تَفْسِير الْقُرْآن الْعَظِيم
«جُزْء عَم»
تأليف
د. عبد الْملك بن مُحَمَّد الْقَاسِم
دَار الْقَاسِم
стр. 2
المقدمة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليمًا كثيرًا أما بعد فإن من أجلِّ العلوم قدرًا، وأرفعها ذكرًا، العلم المتعلق بأشرف الكلام وأجله وأسماه كلام الله جل في علاه، وهو علم التفسير، إذ أن المشتغل به آخذ بروح التلاوة ولبها، ومقصودها الأعظم ومطلوبها الأهم، الذي تشرح به الصدور، وتستنير بضيائه القلوب، وهو التدبر، كما قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ [ص: ٢٩].
كما أن في الاشتغال به تحصيلاً لمنافع الدنيا والآخرة؛ لأنه المصدر الأول لها ولذلك كان الصحابة ﵃ يحرصون كل الحرص على الجمع بين حفظ القرآن وفهمه. روى الإمام أحمد في مسنده عن أبي عبد الرحمن السلمي قال: حدثنا من كان يقرئنا من أصحاب النبي ﷺ أنهم كانوا يقترئون من رسول الله ﷺ عشر آيات فلا يأخذون في العشر الأخرى حتى يعلموا ما في هذه من العلم والعمل، قالوا: فعلمنا العلم والعمل.
ومن خلال فهم معاني القرآن وتدبره يحصل التلذذ به، وتقوى الرغبة في المداومة مع التعبد لله تعالى بتلاوته، ولذا يقول الطبري في مقدمة تفسيره: «إني لأعجب ممن قرأ القرآن ولم يعلم تأويله كيف يتلذذ بقراءته».
وأحب الخلق إلى الله تعالى أعلمهم بما أنزل كما أورد ذلك القرطبي عن مجاهد رحمه الله تعالى.
стр. 3
ورغبة في تحصيل هذه الفضائل وغيرها مما يطول المقام عن استقصائها ورغبة في إهداء الناس عامة شيئًا من الكنوز العظيمة واللآلئ والدرر التي يحويها كتاب الله؛ كان هذا التفسير المختصر الميسر لآخر جزء في كتاب الله تعالى وهو جزء عم، وذلك لكثرة قراءته وترداده بين الناس في الصلاة وغيرها، وقد جعلته على نسق واحد، وجمعت فيه بين أقوال المفسرين.
وإنا لنأمل أن نكون جميعًا من خلال هذا التفسير كصاحب المصباح الذي يقصي ظلمة الجهل عن قارئ كلام الله جل وعلا: نقل القرطبي في تفسيره عن إياس بن معاوية أنه قال: «مثل الذين يقرؤون القرآن وهم لا يعلمون تفسيره كمثل قوم جاءهم كتاب من ملكهم ليلاً وليس عندهم مصباح فتداخلتهم روعة، ولا يدرون ما في الكتاب، ومثل الذي يعرف التفسير كمثل رجل جاءهم بمصباح فقرؤوا ما في الكتاب».
اسأل الله جل في علاه، أن ينفعنا بما نقرأ، وأن يجعل أعمالنا صوابًا خالصة لوجهه الكريم إنه سميع مجيب، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
د. عبد الملك بن محمد عبد الرحمن القاسم
стр. 4
تفسير سورة الفاتحة
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * الْحَمْدُ لِلهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ * إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ * اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾.
سورة الفاتحة سميت بذلك لأنه افتتح بها القرآن الكريم؛ وهي سورة مكية، وقد قيل: إنها أول سورة نزلت كاملة.
تشتمل هذه السورة العظيمة على مجمل معاني القرآن في التوحيد والأحكام، والجزاء، وطرق بني آدم، وغير ذلك، ولذلك سميت: «آدم القرآن» وسميت «أم الكتاب» «والسبع المثاني» «وسورة الحمد» «وسورة الصلاة» «والواقية».
وهذه السورة لها مميزات تتميز بها عن غيرها؛ منها أنها ركن في الصلوات التي هي أفضل أركان الإسلام بعد الشهادتين: فلا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب؛ قال ﷺ : «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» رواه البخاري ومسلم.
ومنها أنها رقية: إذا قرئ بها على المريض شفي بإذن الله؛ لأن النبي ﷺ
قال للذي قرأ على اللديغ، فبرئ: «وما يدريك أنها رقية ..» رواه البخاري.
قوله تعالى: ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ليست البسملة آية في بداية جميع السور، بل هي آية فاصلة بين كل سورتين، يستحب قراءتها إلا في سورة التوبة فيكره (١).
стр. 5
﴿بِسْمِ﴾ ابدأ باسم الله، استعانة على الأداء والتوفيق.
﴿اللهِ﴾: اسم الله رب العالمين لا يسمى به غيره؛ والله: هو المألوه المعبود، وهو أصل الأسماء؛ ولهذا تأتي الأسماء تابعة له.
﴿الرَّحْمَنِ﴾ اسم دال على أنه تعالى ذو الرحمة الواسعة التي وسعت كل شيء؛ ولهذا جاء على وزن «فعلان» الذي يدل على السعة.
﴿الرَّحِيمِ﴾ أي: الموصل للرحمة من يشاء من عباده؛ ولهذا جاءت على وزن «فعيل» الدال على وقوع الفعل. فهنا رحمة هي صفته، دل عليها ﴿الرَّحْمَنِ﴾ ورحمة هي فعله، أي إيصال الرحمة إلى المرحوم دل عليها ﴿الرَّحِيمِ﴾.
و ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ اسمان من أسماء الله يدلان على الذات، وعلى صفة الرحمة.
والرحمة التي أثبتها الله لنفسه رحمة حقيقة دل عليها السمع، والعقل؛ أما السمع فهو ما جاء في الكتاب والسنة من إثبات الرحمة لله وهو كثير جدًا، وأما العقل: فكل ما حصل من نعمة، أو اندفع من نقمة فهو من آثار رحمة الله.
والرحمن الرحيم: اسمان كل منهما دال على صفة حقيقة لله على ما يليق بجلاله وعظمته من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، وهكذا يقال في جميع الصفات الواردة في الكتاب والسنة، والأسماء المذكورة في هذه السورة هي أصول الأسماء الحسنى، وهي اسم الله والرب والرحمن.
وفي البسملة خلاف بين العلماء، فمنهم من يقول: إنها آية من الفاتحة ويقرأ بها جهرًا في الصلاة الجهرية، ويرى أنها لا تصح إلا بقراءة البسملة،
стр. 6
لأنها من الفاتحة، ومنهم من يقول: إنها ليست من الفاتحة؛ ولكنها آية مستقلة من كتاب الله، وهذا القول هو الحق.
قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
﴿الْحَمْدُ﴾ هو الثناء على الله بصفات الكمال، وهو وصف المحمود بالكمال مع المحبة، والتعظيم؛ ولا بد من قيد وهو "المحبة والتعظيم" قال أهل العلم: «لأن مجرد وصفه بالكمال بدون محبة ولا تعظيم، لا يسمى حمدًا، وإنما يسمى مدحًا» والحمد: هو الثناء باللسان، أما الشكر فيكون باللسان والقلب والأعضاء، ولا يكون الشكر إلا مقابل نعمة، أما الحمد فيكون لكمال المحمود ولو في غير مقابلة نعمة، والله تعالى له الحمد والشكر.
﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ الرب: اسم من أسماء الله تعالى، ولا يقال في غيره إلا مضافاً، كقولك: هذا الرجل رب المنزل.
والعالمون: جمع العالم، وهو كل موجود سوى الله تعالى.
﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ المالك صفة لفعله ﷻ ، ويوم الدين يوم الجزاء والحساب، وهو سبحانه مالك يوم الدين والدنيا، لكن ظهور ملكوته وملكه وسلطانه إنما يكون في ذلك اليوم.
﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ أي: نخصك وحدك بالعبادة، والعبادة: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأعمال والأقوال الظاهرة والباطنة.
ونخصك أيضًا بالاستعانة، والاستعانة هي الاعتماد على الله في جلب المنافع ودفع المضار، مع الثقة به في تحصيل ذلك.
стр. 7
والمعنى: لا نعبد غيرك ولا نستعينه، وذكر سبحانه «الاستعانة» بعد «العبادة» مع دخولها فيها لاحتياج العبد في جميع عباداته إلى الاستعانة بالله تعالى فإنه إن لم يعنه الله، لم يحصل له ما يريده من فعل الأوامر واجتناب النواهي، لأن العبد عاجز عن الاستقلال بجلب مصالحه، ودفع مضاره فلا معين له على مصالح دينه ودنياه إلا الله ، فمن أعانه الله فهو المعان، ومن خذله فهو المخذول.
﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ أي: دلنا وأرشدنا ووفقنا للصراط المستقيم وهو الإسلام، وثبتنا عليه حتى نلقاك.
والهداية على نوعين، هداية طريق وهداية توفيق، وهداية التوفيق خاصة بالله تعالى ومنها قوله ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص: ٥٦] وهداية الطريق: هداية دلالة وإرشاد، وهي للأنبياء وأتباعهم من العلماء والدعاة ومنها قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢].
﴿الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ هو الطريق الواضح الذي لا اعوجاج فيه، الموصل إلى جنته ورضوانه وهو الإسلام، وسمي صراطًا مستقيمًا لأنه طريق واسع سهل يوصل إلى المقصود.
فنحن ندعو الله أن يوفقنا إلى معرفة الطريق المستقيم الموصل إلى جنته، وندعوه أن يوفقنا للاستقامة عليه بعد معرفته، فالمعرفة والاستقامة كلتاهما ثمرة لهداية الله ورعايته ورحمته والتوجه إلى الله في هذا الأمر هو ثمرة الاعتقاد بأنه وحده المعين.
﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وهؤلاء هم القدوة لنا في حياتنا.
стр. 8
وفي الآية توسل إلى الله بنعمه، وإحسانه إلى من أنعم عليه بالهداية؛ أي قد أنعمت بالهداية على من هديت، وكان ذلك نعمة منك. فاجعل لي نصيبًا من هذه النعمة، واجعلني واحدًا من هؤلاء المنعم عليهم، فهو توسل إلى الله بإحسانه.
﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾.
﴿غَيْرِ﴾ أي: غير صراط.
﴿الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ المغضوب عليهم هم اليهود، فهم علموا الحق فتركوه، وحادوا عنه على علم؛ فاستحقوا غضب الله.
﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ هم النصارى، وهم الذين حادوا عن الحق جهلاً فكانوا على ضلال مبين.
ومعنى آمين: اللهم استجب لنا، وليست آية من سورة الفاتحة، وفي الحديث عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ
قال: «إذا قال أحدكم: آمين، وقالت الملائكة في السماء: آمين فوافقت إحدهما الأخرى غفر له ما تقدم من ذنبه» رواه البخاري.
وهذه السورة العظيمة على إيجازها احتوت على أنواع التوحيد الثلاثة: توحيد الربوبية: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ وتوحيد إلهية، وهو إفراد الله بالعبادة وحده، من قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ وتوحيد الأسماء والصفات، وقد دل عليه لفظ ﴿الْحَمْدُ﴾.
وتضمنت إثبات النبوة في قوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ وإثبات الجزاء والبعث في قوله: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ وتضمنت إخلاص العبادة لله وحده لا شريك له في قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾.
стр. 9
وأول السورة رحمة، وأوسطها هداية، وآخرها نعمة.
وقد ورد في فضل هذه السورة العظيمة حديث عظيم رواه الإمام مسلم عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ
قال: «قال الله قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل فإذا قال: ﴿الْحَمْدُ لِلهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ قال الله: حمدني عبدي، فإذا قال: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ قال الله: أثنى على عبدي، فإذا قال: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ قال: مجدّني عبدي، وقال مرة: فوّض إلي عبدي فإذا قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ قال: هذا بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل: فإذا قال: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ قال: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل».
* * *
هناك بعث ونشور وحساب وأجور، وعقاب، وحسرات قال تعالى:
﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ * عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ * الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ * كَلَّا سَيَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ * أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا * وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا * وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا * وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا * وَجَعَلْنَا الليْلَ لِبَاسًا * وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا * وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا * وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا * وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا * لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا * وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا﴾.
﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ﴾ استفهام إنكاري، عن أي شيء يتساءل كفار قريش من أمر القيامة أو البعث، فإنه لما بعث رسول الله ﷺ ، وأخبر بتوحيد الله والبعث بعد الموت وتلا عليهم القرآن، تساءل المشركون فأنزل الله، يعني عم يتساءل هؤلاء المكذبون بالقرآن، وغيره، ثم أجاب الله عن هذا السؤال فقال: ﴿عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ * الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ﴾.
﴿عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ﴾ هذا النبأ هو ما جاء به النبي ﷺ من البينات والهدى، ولا سيما ما جاء به من الأخبار عن اليوم الآخر والبعث والجزاء.
﴿الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ﴾ يعني الناس فيه على قولين: فمنهم مصدق، ومنهم مكذب، وطال نزاعهم فيه.
﴿كَلَّا سَيَعْلَمُونَ﴾.
﴿كَلَّا﴾ كلمة ردع وزجر، بمعنى ليس الأمر كما قالوا.
﴿سَيَعْلَمُونَ﴾ بيَّن الله أن هؤلاء الذين كذبوا سيعلمون ما كذبوا به علم اليقين، وذلك إذا رأوا يوم القيامة ونزل بهم العذاب.
стр. 12
﴿ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ﴾ للمبالغة في التأكيد والتشديد، وسوف يتأكد لهم صدق ما جاء به محمد ﷺ من القرآن والبعث، وهذا تهديد ووعيد لهم.
ثم بين - تعالى- قدرته العظيمة على خلقه، وذكر بعض نعمه على عباده ليقرر هذه النعم فيلزمهم شكرها، وهي أمور محسوسة ملموسة يتبين فيها قدرة الله وعظيم صنعه التي لو فكر فيها الكفار، لما وقع منهم اختلاف في النبأ العظيم الذي جاءهم من عند الله فقال سبحانه:
﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا﴾ أي: جعل الله الأرض ممهدة للخلق معدة للحياة، ليست بالصلبة التي لا يستطيعون حرثها ولا المشي عليها إلا بصعوبة، وليست باللينة الرخوة التي لا ينتفعون بها، ولا يستقرون عليها ولكنها ممهدة لهم على حسب مصالحهم وعلى حسب ما ينتفعون به.
﴿وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا﴾ أي: جعلها الله تعالى أوتادًا للأرض بمنزلة الوتد للخيمة حيث يثبتها فتثبت به ولا تضطرب.
﴿وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا﴾ أي: أصنافًا ما بين ذكر وأنثى، وصغير وكبير، وأسود وأحمر، وشقي وسعيد إلى غير ذلك مما يختلف الناس فيه، فهم أزواج مختلفون على حسب ما أراد الله ، واقتضته حكمته ليعتبر الناس بقدرة الله تعالى، وأنه قادر على أن يجعل هذا البشر الذين خلقوا من مادة واحدة ومن أب واحد على هذه الأصناف المتنوعة المتباينة.
﴿وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا﴾ أي: جعل الله ، النوم راحة لأبدانكم قاطعًا للتعب والأشغال.
والسبت القطع، فالنوم يقطع ما سبقه من التعب، وهذا من النعمة وهو أيضًا من آيات الله، كما قال تعالى.
стр. 13
﴿وَجَعَلْنَا الليْلَ لِبَاسًا﴾ أي: جعل الله هذا الليل الذي يغشى ظلامه وسواده على الأرض، بمنزلة اللباس، كأن الأرض تلبسه ويكون جلبابًا لها.
﴿وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا﴾ أي: جعلناه مشرقًا نيرًا مضيئًا ليتمكن الناس فيه من طلب الرزق وتحصيل الأقوات.
﴿وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا﴾ وهي السماوات السبع، وصفها الله تعالى بالشداد لأنها محكمة البناء في غاية القوة والصلابة، متينة في إحكامها وإتقانها، لا تتأثر بمرور العصور والأزمان.
﴿وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا﴾ يعني بذلك الشمس فهي سراج مضيء، وهي أيضًا ذات حرارة عظيمة.
﴿وَهَّاجًا﴾ أي: وقادة، والوهج يجمع النور والحرارة.
وتستمر الآيات في ذكر نعم الله ، وقدرته على الخلق يشاهدها الناس ويرونها؛ فقال تعالى:
﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ﴾ يعني: من السحاب، ووصف الله السحاب بأنه معصرات كأنما تعصر هذا المطر عند نزوله عصرًا كما يعصر الثوب، فإن هذا الماء يتخلل هذا السحاب ويخرج منه كما يخرج الماء من الثوب المعصور.
وهو سبحانه الذي أنزل بقدرته من السحاب ماءً كثيرًا متتابعًا تنبت به الأرض وتحيا به، فإذا انضاف ماء السماء إلى حرارة الشمس حصل في هذا إنضاج للثمار ونمو لها على أكمل ما يكون.
﴿مَاءً ثَجَّاجًا﴾ أي: مطرًا منصبًا بكثرة؛ كثير الثجَّ: يعني الانهمار والتدفق بهذا الماء الذي أنزل من السماء إلى الأرض.
стр. 14
﴿لِنُخْرِجَ بِهِ﴾ أي لنخرج، وننبت بهذا الماء الكثير الطيب النافع المبارك الذي أنزل من السماء إلى الأرض.
﴿حَبًّا وَنَبَاتًا﴾ فتنبت الأرض، ويخرج الله به من الحب بجميع أصنافه وأنواعه وما أشبه ذلك.
والحب ما يدخر للناس والأنعام كالحنطة والشعير والذرة والأرز.
والنباتات ما تأكله الدواب، أي خضرًا يؤكل رطبًا كالحشيش وغيره.
﴿وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا﴾ أي: حدائق وبساتين ملتفًا بعضها إلى بعض، من كثرتها وحسنها وبهائها حتى إنها لتستر من فيها لكثرتها.
وقد ذكر سبحانه في الآيات السابقة جملة من النعم العظيمة المشاهدة المحسوسة التي امتن بها على عباده ليشكروه ويعبدوه وحده، ويستعينوا بنعمه على طاعته ومرضاته، وليوقنوا أن من أنعم بهذه النعم وهيأ الأسباب بقوته وحوله وطوله، قادر على بعث الناس من قبورهم للحساب والجزاء على أعمالهم، فإنه بحكمته وعدله لم يخلقهم عبثًا، ولا تركهم هملاً وجعل لهم أجلاً ومرجعًا.
ثم ذكر سبحانه ما يجري في يوم القيامة من الأهوال والأمور العظام، والجزاء والحساب، ليكون الإنسان على بينة من أمره، وليعرف حاله ومصيره، وفي ذلك بيان وتوضيح لمن سأل عن النبأ العظيم، قال تعالى:
﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا * يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَاتُونَ أَفْوَاجًا * وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا * وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا * إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا * لِلطَّاغِينَ مَآبًا * لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا * لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا * إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا * جَزَاءً وِفَاقًا * إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا *
стр. 15
وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًا * وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا * فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا﴾.
﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ﴾ وهو يوم القيامة، وسمي يوم فصل لأن الله يفصل فيه بين العباد فيما شجر بينهم، وفيما كانوا يختلفون فيه.
﴿كَانَ مِيقَاتًا﴾ أي: ميقاتًا للخلق وموعدًا للجزاء، وموقوتًا لأجل معدود.
﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَاتُونَ أَفْوَاجًا﴾.
﴿يَوْمَ يُنْفَخُ﴾ أي: يوم القيامة.
﴿فِي الصُّورِ﴾ وهو البوق الذي ينفخ فيه إسرافيل، ينفخ فيها نفختين: الأولى: يفزع الناس ثم يصعقون فيموتون، والثانية: يبعثون من قبورهم، وتعود إليهم أرواحهم.
﴿فَتَاتُونَ﴾ أي فتحيون، فتأتون إلى موضع العرض والحساب والجزاء.
﴿أَفْوَاجًا﴾ أي: أمما وجماعات متفرقة.
﴿وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا﴾ فتحت: انفرجت، فتكون أبوابًا يشاهدها الناس بعد أن كانت سقفًا محفوظًا.
﴿فَكَانَتْ أَبْوَابًا﴾ تكون السماء في ذلك اليوم أبوابًا مفتوحة، وطرقًا ومسالك لنزول الملائكة، وفي هذا دليل على كمال قدرة الله أن هذا السبع الشداد يجعلها الله تعالى يوم القيامة كأن لم تكن، تكون أبوابًا.
﴿وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا﴾ أي: أن الجبال العظيمة الصماء تدك فتكون كالرمل ثم تكون كالسراب تسير.
стр. 16
﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا﴾ أي: مرصدة ومعدة للطاغين تنتظر وتترقب نزلاءها الكفار، وجهنم اسم من أسماء النار التي لها أسماء كثيرة، وسميت بهذا الاسم، لأنها ذات جهمة وظلمة بسوادها وقعرها.
﴿لِلطَّاغِينَ﴾ أي: للمردة والعصاة المخالفين للرسول.
﴿مَآبًا﴾ مرجعًا ومنقلبًا ومصيرًا.
﴿لَابِثِينَ فِيهَا﴾ أي: باقين في جهنم.
﴿أَحْقَابًا﴾ وهي جمع حقب، وهو المدة من الزمان؛ أي: مددًا طويلة.
ثم ذكر الله بعضًا من أحوالهم وشقائهم في هذه النار، وما يجدونه من أنواع العذاب وأصنافه، فقال سبحانه:
﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا﴾ أي: لا يجدون في جهنم بردًا لقلوبهم ولا شرابًا طيبًا يتغذون به.
﴿إِلَّا حَمِيمًا﴾ ليس لهم إلا هذا الحميم، وهو الماء الحار المنتهي في الحرارة الذي يشوي الوجوه ويقطع الأمعاء.
﴿وَغَسَّاقًا﴾ الغساق هو شراب منتن الرائحة، شديد البرودة، فيُجمع لهم والعياذ بالله، بين الماء الحار الشديد الحرارة، والماء البارد الشديد البرودة ليذوقوا العذاب من الناحيتين.
وقيل: إن المراد بالغساق صديد أهل النار، وما يخرج من أجوافهم من النتن والعرق وغير ذلك.
﴿جَزَاءً وِفَاقًا﴾ أي: يجزون بذلك جزاء موافقًا لأعمالهم من غير أن يظلموا فذكر انحرافهم في العقيدة وانحرافهم في القول.
стр. 17
﴿إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا﴾ أي: لا يؤملون أن يحاسبوا، ولا يخافون يوم الحساب فلم يعملوا له، بل ينكرون البعث والحساب.
﴿وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًا﴾ كذبوا بما جاءت به الرسل من البينات والهدى والبعث والنشور.
﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا﴾.
﴿وَكُلَّ شَيْءٍ﴾ يشمل ما يفعله الله من الخلق والتدبير في الكون، ويشمل ما يعلمه العباد من أقوال وأفعال، ويشمل كل صغير وكبير.
﴿أَحْصَيْنَاهُ﴾ أي: ضبطناه بالإحصاء الدقيق الذي لا يختلف.
﴿كِتَابًا﴾ يعني: كتبًا، وقيل: كتبناه في اللوح المحفوظ.
﴿فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا﴾ أي: يقال لأهل النار للإهانة والتوبيخ: ذوقوا ما أنتم فيه، فلن نزيدكم إلا عذابًا من جنسه، وآخر من شكله أزواج، فهم في مزيد من العذاب أبدًا.
وفيما ذكره الله عن حال أهل النار من التخويف والتحذير ما يكون رادعًا وحاجزًا عن المعاصي والآثام.
ثم لما ذكر ، ما أعده لأهل النار من العذاب، انتقل من ذكر حال الطغاة إلى حال التقاة، فذكر حال المؤمنين وما هم فيه من النعيم فقال سبحانه:
﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا * حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا * وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا * وَكَاسًا دِهَاقًا * لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا كِذَّابًا * جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً حِسَابًا﴾.
﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ﴾ المتقون هم الذين اتقوا عقاب الله، وذلك بفعل أوامره واجتناب نواهيه.
стр. 18
﴿مَفَازًا﴾ المفاز هو مكان الفوز وزمان الفوز أيضًا، فهم فائزون في أمكنتهم وفائزون في أيامهم.
ثم بيَّن تعالى شيئًا من هذا الفوز وهذا النعيم، فقال:
﴿حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا﴾.
﴿حَدَائِقَ﴾ جمع حديقة أي: بساتين أشجارها عظيمة وكثيرة ومنوعة من النخيل وغيرها.
﴿وَأَعْنَابًا﴾ الأعناب جمع عنب، وهي من جملة الحدائق، لكنه خصها بالذكر لشرفها.
﴿وَكَوَاعِبَ﴾ الكواعب جمع كاعب وهي الفتاة التي تبين وبرز ثديها، ولم يتدل، بل برز وظهر كالكعب، وهذا أكمل ما يكون في جمال الصدر.
﴿أَتْرَابًا﴾ أي: على سن واحدة لا تختلف إحداهن عن الأخرى كبرًا كما في نساء الدنيا.
﴿وَكَاسًا دِهَاقًا﴾ أي: كأسًا ممتلئة، والمراد بالكأس هنا كأس الخمر، وخمر الآخرة غير خمر الدنيا.
﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا﴾ لا يسمعون في الجنة لغوًا أي كلامًا باطلاً لا خير فيه، بل يقال لهم: سلامًا سلامًا.
﴿وَلَا كِذَّابًا﴾ أي: ولا كذبًا، فلا يكذبون، ولا يكذب بعضهم بعضًا، لأنهم على سرر متقابلين قد نزع الله ما في صدورهم من غل وجعلهم أخوانًا.
وكل ما نالهم من النعيم والخير المقيم إنما هو تفضل من ربهم، وثوابًا على أعمالهم الصالحة فإن ما هم فيه إنما هو:
стр. 19
﴿جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ﴾ أي: أنهم يجزون بهذا جزاء من الله على أعمالهم الحسنة التي عملوها في الدنيا واتقوا بها محارم الله.
﴿عَطَاءً حِسَابًا﴾ أي: كافيًا وافيًا شاملاً كثيرًا بسبب أعمالهم التي وفقهم الله لها، وجعلت ثمنًا لجنته ونعيمها.
﴿رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمَنِ لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا * يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا * ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآبًا * إِنَّا أَنْذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا﴾.
﴿رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ يخبر سبحانه عن عظمته وجلاله وأنه هو رب كل شيء، فهو رب السماوات السبع الطباق الذي خلقها ودبرها وأحكم صنعها، ورب الأرض، وهي سبع كما ثبت ذلك في السنة، وهو الذي أنعم على عباده بالنعم العظيمة، وأنه الرحمن الذي شملت رحمته كل شيء.
﴿وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ أي: ما بين السماوات والأرض من المخلوقات العظيمة، كالغيوم والسحب والأفلاك وغيرها مما نعلمه، ومما لا يعلمه إلا الله .
﴿الرَّحْمَنِ﴾ عطف بيان، وهو ذو الرحمة الواسعة الشاملة.
﴿لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا﴾ يعني: أن الناس لا يملكون الخطاب من الله، ولا يستطيع أحد أن يتكلم إلا بإذن الله، وذلك.
﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ﴾ وهو جبريل.
﴿وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا﴾ أي: صفوفًا، صفًا بعد صف.
стр. 20
﴿لَا يَتَكَلَّمُونَ﴾ أي: لا يتكلمون ملائكة ولا غيرهم.
﴿إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ﴾ بالكلام، فإنه يتكلم كما أذن له.
﴿وَقَالَ صَوَابًا﴾ أي: قال قولاً صوابًا، موافقًا لمرضاة الله وذلك بالشفاعة، إذا أذن الله لأحد أن يشفع، شفع فيما أذن له فيه على حسب ما أذن له، فلا يتكلم أحد في ذلك الموقف العظيم إلا بهذين الشرطين: أن يأذن الله له في الكلام، وأن يكون ما تكلم به صوابًا.
﴿ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ﴾ أي: ذلك الذي أخبرناكم عنه، هو اليوم الحق الذي لا يروج فيه الباطل ولا ينفع فيه الكذب.
ثم لما رغب ورهب وبشر وأنذر قال سبحانه:
﴿فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآبًا﴾ أي: من شاء عمل عملاً يؤوب به إلى الله، ويرجع به إليه.
﴿إِنَّا أَنْذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا﴾ أي: خوفناكم وحذرناكم من عذاب قريب، وهو يوم القيامة.
﴿يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ﴾ أي: كل امرئ ينظر ما قدمت يداه، أي عمل في الدنيا.
﴿وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي﴾ أي: ليتني لم أخلق، أو ليتني لم أبعث، وذلك تحسرًا وندامة.
﴿كُنْتُ تُرَابًا﴾ أي: يود الكافر أنه كان في الدنيا ترابًا فلم يخلق ولم يبعث ويحاسب ويعاقب.
стр. 21
وفي تلك الآيات من ذكر العذاب للكفار والعصاة، ومن النعيم للمؤمنين ما يخوف ويحذر من عذاب الآخرة، وما يجعل المسلم يرجو رحمة ربه بالعمل الصالح الخالص لوجهه الموافق لسنة نبيه، فإن المرء ينظر يوم الجزاء والحساب ما قدمت يداه من أعمال عملها في حياته، ويفرح المؤمن بما وعده الله من النعيم، ويتمنى الكافر حين يرى العذاب وهوله وشدته أنه كان ترابًا.
* * *
المستقيم، وليحذروهم من الشرك والطغيان والعصيان، ومن تمام عدل الله أن جعل بعد دار الدنيا موعدًا يلقى فيه كل إنسان جزاءه وفاقًا إن خيرًا فخيرًا وإن شرًا فشرًا، وفي الآيات التالية يبين حال الكفار عند النفخ في الصور وبعث الناس من قبورهم في هذا اليوم العظيم قال تعالى:
﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا * وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا * وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا * فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا * فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا * يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ * تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ * قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ * أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ * يَقُولُونَ أَئِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ * أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً * قَالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ * فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ * فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾.
﴿وَالنَّازِعَاتِ﴾ أقسم سبحانه بالملائكة الموكلة بقبض أرواح الكفار تنزعها.
﴿غَرْقًا﴾ أي: نزعًا شديدًا.
﴿وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا﴾ يعني: الملائكة الموكلة بقبض أرواح المؤمنين، تنشطها نشطًا: أي تسلها برفق وسهولة.
﴿وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا﴾ هي: الملائكة تسبح بأمر الله، أي تسرع فيه كما يسرع السابح في الماء.
﴿فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا﴾ أيضًا هي: الملائكة تسبق غيرها إلى أمر الله ، أو الملائكة تسبق بأرواح المؤمنين إلى الجنة.
﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا﴾ وصف للملائكة؛ تدبر الأمر من السماء إلى الأرض بأمر الله.
﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ * تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ﴾ وهما النفختان في الصور،
стр. 24
النفخة الأولى: الراجفة ترجف الناس ويفزعون ثم يموتون عن آخرهم إلا من شاء الله، والنفخة الثانية التي تعقب الأولى، هي: الرادفة يبعثون من قبورهم فيقوم الناس أحياء من قبورهم مرة واحدة، وهم في حالة شديدة من الاضطراب بادية الذل، يجتمع عليها الخوف والانكسار، والرجفة والانهيار، قال تعالى: ﴿قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ * أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ * يَقُولُونَ أَئِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ * أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً * قَالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ﴾.
﴿قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ﴾ هذه حال القلوب في ذلك الموقف العظيم.
﴿وَاجِفَةٌ﴾ أي فزعة مضطربة خائفة خوفًا شديدًا، لما عاينت وأبصرت من أهوال يوم القيامة.
﴿أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ﴾ يعني: أبصار أصحابها ذليلة حقيرة، لا تكاد تحدق أو تنظر بقوة من هول ما ترى، قد غضت أبصارهم لذلهم.
﴿يَقُولُونَ أَئِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ﴾ هذا يقوله المنكرون للبعث إذا قيل لهم: إنكم تبعثون يقولون: أنرد إلى أول حالنا وابتداء أمرنا فنصير أحياء بعد موتنا وبعد كوننا في حفر القبور.
﴿أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً﴾ أي: كيف نبعث بعد أن كنا عظامًا بالية فتاتًا.
﴿قَالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ﴾ قالوا: أي: منكرو البعث، استبعدوا أن يبعثهم الله ويعيدهم؛ إن رددنا بعد الموت لنخسرن بما يصيبنا من الجزاء، يصيبنا مما يقوله محمد.
﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ أي: إنما هي صيحة واحدة، وهي النفخة الثانية، زجرة من الله ، يزجرون ويصاح بهم فيقومون من
стр. 25
قبورهم قيام رجل واحد على ظهر الأرض بعد أن كانوا في بطنها.
﴿فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾ أي: فإذا هم أحياء على وجه الأرض، والساهرة: أرض بيضاء يأتي بها الله سبحانه فيحاسب عليها الخلائق.
ثم لما ذكر الله أحوال الكفار وما يصيبهم في ذلك اليوم ساق قصة موسى ﵇ وما أمره الله به من القيام بتبليغ الرسالة والدعوة إليه، وذكر جل وعلا ما وجد موسى من فرعون وتكذيبه، مع ما أظهر من الآيات الباهرات والمعجزات الواضحات، إلا أنه طغى وتجبر فأخذه الله أخذ عزيز مقتدر، عبرة له، وموعظة لغيره، وفي ذكر مثل هذه الوقائع والأحداث تخويف لمن كفر برسالة محمد ﷺ وتسلية لنبيه بأن طريق الدعوة شاق يحتاج إلى صبر وتوكل على الله قال تعالى:
﴿هَلْ أتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى * إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِي الْمُقَدَّسِ طُوًى * اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى * وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى * فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى * فَكَذَّبَ وَعَصَى * ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى * فَحَشَرَ فَنَادَى * فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى * فَأَخَذَهُ اللهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى * إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى﴾.
قال تعالى: مبينًا ما جرى للأمم قبل محمد ﷺ .
﴿هَلْ أتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى﴾.
﴿هَلْ أتَاكَ﴾ أسلوب تشويق وترغيب لسماع القصة، والخطاب للنبي ﷺ أو لكل من يتأتى خطابه ويصح توجيه الخطاب إليه، أي: هل سمعت يا محمد بخبره وما جري له.
﴿حَدِيثُ مُوسَى﴾ وهو ابن عمران ﵊ أفضل أنبياء بني إسرائيل وهو أحد أولي العزم الخمسة الذين هم محمد ﷺ -
стр. 26
وإبراهيم وموسى، وعيسى ونوح عليهم الصلاة والسلام.
﴿إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِي الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾
﴿إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ﴾ ناداه الله نداء سمعه بصوت الله .
﴿بِالْوَادِي الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾ الوادي هو مجرى الماء، وطوى هو الوادي المطهر عند جبل الطور في سيناء الذي كلم الله موسى عنده وامتن عليه بالرسالة واختصه بالوحي.
﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ﴾ ناداه وأمره الله أن يذهب إلى فرعون ملك مصر، وكان يقول لقومه إنه ربهم الأعلى.
﴿إِنَّهُ طَغَى﴾ أي: زاد على حده، وتجبر، وتمرد، وعتا.
﴿فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى﴾ الاستفهام هنا للتشويق وتشويق فرعون أن يتزكى مما هو عليه من الشر والفساد، وأصل الزكاة النمو والزيادة.
﴿وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ﴾ أي: أدلك إلى عبادة ربك، وإلى دين الله ، وإلى توحيده، وعبادته، ومرضاته.
﴿فَتَخْشَى﴾ أي فتخاف الله ، على علم منك فيصير قلبك خاضعًا له، مطيعًا خاشعًا، لأن الخشية لا تكون إلا بالمعرفة، ولكن فرعون امتنع مما دعاه إليه موسى، والفاء لترتيب الخشية على الهداية لأن الخشية لا تكون إلا من مهتد راشد.
وفي الآيات السابقة من الفوائد: أن الله أمر موسى ﵇ بمخاطبة فرعون بالخطاب اللين، فمخاطبة الرؤساء بالقول اللين أمر مطلوب شرعًا وعقلاً وعرفًا، وموسى ﵇، امتثل لما أمر به فقال لفرعون ﴿هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى * وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى﴾
стр. 27
فأخرج الكلام معه مخرج السؤال والعرض، لا مخرج الأمر، وقال: ﴿إِلَى أَنْ تَزَكَّى﴾ ولم يقل: إلى أن أزكيك، فنسب الفعل إليه هو، وذكر لفظ التزكي دون غيره لما فيه من البركة والخير والنماء، ثم قال:
﴿وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ﴾ أكون كالدليل بين يديك الذي يسير أمامك.
ثم ذكر الله مع هذه الدعوة الرفيعة أنه أراه المعجزات الباهرات والآيات العظيمات فقال تعالى.
﴿فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى﴾ في الكلام محذوف، أي: فذهب موسى إليه ودعاه وكلمه، فلما امتنع أرى موسى فرعون الآية الكبرى، أي العظمى، والآية أن معه عصًا من خشب من فروع الشجر، فكان إذا وضعها في الأرض صارت حية تسعى ثم يحملها فتعود عصا.
﴿فَكَذَّبَ وَعَصَى﴾ كذب الخبر، وعصى الأمر.
﴿ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى﴾ أي تولى مدبرًا يسعى حثيثًا في الكيد، والمحاولة ومبارزة الحق ومحاربته.
﴿فَحَشَرَ فَنَادَى﴾ حشر الناس، أي: جمعهم ونادى فيهم بصوت مرتفع ليكون ذلك أبلغ في نهيهم عما يريد منهم موسى عليهم الصلاة والسلام.
﴿فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ يعني: لا أحد فوقي فأذعنوا له وأقروا بباطله حين استخفهم.
﴿فَأَخَذَهُ اللهُ﴾ أخذه الله تعالى أخذ عزيز مقتدر جزاء إعراضه عن الحق.
﴿نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى﴾ أي: أخذه الله فنكل به نكال الآخرة وهو عذاب النار، ونكال الأولى وهو عذاب الدنيا بالغرق.
стр. 28
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً﴾ أي: فيما جرى من إرسال موسى إلى فرعون ومحاورته إياه، واستهتار فرعون به، واستكباره عن الانقياد في ذلك كله عبرة.
﴿لِمَنْ يَخْشَى﴾ أي: أن هذه العبرة والموعظة ينتفع بها من يخشى الله ويخافه.
ثم لما انتهى الحديث عن قصة الطاغية فرعون رجع إلى منكري البعث من كفار قريش، ومع علم المشركين بأن الله هو خالق السموات والأرض، الرزاق المحيي والمميت إلا أنهم ينكرون البعث بعد الموت بعد أن تحولت أجسادهم إلى عظام بالية؛ فرد سبحانه عليهم بأن الذي خلق السموات والأرض مع عظمتها لن يعجزه بعث الإنسان ذي الجرم الصغير، فإنه لا شيء في حجمه مقارنة بالسموات والأرض، وفي هذا تقرير لهم بوجوب الإيمان بالبعث بعد الموت، وبين كيفية خلقه للسماء بجمل متعاقبة فقال سبحانه: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا * رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا * وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا * وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا * أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا * وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا * مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾.
﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ﴾ هذا الاستفهام لتقرير إمكان البعث؛ لأن المشركين كذبوا النبي ﷺ بالبعث، أي: أأنتم أيها البشر؛ أخلقكم بعد الموت وبعثكم أشد في تقديركم، أم خلق السماء ذات الجرم العظيم والخلق القوي والارتفاع الباهر؟
﴿بَنَاهَا﴾ أي بناها الله وشيدها عالية رفيعة.
стр. 29
﴿رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا﴾ سمك كل شيء: قامته وارتفاعه، ورفعه يعني عن الأرض، ورفعه بغير عمد، فجعلها عالية البناء، بعيدة الفناء، مستوية الأرجاء، مكللة بالكواكب في الليلة الظلماء.
﴿فَسَوَّاهَا﴾ أي: جعلها مستوية تامة كاملة محكمة.
﴿وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا﴾ أظلم ليلها فأصبح لا يرى إلا الظلام الأسود الحالك.
﴿وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا﴾ أي: أبرز نهارها المضيء بإضاءة الشمس، فسار الناس في مصالح دينهم ودنياهم ومعاشهم وأرزاقهم.
﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ﴾ أي: بعد خلق السماوات والأرض.
﴿دَحَاهَا﴾ أي: بسط الأرض وأودع فيها منافعها.
﴿أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا﴾ أي: فجر من الأرض الأنهار والعيون، وأخرج منها مرعاها، أي: النبات الذي يرعى.
﴿وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا﴾ أي: جعلها راسية ثابتة في الأرض.
﴿مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾ أي: كل هذه النعم العظيمة جعلها لكم ولدوابكم وأنعامكم مسخرة مذللة، ينتفع الإنسان بليلها ونهارها وسهولها ومائها ونباتها؛ وكل تلك النعم إلى أجل، ثم تزول.
﴿فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى * يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ مَا سَعَى * وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى * فَأَمَّا مَنْ طَغَى * وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَاوَى * وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَاوَى﴾.
﴿فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى﴾ أي: إذا جاءت القيامة الكبرى، والشدة العظمة، وسماها طامة لأنها داهية عظيمة تطم كل شيء سبقها.
стр. 30
﴿يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ مَا سَعَى﴾ أي: يوم القيامة يتذكر حينئذ الإنسان ما سعى، أي: ما عمله في الدنيا، يتذكره مكتوبًا بكتاب.
﴿وَبُرِّزَتِ﴾ أظهرت لأبصار الناظرين.
﴿الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى﴾ أي النار لمن يبصر، تجيء تقاد بسبعين ألف زمام، كل زمام فيه سبعون ألف ملك يجرونها.
ثم ينقسم الناس بعد ذلك الهول العظيم والمشهد الفظيع إلى قسمين:
﴿فَأَمَّا مَنْ طَغَى﴾ أي: من تجاوز الحد، والطغيان هو مجاوزة الحد.
﴿وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ أي: قدمها على طاعة الله فصار سعيه لها، ووقته مستغرقًا في حظوظها وشهواتها، ونسي الآخرة وجزاءها وهذان الوصفان هما وصفا أهل النار: مجاوزة الحد، وإيثار الدنيا وتقديمها على الآخرة، وهما متلازمان، فكل من طغى فقد آثر الحياة الدنيا، وكذلك العكس.
﴿فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَاوَى﴾ أي: هي مأواه ومصيره، ومقره ومسكنه.
ثم ذكر سبحانه من خاف ربه واتقاه، وماله من الكرامة والمنزلة فقال:
﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ﴾ يعني: خاف القيام بين يديه ومجازاته بالعدل.
﴿وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى﴾ أي: زجرها عن هواها المخالف لأمر الله ورسوله.
﴿فَإِنَّ الْجَنَّةَ﴾ الجنة هي دار النعيم المشتملة على كل خير وسرور.
﴿هِيَ الْمَاوَى﴾ أي: مقره وسكنه أعدها الله ، لأوليائه ومن كان هذا وصفه منهم.
стр. 31
ثم لما ذكر حال الناس في يوم القيامة، ذكر تساؤل الناس عن هذا اليوم العظيم ومتى يكون؟
﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا * فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا * إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا * إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا * كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾.
﴿يَسْأَلُونَكَ﴾ يعني يسألك الناس.
﴿عَنِ السَّاعَةِ﴾ أي: عن القيامة استخفافًا.
﴿أَيَّانَ مُرْسَاهَا﴾ أي: متى وقوعها ووصولها؟ كرسو السفينة.
﴿فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا﴾ يعني: أنه لا يمكن أن تذكر لهم متى الساعة؛ لأن علمها عند الله.
﴿إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا﴾ منتهى علمها، فلا يعلمها غيره.
﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ﴾ يعني: ليس عندك علم منها ولكنك منذر ومخوف.
﴿مَنْ يَخْشَاهَا﴾ أي: يخافها، وهم المؤمنون.
﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا﴾ ﴿كَأَنَّهُمْ﴾ أي: إذا قاموا من قبورهم إلى المحشر.
﴿يَوْمَ يَرَوْنَهَا﴾ أي: يرون القيامة.
﴿لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾
﴿لَمْ يَلْبَثُوا﴾ يستقصرون مدة الحياة الدنيا حتى كأنها عندهم عشية.
﴿إِلَّا عَشِيَّةً﴾ العشية: من الزوال إلى غروب الشمس.
﴿أَوْ ضُحَاهَا﴾ الضحى من طلوع الشمس إلى زوالها يعني كأنهم لم يلبثوا إلا نصف يوم.
* * *
стр. 32
تفسير سورة عبس
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى * أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى * أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى * فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى * وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى * وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى * وَهُوَ يَخْشَى * فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى * كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ * فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ * فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ * مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ * بِأَيْدِي سَفَرَةٍ * كِرَامٍ بَرَرَةٍ * قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ * مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ * مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ * ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ * ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ * ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ * كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ * فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ * أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا * ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا * فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا * وَعِنَبًا وَقَضْبًا * وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا * وَحَدَائِقَ غُلْبًا * وَفَاكِهَةً وَأَبًّا * مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ * فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ * يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَانٌ يُغْنِيهِ * وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ * ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ * وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ * تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ * أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ﴾.
سورة عبس سورة مكية نزلت بمكة، فإن الله لما بعث نبينا محمدًا ﷺ بالهدى ودين الحق، وأمره بتبليغه ودعوة الناس إليه والقيام بأمره، صدع صلوات ربي وسلامه عليه بالدعوة ودعا الناس إلى الإسلام وتحمل في سبيل ذلك الأذى والمشقة فصبر عليها، وفي بداية دعوته، ورغبة في تبليغ هذا الدين، حرص على دعوة كبراء القوم ورؤسائهم، ومن له كلمة عندهم طمعًا في إسلامهم وتأثر الناس بهم، فأعرض عن رجل أعمى فقير جاء إليه ليعلمه الدين، وظهرت الكراهة في
стр. 33
وجه النبي ﷺ حين سأله، ومع أن الأعمى لم يكن يرى عبوس النبي ﷺ وإعراضه إلا أن الله أنزل في ذلك آيات تتلى، حث ذكر الموقف وسطره في كتابه العظيم قال تعالى:
﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى * أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى * أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى * فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى * وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى * وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى * وَهُوَ يَخْشَى * فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى * كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ * فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ * فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ * مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ * بِأَيْدِي سَفَرَةٍ * كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾.
﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾ الضمير يعود إلى رسول الله ﷺ .
﴿عَبَسَ﴾ أي: كلح في وجهه وقطب؛ يعني استنكر الشيء بوجهه.
﴿وَتَوَلَّى﴾ أي: أعرض في بدنه.
﴿أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى﴾ الأعمى هو عبد الله بن عمرو بن أم مكتوم ﵁ وسبب نزولها أنه جاء إلى النبي ﷺ قبل الهجرة وهو في مكة يسأل ويتعلم منه، وكان عنده قوم من عظماء قريش يطمع النبي ﷺ في إسلامهم ومن المعلوم أن العظماء والأشراف إذا أسلموا كان ذلك سببًا لإسلام من تحتهم، وكان طمع النبي ﷺ فيهم شديدًا فجاء هذا الأعمى يسأل النبي ﷺ وذكروا أنه كان يقول: علمني مما علمك الله ويستقرئ النبي ﷺ ويلح عليه، فكان النبي ﵊ يعرض عنه وعبس في وجهه، وأصغى إلى عظماء قريش رجاء وطمعا في إسلامهم، وود النبي ﷺ أن لو كف ساعته تلك ليتمكن من مخاطبة كبراء القوم.
стр. 34
﴿وَمَا يُدْرِيكَ﴾ أي: يا محمد أي شيء يريبك أن يتزكى هذا الرجل الأعمى ويقوى إيمانه.
﴿لَعَلَّهُ﴾ أي لعل ابن أم مكتوم.
وقد جاءت الآية: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى﴾ بصيغة الحكاية عن أحد آخر غائب غير المخاطب، وفي هذه أسلوب رفيع في تعلم الأدب وحسن المعاتبة، وهو تلطف في حق النبي ﷺ وإجلالاً له، وفي الآيات بيان حقيقة هذه الدعوة وكرامتها وعظمتها واستغنائها عن كل أحد وعن كل سند والعجب أن هذا في مكة، والدعوة مطاردة، والمسلمون قلة، ومع ذلك كانت المعاتبة للنبي ﷺ .
﴿يَزَّكَّى﴾ أي: يتطهر من الذنوب والأخلاق التي لا تليق بأمثاله، فإذا كان هذا هو المرجو منه فإنه أحق أن يلتفت إليه.
﴿أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى﴾ يعني: وما يدريك لعله يذكر، أي: يتعظ فتنفعه الموعظة، فإنه ﵁ أرجى من هؤلاء أن يتعظ ويتذكر.
﴿أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى﴾ أي: استغنى بماله لكثرته، واستغنى بجاهه لقوته عن الإيمان بالله، وهم العظماء الذين عند النبي ﷺ .
﴿فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى﴾ أي: تتعرض وتطلب إقباله عليك وتقبل عليه.
﴿وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى﴾ يعني: ليس عليك شيء إذا لم يتزكى هذا المستغني، لأنه ليس عليك إلا البلاغ.
﴿وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى﴾ أي: وصل إليك مسرعًا في المجيء، طالبًا منك أن ترشده إلى الخير، وتعظه بمواعظ الله.
стр. 35
﴿وَهُوَ يَخْشَى﴾ أي يخاف الله بقلبه لعلمه بعظمته تعالى:
﴿فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى﴾ أي: تلهى وتنشغل عنه برؤساء القوم لعلهم يهتدون.
﴿كَلَّا﴾ يعني لا تفعل مثل هذا، وهذه هي أول مرة يقال في القرآن للنبي ﷺ كلا.
﴿إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ﴾ أي: الآيات القرآنية التي أنزلها الله على رسوله ﷺ تذكر الإنسان بما ينفعه وتحثه عليه.
﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ﴾ أي: فمن شاء ذكر ما نزل من الموعظة فاتعظ وعمل به ومن شاء لم يتعظ ولم يعمل
﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ * مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ﴾ أي: أن هذا الذكر الذي تضمنته هذه الآيات.
﴿فِي صُحُفٍ﴾ معظمة مكرمة عند الله، والصحف جمع صحائف، والصحائف جمع صحيفة، وهي ما يكتب فيه القول.
﴿مَرْفُوعَةٍ﴾ رفيعة القدر والرتبة عند الله.
﴿مُطَهَّرَةٍ﴾ أي: منزهة لا يمسها إلا المطهرون، مصونة عن الشياطين والكفار.
﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ﴾ السفرة الكتبة، وهم الملائكة السفراء بين الله وبين عباده.
﴿كِرَامٍ﴾ أي: كرام على ربهم، كرام في أخلاقهم، كرام في خلقتهم لأنهم على أحسن خلقة وعلى أحسن خلق، كثيرو الخير والبركة.
﴿بَرَرَةٍ﴾ جمع بر، وهو كثير الفضل والإحسان.
стр. 36
ولما ذكر الله في الآيات السابقة أنه جعل هذا القرآن العظيم محفوظًا ومنزهًا عن التحريف والتبديل، وأن السفراء في إيصال هذا الكتاب هم الرسل الكرام الأقوياء الأتقياء، ولم يجعل للشياطين عليهم سبيلاً وهذا مما يوجب الإيمان به وتلقيه بالقبول.
ذكر سبحانه بعد هذا البيان قبح جريمة الكافر وإفراطه في الكفر والعصيان مع كثرة إحسان الله إليه، وبدأ بذكر ضعف الإنسان ومبدئه ومهانته، ليعرف قدره ويطيع ربه ويصرف العبادة لمستحقها، وأن لا يتكبر ويتجبر.
﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ * مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ * مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ * ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ * ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ * ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ * كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ * فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ * أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا * ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا * فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا * وَعِنَبًا وَقَضْبًا * وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا * وَحَدَائِقَ غُلْبًا * وَفَاكِهَةً وَأَبًّا * مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾.
﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ﴾.
﴿قُتِلَ﴾ أي: لعن، وأهلك.
﴿الْإِنْسَانُ﴾ المراد بالإنسان هنا الكافر خاصة.
﴿مَا أَكْفَرَهُ﴾ ﴿ما﴾ استفهامية أي: ما الذي أكفره وأهلكه، أو ما أشد كفره ومعاندته للحق؟
﴿مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ استفهام تقرير لما يأتي بعده.
﴿مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ﴾ والنطفة هي في الأصل الماء القليل، والمراد به هنا ماء الرجل الدافق الذي يخرج من بين الصلب والترائب يلقيه في رحم المرأة، فحمل وهو ماء مهين فكيف يتكبر؟
стр. 37
﴿فَقَدَّرَهُ﴾ أي جعله مقدرًا أطوارًا: نطفة، ثم علقة، ثم مضغة أو قدر أجله، ورزقه، وعمله وشقي أو سعيد.
﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ أي: سهل خروجه من بطن أمه أو يسر له الطريق إلى تحصيل الخير أو الشر.
﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ﴾ الموت مفارقة الروح للبدن.
﴿فَأَقْبَرَهُ﴾ أي: جعله في قبر، أي: مدفونًا سترًا عليه وإكرامًا واحترامًا.
﴿ثُمَّ إِذَا شَاءَ﴾ أي: إذا شاء الله .
﴿أَنْشَرَهُ﴾ أي: بعثه وأحياه يوم النشور ليجازيه على عمله.
﴿كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ﴾ ﴿كَلَّا﴾ كلمة ردع وزجر ﴿لَمَّا﴾ هنا بمعنى "لم" بل أخل به بعضهم بالكفر وبعضهم بالعصيان وما قضى ما أمره الله إلا القليل.
﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ﴾ أي فلينظر إلى طعامه من أين جاء؟ ومن جاء به؟ وهل أحد خلقه سوى الله ؟
وبعد أن ذكر سبحانه البعث والحساب والجزاء، أعاد الإنسان ليتذكر ويتأمل فضل الله عليه، وفي هذا إظهار العظمة لله وبيان بعض نعمه على عباده، وأنه المنعم المتفضل نعمه لا تعد ولا تحصى ثم أرشد سبحانه الإنسان إلى النظر والتفكر في طعامه وكيف وصل إليه! وفي هذا استدلال بإحياء النبات من الأرض الهامدة على إحياء الأجسام بعدما كانت عظامًا بالية وترابًا متمزقًا قال تعالى:
стр. 38
﴿أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا﴾ يعني: من السحاب، أنزلناه من السماء على الأرض.
﴿ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا﴾ بعد نزول المطر عليها تتشقق بالنبات.
﴿فَأَنْبَتْنَا فِيهَا﴾ أي: في الأرض.
﴿حَبًّا﴾ كالبر والأرز والذرة والشعير، وغير ذلك من الحبوب الكثيرة.
﴿وَعِنَبًا﴾ وهو معروف، وهو أدم وعصيره أدم.
﴿وَقَضْبًا﴾ قيل: إنه القت المعروف الذي تأكله الدواب.
﴿وَزَيْتُونًا﴾ الشجرة المعروفة.
﴿وَنَخْلًا﴾ النخل المعروف، يؤكل بلحًا وبسرًا ورطبًا وتمرًا ونيئًا ومطبوخًا ويعتصر منه زيت وخل، وخص هذه الأربعة لكثرة فوائدها ومنافعها.
﴿وَحَدَائِقَ غُلْبًا﴾ حدائق جمع حديقة، والغلب كثيرة الأشجار.
﴿وَفَاكِهَةً﴾ يعني: ما يتفكه به الإنسان من أنواع الفواكه، كالتين والعنب والخوخ والرمان وغير ذلك.
﴿وَأَبًّا﴾ الأب: الكلأ؛ نبات معروف عند العرب ترعاه الإبل.
﴿مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾ يعني: أننا فعلنا ذلك متعة لكم، يقوم بها أودكم، وتتمتعون أيضًا بالتفكه بهذه النعم، وذلك مدعاة إلى النظر في هذا النعيم، وأنه من الواجب شكر المنعم، وبذل الجهد في الإنابة إليه، والإقبال على طاعته، والتصديق بأخباره ثم ذكر الله خاتمة المتاع.
стр. 39
﴿فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ * يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَانٌ يُغْنِيهِ * وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ * ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ * وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ * تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ * أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ﴾.
﴿فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ﴾ يعني: صيحة يوم القيامة التي تصخ الآذان أي: تصمها فلا تسمع، وهذا هو النفخ في الصور.
﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ﴾ في ذلك اليوم يفر من أعز الناس إليه، وأشفقهم لديه، وأحبهم إليه، لهول ذلك اليوم، يفر من أخيه شقيقه، أو أبيه أو أمه.
﴿وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ﴾ الأم والأب المباشر، والأجداد أيضًا والجدات، يفر من هؤلاء كلهم.
﴿وَصَاحِبَتِهِ﴾ زوجته.
﴿وَبَنِيهِ﴾ وهم أقرب الناس إليه وأحب الناس إليه والفرار منهم لا يكون إلا لهول عظيم وخطب فظيع.
وقد بدأ بالأخ ثم بالأبوين لأنهما أقرب منه، ثم بالصحابة والبنين لأنهم أحب.
﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَانٌ يُغْنِيهِ﴾ كل إنسان في ذلك اليوم مشتغل بنفسه لا ينظر إلى غيره، فحينئذ ينقسم الخلق إلى فريقين: سعداء وأشقياء، فأما السعداء فهم كما ذكر سبحانه.
﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ﴾ يعني يوم القيامة.
﴿مُسْفِرَةٌ﴾ من الإسفار وهو الوضوح؛ لأن وجوه المؤمنين تسفر عما في قلوبهم من السرور والانشراح والبهجة مما عرفوا من نجاتهم وفوزهم بالنعيم.
стр. 40
﴿ضَاحِكَةٌ﴾ يعني متبسمة، وهذا من كمال سرورهم.
﴿مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ أي: قد بشرت بالخير.
﴿وَوُجُوهٌ﴾ أي: وجوه الأشقياء، وهذا هو حال الفريق الثاني.
﴿يَوْمَئِذٍ﴾ يعني يوم القيامة.
﴿عَلَيْهَا غَبَرَةٌ﴾ أي: شيء كالغبار؛ لأنها ذميمة قبيحة.
﴿تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ﴾ أي: يغشاها ظلمة وسواد.
﴿أُولَئِكَ﴾ الذين هذا وصفهم.
﴿هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ﴾ أي: الذين جمعوا بين الكفر والفجور، والفجرة هم الفاسقون الكاذبون.
* * *