← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 14534

المختصر في أحكام السفر

فهد بن يحيى العماري

Полный текст (148 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

ثامنا: أحكام الصلاة: ١٢ - وجوب تحري القبلة بالسؤال وغيره فإن صلى لغير القبلة بغير اجتهاد وتحر أعاد الصلاة لأنه مفرط، وإن صلى باجتهاد لغير القبلة لم يعد سواء في الحضر أو السفر لأنه فعل ما في وسعه وقدرته قال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] ورجحه الشيخ ابن عثيمين ﵀، وقيل: يعيد إذا أخطأ في الحضر وهو الأحوط لوجود العلامات والمساجد (١)، وهو مذهب الحنابلة. ١٣ - قصر الصلاة في السفر سنة؛ لفعل الرسول ﵊ والصحابة والإتمام جائز؛ لفعل بعض الصحابة كعثمان وعائشة ﵄ مع الكراهة، ورجحه ابن تيمية ومال إليه ابن عثمين. ١٤ - إذا دخل المسافر مع إمام مقيم فأتم معه ثم قام المسافر للجمع لوحده أو مع مسافرين جاز لهم القصر؛ لأن البعض يظن أنهم ما داموا أتموا الأولى يلزمهم إتمام الثانية ولا تلازم بينهما. ١٥ - الصلاة في السفينة إن كانت نافلة لا يشترط استقبال القبلة فيها رفعا للمشقة، وإن كانت فريضة فيشترط استقبالها فإذا تحولت السفينة تحول للقبلة لقدرته على ذلك وهي فرض عند القدرة وهو مذهب جمهور الفقهاء (٢).

стр. 72

١٦ - لا يسن فعل الرواتب ما عدا سنة الفجر ويستحب فعل الوتر والضحى والتنفل المطلق وقيام الليل وذوات الأسباب كسنة الوضوء وتحية المسجد وصلاة الكسوف، وهو رواية في مذهب الحنابلة ورجحه ابن تيمية والشيخان ﵏ (١) ـ ودليل ركعتي الفجر عندما نام الرسول ﷺ في السفر ولم يستيقظ إلا على حر الشمس. قال أبو قتادة: "ثم أذن بلال بصلاة فصلى رسول الله ركعتين ثم صلى الغداة فصنع كما يصنع كل يوم" رواه مسلم. ودليل الضحى ما ورد عن أنس ﵁ قال: "رأيت رسول الله ﷺ صلى في السفر سبحة الضحى ثمان ركعات" (٢)، وحديث أم هانئ في قصة اغتساله ﷺ يوم فتح مكة: "ثم صلى ثمان ركعات سبحة الضحى" رواه مسلم (٣)، ودليل قيام الليل قال ﷺ : «ثلاثة يحبهم الله ـ وذكر منهم ـ قوم ساروا ليلهم حتى إذا كان النوم أحب إليهم مما يعدل به فوضعوا رؤوسهم قام يتملقني ويتلو آياتي» وفي رواية: «والقوم يسافرون فيطول سراهم حتى يحبوا أن يمسوا الأرض فينزلون فيتنحى أحدهم فيصلي حتى يوقظهم لرحيلهم» (٤)، الرواية

стр. 73

الأولى ضعيفة، والثانية صحيحة قاله الألباني ﵀. ومعنى التملق: التضرع. ورد في السير عن ابن مليحة قال: صحبت ابن عباس من مكة إلى المدينة فإذا نزل قام شطر الليل، يرتل القرآن حرفا حرفا ويكثر في ذلك من النشيج والنحيب (١). وعن البراء قال: «سافرت مع رسول الله ثمانية عشر سفرا فلم أره ترك ركعتين إذا زاغت الشمس قبل الظهر» رواه أبو داود والترمذي وقال: غريب، ورآه البخاري حسنا. قال ابن حجر: وحمله بعض العلماء على سنة الزوال لا على راتبة الظهر (٢). ١٧ - إذا دخل عليه وقت الصلاة وهو في بلده وهو يريد السفر ولم يفارق البنيان فلا يترخص بأحكام السفر من قصر وجمع وغيرها لأن الترخص يبدأ بمفارقة البنيان، ولحديث أنس ﵁ قال: "صليت مع رسول الله ﷺ الظهر بالمدينة أربعا وبذي الحليفة ركعتين"، فكان يبتدئ القصر إذا خرج من المدينة، ورجحه الشيخان (٣)، وهو مذهب جمهور الفقهاء. ١٨ - إذا سافر وفارق البنيان بعد دخول الوقت قصر، وإذا دخل بلده بعد دخول الوقت أتم؛ لأن العبرة بوقت فعل الصلاة لا وقت دخول الصلاة، وهو رواية في مذهب الحنابلة، وحكاه ابن المنذر إجماعا وهو قول لمالك والشافعي وأبو حنيفة

стр. 74

ورجحه الشيخان رحمهما الله (١). ١٩ - إذا كان المطار خارج البلد يقصر المسافر الصلاة فيه إذا كان الحجز مؤكدا، أما إذا كان انتظارا فلا يقصر لأنه لم يجزم بالسفر وهو قول في مذهب الحنابلة والشافعية. قال النووي ﵀: "إن من خرج من بلده وأقام في موضع بنية انتظار رفقته على أنه إذا خرجوا سار معهم وإلا رجع أنه لا يجوز له القصر لأنه لم يجزم بالسفر" (٢). ٢٠ - إذا كان المطار داخل البلد لا يقصر الصلاة فيه سواء كان الحجز انتظارا أو مؤكدا لأنه لم يفارق البنيان (٣)، وقد ذكر الشيخ ابن عثيمين ﵀: أن المطار إذا كان خارج البلد فيجوز لأهل البلد القصر فيه، وأما إذا كان داخل البلد فلا يجوز لهم القصر فيه (٤). ٢١ - إذا نسي صلاة حضر، أي: وجبت عليه في بلده ولم يصلها في الحضر فتذكرها وهو في السفر بعد خروج وقتها أتم الصلاة المقضية (أي: الفائتة). ٢٢ - إذا نسي صلاة سفر، أي: لم يصلها في السفر فتذكرها وهو في الحضر قصر الصلاة المقضية. وهو قول في مذهب الحنابلة ورجحه ابن عثيمين.

стр. 75

٢٣ - إذا ذكر صلاة سفر في سفر قصر الصلاة المقضية. والمقصود بالحضر في هذه المسائل بلده ومحل إقامته، ودليل هذه الصور قول الرسول ﷺ : «من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها» متفق عليه؛ أي: فليصلها كما هي. ٢٤ - لا ينبغي تعدد الجماعات في مسجد واحد في وقت واحد كما هو ملاحظ في المساجد التي على الطرق فإن هذا عنوان التفرق، ولأنه يحدث تشويشا كما ذكره الشيخ ابن عثمين ﵀ (١). ٢٥ - نية القصر ليست شرطا في الصلاة، وهو قول في مذهب الحنابلة لعدم الدليل ولأن الرسول ﷺ لم يأمر الصحابة بذلك فيلزم المأمور متابعة إمامه في الإتمام والقصر، ولأن القصر هو الأصل في السفر فلا يحتاج إلى نية كالإتمام في الحضر. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وهو الصحيح وهو الأظهر (٢) وبه قال الجمهور ورجحه الشيخ ابن عثيمين ﵀ ويتفرع عليها مسائل يقع فيها كثير من المسافرين وهي ليست بصواب ولا أثر لنية الإتمام أو القصر فيها: أ- إذا نوى المأمور الإتمام وصلى إمامه قصرا فيقصر مثله. ب- إذا نوى القصر وصلى إمامه إتماما لزمه ما صلى إمامه فيتم.

стр. 76

ج- إذا دخل في الصلاة لم ينو القصر او الإتمام صلى ركعتين وصحت صلاته سواء إماما أو مأموما. د- إذا ائتم بمن شك فيه هل هو مسافر أو مقيم؟ يلزمه ما صلى إمامه. هـ- إذا نوى المسافر الإتمام سواء كان إمام أو مأموما ثم تذكر أنه مسافر صلى قصرا، ورجحه الشيخ ابن عثيمين ﵀ لأنه الأصل في صلاة المسافر (١) .. ٢٦ - يقصر من الصلاة الرباعية وأما الفجر والمغرب فلا تقصر. ٢٧ - إنسان صلى المغرب ركعتين على أنها تقصر جهلا منه، فإن صلاته باطلة ويلزمه إعادة الصلاة. ٢٨ - إذا نوى المسافر القصر ثم قام إلى الثالثة ناسيا فإنه يرجع ويسجد للسهو ورجحه الشيخ ابن عثيمين ﵀ (٢). ٢٩ - إذا نوى المسافر القصر ثم نسي فصلاها تامة فيسجد للسهو لأنه سهو على الصحيح من المذهب كما في الإنصاف. ٣٠ - يستحب تخفيف القراءة في صلاة السفر لما ورد أنه: "كان أصحاب رسول الله ﷺ يقرؤون في السفر بالسور القصار" (٣)، وورد في صحيح مسلم "أن رسول الله ﷺ صلى

стр. 77

العشاء بالصحابة في سفر فقرأ بالتين والزيتون" ولاسيما أن المسافر يكون مشغولا بسفره ومن معه وتطويل الصلاة قد يكون سببا في تفويت بعض الأمر عليه لاسيما في المطارات. ٣١ - لا يجوز للمسافر ترك الجماعة في المسجد إذا كان نازلا في البلد المسافر إليه سواء كان فردا أو جماعة، لعموم أدلة وجوب الجماعة في المسجد ولا دليل على استثناء المسافر من وجوب صلاة الجماعة ولقول الرسول ﷺ : «من سمع النداء فلم يأته فلا صلاة له إلا من عذر» (١). حديث صحيح ورجحه الشيخ ابن عثيمين ﵀ (٢). ٣٢ - إذا سمع المسافر الأذان وهو في الطريق فلا تلزمه الصلاة في المسجد حتى ولو نزل لحاجة فلا تلزمه الجماعة في المسجد وبه أفتى الشيخ ابن عثيمين (٣). ٣٣ - إذا صلى الإنسان النافلة وفي أثناء الصلاة نبه الإمام أنه سيصلي على جنازة. هذه المسألة تحدث كثيرا في الحرمين وقد توجد في غيرهما وعليه فيجوز للإنسان أن يقطع النافلة ويصلي على الميت. قال ابن العثيمين ﵀ في شرحه لمنظومة القواعد: يكره قطع النفل إلا لغرض صحيح، مثل أن ينتقل من مفضول إلى أفضل أو نحو ذلك. اهـ. والصلاة على الجنازة أفضل من النافلة وبهذا أفتى بعض أهل العلم.

стр. 78

٣٤ - لا يتورك المسافر إلا في صلاة المغرب لأن التورك لا يسن إلا في صلاة فيها تشهدان على ما رجحه الشيخان وصلاة السفر قصر، أما المغرب ففيها تشهدان. ٣٥ - جواز السفر للصلاة على الميت وحضور الدفن والتعزية لأن شد الرحل هنا ليس من أجل البقعة، والمحرم السفر لمسجد فيه مزية أو قبر فيه مزية، ويستثنى المساجد الثلاثة وزيارة الأقارب والإخوان والسفر لطلب العلم لعموم الأدلة على فضل ذلك وبه أفتى الشيخ ابن باز ﵀ (١). ٣٦ - إذا أم مقيم بمسافرين ثم خرج من الصلاة لعذر ثم خلفه مسافر يصلي بهم ركعتين فقط إلا إذا كان قد تجاوز الركعتين من الرباعية فيتم (٢). ٣٧ - إذا أم مسافر بمقيمين ثم خرج من الصلاة لعذر ثم خلفه مقيم يتم بهم أربعا (٣). تاسعا: أحكام ائتمام المسافر بالمقيم والعكس: ٣٨ - جوار الصلاة خلف الإمام المقيم ولا يضر اختلاف النية أو الصلاة لأن معاذا كان يصلي العشاء مع النبي ﷺ ثم ينطلق فيصلي بقومه العشاء، فتكون له نافلة ولهم فريضة. رواه مسلم ورجحه الشيخان رحمهما الله (٤). ٣٩ - هل يصح القصر وراء الإمام المتم سواء دخل

стр. 79

المسافر في أول الصلاة أو آخرها أو قبل التسليم فيه خلاف بين الفقهاء. فوجوب الإتمام مذهب جمهور الفقهاء من الحنفية والشافعية والحنابلة واختاره ابن قدامه في المغني لحديث ابن عباس "قيل له: ما بال المسافر يصلي ركعتين في حال الانفراد وأربعا إذا ائتم بمقيم: فقال: تلك السنة" رواه أحمد. ولقول الرسول ﷺ : «إنما جعل الإمام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه» رواه البخاري ومسلم. ومفارقة إمامه اختلاف عليه فلم يجز مع إمكان متابعته وقال به ابن عمر وجماعة من التابعين والثوري والأوزاعي ورجحه الشيخان، وقيل: إذا أدرك أقل من ركعة فإنه يقصر الصلاة لأن إدراك الصلاة بالركعة، للحديث المشهور في الصحيحين: «من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة» وهو قول مالك ورواية عند أحمد ورجحه ابن تيمية، وقيل: إذا أدرك ركعتين أجزأ؛ وبه قال طاوس والشعبي والقول الصحيح الإتمام في جميع الصور لقوة أدلته ولأنه لم يرد فعل من السنة أو فعل أحد من الصحابة على خلافه (١)، وهو الأحوط. ٤٠ - إذا دخل المسافر مع الإمام المتم ثم بطلت صلاته أو تذكر أنه على غير طهارة ـ أي: المأمور ـ يقصر الصلاة إذا رجع فصلى منفردا. وهو قول عند الحنابلة ومذهب أبي حنيفة وبه قال الثوري ورجحه الشيخ ابن عثيمين ﵀ (٢). ٤١ - إذا دخل مع إمام يظن أنه مسافر وأدرك معه ركعتين

стр. 80

ثم تبين أن الإمام متم أتم الصلاة إن كان الزمن قريبا، وإن طال الزمن أعادها أربعا، وبه أفتى الشيخ ابن جبرين (١)، وقيل: يعيدها قصرا قياسا على المسألة السابقة. ٤٢ - إذا دخل مع إمام مسافر يصلي العشاء وهو يريد المغرب يدخل معه، فإذا سلم الإمام قام فأتى بالثالثة وإذا كان الإمام مقيما يجلس المأموم في الثالثة وينتظر حتى يسلم مع الإمام، وله أن يسلم ويدرك العشاء مع الإمام وهو قول في مذهب الحنابلة ورجحه الشيخ ابن عثيمين ﵀ (٢) واختاره ابن تيمية. ٤٣ - إذا دخل المسافر مع إمام مسافر أو مقيم يصلي المغرب وهو يريد العشاء، قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: له أن يصلي العشاء قصرا والأحوط الإتمام، وقال أبو المعالي من الحنابلة والنووي: الإتمام. اهـ (٣) وهو الأولى خروجا من الإشكال. ٤٤ - يجوز أن يأتم المقيم بالمسافر ويقضي الباقي بعد سلام الإمام لقول الرسول ﷺ لأهل مكة: «أتموا فإنا قوم سفر» ضعيف (٤)، ووزعه عمر نحوه وقال الشوكاني رجال إسناده ثقات. النيل ٣/ ٢٠٤. ٤٥ - إذا دخل مسافر أو مسافرون مع إمام مقيم يصلي التراويح في رمضان فلهم حالتان:

стр. 81

الأولى: إن كانوا دخلوا بلدهم ووطنهم فإنهم يدخلون معه ويصلون الصلاة الفائتة إتماما فإذا سلم الإمام أتموا ما بقي وهو رواية في مذهب الحنابلة. الثانية: إن كانوا دخلوا البلد المسافر إليه، فإنهم يدخلون معه ويصلون الصلاة الفائتة قصرا وذكره الشيخ ابن عثيمين ﵀ ولا ينبغي أن يصلوا جماعة لئلا يحدث تشويش على الذين يصلون التراويح (١). ٤٦ - مسألة مهمة: الصلاة في المسجد فيه قبر له حالات: أ- إن كان القبر خارج سور المسجد من الخلف أو ذات اليمين أو اليسار فتصح الصلاة إلا إذا كانت مقبرة والمسجد بني بها فلا تجوز. ب- إذا كان القبر خارج المسجد من جهة القبلة ويوجد فاصل فجائز كجدار وطريق ونحوه ولا يجوز للإنسان قصد استقبال القبر. ج- إن كان القبر داخل المسجد في أي مكان فيه فلا تجوز الصلاة فيه ولا تصح كما هو مذهب المحققين من أهل العلم، كشيخ الإسلام ابن تيمية وابن باز وابن عثيمين وغيرهم لعموم قوله ﷺ «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» متفق عليه، وحديث: «ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك» رواه مسلم، ولقوله ﷺ : «لا

стр. 82

تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها» رواه مسلم. فيبحث الإنسان عن مسجد آخر وإذا لم يوجد أو كان بعيدا فليحرص على أن يجتمع هو ومن معه ممن هداهم الله للحق أن يجتمعوا في مكان يقيمون فيه الصلاة أو يسعوا لبناء مسجد ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق: ٢] ويقوموا بواجب النصح اتجاه إخوانهم. عاشرا: أحكام الجمع: ٤٧ - يشترط في جمع التأخير أن ينوي التأخير عند دخول وقت الأولى؛ لأنه لا يجوز للإنسان أن يؤخر الصلاة عن وقتها لغير عذر، فإذا ضاق وقتها ولم ينو الجمع قبل ذلك فلا يجوز أن ينوي الجمع إذا ضاق الوقت، بل يجب عليه أن يصلي الصلاة في الحال ويصلي الثانية في وقتها وذكره الشيخ ابن عثيمين عليه ﵀ (١). ٤٨ - إذا دخل على المسافر وقت الصلاة وهو ما زال في بلده تقدم أنه لا يجوز له القصر، وكذلك الجمع إلا إذا خشي خروج وقت الصلاة الثانية، ولا يستطيع النزول للصلاة كالمسافر في الطائرة أو النقل الجماعي إذا سافر وقت صلاة الظهر، فله جمع العصر معها بلا قصر وبه أفتى الشيخ ابن عثيمين ﵀ (٢). ٤٩ - يجوز الجمع للإنسان إذا خرج من بلده بعد دخول الوقت للصلاة وكانت مما تجمع مع الصلاة التي بعدها لوجود سببه وهو السفر.

стр. 83

٥٠ - وقت الجمع بين الصلاتين من دخول وقت الأولى حتى آخر وقت الثانية الاختياري فلا يجوز تأخير الظهرين إلى بعد اصفرار الشمس بعد العصر، ولا تأخير العشائين إلى بعد منتصف الليل على ما رجحه ابن عثيمين ﵀، وهو رواية عند الحنابلة. ٥١ - الجمع يكون للظهر مع العصر والمغرب مع العشاء جمع تقديم أو تأخير وأيهما فعل أجزأ، والفجر لا يجمع معه شيء. ٥٢ - إذا نوى جمع التأخير ثم دخل بلده ولم يدخل وقت الثانية لا يجمع الثانية مع الأولى بل يصلي كل صلاة في وقتها إتماما لو بقي وقت يسير لأن علة القصر والجمع هنا السفر وقد زال وهذا مبني على اشتراط استمرار العذر في جمع التأخير، وذكره الشيخ ابن باز ﵀ مع اللجنة الدائمة الشيخ ابن عثيمين ﵀ (١). ٥٣ - إذا نوى جمع التأخير ثم دخل البلد المسافر إليه وبقي وقت يسير ويدخل وقت الثانية فله حالات: الأولى: إن كان في غير مسجد فالأفضل أن ينتظر حتى يدخل وقت الثانية، فيصليهما جمعا وقصرا وإن صلى جاز. الثانية: إن كان دخل مسجدا بعد أذان الصلاة الثانية وقبل الإقامة، فيصلي الأولى قصرا ثم يصلي الثانية مع الجماعة.

стр. 84

الثالثة: إن كان دخل المسجد والناس يصلون الثانية دخل معهم بنية الأولى كما تقدم تفصيله في ائتمام المسافر بالمقيم. ٥٤ - إذا نوى جمع التأخير ثم دخل بلده وقد دخل وقت الثانية يصلي الأولى والثانية إتماما لانقطاع السفر وزوال العذر وبه أفتى الشيخ ابن باز ﵀ مع اللجنة الدائمة (١). ٥٥ - إذا كان وهو مسافر إلى بلده يستطيع أن يدخل بلده ويدرك الصلاة مع الجماعة أو وقتها أو يدخل بلده قبل دخول وقت الثانية جاز له القصر والجمع قبل دخول البلد، لأنه لم يدخل البلد، ولأنه جمعها مع الأولى بمسوغ شرعي وهو السفر، كما في الكشاف، وبه أفتى الشيخ ابن باز ﵀ مع اللجنة الدائمة (٢). ٥٦ - يجوز الجمع للمسافر السائر كما في صحيح مسلم: "أن رسول الله ﷺ كان إذا جد به السير جمع بين المغرب والعشاء"، وأما النازل فيجوز الجمع لكن الأحوط والأولى ترك الجمع عند عدم المشقة؛ لأن الرسول ﷺ كان بمنى في حجة الوداع يقصر الصلاة ولا يجمعها، وخروجا من الخلاف ورجحه ابن تيمية والشيخان ﵏ (٣). ٥٧ - وجوب الترتيب بين الصلوات في قضاء الفوائت والجمع ويسقط الترتيب بالنسيان والجهل أو إذا خشي خروج

стр. 85

وقت الصلاة الحاضرة ولا يسقط بخشية فوات الجماعة، وإذا تذكر الفائتة أو الأولى وهو يصلي الحاضرة، رجح الشيخ ابن عثيمين ﵀: أنه يتم الحاضرة ثم يقضي الأولى لعموم أدلة دفع الحرج عن الناس (١)، وهو رواية عند الحنابلة واختاره ابن تيمية. ٥٨ - إذا جمع المسافر المغرب مع العشاء جمع تقديم، جاز له أن يوتر بعد صلاة العشاء ولا ينتظر حتى يدخل وقت العشاء، ورجحه الشيخان ﵏ لأن العبرة بصلاة العشاء لا الوقت وهو مذهب جمهور العلماء ﵏. ٥٩ - إذا جمع الإنسان بن الصلاتين فالأولى والأفضل والأكمل أن يأتي بأذكار الصلاة الأولى ثم الثانية، وإن اقتصر على أذكار الصلاة الأخيرة فلا بأس بذلك لتداخلهما، ورجحه الشيخ ابن جبرين (٢)، ورجح ابن عثيمين الاكتفاء بأحدهما ويأخذ الأكمل، كالمغرب ذكرها أكمل من العشاء (٣). ٦٠ - الصلاة في الطائرة على نوعين كما فصلهما الفقيه ابن العثيمين ﵀ (٤): أ- نوافل: يصليها الراكب على أي حال قائما أو قاعدا يومئ بالركوع والسجود على أي جهة ولا يشترط استقبال القبلة، وكذا في السيارة لحديث عامر بن ربيعة قال: "رأيت

стр. 86

رسول الله ﷺ يصلي على راحلته حيث توجهت به" متفق عليه، وعند البخاري "يومئ برأسه ولم يكن يصنعه في المكتوبة"، وفي رواية مسلم "يوتر عليها" والأفضل استقبال القبلة عند تكبيرة الإحرام قاله ابن العثيمين ﵀، واختاره ابن قدامة وابن تيمية. ب- فرائض لها حالات: الأولى: إن استطاع أن يصليها قبل الركوب أو بعد النزول في وقتها صلى سواء جمع تقديم أو تأخير. الثانية: إذا ركب الطائرة قبل دخول الوقت وغلب على ظنه أن الطائرة لا تهبط إلا بعد خروج وقت الأولى، فينوي جمع التأخير إن كانت تجمع كالظهر مع العصر والمغرب مع العشاء. الثالثة: إذا ركب الطائرة قبل دخول الوقت وغلب على ظنه خروج وقت الصلاتين المجموعتين أو صلاة لا تجمع مع أخرى كالفجر فيجب عليه أن يؤدي الصلاة في مصلى الطائرة إن وجد مستقبلا القبلة إن استطاع، وإن لم يستطع صلى في الممرات، وإن لم يستطع صلى قائما ويومئ بالركوع والسجود وهو جالس على كرسيه ولا يجوز له تأخير الصلاة حتى يخرج وقتها. الرابعة: إذا كان في الطائرة مصلى ويمكن أن يصلي مستقبل القبلة قائما وراكعا وساجدا صلى فيه لو كان ذلك مع سعة الوقت. ٦١ - تجوز الصلاة في السفينة فروضا ونوافل ولا يسقط

стр. 87

القيام واستقبال القبلة في الفريضة لأنه يمكن ذلك فإن لم يستطع القيام جاز له أن يصلي جالسا. * الوقفة الثانية مع ابن باز في اغتنامه للوقت حال سفره: يقول مدير مكتب سماحة الشيخ: كنت مرافقا للشيخ من الطائف إلى الرياض في الطائرة فقرأت عليه ستين صفحة من كتاب إعلام الموقعين، ومن المطار إلى منزله تقريرا عن الدعوة في بعض البلاد سبع عشرة صفحة. متنقل في سؤدد من سؤدد ... مثل الهلال جرى فكان كماله سافر الشيخ حينما كان في المدينة متجها إلى بدر، وكان معه اثنان يقول أحدهم: فلما بدأ سيرنا ودعا سماحته بدعاء السفر التفت ﵀ وقال: توكلوا على الله ابدؤوا بقراءة المعاملات، فقلنا للشيخ: دائما نقرأ ولا نتمكن من الخروج للمدينة، وهذه فرصتنا دعنا نستمتع بالرحلة وننظر الجبال والأودية، فضحك سماحته وقال: اللهم اهدنا فيمن هديت ليقرأ فلان وأنت تفكر وانظر، وبعد أن ينتهي فلان سأملي عليك وينظر الآخر وقت الإملاء وهكذا ... كان سماحته يوما في مكة وبعد المغرب استقبل الناس، وأجاب عن أسئلتهم فذهب إلى جدة ومعه ثلاثة لحفل مركز الدعوة. وفي الطريق يتناوبون القراءة عليه يقول الموسى: فوصلنا وألقى الشيخ كلمته ثم عدنا فما وصلنا المنزل إلا الثانية ليلا، وكان من عادته أن يتهجد الثالثة ليلا فجزمنا بعدم قيامه لشدة تعبه، فلما جاء وقت تهجده قام وصلى حتى أذن الفجر

стр. 88

فذهبنا للمسجد وصلى بنا وألقى كلمة بعد الصلاة، فعدنا للمنزل فألقى سماحته غترته وطاقيته وقال: بسم الله المعاملات فقرأنا عليه حتى السابعة والثلث فقال: ننام. وضع المنبه على الثامنة والثلث فقمنا وذهبنا للرابطة لحضور الندوات فرجعنا الثانية والنصف فتناول الغداء مع الضيوف وأكمل برنامجه اليومي. ومن تكن العلياء همة نفسه ... فكل الذي يلقاه فيها محبب سئل الشيخ ذات مرة متعجبين من حوله من طول ما يعمل ما سر ذلك يا شيخ؟! فقال: إذا تلذذت الروح لم يتعب الجسد. فرحمة الله على ذاك الأسد فلنكن أشبالا من ذاك الأسد. الحادي عشر: أحكام الجمعة: ٦٢ - يجوز السفر يوم الجمعة قبل النداء الأخير لها، وأما إذا أذن المؤذن الأذان الأخير وهو بعد الزوال فلا يجوز السفر حينئذ إلا في حالات: الأولى: إذا خشي ذهاب رفقته، وكذا ذهاب الطائرة والنقل الجماعي إذا صلى الجمعة. الثانية: إذا كان يمكن أن يأتي بها في طريقه. الثالثة: إذا وافق ذلك اليوم يوم عيد وصلى العيد، فإن الجمعة تسقط عنه فله السفر بعد النداء الأخير. ٦٣ - الجمعة بالنسبة للمسافر لها ثلاث حالات:

стр. 89

الأولى: إذا كان سائرا في الطريق فلا تلزمه لأن الرسول ﷺ كان يسافر أسفارا كثيرة ومنها حجة الوداع، ولم يرد أنه صلى الجمعة ورجحه الشيخان رحمهما الله (١)، وما يفعله بعض المسافرين من أنه إذا دخل عليه وقت الجمعة وهو في الطريق فإنه يقف ويصلي الجمعة فإنه لم يأخذ برخصة الله، والله يحب أن تؤتي رخصه. وقال الشيخ ابن باز ﵀: أجزأته عن الظهر (٢). الثانية: إذا كان نازلا في مكان تقام فيه الجمعة ويسمع النداء فالراجح وجوبها لعموم الأدلة ولقول الرسول ﷺ : «من سمع النداء فلم يأته فلا صلاة له إلا من عذر» ولقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة ٩]، وليس هناك دليل يستثني المسافر النازل في مكان تقام فيه الجمعة من صلاة الجمعة، ومال إليه ابن تيمية وجزم به الشيخان رحمهما الله (٣)، ويتساهل الناس في هذا كثيرا، وأما إذا كان مارا بالبلد مواصلا للسير ووقف لحاجة وسمع أذان الجمعة فلا جمعة عليه، وبه أفتى الشيخ ابن عثيمين ﵀ (٤)، ويتبع الصلاة سائر أحكام الجمعة من الاغتسال وغيره، ويستحب الدعاء للمسافر فيكون جمع سببين لإجابة الدعاء: السفر، والجمعة.

стр. 90

٦٤ - إن صلى المسافر السائر مع من يصلي الجمعة فله حالتان: أ- أن ينوي الجمعة وهذا هو الأفضل حتى ينال أجر الجمعة. ب- أن ينويها ظهرا فهل يقصر أم يتم؟ صحيح المذهب الإتمام ويتجه الإجزاء بركعتين وسبب ذلك هل الجمعة بدل الظهر أم لا؟ (١). الثالثة: إذا كان نازلا في مكان لا تقام فيه جمعة ولا يسمع أذانها كمن أقام في البر للنزهة وغيرها، فهذا لا تجب عليه الجمعة لأنه مسافر، ويأخذ حكم ذلك البدو الرحل، والعسكريون في البحر أو البر لمهمات عسكرية وأمنية، وعمال الشركات الذين يخرجون لتنقيب النفط وغيره، ولا ينوون الإقامة الدائمة ولا تقام الجمعة في المكان الذي هم فيه، وبه أفتى الشيخان مع اللجنة الدائمة. ٦٥ - البعض يقيمون الجمعة بأنفسهم ويصلونها في مكان لا تقام فيه الجمعة وهم مسافرون نازلون كالحالة الثالثة، فهؤلاء لا تصح صلاتهم ويجب عليهم أن يصلوا الصلاة مرة ثانية ظهرا لأنها فرضهم وبهذا أفتى الشيخان ـ رحمهما الله ـ مع اللجنة الدائمة (٢).

стр. 91

الرابعة: المقيمون في بلد الكفار يرى الشيخ ابن عثيمين أنهم يقيمون الجمعة إظهارا لشعائر الإسلام وعلى القول الآخر أنهم غير مسافرين فتجب في حقهم (١). ٦٦ - إذا صلى الجمعة وهو مسافر لا يجمع معها العصر ويصلي العصر إذا دخل وقتها لعدم الدليل ولأنها من الصلوات التي لا يجمع معها شيء ورجحه الشيخان ـ رحمهما الله ـ (٢)، وقيل: يجوز الجمع. قال أحمد: المسافرون يجمعون يوم الجمعة قد صلى عبد الله يوم الجمعة في الحضر فجمع، وقال به النووي. وله قوته وحجته لوجود علة الجمع وعدم دليل المنع، وإذا لم تجب عليه الجمعة ككونه سائرا أو مسافرا قبل دخول الوقت أو في مكان لا تقام فيه الجمعة فإنه يجوز له أن يصلي الظهر والعصر جمعا اتفاقا (٣). ٦٧ - لو أدرك المسافر من صلاة الجمعة أقل من ركعة لزمه إتمامها أربعا، وقيل: يقصر وهو قول عند الحنابلة وقول للمالكية، فإن أدرك ركعة أتمها جمعة وهو رأي الإمام أحمد ورجحه الشيخان ـ رحمهما الله ـ (٤) لقوله ﷺ : «من أدرك ركعة من صلاة الجمعة فقد أدرك الصلاة» رواه البخاري ومسلم. ٦٨ - إنسان دخل مع الإمام بنية الجمعة بعد الرفع من

стр. 92

الركوع على أنها الركعة الأولى ثم تبين له أنها الثانية فإنه يغير النية وينويها ظهرا، وهو رواية في مذهب الحنابلة، والأولى إذا دخل مع الإمام بعد رفعه من الركوع أن ينتظر حتى السجدة الثانية، فإن قام الإمام للثانية نوى الجمعة وإن جلس للتشهد نوى الظهر، وذكره الشيخ ابن عثيمين ﵀ (١). ٦٩ - يحدث زحام عظيم في مواسم الحج ورمضان في المسجد الحرام يوم الجمعة فلا يجد الإنسان مكانا يسجد فيه، فيجب عليه أن يبحث عن مكان يستطيع أن يؤدي فيه الصلاة تامة، فإذا لم يجد فيجب عليه إذا أراد أن يسجد أن يجلس ويومئ بالسجود؛ أي: يحني رأسه وظهره وهو جالس إلى صدره لقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] ولأن السنة جاءت بالإيماء عند التعذر، وهو قول في مذهب الحنابلة ورجحه الشيخ ابن عثيمين ﵀ (٢). وبالمناسبة فالصلاة ولله الحمد في مساجد مكة التي داخل الأميال بمائة ألف صلاة ورجحه عطاء وابن القيم وابن باز فلا يزاحم المرء نفسه وإخوانه. ٧٠ - إذا دخل المسافر بلده يوم الجمعة وبقي وقت يسير على الصلاة فإنه تلزمه الصلاة في أقرب مسجد جمعة إذا خشي فواتها عند إرادته الذهاب إلى بيته، وكذا صلاة الجماعة إذا خشي فواتها تأخذ حكم ما سبق.

стр. 93

٧١ - إذا صلى المسافر الظهر يوم الجمعة ثم دخل بلده ويمكنه إدراك الجمعة فلا تلزمه (١). ٧٢ - إذا سافر الإنسان يوم الجمعة بعد الزوال، فإن وجد في الطريق مسجدا يصلون فيه الجمعة وجب عليه أن يصلي معهم، وإن لم يجد فعليه الاستغفار والتوبة ويصليها ظهرا ركعتين للقاعدة المشهورة بأن العبرة بحال الأداء لا أول الوقت. ٧٣ - تستحب قراءة سورة الكهف للمسافر يوم الجمعة لعموم الأدلة الواردة فيها، ولأن سنيتها مرتبطة باليوم لا صلاة الجمعة. ٧٤ - هل يجب غسل الجمعة على المسافر الذي لا تجب عليه الجمعة محل خلاف، والصحيح لا يجب لأن الغسل مرتبط بمن تجب عليه الصلاة لا اليوم كما قال به بعض الفقهاء ﵏ وهذا أمر ظاهر من النصوص. قال ابن حجر: وعرف بهذا فساد قول من حمله على ظاهره ـ أي: حديث الغسل ـ واحتج به على أن الغسل لليوم لا للصلاة .. وقد تبين من الروايات أن الغسل لإزالة الروائح الكريهة وعدم تأذي الحاضرين بها، ورجحه النووي (٢). ٧٥ - المسافر إذا صلى الجمعة فإنه يصلي بعدها سنتها لأنها تابعة لها بخلاف الرواتب كما تقدم.

стр. 94

* استراحة مسافر: رسالة كتبها شيخ الإسلام لأمه وهو مسافر: من أحمد بن تيمية إلى الوالدة السعيدة، أقر الله عينيها بنعمه، وأسبغ عليها جزيل كرمه، وجعلها من خيار إمائه وخدمه، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. فإنا نحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو، وهو للحمد أهل وهو على كل شيء قدير، ونسأله أن يصلي على خاتم النبيين، وإمام المتقين، محمد عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليما. كتابي إليكم عن نعم من الله عظيمة، ومنن كريمة، وآلاء جسيمة، نشكر الله عليها، ونسأله المزيد من فضله، ونعم الله كما جاءت في نمو وازدياد، جلت عن التعداد. وتعلمون أن مقامنا الساعة في هذه البلاد، إنما هو لأمور ضرورية متى أهملناها فسد علينا أمر الدين والدنيا، ولسنا والله مختارين للبعد عنكم، ولو حملتنا الطيور لسرنا إليكم، ولكن الغائب عذره معه، وأنتم لو اطلعتم على باطن الأمور، فإنكم ولله الحمد ما تختارون الساعة إلا ذلك، ولم نعزم على المقام والاستيطان شهرا واحدا، بل كل يوم نستخير لنا ولكم، وادعوا لنا بالخيرة، فنسأل الله العظيم أن يخير لنا ولكم وللمسلمين ما فيه الخيرة في خير وعافية. ومع هذا فقد فتح الله من أبواب الخير والرحمة، والهداية والبركة، ما لم يكن يخطر بالبال، ولا يدور في الخيال، ونحن

стр. 95

في كل وقت مهمومون بالسفر، مستخيرون الله فلا يظن الظان أنا نؤثر على قربكم شيئا من أمور الدنيا قط، بل ولا نؤثر من أمور الدين ما يكون قربكم أرجح منه، ولكن ثم أمور كبار نخاف الضرر الخاص والعام من أهمها، والشاهد يرى ما لا يرى الغائب. والمطلوب كثرة الدعاء بالخيرة فإن الله يعلم ولا نعلم، ويقدر ولا نقدر، وهو علام الغيوب، وقد قال النبي ﵊: «من سعادة ابن آدم استخارته الله ورضاه بما يقسم الله له، ومن شقاوة ابن آدم ترك استخارته الله وسخطه بما يقسم الله له» (١) والتاجر يكون مسافرا فيخاف ضياع بعض ماله فيحتاج أن يقيم حتى يستوفيه وما نحن فيه أمر يجل عن الوصف، ولا حول ولا قوة إلا بالله. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته كثيرا كثيرا وعلى سائر من في البيت من الكبار والصغار وسائر الجيران والأهل والأصحاب واحدا واحدا والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم تسليما (٢). وهذه الرسالة من هذا العالم الذي يعجز القلم عن وصفه، فيها من الفوائد الشيء الكثير وأدع للقراء والمسافرين استنباطها والوقوف معها طردا للملل وتحريكا للأذهان ومعرفة واقتداء بهذا الترجمان.

стр. 96

الثاني عشر: أحكام العيد: ٧٢ - حكم صلاة العيد لها حالات: أ- المسافر السائر لا يجب عليه العيد لأن من شرطه الاستيطان كالجمعة. ب- المسافر النازل في مكان لا تقام فيه صلاة العيد لا تجب عليه. ج- المقيمون في بلد الكفار يرى شيخنا ابن عثيمين أنهم يقيمون العيد إظهارا لشعائر الإسلام (١). د- المسافر النازل في مكان تقام فيه صلاة العيد محل خلاف، والأحوط وجوبها كالجمعة، ومال إليه ابن تيمية لأنه يرى أن العيد فرض عين (٢). ٧٣ - يستحب التكبير للمسافر أيام العيدين لعموم الأدلة (٣). ٧٤ - من وجبت عليه زكاة المال وهو مسافر ذكر بعض العلماء أنه يخرجها إذا كان معه مال، وإلا أخرها حتى يرجع بلده إذا كان سفره قصيرا، أو يوكل من يخرجها عنه في بلده. ٧٥ - من وجبت عليه زكاة الفطر وهو مسافر الأفضل أن يخرجها في البلد الذي هو فيه فزكاة الفطر تتبع الإنسان حيثما كان، وإذا وكل من يخرجها عنه في بلده جاز، وبه أفتى الشيخ ـ ابن باز ﵀ (٤).

стр. 97

٧٦ - إذا سافر الإنسان إلى بلد فهل له أن يخرج زكاة الفطر عن أهل بيته في المكان الذي هو فيه إذا كانوا ليسوا معه؟ فيه خلاف ووجهان عند الحنابلة حكاهما المرداوي في الإنصاف والأقرب يخرجانها عن أنفسهم في البلد الذي هم فيه؛ لأن زكاة الفطر تتبع الإنسان في مكانه الذي هو فيه. ٧٧ - من أراد أن يضحي وهو مسافر فله أن يضحي في المكان الذي هو فيه أو يوكل من يضحي عنه في بلده ورجحه ابن باز، وتشرع الأضحية في حق المسافر والمقيم؛ قاله النووي لحديث ثوبان: "ذبح رسول الله أضحيته ثم قال: «يا ثوبان أصلح لحم هذه» فلم أزل أطعمه منها حتى قدم المدينة" رواه مسلم (١). الثالث عشر: أحكام الصيام: ٧٨ - جواز ترك الصوم في السفر عند المشقة وجواز الصيام عند عدم المشقة لحديث حمزة بن عمرو أنه قال: يا رسول الله أجد فيَّ قوة على الصيام في السفر فهل علي من جناح فقال رسول الله ﷺ : «هي رخصة من الله فمن أخذ بها فحسن ومن أحب أن يصوم فلا جناح عليه» رواه مسلم ورجحه الشيخ ابن باز ﵀ مع اللجنة الدائمة (٢). والفطر للمسافر له حالتان: أ- أن يكون صائما وهو مسافر ثم أراد أن يفطر جاز له الفطر (٣)، لفعل الرسول ﷺ كما في المتفق عليه.

стр. 98

ب- أن يكون صائما في النهار وهو مقيم ثم سافر فلا يفطر إلا إذا جاوز العمران (١). ٧٩ - إذا وصل المسافر إلى بلد وهو مفطر لا يلزمه الإمساك لأنه لا فائدة من الإمساك، وهو رواية عند الحنابلة ورجحها الشيخ ابن عثيمين أسكنه الرحمن فسيح الجنان (٢)، ولكن لا يجاهر بفطره حتى لا يساء به الظن وعليه القضاء. ٨٠ - الفطر في السفر لا يقطع التتابع في الصيام كما في كفارة القتل الخطأ وغيره ويبني على ما مضى لأنه عذر يبيح الفطر في رمضان (٣). ٨١ - من غربت عليه الشمس في مطار بلده أو غيره فأفطر ثم أقلعت الطائرة ورأى الشمس فلا يلزمه الإمساك، وبه أفتى الشيخان ـ رحمهما الله ـ مع اللجنة الدائمة (٤). ٨٢ - إذا ركب الطائرة قبل غروب الشمس بدقائق واستمر معه النهار فلا يفطر ولا يصلي المغرب حتى تغرب شمس الجو الذي هو فيه، ولو مر بسماء بلد أهلها أفطروا وهو يرى الشمس في سمائها فلا يفطر، أو يفطر إذا نزل في بلد قد غابت فيها الشمس، وبه أفتى الشيخ ابن باز أسكنه الرحمن فسيح الجنان مع اللجنة الدائمة، لقول الرسول ﷺ : «إذا أقبل الليل من هاهنا وأدبر النهار من هاهنا وغربت الشمس فقد أفطر

стр. 99

الصائم» رواه البخاري ومسلم (١). ٨٣ - رجل سافر بالطائرة وحجزه مؤكد والمطار خارج البلد فأفطر وقصر الصلاة بعد خروجه من بلده ثم تأخرت الطائرة أو حصل مانع منعه من السفر في ذلك اليوم فصلاته صحيحة وفطره صحيح ولا يلزمه الإمساك، لأنه فعل ما وافق الشرع وعليه القضاء، ذكره الشيخ ابن عثيمين ﵀ (٢). ٨٤ - اختلاف الرؤية ابتداء وانتهاء لها ثلاث حالات: أ- سافر من بلد في آخر شعبان والناس مفطرون وجاء إلى بلده وهم رأوا الهلال وسيصومون فيلزمه الصيام معهم. ب- سافر من بلد رأوا فيه هلال شوال وقدم على بلده ولم يروا فيه الهلال فيلزمه الصيام معهم وإن زاد يوما فأصبح صائما واحدا وثلاثين يوما فلا يؤثر واختاره ابن باز، وقيل: لا يجوز الصيام ويفطر سرا لأن فرضه تسع وعشرون أو ثلاثون، وهذه زيادة لا تجوز، وهو مذهب جمهور الفقهاء كما حكاه الصنعاني (٣)، وقيل: يصوم استحبابا لا وجوبا كما في ظاهر اختيار ابن عثيمين في إجابته على أسئلة الملاحين. ج- سافر من بلد وهم صيام في آخر الشهر وقدم على بلده وهم رأوا هلال شوال فيفطر معهم وإن كان صيامه ناقصا

стр. 100

عن تسع وعشرين يوما، فيفطر ويقضي يوما مكانه. والقاعدة في ما تقدم: أن العبرة بالبلد الذي هو فيه إن كان بلده فيجب اتباعهم، وإن كان غير بلده فالأفضل أن يتبعهم، فإن كان أهله صياما صام وإن كانوا مفطرين أفطر ويقضي الناقص ولا يؤثر الزائد لحديثه ﷺ : «الصوم يوم تصومون والفطر يوم تفطرون والأضحى يوم تضحون» (١)، حديث صحيح وبه أفتى الشيخان عليهما سوابغ الرحمة والغفران مع اللجنة الدائمة (٢). د- من صام في بلد وأفطر معهم للعيد وقد صام تسعا وعشرين يوما ثم سافر لبلده فلا يخلو من حالات: ١ - أن يكون بلده والبلد المسافر إليه صاموا تسعا وعشرين يوما فيجزئه تسع وعشرون يوما اتفاقا. ٢ - أن يكون البلد الذي أفطر فيه وحضر العيد معه قد صام تسعا وعشرين يوما وبلده صام ثلاثين يوما سواء صام مع بلده أياما أو لم يصم فهذا يجزئه تسعة وعشرون يوما حسب البلد الذي أفطر معهم. ٣ - أن يكون كلا البلدين صام ثلاثين يوما لكنه صام تسعا وعشرين يوما وأفطر العيد في البلد الذي سافر إليه، كأن يكون بلده صام بعد البلد الذي سافر إليه، فذهب بعض المعاصرين إلى أنه يجزئه صيام تسع وعشرين يوما لأن الشهر

стр. 101

إما تسع وعشرون أو ثلاثون، والأحوط أن يقضي هذا اليوم لأن كلا البلدين صام الثلاثين. ٨٥ - السفر إلى مسجد لأجل الاعتكاف له حالات: الأولى: إن كان للحرمين والأقصى جاز لجواز شد الرحل لها للحديث الآتي. الثانية: إن كان غيرهما فالصحيح فيه تفصيل: أ- إن كان قصده ذات المسجد وبقعته فلا يجوز لحديث: «لا تشد الرحال إلا لثلاثة مساجد» متفق عليه ورجحه ابن تيمية وابن عقيل الحنبلي (١). ب- إن كان ليس قصده ذات المسجد والبقعة كأن يكون لأجل أنه أكثر خشوعا واطمئنانا لقراءة إمامه أو وجود بعض الدروس العلمية وغيرها فهذا جائز لأن النهي مرتبط بمن قصد البقعة إلا ما استثناه الدليل كالمساجد الثلاثة. الخامس عشر: بعض أحكام العمرة (*): السفر إلى بلد الله الحرام وكثرة توافد الناس إليه من أقطار العالم في السنوات الأخيرة حتى لا تكاد تجد مكانا تصلي فيه من شدة الزحام- أمر يفرح ويسر ويدل على أن في الأمة إقبالا على الله يشرح الخاطر ويبعث الأمل في الضمائر ويغيظ كل عدو وكافر، ورد في مسند أحمد عن أبي قتادة وأبي الدهماء قالا: كانا يكثران السفر نحو هذا البيت. ولذا ذكرت

стр. 102

بعض مسائل العمرة والبلد الحرام واقتصرت فيها على مسألة المرور بالميقات فقط. ٨٦ - كيفية الإحرام بالحج والعمرة للمسافر في الطائرة كما ذكرها الشيخ ابن عثيمين ﵀ (١): أ- يغتسل في بيته ويبقى في ثيابه المعتادة وإن شاء لبس ثياب الإحرام. ب- إذا قربت الطائرة من محاذاة الميقات لبس ثياب الإحرام إن لم يكن لبسها من قبل. ج- إذا حاذت الطائرة الميقات نوى الدخول في النسك ولبى بما نواه. د- إذا أحرم قبل محاذاة الميقات احتياطا، خوفا من الغفلة والنسيان فلا بأس. ٨٧ - من نزل في مطار جدة وقد قدم من بلد يريد الحج أو العمرة ولم يحرم في الطائرة عند محاذاة الميقات، فإنه يجب عليه أن يرجع إلى ميقات بلده ويحرم منه، وقيل: يحرم من أقرب ميقات له فإن أحرم وهو في جدة فعليه دم شاة تذبح في مكة وتوزع على فقرائها، وكذلك من أتى برا فتجاوز الميقات، والأول أحوط وعليه الدليل. ٨٨ - المسافر بالطائرة إذا نوى الحج أو العمرة فإذا حاذى الميقات وأراد أن يلبس ملابس الإحرام وإذا به قد نسيها

стр. 103

في العفش، فالجواب: عليه أن يخلع ثوبه ويجعله رداء يلتحف به ويبقى لابسا السروال حتى ينزل ومن ثم يبادر بلبس الإزار والرداء، وبه أفتى الشيخ ابن عثيمين ﵀ (١)، وإذا نوى وشق عليه ذلك فيبقى على ملابسه ويفدي للبسه المخيط وإذا غطى رأسه فيفدي أخرى، وفدية المخيط هي: ذبح شاة أو إطعام ستة مساكين لكل مسكين كيلو ونصف من الأرز وغيره لفقراء الحرم أو صيام ثلاثة أيام في أي مكان. ٨٩ - المسافر بالطائرة إذا أراد الحج والعمرة وغلبه النوم ولم يستيقظ إلا بعد مجاوزة الميقات فله حالتان: الأولى: إن كان ليس لابسا ملابس الإحرام لزمه الرجوع إلى ميقات بلده والإحرام منه، ومسجد عائشة أو ما يسمى بالتنعيم ليس ميقاتا له هنا، وإن لم يستطع فعليه دم يوزع على فقراء الحرم. الثانية: إن كان لابساً ملابس الإحرام لكنه لم ينو الدخول في النسك فإنه يرجع إلى الميقات وينوي منه، وإن لم يستطع فعليه دم وهو الذي عليه العمل والفتوى. ٩٠ - من نوى الدخول في النسك من بلده وأحرم بالحج أو العمرة ثم غلبه النوم ولم يستيقظ إلا بعد مجاوزة الميقات فإحرامه صحيح لكنه خالف السنة على الصحيح. ٩١ - كيفية الإحرام لمن سافر عن طريق البحر له حالتان:

стр. 104

أ- أن يحاذي شيئا من المواقيت فيحرم من محاذاتها. ب- ألا يحاذي شيئا منها كمن يأتي من سواكن جهة السودان فإنه يحرم من جدة واختاره ابن عثيمين وإن كان من غير جهة جدة فيحرم على بعد مرحلتين من مكة، كما قرره الفقهاء. ٩٢ - من دخل مكة محرما فليس واجبا عليه أن يبادر بالعمرة منذ وصوله فله أن ينتظر حتى يستريح ويجد منزلا وغير ذلك، ثم يأتي بعمرته. ٩٣ - من سافر من بلده لعمل أو غيره ومر بالميقات فله أحوال: أ- لا ينوي الحج أو العمرة مطلقا فلا شيء عليه. ب- لا يدري هل يستيسر له الحج والعمرة أو لا، فحينئذ لا يجب عليه الإحرام من الميقات فإن نوى بعد ذلك الإحرام فإنه يحرم من المكان الذي هو فيه. ج- من مر بالميقات وهو جازم ـ بعد الانتهاء من العمل أو قبله أو غير ذلك ـ الإتيان بالحج أو العمرة لكنه لم يحرم فإنه يجب عليه إذا أراد الإحرام الرجوع إلى ميقاته وإذا لم يستطع يحرم من مكانه وعليه دم يوزع على فقراء مكة. ٩٤ - المرأة إذا مرت بالميقات وهي حائض فلها ثلاث حالات: الأولى: إذا مرت بالميقات وهي حائض، وغلب على ظنها

стр. 105

أنها ستطهر ما دامت في مكة فعليها أن تحرم وتدخل مكة وتنتظر حتى تطهر فإذا طهرت اعتمرت. الثانية: إذا مرت بالميقات وهي حائض ولا تدري هل ستطهر في مكة أو تخرج منها قبل الطهر فلها أن تحرم وتشترط وتقول: اللهم لبيك عمرة فإن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني، فإن طهرت تكمل عمرتها، وإن أرادت الخروج وهي لم تطهر جاز لها الخروج بلا عمرة ولا شيء عليها، لحديث ضباعة بنت الزبير قال لها الرسول ﷺ : «لعلك أردت الحج». قالت: والله لا أجدني إلا وجعة. فقال لها: «حجي واشترطي وقولي اللهم محلي حيث حبستني» رواه البخاري ومسلم، وابن عثيمين يرى الاشتراط للحيض وأنها تأخذ حكم المحصر إذا اشترطت، وكذا ابن باز ﵀ نقله عنه الشيخ ابن عقيل، وهو لبعض الحنابلة حيث اعتبروا الحائض تأخذ حكم المحصر (١). الثالثة: إذا مرت بالميقات وهي حائض ولم تحرم جهلا منها وهي تقصد العمرة وفي مكة طهرت وأرادت أن تعتمر، فإنها ترجع إلى ميقات بلدها وتحرم منه، فإن كانت اعتمرت قبل ذلك فإنه لا يجب عليها أن تعتمر، ولها أن تطوف طواف تطوع. تنبيه: بعض الناس يظن أن المرأة الحائض لا يجوز لها أن تحرم ما دامت حائضا بل الصحيح أن لها ذلك، إذا مرت

стр. 106

بالميقات وتريد العمرة على التفصيل السابق والدليل: "أن أسماء بنت عميس ﵂ نفست في ميقات الحليفة فأمرها ﷺ أن تحرم وتهل" رواه الشيخان. * كيف نستفيد من زيارتنا للبلد الحرام وتوجيهات لقاصديه ؟ - الطواف بالبيت وفي الحديث: «من طاف بالبيت كتب الله له بكل خطوة حسنة ومحا عنه سيئة» رواه الترمذي وصححه الألباني، فاستكثروا من الطواف فإن الطواف لا يوجد إلا فيه، وورد عنه ﷺ أنه قال: «استمتعوا بهذا البيت ...» (١). وهو الأفضل لمن قدم مكة وهو مذهب ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير والحسن وعطاء واختاره الإمام أحمد وابن الجوزي وابن تيمية وغيرهم، وقيل: يفعل الأصلح لقلبه، واختاره ابن باز، واستحب بعض أهل العلم أن يختم فيها القرآن "كانوا يحبون إذا دخلوا مكة أن لا يخرجوا منها حتى يختموا القرآن" (٢). - الوقت في الحرم فرصة وتجارة ودورة مكثفة لمضاعفة الحسنات والإقبال على الله. ولا تكسل عن الطاعات فيه ... فهذا الوقت وقت الاغتنام - كان بعض السلف يحرص على ختم القرآن والصدقة والصيام في مكة لمضاعفة الحسنات، وكان الملوك والوزراء

стр. 107

والساسة والصالحون على مر العصور والأزمان يرسلون بصدقاتهم لأهل البلد الحرام. - عدم ترك الأولاد للعبث في الأسواق والساحات المجاورة للحرم، فللبلد الحرام حرمة وتعظيم قال ﷺ : «لا تزال هذه الأمة بخير ما عظموا هذه الحرمة ـ الكعبة ـ حق تعظيمها فإذا تركوها وضيعوها هلكوا» رواه أحمد وحسنه ابن حجر. فأين تعظيمنا لها؟! وقد كتبت رسالة بعنوان "حنين الأفئدة" عن تعظيم مكة والبيت الحرام وعلمائه وأسباب عدم التعظيم وعلاج ذلك وغير ذلك فمن احتاجها فليرجع إليها. - حضور الدروس بالحرم وانتظار الصلاة إلى الصلاة واستغلال الدعاء فيه ففيه مواطن إجابة. - الأخلاق الأخلاق فالكلمة الطيبة صدقة، والصبر على الأذى وعند الزحام أجر وتكفير قال ﷺ : «ومن كف غضبه ستر الله عورته ومن كظم غيظا ولو شاء أن يمضيه أمضاه ملأ الله قلبه رضا يوم القيامة» رواه الطبراني. وقال: «من كظم غيظا وهو قادر على أن ينفذه دعاه الله على رؤوس الخلائق يوم القيامة يخيره من أي الحور شاء» رواه أبو داود وصححهما الألباني. إنه بالأخلاق يسار بالقلوب إلى علام القلوب .. إنه بالأخلاق يسار بالنفوس لما يرضى الملك القدوس .. إنه بالأخلاق دخلت أمم وأفواج في ملة الإسلام ..

стр. 108

إنه بالأخلاق نكون دعاة صامتين .. إنه بالأخلاق نلقي دروسا وغرسا في قلب كل مسلم لا بل حتى الكافر، إننا بحاجة إلى التحلي بجميل الفعال ونبيل الخصال وعالي الخلال حتى نرتقي إلى سماء التعامل وقمة الأخلاق .. إننا بحاجة إلى وحدة الكلمة وارتباط الصف والاتصاف بالرحمة والشفقة والعطف والإيثار .. إننا بحاجة إلى الصبر والحلم والسكينة وتجاوز الأخطاء والعفو عن الزلات وسعة الصدر .. إننا بحاجة إلى التواضع والتناصح ونجدة الملهوف وابن السبيل .. لماذا نشاهد في حرم الله أدنى خطأ واحتكاك يولد الصراع والانفجار؟! يا أهل القرآن ويا أمة الإسلام: أروا الناس من أنفسكم أخلاق القرآن ومحاسن الإسلام .. يا أتباع محمد: لنكن للعالم أنموذجا حيا واقعا عمليا لنبي الهدى محمد ﷺ يوم قال: «بعثت لأتمم مكارم الأخلاق» رواه البيهقي. وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت ... فإن هموا ذهبت أخلاقهم ذهبوا قال ﷺ : «أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا» رواه الترمذي.

стр. 109

وقال: «إن المؤمن ليدرك بحسن خلقه درجات قائم الليل صائم النهار» رواه الحاكم وصححه وقال: «أنا زعيم بيت في الجنة لمن حسن خلقه» رواه أبو داود. وقال: «ليس شيء أثقل في ميزان العبد من حسن الخلق» رواه البيهقي. الأخلاق الأخلاق: يا أمة الأخلاق: إن كثيرا من الناس يملكون أعلى الشهادات ويحوزون كثيرا من الأموال، وبعضهم يسحرك بمظهره وثقافته، ورابع يبهرك بفصاحته، وبيانه وابتكاراته، وخامس بقدراته وذكائه ودهائه، ولكن حين أدنى شرارة وزلل أو بعد التعامل وحين المواقف الحساسة والحرجة كما يقال - سرعان ما تنقلب الحقائق فتفتقد الأخلاق وتنسى الآداب ويظهر الزيف ويتمثل الصنم الجاهلي في العصبية والحمية والافتخار والاحتقار والتنابز بالألقاب والطعن في الأنساب والتحاكم للعادات والتقاليد لا إلى الإسلام والدليل والعقل السليم. إن الخلق الحسن لغة تفهمها كل الجموع وإن اختلفت ألسنتها فهو ينطق بغير لسان ويدخل إلى الجنان بدون استئذان .. سلاح تكسب به الأعداء وتزدد به حبا عند الأصدقاء. هو غرس تقبله كل أرض ويحفظه كل قلب وينصت له كل أحد .. - إياك وحجز الأماكن بالسجاد في المسجد الحرام فهذا محرم وفاعله آثم وهو في معنى غصب المكان بل إن بعض الفقهاء يرى أن صلاته لا تصح فليحذر المرء من ذلك.

стр. 110

- من المؤسف والمحزن استخدام الجوالات بالحرم وإشغال الناس بأصواتها وغنائها أليس للحرم في النفوس تعظيم وحرمة؟ - المحافظة على نظافة المسجد وساحاته. - زيارة الجهات الخيرية كمشروع تعظيم البلد الحرام وجمعية مراكز الأحياء وهدية الحاج والمكتب التعاوني وغيرها، والالتقاء بعلماء ودعاة البلد الحرام عن طريق تلك الجهات. * استراحة مع الإمام ابن عثيمين في سفره لمكة: كان من عادة شيخنا أن يأتي إلى مكة في العشر الأواخر من رمضان فلم يترك هذا البرنامج منذ زمن طويل، ومن حبه لهذا البرنامج أنه لم يتركه حتى وهو على فراش مرض موته عليه سحائب الرحمة، همة حتى على فراش الموت فأين الأصحاء والكسالى منها؟! كان يملأ العشر بما يلي: يبدأ درسه بعد الفجر حتى الإشراق، ثم يأتي وراءه الناس مسلمين وسائلين، في منظر جميل حتى يصل لمسكنه أو غرفته بالحرم، ثم يأخذ قسطا من الراحة، ثم أذان الظهر يواصل برنامجه ما بين قراءة للقرآن ـ وكان يختم عشرة أجزاء كل يوم ـ وطواف، ثم بعد العصر يستقبل الناس وأسئلتهم وحاجاتهم حتى المغرب، ثم يكون مدعوا المغرب بعض الأيام عند الملك وغيره للإفطار، يقول أحد مرافقيه: وفي يوم كان الشيخ متعبا ويجيب على أسئلة الناس عن طريق الهاتف، ومن شدة غلبة
следующие страницы →