← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 14534

المختصر في أحكام السفر

فهد بن يحيى العماري

Полный текст (148 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

"الجلجل" (١)، والمراد الجرس الصغير. - الحكمة من النهي: عدم إيذاء الملائكة والمراد بهم ملائكة الاستغفار والرحمة لا الحفظة. - حمل الكلب في الرفقة للحراسة جائز؛ لحديث مسلم: "إلا كلب ماشية أو صيد أو زرع" وما عداه لا يجوز. - لو سافر لوحده ومعه كلب شمله الحكم لذلك؛ لأن القيد بالرفقة أغلبي ولقد شاهدنا من المسلمين من يقلد الكافرين فيصحب كلبه معه في سفره مباهاة وتقليدا للكفار، وقد جمع السوءتين والله المستعان (٢). * طرفة: قال ابن أبي حاتم سمعت أبي يقول لأبي زرعة: حفظ الله أخانا صالح بن محمد لا يزال يضحكنا شاهدا وغائبا، كتب إلي يذكر أنه مات محمد بن يحيى الذهلي وجلس للتحديث شيخ يعرف بمحمس فحدث أن الرسول ﷺ قال: "يا أبا عمير ما فعل البعير، ولا تصحب الملائكة رفقة فيها خرس، فأحسن الله عزاكم في الماضي وآجركم في الباقي». حيث حدث تصحيف النغير والجرس (٣). * التأمير في السفر وتحته مسائل: هذا المبحث لم أجد أحدا من أهل العلم أفرده بالكلام

стр. 37

أو تكلم عنه حسب بحثي وجهدي القاصر، وغاية ما وجدت حكمه وإشارات يسيرة جدا، وهي مسألة الناس فيها بين إفراط، وإحياء هذه السنة هو نتيجة لما يشاهده العالم الإسلامي من إقبال الجميع على الدين، والشباب على العلم وتطبيق السنة. أ- حكمه: محل خلاف، قيل: بالوجوب ورجحه شيخ الإسلام ابن تيمية والغزالي وابن عثيمين لحديث: «لا يحل لثلاثة يكونون بفلاة من الأرض إلا أمروا أحدهم» رواه أحمد، وقوله ﵊: «إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم» رواه أبو داود والبزار والطبراني وابن خزيمة والبيهقي وصححه الحاكم والشوكاني والألباني، وفي رواية له "قال: نافع فقلنا: لأبي سلمة: فأنت أميرنا" وانظر إلى سرعة امتثال الصحابة وحرصهم على التطبيق، وقيل: إن الأمر للاستحباب. ورجحه النووي في مجموعه، وقال ابن باز: يشرع ذلك. قال شيخ الإسلام لما ذكر الأدلة السابقة والولاية العامة: ولهذا كانت الولاية لمن يتخذها دينا يتقرب به إلى الله ويفعل فيها الواجب بحسب الإمكان من أفضل الأعمال الصالحة (١).

стр. 38

ب- صفاته: أن يكون أعلمهم وأحكمهم، وأن يكون ذكرا لا أنثى، لحديث: «لا يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة» رواه البخاري. وهذا لفظ عام في الولاية يندرج تحته جميع أفراد العموم، واختاره ابن باز وفتاوى اللجنة ٢٣/ ٤٠٤. ج- فائدة التأمير: ليسلم الركب من التشتت والفوضى والاختلاف، وأن يقودهم الأمير لما فيه الخير والصلاح والنفع لهم وترتيب أمرهم. لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم ... ولا سراة لهم إذا جهالهم سادوا وهذا يدلنا على أن الإسلام دين تنظيم لا كما يزعم الغرب بأن إسلامنا فوضى. د- طريقة التأمير: حين التأمل في الحديث المذكور الظاهر من قوله: «فليؤمروا» وفعل نافع المتقدم أن التأمير يكون بالشورى والاختيار. هـ- بداية التأمير ونهايته: تكون من بداية السفر حتى نهايته لأنه مرتبط بالسفر والحكم يدور مع علته وجودا وعدما. و- شروط التأمير: ١ - أن يكونوا في سفر للحديث، ولا إمارة في المدن والقرى؛ لأن لها أميرًا خاصا بها من قبل ولي الأمر ولا يجوز التأمير في الحضر.

стр. 39

٢ - أن يكونوا ثلاثة فما فوق؛ لمفهوم الحديث. قال الشوكاني: يشرع لكل عدد بلغ ثلاثة فصاعدا أن يؤمروا عليهم أحدهم. اهـ. نيل الأوطار ٩/ ١٥٧. والأمر شورى بين الاثنين وورد من فعل بعض السلف التأمير بين الاثنين والأقرب الأول لظاهر النص. ز- حكم طاعته: واجبة وإذا لم نقل بذلك لم يكن هناك فائدة من تأميره، ولعموم أدلة طاعة الأمير (١). ح- ما هو الأمر الذي تجب طاعته فيه؟: قال ابن عثيمين: تجب طاعته في ما يتعلق بأمور السفر كإصلاح الطعام والنزول في مكان معين وغيره لا في كل شيء، إلا أن الشيء الذي لا يتعلق بأمور السفر لا تجوز منابذته فيه. اهـ (٢). والظاهر أن الولايات الخاصة ضابطها العرف كما قال شيخ الإسلام:" عموم الولايات وخصوصها وما يستفيده المتولي بالولاية يتلقى من الأحوال والألفاظ والعرف وليس لذلك حد في الشرع" (٣). اهـ، وأما ما يفعله ويفهمه البعض من أن له الطاعة المطلقة في المباحات والعبادات فليس بصحيح , وطاعته تكون في المعروف، وأما أن يشق عليهم ويضرهم بما لا يطيقون فلا

стр. 40

يجوز، ورد عن علي ﵁ قال: بعث النبي ﷺ سرية فاستعمل عليهم رجلا من الأنصار وأمرهم أن يطيعوه فغضب وقال: أليس أمركم النبي بطاعتي قالوا: بلى. قال: فاجمعوا لي حطبا فقال: أوقدوا نارا، فأوقدوها فقال: ادخلوها، فهموا وجعل بعضهم يمسك بعضا، يقولون: فررنا إلى النبي من النار، فما زالوا حتى خمدت النار، فسكن غضبه فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال: «لو دخلوها ما خرجوا منها إلى يوم القيامة، الطاعة في المعروف» رواه البخاري، وعند مسلم: «وأمرهم أن يسمعوا له ويطيعوا فأغضبوه في شيء ...». وهذا هو ـ أي: الأمير هنا ـ ولاه الرسول ﷺ فهو نائبه، وفي أمر جهاد، وأنكر الرسول ﷺ ذلك الأمر عليه وعليهم، فكيف بأمير السفر؟! فيظن البعض أن أمير السفر له أن يأمرهم وينهاهم ويعاقبهم مطلقا وتنسحب عليه صلاحيات صاحب الإمامة العظمى كأمير البلد ونحوه والله المستعان. ط- لو اختلف الأمير مع الركب أو بعضهم بخصوص القبلة: ليس لهم أن يطيعوه؛ لأنه لا طاعة له هنا، ولأن كلا منهما يعتقد خلاف الآخر فلا يجوز أن يعمل بخلاف ما يعتقد. وكذا سائر العبادات الفرض منها والنافلة. فرع: هل لأمير السفر أن يمنع من معه من الركب من النافلة صلاة أو صياما؟ ليس له ذلك؛ لأن ذلك ليس مما يتعلق بالسفر ولأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.

стр. 41

فرع: لو رأى أمير السفر جمع الصلاة تقديما ورأى بعض الركب التأخير أو عدم الجمع فهل يلزمهم الطاعة أو العكس؟ ليس له أمرهم ولا يجب عليهم طاعته إلا إذا ترتب على مخالفته مفاسد تتعلق بأمر السفر الذي تجب فيه طاعته فتجب طاعته، كما ينبغي عدم المخالفة ما دام الأمر جائزا لأن الخلاف شر ويورث العداوة، ولأن الأصل في أمير الركب أن يأخذ رفقته بفعل الأصلح والأرفق فلا خير مع الخلاف ولا شر مع الائتلاف. فرع: لو اختلف أمير السفر مع بعض الركب في القصر والإتمام هل يلزمهم متابعته؟ لا يلزمهم متابعته لما تقدم ولأنه لا يترتب على ذلك مفسدة، وقد أتم ابن مسعود ﵁ خلف عثمان ﵁ في مكة وهو يرى القصر، فلما سأله الصحابة لماذا أتممت خلف عثمان قال: الخلاف شر، رواه أبو داود. فإذا أتم الإمام ورأوا القصر، أو رأى القصر وهم يرون الإتمام فيصلون جماعة واحدة ويأتي في مبحث الائتمام كيفية الصلاة بإذن الله. ي- أيهم أحق بالإمامة في الصلاة الأمير أم الأقرأ؟ الظاهر الأقرأ قرآنا؛ لحديث: «إذا كان ثلاثة في سفر فليؤمهم أحدهم وأحقهم بالإمام أقرؤهم» (١).

стр. 42

ك- مسؤولية الأمير: * أن ينظر في مصلحة القوم في جمع شؤون السفر وهذه وما بعدها مستقاة من عموم الأدلة والقواعد الشرعية. * أن يكون متواضعا، مشاركا لهم في الأعمال، ورد في إحياء الغزالي: أن عبد الله المروزي صحبه أبو علي الرباطي فقال: على أن تكون أنت الأمير أو أنا فقال: بل أنت فلم يزل يحمل الزاد لنفسه ولأبي علي على ظهره، فأمطرت السماء ذات ليلة فقام عبد الله طول الليل على رأس رفيقه وفي يده كساء يمنع عنه المطر فكلما قال له عبد الله: لا تفعل يقول له: ألم تقل إن الإمارة مسلمة لي حتى قال أبو علي: وددت أني مت ولم أقل له أنت الأمير. * أن يكون رفيقا بهم وألا يشق عليهم. * أن يشاورهم في الأمر لعموم أدلة الشورى وفضلها، وفي مشاورتهم كسبهم وتطييب خاطرهم واكتشاف آرائهم وقدراتهم وتربية لهم على هذا الأمر العظيم، والوصول لأمثل الحلول في ما يحتاجون والقضاء على الفردية التي قتلت كثيرا من الأمة وأعمالها. رأي الجماعة لا تشقى البلاد به ... رغم الخلاف ورأي الفرد يشقيها * أن يتفقد حوائجهم ويساعدهم، ويحث الركب على مساعدتهم، وبث روح الإيثار بينهم، والتفرس في أصحاب الحاجات عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: "بينما نحن مع رسول الله ﷺ في سفر إذ جاء رجل على راحلته فجعل يصرف

стр. 43

بصره يمينا وشمالا فقال الرسول: «من كان معه فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له، ومن كان معه فضل زاد فليعد به على من لا زاد له» " رواه مسلم. * أن يوزع المهام والأعمال بينهم وأن يتفقدهم حين الصعود والنزول وأن يكون آخر الركب صعودا وسيرا أو يوكل من يقوم بذلك؛ لحديث جابر ﵁: «كان رسول الله ﷺ يتخلف في المسير فيزجي الضعيف ويردف ويدعو له» رواه أبو داود قال النووي: إسناده حسن، وكان عمر الفاروق يفعله يزجي أي يسوق الضعيف. ورد في السير أن أبا رفاعة خرج في جيش عليهم عبد الرحمن بن سمرة فبات تحت حصن يصلي عليه ثم توسد ترسه فنام وركب أصحابه وتركوه نائما، فبصر به العدو، فنزل ثلاثة أعلاج، فذبحوه ﵁. ل- هل له أن يقيم حدا على من فعل موجبا للحد كالقذف والمسكر؟ ليس له ذلك؛ لأن ذلك لصاحب الولاية العامة أو من ينيبه كالقضاة وغيرهم. م- هل له أن يؤدب من خالف أمره في ما يتعلق بأمر السفر؟ أطلت بحثا في هذه المسألة فلم أجد من ذكرها والتأديب نوعان: ١ - بالقول: وهذا الأمر فيه مصلحة وسعة لكي ينتظم أمر السفر، ويدخل في عموم النصح والتوجيه والاحتساب،

стр. 44

قال شيخ الإسلام: «وجميع الولايات الإسلامية إنما مقصودها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر». ٢ - بالفعل كالضرب وتكليفه ببعض الأعمال وغيرها: ذهب بعض المشايخ إلى أنه ليس له ذلك؛ لأن التعزير والتأديب مرتبط بالإمام ومن ينيبه، إلا إذا كان الأمير في السفر أبا أو معلما فله ذلك من باب أن للأب والمعلم تأديب من تحت يدهم. وقد وجدت بعض من يكون أميرا في السفر يبالغ في تأديب من خالف أمره وهذا أمر مشكل جدا قد يؤدي إلى الضرر بالمتربي وتنفيره من محاضن التربية والعلم، وقال بعضهم: يجوز التأديب بالمعروف في حدود المعقول والمعتاد وهذا ليس من باب الحكم وإنما من باب التأديب والتربية، وحكى الماوردي خلافا في أمير الحج الذي قال فيه: وهو أحد الرعايا وليس من الولاة إن فعل أحد الحجيج ما يقتضي تعزيرا فإن كان مما لا يتعلق بالحج فليس له ذلك، وإن كان مما يتعلق بالحج فله تعزيره زجرا وتأديبا .. وإمامة الحج في أيام الحج فقط قال: هي ولاية بمنزلة الإمام في إقامة الصلوات. اهـ. ويخرج على كلامه ولاية السفر والمسألة تحتاج مزيد بحث وتحرير والله أعلم وأحكم (١). ن- إذا أراد أحد الركب الانفصال عن الرفقة ونهاه الأمير، هل يجوز له الانفصال؟ لم أجد من بحثها والجواب: أن يقال: ينظر إذا كان من

стр. 45

أراد الانفصال شخص بالغ عاقل لا يخشى عليه من عوارض السفر ومخاطره ولا يؤدي انفصاله إلى ضرر يلحق بالرفقة فله ذلك؛ لأنه إذا لم يجب عليه الدخول في الرفقة ابتداء فكذا الاستمرار لا يجب. وإذا كان غير ذلك أو صغيراً يخشى عليه فليس له ذلك ولا يمكنه الأمير من الانفصال من جهة الخوف عليه من الفساد والهلاك ولأنه بمثابة الأمانة عنده من قبل والديه وأهله، والشرع جاء بحفظ المصالح والأمانات ودرء المفاسد، والله أعلم. وحين وجود الضرر على الطرفين فينظر أيهما أشد ضررا وهكذا. * يستحب دعاء السفر في الذهاب والإياب: إذا ركب دابته وليس عند الخروج من البلد لرواية مسلم: «كان ﷺ إذا ركب دابته قال ...» ودعاء السفر هو أن يكبر ثلاثا ثم يقول: «سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون، اللهم إنا نسألك في سفرنا هذا البر والتقوى ومن العمل ما ترضى، اللهم هون علينا سفرنا هذا واطو عنا بعده، اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل، اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر وكآبة المنظر وسوء المنقلب في المال والأهل». وإذا رجع قالهن وزاد فيهن «آيبون تائبون عابدون لربنا حامدون» رواه مسلم. وفي رواية: «والحور بعد الكور ودعوة المظلوم» (١)، وفي رواية: «وسوء المنظر في

стр. 46

الأهل والمال والولد» (١). وفي رواية: «إذا دخل أهله أي: راجعا قال: توبا توبا لربنا أوبا لا يغادر حوبا» رواها ابن حبان وأحمد والطبراني. وفي رواية: «إذا سافر فركب راحلته قال بأصبعه هكذا، ومج شعبة أصبعه وذكر دعاء السفر» (٢). تنبيه: ورد في بعض كتب الفقهاء لفظ: «أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل والمال والولد» ولم أجده في كتب السنة التي بين يدي وفي برامج السنة الإلكترونية. (مقرنين: مطيقين، الوعثاء: الشدة، المنقلب: المرجع، الكآبة: تغير النفس من حزن ونحوه، سوء المنقلب: أي: يرجع فيرى في أهله وماله ما يسوؤه). فرع: قال ابن حجر الهيثمي: "ينبغي إذا فاته ذكر الركوب في أوله أن يأتي به في أثنائه نظير البسملة في الوضوء" وكذا دعاء السفر (٣). فائدة: قال الأبي: "لا يسمى الله بالصاحب ولا بالخليفة لعدم الإذن وعدم تكرر ذلك في الشريعة" وهذا من باب الإخبار وهو أوسع من باب الأسماء كما في القاعدة المشهورة (٤). * زيادة «آيبون» وما بعدها تقال حين القرب من البلد الراجع إليه؛ لحديث: «فلما أشرفنا على المدينة قال: آيبون

стр. 47

تائبون عابدون لربنا حامدون فلم يزل يقولها حتى دخل المدينة» رواه البخاري. وورد أنها تقال عند الرجوع كما تقدم. * قال ابن حجر: قوله تائبون: فيه إشارة إلى التقصير في العبادة. * قال ابن علان: قوله: استعاذ من الحور بعد الكور ودعوة المظلوم: وخص ذلك في دعاء السفر لكونه مظنة البلايا والمصائب والمشقة فيه أكثر، أو لأن دعوة المظلوم المسافر الذي لا يلقى الإعانة ولا الإغاثة أقرب إلى الإجابة. اهـ (١). وهذا مشاهد وملموس فإن بعض المسافرين يتعرض للفتن فيتأثر ويرجع إلى بلده منتكسا أو زاد انحرافا أو يظلم وغير ذلك نسأل الله العافية والثبات. فعلى الآباء والمربين ملاحظة ذلك وأخذ أسباب الحيطة والحذر والمتابعة. فرع: إذا سافر الإنسان من بلده قد يتنقل من بلد إلى بلد أثناء سفره فهل يشرع دعاء السفر كلما انتقل من بلد إلى بلد؟ الظاهر أنه يكتفي بالدعاء الأول وحين الرجوع إلى بلده لأنه ما بين ذلك يعتبر مسافرا والله تعالى أعلم. وقفة تأمل: دعاء السفر برواياته يحتاج إلى رسالة مستقلة لما اشتمل عليه من معان عظيمة في ترابط رائع وتناسق بديع فهو يحوي إشراقات نبوية ولفتات إيمانية وتنبيهات تربوية فكيف بأحكام

стр. 48

وأحاديث السفر؟ فحري بكل مسلم ومسلمة أن يقف عندها متأملا متدبرا، فلا تكون عبارات تردد وألفاظ تقال من غير قلب متأمل وعقل متدبر، فيستخرج المسافر منها ومن معه دررا وغررا أعرج على يسير منها، وأدع للقارئ الإكمال والغوص في بحور النبوة وألفاظ السنة ومنها: ١ - مشروعية أذكار مخصوصة في مواطن عدة من السفر والدعاء المطلق، فلا يغفل المرء عن ذكر الله حتى في سفره وترحاله من خروجه حتى عودته، فيرتبط الإنسان بربه حتى في السفر، والسفر موطن ضعف وزلل. ٢ - الدعاء بملازمة البر والتقوى والعمل الصالح في البر والبحر والجو، في الجبال والقفار، فلا يتجرد المرء في سفره من البر والتقوى، ويمتطي كل معصية وبلوى بل يحفظ دينه في كل حال وهذا كسابقه. ٣ - الدعاء بحفظ البدن والمال والولد من الشرور والهلاك. ٤ - الدعاء بالثبات على دين الله وقد تقدمت الإشارة إلى ذلك. ٥ - الدعاء بالتوبة وطلب المغفرة حين العودة من السفر ودخول المنزل وتأمل دعاء المسافر حين الخروج من المنزل وحين العودة، ويذكرنا بمسألة الدفع أولا ثم الرفع ثانيا. * يستحب كثرة الدعاء والاستغفار فيه: فهو موطن إجابة ودعاء وانكسار وتذلل وشعث قال ﷺ : «ثلاث دعوات

стр. 49

مستجابات لا شك فيهن: دعوة الوالد على ولده ودعوة المسافر ودعوة المظلوم» (١). قال القرطبي: فالمسافر مستجاب الدعوة؛ لأنه كالمضطر منقطع عن الأهل والوطن منفرد عن الصديق والحميم، لا يسكن قلبه إلى مسعد ولا معين لغربته؛ فتصدق ضرورته إلى المولى فيخلص إليه في اللجوء، وهو المجيب المضطر إذا دعاه (٢). فليحرص المسافر على الدعاء لنفسه وأهله وإخوانه، وجميع المسلمين والمنكوبين والمأسورين والمستضعفين والمهمومين. * يستحب إذا نزل منزلا أن يقول: «أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق» فمن قالها لم يضره شيء حتى يرحل من منزله. رواه مسلم. قال ابن علان: نفعها وشفاؤها من كل ما يتعوذ منه بشرط صحة النية وحسن الاعتقاد. * فائدة: قيل لبعض العلماء: إن فلانا قال هذا الدعاء وقد لدغ، فقال: الحديث، قال: لم يضره، ولم يقل لم يصبه، وفرق بين الأمرين، وإذا بالرجل لم يضره اللدغ بإذن الله. * يستحب إذا نزل منزلا أن يسبح الله، عن أنس ﵁

стр. 50

قال: «إذا نزلنا منزلا سبحنا حتى نحل الرحال» قال شعبة: تسبيحا باللسان. رواه الطبراني والهيثمي وقال: سنده جيد. قال ابن السني وهذا دعاء آخر عند النزول. عمل اليوم والليلة ١/ ٤٧٦. * أمر الرسول المسافر إذا أراد أن ينام أو ينزل للراحة أن يجتنب الطريق: قال: «وإذا عرستم فاجتنبوا الطريق، فإنها طرق الدواب، ومأوى الهوام بالليل» رواه مسلم. ومعنى التعريس: النزول للنوم أو الراحة. وهذا نوع من عناية الإسلام بحفظ الأبدان والإرشاد لذلك حتى في أدق الأشياء وأصغرها فأين أعداؤه؟! * يستحب للمسافر إذا صعد علوا أن يكبر وإذا نزل هبوطا أن يسبح الله: كما في صحيح البخاري من حديث جابر ﵁ قال: «كنا إذا صعدنا كبرنا وإذا نزلنا سبحنا». * يستحب للمسافر إذا دخل بلدا أن يقول: «الله رب السماوات السبع وما أظللن والأرضين السبع وما أقللن، ورب الشياطين وما أضللن، ورب الرياح وما ذرين، أسألك خير هذه القرية وخير أهلها وخير ما فيها، ونعوذ بك من شرها وشر ما فيها» حديث حسنه ابن حجر وابن باز (١). * يستحب للمسافر إذا كان في وقت السحر أن يقول: «سمع سامع بحمد الله وحسن بلائه علينا، ربنا صاحبنا وأفضل علينا، عائذا بالله من النار» رواه مسلم.

стр. 51

* يستحب إذا خاف قوما أن يقول: «اللهم اكفنيهم بما شئت» رواه مسلم. ويقول: «اللهم إنا نجعلك في نحورهم ونعوذ بك من شرورهم» رواه أبو داود وصححه النووي في الأذكار. * يستحب للرفقة في السفر أن ينزلوا مجتمعين ويكره تفرقهم لغير حاجة لحديث: " كان الناس إذا نزلوا منزلا تفرقوا في الشعاب والأودية فقال ﷺ : «إن تفرقكم في هذه الشعاب والأودية إنما ذلكم من الشيطان» " حديث حسن (١). فالتفرق في الظاهر يولد التفرق في الباطن، والشيطان يحرص على التفريق وإيغال الصدور ولكن بالتحريش بينهم، والتفرق والانعزال عن الرفقة قد يؤدي إلى الهلاك والتعرض للمخاطر ووسواس النفس والانحراف، والذئب أقرب ما يكون من الغنم القاصية، وليحذر المربون والآباء حين سفرهم من تفرق الرفقة وتشعبهم في الأودية وغيرها، بل يكون ذهابهم وإيابهم ونزولهم مجتمعين غير متفرقين إلا عند الحاجة، وأمن الفتنة والمفسدة، والإنسان ضعيف بنفسه قوي بإخوانه. * السفر موطن للاجتماع وكثرة الاختلاط والزحام: حين الصعود والنزول وفي المنام وفي السيارة وكل ذلك يستوجب الصبر والحلم وسعة الصدر وإدخال السرور والترويح بشيء من النكت والطرف والألغاز والملح وفق الضوابط الشرعية فلا

стр. 52

يكثر منه الإنسان أو يكذب أو يغتاب أو يؤذي ويخاصم ويجادل، فيقسو القلب، وتضيع الأوقات، ويشغل عن ذكر الله، وتركه يقبض المؤانس ويمل الراكب والمسافر وينفر الطباع، ورد عند ابن أبي الشيخ في أخلاقه عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «إني لا أمزح إلا حقا». وورد عن سفينة قال: كنا مع رسول الله ﷺ في سفر وكان إذا أعيا بعض القوم يلقي علي سيفه وترسه ويقول ﵊: «أنت سفينة» (١)، يمازحهم ويداعبهم وهو الإمام الأعظم وسيد ولد آدم ﷺ . * يكره سفر الإنسان لوحده إذا وجد الصاحب أو لغير حاجة؛ لقول الرسول ﷺ : «لو يعلم الناس ما في الوحدة ما أعلم، ما سار راكب بليل وحده» رواه البخاري، ولما فيه من الوحشة وتسلط اللصوص عليه وعدم وجود المعين بعد الله عند حدوث الضرر. قال الإمام أحمد عن الرجل يسافر وحده:" ما أحب ذلك إلا أن يضطر مضطر" (٢). قال الحافظ ابن حجر: "جواز السفر منفردا للضرورة والمصلحة التي لا تنتظم إلا بالانفراد والكراهة لماعدا ذلك" (٣). ويستحب أن يطلب رفيقا تقيا، نقيا، راغبا في الخير، كارها للشر يحرص على إرضاء رفيقه وموافقته لا مخالفته، صبورا على ما يقع منه ويحتمل كل واحد منهما الآخر ويرى لصاحبه عليه فضلا وحرمة وكما قيل:

стр. 53

"الصديق قبل الطريق وليس كل صديق يناسب الطريق" وورد: "يا خفاف ابتغ الرفيق قبل الطريق فإن عرض لك أمر نصرك وإن احتجت إليه ردفك" (١)، وقد قيل: "المروءة في السفر بذل الزاد وقلة الخلاف على الأصحاب وكثرة المزاح في غير مساخط الله وإذا فارقتهم أن تنشر عنهم الجميل" وقيل: "من حسن المرافقة الموافقة" (٢) لكن فيما لا يخالف الشرع. فرع: إذا كان الإنسان في سفر في سيارته لوحده وكان الطريق مليئا بالمسافرين والمحطات فهذا لا يدخل في النهي واختاره ابن عثيمين. تنبيه وتحذير: إن المتأمل لنهي الرسول ﷺ عن سفر الإنسان لوحده يعرف حكما وأسرارا عظيمة وقد سمعنا وشاهدنا من يسافرون لوحدهم وما يتعرضون إليه من مخاطر وقتل واعتداء والوقوع في حبال الرذيلة والفساد والانحراف، حتى وإن كان إنسانا سويا فتجد النفس تراوده بحجج واهية، والإنسان الذي معه آخرون قد يستحي منهم فلا يذهب لبعض أماكن الفساد أو النظر لبعض القنوات المنحرفة أو غير ذلك إن كان معه عقلاء لاسيما حين السفر للخارج، وفوق هذا رأي الاثنين أعقل وأسلم من الواحد في الغالب. * على قدر نيتكم وعملكم تؤجرون: فنفقتك في السفر إما أجر وإما وزر فسفرك للعبادة ونفقتك فيه تؤجر عليها، وإن

стр. 54

كان سفرا محرما فنفقتك وزر عليك، والمباح يؤجر عليه بحسن نيته. * قالوا: - من صلح لصحبة السفر صلح لصحبة الحضر، وقد يصلح في الحضر من لا يصلح في السفر. - السفر يخرج خبايا الباطن ويسفر عن أخلاق الرجال. - إذا أثنى على الرجل معاملوه في الحضر ورفقاؤه في السفر، فلا تشكوا في صلاحه. - قال علي: السفر ميزان القوم. - سئل إمام الحرمين لم كان السفر قطعة من العذاب؟ فأجاب على الفور: لأن فيه فراق الأحباب. - كن رحمة على من معك من المسافرين ولا تكن عذابا. - أتى رجلان إلى ابن عون يودعانه ويسألانه أن يوصيهما فقال: عليكما بكظم الغيظ، وبذل الزاد، فرأى أحدهما ابن عون في المنام وقد أهدى له حلتين. ولا شك أن المسافر بحاجة لكظم الغيظ والصبر فهو معرض في السفر لكثير من المكدرات. قال ﷺ : «إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه ولا ينزع من شيء إلا شانه» رواه مسلم. * حسن العشرة للزوجات حتى في السفر: عن عائشة ﵂ قالت: خرجت مع رسول الله ﷺ في بعض أسفاره وأنا جارية

стр. 55

لم أحمل اللحم ولم أبدن فقال للناس: «تقدموا» فتقدموا ثم قال لي: «تعالي حتى أسابقك» فسابقته فسبقته فسكت عني حتى إذا حملت اللحم وبدنت ونسيت خرجت معه في بعض أسفاره فقال للناس: «تقدموا» فتقدموا ثم قال لي: «تعالي حتى أسابقك» فسابقته فسبقني فجعل يضحك وهو يقول: «هذه بتلك» (١). وللقارئ التأمل في هذه القصة، وأخلاق كثير من الناس مع زوجتاهم وأولادهم والله المستعان. * التنافس والتفاني في خدمة الأخوان: قال مجاهد: "صحبت ابن عمر لأخدمه فكان يخدمني" يقول أنس ﵁: «خرجت مع جرير بن عبد الله في سفر فكان يخدمني، وكان جرير أكبر من أنس» رواه البخاري، قال النووي: يستحب خدمة المسافر الذي له نوع فضيلة وإن كان الخادم أكبر سنا (٢). وما الفضل في أن يؤثر المرء نفسه ... ولكن فضل المرء أن يتفضلا وبوب البخاري باب فضل من حمل متاع صاحبه في السفر وذكر حديث الرسول ﷺ : «وتعين الرجل في دابته تحمله عليها أو ترفع له متاعه عليها صدقة ...» رواه البخاري، وحديث: «سيد القوم خادمهم» حديث ضعيف (٣)، وعند ابن المبارك: «سيد القوم خادمهم في السفر».

стр. 56

ويذكر عن الشيخ ابن سعدي ﵀ وهو شيخ الشيخ ابن عثيمين أنه إذا سافر مع الطلبة يجهز لهم الإفطار، والقهوة فيرفضون ذلك فيقول لهم: ألست أنا الأمير؟ فيقولون: بلى، فيقول: آمركم أن تجلسوا. وأحد الفضلاء بمرتبة وزير سافر معه أحد الأشخاص إلى دولة روسيا لمهمة يقول المرافق: كنا نجهز الطعام سويا ونذهب لشراء الطعام سويا ويرفض أن أذهب لوحدي فقط، وكان من عادته أنه لا يتعشى فلا ينام حتى يطمئن أني تعشيت وأنا شاب وهو كبير، وفي مرتبة وزير، ولكن التواضع منحة من الله قل وجودها، وندر من أبحر بها في زمن المناصب والرئاسة فكيف بالأقران سنا ورتبة؟! فالمشتكي إلى الله من أولئك المتعالين. وكان العوام من أهل عنيزة يحبون السفر مع الشيخ ابن سعدي لمكة والرياض لشدة تواضعه وحلمه ومؤانسته لهم في السفر فرحمه الله رحمة واسعة. ولا ينبغي للإنسان أن يكون متميزا في السفر عن إخوانه فلا يشاركهم في ما يحتاجون، ورد في السير أن الرسول ﷺ خرج مع أصحابه في سفر فأمر بإصلاح شاة فقال أحدهم: علي ذبحها، وقال آخر: علي سلخها، وقال آخر: علي طبخها، وقال الرسول ﷺ : «علي جمع الحطب»، فقالوا: يا رسول الله نكفيك فقال: «أعرف ذلك ولكني لا أحب أن أتميز عليكم فإن الله يكره من عبده أن يراه متميزا على أصحابه» (١). فلا يكون الإنسان كلا على الآخرين.

стр. 57

* فائدة: كان بلال بن سعد إذا رأى رفقة توافقه قال: يا هؤلاء إني أريد أن أصحبكم على أن تعطوني من أنفسكم ثلاث خصال. فيقولون: ما هي، قال: أكون خادما ومؤذنا لكم لا ينازعني أحد منكم في ذلك، وأنفق فيكم بقدر طاقتي، فإذا قالوا: نعم انضم إليهم. وكان عمرو بن عتبة يشترط على أصحابه أن يخدمهم (١). * فائدة: قال ﷺ : «صاحب الدابة أحق بصدرها إلا من أذن» حديث صحيح (٢). * فائدة: قال ابن حجر ﵀: "إن السفر يغتفر فيه لبس غير المعتاد في الحضر. اهـ" (٣). والمقصود ما لم يكن فيه محظور شرعي. * بشارة وتسلية: قال ﷺ : «إذا مرض العبد أو سافر كتب له ما كان يعمل صحيحا مقيما» رواه البخاري. قال ابن حجر: وهو في حق من كان يعمل طاعة فمنع منها وكانت نيته لولا المانع أن يداوم عليها (٤). تنبيه: عن أبي قتادة قال «كان رسول الله ﷺ إذا كان في سفر فعرس بليل اضطجع على يمينه، وإذا عرس قبيل الصبح نصب ذارعه وضع رأسه على كفه» رواه مسلم.

стр. 58

التعريس: النزول للنوم والراحة سواء في آخر الليل أو أي وقت، وهذا فيه تنبيه وهو أن يحرص الإنسان على أن يبذل السبب لعدم فوات الصلاة كحمل المنبه، وما في حكمه لأنه من المشاهد أن كثيرًا من المسافرين لا يحافظون على الصلاة في وقتها وتجدهم يسهرون معظم الليل حتى يفوتهم الفجر. تنبيه: حديث ضعيف: «إذا قدم أحدكم من سفر فليهد إلى أهله وليطرفهم ولو كانت حجارة» (١). تنبيه: حديث ضعيف: «إن المسافر ورحله على قلت ـ أي: هلاك ـ إلا ما وقى الله» (٢). تنبيه: حديث ضعيف: «سافروا تصحوا وتغنموا» وفي رواية: «تسلموا» وفي رواية: «ترزقوا» (٣). والمعنى صحيح. تنبيه: حديث ضعيف: «أتحب يا جبير إذا خرجت سفرا أن تكون من أمثل أصحابك هيئة وأكثرهم زادا فاقرأ سورة الكافرون والإخلاص والنصر والفلق والناس» (٤). تنبيه: حديث موضوع: "خمس لم يكن الرسول ﷺ يدعهن في سفر ولا حضر: المرآة، والمكحلة، والمشط، والمدرى، والسواك، وفي رواية قارورة دهن" (٥).

стр. 59

وقفة مع الإمام الأعظم ﷺ -: عن عائشة ﵂ أنها قالت: «خرجنا مع رسول الله ﷺ في بعض أسفاره، حتى إذا كنا بالبيداء أو بذات الجيش انقطع عقد لي، فأقام رسول الله ﷺ على التماسه، وأقام الناس معه، وليسوا على ماء وليس معهم ماء، فأتى الناس أبا بكر، فقالوا: ألا ترى ما صنعت عائشة؟ أقامت برسول الله ﷺ وبالناس معه وليسوا على ماء وليس معهم ماء؟ فجاء أبو بكر ورسول الله ﷺ واضع رأسه على فخذي قد نام، فقال: حبست رسول الله ﷺ والناس، وليسوا على ماء، وليس معهم ماء، قالت: عائشة فعاتبني أبو بكر، وقال ما شاء الله أن يقول، وجعل يطعن بيده في خاصرتي، فلا يمنعني من التحرك إلا مكان رسول الله ﷺ على فخذي، فنام رسول الله ﷺ حتى أصبح على غير ماء، فأنزل الله آية التيمم، فتيمموا، فقال أسيد بن الحضير وهو أحد النقباء: ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر؛ فقالت عائشة ﵂: فبعثنا البعير الذي كنت عليه، فوجدنا العقد تحته». رواه مسلم. - وفي الحديث فوائد ووقفات من أهمها: - أنه يمكن التظلم من الإنسان لو كان فاضلا، وأنه يمكن التظلم إلى المفضول مع وجود الفاضل، وقد يكون ما يتظلم منه لم يكن مقصودا لمن وقع منه الفعل. - أن الناس تؤثر فيهم تصرفات بعض أفرادهم وتنعكس عليهم، وقد يكون لها آثار سلبية عليهم، لذلك فعلى الفرد إذا

стр. 60

كان ضمن مجموعة ـ في أي وضع كان ـ أن ينتبه إلى نفسه وإلى تصرفاته وانعكاسها على المجموعة، فقد لا يشعر بأثر بعض تصرفاته. - أن الإنسان قد يضجر من أمر ما ويحسبه شرا، ثم تكون عاقبته حميدة ومآله حسنا، ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦]، ﴿فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ١٩]. وكما يقال في كل تأخيرة خيرة. - فيه العتاب لمن أخر القوم ولكن ينظر إن كان بتفريط عوتب وإلا فلا، وورد تكرر ذلك من عائشة في بعض الأسفار، وورد عند الطبراني «في كل مرة تكونين عناء». - صدور العتاب من المفضول مع وجود الفاضل. - فيه اعتناء الإمام والأمير بحفظ حقوق المسلمين وإن قلت، وإقامته بالركب لتحصيل ضائع، ولحاق منقطع، ونحو ذلك من مصالح الرعية. - النهي عن إضاعة المال ولو كان يسيرا. - تزين المرأة حتى في حال السفر بالضوابط الشرعية. - الصبر على ما يحدث من منغصات في السفر (١).

стр. 61

خامسا: مسائل الاعتقاد: * حكم السفر للهجرة لبلد الإسلام وبلد الكفار قال ابن عثيمين له حالات: الأولى: السفر من بلد الكفر إلى بلد الإسلام: إن كان يستطيع أن يظهر دينه في بلد الكفر ويعلنه ولا يجد من يمنعه من ذلك فالهجرة مستحبة، وإن كان لا يستطيع ذلك فالهجرة واجبة بشرط أن يكون مستطيع الهجرة لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَاوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا * إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا * فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ [النساء: ٩٧ - ٩٩]. الثانية: السفر من بلد الفسق إن كان يخاف على نفسه من البقاء بأن يفسق فالهجرة واجبة، وإن كان يأمن على نفسه فمستحبة، إلا إذا كان في بقائه نفع وإصلاح فبقاؤه واجب للإصلاح لأنه إذا هاجر أهل الصلاح بقي أهل الفساد وازداد البلد فسادا (١). الثالثة: أن يسافر من بلد الإسلام إلى بلد الكفار ويقيم بها للدعوة إلى الله وهذا نوع من الجهاد. الرابعة: أن يسافر لبلاد الكفار لدراسة أحوال الكافرين وما

стр. 62

هم عليه من فساد العقيدة والأخلاق ليحذر الناس من ذلك ويشبهه، ليكون عينا للمسلمين وما يدبروه للمسلمين من مكايد وهذا جائز. الخامسة: أن يقيم لحاجة دولته المسلمة كالسفراء ومن في حكمهم وهذا جائز. السادسة: أن يقيم للدراسة وهي أخطر مما قبلها لأن الطالب يشعر بدنو مرتبته وعلو معلميه فيحصل تعظيم لهم، واقتناع بآرائهم، وتأثر بسلوكهم، والحكم بالجواز بشرط ألا يكون في بلاد المسلمين هذا العلم وتوافره. * شروط السفر إلى بلاد الكفار والإقامة بها: قال شيخنا ابن عثيمين طيب الله روحه وأعلى درجته في المهديين: لا يجوز السفر إلى بلد الكفار إلا بشروط: ١ - أن يكون سفره وإقامته للحاجة. ٢ - أن يكون عنده إيمان يدفع به الشهوات، وعلم يدفع به الشبهات. ٣ - أن يستطيع إقامة شعائر دينه في ذلك البلد. قال ﵊: «أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين» (١). فالحديث يدل على عدم الجواز؛ لأن في ذلك فتنة للمرء في دينه وخلقه، واستثنى العلماء الجواز

стр. 63

للحاجة بالشروط السابقة والضرورات تبيح المحظورات والحاجات تنزل منزلة الضرورات (١). * حرمة السفر إلى بلاد فيها الشر والفساد للنزهة والسياحة ولو كانت غير كافرة خشية الوقوع في الفساد والرذيلة، وبه أفتى الشيخ ابن عثيمين ﵀ وهذا من فقهه ﵀ في العلم والدعوة (٢). * دخول الكنائس والصلاة بها محل خلاف والصحيح الجواز بشروط: - عدم وجود تماثيل وصور بها لوروده عن عمر وابن عباس ﵄ كما في البخاري وهو رواية في مذهب الإمام أحمد ورجحه ابن تيمية. - إذا أمنت الفتنة بها بحيث لا يكون دخوله سببا في القناعة أو الدخول في اليهودية أو النصرانية، أو ورود الشبه على قلبه فيضل، فمن يخاف على نفسه من ذلك يحرم عليه دخولها. - خلوها من المحرمات العقدية أو الأخلاقية واللهو المحرم، كأن يكون بها سب أو انتقاص للإسلام أو الرسول ﵊ أو نوع من أنواع الفساد الأخلاقي. - ألا يكون بها وسائل للدعوة للتنصير أو التهويد

стр. 64

كمحاضرات أو أشرطة أو كتب ونشرات تدعو للدخول فيها والخروج من الإسلام. - ألا يكون الداخل بها من المسلمين له مكانة دينية عند المسلمين أو اليهود والنصارى، فيفتنون ويظنون أن هذا إقرار بما هم عليه من الكفر والضلال. وقيل: بعدم الجواز مطلقا، واختاره ابن باز مع اللجنة الدائمة إلا إذا وجدت مصلحة؛ لنهي عمر ﵁ عن ذلك كما رواه البيهقي بسند صحيح: "لا تدخلوا على المشركين في كنائسهم يوم عيدهم فإن السخطة تنزل عليهم" والقول بالمنع قوي سدا للفتنة ودرءا للمفسدة وخاصة في هذه الأزمان التي خرجت فيها الدعوة لحرية ووحدة الأديان، والطائفية يحمل وزرها من دعا إليها، وزر من تنصر أو تهود أو ضل بها، وما ورد عن بعض الصحابة فهم عندهم من العلم وصدق الإسلام والإيمان ما يدفع به الشبهة والشهوة. * حرمة الذهاب إلى ديار المعذبين سواء كان بسفر أو بلا سفر كمدائن صالح للنزهة والسياحة والإعجاب بهم، وأما للعظة والعبرة فلا بأس قال ﷺ : «لا تدخلوا بيوت هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين، فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم لا يصيبكم ما أصابهم» متفق عليه. قال ابن حجر ﵀:" وهذا تناول مساكن ثمود وغيرهم ممن هو كصفتهم، وإن كان السبب ورد فيهم" (١).

стр. 65

وقال النووي ﵀:" وكذا وادي محسر ما بين مزدلفة ومنى وضعَّف الشيخ ابن عثيمين ﵀ قول النووي وقال: النهي عن الجلوس فيه من باب عدم المشابهة بالمشركين في الحج " (١). عن علي ﵁ قال: «نهاني حبيبي أن أصلي بأرض بابل فإنها ملعونة» رواه أبو داود. قال الحافظ وفي إسناده ضعف. قال الخطابي: لا أعلم أحدا من العلماء حرم الصلاة بها وإذا ثبت النهي فيحمل على الإقامة بها أو خاص بعلي (٢)، وأفردت في آخر الكتاب بعض المسائل المتعلقة بالأقليات المسلمة في البلاد الكافرة باختصار. * الخروج من بلد به وباء استشرى بأهله أو السفر إليه: قال الحافظ ابن حجر له حالات: ١ - إذا أراد الخروج قاصدا الفرار من الوباء فلا يجوز لحديث «إذا سمعتم بالطاعون في أرض فلا تدخلوها وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا منها» رواه البخاري. وقيل: النهي لكراهة التنزيه. ٢ - إذا أراد الخروج للعلاج جاز لقصة العرنيين الذين أصابهم مرض المدينة لعدم ملائمة أجسامهم لأرض المدينة فأمرهم الرسول ﷺ بالخروج منها للعلاج. رواه

стр. 66

البخاري، وبوب عليه باب من خرج من أرض لا تلائمه. ٣ - إذا أراد الخروج لحاجة متمحضة وليس قصده الفرار جاز. ٤ - السفر إليها لا يجوز لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥]، وللنهي المتقدم، وقيل: يجوز مع الكراهة لمن عنده قوة توكل وصبر (١). * زيارة الآثار لها حالتان: الأولى: السفر لأجلها وله حالات: أإن كان على وجه التعبد فهذا لا يجوز؛ لعموم حديث: «لا تشد الرحال إلا لثلاثة مساجد» رواه البخاري؛ ولعدم الدليل على الجواز؛ ولأن الأصل في العبادات المنع. ب إن كان على وجه السياحة والمعرفة لا لاعتقاد بالبقعة جاز بالشروط الآتية: ١ - ألا ينوي بزيارتها التقرب إلى الله أو التبرك بها أو اعتقاد أن الدعاء عندها سبب في الاستجابة. ٢ - ألا يقصد بزيارتها تعظيمها. ٣ - ألا يكون بها مظاهر محرمة كالشرك والبدع ولا يستطيع الإنكار. الحالة الثانية: زيارتها دون سفر: الصحيح الجواز بالشروط السابقة.

стр. 67

* لا تجوز زيارة المزارات والمشاهد التي فيها قبور وأضرحة من أجل التبرك بها وبأصحابها، أو التمسح بها أو اعتقاد سنية ذلك واستحبابه، كغار ثور وحراء وجبل عرفة ومشهد الحسين وزينب وصلاح الدين والبدوي (١) وغيرها من الأشجار والجبال والأشخاص، والبقع وقصد الصلاة والدعاء عندها، والطواف حولها، والذكر والأخذ من تربتها للاستشفاء فكل ذلك لا يجوز لأنه من البدع والمنكرات، كما قال شيخ الإسلام ﵀ (٢)؛ لأن تلك الأعمال من العبادات ولا يعبد الله إلا بما شرع أو فعله الرسول ﷺ أو الصحابة، ولا دليل على ذلك في الكتاب أو السنة الصحيحة، ولأن بصرة ابن أبي بصرة الغفاري أنكر على أبي هريرة سفره إلى الطور الذي كلم الله عليه موسى ﵇ قائلا: لو أدركتك قبل أن تخرج إليه ما خرجت، سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا تعمل المطي إلا إلى ثلاثة مساجد» حديث صحيح (٣). * قال ابن باز: الحذر الحذر من الصلاة في المساجد التي فيها قبور حيث وللأسف بعض البلدان يوجد في مساجدها قبور وأضرحة، فلا تجوز الصلاة فيها، وأما وجود قبر الرسول ﷺ في مسجده، فالرسول دفن في بيته وليس في المسجد، ولكن لما وسع الوليد بن عبد الملك المسجد أدخل

стр. 68

البيت في المسجد بسبب التوسعة، وغلط في هذا، وكان الواجب أن لا يدخله حتى لا يحتج الجهلة وأشباههم بذلك، وقد أنكر عليه أهل العلم ولا يظن ظان أن هذا من جنس البناء على القبور لأن هذا البيت مستقل أدخل في المسجد للحاجة للتوسعة، وهذا من جنس المقبرة التي أمام المسجد مفصولة عن المسجد وقبر الرسول ﷺ مفصول بجدار وقضبان (١). سادسا: أحكام الطهارة: ١ - المسافر إذا دخل عليه الوقت ولم يجد ماء فله حالات ذكرها الشيخ ابن عثيمين ﵀ (٢): أ- الأفضل تأخير الصلاة إلى آخر الوقت في صورتين: الأولى: إذا علم وجود الماء. الثانية: إذا ترجح عنده وجود الماء. ب- الأفضل تقديم الصلاة في ثلاث صور: الأولى: إذا علم عدم وجود الماء. الثانية: إذا ترجح عنده عدم وجود الماء. الثالثة: إذا لم يترجح عنده شيء. ٢ - إذا صلى بالتيمم ثم وجد الماء أثناء الصلاة يقطع الصلاة ويعيدها لحديثه ﷺ : «إن الصعيد الطيب وضوء المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين فإذا وجد الماء فليمسه بشرته» (٣)

стр. 69

حديث صحيح. فإذا وجد الماء بعدها لا يعيد لقصة الرجلين اللذين تيمما ثم صليا ثم وجدا الماء في الوقت فأما أحدهما فلم يعد الصلاة، وأما الآخر فتوضأ وأعاد فقدما على الرسول ﷺ وأخبراه، فقال للأول: «أصبت السنة» وقال للآخر: «لك الأجر مرتين» ورجحه الشيخ ابن عثيمين ﵀ (١). ٣ - إذا وجب الغسل من جنابة على مسافر في شدة البرد ولم يستطع استخدام الماء؛ لخوفه المرض، ولا يكفي الخوف من البرد بل لا بد أن يخاف من الضرر، ولم يجد وسيلة للتدفئة أو خشي خروج الوقت عند التدفئة جاز التيمم أو عنده ماء قليل لا يكفي للغسل يتوضأ به ويتيمم عن الغسل، وعند استطاعته استعمال الماء وجب عليه الغسل لحديث: «فإذا وجد الماء فليمسه بشرته» وبه أفتى الشيخان رحمهما الله (٢). ٤ - إذا كان الإنسان ليس لديه إلا ماء قليل لا يكفيه للوضوء كاملا فإنه يتوضأ بما عنده ويتيمم عن الباقي ورجحه الشيخ ابن عثيمين ﵀ (٣)، وهو رواية عند الحنابلة لقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]. ٥ - يمسح المسافر على الخفين ثلاثة أيام وللمقيم يوم وليلة ويبتدئ المسح من أول مسحة بعد حدث بعد اللبس لما

стр. 70

في صحيح مسلم «جعل النبي ﷺ ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر ويوما وليلة للمقيم». ٦ - إذا ابتدأ الإنسان المسح في الحضر ثم سافر فمسحُ مسافرٍ، وهي رواية في مذهب الحنابلة ورجحها ابن عثيمين. ٧ - إذا ابتدأ المسح في السفر ثم أقام فمسح مقيم. ٨ - إذا أحدث في الحضر ثم سافر قبل مسحه فمسح مسافر. ٩ - إذا شك في ابتداء المسح هل يكون مسح مسافر أو مقيم فمسح مقيم احتياطا. سابعا: أحكام الأذان: ١٠ - يجب الأذان والإقامة على الجماعة المسافرين لحديث: «إذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم» رواه البخاري ورجحه الشيخ ابن عثيمين ﵀ (١)، وقيل: سنة. قال الشيخ ابن باز ﵀: والمنفرد يشرع له الأذان كما في صحيح البخاري: «إذا كنت في غنمك وباديتك فارفع صوتك بالنداء فإنه لا يسمع مدى صوت المؤذن جن ولا إنس ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة» (٢). ١١ - إذا أديت الصلاة بدون أذان وإقامة أو بإقامة فقط صحت وعلى الجماعة التوبة والاستغفار، وبه أفتى الشيخ ابن باز ﵀.

стр. 71

ثامنا: أحكام الصلاة: ١٢ - وجوب تحري القبلة بالسؤال وغيره فإن صلى لغير القبلة بغير اجتهاد وتحر أعاد الصلاة لأنه مفرط، وإن صلى باجتهاد لغير القبلة لم يعد سواء في الحضر أو السفر لأنه فعل ما في وسعه وقدرته قال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] ورجحه الشيخ ابن عثيمين ﵀، وقيل: يعيد إذا أخطأ في الحضر وهو الأحوط لوجود العلامات والمساجد (١)، وهو مذهب الحنابلة. ١٣ - قصر الصلاة في السفر سنة؛ لفعل الرسول ﵊ والصحابة والإتمام جائز؛ لفعل بعض الصحابة كعثمان وعائشة ﵄ مع الكراهة، ورجحه ابن تيمية ومال إليه ابن عثمين. ١٤ - إذا دخل المسافر مع إمام مقيم فأتم معه ثم قام المسافر للجمع لوحده أو مع مسافرين جاز لهم القصر؛ لأن البعض يظن أنهم ما داموا أتموا الأولى يلزمهم إتمام الثانية ولا تلازم بينهما. ١٥ - الصلاة في السفينة إن كانت نافلة لا يشترط استقبال القبلة فيها رفعا للمشقة، وإن كانت فريضة فيشترط استقبالها فإذا تحولت السفينة تحول للقبلة لقدرته على ذلك وهي فرض عند القدرة وهو مذهب جمهور الفقهاء (٢).

стр. 72

١٦ - لا يسن فعل الرواتب ما عدا سنة الفجر ويستحب فعل الوتر والضحى والتنفل المطلق وقيام الليل وذوات الأسباب كسنة الوضوء وتحية المسجد وصلاة الكسوف، وهو رواية في مذهب الحنابلة ورجحه ابن تيمية والشيخان ﵏ (١) ـ ودليل ركعتي الفجر عندما نام الرسول ﷺ في السفر ولم يستيقظ إلا على حر الشمس. قال أبو قتادة: "ثم أذن بلال بصلاة فصلى رسول الله ركعتين ثم صلى الغداة فصنع كما يصنع كل يوم" رواه مسلم. ودليل الضحى ما ورد عن أنس ﵁ قال: "رأيت رسول الله ﷺ صلى في السفر سبحة الضحى ثمان ركعات" (٢)، وحديث أم هانئ في قصة اغتساله ﷺ يوم فتح مكة: "ثم صلى ثمان ركعات سبحة الضحى" رواه مسلم (٣)، ودليل قيام الليل قال ﷺ : «ثلاثة يحبهم الله ـ وذكر منهم ـ قوم ساروا ليلهم حتى إذا كان النوم أحب إليهم مما يعدل به فوضعوا رؤوسهم قام يتملقني ويتلو آياتي» وفي رواية: «والقوم يسافرون فيطول سراهم حتى يحبوا أن يمسوا الأرض فينزلون فيتنحى أحدهم فيصلي حتى يوقظهم لرحيلهم» (٤)، الرواية

стр. 73

الأولى ضعيفة، والثانية صحيحة قاله الألباني ﵀. ومعنى التملق: التضرع. ورد في السير عن ابن مليحة قال: صحبت ابن عباس من مكة إلى المدينة فإذا نزل قام شطر الليل، يرتل القرآن حرفا حرفا ويكثر في ذلك من النشيج والنحيب (١). وعن البراء قال: «سافرت مع رسول الله ثمانية عشر سفرا فلم أره ترك ركعتين إذا زاغت الشمس قبل الظهر» رواه أبو داود والترمذي وقال: غريب، ورآه البخاري حسنا. قال ابن حجر: وحمله بعض العلماء على سنة الزوال لا على راتبة الظهر (٢). ١٧ - إذا دخل عليه وقت الصلاة وهو في بلده وهو يريد السفر ولم يفارق البنيان فلا يترخص بأحكام السفر من قصر وجمع وغيرها لأن الترخص يبدأ بمفارقة البنيان، ولحديث أنس ﵁ قال: "صليت مع رسول الله ﷺ الظهر بالمدينة أربعا وبذي الحليفة ركعتين"، فكان يبتدئ القصر إذا خرج من المدينة، ورجحه الشيخان (٣)، وهو مذهب جمهور الفقهاء. ١٨ - إذا سافر وفارق البنيان بعد دخول الوقت قصر، وإذا دخل بلده بعد دخول الوقت أتم؛ لأن العبرة بوقت فعل الصلاة لا وقت دخول الصلاة، وهو رواية في مذهب الحنابلة، وحكاه ابن المنذر إجماعا وهو قول لمالك والشافعي وأبو حنيفة

стр. 74

ورجحه الشيخان رحمهما الله (١). ١٩ - إذا كان المطار خارج البلد يقصر المسافر الصلاة فيه إذا كان الحجز مؤكدا، أما إذا كان انتظارا فلا يقصر لأنه لم يجزم بالسفر وهو قول في مذهب الحنابلة والشافعية. قال النووي ﵀: "إن من خرج من بلده وأقام في موضع بنية انتظار رفقته على أنه إذا خرجوا سار معهم وإلا رجع أنه لا يجوز له القصر لأنه لم يجزم بالسفر" (٢). ٢٠ - إذا كان المطار داخل البلد لا يقصر الصلاة فيه سواء كان الحجز انتظارا أو مؤكدا لأنه لم يفارق البنيان (٣)، وقد ذكر الشيخ ابن عثيمين ﵀: أن المطار إذا كان خارج البلد فيجوز لأهل البلد القصر فيه، وأما إذا كان داخل البلد فلا يجوز لهم القصر فيه (٤). ٢١ - إذا نسي صلاة حضر، أي: وجبت عليه في بلده ولم يصلها في الحضر فتذكرها وهو في السفر بعد خروج وقتها أتم الصلاة المقضية (أي: الفائتة). ٢٢ - إذا نسي صلاة سفر، أي: لم يصلها في السفر فتذكرها وهو في الحضر قصر الصلاة المقضية. وهو قول في مذهب الحنابلة ورجحه ابن عثيمين.

стр. 75

٢٣ - إذا ذكر صلاة سفر في سفر قصر الصلاة المقضية. والمقصود بالحضر في هذه المسائل بلده ومحل إقامته، ودليل هذه الصور قول الرسول ﷺ : «من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها» متفق عليه؛ أي: فليصلها كما هي. ٢٤ - لا ينبغي تعدد الجماعات في مسجد واحد في وقت واحد كما هو ملاحظ في المساجد التي على الطرق فإن هذا عنوان التفرق، ولأنه يحدث تشويشا كما ذكره الشيخ ابن عثمين ﵀ (١). ٢٥ - نية القصر ليست شرطا في الصلاة، وهو قول في مذهب الحنابلة لعدم الدليل ولأن الرسول ﷺ لم يأمر الصحابة بذلك فيلزم المأمور متابعة إمامه في الإتمام والقصر، ولأن القصر هو الأصل في السفر فلا يحتاج إلى نية كالإتمام في الحضر. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وهو الصحيح وهو الأظهر (٢) وبه قال الجمهور ورجحه الشيخ ابن عثيمين ﵀ ويتفرع عليها مسائل يقع فيها كثير من المسافرين وهي ليست بصواب ولا أثر لنية الإتمام أو القصر فيها: أ- إذا نوى المأمور الإتمام وصلى إمامه قصرا فيقصر مثله. ب- إذا نوى القصر وصلى إمامه إتماما لزمه ما صلى إمامه فيتم.
следующие страницы →