Полный текст (169 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
ولما ذكر الله في الآيات السابقة أنه جعل هذا القرآن العظيم محفوظًا ومنزهًا عن التحريف والتبديل، وأن السفراء في إيصال هذا الكتاب هم الرسل الكرام الأقوياء الأتقياء، ولم يجعل للشياطين عليهم سبيلاً وهذا مما يوجب الإيمان به وتلقيه بالقبول.
ذكر سبحانه بعد هذا البيان قبح جريمة الكافر وإفراطه في الكفر والعصيان مع كثرة إحسان الله إليه، وبدأ بذكر ضعف الإنسان ومبدئه ومهانته، ليعرف قدره ويطيع ربه ويصرف العبادة لمستحقها، وأن لا يتكبر ويتجبر.
﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ * مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ * مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ * ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ * ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ * ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ * كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ * فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ * أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا * ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا * فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا * وَعِنَبًا وَقَضْبًا * وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا * وَحَدَائِقَ غُلْبًا * وَفَاكِهَةً وَأَبًّا * مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾.
﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ﴾.
﴿قُتِلَ﴾ أي: لعن، وأهلك.
﴿الْإِنْسَانُ﴾ المراد بالإنسان هنا الكافر خاصة.
﴿مَا أَكْفَرَهُ﴾ ﴿ما﴾ استفهامية أي: ما الذي أكفره وأهلكه، أو ما أشد كفره ومعاندته للحق؟
﴿مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ استفهام تقرير لما يأتي بعده.
﴿مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ﴾ والنطفة هي في الأصل الماء القليل، والمراد به هنا ماء الرجل الدافق الذي يخرج من بين الصلب والترائب يلقيه في رحم المرأة، فحمل وهو ماء مهين فكيف يتكبر؟
стр. 37
﴿فَقَدَّرَهُ﴾ أي جعله مقدرًا أطوارًا: نطفة، ثم علقة، ثم مضغة أو قدر أجله، ورزقه، وعمله وشقي أو سعيد.
﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ أي: سهل خروجه من بطن أمه أو يسر له الطريق إلى تحصيل الخير أو الشر.
﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ﴾ الموت مفارقة الروح للبدن.
﴿فَأَقْبَرَهُ﴾ أي: جعله في قبر، أي: مدفونًا سترًا عليه وإكرامًا واحترامًا.
﴿ثُمَّ إِذَا شَاءَ﴾ أي: إذا شاء الله .
﴿أَنْشَرَهُ﴾ أي: بعثه وأحياه يوم النشور ليجازيه على عمله.
﴿كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ﴾ ﴿كَلَّا﴾ كلمة ردع وزجر ﴿لَمَّا﴾ هنا بمعنى "لم" بل أخل به بعضهم بالكفر وبعضهم بالعصيان وما قضى ما أمره الله إلا القليل.
﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ﴾ أي فلينظر إلى طعامه من أين جاء؟ ومن جاء به؟ وهل أحد خلقه سوى الله ؟
وبعد أن ذكر سبحانه البعث والحساب والجزاء، أعاد الإنسان ليتذكر ويتأمل فضل الله عليه، وفي هذا إظهار العظمة لله وبيان بعض نعمه على عباده، وأنه المنعم المتفضل نعمه لا تعد ولا تحصى ثم أرشد سبحانه الإنسان إلى النظر والتفكر في طعامه وكيف وصل إليه! وفي هذا استدلال بإحياء النبات من الأرض الهامدة على إحياء الأجسام بعدما كانت عظامًا بالية وترابًا متمزقًا قال تعالى:
стр. 38
﴿أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا﴾ يعني: من السحاب، أنزلناه من السماء على الأرض.
﴿ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا﴾ بعد نزول المطر عليها تتشقق بالنبات.
﴿فَأَنْبَتْنَا فِيهَا﴾ أي: في الأرض.
﴿حَبًّا﴾ كالبر والأرز والذرة والشعير، وغير ذلك من الحبوب الكثيرة.
﴿وَعِنَبًا﴾ وهو معروف، وهو أدم وعصيره أدم.
﴿وَقَضْبًا﴾ قيل: إنه القت المعروف الذي تأكله الدواب.
﴿وَزَيْتُونًا﴾ الشجرة المعروفة.
﴿وَنَخْلًا﴾ النخل المعروف، يؤكل بلحًا وبسرًا ورطبًا وتمرًا ونيئًا ومطبوخًا ويعتصر منه زيت وخل، وخص هذه الأربعة لكثرة فوائدها ومنافعها.
﴿وَحَدَائِقَ غُلْبًا﴾ حدائق جمع حديقة، والغلب كثيرة الأشجار.
﴿وَفَاكِهَةً﴾ يعني: ما يتفكه به الإنسان من أنواع الفواكه، كالتين والعنب والخوخ والرمان وغير ذلك.
﴿وَأَبًّا﴾ الأب: الكلأ؛ نبات معروف عند العرب ترعاه الإبل.
﴿مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾ يعني: أننا فعلنا ذلك متعة لكم، يقوم بها أودكم، وتتمتعون أيضًا بالتفكه بهذه النعم، وذلك مدعاة إلى النظر في هذا النعيم، وأنه من الواجب شكر المنعم، وبذل الجهد في الإنابة إليه، والإقبال على طاعته، والتصديق بأخباره ثم ذكر الله خاتمة المتاع.
стр. 39
﴿فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ * يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَانٌ يُغْنِيهِ * وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ * ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ * وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ * تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ * أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ﴾.
﴿فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ﴾ يعني: صيحة يوم القيامة التي تصخ الآذان أي: تصمها فلا تسمع، وهذا هو النفخ في الصور.
﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ﴾ في ذلك اليوم يفر من أعز الناس إليه، وأشفقهم لديه، وأحبهم إليه، لهول ذلك اليوم، يفر من أخيه شقيقه، أو أبيه أو أمه.
﴿وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ﴾ الأم والأب المباشر، والأجداد أيضًا والجدات، يفر من هؤلاء كلهم.
﴿وَصَاحِبَتِهِ﴾ زوجته.
﴿وَبَنِيهِ﴾ وهم أقرب الناس إليه وأحب الناس إليه والفرار منهم لا يكون إلا لهول عظيم وخطب فظيع.
وقد بدأ بالأخ ثم بالأبوين لأنهما أقرب منه، ثم بالصحابة والبنين لأنهم أحب.
﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَانٌ يُغْنِيهِ﴾ كل إنسان في ذلك اليوم مشتغل بنفسه لا ينظر إلى غيره، فحينئذ ينقسم الخلق إلى فريقين: سعداء وأشقياء، فأما السعداء فهم كما ذكر سبحانه.
﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ﴾ يعني يوم القيامة.
﴿مُسْفِرَةٌ﴾ من الإسفار وهو الوضوح؛ لأن وجوه المؤمنين تسفر عما في قلوبهم من السرور والانشراح والبهجة مما عرفوا من نجاتهم وفوزهم بالنعيم.
стр. 40
﴿ضَاحِكَةٌ﴾ يعني متبسمة، وهذا من كمال سرورهم.
﴿مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ أي: قد بشرت بالخير.
﴿وَوُجُوهٌ﴾ أي: وجوه الأشقياء، وهذا هو حال الفريق الثاني.
﴿يَوْمَئِذٍ﴾ يعني يوم القيامة.
﴿عَلَيْهَا غَبَرَةٌ﴾ أي: شيء كالغبار؛ لأنها ذميمة قبيحة.
﴿تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ﴾ أي: يغشاها ظلمة وسواد.
﴿أُولَئِكَ﴾ الذين هذا وصفهم.
﴿هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ﴾ أي: الذين جمعوا بين الكفر والفجور، والفجرة هم الفاسقون الكاذبون.
* * *
стр. 41
تفسير سورة التكوير
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ * وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ * وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ * وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ * وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ * وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ * وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ * وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ * وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ * وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ * وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ * وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ * عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ * فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ * الْجَوَارِي الْكُنَّسِ * وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ * وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ * إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْش مَكِينٍ * مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ * وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ * وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ * وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ * وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ * فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ * إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ * لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ * وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾.
سورة التكوير سورة مكية، نزلت في مكة، ذكر الله فيها آيات وعظات وعبرًا، وجعل التفكير في عجائب صنعه وعظيم خلقه من العبادة العظيمة؛ فإنه سبحانه خلق هذا الكون العظيم بنظام دقيق متناسق لا خلل فيه ولا اضطراب، وذلك من أعظم آيات الله وجعل لهذا النظام الدقيق والصنع البديع أجلاً ينتهي إليه حيث تتغير السموات والأرض وتفسد تلك الأجرام الهائلة، وتتغير بعض الكائنات وكل ذلك مؤذن ببدء حياة جديدة هي اليوم الآخر، ذكرها سبحانه في هذه الآيات مبينًا لأهوال القيامة، وما يكون فيها من الشدائد والكوارث، وما يعتري الكون والوجود من مظاهر التغيير والتخريب.
стр. 42
وفي الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: «من سره أن ينظر إلى يوم القيامة كأنه رأي العين، فليقرأ ﴿إذا الشمس كورت﴾ و ﴿إذا السماء انفطرت﴾ و ﴿إذا السماء انشقت﴾ رواه الترمذي.
﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ * وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ * وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ * وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ * وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ * وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ * وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ * وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ * وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ * وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ * وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ * وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ * عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ﴾.
﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ أي: جمعت ولفت، وجعلت مثل شكل الكرة، وهذا يكون يوم القيامة.
﴿وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ﴾ يعني: تساقطت من أفلاكها، وتناثرت، وقيل: طمس نورها.
﴿وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ﴾ أي: أن هذه الجبال العظيمة الصلبة العالية الرفيعة تكون هباء يوم القيامة، تزول عن أماكنها وتسير.
﴿وَإِذَا الْعِشَارُ﴾ العشار جمع عشراء، وهي الناقة الحامل التي تم لحملها عشر أشهر وهي من أنفس الأموال عند العرب؛ لأنها مرجوة الولد واللبن قريبة النفع.
﴿عُطِّلَتْ﴾ أي: تركت هملاً بلا راع مع نفاستها وعظم قدرها، وذلك لما شاهدوا من الهول العظيم.
﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾ الوحوش جمع وحش، والمراد بها جميع الدواب، بعثت وجمعت ليوم القيامة حتى يقتص لبعضها من بعض، وقيل: حشرها موتها.
стр. 43
﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ﴾ البحار جمع بحر، وجمعت لعظمتها وكثرتها، هذه البحار العظيمة إذا كان يوم القيامة فإنها تسجر، أي توقد نارًا تشتعل نارًا عظيمة وحينئذ تيبس.
﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ النفوس جمع نفس، والمراد بها نفوس الناس كلها فتزوج النفوس يعني يُضم كل صنف إلى صنفه، وقال الحسن، ألحق كل امرئ بشيعته: اليهود باليهود، والنصارى بالنصارى، والمجوس بالمجوس، والمنافقون بالمنافقين، ويلحق المؤمنون بالمؤمنين.
﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ﴾ الموؤدة: هي الأنثى تدفن حية تُسأل يوم القيامة سؤال تطييب لها وتبكيت لوائدها، وكانت العرب إذا ولدت لأحدهم بنت دفنها حية مخافة العار أو الفقر.
﴿بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ هل أذنبت؟ يوبخ قاتلها بسؤالها لأنها قتلت بغير ذنب فعلته.
﴿وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ﴾ الصحف جمع صحيفة، وهي ما يكتب فيه الأعمال، تنشر وتفتح وتعرض للحساب.
﴿وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ﴾ هذه السماء العظيمة تكشط، يعني تزال عن مكانها.
﴿وَإِذَا الْجَحِيمُ﴾ الجحيم اسم من أسماء النار، وسميت بذلك لبعد قعرها وظلمة مرءاها.
﴿سُعِّرَتْ﴾ أي: أوقد عليها فاستعرت، والتهبت التهابًا لم يكن لها قبل ذلك.
﴿وَإِذَا الْجَنَّةُ﴾ الجنة دار المتقين.
﴿أُزْلِفَتْ﴾ يعني: قربت وزينت للمؤمنين.
стр. 44
قيل هذه الأمور الاثنا عشر ست منها في الدنيا، وهي من أول السورة إلى قوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ﴾ وست في الآخرة وهي: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ إلى هنا.
﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ﴾ أي: كل نفس تعلم في هذا اليوم الهائل ما معها وما لها وما عليها، تعلم كل نفس ما قدمته من خير وشر.
ولما ذكر الله هذه الأحوال العظيمة، والوقائع المتتالية الرهيبة أقسم بمخلوقاته على صدق رسوله ﷺ ، وأن ما نزل عليه إنما هو من كلام الله وليس من كلام المخلوقين كما يدعي المشركون.
﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ * الْجَوَارِي الْكُنَّسِ * وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ * وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ * إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْش مَكِينٍ * مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ * وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ * وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ * وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ * وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ * فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ * إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ * لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ * وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾.
﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ﴾.
﴿فَلَا أُقْسِمُ﴾ أي: أقسم بالخنس.
﴿بِالْخُنَّسِ﴾ الخنس: جمع خانسة، وهي النجوم التي تخنس، أي رجع، فبينما تراها في أعلى الأفق، إذا بها راجعة إلى آخر الأفق فهي تختفي في أول الليل، فلا تظهر إلا بعد الظلمة.
﴿الْجَوَارِي﴾ النجوم التي تجري في أفلاكها.
стр. 45
﴿الْكُنَّسِ﴾ النجوم التي تدخل في النهار إذا طلع، كما يدخل الظبي في "كناسه" أي: بيته.
﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾ أي: إذا أقبل بظلامه وقيل: أدبر.
﴿وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ﴾ أي: طلع وأقبل بروح ونسيم، وعم بنوره الأرض، فيكون الله أقسم بالليل حال إقباله، وبالنهار حال إقباله.
﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾.
﴿إِنَّهُ﴾ أي: القرآن.
﴿لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ هو جبريل ﵊ أشرف الملائكة عند الله تعالى، نزل به من الله تعالى، ووصفه الله بالكريم لكرم أخلاقه وكثرة خصاله الحميدة، فإنه أفضل الملائكة وأعظمهم رتبة عند ربه.
﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْش مَكِينٍ﴾.
﴿ذِي قُوَّةٍ﴾ وصفه الله تعالى بالقوة العظيمة والقدرة العالية.
﴿عِنْدَ ذِي الْعَرْش﴾ أي: عند صاحب العرش وهو الله جل وعلا والعرش فوق كل شيء، وفوق العرش رب العالمين .
﴿مَكِينٍ﴾ أي ذي مكانة، أي أن جبريل عند الله ذو مكانة رفيعة وشرف عظيم.
﴿مُطَاعٍ﴾ أي: جبريل مطاع في الملأ الأعلى هناك بين الملائكة يرجعون إليه ويطيعونه.
﴿ثَمَّ أَمِينٍ﴾ وهو كذلك أمين على ما كلف به من الوحي, فلا يزيد ولا ينقص.
стр. 46
ولما ذكر الله فضل الرسول الملكي جبريل الذي جاء بالقرآن ذكر فضل الرسول البشري الذي نزل عليه القرآن ودعا إليه الناس.
﴿وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ﴾ أي محمد رسول الله ﷺ يعني ليس مجنونًا كما تزعمون يا أهل مكة، وذكر محمدًا ﷺ بوصف الصحبة للإشعار بأنهم عالمون بأمره وبأنه أعقل الناس وأكملهم.
﴿وَلَقَدْ رَآهُ﴾ أي: رأى محمد ﷺ جبريل ﵇ في صورته له ست مائة جناح.
﴿بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ﴾ الأفق جانب السماء العظيم.
﴿وَمَا هُوَ﴾ يعني: ما محمد ﷺ .
﴿عَلَى الْغَيْبِ﴾ يعني: على القرآن والوحي الذي جاءه من عند الله.
﴿بِضَنِينٍ﴾ أي: ببخيل، لا يبخل بالوحي، ولا يقصر في التبليغ، بل يعلم الخلق كلام الله وأحكامه.
ولما ذكر سبحانه جلاله كتابه وفضله بذكر الرسولين الكريمين اللذين وصل إلى الناس على أيديهما، وأثنى الله عليهما بما أثنى، دفع عن هذا الكتاب المنزل كل آفة, ونقص مما يقدح في صدقه، فقال سبحانه.
﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ﴾ أي: ليس القرآن بقول أحد من الشياطين المسترقة للسمع المرجومة بالشهب.
﴿فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ﴾ أي: طريق تسلكون أبين من هذه الطريقة التي قد بينت لكم ووضحت لكم.
﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾ أي: القرآن، إلا موعظة وتذكير والمراد بالعالمين من بعث إليهم رسول الله ﷺ .
﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾.
стр. 47
﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ﴾ لمن أراد منكم.
﴿أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ الاستقامة هي الاعتدال لا يميل يمينًا ولا شمالا أن يستقيم على هدى الله في الطريق إليه، بعد هذا البيان، الذي يكشف كل شبهة وينفي كل ريبة، ويسقط كل عذر.
﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللهُ﴾ يعني لا يمكن أن تشاؤا شيئًا, ومنه الاستقامة ولا تقدرون على ذلك، إلا وقد شاءه الله من قبل وقدره.
﴿رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ إشارة إلى عموم ربوبية الله.
стр. 48
تفسير سورة الانفطار
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ * وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ * وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ * وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ * عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ * يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ * فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ * كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ * وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ * إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ * يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ * وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ * ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ * يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلهِ﴾.
سورة الانفطار سورة مكية، ذكر الله فيها ما أكرم به الإنسان من النعم العظيمة والآلاء الجسيمة وعرفه نعمه عليه، ومع كثرة النعم وجزيل العطاء، ربما يحمل ذلك الإنسان على معصية الله لما يراه من تتوالي النعم وتوافر الخيرات، ولا يردعه عن ذلك مثل التذكير والاتعاظ ومعرفته بأن الأحوال تتغير، وأن الله لا يرضى أن تكون نعمه وسيلة لمقارفة المعاصي والآثام، وفي سورة الانفطار تحذير الإنسان من الاغترار بالنعم والتمادي في المعصية, لأن أمامه يوم عظيم، وموقف عصيب, يجازي فيه الإنسان على ما قدم وأخر من الأعمال، وهو يوم القيامة الذي ذكر الله بعضًا من صفاته وأحواله في هذه السورة.
﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ * وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ * وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ * وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ * عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ * يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ * فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ
стр. 49
رَكَّبَكَ * كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ * وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾.
﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ *﴾ يعني: تشققت لنزول الملائكة.
﴿وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ﴾ يعني: النجوم صغيرها وكبيرها، تنتشر وتتفرق وتتساقط, لأن العالم انتهى.
﴿وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ﴾ أي: فُجر بعضها على بعض وملئت الأرض.
﴿وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ﴾ أي: بعثرت وقلب ترابها، وأخرج ما فيها من الأموات أحياء يسيرون ليوم عظيم.
ومع التبدل والتحول في هذا العالم ينكشف الغطاء، ويزول ما كان خفيًا وتعلم كل نفس ما أحضرت قال تعالى:
﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ﴾ علمت كل نفس ما قدمت وأخرت، وذلك بما يعرض عليها من الكتاب، وعلمت ما قدمت من عمل خير أو شر.
ثم تحدثت الآيات عن جحود الإنسان وكفرانه لنعم الله، وهو يتلقى فيوض النعمة منه، جل وعلا، ولكنه لا يعرف للنعمة حقها، ولا يعرف لربه قدره، ولا يشكر على الفضل والنعمة والكرامة.
﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ﴾ المراد بالإنسان هنا الكافر، وقيل: الإنسان من حيث هو إنسان، وناداه سبحانه بصفة الإنسان لما أودع فيه من العقل وميزه به عن سائر المخلوقات.
﴿مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ يعني: أي شيء خدعك وسول لك حيث تكذب بالبعث، وتعصي الله في الأمر والنهي، وقيل أنه سبحانه ذكر
стр. 50
الكريم دون سائر أسمائه وصفاته, لأنه لا ينبغي مقابلة الكريم بالأفعال القبيحة وأعمال الفجور.
﴿الَّذِي خَلَقَكَ﴾ خلقك من نطفة ولم تك شيئًا وأوجدك من العدم ولم تك شيئًا.
﴿فَسَوَّاكَ﴾ أي: جعلك مستوي الخلقة تسمع وتبصر وتعقل.
﴿فَعَدَلَكَ﴾ أي: جعلك معتدل القامة حسن الصورة، وجعل أعضاءك متعادلة متناسبة.
﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ أي: الله ركبك في أي صورة شاء، وهذا من نعم الله على الإنسان أنه سوى خلقه وحسن صورته.
ومع هذا العطاء الجزيل والنعم المتتالية إلا أن هناك من يجحد هذه النعمة ويصرف العبادة لغير الله.
﴿كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ﴾.
﴿كَلَّا﴾ للردع والزجر عن الاغترار بكرم الله وجعله ذريعة إلى الكفر به، يعني: مع هذا الخلق والإمداد والإعداد.
﴿تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ﴾ أي: لا تصدقون بالجزاء والحساب.
﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ﴾ أي: من الملائكة يحفظون ويكتبون أعمالكم.
﴿كِرَامًا﴾ على ربهم.
﴿كَاتِبِينَ﴾ يكتبون ويدونون أعمالكم.
﴿يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ إما بالمشاهدة إن كان فعلاً وإما بالسماع إن كان قولاً بل إن عمل القلب يطلعهم الله عليه فيكتبونه.
стр. 51
ثم لما ذكر الله في الآيات السابقة النعم العظيمة، ووجوب طاعة الله ومراقبته، وأن كل ما يعمله الإنسان محصى ومكتوب له أو عليه ذكر منازل المطيعين ومنازل العاصين، فقال سبحانه:
﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ * يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ * وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ * ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ * يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلهِ﴾.
﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ﴾ هذا بيان للنهاية والجزاء، والأبرار جمع بر وهم كثيروا فعل الخير والطاعات، المتباعدون عن الشر، القائمون بحقوق الله وحقوق عباده.
﴿لَفِي نَعِيمٍ﴾ أي: نعيم في القلب، ونعيم في البدن.
﴿وَإِنَّ الْفُجَّارَ﴾ الفجار: هم الكفار الذين كفروا بربهم وقصروا في حقوق الله وحقوق عباده.
﴿لَفِي جَحِيمٍ﴾ أي: في نار حامية.
﴿يَصْلَوْنَهَا﴾ يعني: يدخلونها ويحترقون بها.
﴿يَوْمَ الدِّينِ﴾ أي: يوم الجزاء وذلك يوم القيامة.
﴿وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ﴾ أي: لن يغيبوا عنها فيخرجوا منها.
﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ﴾ هذا الاستفهام للتفخيم والتعظيم.
﴿ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ﴾ تأكيد: أي: ما أعلمك ما يوم الحساب والجزاء وما فيه من أهول وشدائد، ثم يأتي الجواب الواضح، يبين حال الإنسان وواقعه في ذلك اليوم.
﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا﴾ يوم القيامة لا أحد يملك لأحد شيئًا لا يجلب خير ولا بدفع ضرر إلا بإذن الله .
стр. 52
﴿وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلهِ﴾ في الآخرة الأمر لله , ولا تملك نفس لنفس شيئًا إلا بإذن الله والله يتفرد به سبحانه، لا يملك أحدًا في ذلك اليوم شيئًا كما ملكهم في الدنيا ولا يقهره قاهر ولا ينازعه أحد.
стр. 53
تفسير سورة المطففين
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ * أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ * يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ * كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ * كِتَابٌ مَرْقُومٌ * وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ * الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ * وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ * إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ * كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ * كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ * ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ * ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ * كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ * كِتَابٌ مَرْقُومٌ * يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ * إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ * تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ * يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ * خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ * وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ * عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ * إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ * وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ * وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ * وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ * وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ * فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ * عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ * هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا
يَفْعَلُونَ﴾.
سورة المطففين سورة مكية، فيها إقامة العدل ونشره، والتحذير من الظلم ونبذه، فالله حكم عدل لا يرضى بالظلم، ولا يرضاه لعباده حتى في أقل الأمور وأصغرها شأنًا، ولهذا ذكر التخويف والوعيد لمن فسدت أخلاقه ولم يراقب الله وظلم الناس ولو بالقليل، ومن أولئك أصحاب الأموال, وأهل البيع والشراء، الذين يظلمون الناس
стр. 54
بغشهم وخداعهم، فهم يأخذون المال من الناس كاملاً ويعطونهم أقل من حقهم من المباع، فحذرهم وذكرهم بيوم القيامة, حتى لا يتمادوا ويتوبوا من تطفيف الكيل والميزان، وفي الحديث عن ابن عباس ﵄ قال: "لما قدم النبي ﷺ المدينة كانوا من أخبث الناس كيلاً فأنزل الله سبحانه "ويل للمطففين" فأحسنوا الكيل بعد ذلك" رواه ابن ماجة.
﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ * أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ * يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
﴿وَيْلٌ﴾ الويل: الهلاك، وهي كلمة وعيد وعذاب، يتوعد الله بها من خالف أمره.
﴿لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ التطفيف: النقص من الكيل أو الوزن شيئًا طفيفًا والمطففين هم الذين يفعلون ذلك، وتفسر الآيتان التاليتان معنى المطففين فهم.
﴿الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ﴾ أي: إذا اشترى الناس منهم ما يكال استوفوا منهم الحق كاملاً بدون نقص.
﴿وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ﴾ يعني: إذا كالوا للناس، أي: هم الذين باعوا الطعام كيلاً, فإنهم إذا كالوا للناس أو باعوا عليهم شيئًا وزنًا إذا وزنوا انقصوا.
﴿يُخْسِرُونَ﴾ ينقصون؛ فهؤلاء يستوفون حقهم كاملاً وينقصون حق غيرهم فجمعوا بين الأمرين، بين الشح والبخل.
ثم توعد تعالى المطففين وتعجب من حالهم وإقامتهم على ما هم عليه فقال سبحانه:
стр. 55
﴿أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ﴾ يقال لهم توبيخًا: ألا يتيقن هؤلاء ويعلمون علم اليقين، أنهم مبعوثون: أي مخرجون من قبورهم لله رب العالمين فمسئولون عما يفعلون ومجازون عليه.
﴿لِيَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ عظيم في قوله، في أهواله فيما يحدث فيه وهو يوم القيامة.
﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ في هذا اليوم العظيم يقوم الناس من قبورهم حفاة ليس عليهم نعال ولا خفاف؛ عراة ليس عليهم ثياب، ولا قمص ولا سراويل, ولا أزر ولا أردية، وفي هذا الوعيد دلالة على عظم ذنب التطفيف, ومزيد إثمه وفظاعة, عقابه.
﴿لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ وهو الله جل وعلا.
ولما ذكر الله يوم القيامة وقيام الناس فيه لرب العالمين، وذكر مصير الناس فيه, وأنهم ينقسمون إلى قسمين: فجار، وأبرار ابتدأ بالفجار لدناءة أعمالهم وسوء مآلهم فقال سبحانه.
﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ * كِتَابٌ مَرْقُومٌ * وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ * الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ * وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ * إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ * كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ * كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ * ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ * ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾.
﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ﴾
﴿كَلَّا﴾ كلمة ردع وزجر، أي: حقًا.
﴿إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ﴾ أي: أن الفجار ومنهم المطففون مكتوبون في.
﴿سِجِّينٍ﴾ أي: في سجل أهل النار، أو في حبس وضيق.
стр. 56
﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ﴾ الاستفهام هنا للتعظيم، أي: ما لذي أعلمك بسجين؟ وهل بحثت عنه؟ وهل سألت عنه حتى يبين لك؟
﴿كِتَابٌ مَرْقُومٌ﴾ مكتوب مفروغ منه، لا يزاد فيه ولا ينقص، ولا يبدل.
﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ويل كلمة عذاب وعقاب، ثم بين المكذبين بأنهم.
﴿الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ يكذبون بيوم الجزاء وهو يوم القيامة.
﴿وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ﴾ أي: ما يكذب بيوم الدين وينكره.
﴿إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ﴾.
﴿مُعْتَدٍ﴾ في أفعاله.
﴿أَثِيمٍ﴾ في أقواله، وقيل: ﴿مُعْتَدٍ﴾ في أفعاله ﴿أَثِيمٍ﴾ في كسبه، أي أن مآله إلى الإثم، والمعنيان متقاربان.
﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا﴾ يعني إذا تلاها عليه أحد، وهذا يدل على أن هذا الرجل لا يفكر أن يتلو آيات الله، ولكنها تتلى عليه، فإذا تليت عليه.
﴿قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ أي: هذا أساطير الأولين، وأحاديثهم وأباطيلهم.
﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾.
﴿كَلَّا﴾ للردع والزجر للمعتدي.
﴿بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ أي: اجتمع عليها وحجبها عن الحق.
﴿مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ من الأعمال السيئات كثرت عليهم السيئات فأحاطت بقلوبهم.
стр. 57
﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ أي: حقًا إنهم عن رؤية ربهم وخالقهم لمحجوبون، وذلك في يوم القيامة، فإنهم يحجبون عن رؤية الله كما حُجبوا عن رؤية شريعته وآياته فرأوا أنها أساطير الأولين.
﴿* ثُمَّ إِنَّهُمْ﴾ أي: أن هؤلاء الفجار مع هذه العقوبة البليغة.
﴿لَصَالُو الْجَحِيمِ﴾ يصلون حرارتها أو عذابها.
﴿ثُمَّ يُقَالُ﴾ أي: يقول لهم خزنة النار، يقال تقريعًا لهم وتوبيخًا.
﴿هَذَا﴾ العقاب.
﴿الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ أي: النار، فيجتمع عليهم العذاب البدني والألم البدني بصلي النار، وكذلك العذاب القلبي بالتوبيخ والتنديم حيث يقال: ﴿هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾.
ولما ذكر الله المآل الذي يؤول إليه الفجار، والعياذ بالله ذكر الأبرار ومنزلتهم وما أعده الله لهم فقال:
﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ * كِتَابٌ مَرْقُومٌ * يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ * إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ * تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ * يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ * خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ * وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ * عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ﴾.
﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ﴾ الأبرار هم المؤمنون الصادقون العاملون بالبر والتقوى، وكتاب الأبرار في عليين في أعلى الجنة، يوحي بالعلو والارتفاع.
стр. 58
﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ﴾ أي: ما الذي أعلمك يا محمد ما عليون؟ على جهة التفخيم والتعظيم.
﴿كِتَابٌ مَرْقُومٌ﴾ أي: أن كتاب الأبرار الذي فيه أسماؤهم كتاب مرقوم مكتوب لا يتغير ولا يتبدل.
﴿يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ يشهده أي: يحضره.
﴿الْمُقَرَّبُونَ﴾ عند الله هم الذين تقربوا إلى الله بطاعته من الملائكة الكرام وأرواح الأنبياء، والصديقين والشهداء.
ثم يذكر حال الأبرار أنفسهم، أصحاب هذا الكتاب الكريم، ويصف ما هو فيه من نعيم في ذلك اليوم العظيم.
﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ﴾ الأبرار: جمع بر، والبر كثير الخير، كثير الطاعة.
﴿لَفِي نَعِيمٍ﴾ النعيم هنا يشمل نعيم البدن ونعيم القلب.
﴿عَلَى الْأَرَائِكِ﴾ الأرائك جمع أريكة، وهي السرير المزخرف المزين الذي وضع عليه مثل الظل.
﴿يَنْظُرُونَ﴾ يعني ينظرون إلى ما أنعم الله به عليه من النعيم الذي لا تدركه الأنفس، وقيل: ينظرون إلى ما أعد الله لهم من الكرامات وأعظمها النظر إلى وجهه الكريم.
﴿تَعْرِفُ﴾ أي: عرف أيها الناظر إليهم.
﴿فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾ أي: إذا رأيهم عرفت أنهم من أهل النعمة، لما تراه في وجوههم من النور والحسن.
﴿يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ﴾.
﴿يُسْقَوْنَ﴾ يعني: الأبرار يسقيهم الله بأيدي الخدم.
стр. 59
﴿مِنْ رَحِيقٍ﴾ أي: من شراب خالص من الخمر لا شوب فيه ولا ضرر فيه على العقل.
﴿مَخْتُومٍ * خِتَامُهُ مِسْكٌ﴾ أي: بقيه وآخره مسك، أي طيب الريح.
﴿وَفِي ذَلِكَ﴾ أي: وفي هذا الثواب والجزاء والنعيم المقيم.
﴿فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ *﴾ أي: وفي هذا الثواب والجزاء فليتسابق المتسابقون سباقًا يصل بهم إلى حد النفس، والتنافس: التشاجر على الشيء والتنازع فيه، فيريده كل واحد لنفسه، ويضن به لعظم منزلتهم وما ينالهم من النعيم، عكس حال المطففين الذين يتنافسون على جمع حطام الدنيا من أوجه محرمة، ومن أكل أموال الناس بالباطل.
﴿وَمِزَاجُهُ﴾ أي: مزاج هذا الشرب الذي يسقاه هؤلاء الأبرار.
﴿مِنْ تَسْنِيمٍ﴾ أي: من عين رفيعة معنى وحسًا.
﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ﴾ أي: أن هذه العين والمياه النابعة والأنهار الجارية يشرب منها ويروى بها المقربون.
وبعد سياق هذا النعيم المقيم وما فيه من النعم والكرامة، يذكر الله حال وموقف الفجار من المسلمين الذين يسخرون من الذين آمنوا في الدنيا، وختم بأن الجزاء من جنس العمل، حيث ذكر حال هؤلاء المجرمين المستهزئين في الدنيا بالمؤمنين، ثم ذكر حال المؤمنين يوم القيامة يتفرجون عليهم وهم يعذبون وفي تقديم النعيم والجزاء قبل ذكر الأذى والاستهزاء مدعاة إلى الصبر والتحمل، قال تعالى:
﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ * وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ * وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ * وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ
стр. 60
هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ * وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ * فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ * عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ * هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾.
﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا﴾ وهم الكفرة، قاموا بالجرم وهو المعصية والمخالفة.
﴿كَانُوا﴾ أي: في الدنيا.
﴿مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ﴾ استهزاء وسخرية واستصغارًا لهم.
﴿وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ﴾ إذا مر المجرمون بالمؤمنين.
﴿يَتَغَامَزُونَ﴾ يعني: يغمز بعضهم بعضًا، انظر إلى هؤلاء، سخرية واستهزاء واستصغارًا، وأنهم لضالون لإيمانهم بمحمد وتركهم شهوات الحياة.
﴿وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ﴾ إذا رجع وانصرف المجرمون إلى أهلهم, وقد تهكموا واستهزؤوا بالمؤمنين.
﴿فَكِهِينَ﴾ متفكهين معجبين بما نالوه من السخرية بهؤلاء المؤمنين.
﴿وَإِذَا رَأَوْهُمْ﴾ أي: رأى المجرمون المؤمنين.
﴿قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ﴾ ضالون عن الصواب، متأخرون، متزمتون، متشددون إلى غير ذلك من الألقاب التي تتكرر في كل زمان ومكان.
﴿وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ﴾ أي: أن هؤلاء المجرمين ما بعثوا حافظين لهؤلاء المؤمنين يرقبونهم ويحكمون عليهم، بل الحكم لله .
стр. 61
﴿فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ﴾ اليوم يعني: يوم القيامة أي في هذا اليوم الذين آمنوا يضحكون من الكفار؛ لما وجدوا من النعيم وحسن الثواب على صبرهم.
﴿عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ أي: أن المؤمنين على الأرائك في الجنة والأرائك هي السرر الفخمة الحسنة، ينظرون ما أعد الله لهم من الثواب.
﴿هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾
﴿ثُوِّبَ﴾ أي: جوزيَ و ﴿هَلْ﴾ هنا للتقرير أي: أن الله تعالى قد عاقب الكفار وجازاهم جزاء فعلهم في الدنيا، فكما ضحكوا في الدنيا من المؤمنين ورموهم بالضلال، ضحك المؤمنون منهم في الآخرة، ورأوهم في العذاب والنكال الذي هو عقوبة الغي والضلال.
* * *
стр. 62
تفسير سورة الانشقاق
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ * وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ * وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ * وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ * وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ * يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ * فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا * وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا * وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ * فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا * وَيَصْلَى سَعِيرًا * إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا * إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ * بَلَى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا * فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ * وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ * وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ * لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ * فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ * وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ * بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ * وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ * فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾.
سورة الانشقاق سورة مكية، ذكر الله فيها أهوال وأحوال القيامة وهي اليوم المهول الذي يجازي فيه العباد على أعمالهم، فإن الله خلق الخلق لعبادته وطاعته وجعل لهم أمدًا وأجلاً يرجعون إليه فيه، فيحاسب المرء على ما قدم، إن خيرًا فخيرًا، وإن شرًا فشرًا، وذلك يوم القيامة حيث تقع فيه الأهوال العظيمة، كما ذكر الله في وصفها وهذه الآيات وأمثالها آيات دالة على ربوبية الله مستلزمة للعلم بصفات كماله، وعظيم قدرته، قال تعالى:
﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ * وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ * وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ * وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ * وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ * يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ * فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا
стр. 63
يَسِيرًا * وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا * وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ * فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا * وَيَصْلَى سَعِيرًا * إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا * إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ * بَلَى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا﴾.
﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ انشقت: انفتحت وانفرجت وتصدعت وتقطعت وهذا من علامات القيامة.
﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا﴾ أذنت: بمعنى استمعت، وأطاعت أمر ربها .
﴿وَحُقَّتْ﴾ أي: حق لها أن تأذن، أي تسمع وتنقاد وتطيع.
﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾ تأكيدًا لاستماعها لربها، واستسلامها وطاعتها له.
﴿وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ﴾ أي: بسطت ودكت جبالها حتى صارت قاعًا صفصفًا.
﴿وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ﴾ أي: جثث بني آدم تلقيها يوم القيامة، وخلت الأرض غاية الخلو حتى لم يبق شيء في بطنها.
﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾ أذنت: يعني استمعت وأطاعت لربها مثلما أطاعت السماء لربها وحقت.
ثم ذكر الله حال الإنسان وأنه جاهد ومجد في أعماله التي عاقبتها ونهايتها الموت فقال تعالى.
﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ﴾ المراد: جنس الإنسان الذي خلقه ربه بإحسان، وميزه بالعقل والإدراك.
﴿إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا﴾ الكادح: هو الساعي بجد ونوع مشقة.
стр. 64
﴿إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا﴾ يعني: أنك تكدح كدحًا يوصلك إلى ربك فإليه المرجع وإليه المآب.
﴿فَمُلَاقِيهِ﴾ أي: فما أسرع أن تلاقي الله ، ثم إنك ستلقى ما علمت من خير أو شر.
وقد ذكر الله ، بعد هذه الآيات العظيمة حال الناس بعد الحساب والجزاء، حيث ذكر أهل اليمين من يؤتى كتابه بيمينه، وأهل الشمال من يؤتى كتابه وراء ظهره، فقال تعالى.
﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ إي: من أعطي كتابه بيمينه وهو المؤمن.
﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ أي: يحاسبه الله تعالى بإحصاء عمله عليه، لكنه حساب سهل يسير.
﴿وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ ينقلب من الحساب إلى أهله من الزوجات والحور العين في الجنة، مسرورًا مبتهجًا من الخير والكرامة.
﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ * فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا * وَيَصْلَى سَعِيرًا﴾.
﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ﴾ هؤلاء هم الأشقياء والعياذ بالله يؤتى كتابه وراء ظهره وليس عن يمينه، لأن يمينه مغلولة إلى عنقه.
﴿فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا﴾ أي: إذا قرأ كتابه يدعو على نفسه بالثبور من كلمات الندم والحسرة والخزي.
﴿وَيَصْلَى سَعِيرًا﴾ أي: يصلى النار التي تسعر به، ويكون مخلدًا فيها أبدًا لأنه كافر.
стр. 65
﴿إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ كان في الدنيا متبعًا لهواه وركوب شهوته غافلاً عما أمامه.
﴿إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ﴾ أي: كان يعتقد أنه لا يرجع إلى الله، ولا يعيده بعد الموت للجزاء والحساب.
﴿بَلَى﴾ أي: سيحور ويرجع.
﴿إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا﴾ يعني: بلى سيعيده الله كما بدأه ويجازيه على أعماله خيرها وشرها، فإنه كان به بصيرًا أي: عليمًا خبيرًا.
﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ * وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ * وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ * لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ * فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ * وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ * بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ * وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ * فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾.
بعد أن ذكر الله أحوال أهل الجنة وأهل النار، أتبع ذلك بذكر ما يجري ويحصل للإنسان من تحول وتغير في حياته ثم مماته حتى يبلغ جنته أو ناره؛ وفي هذا عظة وعبرة قال تعالى:
﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ﴾ يقسم الله تعالى بالشفق، وهو الحمرة التي تكون بعد غروب الشمس إلى وقت صلاة العشاء الآخرة.
﴿وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ﴾ أقسم سبحانه بالليل المعروف.
﴿وَمَا وَسَقَ﴾ أي: وما جمع، لأن الليل يجمع الوحوش والهوام وما أشبه ذلك تجتمع وتخرج وتبرز من جحورها وبيوتها.
﴿وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ﴾ يعني: اجتمع نوره وتم وكمل في منتصف الشهر القمري وصار بدرًا ساطعًا مضيئًا.
﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ هذا جواب القسم.
стр. 66
﴿لَتَرْكَبُنَّ﴾ أيها الناس.
﴿طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ حالاً بعد حال، من الغنى والفقر والموت والحياة وهي طبقات في الشدة بعضها أرفع من بعض.
وبعد هذه الآيات الواضحات التي يعيها البشر ويرونها صباح ومساء يناديهم الله بصيغة استفهام يقصد به التوبيخ.
﴿فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ * وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ﴾
﴿فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ أي: أي شيء يمنعهم من الإيمان بالله ورسوله واليوم الآخر.
﴿وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ﴾ وما لهم إذا قرئت عليهم آيات الله وكلامه وهو هذا القرآن، لا يخضعون لله فالسجود هنا بمعنى الخضوع لله والانقياد لأوامره ونواهيه.
ثم ذكر سبحانه أن ديدن الكفار التكذيب فقال:
﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ * وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ﴾.
﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ﴾ أي: أن تركهم السجود، كان بسبب تكذيبهم لما جاءت به الرسل في البعث والجزاء.
﴿وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ﴾ أي: أنه أعلم بما يوعونه، أي: بما يجمعونه، ويكتمونه، ويضمرونه في أنفسهم من التكذيب في صدورهم.
﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ أخبرهم بالعذاب الأليم الذي لا بد أن يكون وجعله بشارة تهكمًا بهم.
﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾
﴿إِلَّا﴾ استثناء منقطع وتقدر "إلا" بـ "لكن".
стр. 67
﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ أي: لكن الذين آمنوا وعملوا الصالحات.
﴿لَهُمْ أَجْرٌ﴾ أي: ثواب.
﴿غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ أي: غير مقطوع ولا منقوص، ولا يمن عليهم به.
* * *
стр. 68
تفسير سورة سورة البروج
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ * وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ * وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ * قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ * النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ * إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ * وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ * وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ * الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ * إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ * إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ * إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ * إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ * وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ * ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ * فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ * هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ * فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ * بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ * وَاللهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ * بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ * فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾.
سورة البروج سورة مكية، ذكر الله فيها أن هذه الدنيا سجال بين أهل الحق وأهل الباطل، وذكر سبحانه أحوال بعض الأمم السابقة وما جرى بين الفريقين، حيث ذكر قصة أصحاب الأخدود وابتدأت السورة الكريمة بالقَسَم بالسماء ذات النجوم الهائلة، ومداراتها الضخمة التي تدور فيها الأفلاك، وباليوم العظيم المشهود وهو يوم القيامة، وبالرسل والخلائق على هلاك ودمار المجرمين قال تعالى:
﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ * وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ * وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ * قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ * النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ * إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ * وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ * وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ * الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ * إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا
стр. 69
الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾.
﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾ الواو هذه حرف قَسَم، يعني يقسم تعالى بالسماء وبروجها، والله يقسم بما شاء من مخلوقاته، أما المخلوق فلا يجوز له أن يقسم بغير الله، فإن القسم بغير الله شرك.
﴿ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾ أي: صاحبة البروج، والبروج جمع برج، وهو المجموعة العظيمة من النجوم، وسميت بروجًا لعلوها وارتفاعها وظهورها وبيانها.
﴿وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ﴾ اليوم الموعود: هو يوم القيامة الذي وعد الله الخلق أن يجمعهم فيه.
﴿وَشَاهِدٍ﴾ من يشهد في ذلك اليوم من الخلائق.
﴿وَمَشْهُودٍ﴾ ما يشهد به الشاهدون على المجرمين من الجرائم الفظيعة التي فعلوها بالشهود وأنفسهم، وهم كل من قتل في سبيل الله كما في قصة أصحاب الأخدود.
﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ﴾.
﴿قُتِلَ﴾ يعني أهلك وعذب، وهو جواب القسم.
﴿أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ﴾ هم قوم كفار أحرقوا المؤمنين بالنار، حيث شقوا لهم شقًا في الأرض، وأضرموا فيه النار فألقوهم فيها وأحرقوهم.
﴿النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ﴾ الوقود: الحطب الذي توقد به.
﴿إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ﴾ يعني: أن هؤلاء الذين حفروا الأخاديد وألقوا فيها المؤمنين كانوا، والعياذ بالله عندهم قوة وجبروت، يرون النار تلتهم هؤلاء البشر وهم قعود عليها على الأسرة، فيعرضون المؤمنين على الكفر، فمن أبى ألقوه فيها.
стр. 70
﴿وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾ يعني: هم شهود على ما يفعلون بالمؤمنين، أي استحقوا هذه العقوبة أن الله أهلكهم ولعنهم، وهذا التعدي والظلم على عباد الله الصالحين كان سببه ما ذكره الله والغرض تخويف كفار قريش، فقد كانوا يعذبون من أسلم من قومهم ليرجعوا عن الإسلام.
﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ أي: ما أنكر هؤلاء الذين سعروا النار بأجساد هؤلاء المؤمنين إلا هذا.
﴿إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ إلا أنهم آمنوا بالله؛ العزيز هو الغالب الذي لا يغلبه شيء.
﴿الْحَمِيدِ﴾ على وزن فعيل، فيكون بمعنى محمود، فالله محمود على كل حال.
﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: الذي اختص بملك السموات والأرض.
﴿وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ أي: مطلع على كل شيء, وهذا وعيد شديد لأصحاب الأخدود، ووعد خير لمن عذبوه على دينه من أولئك المؤمنين.
﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾ قال بعض السلف: انظر إلى حلم الله يحرقون أولياءه، ثم يعرض عليهم التوبة يقول:
﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا﴾.
стр. 71
﴿فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ بمعنى: عذبوا وأحرقوا المؤمنين والمؤمنات.
﴿ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا﴾ أي: ثم لم يرجعوا إلى الله من معصيته إلى طاعته.
﴿فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾ لأنهم أحرقوا أولياء الله فكان جزاؤهم مثل عملهم جزاء وفاقًا.
﴿* إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ * إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ * إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ * وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ * ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ * فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ * هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ * فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ * بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ * وَاللهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ * بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ * فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾.
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بقلوبهم، وهم الذين آمنوا بالله، وملائكته وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره، فإن هذا هو الإيمان.
﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ أي: عملوا الأعمال الصالحة بجوارحهم.
﴿لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾.
﴿لَهُمْ جَنَّاتٌ﴾ مَنْ جمع بين الإيمان وعمل الصالحات، لهم عند الله جنات متصفة بهذه الصفة.
﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ بعد البعث فإنهم يدخلون هذه الجنات التي فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.
﴿مِنْ تَحْتِهَا﴾ أي: من تحت أشجارها وقصورها.
﴿ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ﴾.
﴿ذَلِكَ﴾ المشار إليه الجنات وما فيها من النعيم.
стр. 72
والجنة ليست اسمًا لمجرد الأشجار والفواكه، والطعام والشراب، والحور العين، والأنهار والقصور فحسب فإن الجنة اسم لدار النعيم المطلق الكامل، ومن أعظم نعيم الجنة: التمتع بالنظر إلى وجه الله الكريم، وسماع كلامه وقرة العين بالقرب منه وبرضوانه، فلا نسبة للذة ما فيها من المأكول والمشروب والملبوس والصور إلى هذه اللذة أبدًا فأيسر يسر من رضوانه أكبر من الجنان وما فيها من ذلك.
﴿الْفَوْزُ الْكَبِيرُ﴾ يعني: الذي به النجاة من كل مرهوب، وحصول كل مطلوب.
ثم ذكر الله بعد الآيات السابقة قوته وعظمه وشدة بطشه بمن خالف أمره وذكر قصة فرعون وثمود وما جرى لهما، فقال تعالى:
﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾.
﴿إِنَّ بَطْشَ﴾ يعني: أخذه بالعقاب.
﴿رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ أي: عقابه شديد قوي.
﴿إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ﴾.
﴿إِنَّهُ﴾ أي: الله .
﴿يُبْدِئُ﴾ كل شيء.
﴿وَيُعِيدُ﴾ يعني: أن الأمر إليه ابتداء وإعادة.
ولما ذكر قوته وانتقامه من المخالفين وشدة بطشه، ذكر رحمته وعفوه لمن أطاعه وتقرب إليه.
﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ﴾.
стр. 73
﴿وَهُوَ الْغَفُورُ﴾ يعني: ذا المغفرة، الساتر لذنوب عباده, المتجاوز عنها، والمغفرة: ستر الذنب والعفو عنه، فليست المغفرة ستر الذنب فقط بل ستره وعدم المؤاخذة عليه.
﴿الْوَدُودُ﴾ مأخوذ من الود، والود هو خالص المحبة فهو جل وعلا، ودود، ومعنى ودود أنه محبوب وأنه حاب، كثير المحبة لمن أطاعه.
ثم بين عظمته وتمام سلطانه في قوله:
﴿ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ﴾ أي: صاحب العرش، والعرش هو الذي استوى عليه الله ، وهو أعظم المخلوقات وأكبرها وأوسعها وخلقه بهذا الوصف يدل على عظمة خالقه.
﴿الْمَجِيدُ﴾ المجد: هو النهاية في الكرم والفضل.
﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ هذا وصف الله تعالى بأنه الفعال لما يريد، إذا أراد شيئًا قال له: كن فيكون.
ثم لمَّا ذكر رحمته بعباده المؤمنين ورأفته بهم، ذكر أحداث بعض الأمم السابقة فقال تعالى:
﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ﴾ والخطاب هنا موجه لرسول الله ﷺ أو لكل من يصح أن يتوجه إليه بالخطاب، أي: هل بلغك ما أحل الله بهم من البأس وأنزل عليهم من النقمة التي لم يردها عنهم أحد؟
﴿الْجُنُودِ﴾ جمع جند وهم الذين تجندوا على أولياء الله ثم بين من هم بقوله.
стр. 74
﴿فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ﴾ يعني: هل أتاك خبرهم وقصتهم؟ والجواب: نعم أتانا خبرهم.
﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ﴾ أي: أن الذين كفروا بمحمد ﷺ في تكذيب، وكأنهم منغمسون في التكذيب.
﴿وَاللهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ﴾ يعني: أن الله تعالى محيط بهم من كل جانب، لا يشذون عنه ولا عن علمه ولا عن سلطانه ولا عن عقابه، والإحاطة بالشيء، الحصر له من جميع جوانبه.
﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ * فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾.
﴿بَلْ هُوَ﴾ أي: ما جاء به الرسول ﵊.
﴿قُرْآنٌ مَجِيدٌ﴾ أي: ذو عظمة ومجد متناه في الشرف والكرم والبركة، لأنه كلام الله ، وهو ليس كما يقولون: إنه شعر وكهانة وسحر.
﴿فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ يعنيك بذلك اللوح المحفوظ عند الله هو أم الكتاب.
стр. 75
تفسير سورة الطارق
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ * النَّجْمُ الثَّاقِبُ * إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ * فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ * خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ * يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ * إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ * يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ * فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ * وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ * وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ * إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ * وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ * إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا * وَأَكِيدُ كَيْدًا * فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا﴾.
سورة الطارق سورة مكية، أقسم الله فيها ببعض مخلوقاته، فهو الذي خلق الخلق لعبادته، وطاعته، وأرسل إليهم الرسل، وأنزل عليهم الكتب، وجعل عليهم ملائكة يحصون أعمالهم ويدونونها، وتنشر هذه الصحائف يوم الجزاء والحساب، وقد عظم الله، ، في هذه السورة قدر السماء في أعين الخلق لكونها معدن رزقهم ومسكن ملائكته وفيها خلق الجنة، وابتدأت السورة الكريمة بالقسم بالسماء ذات الكواكب الساطعة قال تعالى:
﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ * النَّجْمُ الثَّاقِبُ * إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ * فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ * خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ * يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ * إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ * يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ * فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ﴾.
﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ﴾ أقسم الله تعالى بالسماء والطارق، وكل منهما آية من آياته الدال على وحدانيته.
следующие страницы →