← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 14535

الهدايا للموظفين - أحكامها وكيفية التصرف فيها

عبد الرحيم الهاشم

Полный текст (105 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

الْهَدَايَا للموظفين أَحْكَامهَا وَكَيْفِيَّة التَّصَرُّف فِيهَا

стр. 2

أصل هذا الكتاب بحث محكم ومنشور في مجلة البحوث الأمنية بكلية الملك فهد الأمنية بالرياض في المجلد ١٣ العدد ١٩ ذو الحجة ١٤٢٥ هـ ومن البحوث التي حصل بها المؤلف على درجة أستاذ مشارك في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية طبعة منقحة بعد نشره في المجلة المذكورة

стр. 3

إهداء إلى كل موظف محب لنفسه؛ فيؤمن بالله تعالى واليوم الآخر، ويعمل بأمانة في وظيفته، ويسعى بإخلاص في نفع المجتمع، فيبني خيرًا، ويزرع طيبًا، ويكسب حلالاً، ويقطف ثناءً حسنًا، ويدخر ثوابًا عظيمًا، وأذكره بهذين الحديثين الشريفين: عن عدي بن عمير ﵁ (١) قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من استعملناه على عمل، فكتمنا مخيطًا فما فوقه، كان غلولاً يأتي به يوم القيامة» قال: فقام رجل أسود من الأنصار، كأني أنظر إليه، فقال: يا رسول الله اقبل عني عملك. قال: «وما لك؟» قال: سمعتك تقول كذا وكذا، قال: «وأنا أقوله الآن: من استعملناه منكم على عمل فليجئ بقليله وكثيره، فما أوتي منه أخذ، وما نهى عنه انتهى» (٢).

стр. 4

وعن بريدة ﵁ (١) عن النبي ﷺ قال: «من استعملناه على عمل، فرزقناه رزقًا، فما أخذ بعد ذلك فهو غلول» (٢).

стр. 5

مقدمة الحمد لله الذي حمانا باجتناب الحرام من الضر والآثام، وأمرنا بالأمانة في الأعمال؛ لنعيش في بركة ووئام، والصلاة والسلام على نبينا محمد الذي رغبنا في ترك الشبهات؛ لإبراء ديننا من النقصان، وأعراضنا من البهتان، وعلى آهل وصحبه وأتباعهم، أما بعد: فإن من الأفراد والشركات والمحلات التجارية ونحوها، من يبذل هدايا لبعض موظفي الدولة أو الشركات أو المؤسسات ونحوها، أو لنفس هذه الجهات؛ إكرامًا لإخلاص في عمل أو قضاء مصلحة، أو ترغيبًا في حسن تعامل لإنهاء مهمة، أو ترويج بضاعة. وقد اعتنى الفقهاء رحمهم الله تعالى بأحكام الهدايا للموظفين عند كلامهم في أدب القاضي. وذكروا أن الهدايا لسائر العمال كالهدية للقاضي، إلا أن جرمه أغلظ منهم (١)؛:

стр. 6

* قال ابن الهمام: «وكل من عمل للمسلمين عملاً، حكمه في الهدية كالقاضي» (١) وأفردها السُّبكي برسالة عنوانها: «فصل المقال في هدايا العمال» واختصرها نفسه، بعنوان: (مختصر فصل المقال في هدايا العمال) (٢) وهذه المختصرة جمعت نصوصًا من الكتاب والسنة وكلامًا لأهل العلم وردت في هدايا العمال. ولم أر لغيره رسالة مفردة في ذلك، وإنما تُطرق لها تبعًا، كما فعل النابلسي (٣) في كتابه: (تحقيق القضية في الفرق بين الرشوة والهدية) وعبد الله الطريقي (٤) في كتابه: (جريمة الرشوة في الشريعة الإسلامية). فلما رأيت عدم إفراد البحث بأحكام الهدايا للموظفين، والحاجة داعية لبيانها؛ لتنوع وتجدد صورها، استعنت بالله تعالى وحده في إفراد ذلك؛ تبيانًا لحكمها، وكيفية التصرف الشرعي عند بذلها، وسميته: «الهدايا للموظفين؛ أحكامها

стр. 7

وكيفية التصرف فيها». ونهجت في كتابته: ذكر التعريفات اللغوية والاصطلاحية بإيجاز، وبيان أحكام المسائل الفقهية مقرونة بأدلتها، وما اختلف فيها الفقهاء رحمهم الله تعالى ذكرت أقوالهم وأدلتها والترجيح بينها ما أمكن، وعزوت الآيات الكريمة إلى مواضعها من المصحف الشريف، وخرجت بإيجاز الأحاديث الشريفة من مصادرها الأصلية؛ فاقتصرت على اسم المصدر، ورقم الحديث فيه، فإن لم تكن أحاديثه مرقمة، اقتصرت على رقم الجزء والصفحة. وبينت ما اطلعت عليه من درجة أحاديث غير الصحيحين، واقتصرت على روايتهما فيما أخرجه معهما غيرهما، ما لم يكن في لفظه زيادة. وما أخرج منها في أكثر من مصدر، اقتصرت على واحد منها. وعزوت ذلك كله إلى مصادره الأصلية. وما لم أجده في مصادره، عزوته إلى المصدر الذي ذكره. وما لم أنسبه لأحد، فهو من كلامي ومعرض للخطأ. وترضيت كتابة على الصحابة الكرام ﵃ وللإيجاز ذكرت غيرهم بأسمائهم، وترحمت عليهم شفهيًا، وعرفت بالأعلام غير المشهورين، وهم من يندر ورود اسمه، أو يستغرب، أو يشتبه بغيره.

стр. 8

وجعلت البحث بعد مقدمته مشتملاً على ثلاثة فصول، وخاتمة، وفهرسين: الفصل الأول: الهدية، والرشوة، والفرق بينهما. الفصل الثاني: الهدية إلى الموظف، وإلى جهة عمله. الفصل الثالث: التصرف في الهدايا للموظف. الخاتمة: أهم النتائج والتوصيات. الفهرسان: أحدهما للمصادر والمراجع، وثانيهما للمحتويات. وهذا البحث قدمته للتحكيم والنشر في مجلة البحوث الأمنية بكلية الملك فهد الأمنية بالرياض؛ وتم ذلك في مجلدها ١٣ العدد ٢٩ ذو الحجة ١٤٢٥هـ وأفدت كثيرًا من ملاحظات المحكمين، كما قدمته للمجلس العلمي بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية؛ ضمن البحوث للحصول على درجة أستاذ مشارك، وتم تحكيمه من اللجنة المختصة، وحصولي على الدرجة المذكورة، ثم طلب الإذن من المجلة المذكورة بطباعته في كتاب مستقل، فتمت الموافقة بخطابها رقم ١٧/ ٣/٢٥٣ وتاريخ ٢٦/ ٥/١٤٢٦هـ فقمت بقراءة البحث وتنقيحه؛ رجاء

стр. 9

تدارك ما يسبق به القلم من أخطاء، وتسهيل الانتفاع به أكثر، ولا يزال من جهد بشر معرض للخطأ. وإني أتقدم بالشكر لأعضاء هيئة تحرير مجلة البحوث الأمنية، ولأعضاء المجلس العلمي بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، وللمحكمين لهذا البحث، على ما بذلوه من جهد وتوجيه، والشكر موصول لرئيس هيئة تحرير المجلة المذكورة على إذنه بطباعة هذا البحث. وأسأل الله تعالى بكل وسيلة يرتضيها، أن يتقبل هذا البحث، وأن ينفع به ويجعله من الوسيلة الطيبة إلى رضاه، وأن يغفر لي ووالدي وأهلي ومشايخي والمسلمين، وأن يوفق ولاة أمرنا وموظفينا في هذه البلاد المباركة وسائر بلاد المسلمين إلى ما فيه الخير لهم ولشعوبهم، والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين، آمين.

стр. 10

الفصل الأول الهدية، والرشوة، والفرق بينهما الحديث عن هذا الفصل في ثلاثة فروع: الفرع الأول: الهدية في هذا الفرع مبحثان: المبحث الأول: التعريف بالهدية الهدية في اللغة: تمليك المرء ماله (١) لغيره بلا عوض؛ تلطفًا (٢).

стр. 11

وفي الاصطلاح: عرفت بعدة تعريفات متقاربة (١) ويجمعها هذا التعريف: «تمليك ممن له التبرع في حياته لغيره، عينًا من ماله؛ إكرامًا بلا شرط ولا عوض» (٢). شرح التعريف: تمليك ممن له التبرع: أخرج من ليس له التبرع كالمجنون. في حياته لغيره: أخرج الوصية، فهي: تمليك للغير من المتبرع بعد موته. عينًا من ماله: أخرج العارية، فهي: تمليك منفعة مال لا عينه. إكرامًا: أخرج الصدقة، فهي: عطًا على الفقير؛ لوجه الله تعالى. بلا شرط ولا عوض: أخرج الهبة على شرط، فهي: وعدٌ. والهبة على عوض، فهي: بيع.

стр. 12

وأخرج الرشوة، فهي: بشرط عوض محرم من إبطال حق، أو إحقاق باطل. وأخرج الغلول، وهو: الخيانة في المال: ومنها الهدية للعامل المنهي عنها (١). المبحث الثاني: بذل الهدية وقبولها والمكافأة عليها الهدية مندوب إلى بذلها؛ فقد أمر بها الشارع الحكيم وحث عليها (٢) وإن كانت قليلة، فعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «يا نساء المسلمات لا تحقرن جارة لجارتها، ولو فرسن شاة» (٣). وجاء في فضل الهدية نصوص كثيرة، منها: عن أبي هريرة

стр. 13

رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: «تهادوا تحابوا» (١). ودل الإجماع على استحبابها (٢). ولما يترتب عليها من الآثار والمعاني الاجتماعية الحسنة؛ فهي تئول إلى التوسعة على الآخذ، ونفي الشح عن نفس الباذل (٣) وهي وسيلة للإكرام والإجلال كالهدية للوالد والعالم، وللتلطف والتودد كالهدية للزوج والقريب والصديق والجار، وللمكافأة على فعل معروف أو دفع ضر ممن لا يجبان عليه بعمل في ولاية لسلطان ونحوه (٤). وكل هذه الأمور حث عليها الإسلام، ومن مقاصده العظام، وطرقه القويمة في تأليف المجتمع الذي امتن الله سبحانه عليه بالألفة؛ في قوله تعالى: ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ

стр. 14

بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال: ٦٣]. والهدية وسيلة للتآلف؛ لأنها تجلب المحبة بين المتهادين، وتؤلف بينهم إذا تنافروا (١) والمحبة بين المسلمين وعدم تنافرهم، طريقان لأمنهم وسعادتهم في الدنيا، وفوزهم بالجنة في الآخرة؛ فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أو لا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم» (٢) فإذا كانت الهدية بالسلام تفعل هذا، وهي مجرد كلام، فكذا الهدية بالمال تفعل مثله أو أكثر! وقبول الهدية فيه إدخال للسرور على باذلها؛: * قال الخطابي: «قبول النبي ﷺ الهدية، نوع من الكرم، وباب من حسن الخلق؛ يتألف به القلوب ... وكان أكل الهدية شعارًا له ﷺ وأمارة من أماراته، ووصف ﷺ في الكتب المتقدمة: بأنه يقبل الهدية» (٣).

стр. 15

فيستحب قبولها؛ ويكره ردها؛ فعن ابن مسعود ﵁ مرفوعًا: «لا تردوا الهدية» (١). وتمتلك ويباح التصرف فيها؛ قال الله تعالى: ﴿وَآَتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء: ٤]. ففي الآية دلالة على إباحة قبول الهدية؛ لأن الله تعالى أمر الزوج بأكل ما طابت به نفس امرأته مما أعطته من مهرها، ووصفه بأنه هنيئًا مريئًا (٢) وهو منها لزوجها هدية. وهذان: الأمر والوصف، من أقوى الأدلة على إباحة قبول الهدية. ويكره قبول الهدية إذا ترتب عليها ما يناقض القصد الذي شرعت له؛ لأن المقاصد في العقود معتبرة (٣). ويجب ردها إن علم أنها بذلت بغير طيب نفس؛ لما روى أنس ﵁ قال رسول الله ﷺ : «لا يحل مال امرئ مسلم إلا

стр. 16

بطيب نفسه» (١) أو كانت مما لا يحل للمهدي أخذه (٢). ويباح ردها إن كان باذلها منانًا؛ دفعًا للمنة. وتستحب المكافأة على الهدية (٣) ولو بأقل منها؛ فعن عائشة ﵂ قالت: «كان رسول الله ﷺ يقبل الهدية، ويثيب عليها» (٤) وعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «من أهدى إليكم فكافئوه، فإن لم تجدوا ما تكافئونه، فادعوا له حتى ترون أن قد كافأتموه» (٥). والأفضل أن تكون المكافأة على الهدية بأعلى منها وإلا فبمثلها (٦)؛ وصدق الله العظيم: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا﴾ [النساء: ٨٦].

стр. 17

الفرع الثاني: الرشوة الحديث عن هذا الفرع في ثلاثة مباحث: المبحث الأول: التعريف بالرشوة الرشوة في اللغة: بكسر الراء وضمها وفتحها (١): ما يعطيه الشخص لحاكم أو غيره؛ ليحكم له، أو يحمله على ما يريد (٢). وفي الاصطلاح: عرفت بعدة تعريفات لا يخلو معظمها من نقد؛ لكونها غير جامعة أو غير مانعة (٣) وأحسنها ما نسبه ابن عابدين لصاحب المصباح (٤) وهو التعريف اللغوي المذكور. وعليه لا يعدو معنى الرشوة في الاصطلاح معناها اللغوي.

стр. 18

المبحث الثاني: أضرار الرشوة الرشوة من المكاسب المحرمة، والمتوعد عليها بلعنة الله تعالى، وفيها أضرار عظيمة، ومفاسد وخيمة على الفرد والمجتمع؛ فهي مما يخل بأمن المجتمع وسعادته؛ بينما الإسلام يؤكد الأخوة والأمانة بين المسلمين؛ قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الحجرات: ١٠]. * ومما تعنيه الأُخوة: التعاون على قضاء حاجات الإخوان بأمانة، وبدون رشوة؛ عن أنس ﵁ عن النبي ﷺ قال: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه» (١)، والمؤمن لا يحب أن تقضى حاجته برشوة، فكيف هو لا يقضي حاجة أخيه إلا بها! وبينما يأمر الإسلام بالعزة وعلو النفس والكرامة، وبأسباب المحبة بين المسلمين من التزاور والتواضع، ومن التعاون بالهدية والصدقة والشفاعة الحسنة وقضاء الحاجات والنصح لهم وأداء الأمانة، ويحرم عليهم القطيعة والخيانة والغش

стр. 19

بينهم. تأتي الرشوة مناقضة لذلك، فتفسد الخلق؛ روي عن كعب (١): «الرشوة تسفه الحليم، وتعمي عين الحكيم» (٢)، وتحدث في المجتمع القهر والحقد في النفوس، وتنتشر العداوة والظلم والأنانية؛: * قال الطريقي: «والرشوة من أهم العوامل التي تنشر الفساد، وتضيع الحقوق، وتنصر الظالم على المظلوم ... ولأن أخذ الرشوة، خيانة لهذه الأمانة - أمانة الوظيفة - وفيه غش وخديعة للأمة» (٣). * وقال القرضاوي: «ولا غرابة في تحريم الإسلام للرشوة، وتشديده على كل من اشترك فيها، فإن شيوعها في مجتمع،

стр. 20

شيوع للفساد والظلم: من حكم بغير حق، أو امتناع عن الحكم بالحق، وتقديم من يستحق التأخير، وتأخير من يستحق التقديم، وشيوع روح النفعية في المجتمع، لا روح الواجب» (١). * والنفعية: تقديم الشخص منفعة نفسه على ما يجب عليه من نفع غيره. فيصير الموظف لا يقوم بحقوق غيره الواجبة عليه بطريق وظيفته مقابل راتبه، بل مقابل انتفاعه بما يتقاضاه منهم من رشوة أو هدية محرمة؛ فيكون كل من الموظف والباذل له قد عملا لمنفعتهما لا للمصلحة العامة، بل على حسابها! فيضران غيرهما، ويحدثان في المجتمع الأنانية التي هي من أوائل أسباب الفساد فيه. المبحث الثالث: بذل الرشوة وقبولها الرشوة محرم بذلها وقبولها؛ دل عليهما القرآن الكريم، والسنة المطهرة، والإجماع. فمن القرآن الكريم: قول الله جل وعز: ﴿وَلَا تَاكُلُوا أَمْوَالَكُمْ

стр. 21

بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَاكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٨٨]. ففي الآية نهي عن أكل الأموال بالباطل ولو طابت به نفس باذلة كالرشوة (١)؛: * قال البغوي: «أي لا تعطوها الحكام على سبيل الرشوة؛ ليغيروا الحكم لكم» (٢). ومن السنة: عن ثوبان ﵁ قال: «لعن رسول الله ﷺ الراشي، والمرتشي، والرائش» (٣). * ففيه أن: الرشوة من كبائر الذنوب؛ لأن اللعن، وهو الطرد من رحمة الله جل وعز، لا يكون إلا على كبيرة (٤) وقد

стр. 22

شمل هذا اللعن جميع المتعاونين على الرشوة، وهم: الراشي: معطي الرشوة. والمرتشي: آخذها. والرائش: السفير الذي يأخذ الرشوة من الراشي ويذهب بها إلى المرتشي (١). وأجمعت الأمة على تحريم الرشوة في الجملة (٢)؛ لما جاء من النصوص في النهي عنها والتحذير منها، ولما تفضي إليه من أضرار على الفرد والمجتمع، ومن الفساد في الأرض.

стр. 23

الفرع الثالث: الفرق بين الهدية والرشوة معرفة الفرق بين الهدية والرشوة مما يعين على بذل الهدية وتجنب الرشوة؛ فيسعد المجتمع بوجود المحبة بين أفراده، وتظهر الأمانة فيعم الأمن في المجتمع. ومما تقدم من الحديث عن الهدية والرشوة، يتبين أن بينهما فوارق كثيرة، أهمها خمسة: الأول: الهدية: أمر بها الشارع الحكيم، ورغب فيها، وهي من المكاسب الطيبة. والرشوة: نهى عنها الشارع الحكيم، وحذر منها، وهي من المكاسب الخبيثة. الثاني: الهدية: لا شرط في بذلها. والرشوة: مشروطة بعوض غير شرعي، إما لفظًا وإما معنى. وعوضها إما عمل منهي عنه، أو أداء واجب متعين (١). الثالث: الهدية: تبذل في حق كتودد وتلطف لنحو قريب أو جار أو صديق. أو تعطي إكرامًا لمن أسدى معروفًا متبرعًا به

стр. 24

ليس واجبًا عليه بوظيفة لدولة أو فرد. والرشوة: تبذل للتقرب والاستعطاف في الباطل؛: * قال البغوي: «فيعطي الراشي؛ لينال باطلاً، أو ليمنع حقًا يلزمه. ويأخذ الآخذ على أداء حق يلزمه، فلا يؤديه إلا برشوة يأخذها، أو على باطل يجب عليه تركه، ولا يتركه إلا بها» (١) وذلك كدفع مال لموظف مسئول عن التوظيف؛ ليقدم توظيف الدافع على غيره المستحق للوظيفة؛ بتميزه أو تقدم زمن طلبه. أو تبذل جزاء عمل واجب؛ بوظيفة لدولة أو فرد كدفع مال إلى عامل أو موظف؛ عوضًا عن قيامه بمهمة واجبة عليه بجهة وظيفته (٢). الرابع: الهدية: ظاهرة معلنة، ومبنية على الجود والكرم والسماحة وطيب نفس، ويمدح باذلها وآخذها، فيبارك فيها. والرشوة مخفاة، ومبنية على المشاحّة والمنَّة، وغالبًا على عدم طيب نفس، ويعاب باذلها وآخذها، فتمحق بركتها (٣).

стр. 25

الخامس: بذلك الرشوة أو اشتراطها يسبق العمل، والهدية تكون بعده (١).

стр. 26

الفصل الثاني الهدية إلى الموظف، وإلى جهة عمله الكلام عن هذا الفصل، في ثلاثة فروع: الفرع الأول: التعريف بالموظف الموظف في اللغة: مشتق من وظّف توظيفًا وظيفة وموظفًا، والتوظيف: تعيين الوظيفة. وهي ما يُقدر للإنسان من عمل، أو رزق، أو طعام. والجمع وظائف. وتأتي بمعنى العهد والشرط، وبمعنى المنصب والخدمة المعينة. وهذا المعنى مولّد (١). وفي الاصطلاح: عرف عند الفقهاء، وعند الإداريين: فعند الفقهاء: الموظف: اسم لكل عمل من أعمال الدولة

стр. 27

في الحكم أو الأمن أو المال. سواء أقدر العمل بزمن كشهر، أم عمل كصدقة هذه السنة، أم مطلقًا كحماية مكة (١)؛: قال ابن تيمية: «ومثل صاحب الديوان: الذي وظيفته أن يكتب المستخرج والمصروف، والنقيب والعريف: الذي وظيفته إخبار ذي الأمر بالأحوال» (٢). والقائم بذلك يسمى في الجملة: عاملاً، وواليًا (٣) وفي هذه العصر يسمى موظفًا. والعامل معناه في اللغة: من يتولى أمور الرجل في ماله، وملكه، وعمله (٤). ومعناه في اصطلاح الفقهاء: من يتعاطى أمرًا يتعلق

стр. 28

بالمسلمين في أعمال الدولة (١). لكن هذا التعريف غير جامع؛ لأنه لا يشمل العامل الذي يعمل لدى غير الدولة من الشركات والمؤسسات والأفراد ونحوها. والموظف عند الإداريين: «من يقدم طاقة عمل نظير أجر» (٢). وهذا التعريف غير مانع؛ لدخول من يعمل بأجرة لدى عدة جهات كالمقاولين، وأصحاب الورش ونحوهم، وهؤلاء لا يطلق عليهم موظفون. ويمكن التعريف بالموظف: «من يختص عمله بغيره من دولة أو شركة أو مؤسسة أو فرد، في محل تجاري أو مزرعة أو مصنع أو ورشة ونحوها» (٣).

стр. 29

وهذا التعريف بالموظف موافق للتعريف اللغوي له، لكن اللغوي جعله للعمل؛ وهنا أريد به القائم بالعمل. وهو بهذا موافق أيضًا للتعريف اللغوي للعامل. فشمل هذا التعريف جميع من يعمل لدى تلك الجهات من الموظفين على اختلاط طبقاتهم، وتنوع أعمالهم. وإن كان كل قائم بعمل من أعمال الدولة وغيرها يختص باسم، فيقال: والي القضاء وعامل الزكاة وحامي البلد (١) ومشايخ البلدان والقرى والأسواق والحرف ومباشرو الأوقاف (٢) ومنهم المحاسبون والأطباء والمدرسون والمهندسون والكتاب والعمال ورجال الأمن (٣). وخرج بذلك من يعمل لصالح نفسه؛ فإنه لا يُسمى منظفًا، بل صاحب عمل حر، كالمقاولين ومالكي المستشفيات والشركات والمؤسسات والورش ونحوهم. والحديث في هذا الفصل عن الهدية للموظف لا لصاحب

стр. 30

العمل الحر؛ فإن الهدية إليه داخلة في عموم الهدية المباحة، إلا أن يقصد بها التقرب إليه؛ ليسيء إلى غيره بالتأخير ونحوه، فتكون من الإعانة على الإثم والعدوان. والله تعالى أعلم.

стр. 31

الفرع الثاني: حكم الهدية إلى الموظف الموظف إذا قام بواجب عمله، استحق الإحسان عليه بشكره على جهده، وبتلبية متطلبات العمل واحترام أنظمته؛ وهي متطلبات حسنة، تأمر بها الشريعة الإسلامية وتحث عليها. وكل ذلك مما يعين الموظف على حسن أداء عمله، وهي من حق المسلم على المسلم، ومن حق المجتمع على أفراده ولو كان الموظف فيه غير مسلم. والشكر مطلوب لكل محسن بفعله ما هو مندوب إليه، أو واجب عليه كالموظف. ولا يصح ما اشتهر على بعض الألسنة: لا شكر على واجب. بل الشكر حتى على أداء الواجب (١)؛ فإن الله متفضل ومنعم على عباده، وشكرهم له واجب عليهم، وإذا شكروه رضي عنهم؛ قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ [الزمر: ٧]. لكن ليس من الشكر والإحسان للموظف، بذل الهدية له؛

стр. 32

لأجل وظيفته لأنها: إما رشوة، وإما اعتياض منه على عمل واجب عليه بوظيفته، وكلاهما محرم. وسواء أكانت الهدية نقود أم ثياب أم طعام أم أثاث أم دعوة خاصة لطعام أم ضيافة في سفر، أم شفاعة أم قضاء حاجة كإبضاع (١) أم قرض أم عارية أم محاباة في بيع ونحوه (٢) أو بطاقات تخفيض أو بطاقات مجانية. وما يقدم للموظف من هدية لأجل وظيفته، تعرف في الجملة عند أهل العلم بهدايا العمال، لكن ليست كل هدية تقدم للموظف تكون لأجل وظيفته، بل قد تكون لصلة رحم أو لتقوية صداقة ونحوهما. ولذا يختلف حكم الهدية للموظف باختلاف القصد منها، والسبب الباعث إليها، وعلاقة مهديها بالموظف، وباختلاف عمل الموظف، ورتبته فيه، وباختلاف قدر الهدية، ووقت بذلها. وحكم الهدايا للموظفين يختلف: فمنها الهدايا المحرم بذلها

стр. 33

وقبولها، ومنها الهدايا المحرم قبولها وقد يباح بذلها، ومنها الهدايا المباح بذلها وقبولها، فهي تنقسم إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: الهدايا المحرم بذلها للموظف وقبوله لها: هذه الهدايا: ما يقدمها المهدي للموظف بعد ترشيحه للوظيفة، أو توليه لها؛ لقصد استمالة قلب الموظف في غير الحق حالاً أو مستقبلاً؛ وذلك ليقدمه هو أو من يشفع له على غيره، أو ليغض الطرف عنه فيما اشترطته جهة عمله، أو ليموه أو يخفي الحقيقة إن كان محققًا، أو ليحكم له بباطل إن كان حاكمًا كقاض ونحوه. فهذه في ظاهرها قد تكون هدية، لكنها في باطنها رشوة ألبست ثوب الهدية، فيحرم على المهدي بذلها، ويحرم على الموظف قبولها، ويشتد تحريمها عليه إن علم بقصد المهدي (١). وهي حرام في حق جميع الموظفين: الحاكم والقاضي

стр. 34

والعمدة ومديرو الدوائر ومشايخ الأسواق والحرف والبلدان ومباشرو الأوقاف وغيرهم من الموظفين. لكنها في حق الحاكم والقاضي أعظم جرمًا من غيرهما (١)؛ لأنها للحاكم والقاضي؛ لأجل ولايتهما، وهي من مناصب النبوة، فلا تقابل بعوض. والهدية لهم تحدث تهمة تهين بمناصبهم، وتخل بهيباتهم، وتئول للخيانة فيهم وفي أتباعهم؛ فتختل المصالح (٢). والحاكم منزلته عظيمة؛ فهو المؤمل بعد الله تعالى لدى رعيته في إسعادهم: بإقامة العدل، ونبذ الظلم، ونشر الأمن. فتنزهه عن هدايا رعيته وتعامله المالي معهم؛ أمر مطلوب شرعًا؛ فعن أبي الأسود المالكي (٣) عن أبيه عن جده: أن النبي ﷺ قال: «ما عدل والٍ اتجر في رعيته» (٤).

стр. 35

والقضاة هم أمل الأمة، ومؤتمنوها في حفظ الحقوق والدفاع عنها، وهم القدوة لغيرهم من الموظفين في إنجاز الأعمال والإخلاص فيها؛ لما شرفهم الله تعالى من علم الشرع، والحكم بين الناس، والتوقيع فيه عن الشارع الحكيم (١). والهدية للحاكم والقاضي من أحد المتخاصمين فيها إيذاء للخصم الآخر؛ بكسر قلبه، وذريعة للرشوة في الحكم عليه؛ لميل النفوس لمن أهدى إليها، فيندرج هذان - الحاكم والقاضي - في الذين اشتروا بآيات الله ثمنًا قليلاً (٢)؛: قال الماوردي (٣): «قضاة الأحكام، فالهدايا في حقهم أغلظ مأثمًا وأشد تحريمًا؛ لأنهم مندوبون لحفظ الحقوق على أهلها دون أخذها، يأمرون فيها بالمعروف، وينهون فيها عن المنكر، وعن أبي هريرة ﵁ قال: «لعن رسول الله ﷺ

стр. 36

الراشي والمرتشي في الحكم» (١) فخص الحكم بالذكر؛ لاختصاصه بالتغليظ» (٢) وروي عن مسروق (٣): «القاضي إذا أكل الهدية أكل السحت، وإذا قبل الرشوة بلغ به الكفر» (٤). والأصل في الهدايا للموظفين تحريم بذلها وقبولها (٥) فإن كان للشخص حق مرتبط إنجازه بموظف، ولا يستطيع الوصول إليه إلا بدفع مال لهذا الموظف، فصبره وعدم دفعه أولى. فإن أبى الموظف إلا الدفع، فإنه يحرم على الموظف مماطلة صاحب

стр. 37

الحق، وقبوله ما يدفعه إليه تجاهه؛ لأنه مرتشٍ. أما البذل له من صاحب الحق، فللفقهاء في جوازه قولان: الأول: يجوز البذل؛ لأن الباذل يدفع به الظلم عن نفسه، وهو جائز؛ لاستنقاذه حقه بذلك كما يستنقذ الرجل أسيره، وإليه ذهب الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة. والثاني: يحرم البذل؛ لعموم حديث: لعن رسول الله ﷺ الراشي والمرتشي (١). تنبيه: ومن هذه الهدايا المحرمة بذلاً وقبولاً؛ ما يقدمه أصحاب المحلات التجارية والمستشفيات ونحوها لموظفيها؛ مقابل قيامهم بتغيير صلاحية المنتج، أو أسماء الشركات، أو طلب تحاليل من المرضى، أو ترويج أدوية (٢).

стр. 38

القسم الثاني: الهدايا المنهي الموظف عن قبولها، وقد يباح بذلها له: من الهدايا للموظفين ما ينهى الموظف عن قبولها. أما باذلها له فقد يعذر في بذلها؛ لأنه يبذلها للموظف إما إكرامًا له أو حياء منه على ما قام به من عمل تجاهه، أو استعطافًا؛ ليقوم له بحقه أو دفع ظلم عنه، لا سيما إذا رأى من الموظف تبرمًا أو تقاعسًا في ذلك وخشي الضرر بالتبليغ عنه. ولم أر في كلام الفقهاء ما يدل على تحريم بذلها لسبب ذلك، بل قال الماوردي: «أن يهدي إليه من يشكره على جميل كان منه ... وعليه ردها، ولا يجوز له قبولها ... ولا يحرم بذلها على المهدي» (١) بخلاف قبول الموظف لها، فإنهم نصوا على نهيه عن قبولها، وأنه إذا قبلها، يردها على باذلها، أو يجعلها في بيت المال، أو يكافئ المهدي بمثلها، وستأتي كيفية تصرف الموظف فيما يهدى إليه. والهدايا المنهي عن قبولها للموظفين وقد يباح بذلها من المهدين، خمس: الهدية الأولى: الهدية للموظف من غير الأعلى منه في عمله

стр. 39

كرئيسه، وغير من لا يُقبل له حكمه لو كان قاضيًا كوالده زوجه، وله حاجة مباحة تتعلق بوظيفته، وبذلها له قبل إنها حاجته، سواء أكان ممن يهدي للموظف قبل توليته الوظيفة أم لا. هذه الهدية: يحرم على الموظف قبولها؛ لأنها كالرشوة بالنسبة له (١)؛ لوجود تهمة الرشوة بها؛ لبذلها ممن يتهم بها، ولتقدمها على قضاء حاجة المهدي، وللتهمة فيها باستعطاف الموظف على فعله واجبًا عليه، سواء أكان الموظف متبرعًا أم برزق (٢)؛: قال الغزالي عن أقسام عموم الهدية: «الخامس: أن يطلب التقرب إلى قلبه وتحصيل محبته، لا لمحبته ولا للأنس به من حيث إنه أنس فقط، بل ليتوصل بجاهه إلى أغراض له ... فإن كان جاهه بولاية تولاها: من قضاء أو عمل أو ولاية صدقة أو جباية مال أو غيره من الأعمال السلطانية ... وكان لولا تلك الولاية لكان لا يهدي إليه، فهذه رشوة عرضت في معرض

стр. 40

الهدية ... فهذا مما اتفقوا على أن الكراهة فيه شديدة، واختلفوا في كونه حرامًا، والمعنى فيه متعارض؛ فإنه دائر بين الهدية المحضة، وبين الرشوة المبذولة في مقابل جاه محض في غرض معين. وإذا تعارضت المشابهة القياسية، وعضدت الأخبار والآثار أحدهما، تعين الميل إليه. وقد دلت الأخبار على تشديد الأمر في ذلك» (١)، ثم ذكر بعض ما ورد في تحذير الشارع الحكيم من هدايا العمال، والتي منها: عن أبي حميد الساعدي ﵁ (٢) قال: «استعمل رسول الله ﷺ رجلاً من الأزد على صدقات بني سليم يدعى ابن اللُّتبية (٣) فلما جاء حاسبه. قال: هذا مالكم، وهذا هدية. فقال رسول الله ﷺ : «فهلا جلست في بيت أبيك وأمك حتى تأتيك هديتك إن كنت صادقًا» ثم خطبنا: فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: «أما بعد:
следующие страницы →