← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 14535

الهدايا للموظفين - أحكامها وكيفية التصرف فيها

عبد الرحيم الهاشم

Полный текст (105 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

الراشي والمرتشي في الحكم» (١) فخص الحكم بالذكر؛ لاختصاصه بالتغليظ» (٢) وروي عن مسروق (٣): «القاضي إذا أكل الهدية أكل السحت، وإذا قبل الرشوة بلغ به الكفر» (٤). والأصل في الهدايا للموظفين تحريم بذلها وقبولها (٥) فإن كان للشخص حق مرتبط إنجازه بموظف، ولا يستطيع الوصول إليه إلا بدفع مال لهذا الموظف، فصبره وعدم دفعه أولى. فإن أبى الموظف إلا الدفع، فإنه يحرم على الموظف مماطلة صاحب

стр. 37

الحق، وقبوله ما يدفعه إليه تجاهه؛ لأنه مرتشٍ. أما البذل له من صاحب الحق، فللفقهاء في جوازه قولان: الأول: يجوز البذل؛ لأن الباذل يدفع به الظلم عن نفسه، وهو جائز؛ لاستنقاذه حقه بذلك كما يستنقذ الرجل أسيره، وإليه ذهب الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة. والثاني: يحرم البذل؛ لعموم حديث: لعن رسول الله ﷺ الراشي والمرتشي (١). تنبيه: ومن هذه الهدايا المحرمة بذلاً وقبولاً؛ ما يقدمه أصحاب المحلات التجارية والمستشفيات ونحوها لموظفيها؛ مقابل قيامهم بتغيير صلاحية المنتج، أو أسماء الشركات، أو طلب تحاليل من المرضى، أو ترويج أدوية (٢).

стр. 38

القسم الثاني: الهدايا المنهي الموظف عن قبولها، وقد يباح بذلها له: من الهدايا للموظفين ما ينهى الموظف عن قبولها. أما باذلها له فقد يعذر في بذلها؛ لأنه يبذلها للموظف إما إكرامًا له أو حياء منه على ما قام به من عمل تجاهه، أو استعطافًا؛ ليقوم له بحقه أو دفع ظلم عنه، لا سيما إذا رأى من الموظف تبرمًا أو تقاعسًا في ذلك وخشي الضرر بالتبليغ عنه. ولم أر في كلام الفقهاء ما يدل على تحريم بذلها لسبب ذلك، بل قال الماوردي: «أن يهدي إليه من يشكره على جميل كان منه ... وعليه ردها، ولا يجوز له قبولها ... ولا يحرم بذلها على المهدي» (١) بخلاف قبول الموظف لها، فإنهم نصوا على نهيه عن قبولها، وأنه إذا قبلها، يردها على باذلها، أو يجعلها في بيت المال، أو يكافئ المهدي بمثلها، وستأتي كيفية تصرف الموظف فيما يهدى إليه. والهدايا المنهي عن قبولها للموظفين وقد يباح بذلها من المهدين، خمس: الهدية الأولى: الهدية للموظف من غير الأعلى منه في عمله

стр. 39

كرئيسه، وغير من لا يُقبل له حكمه لو كان قاضيًا كوالده زوجه، وله حاجة مباحة تتعلق بوظيفته، وبذلها له قبل إنها حاجته، سواء أكان ممن يهدي للموظف قبل توليته الوظيفة أم لا. هذه الهدية: يحرم على الموظف قبولها؛ لأنها كالرشوة بالنسبة له (١)؛ لوجود تهمة الرشوة بها؛ لبذلها ممن يتهم بها، ولتقدمها على قضاء حاجة المهدي، وللتهمة فيها باستعطاف الموظف على فعله واجبًا عليه، سواء أكان الموظف متبرعًا أم برزق (٢)؛: قال الغزالي عن أقسام عموم الهدية: «الخامس: أن يطلب التقرب إلى قلبه وتحصيل محبته، لا لمحبته ولا للأنس به من حيث إنه أنس فقط، بل ليتوصل بجاهه إلى أغراض له ... فإن كان جاهه بولاية تولاها: من قضاء أو عمل أو ولاية صدقة أو جباية مال أو غيره من الأعمال السلطانية ... وكان لولا تلك الولاية لكان لا يهدي إليه، فهذه رشوة عرضت في معرض

стр. 40

الهدية ... فهذا مما اتفقوا على أن الكراهة فيه شديدة، واختلفوا في كونه حرامًا، والمعنى فيه متعارض؛ فإنه دائر بين الهدية المحضة، وبين الرشوة المبذولة في مقابل جاه محض في غرض معين. وإذا تعارضت المشابهة القياسية، وعضدت الأخبار والآثار أحدهما، تعين الميل إليه. وقد دلت الأخبار على تشديد الأمر في ذلك» (١)، ثم ذكر بعض ما ورد في تحذير الشارع الحكيم من هدايا العمال، والتي منها: عن أبي حميد الساعدي ﵁ (٢) قال: «استعمل رسول الله ﷺ رجلاً من الأزد على صدقات بني سليم يدعى ابن اللُّتبية (٣) فلما جاء حاسبه. قال: هذا مالكم، وهذا هدية. فقال رسول الله ﷺ : «فهلا جلست في بيت أبيك وأمك حتى تأتيك هديتك إن كنت صادقًا» ثم خطبنا: فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: «أما بعد:

стр. 41

فإني أستعمل الرجل منكم على العمل مما ولاني الله. فيأتي فيقول: هذا مالكم، وهذا هدية أهديت لي، أفلا جلس في بيت أبيه وأمه؛ حتى تأتيه هديته إن كان صادقًا، والله لا يأخذ أحدكم منها شيئًا بغير حقه، إلا لقي الله تعالى يحمله يوم القيامة، فلا أعرفن أحدًا منكم لقي الله يحمل بعيرًا له رغاء، أو بقرة لها خوار، أو شاة تيعر» ثم رفع يديه حتى رؤي بياض إبطيه وقال: «اللهم هل بلغت» بصر عيني وسمع أذني» (١). وعن عدي بن عميرة ﵁ قال: «سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من استعملناه على عمل فكتمنا مخيطًا فما فوقه، كان غلولاً يأتي به يوم القيامة» قال: فقام رجل أسود، من الأنصار كأني أنظر إليه، فقال: يا رسول الله، اقبل عني عملك. قال: «وما لك؟» قال: سمعتك تقول كذا وكذا. قال: «وأنا أقوله الآن: من استعملناه منكم على عمل فليجيء بقليله وكثيره، فما أوتي منه أخذ، وما نهي عنه انتهى» (٢).

стр. 42

قال الغزالي: «وإذا ثبتت هذه التشديدات، فالقاضي والوالي ينبغي أن يقدر نفسه في بيت أمه وأبيه، فما كان يعطى بعد العزل وهو في بيت أمه، يجوز له أن يأخذه في ولايته، وما يعلم أنه إنما يعطاه لولايته، فحرام أخذه، وما أشكل عليه في هدايا أصدقائه؛ أنهم هل كانوا يعطونه لو كان معزولاً، فهو شبهة، فليجتنبه» (١). وقال ابن الهماك: «وتعليل النبي ﷺ دليل على تحريم الهدية التي سببها الولاية» (٢). ولأن الأصل في الموظف: أنه يقوم بما يجب عليه للآخرين بجهة عمله، أو بما يجب عليه لصالحها. وهذا لا يجيز له أخذ الهدية عليه (٣) كما لا يجوز له بالإجماع أنه يأخذ مالاً على صلاته وصيامه وإيمانه؛ لوجوبها عليه (٤) والموظف يعمل في جهة عمله مقابل عوض، وائتمنته على عمله، فعليه الصبر في أدائه بأمانة وإخلاص، ولا يحل له الإخلال بما اؤتمن عليه؛ بحجة

стр. 43

قلة راتبه، أو كثرة عمله؛ فإنه داخل باتفاق عليهما مع جهة العمل. ولا يحل له أخذ عمولة ممن ينفذ عملاً لجهة عمله مقابل ترشيحه له إن كان الترشيح من طبيعة عمله، أو لكونه يعمل في هذه الجهة؛ فإن قبوله لذلك مخالف لمقتضى عقد عمله مع جهته؛ ولذا في المملكة العربية السعودية نص المرسوم الملكي الكريم رقم ٤٣ في ٢٩/ ١١/١٣٧٧هـ بالحظر على الموظف من أخذه الرشوة والهدايا والإكراميات، واستغلال عقود المزايدات والمناقصات لمصلحة شخصية. ورتب على متجاوز ذلك عقوبة السجن بما لا يزيد على ثلاث سنين، أو غرامة لا تزيد على عشرين ألف ريال، مع رد كل مبلغ أخذه الموظف في ذلك (١) وقد أمر الله تعالى بالوفاء في العقود فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١]. ثم إن كان العمل الذي يأخذ الموظف عليه هدية باطلاً، فالهدية عليه حرام، وإن كان العمل حقًا، فلا يجوز توقيفه عليها؛ لا سيما إن كان للموظف رزق في بيت المال (٢).

стр. 44

فإن أبى هذا الموظف إلا أخذه الهدية على عمله؛ لسبب قلة راتبه أو كثرة عمله، أو بقصد أنها عمولة له، فليطلب الإقالة عن عمله؛ فإنها خير له من أخذه ذلك؛ لأنه محرم وهو من الخيانة؛ والله تعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال: ٢٧]. وعن بريدة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «من استعملناه على عمل، فرزقناه رزقًا، فما أخذ بعد ذلك فهو غلول» (١). قال الخطابي: «هدايا العمال سحت، وأنه ليس سبيلها سبيل سائر الهدايا المباحة وإنما يهدي إليه للمحاباة؛ وليخفف عن المهدي، ويسوغ له بعض الواجب عليه، وهو خيانة منه، وبخس للحق الواجب عليه استيفاؤه لأهله» (٢). وقال عمر بن عبد العزيز: «كانت الهدية في زمن رسول الله ﷺ هدية، واليوم رشوة» (٣) وروي عن ربيعة (٤):

стр. 45

«الهدية ذريعة الرشوة، وعُلمة الظلمة» (١). فإن قيل: قال المستورد بن شداد ﵁ (٢): سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من كان لنا عاملاً فليكتسب زوجة، فإن لم يكن له خادم فليكتسب خادمًا، فإن لم يكن له مسكن فليكتسب مسكنًا» قال: قال أبو بكر ﵁: أُخبرت أن رسول الله ﷺ قال: «من اتخذ غير ذلك فهو غال، أو سارق» (٣). فالجواب ما قاله الخطابي: «هذا يتأول على وجهين: أحدهما: إنه إنما أباح له اكتساب الخادم والمسكن من عمالته التي هي أجر مثله، وليس له أن يرتفق بشيء سواها. والوجه الآخر: إن للعامل السكني والخدمة. فإن لم يكن له مسكن وخادم، استؤجر له من يخدمه فيكفيه مهنة مثله، ويكترى له مسكن يسكنه مدة مقامه في عمله» (٤).

стр. 46

تنبيه: يلحق بهذه الهدية في التحريم، قبول الموظف استضافته في سفره المار فيه في محل وظيفته عند من له حاجة متعلقة بعمله لم تنته بعد (١)؛ لأنها ذريعة للرشوة. الهدية الثانية: الهدية للموظف ممن لا حاجة له عند الموظف تتعلق بوظيفته، وكان معتادًا أن يهدي له قبل ترشيحه أو توليته لها؛ لنحو قرابة أو صداقة، لكن زادت هديته بعد الوظيفة فوق ما اعتاده قبلها، ومال المهدي لم يزدد. تثبت العادة في الهدية، بالمرة الواحدة، ومن المعتادة هدية القريب والصديق الذي استغنى عند إهدائه للموظف وهديته تناسب غناه؛ لأن الظاهر في المانع من إهدائه قبل الوظيفة هو فقره (٢) ومن المعتادة أيضًا، زيادة الهدية لزيادة مال المهدي عند إهدائه للموظف، وتناسبها لزيادة ماله. وزيادتها: إما في قدرها كمن يهدي عشرة فأهدى اثني عشر، وإما في صفتها كمن يهدي ثوب قطن، فأهدى ثوب حرير.

стр. 47

فإذا زادت الهدية فوق المعتادة ومال المهدي لم يزدد، فاختلف الفقهاء في قبول الموظف لهذه الهدية، على ثلاثة أقوال: القول الأول: يكره للموظف قبول الزيادة فقط، وإليه ذهب الحنفية (١). واستدلوا: إنما كرهت الزيادة عليها؛ خشية كونها بسبب الوظيفة (٢). ولعل عدم تحريم هذه الهدية وزيادتها؛ بوجود التهمة فيها بالرشوة؛ لوجود أصل الهدية المباح قبولها. القول الثاني: تحرم الهدية كلها، واستظهره الدسوقي (٣). واستدلوا: بقياس هذه الهدية على صفقة جمعت حلالاً وحرامًا (٤) فإنه يحرم جميعها. القول الثالث: إن كانت الزيادة في صفة الهدية، حرم الجميع. وإن كانت في قدرها، حرمت الزيادة فقط. وإليه مال

стр. 48

ابن عابدين (١) وهو مذهب الشافعية (٢). واستدلوا: إن الزيادة إذا كانت في الصفة، لم تتميز فلم يمكن فصلها. أما إذا كانت في القدر، فإنه يمكن تميزها فحرمت هي فقط؛ لأنها هي التي فيها التهمة بالرشوة؛ لأن الظاهر أنها بسبب الوظيفة، وهي حق للمسلمين وليس للموظف، فلا يحل له قبول ما أهدي إليه بسببها (٣). الترجيح: الراجح القول الثالث: تحريم الزيادة المتميزة فقط، وتحريم الكل إن لم تتميز الزيادة، وذلك؛ لقوة دليله، وجمعه بين القولين الآخرين. الهدية الثالثة: الهدية للموظف ممن له حاجة عنده تتعلق بوظيفته، وهو من غير ذي رحمه المحرم، وكان يهدي له قبل توليته الوظيفة، وهديته لم تتغير بزيادة بعد توليته. اختلف الفقهاء في قبول الموظف لهذه الهدية، على قولين:

стр. 49

القول الأول: يكره للموظف قبولها، وإليه ذهب الحنفية (١). ويمكن الاستدلال له: التهمة بالرشوة منتفية هنا؛ لوجود مثل هذه الهدية قبل توليته الوظيفة؛ فظاهر هذه الهدية أنها لاستمرار ما كان قبلها لا لميل في قضاء هذه الحاجة. القول الثاني: يحرم على الموظف قبول هذه الهدية، وإليه ذهب المالكية (٢) والشافعية (٣) والحنابلة (٤). واستدلوا: في هذه الهدية ممايلة للمهدي، وذريعة إلى الرشوة في الحكم عن كان الموظف قاضيًا، فيندرج في الذين اشتروا بآيات الله ثمنًا قليلاً (٥). الترجيح: لم يظهر لي ترجيح أحد القولين؛ لتكافؤ دليلهما.

стр. 50

الهدية الرابعة: الهدية للموظف من غير ذي رحمه المحرم، ولم يكن يهدي له قبل توليته الوظيفة، ولا حاجة له عند الموظف تتعلق بوظيفته. اختلف الفقهاء في قبول الموظف لهذه الهدية، على قولين: القول الأول: يحرم على الموظف قبولها، وإليه ذهب جمهور المذاهب الأربعة (١). واستدلوا: التهمة بالرشوة في هذه الهدية موجودة؛ لأن سببها ظاهر، وهو الوظيفة؛ ويخشى حدوث حاجة للمهدي، فتكون وسيلة لاستمالة قلب الموظف (٢). قال ابن قدامة: «ولأن حدوث الهدية عند حدوث الولاية، يدل على أنها من أجلها؛ ليتوسل بها إلى ميل الحاكم معه على خصمه، فلم يجز قبولها منه كالرشوة» (٣).

стр. 51

وقال الشوكاني: «والظاهر أن الهدايا التي تهدى للقضاة ونحوهم هي نوع من الرشوة؛ لأن المهدي إذا لم يكن معتادًا للإهداء إلى القاضي قبل ولايته، لا يهدي إليه إلا لغرض ... وأقل الأحوال: أن يكون طالبًا لقربه من الحاكم وتعظيمه ونفوذ كلامه، ولا غرض له بذلك إلا الاستطالة على خصومه أو الأمن من مطالبتهم له فيحتشمه من له حق عليه، ويخافه من لا يخافه قبل ذلك، وهذه الأغراض كلها تئول إلى ما آلت إليه الرشوة. فليحذر الحاكم المتحفظ لدينه، المستعد للوقوف بين يدي ربه، من قبول هدايا من أهدى إليه بعد توليه للقضاء، فإن للإحسان تأثيرًا في طبع الإنسان، والقلوب مجبولة على حب من أحسن إليها، فربما مالت نفسه إلى المهدى إليه ميلاً يؤثر الميل عن الحق عند عروض المخاصمة بين المهدي وبين غيره، والقاضي لا يشعر بذلك، ويظن أنه لم يخرج عن الصواب؛ بسبب ما قد زرعه الإحسان في قلبه، والرشوة لا تفعل زيادة على هذا» (١).

стр. 52

القول الثاني: يكره قبولها، وإليه ذهب الصنعاني (١). ويمكن الاستدلال له: مثل هذه هدية تنفي التهمة بالرشوة، فلم تحرم. الترجيح: الراجح القول الأول، تحريم قبول هذه الهدية؛ لقوة دليله، ولأن الحاجة للمهدي عند الموظف قد تحدث مستقبلاً، والأحاديث الواردة في النهي عن هدايا العمال عامة. الهدية الخامسة: الهدية للموظف ممن لم يكن يهدي له قبل توليته الوظيفة، وبذلها للموظف بعد إنهائه حاجته المتعلقة بوظيفته. اختلف الفقهاء في قبول الموظف هذه الهدية، على قولين: القول الأول: يكره للموظف قبول هذه الهدية ولا يحرم، وإليه ذهب الحنفية (٢). واستدلوا: هذه الهدية ليست كالرشوة؛ لأنها تبذل بعد إنهاء الحاجة، والرشوة متقدمة عليها (٣) وإنما كرهت؛ خوف الشبهة.

стр. 53

القول الثاني: هذه الهدية إن كانت على فعل جميل من الموظف، فإن كان واجبًا عليه، حرم عليه قبولها. أما إن لم يكن واجبًا عليه، أو كانت الهدية لغير سبب منه، كره له قبولها، غلا أن يكافئ عليها بمثلها، وإليه ذهب الشافعية (١). واستدلوا: الموظف إن كان متبرعًا بفعله الجميل؛ يصير مكتسبًا هذه الهدية بمجاملته، ومعتاضًا على جاهه، وهما بالوظيفة، فلا تحل بهما الهدية - بلا كراهة - وإن كان فعل الجميل مما يجب عليه بوظيفته، ففي الهدية تهمة اعتياضه على أدائه الحق الواجب عليه (٢). الترجيح: الراجح القول الثاني؛ لقوة دليله، ولما فيه من سد ذريعة الاكتساب بالوظيفة، ودرء شبهة التهمة بالرشوة، ولعموم أحاديث النهي عن هدايا العمال.

стр. 54

القسم الثالث: الهدايا المباح بذلها للموظف، وقبوله لها: الأفضل للموظف عدم قبوله هذه الهدايا لا سيما في بلدة وظيفته ومن أهلها؛ وذلك بعدًا عن التهمة لدينه وعرضه (١)؛: قال ابن حبيب (٢): «لم يختلف العلماء في كراهتها إلى السلطان والقضاة والعمال وجباة الأموال» (٣). وهذه الهدايا، ست عشرة هدية: الهدية الأولى: الهدية لرسول الله ﷺ تجوز الهدية لرسول الله ﷺ وهي من خصوصياته (٤)؛: قال الماوردي: «فإن قيل: قبل رسول الله ﷺ الهدايا من المسلمين وغيرهم من ملوك الأقطار وقال: «لو أهدي إلي ذراع لقبلت، ولو دعيت إلى كراع لأجبت» (٥) قيل عنه ثلاثة أجوبة:

стр. 55

أحدها: أن الله تعالى قد ميزه عن الخلق؛ فقال سبحانه: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: ٦] ... والثاني: إنه ﷺ كان يكافئ على الهدايا ... والثالث: إنه ﷺ بعيد عن الميل، منزه عن الظنة، ظاهر العصمة، فامتنع أن يقاس بغيره» (١). وقال القرافي: «إن عظم منصبه ﷺ أوجب الفرق ... المنة لرسول الله ﷺ على الداعي، جزمًا، والأمر فينا بالعكس، إنما ندعى؛ لتكون المنة علينا، وذلك هوان بنا، وعز به ﷺ فحصل الفرق» (٢). وقال ابن عبد البر: «وليس النبي ﷺ في ذلك كغيره؛ لأنه مخصوص بما أفاء الله عليه من غير قتال من أموال الكفار ... يكون له دون سائر الناس، ومن بعده من الأئمة حكمه في ذلك خلاف حكمه، لا يكون له خاصة دون سائر المسلمين بإجماع من العلماء؛ لأنها فيء لمن سمى الله في آيات الفيء» (٣).

стр. 56

وقال محمد بن الحسن: «إذا بعث ملك العدو إلى أمير الجند بهدية، فلا بأس أن يقبلها، ويصير فيئًا للمسلمين ... ؛ لأنه ما أهدي إليه بعينه بل لمنعته، ومنعته للمسلمين، فكان هذا بمنزلة المال المصاب بقوة المسلمين، وهذا بخلاف ما كان لرسول الله ﷺ من الهدية؛ فإن قوته ومنعته لم تكن بالمسلمين على ما قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧]. فلهذا كانت الهدية له خاصة» (١). الهدية الثانية: الهدية للسلطان ممن لم يهد له قبل توليته، ولا يريد منه وظيفة في الدولة، ولا مجازاته على جميل قام به للمهدي. تباح هذه الهدية؛ لأنها لجاه السلطنة. لكن وإن كافأ السلطان عليها، صارت له (٢) أما إن لم يكافئ عليها، فهل يردها أو يقبلها لبيت المال؟ سيأتي في كيفية التصرف في الهدية. الهدية الثالثة: هدية أهل الحرب للسلطان: يباح للسلطان قبول هذه الهدية؛ لأنه يحل له استباحة

стр. 57

أموالهم. لكن لمن تكون؟ يختلف باختلاف القصد منها، وهو لا يخلو من ثلاثة أمور: الأمر الأول: أن تكون الهدية لمودة سابقة بين السلطان وبين المهدي، وليست لكونه سلطانًا، فالهدية تكون للسلطان. الأمر الثاني: أن تكون لأجل سلطانه، فالهدية لبيت المال؛ لأن سلطانه بالمسلمين فكانوا أحق بها. الأمر الثالث: أن تكون الهدية لحاجة، فإن كان السلطان يقدر عليها بغير سلطانه فهو أحق بها، وإلا فالبيت مال المسلمين؛ لأن سلطانه بهم، فكانوا أحق بها (١). الهدية الرابعة: هدية الأعداء المحاربين لأمير جيش محاربيهم أو لأحد عسكره. تباح هذه الهدية لمن أهديت إليه؛ لأنه يباح في حالة الحرب أن يستولي على أموال الأعداء المحاربين. لكن إن أهديت لأمير الجند، فهي غنيمة لسائر الجند أو فيئًا للمسلمين؛ لأن قوة هذا الأمير بهم وليس بنفسه (٢).

стр. 58

وإن أهديت لأحد الجند، فهي له؛ لأن الهدية لمثله لا تكون على وجه الخوف منه أو طلب الرفق به. وإن كانت لذلك، فقوة الجندي بنفسه لا بغيره، فكانت الهدية له (١). الهدية الخامسة: الهدية للموظف ممن لا حاجة له عند الموظف تتعلق بوظيفته، ولم يقصد بها استمالة قلبه، وكان يهدي له قبل توليته الوظيفة؛ لقرابة ونحوها، ولم تزد الهدية بعد الوظيفة فوق المعتاد إلا بزيادة مال المهدي: تباح هذه الهدية؛ لانتفاء الاتهام فيها بالرشوة، ولعدم المجازات بها على عمل (٢) ولما روي أن زيد بن ثابت ﵁ كان يهدي لعمر بن الخطاب ﵁ لبنًا فيقبله، حتى اقترض زيد مالاً من بيت المال، وأهدى اللبن، فرده عمر، فقال زيد: لم رددته؟ فقال: لأنك اقترضت من بيت المال مالاً، فقال زيد: لا حاجة لي في مال يقطع الوصلة بيني وبينك، فرد المال، وأهدى

стр. 59

اللبن، فقبله (١). فعمر ﵁ رد اللبن على زيد ﵁ حين كان لزيد حاجة عنده، مع أن زيدًا كان قبل ذلك يهديه إليه، ولم ينكر زيد على عمر رده لهديته، ولم يرد عمر هدية زيد بعد إرجاعه المال، فدل على جواز هذه الهدية. وعند المالكية وجه: يكره قبول هذه الهدية (٢) وعند الشافعية وجه: لا يحل للموظف قبول هذه الهدية (٣). وذلك خشية أن تحدث للمهدي حاجة ينسب بها الموظف إلى الممايلة للمهدي (٤). ويمكن الرد على هذا الوجه، بما استدل به للقول الأول، وما سيأتي في دليل القول بإباحة الهدية السادسة.

стр. 60

الهدية السادسة: الهدية للموظف ممن لا يُقبل له حكمه لو كان قاضيًا كولده، أو من ذي رحمه المحرم كأخيه، ولم يكن يهدي للموظف قبل توليته الوظيفة، ولا حاجة له عند الموظف. تباح هذه الهدية؛ لعدم دخول الظنة بها؛ للشدة الداخلة والمنافية بين الموظف والمهدي؛ لجمع الرحم من الحرمة في ميل قلبه أكثر من حرمة الهدية (١). الهدية السابعة: الهدية للموظف من صاحب الهدية السادسة، لكن له حاجة عند الموظف تتعلق بوظيفته. اختلف الفقهاء في قبول الموظف هذه الهدية، على قولين: القول الأول: لا يباح للموظف قبولها، وإليه ذهب الحنفية في قول (٢). واستدلوا: هذه هدية تلحق التهمة؛ بطلب المهدي ميل الموظف إليه في حاجته المتعلقة بوظيفته (٣).

стр. 61

القول الثاني: يباح للموظف قبول هذه الهدية، وإليه ذهب الحنفية في قول (١) والمالكية (٢) والشافعية (٣). واستدلوا: هذه الهدية لا تدخل بها الظنة على الموظف؛ للشدة الداخلة والمنافية بينه وبين المهدي؛ لجمع الرحم من الحرمة في ميل القلب أكثر من حرمة الهدية، فهي لصلة الرحم بينهما (٤). الترجيح: الراجح، القول الأول عدم إباحة هذه الهدية للموظف؛ وذلك لقوة دليله. ولما تقدم في هدايا القسم الثاني من كلام الغزالي في الأولى منها، والشوكاني في الرابعة، ولأن هذه الهدية لو كانت لصلة الرحم، لقدمت قبل الوظيفة، وقبل أن تكون حاجة عنده، وجمع الرحم من الحرمة أكثر من الهدية، هذا صحيح لو سلمت الذمم من الميل بغير الحق لمن أحسن إليها. نعم لو كان هذا القريب لا يهدي للموظف قبل توليته؛ لكونه فقيرًا، ثم استغنى بعد ذلك فأهدى، لأبيحت هديته كما

стр. 62

تقدم (١). الهدية الثامنة: الهدية المأذون بها للموظف من ولي الأمر: إذا أذن ولي الأمر للموظف بقبول الهدية، فإنه يباح له أخذها (٢). ويدل على هذا، دليلان: الدليل الأول: عن معاذ ﵁ قال: بعثني رسول الله ﷺ إلى اليمن فقال: «أتدري لم بعثت إليك؟ لا تصيبن شيئًا بغير إذني؛ فإنه غلول» (٣). فالهدية للموظف تكون غلولاً إن كان بغير إذن الإمام، أما إن كانت بإذنه فليست غلولاً، بل مباحة. الدليل الثاني: عن معاذ ﵁: أنه قدم من اليمن فرأى عمر ﵁ عنده غلمانًا قال: ما هؤلاء؟ قال: أصبتهم في وجهي

стр. 63

هذا. قال عمر: من أي وجه؟ قال: أهدوا إلي، وأكرمت بهم. فقال عمر: أذكرتهم لأبي بكر؟ فقال معاذ: ما ذكري لأبي بكر. ونام معاذ فرأى كأنه على شفير النار، وعمر آخذ بحجزته من ورائه؛ أن يقع في النار ففزع معاذ، فذكره لأبي بكر ﵁ فسوغه له أبو بكر. فقال عمر: هذا حين حل وطاب (١). فعمر ﵁ أنكر على معاذ ﵁ عدم إخباره أبا بكر ﵁ بهداياه التي جاءته أثناء عمله في اليمن، وأبو بكر سوغها لمعاذ حين أخبره بها، فدل على جواز الهدية للعامل بإذن الإمام. ويدخل في هذه الهدية: الهدايا التي يقدمها للموظف أصحاب الحاجات على سبيل إكرامه، وأذن له فيها رئيسه في العمل، وكان رئيسه مأذونًا له بذلك ممن ولاه هذه الرئاسة، أو أعطاه صلاحية بما يراه من مصلحة العمل، ورأى هذا الرئيس أن من مصلحة العمل الإذن للموظف بأخذ هذه الهدية؛ مكافأة له على جهوده في خدمة العمل، وأمانته واحترامه لأنظمة العمل وللمراجعين. والله تعالى أعلم.

стр. 64

الهدية التاسعة: الهدية للموظف من الأعلى منه في وظيفته هذه الهدية يباح بذلها من الأعلى من الموظف كرئيسه والسلطان، ويباح للموظف قبولها، لكن بشرطين: أن تكون معتادة لمثل الموظف، وأن لا يتغير قبل الموظف عن التصميم عن الحق (١). وذلك؛ لانتفاء التهمة بالرشوة؛ حيث إن مراعاة الموظف للأعلى منه في وظيفته أو للسلطان، لا تكون بهديتهم إليه، بل بالمركز والقوة المستمدة من نفوذ مراكزهم (٢). وبه يتبين جواز الهدايا التي تقدمها الدوائر الحكومية والمؤسسات لبعض موظفيها. تنبيه: الهدايا للموظفين ممن أعلى منهم مقابل تغيير تاريخ صلاحية المنتجات ونحوها. الهدايا للموظفين ممن أعلى منهم، إنما تباح إذا لم تكن مقابل عمل محرم، فإن كان في مقابله، لم يحل بذلها ولا قبولها. وبه يتضح تحريم الهدايا المقدمة للموظفين من مسئوليهم في

стр. 65

المحلات التجارية والمؤسسات الخاصة ونحوها؛ مقابل قيامهم بتغيير تاريخ صلاحية المنتجات، أو تغيير أسماء شركات التصنيع، أو بترويج أدوية، أو طلب تحاليل ونحوها لا يحتاج إليها المرضى بل قد تضرهم، فهذه الأعمال محرمة، والهدايا عليها من الرشوة المحرمة؛ لأنها مقابل عمل محرم، ومن قبيل التعاون على الإثم والعدوان. والله تعالى أعلم. الهدية العاشرة: الهدية للموظف بعد تركه الوظيفة إذا ترك الموظف وظيفته، لانتهاء فترتها، أو استقالته منها، ثم قدمت له هدايا من إدارة عمله أو غيرها، أفرادًا كانوا أو جهات. فإنه يباح بذلها وقبولها (١)؛ وذلك لحديث ابن اللتبية ﵁ من قول رسول الله ﷺ : «فهلا جلس في بيت أبيه وأمه، فينظر أيهدى له» (٢). ووجه: أن الموظف إذا ترك العمل، يكون قد جلس في بيت أبيه وأمه، فإذا أهدي إليه حينئذ؛ جازت؛ لانتفاء الريبة بالرشوة (٣).

стр. 66

وعلى هذا: تباح الهدايا التي تقدم لبعض الموظفين عند تقاعدهم، ولو كانت من المراجعين لهم في عملهم. والله تعالى أعلم. الهدية الحادية عشرة: الهدية على وجه إكرام العلم والصلاح، المقدمة للمفتي والواعظ وإمام المسجد والمعلم الذي لا علاقة له باختبار الطالب ودرجاته هذه الهدية يباح بذلها وقبولها (١)؛ لانتفاء الريبة بالرشوة؛ بانتفاء ما يدعو إليها؛ لأن الحامل للإهداء إلى هؤلاء معنى خاص فيهم، هو إكرام العلم أو الصلاح الذي اتصفوا به، ولأن هؤلاء لا يرجى منهم جاه ولا عون على خصم (٢) ولا يطلب منهم الحكم بإبطال حق، أو إحقاق باطل؛ لعدم أهلية الإلزام فيهم؛ فليس لهم أمر في الحكم في خصومة، أو سلطة في تنفيذ حكم، أو قهر وتسلط على من دونهم، أو في تقدير المقدرات

стр. 67

من زكاة وأرش جناية (١). فإن كانت الهدية للمفتي ونحوه ليست على وجه الإكرام، وإنما لجاه الوظيفة، أو لحثهم على القيام بعملهم، أو لتحقيق شيء منهي عنه، حالاً أو مستقبلاً، فإنها تدخل في الهدايا المنهي عنها، فإن علم المهدي إليه بهذا القصد، لم يجز له قبولها (٢). تنبيه: الهدية للمفتي والواعظ والمعلم في المسجد الموظفين من قبل ولي الأمر أو غيره من وظفته الدولة أو غيرها من المفتين والواعظين والمعلمين الذين ليس لهم علاقة بدرجات الطلاب ونجاحهم كالمدرسين في الحرمين الشريفين ونحوهما من المساجد، لا يشملهم النهي عن الهدايا في حديث: «من استعملناه» (٣)؛ لأن العلماء أطلقوا إباحة الإهداء إلى هؤلاء، دون تقييده بمن لم توظفه الدولة (٤) ولأن العلة في منع الإهداء للموظف؛ ذات الوظيفة، وخشية التهمة بالرشوة، وهؤلاء يهدي إليهم ليس لذلك كما تقدم في

стр. 68

الدليل للهدية الحادية عشرة. والله تعالى أعلم. فإن عملوا أن هذه الهدايا إنما هي لإكرامهم؛ إجلالاً للعلم والصلاح، فالأفضل لهم قبولها (١)؛ لأن باذلها يتقرب بها إلى الله تعالى، وفي قبولها تعاون على البر والتقوى. أما إن علموا أنها ليست لذلك وإنما مقابل ما يحصل منهم من عمل، فالأفضل لهم عدم قبولها؛ وذلك لتكون أعمالهم خالصة لوجه الله تعالى، ولدفع الريبة عن أعراضهم وكسبهم. والله تعالى أعلم. الهدية الثانية عشرة: ضيافة الموظف المسافر المجتاز في بلد وظيفته، ممن لا حاجة له عند الموظف تتعلق بوظيفته، أو كان الموظف قد أنهى حاجة مضيفه. هذه الضيافة: يجوز بذلها، وقبولها (٢). ويمكن الاستدلال لهذه: الضيوف يستوون في هذه الضيافة، فليس فيها مجازاة للموظف على حاجة للمضيف قضاها بجهة وظيفته، ولانتفاء الاتهام بالرشوة؛ لكون هذه الضيافة إما لعدم الحاجة في وظيفة العامل، أو بعد إنهائها.

стр. 69

الهدية الثالثة عشرة: نزول الموظف المسافر ضيفًا في غير بلده يباح للموظف قبول هذه الضيافة إن كان عابر سبيل في هذه البلدة، ويكره إن كان مقيمًا فيها (١). ويمكن الاستدلال لهذا: إباحتها إن كان الموظف عابرًا؛ بانتفاء التهمة بالرشوة؛ لأنه صار في حق الضيافة كسائر المسلمين العابرين، فلا منة فيها، ولا سبيل بها للتهمة بالرشوة؛ من وجود الحاجة أو بلد الوظيفة. أما كراهيتها للمقيم؛ فلعدم الأحقية له في الضيافة حينئذ، ولخشية حدوث حاجة للمضيف تتعلق بالوظيفة. الهدية الرابعة عشرة: الهدية للموظف من غير أهل بلد الوظيفة، ويرسلها المهدي إلى بلد الوظيفة، وليس للمهدي حاجة عند الموظف تتعلق بالوظيفة. للشافعية ي قبول الموظف هذه الهدية وجهان: أوجههما: الحرمة (٢). ويمكن الاستدلال لها: أنه يخشى أن تحدث حاجة

стр. 70

للمهدي، فتكون هذه الهدية من الرشوة. الوجه الثاني: يجوز قبولها، والأولى عدم قبولها (١). وهذا هو الأرجح؛ لأن الأصل في الهدية الإباحة، وليست هذه من الهدايا الممنوع منها الموظف؛ خشية التهمة بالرشوة، أو المجازاة على عمل واجب. والله تعالى أعلم. الهدية الخامسة عشرة: الهدية للموظف في غير بلد الوظيفة، من أهل بلده أو غيرهم. هذه الهدية: يباح للموظف قبولها ما لم يشعر أنها مقدمة لحاجة في وظيفته (٢). وذلك؛ لدخولها في عموم إباحة الهدية، وعدم ما يمنعها. لكن تنزهه عنها، أولى (٣)؛ خشية أن تكون لأجل الوظيفة، وهي مما لا يجوز التكسب بها. أما إن شعر أنها قدمت لحاجة في وظيفته، فيحرم عليه قبولها؛ كما تقدم.

стр. 71

الهدية السادسة عشرة: الهدية للموظف من زميله في عمله الذي تعرف عليه فيه، أو مُراجع في العمل صارت بينهما صداقة؛ لكثرة مراجعته. تحصل أحيانًا ألفة بين موظف وزميله في العمل، أو بينه وبين مراجع له، وذلك لحسن التعامل المباح بينهما، فيبذل الزميل أو المراجع هدية لهذا الموظف؛ تحببًا وتوددًا إليه وإكرامًا له، لا بقصد الوظيفة، وليس للمهدي عند الموظف حاجة تتعلق بالوظيفة. وهذه الهدية: أرجو أن يكون بذلها وقبولها مباحين (١). وذلك؛ لعدم التهمة فيها بالرشوة، ولأن هذا الموظف لو ترك وظيفته، لن تذهب صداقته مع هذين الصديقين، ولأن حسن تعامل الموظف، خُلقٌ له - ومن لوازمه الأمانة في العمل - وكسبه الهدية كان بخلقه لا بالوظيفة، ولو كان بالوظيفة لأهدي لغيره من الموظفين الذين لا يحسنون التعامل مع الآخرين ولا إحداث الصداقة معهم. والله تعالى أعلم.

стр. 72

الفرع الثالث: حكم الهدية إلى جهة عمل الموظف الهدايا لا يقتصر تقديمها على الموظفين، بل تقدم أحيانًا إلى جهات عملهم. وجهات العمل، قسمان: القسم الأول: جهة عمل ليست للدولة، ولا ارتباط لها بعمل الدولة هذه الجهة كالمؤسسات والمحلات التجارية التي لا ارتباط لها بأي عمل للدولة. والهدية لهذه الجهات: يجوز بذلها، ويجوز للمسئول عن هذه الجهات قبولها. وذلك؛ لأن الأصل إباحة الهدية، سواء أقصد بها مطلق الإكرام، أم المعاوضة بإعلان لمنتج للمهدي أو نوع عمله ونشاطه. لكن جواز هذه الهدية مرتبط بما إذا لم يقصد بها المهدي ميل أصحاب الجهة إليه للإضرار بغيره. فيحرم عليه البذل، ويحرم عليهم القبول إذا علموا بقصده؛ لأنها أصبحت وسيلة إضرار بالغير، وهو منهي عنه؛ للنهي عن التعاون على الإثم والعدوان.

стр. 73

القسم الثاني: جهة عمل للدولة، أو لها ارتباط بعمل متعلق بالدولة هذا القسم من الجهات يشمل الدوائر الحكومية والمؤسسات الخاصة المرتبطة بالحقوق العامة كمكاتب التقارير الطبية في المستشفيات الخاصة، ومكاتب المحاماة والمحاسبين القانونيين، أو المؤسسات المرتبطة بمشاريع مالية للدولة كشركات ومؤسسات المقاولة، والمحلات التجارية التي تتعامل مع الدولة. والهدية لهذا القسم من الجهات، لا يخلو قصد مهديها من أحد أمرين: الأمر الأول: أن يقصد بهديته ميل قلوب موظفي الجهة؛ لتسهيل أعماله التي فيها، حالاً أو مستقبلاً. فحينئذ: إما أن تكون أعماله هذه نظامية، لكن موظفو الجهة لا ينجزونها إلا ببذله هدية لدائرتهم لا لأنفسهم. فهذه الهدية: يجوز للمهدي بذلها، ويحرم على موظفي الجهة قبولها. وذلك؛ لأنهم لا يملكون طلب العوض على عملهم؛

стр. 74

فأعمال الجهة التابعين لها لا عوض عليها. وتقدم (١). وإما أن تكون أعمال المهدي لهذه الجهة غير نظامية، وأراد بهديته أن يغض موظفوها الطرف عنه فيها، أو أراد أن يقدموه على غيره كما في مشاريع المقاولات، أو غير ذلك من المقاصد غير المشروعة. فهذه تعتبر رشوة، يحرم على المهدي بذلها، ويحرم على موظفي الدائرة قبولها. وتقدم (٢). الأمر الثاني: أن يقصد بهديته هذه إكرام الجهة ومجازاتها على ما قامت به تجاه مهمته. فهذه الهدية: أرجو أن لا يكون بأس في بذلها وقبولها. وذلك؛ لأنها ليست مقدمة لذات الموظف، فيخشى عليه المجازاة على عمل واجب عليه، وليس فيها تهمة بالرشوة؛ لأنها هدية مبذولة بعد العمل وبلا شرط، بخلاف الرشوة؛ فهي قبل العمل أو بشرط. ثم إن ظاهر هذه الهدية؛ أنها من قبيل

стр. 75

الشكر لجهة عامة، فتدخل في عموم الأصل في إباحة الهدايا. وما قد يقال: إن هذا قد يئول إلى التهمة بالرشوة والمنة ونحوهما، فهذا بعيد؛ لأن المصلحة عائدة للمجتمع كله، وقد يكون منع مثل هذا؛ فيه إغلاق لأبواب الشكر للدولة والتعاون معها ونحوها من الجهات. والله تعالى أعلم.
следующие страницы →