← Тафсир

Тафсир · id 14536

تفسير القرآن العظيم - جزء عم

عبد الملك بن قاسم

Полный текст (169 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

﴿فَأَلْهَمَهَا﴾ أي: الله ألهم هذه النفوس وعرفها وأفهمها. ﴿فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ أي: عرفها، وأفهمهما طريق الخير وطريق الشر، وعلمها الطاعة والمعصية، وما فيهما من الحسن والقبح، والفجور هو ما يقابل التقوى. ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ جواب القسم والتقدير: لقد أفلح أي: فاز بالمطلوب ونجا من المرهوب، من زكى نفسه وأعلاها بالتقوى. ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ أي: خسر من أرداها في المهالك والمعاصي والكفر والفسوق. والمعنى: قد أفلح من زكى نفسه بطاعة الله، وخاب من دساها بالمعاصي، فالطاعة تزكي النفس وتطهرها، فترتفع والمعاصي تدسي النفس، وتقمعها فتنخفض وتصير كالذي يدس في التراب. وبعد هذه الآيات الكريمة ساق الله قصة ثمود الذين بعث إليهم نبيه صالحًا ﵇ فكذبوه وعصوا أمره وخالفوه وما جرى من وقوع العذاب عليهم فقال تعالى. ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا * إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا * فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ نَاقَةَ اللهِ وَسُقْيَاهَا * فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا * وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا﴾. ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ﴾ ثمود اسم قبيلة، ونبيهم صالح ﵊ وديارهم في الحجر معروفة في طريق الناس، هؤلاء كذبوا نبيهم صالحًا بسبب الطغيان، حملهم على التكذيب، والطغيان مجاوزة الحد في المعاصي.

стр. 107

﴿بِطَغْوَاهَا﴾ أي: بأجمعها. ﴿إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا﴾ هذا بيان للطغيان الذي ذكره الله وذلك حين. ﴿انْبَعَثَ﴾ يعني: انطلق بسرعة لعقر الناقة. ﴿أَشْقَاهَا﴾ أي: أشقى ثمود. ﴿فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ﴾ صالح ﵇ محذرًا وفي هذا إيضاح لمهمة الرسل وأنهم يجاهدون أقوامهم ويدلونهم على الخير. ﴿نَاقَةَ اللهِ وَسُقْيَاهَا﴾ أي: ذروا ناقة الله، وحذرهم أن يعقروها. ﴿وَسُقْيَاهَا﴾ شربها من الماء، فلا تتعرضوا له يوم شربها. ﴿فَكَذَّبُوهُ﴾ أي: كذبوا صالحًا فيما حذرهم منه من نزول العذاب إن فعلوا. ﴿فَعَقَرُوهَا﴾ أي: فذبحوا الناقة، عقرًا حصل به الهلاك. ﴿فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ﴾ أطبق عليهم فأهلكهم بسبب ذنوبهم، دمر عليهم وعمهم بعقابه، وأرسل عليهم الصيحة من فوقهم والرجفة من تحتهم فأصبحوا جاثمين على ركبهم، لا تجد منهم داعيًا ولا مجيبًا والدمدمة: هلاك باستئصال. ﴿فَسَوَّاهَا﴾ أي: فسوى الأرض عليهم, فجعلت تحت التراب. ﴿وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا﴾ يعني: أن الله لا يخاف من عاقبة هؤلاء الذين عذبهم وكيف يخاف وهو القادر القاهر الجبار الحكيم في كل ما قضاه وشرعه .

стр. 108

تفسير سورة الليل بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى * وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى * إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى * فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى * وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى * إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى * وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى * فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى * لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى * الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى * وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى * الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى * وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى * إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى * وَلَسَوْفَ يَرْضَى *﴾. سورة الليل سورة مكية، جلى فيها حكمته وعدله وسبق ذلك بذكر بديع صنعه في الأكوان، وذكر أن من تمام عدله وحكمته أنه لا يضيع عمل المحسن ولا يغفل عمل المسيء، ومن ذلك أن يوفق المحسن للاستزادة من عمل الخير، ويحرم المسيء من الهداية لأفعال الخير فيستمر في أعمال الشر، وابتدأت السورة الكريمة بالقسم بالليل إذا غشي الخليقة بظلامه وبالنهار إذا أنار الوجود بإشراقه وضيائه، وبالخلق العظيم الذي أوجد النوعين الذكر والأنثى، أقسم على أن عمل الخلائق مختلف وطريقهم متباين قال تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى * وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى * إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى * فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى * وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى﴾

стр. 109

﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ الواو للقسم، أقسم الله بالليل إذا يغشى يعني حين يغشى الأرض ويغطيها بظلامه. ﴿وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى﴾ أي: إذا ظهر وبان وانكشف، فاستضاء الخلق بنوره. ﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾ ما هنا هي الموصولة، أي: والذي خلق الذكر والأنثى، وهذا منه تعالى إقسام بخلقه لجنسي الذكر والأنثى بني آدم وغيرهم. ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾ هذا جواب القسم، يعني: إن عملكم. ﴿لَشَتَّى﴾ أي: لمتفرق تفرقًا عظيمًا، فمنه عمل للجنة، ومنه عمل للنار فساع في فكاك نفسه، وساع في عطبها. ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾. ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى﴾ أي: أعطى ما أمر بإعطائه من مال، أو جاه، أو علم في وجوه الخير. ﴿وَاتَّقَى﴾ اتقى ما أمر باتقائه من المحرمات. ﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾ صدق بالقولة الحسنى، وهي قول الله وقول رسوله ﷺ بالخلف والعاقبة الحسنة من الله. ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ السين: هنا للتحقيق, أي: أن من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسيسره الله لليسرى في أموره كلها، في أمور دينه ودنياه، نزلت هذه الآيات في أبي بكر الصديق: اشترى ستة عبيد من المؤمنين كانوا في أيدي أهل مكة، يعذبونهم في الله فأعتقهم. ﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ﴾ بماله، فلم يعط ما أمر بإعطائه فترك الإنفاق الواجب والمستحب، ولم تسمح نفسه بأداء ما أوجب الله.

стр. 110

﴿وَاسْتَغْنَى﴾ استغنى عن الله، ، ولم يتق ربه، بل رأى أنه في غني عن رحمة الله، وزهد في الأجر والثواب. ﴿وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى﴾ أي: بالقولة الحسنى، وهي قول الله تعالى وقول رسوله ﷺ . ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ ييسر للعسرى في أموره كلها فتتعسر عليه أسباب الخير والصلاح، ويضعف عن فعلها، فيؤديه ذلك إلى النار. ﴿وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ﴾ يعني: أي شيء يغني عنه ماله إذا بخل به. ﴿إِذَا تَرَدَّى﴾ أي: هلك فأي شيء يغني المال؟ لا يغني شيئًا. ثم ذكر جل وعلا، ما كتبه على نفسه، فضلاً منه بعباده ورحمة أن يبين الهدى لفطرة الناس ووعيهم، فلا تكون هناك حجة لأحد ولا يكون هناك ظلم لأحد قال تعالى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى * وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى * فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى * لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى * الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى * وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى * الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى * وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى * إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى * وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾. ﴿إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى﴾ فيه التزام من الله ، أن يبين للخلق ما يهتدون به إليه، وذلك بإرسال الرسل وإنزال الكتب. ﴿وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى﴾ يعني: لنا الآخرة والأولى وكل ما في الدنيا نتصرف به كيف نشاء، الأولى متقدمة على الآخرة في الزمن، ولكنه في هذه الآية أخرها. ولما ذكر الله في الآيات السابقة انقسام الناس إلى مصدق ومكذب، وباذل وممسك، ذكر جزاءهما في الآخرة فقال تعالى:

стр. 111

﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى﴾. ﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا﴾ أي فحذرتكم يا أهل مكة نار الآخرة. ﴿تَلَظَّى﴾ تشعل وتتوقد وتتوهج. ﴿لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى﴾. ﴿لَا يَصْلَاهَا﴾ يعني: لا يحترق بها ولا يجد صلاها وهو حرها. ﴿إِلَّا الْأَشْقَى﴾ يعني: الذي قدرت له الشقاوة، والشقاوة ضد السعادة وهو المكذب بالدين والمعرض عنه. ﴿الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ أي: كذب بالحق الذي جاءت به الرسل. ﴿وَتَوَلَّى﴾ يعني: أعرض عن طاعة الله، وأعرض عما جاءت به رسله فهذا هو الشقي. ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا﴾ أي: يجنب هذه النار التي تلظى ويبعد عنها. ﴿الْأَتْقَى﴾ والأتقى اسم تفضيل من التقوى يعني الذي اتقى الله تعالى حق تقاته. ﴿الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى﴾ يعني: يعطي ماله من يسحقه على وجه يتزكى به، أي: يطلب بذلك أن يكون عند الله زكيًا. ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى﴾ أي: إنه لا يتصدق بماله ليجازي بصدقته نعمةً لأحد من الناس عنده ويكافئه عليها. ﴿إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى﴾ فهو لا ينفق إلا طلب وجه الله، ولهذا كان من كمال الإخلاص أن لا يجعل العبد عليه منه لأحد من الناس، لتكون معاملته كلها لله ابتغاء وجهه، وطلب مرضاته، فكما أن هذه الغاية أعلى الغايات وهذا المطلوب أشرف المطالب، فهذا الطريق أقصر الطرق إليه وأقربها وأقومها.

стр. 112

﴿وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾ يعني سوف يرضيه الله بما يعطيه من الثواب الكثير والجزاء العظيم.

стр. 113

تفسير سورة الضحى بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى * وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى * وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى * أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى * وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى * وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى * فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ * وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ * وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾. سورة الضحى سورة مكية، تتناول شخصية النبي ﷺ وما حباه الله من الفضل والإنعام في الدنيا والآخرة، ليشكر الله على تلك النعم الجليلة. وسبب نزولها أن النبي ﷺ كان يقوم من الليل يصلي لله ويناجيه وفي ليلة مرض ﷺ فلم يقم لصلاة الليل ليلتين أو ثلاثًا واحتبس عنه الوحي، فأتته امرأة مشركة من قومه هي أم جميل امرأة أبي لهب، فقالت: يا محمد: ما أرى شيطانك إلا قد تركك، لم يقربك ليلتين أو ثلاثًا فأنزل الله هذه السورة، وكلها نجاء له من ربه، وتسرية وتسلية وتطمئن، وقد أقسم في هذه السورة بالضحى، والليل إذا سجى، على إنعامه على رسوله ﷺ وإكرامه له وإعطائه ما يرضيه وذلك متضمن لتصديقه له، فهو قسم على صحة نبوته، وعلى جزائه في الآخرة، فهو قسم على النبوة والمعاد، وأقسم بآيتين عظيمتين من آياته دالة على ربوبيته، وحكمته ورحمته، وهما الليل والنهار، وتأمل مطابقة هذا القسم وهو نور الضحى الذي يوافي بعد الظلام للمقسم عليه، وهو نور الوحي الذي وافاه بعد احتباسه عنه، وكذلك فإن فالق ظلمة الليل عن ضوء

стр. 114

النهار، هو الذي فلق ظلمة الجهل والشرك بنور الوحي والنبوة، وكذلك فإنه سبحانه اقتضت رحمته أن لا يترك عباده في ظلمة الليل سرمدًا، بل هداهم بضوء النهار إلى مصالحهم ومعايشهم لا يليق به أن يتركهم في ظلمة الجهل والغي، بل يهديهم بنور الوحي والنبوة إلى مصالح دنياهم وآخرتهم قال تعالى: ﴿وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى * وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى * وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى * أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى * وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى * وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى * فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ * وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ * وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾. ﴿وَالضُّحَى﴾ أقسم الله بالضحى هو أول النهار، وهو اسم لوقت ارتفاع الشمس. ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ وأقسم كذلك بالليل إذا سجى، أي: الليل إذا غطى الأرض وسدل عليها ظلامه. ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ﴾ جواب القسم، أي: ما تركك وأهملك وما قطعت قطع المودع، ولم يقطع عنك الوحي، بل أنت في عنايته ورعايته سبحانه. ﴿وَمَا قَلَى﴾ أي: وما أبغضك. ﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى﴾ هذه الجملة مؤكدة باللام، لام الابتداء وما زال ﷺ يصعد في درج المعالي في الدنيا، ويمكن له الله دينه وينصره على أعدائه، ويسدد له أحواله ثم في الآخرة الجنة خير لك من الدنيا، هذا مع ما قد أوتي في الدنيا من شرف النبوة، والآخرة باقية والدنيا فانية.

стр. 115

﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾. ﴿وَلَسَوْفَ﴾ اللام هذه أيضًا للتوكيد، وهي موطئة للقسم. ﴿يُعْطِيكَ رَبُّكَ﴾ أي: يعطيك ما يرضيك فترضى، الفتح في الدين، والثواب والحوض والشفاعة لأمته في الآخرة فترضى، ثم امتن عليه بما يعلمه من أحواله الخاصة، وشرع في تعداد ما أفاضه الله عليه من النعم فقال سبحانه. ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى﴾ الاستفهام هنا للتقرير، يعني قد وجدك الله تعالى يتيمًا فآواك يتيمًا من الأب، ويتيمًا من الأم فإن أباه ﷺ توفي قبل أن يولد فضمك إلى من يكفلك ويرعاك. ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾. ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا﴾ أي: غير عالم، لم تكن تدري القرآن ولا الشرائع، فهداك لذلك. ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا﴾ أي: وجدك فقيرًا ذا عيال لا تملك شيئًا. ﴿فَأَغْنَى﴾ أي: أغناك وأغنى بك بما أعطاك من الرزق، وفي مقابل هذه النعم، عليك بشكرها وأداء حقها، فهو سبحانه قرر بنعم ثلاث وأتبعهن بوصايا ثلاث، كل واحدة من الوصايا شكر النعمة التي قوبلت بها فإحداهن ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ﴾ هذا في مقابلة: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا﴾ فلا تتسلط على اليتيم بالظلم لضعفه بل ادفع إليه حقه واذكر يتمك. ﴿وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ﴾ هذا في مقابل ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ لا تنهر السائل إذا سألك فقد كنت فقيرًا, فإما أن تطعمه وإما أن ترده ردًا لينًا ويدخل في هذا السائل للعلم والسائل للمال.

стр. 116

﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ فقابلها بقوله: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾. ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ نعمة الله تعالى على الرسول ﷺ التي ذكرت في هذه الآيات ثلاث نعم: وأمره الله سبحانه بالتحدث بنعم الله عليه وإظهارها بينهم، والتحدث بنعمة الله شكر. والفرق بين التحدث بنعم الله والفخر بها: أن المتحدث بالنعمة مخبر عن صفات وليها ومحض جوده، وإحسانه فهو مثن عليه بإظهارها والتحدث بها شاكر له، ناشر لجميع ما أولاه، مقصوده بذلك إظهار صفات الله ومدحه والثناء عليه، وبعث النفس على الطلب منه دون غيره، وعلى محبته ورجائه فيكون راغبًا إلى الله بإظهار نعمه ونشرها والتحدث بها وأما الفخر بالنعم فهو أن يستطيل بها على الناس، ويريهم أنه أعز منهم وأكبر فيركب أعناقهم ويستعبد قلوبهم ويستميلها إليه بالتعظيم والخدمة، وكذلك كسر قلوبهم والتفاخر بأنه هو المستحق لها دونهم.

стр. 117

تفسير سورة الشرح بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ * وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ * الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ * وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ * فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾. سورة الشرح سورة مكية، تتحدث عن مكانة الرسول الجليلة، ومقامه الرفيع عند الله تعالى، وقد ذكر الله فيها ما وقع للنبي ﷺ من أحداث، فبينما كان النبي ﷺ وهو صغير يلعب مع الصبيان، إذ جاءه جبريل ﵇، فألقاه على ظهره ثم شرح (شق) صدره واستخرج قلبه وشقه، وأخرج منه قطعة سوداء وقال: هذا حظ الشيطان منك، ثم غسل قلبه بماء زمزم في طست من ذهب، ثم أعاده إلى مكانه يقول أنس بن مالك ﵁: بقي أثر المخيط في صدره ﷺ فحصل بذلك شرح صدر النبي ﷺ حسيًا بشقه وإخراج القطعة السوداء من قلبه، كما شرح صدره معنويًا بنور الإيمان والنبوة، وقد امتن الله على نبيه ﷺ ذلك فقال : ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ * وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ * الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ * وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ * فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾. ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ هذا الاستفهام استفهام تقرير، ذكر موضحًا ومبينًا نعمته على نبينه محمد، يا محمد، قد شرحنا لك

стр. 118

صدرك لقبول النبوة، ومن هنا قام بما قام به من الدعوة، وقدر على حمل أعباء النبوة وتكاليفها. ﴿وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ﴾ وضعناه أي: طرحناه، وعفونا، وسامحنا، وتجاوزنا عنك، وقد غفر للنبي ﷺ ما تقدم من ذنبه وما تأخر. ﴿وِزْرَكَ﴾ أي: إثمك. ﴿الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ﴾ يعني: أقضه وآلمه وأثقله. ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ في الدنيا والآخرة. ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ هذا بشارة من الله للرسول ﷺ ولسائر الأمة، فإن مع الضيق سعة، ومع الشدة رخاء ومع الكرب فرج. ﴿إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ أي: إن مع ذلك العسر المذكور سابقًا يسرًا آخر وهذا من نعم الله . ﴿* فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ﴾ أي: إذا فرغت من أعمالك وصلاتك، أو من التبليغ، فاجتهد في الدعاء، واطلب من الله حاجتك، أو فانصب في العبادة. ﴿وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ أي: اضرع إليه وحده سبحانه رهبًا من النار راغبًا في الجنة. ﴿فَارْغَبْ﴾ أي: فانصب لعمل آخر، يعني اتعب لعمل آخر، واجعل رغبتك إليه خصوصًا، ولا تسأل إلا فضله متوكلاً عليه، مفوضًا أمرك له.

стр. 119

تفسير سورة التين بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ * وَطُورِ سِينِينَ * وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ * لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ * ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ * فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ * أَلَيْسَ اللهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ سورة التين سورة مكية، امتن الله فيها على عباده أن خلقهم في أحسن صورة وأفضلها، مؤكدًا بهذا نعم الله عليهم، ومؤكدًا ومدللاً أن من خلق هذه الخلق وسواها قادر على بعث الإنسان بعد موته، كما أنه بحكمته وعدله خلق هذا الكمال في الإنسان, ولم يتركه هملاً فلا يكلفه ولا يجازيه على عمله، فاقتضت حكمته سبحانه أن يبعثهم ويجازيهم على أعمالهم وابتدأت السورة بالقسم بالبقاع المقدسة والأماكن المشرفة، التي خصها الله تعالى بإنزال الوحي فيها على أنبيائه ورسله على أنه تعالى كرم الإنسان فخلقه في أجمل صورة وأبدع شكل قال تعالى: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ * وَطُورِ سِينِينَ * وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ * لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ * ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ * فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ * أَلَيْسَ اللهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾. ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ * وَطُورِ سِينِينَ * وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾ أقسم الله تعالى بهذه الأشياء الأربعة: التين، والزيتون وطور سنين وهذا البلد الأمين يعني: مكة.

стр. 120

﴿وَالتِّينِ﴾ هو الثمر المعروف الذي يأكله الناس. ﴿وَالزَّيْتُونِ﴾ الذي يعصرون منه الزيت، وأقسم الله بهما لبركتهما وعظيم منفعتهما, ولأنهما يكثران في فلسطين. ﴿وَطُورِ سِينِينَ﴾ أقسم الله به لأنه الجبل الذي كلم الله عنده موسى ﷺ وهو طور سيناء ذو الشجر الكثير، الحسن المبارك، سمي "سينين" و"سيناء" الحسنة ولكونه مباركًا. ﴿وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾ أقسم الله بالبلد الأمين وهو مكة، لأنها أحب البقاع إلى الله، وأشرف البقاع عند الله وهي البلد التي يأمن فيها من دخلها على نفسه وماله كأنما يقسم الله تعالى بهذه المواضع الثلاثة, لأنها مهابط وحي الله تعالى على موسى وعيسى ومحمد ﵈ وفيها أنزلت الكتب السماوية الثلاثة. ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ هذا هو المقسم عليه، أقسم الله تعالى أنه خلق الإنسان في أحسن تقويم، خلقه مديد القامة يتناول مأكولة بيده، وخلقه عالمًا متعلمًا مدبرًا حكيمًا. ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾ هذه الردة التي ذكرها الله تعني أن الله تعالى يرد الإنسان أسفل سافلين خلقة، يرد إلى أرذل العمر، وهو الهرم والضعف بعد الشباب والفتوة. ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ هذا استثناء من قوله: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾ يعني: إلا المؤمنين الذين آمنوا وعملوا الصالحات, فإنهم لا يردون إلى أسفل السافلين، لأنهم متمسكون بإيمانهم وأعمالهم، فيبقون عليها إلى أن يموتوا. ﴿فَلَهُمْ أَجْرٌ﴾ أي ثواب وجزاء.

стр. 121

﴿غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ غير مقطوع، ولا ممنون به أيضًا، بل لذات متوافرة وأفراح متواترة، ونعم متكاثرة. ﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ﴾ أي: أي شيء يكذبك أيها الإنسان بيوم الجزاء بعد هذا البيان وهذا الإيضاح، والاستفهام للتقريع والتوبيخ وإلزام الحجة. ﴿بِالدِّينِ﴾ أي: بما أمر الله به من الدين. ﴿أَلَيْسَ اللهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ هذا الاستفهام للتقرير، يقرر الله أنه أحكم الحاكمين قضاء وعدلاً لا يجور ولا يظلم أحدًا وفيه وعيد شديد للكفار. وفي هذا تقرير لمضمون السورة، من إثبات النبوة، والتوحيد والمعاد وحكمه بتضمن نصره لرسوله على من كذبه، وجحد ما جاء به، بالحجة والقدرة والظهور عليه، وحكمه بين عباده في الدنيا بشرعه، وأمره، وحكمه بينهم في الآخرة بثوابه وعقابه، وإن أحكم الحاكمين لا يليق به تعطيل هذه الأحكام بعدما ظهرت حكمته في خلق الإنسان في أحسن تقويم، ونقله في أطوار التخليق حالاً بعد حال، إلى أكمل الأحوال، فكيف يليق بأحكم الحاكمين، أن لا يجازي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته؟ وهل ذلك إلا قدح في حكمه وحكمته، فسبحانه وتعالى من حكيم.

стр. 122

تفسير سورة العلق بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿اقْرَا بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَا وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ * كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى * إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى * أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى * عَبْدًا إِذَا صَلَّى * أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى * أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى * أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى * أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللهَ يَرَى * كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ * نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ * فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ * سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ * كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾. سورة اقرأ سورة مكية، وهذه الآيات أول ما نزل على الرسول ﵊، من القرآن الكريم، نزلت عليه وهو يتعبد في غار حراء حيث كان يقضي الأيام والليالي متعبدًا لله منعزلاً عن الناس فجاءه جبريل فقال له: اقرأ فقال: ما أنا بقارئ فعل ذلك ثلاث مرات ثم قال له: ﴿اقْرَا بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَا وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾. ﴿اقْرَا بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ أي: اقرأ يا محمد. ﴿بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ قيل معناه مبتدئًا باسم ربك، وقيل: مستعينًا باسم ربك. ﴿الَّذِي خَلَقَ﴾ أي: خلق كل شيء، وفي هذا تذكير بالنعمة. ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾ خص الله تعالى خلق الإنسان تكريمًا

стр. 123

للإنسان وتشريفًا له لما أودعه من عجائبه وآياته الدالة على ربوبيته وقدرته وعلمه وحكمته وكمال رحمته، وأنه لا إله غيره ولا رب سواه. ﴿مِنْ عَلَقٍ﴾ اسم جمع علقة، كشجر اسم جمع شجرة، والعلق: عبارة عن دم جامد معلق في رحم المرأة، وهذا هو المنشأ الذي به الحياة يبدأ نطفة ثم يحول بقدرة الله إلى علقة. ﴿اقْرَا وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ﴾ أي: من كرمه وجوده وإحسانه أن يمكنك من القراءة وأنت أمي، وقد دل على كمال كرمه أنه علم العباد ما لم يعلموا. ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ﴾ لأن التعليم بالقلم أكثر ما يعتمد الشرع، وهو الأكثر نفعًا والأطول بقاء، فما دونت العلوم، ولا قيدت الحكم، ولا ضبطت أخبار الأولين، ولا كتب الله المنزلة إلا بالكتابة. ﴿عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ أي: علمه بالقلم من الأمور ما لم يعلم منها، فدل على كمال كرمه، بأنه علم عباده ما لم يعلموا، ونقلهم من ظلمة الجهل إلى نور العلم. ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى * إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى * أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى * عَبْدًا إِذَا صَلَّى * أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى * أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى * أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى * أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللهَ يَرَى * كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ * نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ * فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ * سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ * كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾. ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى﴾. ﴿كَلَّا﴾ بمعنى حقًا. ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ كل إنسان من بني آدم إذا رأى نفسه استغنى، فإنه يطغى ويتكبر ويتمرد، من الطغيان وهو مجاوزة الحد.

стр. 124

﴿أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ أي: من أجل أن رأى نفسه غنيًا، وأصبح ذا ثروة ومال أشر وبطر، ثم توعده وتهدده بقوله: ﴿إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى﴾ أي: المرجع، أي: مهما طغيت أيها الإنسان وعلوت واستكبرت واستغنيت فإن مرجعك إلى الله بعد الموت. ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى﴾ تعجب من حال هذه الرجل الذي ينهى عبدًا إذا صلى، أي: أخبرني عن حال هذا الرجل. ﴿عَبْدًا إِذَا صَلَّى﴾ الذي ينهى، هو أبو جهل، قيل له: إن محمدًا يصلي عند الكعبة أمام الناس، يفتن الناس ويصدهم عن أصنامهم وآلهتهم، فمر به ذات يوم وهو ساجد فنهى النبي ﵊ وقال: لقد نهيتك فلماذا تفعل؟ فانتهره النبي ﵊ فرجع ثم قيل لأبي جهل: إنه- أي: محمدًا ﷺ ما زال يصلي فقال: والله لئن رأيته لأطأن عنقه بقدمي، ولأعفرن وجهه بالتراب، فلما رآه ذات يوم ساجدًا تحت الكعبة وأقبل عليه يريد أن يبر بيمينه وقسمه، لما أقبل عليه وجد بينه وبينه خندقًا من النار وأهوال عظيمة، فنكص على عقبيه وعجز أن يصل إلى رسول الله ﷺ . ﴿أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى﴾. ﴿أَرَأَيْتَ﴾ يعني: أخبرني أيها المخاطب إن كان هذا الساجد محمد ﷺ على الهدى فكيف تنهاه عنه. ﴿أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى﴾ أي: أو أمر غيره بالإخلاص والتوحيد والعمل الصالح الذي تتقي به النار. ﴿أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ﴾ أي: الناهي بالحق.

стр. 125

﴿وَتَوَلَّى﴾ عن الأمر، أما يخاف الله ويخشى عقابه. ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللهَ يَرَى﴾ يعني يرى المنهي وهو الساجد محمد ﷺ الآمر بالتقوى، ويرى هذا العبد الطاغية الذي ينهى عبدًا إذا صلى. ﴿كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ﴾. ﴿كَلَّا﴾ هذه بمعنى حقًا، ويحتمل أن تكون للردع والزجر، والله لئن لم ينه لنسفعًا بالناصية. ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ﴾ عما هو فيه من الضلال. ﴿لَنَسْفَعًا﴾ أي: لنأخذن بشدة. ﴿بِالنَّاصِيَةِ﴾ الناصية: شعر مقدم الرأس، نأخذها بشدة ويجر بها إلى النار. ﴿نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ﴾ أي: صاحبها. ﴿كَاذِبَةٍ﴾ أي: أنها موصوفة بالكذب في قولها. ﴿خَاطِئَةٍ﴾ أي: مرتكبة للخطأ عمدًا في فعلها. ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ﴾ يعني: إن كان صادقًا وعنده قوة، وعنده قدرة فليدعُ ناديه، والنادي هو مجتمع القوم ومجلسهم، قيل: إن أبا جهل قال لرسول الله ﷺ أتهددني وأنا أكثر أهل الوادي ناديا وقومًا وعشيرة! فنزلت. ﴿سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾ الزبانية ملائكة النار الغلاظ الشداد. ﴿كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾. ﴿كَلَّا لَا تُطِعْهُ﴾ أي: لا تطع هذا الذي ينهاك عن الصلاة. ﴿وَاسْجُدْ﴾ أي: صلِّ لله واسجد ولا تبالِ به غير مكترث به. ﴿وَاقْتَرِبْ﴾ أي: اقترب من الله بالطاعة والعبادة.

стр. 126

تفسير سورة القدر بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ * تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ * سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾. سورة القدر سورة مكية، تحدثت عن بدء نزول القرآن العظيم، وذكر الله فيها من كرمه وجوده بعض ما خص به هذه الأمة من فضائل عظيمة، ولعلمه، سبحانه بقصر أعمارهم، عوضهم من الأيام ما يوافي أجورًا عظيمة، ومن ذلك ليلة القدر التي العمل فيها خير من ألف شهر فقال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ * تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ * سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾. ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾. ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ﴾ الضمير هنا يعود إلى الله ، والهاء في قوله. ﴿أَنْزَلْنَاهُ﴾ يعود إلى القرآن، الذي عظمه سبحانه حيث أسند إنزاله إليه دون غيره. ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ تبين أن ليلة القدر في رمضان، والقدر هو الشرف والفضل، ثم فخم شأنها وعظم قدرها فقال:

стр. 127

﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ *﴾ تعظيم وتفخيم لأمرها، أي: ما أعلمك ليلة القدر وشأنها وشرفها وعظمها، وسميت ليلة القدر لأن الله سبحانه يقدر فيها ما شاء من أمره إلى السنة القابلة. ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ *﴾ أي: العمل فيها، وهي ليلة واحدة، خير من العمل في ألف شهر. ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا﴾ أي: تنزل شيئًا فشيئًا؛ لأن الملائكة سكان السموات، والسموات سبع، فتتنزل الملائكة إلى الأرض شيئًا فشيئًا حتى تملأ الأرض. ﴿وَالرُّوحُ﴾ هو جبريل ﵇ خصه الله بالذكر لشرفه وفضله. ﴿بِإِذْنِ رَبِّهِمْ﴾ أي: بأمره . ﴿مِنْ كُلِّ أَمْرٍ﴾ أي: بكل أمر، مما يأمرهم الله به. ﴿* سَلَامٌ هِيَ﴾ أي: هذه الليلة سلام، ووصفها الله تعالى بالسلام لكثرة من يسلم فيها من الآثام وعقوباتها. ﴿حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ تتنزل الملائكة في هذه الليلة حتى مطلع الفجر، أي: إلى مطلع الفجر وانبثاقه، وإذا طلع الفجر انتهت ليلة القدر.

стр. 128

تفسير سورة البينة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَاتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ * رَسُولٌ مِنَ اللهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً * فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ * وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ * وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ * إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ * إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ * جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾. سورة البينة سورة مدنية ذكر الله فيها أحوال الأمم السابقة، فإنه قبل مبعث النبي ﷺ كان الناس يعيشون في ظلمات الكفر والشرك من عبادة الأصنام والنجوم والكواكب، والأشجار والأحجار فبعث الله محمدًا هاديًا ومبشرًا بهذا الدين العظيم، دين الفطرة الذي ارتضاه الله لعباده، وابتدأت السورة الكريمة بالحديث عن اليهود والنصارى، وموقفهم من دعوة رسول الله ﷺ بعد أن بان لهم الحق وسطعت أواره وبعد أن عرفوا أوصاف النبي المبعوث آخر الزمان، وكانوا ينتظرون بعثته ومجيئه فلما بعث خاتم الرسل كذبوا برسالته وكفروا وعاندوا قال تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَاتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ * رَسُولٌ مِنَ اللهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً * فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ * وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ * وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ

стр. 129

الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ *﴾ ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ﴾. ﴿لَمْ يَكُنِ﴾ يعني: ما كان الكفار. ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بمحمد ﷺ . ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ اليهود وكتابهم التوراة، والنصارى وكتابهم الإنجيل. ﴿وَالْمُشْرِكِينَ﴾ المشركون هم عبدة الأوثان من كل جنس من بني إسرائيل ومن العرب ومن غيرهم. ﴿مُنْفَكِّينَ﴾ أي: تاركين لما هم عليه من الشرك والكفر ولا منتهين عنه. ﴿حَتَّى تَاتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ أي: إلى أن تأتي البينة؛ والبينة: ما بين به الحق في كل شيء، وهو القرآن ومحمد ﷺ . ﴿رَسُولٌ﴾ هو النبي محمد ﷺ وذكره باسم الرسول تعظيمًا له. ﴿مِنَ اللهِ﴾ يعني: أن الله أرسله إلى العالمين بشيرًا ونذيرًا. ﴿يَتْلُو﴾ يقرأ لنفسه وللناس. ﴿صُحُفًا﴾ جمع صحيفة، وهي الورقة أو اللوح أو ما أشبه ذلك مما يكتب به. ﴿مُطَهَّرَةً *﴾ أي: منقاة من الشرك والباطل، ومن رذائل الأخلاق مصونة عن التحريف واللبس. ﴿فِيهَا﴾ أي: في هذه الصحف. ﴿كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ كتب: أي مكتوبات قيمة من الآيات والأحكام، والقيمة: المستقيمة المستوية المحكمة.

стр. 130

﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ أي: أن تفرقهم واختلافهم لم يكن لاشتباه الأمر، بل كان بعد وضوح الحق، وظهور الصواب، ثم بعث الله محمدًا فآمن به بعضهم وكفر آخرون. ﴿وَمَا أُمِرُوا﴾ في الكتب المنزلة، وفي القرآن أيضًا، وهذا يبين أن الأدباء السماوية أصلها واحد. ﴿إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ ليلتزموا بعبادة الله، وتكون عبادتهم له خالصة لا يشركون به شيئًا. ﴿حُنَفَاءَ﴾ مائلون من الشرك إلى التوحيد، مستقيمون على ملة إبراهيم ﵇ ودين محمد ﷺ . ﴿وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ﴾ أي: يفعلوا الصلوات في أوقاتها ويعطوا الزكاة عند محلها، وخص الصلاة والزكاة، لأنهما من أعظم أركان الدين. ﴿وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ أي: إن ذلك الدين هو دين الملة المستقيمة من الإخلاص والصلاة والزكاة، فلا ينبغي التفرق عنه. ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ * إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ * جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾. بين الله تعالى في أول السورة كفر اليهود والنصارى والمشركين، وأن أهل الكتاب من اليهود والنصارى, كانوا ينتظرون بعث النبي ﷺ فلما بعث تفرقوا فيه فمنهم من آمن به، وكفر به أكثرهم، وكذلك الناس منهم المؤمن والكافر به، ﵊ وهذه الآيات تبين مآل الفريقين

стр. 131

وجزاءهم كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾ بين الله تعالى في هذه الآية بيانًا مؤكدًا بـ (إن) إن الذين كفروا من أهل الكتاب وهم اليهود والنصارى، والمشركين وهم عباد الأوثان والأصنام وغيرها. ﴿فِي نَارِ جَهَنَّمَ﴾ أي: في النار التي تسمى جهنم، وسميت جهنم، لبعد قعرها وسوادها. ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ لا يفتر عنهم العذاب، ولا يخرجون منها ولا يموتون. ﴿أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾ أي: شر الخليقة حالا, لأنهم عرفوا الحق وتركوه وخسروا الدنيا والآخرة. ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾ خير خلق الله هم الذين آمنوا به وبرسله وعملوا الصالحات التي أمروا بها. ﴿جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ قدم الله الثناء على المؤمنين الذين عملوا الصالحات على ذكر جزائهم ثم ذكر جزاءهم. ﴿جَنَّاتُ﴾ جمعها لاختلاف أنواعها. ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾ العدن بمعنى الإقامة والاستقرار في المكان وعدم النزوح عنه. ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ من تحت قصورها وأشجارها، وإلا فهو على سطحها وليس أسفل. ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ أي: ماكثين فيها أبدًا، لا يموتون ولا يمرضون، ولا يبأسون، ولا يألمون، ولا يحزنون ولا يمسهم فيها نصب، وهم في

стр. 132

نعيم دائم لا ينقطع. ﴿رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ وهذا أكمل نعيم، أن الله تعالى يرضى عنهم، فيحل عليهم رضوانه, فلا يسخط بعده أبدًا، ورضوا عنه بما أكرمهم به من النعيم. ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾ أي: ذلك الجزاء والإحسان والرضا، حاصل لمن خشي الله ، والخشية هي خوف الله المقرون بالهيبة والتعظيم.

стр. 133

تفسير سورة الزلزلة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا * وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا * وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا * يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا * بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا * يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ * فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾. سورة الزلزلة سورة مكية، ذكر الله فيها من عظيم صنعه في الكون، أن الأرض مستقرة لا تتحرك ولا تضطرب حتى يعيش عليها الإنسان عيشة طيبة هنية وفي يوم القيامة تتبدل الأحوال وتتغير الأوضاع, فتضطرب الأرض وتهتز ويندك كل صرح شامخ, وينهار كل جبل راسخ، وتخرج الأرض ما في جوفها من الأجساد والكنوز كما قال تعالى. ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا * وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا * وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا * يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا * بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا * يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ * فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾. ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ﴾ أي: اضطربت اضطرابًا شديدًا وحُركت حركة عنيفة. ﴿زِلْزَالَهَا﴾ يعني الزلزال العظيم الذي لم يكن مثله قط. ﴿وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا﴾ ما في جوفها من الأموات وأصحاب القبور والكنوز وغيرها. ﴿وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا﴾ يعني: أن الإنسان البشر إذا رأى ما جرى

стр. 134

لها من الأمر العظيم مستعظمًا لذلك متعجبًا، يقول: ما لها؟ ولأي شيء زلزلت وأخرجت أثقالها؟ ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ أي: في ذلك اليوم إذا زلزلت. ﴿تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ أي: تخبر الأرض عما فعل الناس عليها من خير أو شر، ينطقها الله سبحانه؛ لتشهد على العباد. ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾ أي: تحدث أخبارها بوحي الله وأمره لها بأن تتحدث وتشهد. ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ يعني: يومئذ تزلزل الأرض زلزالها. ﴿يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا﴾ أي: يرجع الخلائق من موقف الحساب، وينصرفون متفرقين فرقًا فرقًا وجماعات جماعات، متفرقين يصدرون من قبورهم كل يتجه إلى مأواه. ﴿لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ﴾ يصدرون أشتاتًا فيروا أعمالهم، يريهم الله تعالى أعمالهم، إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر. ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ﴾ في الدنيا. ﴿مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ يعني: وزن ذرة، والمراد بالذرة: صغار النمل كما هو معروف. ﴿خَيْرًا يَرَهُ﴾ يوم القيامة. ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ﴾ في الدنيا. ﴿مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ يوم القيامة فيسوؤه. وفي الآيات غاية الترغيب في فعل الخير ولو كان قليلاً والترهيب من فعل الشر ولو كان حقيرًا.

стр. 135

تفسير سورة العاديات بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا * فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا * فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا * فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا * فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا * إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ * وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ * وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ * أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ * وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ * إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ﴾. سورة العاديات سورة مكية يذكر الله عباده فيها بيوم القيامة، وموقف الجزاء والحساب، ليكون الناس على أهبة الاستعداد، ولا تشغلهم الدنيا عن الآخرة، والفانية عن الباقية وفي هذه السورة يقسم الله سبحانه بخيل المعركة، ويصف حركتها واحدة واحدة، منذ أن تبدأ عدوها وجريها ضابحة بأصواتها المعروفة حين تجري، قارعة للصخر بحوافرها حتى توري الشرر منها، مغيرة في الصباح الباكر لمفاجأة العدو، مثيرة للنقع والغبار، وهي تتوسط صفوف الأعداء على غرة، فتوقع بينهم الفوضى والاضطراب قال تعالى: ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا * فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا * فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا * فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا * فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا * إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ * وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ * وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ * أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ * وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ * إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ﴾. ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا﴾ هذا قسم من الله . ﴿وَالْعَادِيَاتِ﴾ المراد بها الخيل التي تعدو بفرسانها المجاهدين في سبيل الله.

стр. 136

﴿ضَبْحًا﴾ الضبح: ما يسمع من أجواف الخيل حين تعدو بسرعة. ﴿فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا﴾ الموريات: من أورى أو ورى بمعنى قدح، هي الخيل حين توري النار فيخرج الشرر بحوافرها إذا ضربت بها الأرض الشديدة كالقدح بالزناد. ﴿فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا﴾ أي: التي تغير على عدوها في الصباح. ﴿فَأَثَرْنَ بِهِ﴾ أي: أثرن بعدوهن وغارتهن. ﴿نَقْعًا﴾ وهو الغبار الذي يثور من شدة السعي. ﴿فَوَسَطْنَ بِهِ﴾ أي: براكبهن. ﴿جَمْعًا﴾ أي: توسطن به جموعًا من الأعداء الذين أغار عليهم. ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ هذا جواب القسم. ﴿لَكَنُودٌ﴾ أي: كفور لنعمة الله الكثير الجحد لها. ﴿وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ﴾ أي الإنسان، يشهد على نفسه بالجحد والكفران لظهور أثره عليه. ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ أي الإنسان لحب المال قوي مجد في طلبه وتحصيله، وحبه لذلك هو الذي أوجب له ترك الحقوق الواجبة، قدم شهوة نفسه على حق ربه. ﴿أَفَلَا يَعْلَمُ﴾ الإنسان ويتيقن فيعمل لذلك ولا يكن همه المال، والاستفهام للإنكار. ﴿إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ﴾ نشر وأظهر فإن الناس يخرجون من قبورهم لرب العالمين لحشرهم ونشورهم. ﴿وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ﴾ أي: ما في القلوب في النيات وما استتر في الصدور من كمائن الخير والشر، فصار الشر علانية والباطن ظاهرًا.

стр. 137

﴿إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ﴾ أي: إن الله . ﴿بِهِمْ﴾ أي: بالعباد. ﴿لَخَبِيرٌ﴾ أي: يوم الجزاء والحساب، خبير بهم لا تخفى عليه منهم خافية في ذلك اليوم وفي غيره.

стр. 138

تفسير سورة القارعة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿الْقَارِعَةُ * مَا الْقَارِعَةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ * يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ * وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ * فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ * وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ * فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ * نَارٌ حَامِيَةٌ﴾. سورة القارعة سورة مكية، ذكر الله فيها يوم القيامة يوم الجزاء والحساب ويوم الفصل بين العباد، يوم توزن فيه أعمال الخلائق؛ فمن كانت حسناته أكثر من سيئاته أدخل الجنة، ومن كانت سيئاته أكثر من حسناته أدخل النار، وسورة القارعة تقرر هذه الأمور للاستعداد والتأهب، ومن قبل التوبة والامتثال والطاعة لرب الأرباب، وسورة القارعة كلها عن يوم القيامة حقيقتها وما يقع فيها، وما تنتهي إليه، فهي تعرض مشهدًا من مشاهد القيامة كخروج الناس من قبورهم وانتشارهم في ذلك اليوم الرهيب كالفراش المتطاير، المنتشر هنا وهناك يجيئون ويذهبون على غير نظام من شدة حيرتهم وفزعهم وذكر الله فيها نسف الجبال وتطايرها قال تعالى: ﴿الْقَارِعَةُ * مَا الْقَارِعَةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ * يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ * وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ * فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ * وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ * فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ * نَارٌ حَامِيَةٌ﴾.

стр. 139

﴿الْقَارِعَةُ﴾ اسم فاعل من قرع، والمراد: التي تقرع القلوب وتفزعها وذلك عند النفخ في الصور، والقارعة من أسماء القيامة. ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ﴾ هذا زيادة في التفخيم والتعظيم والتهويل للالتفات والتنبيه لهذا اليوم العظيم، أي: القيامة وأي شيء القيامة؟ ﴿يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ﴾ أي يكون الناس من شدة الفزع والهول كالفراش: وهو الحشرة الطائرة المعروفة التي تتساقط على الضوء ليلاً. ﴿الْمَبْثُوثِ﴾ يعني المتفرق المنتشر، والمعنى: أن الناس في يوم القيامة يسيرون على غير هدى في كل اتجاه لشدة الهول حتى يحشروا إلى الموقف. ﴿وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ﴾ هذا هو الوصف الثاني من صفات ذلك اليوم المهول، أي: تصير وتتحول الجبال العظيمة الراسية إلى عهن منقوش، أي: تكون كالصوف الذي نفش بالندف، والمنقوش: المبعثر الذي تفرقت أجزاؤه. ثم ذكر سبحانه أحوال الناس عند المحاسبة في الموقف، وتفرقهم فريقين على جهة الإجمال. ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ * وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ * فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ * نَارٌ حَامِيَةٌ﴾. ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾ فإن من ثقلت موازينه وهي أعماله الصالحة، رجحت حسناته على سيئاته. ﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ في الجنة، إنها عيشة طيبة ليس فيها نكد، وليس فيها صخب، وليس فيها نصب، كاملة من كل وجه في جنات الخلد والنعيم.

стр. 140

﴿وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ﴾ إما أنه الكافر الذي ليس له أي حسنة، لأن حسنات الكافر يجازى بها في الدنيا ولا تنفعه في الآخرة، أو أنه مسلم ولكنه مسرف على نفسه وسيئاته أكثر. ﴿فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ﴾ يعني: أن مسكنه ومآله إلى نار جهنم، والهاوية من أسماء النار حيث يهوي فيها الكافر. ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ﴾ هذا من باب التفخيم والتعظيم لهذه الهاوية. ﴿نَارٌ حَامِيَةٌ﴾ أي: قد انتهى حرها وبلغ في الشدة إلى الغاية.

стр. 141

تفسير سورة التكاثر بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ * كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ * كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ * لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ * ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ * ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾. سورة التكاثر سورة مكية، ذكر الله، ، فيها ما يلهي العباد عن طاعته وعبادته، وحذرهم من هذا الطريق، وبين لهم، وقد تكرر في هذه السورة الزجر والإنذار تخويفًا للناس، وتنبيهًا لهم على خطئهم باشتغالهم بالفانية عن الباقية، قال تعالى لمن أعرض عن طاعته وألهته الدنيا. ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ * كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ * كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ * لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ * ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ * ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾. ﴿أَلْهَاكُمُ﴾ أي: شغلكم أيها الناس على وجه لا تعذرون فيه عن طاعة الله وأنساكم عبادته. ﴿التَّكَاثُرُ﴾ يشمل التكاثر بالمال، والتكاثر بالقبيلة، والتكاثر بالجاه، والتكاثر بالعلم، والتكاثر بالأولاد، وبكل ما يمكن أن يقع فيه التفاخر واستمرت هذه الغفلة وهذا الانشغال.

стр. 142

﴿حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ يعني: إلى أن زرتم المقابر، يعني: حتى أدرككم الموت ودفنتم في المقابر وأنتم على تلك الحال. ﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾. ﴿كَلَّا﴾ بمعنى الردع يعني: ارتدعوا عن هذا التكاثر، وقيل: إنها بمعنى حقًا. ﴿سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ أي: سوف تعلمون عاقبة أمركم إذا رجعتم إلى الآخرة وأن هذا التكاثر لا ينفعكم. ﴿ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ تأكيدًا لهذا الأمر. ﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ﴾ يعني: حقًا لو تعلمون علم الحق لعرفتم أنكم في ضلال، ولو تعلمون ما أمامكم علمًا يصل إلى القلوب، لما ألهاكم التكاثر، ولبادرتم إلى الأعمال الصالحة، ولكن عدم العلم الحقيقي صيركم إلى ما ترون. ﴿لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ * ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ﴾. ﴿لَتَرَوُنَّ﴾ أي: أُقسم وأوكد بأنكم ستشاهدون وتبصرون بالعين. ﴿الْجَحِيمَ﴾ في الآخرة، والجحيم اسم من أسماء النار. ﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ﴾ تأكيدًا لرؤيتها ومشاهدتها. ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ أي: عن نعيم الدنيا الذي ألهاكم عن العمل للآخرة، فيسأل عن الأمن، والصحة، والفراغ، وعن شرب الماء البارد على الظمأ، وظلال المساكن، وغير ذلك من النعم.

стр. 143

تفسير سورة العصر بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾. سورة العصر سورة مكية، ذكر الله ، فيها أنه خلق الخلق لعبادته وإقامة شرعه، والإنسان في هذه الدنيا بين أمرين؛ إما بالقيام بما أمر الله به فقد أفلح ونجا، وإما التمرد والعصيان ومخالفة أمره، سبحانه فقد خاب وخسر قال تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ أقسم الله تعالى بالعصر والعصر قيل: إن المراد به آخر النهار؛ لأن آخر النهار أفضله، وقيل: إن العصر هو الدهر لما فيه من الصبر من جهة مرور الليل والنهار على التقدير وتعاقب الظلام والضياء، وما في ذلك من استقامة الحياة ومصالح الأحياء فإن ذلك دلالة بينة على الصانع، وعلى توحيده؛ على أن جنس الإنسان في خسارة ونقصان إلا من اتصف بالأوصاف الأربعة وهي الإيمان والعمل الصالح، والتواصي بالحق، والاعتصام بالصبر، وهي أسس الفضيلة، وأساس الدين، ولهذا قال الإمام الشافعي: لو لم ينزل الله سوى هذه السورة لكفت الناس، قال تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ﴾ أي: كل إنسان. ﴿لَفِي خُسْرٍ﴾ لفي هلاك؛ فكأن الإنسان منغمس في الخسر، والخسران محيط به من كل جانب.

стр. 144

﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾. استثنى الله هؤلاء المتصفين بهذه الصفات الأربع وهم: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أهل الإيمان والتصديق الذي لا يخالجه شك ولا تردد. ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ أي: أنهم قاموا بالأعمال الصالحة: من صلاة، وزكاة وصيام وحج، وبر للوالدين، وصلة الأرحام وغير ذلك. ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ﴾ أي: صار بعضهم يوصي بعضًا بالحق، والحق: هو التوحيد والإيمان وأداء الطاعات, وكل ما أمر به الشرع، والتواصي بالحق أمر مطلوب، فالنهوض بالحق عسير، والمعوقات عن الحق كثيرة تحتاج إلى تواصٍ وتعاضد. ﴿وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ أي: يوصي بعضهم بعضًا بالصبر، والصبر حبس النفس عما لا ينبغي فعله. فبالأمرين الأولين يكمل الإنسان نفسه، وبالأمرين الأخيرين يكمل غيره، وبتكميل الأمور الأربعة، يكون الإنسان قد سلم من الخسارة، وفاز بالربح العظيم.

стр. 145

تفسير سورة الهمزة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ * الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ * يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ * كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ * نَارُ اللهِ الْمُوقَدَةُ * الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ * إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ * فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ﴾. سورة الهمزة سورة مكية، ذكر الله فيها أحوال بعض العباد؛ فإن من تأمل في حال الناس وأخلاقهم يجد التفاوت العجيب، وأنزل الله هذا القرآن مقررًا للشريعة رافعًا راية التوحيد، مهذبًا للأخلاق وحسن التعامل وطيب الفعال بين المسلمين، وفي هذه السورة ذم الله الطعن في أعراض الناس وأنسابهم ودناءة من فعل ذلك، وأن له الوعيد الشديد والعقوبة العظيمة إن احتقر أو استهزأ وطعن في أنساب المسلمين وأعراضهم على وجه التنقص والازدراء، وذم الله في السورة الذين يشتغلون بجمع الأموال وتكديس الثروات كأنهم مخلدون في هذه الحياة، وختمت بذكر عاقبة هؤلاء التعساء الأشقياء، قال تعالى: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾: ﴿وَيْلٌ﴾ كلمة خزي وعذاب ووعيد، وقيل: واد في جهنم أي: خزي أو عذاب أو هلكه للهمزة، وهو الذي يغتاب الناس، ويطعن في أعراضهم ويظهر عيوبهم ويحقر أعمالهم. ﴿لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ فالهمز: بالفعل، واللمز: باللسان.
следующие страницы →