← Тафсир

Тафсир · id 14536

تفسير القرآن العظيم - جزء عم

عبد الملك بن قاسم

Полный текст (169 стр.). Показаны 141–169 · переход к 146.

стр. 141

تفسير سورة التكاثر بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ * كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ * كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ * لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ * ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ * ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾. سورة التكاثر سورة مكية، ذكر الله، ، فيها ما يلهي العباد عن طاعته وعبادته، وحذرهم من هذا الطريق، وبين لهم، وقد تكرر في هذه السورة الزجر والإنذار تخويفًا للناس، وتنبيهًا لهم على خطئهم باشتغالهم بالفانية عن الباقية، قال تعالى لمن أعرض عن طاعته وألهته الدنيا. ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ * كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ * كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ * لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ * ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ * ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾. ﴿أَلْهَاكُمُ﴾ أي: شغلكم أيها الناس على وجه لا تعذرون فيه عن طاعة الله وأنساكم عبادته. ﴿التَّكَاثُرُ﴾ يشمل التكاثر بالمال، والتكاثر بالقبيلة، والتكاثر بالجاه، والتكاثر بالعلم، والتكاثر بالأولاد، وبكل ما يمكن أن يقع فيه التفاخر واستمرت هذه الغفلة وهذا الانشغال.

стр. 142

﴿حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ يعني: إلى أن زرتم المقابر، يعني: حتى أدرككم الموت ودفنتم في المقابر وأنتم على تلك الحال. ﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾. ﴿كَلَّا﴾ بمعنى الردع يعني: ارتدعوا عن هذا التكاثر، وقيل: إنها بمعنى حقًا. ﴿سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ أي: سوف تعلمون عاقبة أمركم إذا رجعتم إلى الآخرة وأن هذا التكاثر لا ينفعكم. ﴿ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ تأكيدًا لهذا الأمر. ﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ﴾ يعني: حقًا لو تعلمون علم الحق لعرفتم أنكم في ضلال، ولو تعلمون ما أمامكم علمًا يصل إلى القلوب، لما ألهاكم التكاثر، ولبادرتم إلى الأعمال الصالحة، ولكن عدم العلم الحقيقي صيركم إلى ما ترون. ﴿لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ * ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ﴾. ﴿لَتَرَوُنَّ﴾ أي: أُقسم وأوكد بأنكم ستشاهدون وتبصرون بالعين. ﴿الْجَحِيمَ﴾ في الآخرة، والجحيم اسم من أسماء النار. ﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ﴾ تأكيدًا لرؤيتها ومشاهدتها. ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ أي: عن نعيم الدنيا الذي ألهاكم عن العمل للآخرة، فيسأل عن الأمن، والصحة، والفراغ، وعن شرب الماء البارد على الظمأ، وظلال المساكن، وغير ذلك من النعم.

стр. 143

تفسير سورة العصر بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾. سورة العصر سورة مكية، ذكر الله ، فيها أنه خلق الخلق لعبادته وإقامة شرعه، والإنسان في هذه الدنيا بين أمرين؛ إما بالقيام بما أمر الله به فقد أفلح ونجا، وإما التمرد والعصيان ومخالفة أمره، سبحانه فقد خاب وخسر قال تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ أقسم الله تعالى بالعصر والعصر قيل: إن المراد به آخر النهار؛ لأن آخر النهار أفضله، وقيل: إن العصر هو الدهر لما فيه من الصبر من جهة مرور الليل والنهار على التقدير وتعاقب الظلام والضياء، وما في ذلك من استقامة الحياة ومصالح الأحياء فإن ذلك دلالة بينة على الصانع، وعلى توحيده؛ على أن جنس الإنسان في خسارة ونقصان إلا من اتصف بالأوصاف الأربعة وهي الإيمان والعمل الصالح، والتواصي بالحق، والاعتصام بالصبر، وهي أسس الفضيلة، وأساس الدين، ولهذا قال الإمام الشافعي: لو لم ينزل الله سوى هذه السورة لكفت الناس، قال تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ﴾ أي: كل إنسان. ﴿لَفِي خُسْرٍ﴾ لفي هلاك؛ فكأن الإنسان منغمس في الخسر، والخسران محيط به من كل جانب.

стр. 144

﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾. استثنى الله هؤلاء المتصفين بهذه الصفات الأربع وهم: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أهل الإيمان والتصديق الذي لا يخالجه شك ولا تردد. ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ أي: أنهم قاموا بالأعمال الصالحة: من صلاة، وزكاة وصيام وحج، وبر للوالدين، وصلة الأرحام وغير ذلك. ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ﴾ أي: صار بعضهم يوصي بعضًا بالحق، والحق: هو التوحيد والإيمان وأداء الطاعات, وكل ما أمر به الشرع، والتواصي بالحق أمر مطلوب، فالنهوض بالحق عسير، والمعوقات عن الحق كثيرة تحتاج إلى تواصٍ وتعاضد. ﴿وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ أي: يوصي بعضهم بعضًا بالصبر، والصبر حبس النفس عما لا ينبغي فعله. فبالأمرين الأولين يكمل الإنسان نفسه، وبالأمرين الأخيرين يكمل غيره، وبتكميل الأمور الأربعة، يكون الإنسان قد سلم من الخسارة، وفاز بالربح العظيم.

стр. 145

تفسير سورة الهمزة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ * الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ * يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ * كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ * نَارُ اللهِ الْمُوقَدَةُ * الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ * إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ * فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ﴾. سورة الهمزة سورة مكية، ذكر الله فيها أحوال بعض العباد؛ فإن من تأمل في حال الناس وأخلاقهم يجد التفاوت العجيب، وأنزل الله هذا القرآن مقررًا للشريعة رافعًا راية التوحيد، مهذبًا للأخلاق وحسن التعامل وطيب الفعال بين المسلمين، وفي هذه السورة ذم الله الطعن في أعراض الناس وأنسابهم ودناءة من فعل ذلك، وأن له الوعيد الشديد والعقوبة العظيمة إن احتقر أو استهزأ وطعن في أنساب المسلمين وأعراضهم على وجه التنقص والازدراء، وذم الله في السورة الذين يشتغلون بجمع الأموال وتكديس الثروات كأنهم مخلدون في هذه الحياة، وختمت بذكر عاقبة هؤلاء التعساء الأشقياء، قال تعالى: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾: ﴿وَيْلٌ﴾ كلمة خزي وعذاب ووعيد، وقيل: واد في جهنم أي: خزي أو عذاب أو هلكه للهمزة، وهو الذي يغتاب الناس، ويطعن في أعراضهم ويظهر عيوبهم ويحقر أعمالهم. ﴿لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ فالهمز: بالفعل، واللمز: باللسان.

стр. 146

ثم ذكر الله صفة هذه الهماز اللماز أنه لا هم له إلا جمع المال، والهمزة واللمزة من الفخر، والكبر، وجمع المال وتعديده من البخل. ﴿الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ﴾ هذه أيضًا من أوصافه القبيحة جماع مناع، يجمع المال، ويمنع العطاء، فهو بخيل لا يعطي، يجمع المال ويعدده ويرى أنه له به الفضل فلأجل ذلك يستقصر غيره. ﴿وَعَدَّدَهُ﴾ يعني أكثر تعداد لشدة شغفه ومحبته له، يخشى أن يكون نقص، أو يريد أن يطمئن زيادة على ما سبق فهو دائمًا يعد المال. ﴿يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ﴾ يعني: يظن هذا الرجل أن ماله سيخلده ويبقيه, أخلد ذكره أو أطال عمره، فلا يفكر في ما بعد الموت من الحساب والجزاء أو أنه مانع له من الموت. ﴿كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ﴾. ﴿كَلَّا﴾ أي: ليرتدع عن هذا الظن، ليس الأمر على ما يحسبه ويظنه، لا يخلد ماله ولا يبقى له بل. ﴿لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ﴾ ليطرحن طرحًا هو وماله في النار التي تهشم كل ما يلقى فيها وتحطمه، والحطمة من أسماء النار. ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ﴾ أي: وما أعلمك ما النار والحطمة. ﴿نَارُ اللهِ الْمُوقَدَةُ﴾ المسجرة المسعرة. ﴿الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ﴾ أي: يخلص حرها إلى القلوب فيعلوها ويغشاها. ﴿إِنَّهَا عَلَيْهِمْ﴾ أي: الحطمة، وهي نار الله المؤقدة، أي على الهماز واللماز الجماع للمال المناع للخير. ﴿مُؤْصَدَةٌ﴾ مطبقة مغلقة الأبواب لا يرجى لهم فرج.

стр. 147

﴿فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ﴾ أي: أن هذه النار مؤصدة، عليها أعمدة ممدة، أي: ممدودة على جميع النواحي والزوايا حتى لا يتمكن أحد من فتحها أو الخروج منها.

стр. 148

تفسير سورة الفيل بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ * أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ * وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ * تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ * فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَاكُولٍ﴾. سورة الفيل سورة مكية، ذكر فيها سبحانه، فضله العظيم وآلائه الكثيرة، ويذكر هنا لكفار قريش فضله ومنته عليهم عندما أراد أبرهة الحبشي أن يبني باليمن كنيسة؛ ليصرف الناس إلى حجها دون البيت الحرام، فقام أحد العرب فلطخها بالقذر ليلاً فعزم أبرهة على هدم الكعبة، وسار بجيش عظيم إلى مكة ومعه الفيل إلى أن دنا من المسجد الحرام، فلما انتهوا إلى قرب مكة، ولم يكن بالعرب مدافعة، وخرج أهل مكة من مكة خوفًا على أنفسهم منهم، أرسل الله تعالى عليهم وعلى جيشهم ما منعهم من هدمها أو التعرض لها، وأبقاها على حالها نعمة منه على أهل مكة، ونكالاً منه لرد من يعتدي على بيته فقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾ أي: ألم تعلم؛ يخاطب الله تعالى النبي ﷺ أو يخاطب كل من يصح توجيه الخطاب إليه، يقرر ما فعل بأصحاب الفيل، وأصحاب الفيل هم قوم من أهل اليمن من النصارى من الأحباش جاؤوا لهدم الكعبة بفيل عظيم أرسله إليهم ملك الحبشة.

стр. 149

﴿أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ﴾ أي: ألم يجعل الله تعالى مكرهم وحيلتهم وسعيهم في تخريب الكعبة، وضلالاً منهم أدى بهم إلى الهلاك فلم يصلوا إلى مرادهم وهدفهم وغايتهم. ﴿وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ﴾ جماعات متفرقة يتبع بعضها بعضًا، وهي طير سود جاءت من قبل البحر فوجًا فوجًا، مع كل طائرة ثلاثة أحجار: حجران في رجليه، وحجر في منقاره، لا يصيب شيئًا إلا هشمه. ﴿تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ﴾ قالوا: هي حجارة من طين طبخت بنار جهنم، مكتوب فيها أسماء القوم، فإذا أصاب أحدهم حجر منها خرج به الجدري وكان الحجر كالحمصة وفوق العدسة. ﴿فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَاكُولٍ﴾ أي: جعلهم كزرع أكلته الدواب ووطئته بأقدامها حتى تفتت، والعصف: هو ورق الزرع اليابس الذي يبقى بعد الحصاد. وهذا القصة تدل على كرامة الله للكعبة، وفيها عجائب وغرائب من قدرة الله على الانتقام من أعدائه بأضعف جنوده وهي الطير التي ليست من عاداتها أن تقتل.

стр. 150

تفسير سورة قريش بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ * إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ * فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾. سورة قريش سورة مكية، وفي كثير من السور والآيات يعدد الله نعمه على عباده ليوحدوه ويعبدوه ويعرفوا قدر نعمه عليهم، وفي هذه السورة يمتن الله أن جعل بيته الحرام آمنًا وأهله كذلك آمنين، فكان الأمن والاستقرار لهم راحة وطمأنينة وسعة رزق وغنى ويسرًا، ومن ذلك رحلتهم التجارية التي تكون في الصيف إلى الشام، وفي الشتاء إلى اليمن، وما يحصل لهم من منافع تجارية وعائدات عظيمة؛ فكان من الواجب شكر المنعم على نعمه بطاعته وعبادته قال تعالى: ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ * إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ﴾. ﴿لِإِيلَافِ﴾ الإيلاف الألفة والتعود؛ يراد به التجارة التي كانت تقوم بها قريش أهل مكة مرة في الشتاء، ومرة في الصيف، أما في الشتاء فيتجهون نحو اليمن للمحصولات الزراعية فيه، ولأن الجو مناسب، وأما في الصيف فيتجهون إلى الشام، لأن غالب تجارة الفواكه وغيرها تكون في هذا الوقت في الصيف مع مناسبة الجو البارد، وامتن الله عليهم بهاتين الرحلتين وتيسيرها لهم. ﴿* فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ﴾ شكرًا له على هذه النعمة ليعبدوه سبحانه وهو رب هذا البيت الكعبة، وهم بهذا البيت تشرفوا على

стр. 151

سائر العرب؛ وليجعلوا عبادتهم شكرًا لهذه النعمة الجليلة التي خصهم بها. ﴿الَّذِي﴾ هذه صفة للرب. ﴿أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ الذي أطعمهم بسبب هاتين الرحلتين خلصهم من جوع شديد وخوف كانوا فيهما قبلهما، وأوسع لهم في أرزاقهم. وبين الله نعمته عليهم، النعمة الظاهرة والباطنة، فإطعامهم من الجوع وقاية من الهلاك في أمر باطن، وهو الطعام الذي يأكلونه. ﴿وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ نجاهم وسلمهم؛ وقاهم وأمنهم من الخوف إذ كانت البلاد محوطة بالعدو. وكانت العرب يغير بعضها على بعض ويسبي بعضها بعضًا، فأمنت قريش من ذلك لمكان البيت العتيق.

стр. 152

تفسير سورة الماعون بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ * فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ * وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ * فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ * الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ * وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ *﴾. سورة الماعون سورة مكية؛ وقد تميز الإسلام بأنه الدين الخالص لله، وأنه أيضًا دين التواصل والتعاطف والرحمة, وقد جمع الله بين عبادته وبين الرحمة والعطف على الأيتام والفقراء والتذكير بحق المسكين والفقير في هذه السورة فقال سبحانه: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ﴾. ﴿أَرَأَيْتَ﴾ استفهام للتعجب والتشويق أي: هل علمت؛ الخطاب للرسول ﷺ لأنه الذي أنزل عليه القرآن؟ وعام لكل من يتوجه إليه الخطاب. ﴿الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ﴾ أي: أأبصرت المكذب بالحساب والجزاء والبعث والنشور فإن من أفعاله وأعماله، ما يلي. ﴿فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ * وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾. ﴿فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ﴾ أي: يدفعه ويزجره بعنف. ﴿وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ المسكين: الفقير المحتاج إلى الطعام، فهو لا يحض ولا يحث نفسه ولا أهله ولا غيرهم على طعام المسكين بخلاً بالمال وشحًا به. ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ ويل: هذه كلمة وعيد، وهي تتكرر في القرآن

стр. 153

كثيرًا، أي: فويل للملتزمين لإقامة الصلاة ولكنهم. ﴿الَّذِينَ هُمْ﴾ مصلون، يصلون مع الناس، أو أفرادًا لكنهم. ﴿عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ غافلون عنها، لا يقيمونها على ما ينبغي يؤخرونها عن الوقت الفاضل، لا يقيمون ركوعها، ولا سجودها، ولا قيامها ولا قعودها، لا يقرؤون ما يجب فيها من قراءة سورة كانت قرآنًا أو ذكرًا إذا دخل في صلاته فهو غافل، قلبه يتجول يمينًا وشمالاً فهو ساهٍ عن صلاته. ﴿الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ﴾ هم المنافقون، يراؤون الناس بصلاتهم إن صلوا، أو يراؤون الناس بكل ما عملوا من أعمال البر ليثنوا عليهم، وهم بهذا لا يريدون وجه الله والدار الآخرة، إنما يريدون المدح والثناء من الناس. ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ أي: يمنعون ما يجب بذله من المواعين وهي الأواني، وما يحتاجه الناس من الدلو والفأس والقدر، وهذا من الشح والبخل وعدم النفع للآخرين، يعني يأتي الإنسان إليهم يستعير آنية فيمنعونها عنه، وقيل: يمنعون الزكاة المفروضة. فلا هم أحسنوا في عبادة ربهم، ولا أحسنوا إلى خلقه، فاستحقوا الوعيد الشديد.

стр. 154

تفسير سورة الكوثر بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ * فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ * إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾. سورة الكوثر سورة مكية؛ ذكر الله فيها أن اختار محمدًا نبيًا ورسولاً واصطفاه على جميع خلقه، وجعل له المكانة العالية الرفيعة ولما قدم كعب بن الأشرف اليهودي إلى مكة، قالت قريش له: أنحن خير أم محمد؟ فقال: أنتم خير منه فأنزل الله في شأنه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا *﴾ [النساء: ٥١] ولما وصف العاص بن وائل النبي ﷺ بأنه أبتر أنزل الله في شأنه: ﴿* إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ ليعظم منزلة النبي، وأنه صاحب الرسالة والمكانة الرفيعة، وختمت السورة ببشارة الرسول ﷺ بخزي أعدائه ووصفت مبغضيه بالذلة والحقارة والانقطاع من كل خير في الدنيا والآخرة، بينما ذكر الرسول مرفوع على المنائر والمنابر، واسمه الشريف على كل لسان، خالد إلى آخر الدهر والزمان قال تعالى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ الخطاب للرسول ﷺ تكريمًا لمقامه الرفيع وتشريفًا أي: الله تفضل عليك وأعطاك الخير الكثير الدائم في الدنيا والآخرة، ومن هذا الخير نهر الكوثر.

стр. 155

﴿الْكَوْثَرَ﴾ هو الخير الكثير، ومنه نهر الكوثر في الجنة، جعله الله كرامة لرسول الله ﷺ ولأمته. ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ﴾ شكرًا لله على هذه النعمة العظيمة، وهذا العطاء الجزيل أن تصلي وتنحر لله، لا تصرف شيئًا منها لغيره . ﴿وَانْحَرْ﴾ تقرب إليه بالنحر للإبل وغيرها، وخص هاتين العبادتين بالذكر, لأنهما من أفضل العبادات وأجل القربات. ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ مبغضك، والشنآن هو البغض. ﴿هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ الأبتر: اسم تفضيل من بتر بمعنى قطع، يعني هو الأقطع، المنقطع من كل خير، والأبتر من الرجال الذي لا ولد له. قال المفسرون: لما مات "القاسم" ابن النبي ﷺ قال العاصي بن وائل: دعوه فإنه رجل أبتر لا عقب له، أي لا نسل له، فإذا هلك انقطع ذكره فأنزل الله تعالى هذه السورة، وأخبر تعالى أن هذا الكافر هو الأبتر وإن كان له الأولاد، لأنه مبتور من رحمة الله، أي مقطوع عنها، ولأنه لا يذكر إلا ذكر باللعنة، بخلاف النبي ﷺ فإن ذكره خالد إلى آخر الدهر، مرفوع على المآذن والمنابر، مقرون بذكر الله تعالى، والمؤمنون من زمانه إلى يوم القيامة أتباعه فهو كالوالد لهم، صلوات الله وسلامه عليه.

стр. 156

تفسير سورة الكافرون بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ * وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾. سورة الكافرون سورة مكية؛ هي سورة التوحيد والبراءة من الشرك والضلال، ذكر الله ، فيها أنه لا يجوز صرف العبادة لغيره ، وقد كان النبي ﷺ يعلن دعوته على الملأ أن لا معبود بحق إلا الله، وقيل: إن قريشًا من جهلها وطغيانها دعت النبي ﷺ إلى عبادة أوثانها سنة، ويعبدون الله سنة، فأنزل الله هذه السورة ولم تكن العرب تجحد وجود الله ، وأنه الخالق الرازق المدبر، لذا فهم يحجون ويتصدقون وينفقون، لكنهم جعلوا مع الله إلهًا آخر شريكًا له في العبادة, فأنزل الله هذه السورة؛ لتعلن الدين كله لله لا شريك له، قال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ أي: قل يا محمد وأعلن لهم بالنداء، وهذا يشمل كل كافر سواء كان من المشركين أو من اليهود، أو من النصارى. ﴿لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ أي: لا أعبد الذين تعبدونهم، وهم الأصنام وأتبرأ منهم ظاهرًا وباطنًا. ﴿وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ أنا لا أعبد أصنامكم، وأنتم لا تعبدون الله، ولستم أنتم ما دمتم على شرككم وكفركم عابدين لله الواحد الأحد الذي أعبده.

стр. 157

﴿وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ﴾ أي: ولا أعبد في مستقبل أيامي، وما يأتي من عمري لن أعبد شيئًا من آلهتكم الباطلة التي تعبدونها. ﴿وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ قد يظن الظان أن هذه مكررة للتوكيد، وليس كذلك, لأن الصيغة مختلفة أي: لن تعبدوا الله في مستقبل أيامكم ما دمتم على كفركم وعبادتكم للأصنام، فعبادتي ليست كعبادتكم، وعبادتكم ليست كعبادتي. ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾. ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ﴾ الذي أنتم عليه وتدينون به. ﴿وَلِيَ دِينِ﴾ أي: ولي ديني الذي لا أبغي غيره، فأنا بريء من دينكم وأنتم بريئون من ديني، وهذا غاية في التبرؤ من عبادة الكفار، والتأكيد على عبادة الواحد القهار.

стр. 158

تفسير سورة النصر بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾. سورة النصر سورة مدنية؛ فيها البشارة أن دين الله عزيز منصور على مر الأزمان والعصور، وأمتن الله فيها على نبينا محمد ومن معه من الصحابة بنصر عظيم، ألا وهو فتح مكة وإزالة الأصنام والأوثان، ودخول القبائل بعد ذلك في دين الله أفواجًا وبهذا الفتح المبين ارتفعت راية الإسلام، واضمحلت ملة الأصنام، وكان الإخبار بفتح مكة قبل وقوعه، من أظهر الدلائل على صدق نبوته، عليه أفضل الصلاة والسلام قال سبحانه: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ﴾ الخطاب للنبي ﷺ . ﴿نَصْرُ اللهِ﴾ النصر هو العون والتأييد، وهو نصر الله يجيء به الله، وهو تسليط الله الإنسان على عدوه بحيث يتمكن منه ويخذله ويكبته. ﴿وَالْفَتْحُ﴾ معطوف على النصر، وعطفه على النصر مع أن الفتح من النصر تنويه بشأنه، والمراد بالفتح: فتح مكة. ﴿يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللهِ أَفْوَاجًا﴾ أي: جماعات جماعات، بعد أن كانوا يدخلون فيه أفرادًا, فإنه لما فتح رسول الله ﷺ مكة دخل الناس في دين الله أفواجًا وجماعات حتى كانت القبيلة تدخل بأسرها في الإسلام، والمعنى: إذا نصرك الله يا محمد على أعدائك، وفتح عليك مكة.

стр. 159

﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ﴾ أي: سبحه تسبيحًا ونزه تنزيهًا عما لا يليق به مقرونًا بالحمد والاستغفار، وفيه الجمع بين تسبيح الله المؤذن بالتعجب مما يسره الله مما لم يكن يخطر بباله ولا بال أحد من الناس، وبين الحمد له على جميل صنعه له وعظيم منته عليه بالنصر والفتح لمكة ودخول الناس أفواجًا. ﴿وَاسْتَغْفِرْهُ﴾ يعني: اسأله المغفرة تواضعًا لله واستقصارًا لعملك، والاستغفار من التقصير في حمد الله وشكره، فجهد الإنسان مهما كان ضعيف محدود، وآلاء الله دائمة العطاء والخير, وفي هذا إشارة إلى شكر الله على نصره وتأييده، وإظهار نعمة المنعم على عباده بالنصر والتأييد. ﴿إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ من شأنه التوبة على المستغفرين له، يتوب عليهم ويرحمهم بقبول توبتهم. فإن الاستغفار يتضمن وقاية شر الذنوب، وفي هذا ترغيب في الاستغفار، وحث على التوبة والأوبة، فهو سبحانه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين، وهذه السورة الكريمة فيها نعي النبي ﷺ ولهذا تسمى سورة "التوديع" وحين نزلت قال رسول الله ﷺ لعائشة: «ما أراد إلا حضور أجلي» وقال ابن عمر: نزلت هذه السورة بمنى في حجة الوداع ثم نزلت: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣] الآية، فعاش بعدهما النبي ﷺ ثمانين يومًا.

стр. 160

تفسير سورة المسد بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ * وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ * فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾. سورة المسد سورة مكية، فيها صور مما لاقاه النبي ﷺ حين قام بأمر الدعوة من الأذى والمشقة، فإنه ﷺ قام بالدعوة إلى الله خير قيام، وبذل في سبيلها الغالي والنفيس، ولما أنزل الله تعالى، ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] صعد النبي ﷺ الصفا فنادى: «يا صباحاه» فاجتمعت إليه قريش، فقالوا: مالك؟ قال: «أرأيتم لو أخبرتكم أن العدو مصبحكم أو ممسيكم أكنتم تصدقوني» قالوا: ما جربنا عليك كذبًا، قال: «فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد» فقال أبو لهب: تبًا لك ألهذا جمعتنا؟ فأنزل الله هذه السورة التي تحدث فيها عن هلاك "أبي لهب" عدو الله ورسوله قال تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ وهذا رد على أبي لهب حين جمعهم النبي ﷺ ليدعوهم إلى الله فبشر وأنذر، والمعنى: هلكت يداه وخسرت وخابت، والتباب الخسار. ﴿وَتَبَّ﴾ أي: وهلك هو. ﴿مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ﴾. ﴿مَا﴾ للنفي أي: لم يدفع عنه.

стр. 161

﴿مَالُهُ﴾ أي: ما جمع من مال ولا ما كسب من ربح وجاه ما حل به من التباب والخسران. ﴿وَمَا كَسَبَ﴾ قيل المعنى: وما كسب من الولد أو من مال. ﴿سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ﴾ أي: سوف يعذب في النار الملتهبة ويجد حرها ويذوقه، تحرق جلده، وهي ذات اشتعال وتوقد، وهي نار جهنم تحيط به من كل جانب. ﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾ يعني: كذلك امرأته معه، وهي امرأة من أشراف قريش، لكن لم يغنِ عنها شرفها شيئًا؛ لكونها شاركت زوجها في العداء والإثم، والبقاء على الكفر، وهي أم جميل بنت حرب أخت أبي سفيان. ﴿حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾. ﴿حَمَّالَةَ﴾ صيغة مبالغة أي: تحمله بكثرة. ﴿الْحَطَبِ﴾ وذكروا أنها كانت تحمل الحطب الذي فيه الشوك وتضعه في طريق النبي ﷺ من أجل أذى الرسول ﷺ . ﴿فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾ المسد: الليف الذي تفتل منه الجبال؛ كانت لها قلادة فاخرة من جوهر، فقالت: واللات والعزى لأنفقنها في عداوة محمد، فيكون جزاؤها أن يجعل في عنقها ذلك الحبل يوم القيامة مكان قلادتها جزاء وفاقًا.

стр. 162

تفسير سورة الإخلاص بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ * اللهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾. سورة الإخلاص سورة مكية، تعدل ثلث القرآن، قال ﷺ : «من قرأ قل هو الله أحد، فكأنما قرأ بثلث القرآن» رواه أحمد والنسائي. وفي السورة ذكر بعض صفات الله ، الواحد الأحد، الجامع لصفات الكمال، المقصود على الدوام، الغني عن كل ما سواه، المتنزه عن صفات النقص، وعن المجانسة والمماثلة، وردت على النصارى القائلين بالتثليث وعلى المشركين الذي جعلوا لله الذرية والبنين. وسبب نزولها ما رواه الترمذي عن أبي بن كعب ﵁، أن المشركين قالوا للنبي ﷺ : انسب لنا ربك: أي: اذكر لنا نسبه، فنزلت هذه السورة. ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ أي: قل يا محمد قولاً جازمًا، إن الله أحد، أي: واحد لا شريك له المنفرد بالكمال، الذي له الأسماء الحسنى والصفات الكاملة العليا. ﴿اللهُ أَحَدٌ﴾ أي: هو الله الذي تتحدثون عنه وتسألون عنه. ﴿أَحَدٌ﴾ أي: متوحد بجلاله وعظمته ليس له مثيل، وليس له شريك في ذاته وصفاته وأفعاله، بل هو متفرد بالجلال والعظمة .

стр. 163

﴿اللهُ الصَّمَدُ﴾ أي: الكامل في صفاته، الذي افتقرت إليه جمع مخلوقاته، السيد الذي كمل في سؤدده، والشريف الذي قد كمل في شرفه، والغني الذي قد كمل في غناه، المقصود في قضاء الحوائج. ﴿لَمْ يَلِدْ﴾ لم يتخذ ولدًا، وليس له أبناء وبنات؛ لأنه- جل وعلا- لا مثيل له ولكمال غناه. ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ لأنه- هو الأول الذي ليس قبله شيء فكيف يكون مولودًا؟ ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ أي: لم يكن له أحد مساويًا في جميع صفاته، فهو سبحانه لا يساويه أحد ولا يماثله، ولا يكافئه ولا يشاركه أحد في شيء من صفات كماله. وهذه السورة الكريمة مؤلفة من أربع آيات، وقد جاءت في غاية الإيجاز والإعجاز، وأوضحت صفات الجلال والكمال، ونزهت الله جل وعلا عن صفات العجز والنقص، فقد أثبتت الآية الأولى الوحدانية ونفت التعدد ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ وأثبت الثانية كماله تعالى ونفت النقص والعجز ﴿اللهُ الصَّمَدُ﴾ وأثبتت الثالثة أزليته وبقاءه ونفت الذرية والتناسل ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ وأثبتت الرابعة عظمته وجلاله ونفت الأنداد والأضداد ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾. فالسورة شاملة جامعة لإثبات صفات الجلال والكمال، وتنزيه الرب بأسمى صور التنزيه عن النقائص.

стр. 164

تفسير سورة الفلق بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ * وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ * وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ * وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾. سورة الفلق سورة مدنية؛ ذكر الله فيها أن الإنسان في هذه الدنيا معرض للابتلاء والمصائب، وقد مر على النبي ﷺ الشدائد والمخاطر في سبيل الدعوة إلى الله ، وهذه السورة والتي بعدها توجيه من الله للعياذ بكنفه واللياذ بحماه، وأن يستعيذوا بجلاله وسلطانه من كل مخوف، خافٍ وظاهر، مجهول ومعلوم، ومن ذلك أن اليهود سحروه ﷺ فأنزل الله المعوذتين فقرأهما ﵊، حتى انحل عنه السحر، فكأنما نشط من عقال ليس به بأس قال تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ﴾ أي يا محمد ﷺ وأمته معنية بهذا الخطاب، ألتَجِئُ وأعتصم وألوذ. ﴿بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ رب الفلق هو الله، والفلق الصبح، لأن الليل ينفق عنه. ﴿مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ أي: أعوذ بالله من شر جميع المخلوقات: يشمل شياطين الإنس والجن والهوام غير ذلك. ﴿وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾ وأعوذ به سبحانه من شر الليل إذا أقبل ودخل في كل شيء وأظلم، لأن الليل إذا أقبل فهو محل سلطان

стр. 165

الأرواح الشريرة الخبيثة، وفيه تنتشر الشياطين, وفيه تتسلط شياطين الإنس والجن ما لا تتسلط بالنهار، وقيل: أن الغاسق هو القمر. ﴿إِذَا وَقَبَ﴾ أي: أقبل. ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ أي: وأعوذ به من شر النساء الساحرات، يعقدن الحبال وغيرها، وتنفث بقراءة مطلسمة فيها أسماء الشياطين على كل عقدة تعقد بقصد السحر. ﴿وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ﴾ الحاسد هو الذي يكره نعمة الله على غيره، مبغض للناس على ما وهبهم الله من نعم، يريد زوالها عنهم، ولا يرضى بما قسمه الله تعالى له. ﴿إِذَا حَسَدَ﴾ ومن حسد الحاسد العين التي تصيب المُعان يكون هذا، وقد قيدها سبحانه بقوله: ﴿إِذَا حَسَدَ﴾ لأن الرجل قد يكون عنده حسد ولكن يخفيه، ولا يترتب عليه أذى بوجه ما، بل لا يجد في قلبه شيئًا من ذلك. وجاء في الآية ذكر الحاسد دون العائن, لأنه أعم، فكل عائن حاسد ولا بد، وليس كل حاسد عائن، فإذا استعاذ من شر الحاسد دخل فيه العائن وهذا من شمول القرآن وإعجازه وبلاغته. وهذا السور تضمنت الاستعاذة من أمور أربعة: أحدهما: شر المخلوقات التي لها شر عمومًا. الثاني: شر الغاسق إذا وقب. الثالث: شر النفاثات في العقد. الرابع: شر الحاسد إذا حسد.

стр. 166

فتضمنت الاستعاذة من هذه الشرور كلها بأوجز لفظ وأجمعه، وأدله على المراد، وأعمه استعاذة، بحيث لم يبق شر من الشرور، إلا دخل تحت الشر المستعاذ منه فيهما.

стр. 167

تفسير سورة الناس بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ * مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ * الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ * مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾. سورة الناس سورة مدنية، فيها الاستجارة والاحتماء برب الأرباب من شر أعدى الأعداء إبليس وأعوانه من شياطين الإنس والجن، فإنه ما من أحد من بني آدم إلا وله قرين من الجن يزين له الكفر والفسوق والعصيان، فعلى المسلم أن يدافع تلك الشياطين، وذلك بالالتجاء والاعتصام بالله سبحانه ليحفظه ويقيه شرهم، ومن ذلك قراءة هذه السورة العظيمة وفي الحديث أن النبي ﷺ : «كان ينفث على نفسه في المرض الذي مات فيه بالمعوذتين ...» وقد ذكر الله في هذه السورة ربوبيته للناس، وملكه لهم، وإلهيته لهم، فإضافة الربوبية المتضمنة لخلقهم وتدبيرهم وتربيتهم وإصلاحهم، وجلب مصالحهم، وما يحتاجون إليه، ودفع الشر عنهم وحفظهم مما يفسدهم، وأما إضافة الملك فهو ملكهم المتصرف فيهم، وهم عبيده ومماليكه وهو المتصرف لهم، المدبر لهم كما يشاء، النافذ القدرة فيهم، والإضافة الثالثة فهو إلههم الحق، ومعبودهم الذي لا إله سواه، ولا معبود لهم غيره قال تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ ﴿قُلْ﴾ أي يا محمد ﷺ وأمته معنية بهذا الخطاب.

стр. 168

﴿أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ أي: التجئ واعتصم، وأعوذ برب الناس وهو الذي رباهم بنعمه وهو الله . ﴿مَلِكِ النَّاسِ﴾ أي: الملك الذي له السلطة العليا في الناس، والتصرف الكامل وهو الله . ﴿إِلَهِ النَّاسِ﴾ أي: مألوههم ومعبودهم الحق الذي يتوجهون إليه بأنواع العبادة، فالمعبود حقًا الذي تألهه القلوب وتحبه وتعظمه. وهذه ثلاث صفات من صفات الرب : الربوبية، والملك والإلهية فهو رب كل شيء ومليكه وإلهه، وجميع الأشياء مخلوقة ومملوكة له، فأمر سبحانه المتعوذ أن يتعوذ بالمتصف بهذه الصفات. ﴿مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ * الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ * مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾. ﴿مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ﴾ هو الشيطان. ﴿الْخَنَّاسِ﴾ الذي يخنس وينهزم ويولي ويدبر عند ذكر الله ، وخنس: أي كف وأقصر. ﴿الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ﴾ وسوسته هي الدعاء إلى طاعته بإيحاء خفي يصل إلى القلب من غير سماع صوت ويلقي أحاديث السوء في النفوس ثم بين سبحانه الذي يوسوس بأنه ضربان: جني أو إنسي. ﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾. ﴿الْجِنَّةِ﴾ أي: الجن. والوساوس تكون من الجن، وتكون من بني آدم، أما وسوسة الجني فإنه يجري من ابن آدم مجرى الدم، وأما وسوسة بني آدم فما يوحي بعضهم

стр. 169

إلى بعض من الشر ويزينونه في قلوبهم. والمعنى: من شر الوسواس، ومن شر الناس، كأنه أمر أن يستعيذ من الجن والإنس، والسورة تتضمن الاستعاذة من العيوب التي أصلها كلها الوسوسة. وقد جاءت الاستعاذة في هاتين السورتين باسم الرب والملك والإله، وجاءت الربوبية فيها مضافة إلى الخلق وإلى الناس، ولا بد من أن يكون ما وصف به نفسه في هاتين السورتين يناسب الاستعاذة المطلوبة، ويقتضي دفع الشر المستعاذ منه أعظم مناسبة وأبينها. وقد جاء في الحديث عن عائشة ﵂ قالت: "كان رسول الله ﷺ إذا أوى إلى فراشه جمع كفيه ونفث فيهما وقرأ "قل هو الله أحد" و"المعوذتين" ثم مسح بهما ما استطاع من جسده، يبدأ برأسه ووجهه وما أقبل من جسده، يفعل ذلك ثلاثًا" رواه أهل السنن.