز.
- لو سافر لوحده ومعه كلب شمله الحكم لذلك؛ لأن القيد بالرفقة أغلبي ولقد شاهدنا من المسلمين من يقلد الكافرين فيصحب كلبه معه في سفره مباهاة وتقليدا للكفار، وقد جمع السوءتين والله المستعان (٢).
* طرفة: قال ابن أبي حاتم سمعت أبي يقول لأبي زرعة: حفظ الله أخانا صالح بن محمد لا يزال يضحكنا شاهدا وغائبا، كتب إلي يذكر أنه مات محمد بن يحيى الذهلي وجلس للتحديث شيخ يعرف بمحمس فحدث أن الرسول ﷺ قال: "يا أبا عمير ما فعل البعير، ولا تصحب الملائكة رفقة فيها خرس، فأحسن الله عزاكم في الماضي وآجركم في الباقي». حيث حدث تصحيف النغير والجرس (٣).
* التأمير في السفر وتحته مسائل:
هذا المبحث لم أجد أحدا من أهل العلم أفرده بالكلام
стр. 37
أو تكلم عنه حسب بحثي وجهدي القاصر، وغاية ما وجدت حكمه وإشارات يسيرة جدا، وهي مسألة الناس فيها بين إفراط، وإحياء هذه السنة هو نتيجة لما يشاهده العالم الإسلامي من إقبال الجميع على الدين، والشباب على العلم وتطبيق السنة.
أ- حكمه:
محل خلاف، قيل: بالوجوب ورجحه شيخ الإسلام ابن تيمية والغزالي وابن عثيمين لحديث: «لا يحل لثلاثة يكونون بفلاة من الأرض إلا أمروا أحدهم» رواه أحمد، وقوله ﵊: «إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم» رواه أبو داود والبزار والطبراني وابن خزيمة والبيهقي وصححه الحاكم والشوكاني والألباني، وفي رواية له "قال: نافع فقلنا: لأبي سلمة: فأنت أميرنا" وانظر إلى سرعة امتثال الصحابة وحرصهم على التطبيق، وقيل: إن الأمر للاستحباب. ورجحه النووي في مجموعه، وقال ابن باز: يشرع ذلك.
قال شيخ الإسلام لما ذكر الأدلة السابقة والولاية العامة: ولهذا كانت الولاية لمن يتخذها دينا يتقرب به إلى الله ويفعل فيها الواجب بحسب الإمكان من أفضل الأعمال الصالحة (١).
стр. 38
ب- صفاته:
أن يكون أعلمهم وأحكمهم، وأن يكون ذكرا لا أنثى، لحديث: «لا يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة» رواه البخاري. وهذا لفظ عام في الولاية يندرج تحته جميع أفراد العموم، واختاره ابن باز وفتاوى اللجنة ٢٣/ ٤٠٤.
ج- فائدة التأمير:
ليسلم الركب من التشتت والفوضى والاختلاف، وأن يقودهم الأمير لما فيه الخير والصلاح والنفع لهم وترتيب أمرهم.
لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم ... ولا سراة لهم إذا جهالهم سادوا
وهذا يدلنا على أن الإسلام دين تنظيم لا كما يزعم الغرب بأن إسلامنا فوضى.
د- طريقة التأمير:
حين التأمل في الحديث المذكور الظاهر من قوله: «فليؤمروا» وفعل نافع المتقدم أن التأمير يكون بالشورى والاختيار.
هـ- بداية التأمير ونهايته:
تكون من بداية السفر حتى نهايته لأنه مرتبط بالسفر والحكم يدور مع علته وجودا وعدما.
و- شروط التأمير:
١ - أن يكونوا في سفر للحديث، ولا إمارة في المدن والقرى؛ لأن لها أميرًا خاصا بها من قبل ولي الأمر ولا يجوز التأمير في الحضر.
стр. 39
٢ - أن يكونوا ثلاثة فما فوق؛ لمفهوم الحديث. قال الشوكاني: يشرع لكل عدد بلغ ثلاثة فصاعدا أن يؤمروا عليهم أحدهم. اهـ. نيل الأوطار ٩/ ١٥٧.
والأمر شورى بين الاثنين وورد من فعل بعض السلف التأمير بين الاثنين والأقرب الأول لظاهر النص.
ز- حكم طاعته:
واجبة وإذا لم نقل بذلك لم يكن هناك فائدة من تأميره، ولعموم أدلة طاعة الأمير (١).
ح- ما هو الأمر الذي تجب طاعته فيه؟:
قال ابن عثيمين: تجب طاعته في ما يتعلق بأمور السفر كإصلاح الطعام والنزول في مكان معين وغيره لا في كل شيء، إلا أن الشيء الذي لا يتعلق بأمور السفر لا تجوز منابذته فيه. اهـ (٢).
والظاهر أن الولايات الخاصة ضابطها العرف كما قال شيخ الإسلام:" عموم الولايات وخصوصها وما يستفيده المتولي بالولاية يتلقى من الأحوال والألفاظ والعرف وليس لذلك حد في الشرع" (٣). اهـ، وأما ما يفعله ويفهمه البعض من أن له الطاعة المطلقة في المباحات والعبادات فليس بصحيح , وطاعته تكون في المعروف، وأما أن يشق عليهم ويضرهم بما لا يطيقون فلا
стр. 40
يجوز، ورد عن علي ﵁ قال: بعث النبي ﷺ سرية فاستعمل عليهم رجلا من الأنصار وأمرهم أن يطيعوه فغضب وقال: أليس أمركم النبي بطاعتي قالوا: بلى. قال: فاجمعوا لي حطبا فقال: أوقدوا نارا، فأوقدوها فقال: ادخلوها، فهموا وجعل بعضهم يمسك بعضا، يقولون: فررنا إلى النبي من النار، فما زالوا حتى خمدت النار، فسكن غضبه فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال: «لو دخلوها ما خرجوا منها إلى يوم القيامة، الطاعة في المعروف» رواه البخاري، وعند مسلم: «وأمرهم أن يسمعوا له ويطيعوا فأغضبوه في شيء ...».
وهذا هو ـ أي: الأمير هنا ـ ولاه الرسول ﷺ فهو نائبه، وفي أمر جهاد، وأنكر الرسول ﷺ ذلك الأمر عليه وعليهم، فكيف بأمير السفر؟! فيظن البعض أن أمير السفر له أن يأمرهم وينهاهم ويعاقبهم مطلقا وتنسحب عليه صلاحيات صاحب الإمامة العظمى كأمير البلد ونحوه والله المستعان.
ط- لو اختلف الأمير مع الركب أو بعضهم بخصوص القبلة:
ليس لهم أن يطيعوه؛ لأنه لا طاعة له هنا، ولأن كلا منهما يعتقد خلاف الآخر فلا يجوز أن يعمل بخلاف ما يعتقد. وكذا سائر العبادات الفرض منها والنافلة.
فرع: هل لأمير السفر أن يمنع من معه من الركب من النافلة صلاة أو صياما؟
ليس له ذلك؛ لأن ذلك ليس مما يتعلق بالسفر ولأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.