← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 14537

حقوق اليتامى كما جاءت في سورة النساء

سليمان اللاحم

Полный текст (117 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

السلسلة القرآنية فِي تَفْسِير كتاب الله وَبَيَان مَا فِيهِ من الْفَوَائِد وَالْأَحْكَام والدروس التربوية (٧) حُقُوق الْيَتَامَى كَمَا جَاءَت فِي سُورَة النِّسَاء إعداد أ. د. سُلَيْمَان بن إِبْرَاهِيم بن عبد الله اللاحم الْأُسْتَاذ بقسم الْقُرْآن وعلومه بجامعة الإِمَام مُحَمَّد بن سعود الإسلامية - القصيم دَار العاصمة للنشر والتوزيع

стр. 2

المقدمة الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: فإن هذه السورة العظيمة سورة النساء قد عالجت كثيراً من القضايا الاجتماعية الهامة، كقضايا المرأة والأسرة وقضايا المجتمع والدولة، والسلم والحرب، وعالجت أحوال الجاهليين وما كان فيها من جور وظلم واستبداد وعدول عن الحق والعدل، في أمور كثيرة، وأحوال متعددة، من أهمها ما كانت الجاهلية تعامل به اليتامى والنساء وبخاصة اليتيمات منهن، وقد أولت هذه السورة الكريمة هذا الجانب وهو حقوق، اليتامى اهتماماً عظيماً، بل إن أول وصية في السورة بعد الأمر العام بتقوى الله وتقوى الأرحام هي الوصية باليتامى والعناية بهم وحفظ أموالهم، والعدل مع اليتامى، وتوريثهم، وكشف عوار الجاهلية وتعسفها فيما تعامل به اليتامى من ظلم، يتمثل ذلك في أكل أموالهم بغير حق، بل بأكلها إسرافاً ومبادرة خوف كبرهم، ومن منع اليتيمات من الزواج لأجل أكل أموالهن، أو يزوجن من الأوصياء أو الأولياء أو من أقاربهم، ممن لا يعدلون معهن في المهور والنفقات، بل ولا في نصيبهن من الأزواج لأن زواجهم بهن ليس لرغبة فيهن وإنما رغبة في ما لهن كيلا يذهب هذا المال بعيداً في الغرباء. كما يتمثل هذا الظلم بالجور على الصغار والضعفاء والنساء، فلا يسلم لهم نصيبهم الحقيقي من الميراث، وإنما يستبد بالميراث أو بمعظمه الرجال الأقوياء الذين يحملون السلاح ويكسبون ويكتسبون، ولا ينال منه الضعفاء شيئًا، وإن أعطوا منه شيئًا فقليل لا يذكر، موكول إلى ضمائر قساة القلوب من الرجال الأقوياء. فيا سبحان الله كيف يحرم من هذا الميراث من هم في أشد الحاجة إليه، وهم الضعفاء ويخص به الرجال الأقوياء، إنها النظرات الجاهلية وسفاهات العقول الضالة، والتي لم تهتد بوحي السماء، وإن ذا العقل السليم المتجرد عن العصبية والهوى يلحظ

стр. 3

ولأول وهلة هذا التخبط وصدق الله العظيم ﴿وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأكثرهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ (١). ولقد ظل بعض الناس حتى بعد نزول هذه الآيات في توريث عموم الرجال والنساء يترقب ويتحرى أو يتمنى نسخ ميراث الصبيان والنساء، لتأصل هذه النظرة الجأهلية في نفوسهم. ولقد أنزل الله في مطلع هذه السورة وفي ثناياها عدة آيات فيها تشريعات عملية في وجوب حفظ أموال اليتامى وإيتائهم إياها بمد بلوغهم ورشدهم، والعدل مع اليتيمات، وبين النساء عموماً، وتوريثهن مع الرجال والتوكيد على حقوق اليتامى، والوعيد الشديد لمن يعتدي على حقوقهم وأموالهم. وسأتناول في هذا البحث الكلام عن هذه الحقوق من خلال الكلام على الآيات الواردة في هذا الموضوع في سورة النساء، وبيان ما فيها من الفوائد والأحكام والدروس التربوية. سائلًا الله أن يرزقني الإخلاص في القول والعمل. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. ... المؤلف

стр. 4

وجوب حفظ أموال اليتامى وإيتائهم إياها قوله تعالى: ﴿وَآَتُوا الْيَتَامَى أموالهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأكلوا أموالهُمْ إلى أموالكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾ (١). صلة الآية بما قبلها: قوله تعالى: ﴿وَآَتُوا الْيَتَامَى أموالهُمْ﴾ (٢) وما بعده إلى نهاية السورة تفصيل وبيان لما أجمل في الآية السابقة من الأمر بتقوى الله، وتقوى الأرحام، وقد بدأ أول وصية بعد هذين الإجمالين بالأمر بإيتاء اليتامى أموالهم مما يدل على وجوب حفظ أموال اليتامى والعناية بهم ورعايتهم نظراً لشدة حاجتهم إلى العناية والرعاية، حيث فقدوا آباءهم الذين يقومون برعايتهم (٣). معاني المفردات والجمل: قوله تعالى: ﴿وَآَتُوا الْيَتَامَى أموالهُمْ﴾. وآتوا: الخطاب عام لكل من عنده مال لليتامى، سواء كان وصيًّا (٤) عليهم أو وليًّا (٥)، أو ممن يتولى قسمة الميراث، أو ممن أخذ أموالهم بغيرحق. (وآتوا) فعل أمر ينصب مفعولين ليس أصلهما المبتدأ والخبر، الأول في هذا الموضع «اليتامى» والثاني «أموالهم». ومعنى «آتوا» أعطوا.

стр. 5

و «اليتامى»: جمه يتيم ويتيمة، والأيتام جمع يتيم (١) واليتيمات جمع يتيمة، وهو مأخوذ من اليُتم وهو الانفراد، فاليتيم: الفرد، ومنه سميت «الدرة اليتيمة» (٢). واليتيم في اصطلاح الشرع: من مات أبوه (٣) وهو صغير، دون البلوغ (٤) ذكراً كان أو أنثى، فإذا بلغ زال عنه اليتم واستقل بنفسه، لقوله ﷺ : «لا يتم بعد احتلام» (٥). قوله: (أموالهم): أموال: جمع مال، وهو كل ما يتمول من نقد أو عين من أثاث

стр. 6

وغيره، وضمير الهاء عائد على اليتامى. والمعنى أعطوا التيامى أموالهم التي هي ملك لهم، مما عُهد إليكم بحفظه، أو مما توليتم حفظه أو مما يستحقونه من الميراث، أو مما أخذتموه منها بغير حق. وإذا كان الخطاب للأولياء على اليتامى فالمراد بإيتاء اليتامى أموالهم في هذا الموضع حفظها لهم، لكي تؤدى إليهم كاملة إذا بلغوا ورشدوا (١). أي: احفظوها لهم لكي تؤدوها إليهم كاملة بعد بلوغهم ورشدهم من غير أكل شيء منها أو كتمانه أو تعريضها للفساد أو الضياع، قال تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إذا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آَنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أموالهُمْ﴾ (٢). قوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ﴾. قوله: (ولا تتبدلوا): التبدل والاستبدال: أخذ شيء مكان شيء آخر غيره (٣). قوله: (الخبيث بالطيب): الخبث والطيب: وصفان يطلق كل منهما على ما يتصف به من الأشخاص والأقوال والأعمال والأعيان كالأموال وغيرها (٤). قال تعالى: ﴿قُلْ لَّا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ﴾ (٥) أي لا يستوي الخبيث والطيب من كل شيء، وقال تعالى: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ﴾، إلى قوله: ﴿وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ﴾ (٦)، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ (٧)، وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ﴾ (٨)، وقال تعالى: ﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ

стр. 7

كَشَجَرَةٍ﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾ (٣). والمراد بالخبيث والطيب في الآية: الحرام والحلال، أو الرديء والجيد. أي لا تتبدلوا الخبيث، أي: المحرم عليكم وهو مال اليتامى، بالطيب أي بالحلال الذي أحله الله لكم من أموالكم (٤)، أي كلوا من مالكم الذي أحله الله لكم ودعوا مال اليتامى المحرم عليكم، أو لا تتبدلوا الخبيث أي: الرديء من أموالكم بالطيب أي بالجيد من أموال اليتامى (٥)، فتأخذوا مالهم الطيب وتعطونهم بدله رديئاً. وكلا القولين صحيح تحتمله الآية (٦)، والأول منهما أعم وأشمل فهو ينتظم القول الثاني لأن استبدال مال اليتيم بغيره منهي عنه، سواء رد بدله جيداً أو رديئاً أو لم يرد بدله شيئاً. قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأكلوا أموالهُمْ إلى أموالكُمْ﴾. قوله: ﴿وَلَا تَأكلوا أموالهُمْ﴾: خص النهي في الآية بالنهي عن أكل أموالهم لأن الهدف من جمع المال غالباً هو الأكل، وهو أوفي أنواع التمتع بالمال (٧) لأنه كسوة الباطن، فلو خلا البطن من الأكل مات الإنسان. لكن غيره من وجوه الانتفاع بأموال اليتامى والتصرف بها لمصلحة الولي مثله في النهي، فلا يجوز للولي مثلًا: أن يشتري له بمال اليتيم سيارة أو عقاراً أو غير ذلك.

стр. 8

قوله: (إلى أموالكم): «إلى» على بابها والفعل «تأكلوا» مضمن معنى «الضم»، أي: لا تأكلوا أموالهم مضمومة إلى أموالكم. وقيل «إلى» بمعنى «مع». أي: لا تأكلوا أموالهم مع أموالكم (١) والأول أولى (٢) لأن تضمين فعل معنى فعل آخر أكثر وروداً في القرآن الكريم من تضمين «إلى» معنى «مع» بل أولى من تضمين حرف معنى حرف آخرمطلقاً (٣)، وحمل الآية على المعنى الكثير في القرآن أولى من حملها على المعنى القليل، لأنها إذا كانت هي الكثير في القرآن صارت هي اصطلاح القرآن وهو قول جمهور النحويين واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية (٤). قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ حُوباً كَبِيراً﴾ أي عند الله، وفي حكمه كما قال تعالى: ﴿فَأولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ (٥) والجملة تعليل للنهي في الجملتين

стр. 9

السابقتين. فالضمير «إنه» يعود على مصدر الفعلين السابقين وهما تبديل الطيب من أموال اليتامى بالخبيث من أموال المخاطبين، وأكل أموال اليتامى مضمومة إلى أموال المخاطبين (١). «وكان» مسلوبة الزمن تفيد تحقيق الوصف (٢). (حوباً) أي: ذنباً وإثماً (٣). وروي في الحديث: «اغفر لنا حوبنا وخطايانا» (٤). وفيه «رب تقبل توبتي واغسل حوبتي» (٥) أي ذنبي.

стр. 10

كبيراً: أي: إثماً كبيراً؛ وذنبا عظيماً (١) من كبائر الذنوب، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأكلونَ أموال الْيَتَامَى ظُلْمًا إنَّما يَأكلونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ (٢). الفوائد والأحكام: ١ - رحمة الله تعالى باليتامى ورأفته بهم، حيث أوصى بالعناية بهم وبأموالهم بل جعل الوصية بهم أول وصية أوصى بها من حقوق الخلق في هذه السورة (٣)، بعد أن أجمل الأمر بتقواه، وتقوى الأرحام. وذلك لأن اليتيم فقدكافله وكاسبه، فهو مكسور الخاطرمهيض الجناح. (٢) - وجوب إصلاح أموال اليتامى والحفاظ عليها، لأن ذلك من تمام إيتائهم أموالهم (٤) الذي أمر الله به في قوله: ﴿وَآَتُوا الْيَتَامَى أموالهُمْ﴾ وقدم الله في هذه الآية الأمر بإيتاء اليتامى أموالهم قبل الأمر باختبارهم وتحقق بلوغهم ورشدهم، تأكيداً على وجوب إصلاحها وحفظها والاحتياط في ذلك. كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (٥). (٣) - ثبوت الولاية على اليتيم، لأن من لازم إيتائه ماله ثبوت ولاية المؤتي عليه (٦). (٤) - أن اليتيم يملك وملكه تام ثابت، لأن الله أضاف الأموال إلى اليتامى في قوله:

стр. 11

﴿وَآَتُوا الْيَتَامَى أموالهُمْ﴾. وفي هذا دليل على وجوب النفقات التي تتعلق بعين المال في أموال اليتامى كالزكاة والنفقة على من تجب على اليتيم النفقة عليه من أقاربه الفقراء. خلافًا لمن قال بعدم وجوب ذلك في أموال اليتامى والمجانين لأنهم ي مكلفين. (٥) - جواز إطلاق الخبيث على الرديء على أحد المعنيين في تفسير الآية ﴿وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ﴾ كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ (١) أي: لا تقصدوا الرديء منه تنفقون. ٦ - أنه يحرم على الأولياء أن يستبدلوا أموال اليتامى بأموالهم، سواء كان ذلك بأخذ أموال اليتامى دون مقابل والاستغناء بها وتوفير أموالهم، أو بإعطاء اليتامى الرديء وأخذ الجيد من أموالهم أو العكس بإعطائهم الجيد وأخذ الرديء، ومع أن هذا قد يبعد إلا أنه أيضاً لا يجوز لأن مال اليتيم في يد الوصي أو الولي بحكم الأمانة يجب عدم التعرض له وتركه بحاله لقوله: ﴿وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ﴾. (٧) - تحريم أكل أموال اليتامى وضمها إلى أموال الأوصياء والأولياء بقصد أكلها، لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأكلوا أموالهُمْ إلى أموالكُمْ﴾. وليس في الاية نهي عن الضم (٢) إذا كان لقصد الإصلاح، قال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (٣). فدلت هذه الآية على جواز خلط مال اليتيم مع مال الولي إذا كان ذلك لقصد

стр. 12

الإصلاح كالاتجار به أو المحافظة عليه ونحو ذلك. بل إن الضم قد يتعين جلباً لمصلحة مال اليتيم ودفعاً للمشقة عن الولي في عزل مال اليتيم عن ماله، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ﴾ أي لشق عليكم فمنعكم من مخالطتهم. لكن ينبغي على الولي إذا ضم مال اليتيم إلى ماله أن يحتاط بكتابة ذلك والإشهاد عليه (١). ٨ - الإشارة إلى ان بعض الأولياء قد يتستر إذا أراد أن يأكل مال يتيمه بضم مال اليتيم إليه، ويأكله مع غناه عنه، لقوله: ﴿إِلَى أموالكُمْ﴾. وفي ذلك تنبيه على قبح هذا الفعل وشناعته (٢). ٩ - إن التعدي عل أموال اليتامى باستبدالها بالخبيث أو أكلها أو ضمها إلى أموال الأولياء بقصد أكلها من كبائر الذنوب، لقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ حُوباً كَبِيراً﴾ (٣). بل ذهب بعض أهل العلم أي ان أكل مال اليتيم بغير حق اكبر الكبائر بعد الشرك بالله. ****

стр. 13

إباحة تعدد الزوجات ووجوب العدل بين النساء قال تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أو مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾. صله الآية بما قبلها: لما امر تعالى بحفظ أموال اليتامى والعناية بها أتبع ذلك بذكر وجوب الإقساط في اليتيمات والعدل بين النساء، فالآية الأولى في أموال اليتامى، والثانية في أبضاع اليتيمات وغيرهن من النساء. سبب النزول: عن عروه بن الزبير ﵄ قال: سألت عائشة- ﵂ عن قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أو مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾. فقالت: يا ابن أختي هذه اليتيمة تكون في حجر وليها تشركه في ماله ويعجبه مالها وجمالها فيريد وليها أن يتزوجها بغير أن يقسط في صداقها فيعطيها مثل ما يعطيها غيره، فنهوا أن ينكحهوهن إلا أن يقسطوا لهن ويبلغوا لهن أعلى سنتهن في الصداق، فأمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء سواهن. قال عروه قالت عائشة: وأن الناس استفتوا رسول الله صلى الله علية وسلم بعد هذه الآية، فأنزل الله: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ﴾ (١). وفي رواية عن عروة عن عائشة ﵂: «أن رجلًا كانت له يتيمه فنكحها، وكان لها عذق وكان يمسكها عليه، ولم يكن لها من نفسه شئ فنزلت فيه ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ (٢).

стр. 14

معاني المفردات والجمل: قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ﴾. قوله ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ﴾ الوأو للاستئناف. و «إن» شرطية. «خفتم» فعل الشرط، وجوابه (فانكحوا). والخوف هنا على بابه (١)، أي: أن غلب الظن ألا تقسطوا. وقيل «خفتم» بمعنى علمتم، وأيقنتم (٢)، كقوله تعالى: ﴿فَمَنْ خَافَ مِن مُّوصٍ جَنَفًا﴾ (٣) أي: من علم من موصٍ حنفاً. والصحيح أن الخوف هنا على معناه (٤) فمتى وجد الخوف من عدم الإقساط مع اليتامى وجب العدول عنهن وترك نكاحهن إلى غيرهن، وإن لم يكن عدم الإقساط أمراً معلوماً متيقناً، لأن هذا في الغالب لا تتم معرفته إلا بعد الزواج بهن، أي: بعد العقد والدخول. قوله: ألا تقسطوا. أي ألا تعدلوا، من «أقسط» الرباعي. بمعنى «عدل» (٥) ومنه قوله تعالى: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ﴾ (٦). واسم الفاعل منه «مقسط» ومنه قوله

стр. 15

تعالى: ﴿وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ (١) وقوله ﷺ : «المقسطون على منابر من نور» (٢). وأما الفعل الثلاثي «قسط» فمعناه: جار وظلم (٣)، واسم الفاعل منه «قاسط» (٤) ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ (٥). و «اليتامى» جمع يتيم ويتيمه. والمراد باليتامى هنا اليتامى من النساء (٦)، كما قال تعالى: ﴿وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ﴾ (٧). أي: إن خفتم ألا تعدلوا مع التيمات إذا تزوجتموهن بعدم إعطائهن مثل غيرهن من المهور والنفقات، أو بالإمساك لهن لأجل مالهن من غير حاجه بكم لهن، ومن غير بذل حقوق الزوجية لهن (٨)، أو بإجبارهن على الزواج منكموهن كارهات ونحو ذلك (٩). قوله تعالى: ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ﴾. الفاء واقعه في جواب الشرط، والجملة جواب الشرط المتقدم في قوله: ﴿وَإِنْ

стр. 16

خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾، واقترن الجواب بالفاء لأنه جملة طلبية (١)، ولم يات الجواب بالنهي عن نكاح اليتيمات أو بالأمر بترك نكاحهن إذا خيف عدم الإقساط فيهن - وإنما جاء الأمر بنكاح ما طاب لهم من النساء إرشاداً لهم وتوجيهاً إلى البديل، وأن النساء غير اليتيمات كثير، وأن الأمر واسع ولم يضيق الله عليهم. قال الحافظ ابن كثير (٢) ﵀: «أي إذا كانت تحت حجر أحدكم يتيمه، وخاف أن لا يعطيها مهر مثلها، فليعدل إلى ما سواها من النساء، فإنهن كثير ولم يضيق الله عليه (٣)». فالمعنى: فإن خفتم ألا تعدلوا في اليتامى فاتركوهن وجوبًا، وانكحوا ما طاب لكم من النساء سواهن استحباباً، أو جوازًا (٤). قوله (انكحوا) النكاح معناه لغة الضم والجمع، لأنه بعقد النكاح يكون اجتماع الزوج والزوجة، واجتماع الأصهار بعضهم إلى بعض، قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي

стр. 17

خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً﴾ (١). ويطلق على الوطء، وعلى التزوج (٢)، وهو شرعاً: عقد الزوجية الصحيح. قوله ﴿مَا طَابَ لَكُم﴾ «ما» موصولة، وإنما جاء التعبير بها وهي لغير العاقل أولغير العالم على الأصح (٣)، لأنه أريد بها الوصف لأن اختيار الرجل للمرأة لما قام بها من صفات طيبة، والصفات ليست من فصيلة العقلاء،: انكحوا الطيبات من النساء. قال الزجاج (٤): «ما طاب» لم يقل «من طاب» والوجه في الآدميين أن يقال: «من» وفي الصفات لأسماء الأجناس أن يقال: «ما» فالمعنى فانكحوا الطيب الحلال .. لأنه ليس كل النساء طيباً». وقيل: إن «ما» ليست على معناها، وإنما هي بمعنى «من» التي للعالم، لأنهما يتعاقبان، كما في قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى أربع﴾ (٥) والذي يمشي على أربع ليس بعالم. وقوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا. وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا﴾ (٦) (٧). فـ «ما» في قوله (وما بناها) (وما طحاها) بمعنى «من»، أي: والسماء ومن بناها

стр. 18

والأرض ومن طحاها، وهو الله العليم بكل شيء. قالوا: وإنما قلنا بأن «ما» في قوله: (ما طاب) «بمعنى من». «لقوله» بعد ذلك «من النساء» مبيناً لمبهم، والنساء من فصيله العقلاء (١). وقال الفراء (٢): قوله (ماطاب) ولم يقل «من طاب»، وذلك لأنه ذهب إلى الفعل» وبنحو من هذا قال الطبري حيث قال (٣): معناه: انكحوا نكاحًا طيبًا .. فالمعنيُّ بقوله (ما طاب) الفعل دون أعيان النساء وأشخاصهن، فلذلك قيل «ما» ولم يقل «من». والصحيح القول الأول «ما» هنا على معناها لغير العاقل، لأنه أريد بذلك الوصف. وليست في هذا الموضع (٤)، بمعنى «من» ولا بمعنى «الفعل». قوله (طاب): قرأ حمزة «طاب» بالإمالة (٥). قوله: (من النساء): «من» بيانية (٦)، فيها بيان للاسم الموصول «ما» و (من النساء) متعلق بقوله (ما طاب لكم) والتقدير: انكحوا ما يطيب لكم من النساء. أو متعلق بقوله (فانكحوا)، أي: انكحوا من النساء ما طاب لكم. والنساء والنسوه: جمع لا واحد له من لفظه، ولكن يقال: امرأة (٧). والمعنى: فانكحوا ما طابت به نفوسكم ورغيتم فيه مما أحل الله لكم (٨). من

стр. 19

ذوات الصفات الطيبه من النساء، كالدين والخلق والجمال ونحو ذلك. قال ﷺ : «تنكح المرأة لأربع: لمالها وحسبها وجمالها ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك» (١). قوله تعالى: ﴿مَّثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾. هذه الألفاظ نكرات (٢) في محل نصب على الحال من النساء. أي حال كونهن مثنى وثلاث ورباع (٣)، وهي ممنوعة من الصرف لعلتين (٤) الوصفيه، لأنها بمعنى الوصف للنساء، أي: نساء مثنى وثلاث ورباع. والعلة الثانية العدل. ف «مثنى» معدولة من: اثنتين: و «ثلاث» معدولة من ثلاث و «رباع» معدولة من أربع (٥). وهذه الألفاظ مما يستوى فيه المذكر والمؤنث. فمن المؤنث هذه الآية، ومن المذكر قوله تعالى: ﴿أولِي أَجْنِحَةٍ مَّثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ فالجناح مذكر (٦).

стр. 20

وهي تدل على تكرار العدد مما عدلت منه بلا حصر، أي: إلى غاية المعدود (١). فيقال: جاء الرجال مثنى أي: اثنين اثنين، وجاءت النساء مثنى، أي: اثنتين اثنتين-وهكذا «ثلاث» و «رباع». وقوله (مثنى وثلاث ورباع) أسلوب تنويع وتقسيم. أي: انكحوا على اثنتين اثنتين، وعلى ثلاث ثلاث، وعلى أربع أربع، وفيه معنى التخيير (٢) أي: منكم من ينكح اثنتين ومنكم من ينكح ثلاث، ومنكم من ينكح أربعًا. قال تعالى في وصف الملائكة: ﴿جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أولِي أَجْنِحَةٍ مَّثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ (٣) أي منهم له جناحان، ومنهم من له ثلاثة، ومنهم من له أربعة (٤). وقد زعم بعضهم (٥) أن المعنى: انكحوا اثنتين وثلاثًا وأربعاً، أي: تسعاً؛ مجموع اثنتين وثلاث وأربع تسع، وأباحوا الجمع بين تسع زوجات. استدلالًا بالآية. قالوا: لأن الواو للجمع (٦). وهذا ليس بصحيح من حيث اللغة العربية التي نزل بها القرآن

стр. 21

الكريم (١)، لأن الخطاب في قوله (فانكحوا) للجماعة، وليس لمفرد، وقوله (مثنى وثلاث ورباع) موزع ومفرق على الجماعة، فيكون المعنى: ينكح بعضكم مثنى، أي على اثنتين اثنتين، وينكح بعضكم ثلاث، أي على ثلاث ثلاث، وينكح بعضكم رباع، أي على أربع أربع (٢). وقد جيء بصيغة العدل للدلالة على هذا المعنى، ولئلا يتوهم جواز الجمع بين هذه الأعداد (٣). ولو قال قائل خذ اثنين وثلاثه وأربعة بدل أن يقول: خذ تسعة، لعد هذا في منتهى الضعف عند العرب وأئمة اللغة، فكيف يحمل على هذا الكلام الله تعالى في هذه الآية (٤). وقد جاء العطف بالواو بدل «أو» لئلا يتوهم أنه لا يجوز إلا أحد هذه الأعداد (٥). ولم تذكر الواحدة في هذا المقام، بل قال سبحانه: (مثنى وثلاث ورباع) لأن المقام مقام إقناع وامتنان وتوسعه وتخيير للمخاطبين، - حيث منعوا من نكاح اليتامى عند خوف عدم العدل معهن-في أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء سواهن من حيث الكيفيه، وهن ذوات الصفات الطيبة؛ ومن حيث الكمية من اثنتين إلى أربع (٦). قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾. الفاء عاطفة. «إن» شرطية. خفتم: فعل الشرط. ألا تعدلوا: «ألا» مكونة من «أن» و «لا».

стр. 22

قوله (فواحدةً) قرأ العشرة عدا أبي جعفر بالنصب «فواحدةً» على أن هذا جواب الشرط، والتقدير: فانكحوا واحدة. واقترن الجواب بالفاء لأنه جملة طلبية. وقرأ أبو جعفر: «فواحدةٌ» بالرفع، أي فواحدة تكفي، أو تقنع (١) واقترن الجواب بالفاء لأنه جملة اسمية. والمعنى: وإن خفتم، أي: ظننتم عدم العدل مع الزوجات إذا تعددن فيما يجب لهن عليكم من حقوق النكاح في القسم والنفقة والعشرة ونحو ذلك مما يدخل تحت الاستطاعة. فاكتفوا بنكاح واحدة (٢) .. قوله تعالى: ﴿أو مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ (٣) «أو» عاطفه جملة على جملة، وهي بمعنى الواو، والتقدير: فانكحوا واحدة واستمتعوا بما ملكت أيمانكم (٤). قوله: (ما ملكت ايمانكم) أي: ما ملكتموه من السراري والإماء بملك الرقبة والمنافع. والإيمان جمع يمين، وأسند الملك إليها لأنها المختصة بالمحاسن، بها يأخذ المؤمن كتابه، كما قال : ﴿فَأَمَّا مَنْ أوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ (٥) وهي المنفقة قال ﷺ : «حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه» (٦). والمعنى: واستمتعوا بوطء ما ملكتموه من السرارى والاماء، حيث لا يجب القسم بينهن (٦). وليس المعنى: أو انكحوا ما ملكت أيمانكم من الإماء، لأنه يحرم على الرجل

стр. 23

أن يتزوج أمته، لأنها لا تحل له بعقد ملك اليمين، وهو أقوى من عقد النكاح (١)، ولا يرد العقد الأضعف على العقد الأقوى بخلاف العكس، فإن العقد الأقوى يرد على العقد الأضعف، فلو تزوج الرجل أمه (٢) ثم اشتراها انفسخ نكاحها، وحلت له بملك اليمين، فملك رقبتها ومنافعها، بينما لا يملك بعقد الزواج سوى منفعة البضع. وقيل: المعنى: التخيير بين نكاح واحدة حرة أو تركها والاكتفاء بالاستمتاع بملك اليمين (٣). وهذا ضعيف لأن الرغبة عن نكاح الحرة إلى الاستمتاع بملك اليمين أمر غير محمود شرعاً. قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾. قوله: (ذلك) الإشارة إلى مضمون الجملتين السابقتين. وهما ترك نكاح اليتامى عند خوف عدم الإقساط فيهن ونكاح غيرهن من النساء مثنى وثلاث ورباع، والاكتفاء بنكاح واحدة والاستمتاع بملك اليمين عند خوف عدم العدل مع الزوجات إذا تعددن. أدنى: أقرب (٤). ألا تعولوا: أي: أن لا تعولوا، والجملة من أن وما بعدها في محل نصب بنزع الخافض والتقدير: ذلك أدنى إلى أن لا تعولوا (٥). والعول لغه الميل، يقال: عال الميزان، إذا مال (٦)، وعال السهم عن الهدف إذا مال (٧).

стр. 24

قال أبو طالب (١): بميزان القسط لا يغلُّ شعيرة ... له شاهد من نفسه غير عائل أي غير مائل. ويقال: عال الحاكم: إذا مال وجار وظلم (٢). قال الشاعر (٣): قالو تبعنا رسول الله واطَّرحوا ... قول الرسول وعالوا الموازين أي: جاروا، والمعنى: ذلك أي ترك نكاح اليتيمات، وترك تعداد الزوجات إذا خيف عدم العدل معهن أقرب ألا تميلوا وتجوروا في القسم، هذا قول عامة السلف وجمهور العلماء (٤). وقيل: معنى: (ألا تعولوا): ألا تكثر عيالكم فتفتقروا. قال بهذا بعض أهل العلم منهم االشافعي ﵀ (٥) وبعض أهل اللغة (٦) أخذاً من قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ (٧)، أي: وإن خفتم فقراً (فسوف يغنيكم الله من فضله). كما قال الشاعر (٨):

стр. 25

وإن الموت يأخذ كل حي ... بلا شك وإن أمشى وعالا أي: وان كثرت ماشيته وعياله. وهذا القول ضعيف من وجوه ثلاثة: الأول نت حيث اللغة، لأنه لو أراد كثرة الأولاد والافتقار لقال: تعيلوا. الثاني: من حيث المعنى، لأن كثرة العيال وكثرة النفقة تحصل بالتسري، كما تحصل بالزوجات (١). الثالث: من حيث منافاة هذا القول لمقصود الشرع، لأن الشرع أمر بتكثير النسل، قال ﷺ : «تزوجوا الودود الولود، فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة» (٢). قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ (٣): «وظن طائفة من العلماء أن المراد ألا تكثر عيالكم. وغلّط أكثر العلماء من قال ذلك لفظاً ومعنى، أما اللفظ: فلأنه يقال عال يعول إذا جار، وعال يعيل إذا افتقر، وأعال يعيل إذا كثر عياله. وهو سبحانه قال (تعولوا) ولم يقل: تعيلوا. وأما المعنى: فإن كثره النفقة والعيال يحصل بالتسري، كما يحصل بالزوجات ..». قال ابن القيم ﵀ (٤) «يتعين القول الأول من وجوه»، وذكر ﵀ عشرة أوجه في هذا: منها أنه المعروف في اللغة، الذي لا يكاد يعرف سواه، ولا يعرف عال يعول إذا كثر عياله إلا في حكاية الكسائي، وسائر أهل اللغة على خلافه، ومنها أن الأحاديث الواردة في استحباب تزوج الودود الولود، وأنه ﷺ يكاثر بأمته الأمم يوم القيامة ترد هذا التفسير، ومنها أن سياق الآية إنما هو في نقلهم مما يخافون

стр. 26

من الظلم والجور فيه إلى غيره، فإنه قال في أولها: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾، فدلهم سبحانه على ما يتخلصون به من ظلم اليتامى، وهو نكاح ما طاب لهم من النساء البوالغ، وأباح لهم منهن أربعاً، ثم دلهم على ما يتخلصون به من الجور والظلم في عدم التسوية بينهن، فقال: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أو مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾، ثو أخبر سبحانه أن الواحدة وملك اليمين أدنى إلى عدم الميل والجور، وهذا صريح في المقصود المهم ..». والخلاصة في معنى الآية كما دل عليه سبب النزول: وإن خفتم ألاتعدلوا مع اليتامى إذا نكحتموهن فاتركوهن وانكحوا ما طاب لكم من النساء سواهن (مثنى وثلاث ورباع)، فإن خفتم ألا تعدلوا مع الزوجات إذا تعددن فاكتفوا بنكاح واحدة ذلك أي ترك نكاح اليتامى وترك التعدد إذا خفتم عدم العدل أقرب ألا تجوروا وتظلموا (١). الفوائد والأحكام: ١ - يجب على أولياء اليتامى إذا خافوا عدم العدل معهن في أداء حقوقهن ترك الزواج بهن، وأن ينكحوا ما طاب لهم من النساء سواهن، لقوله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ﴾ (٢) الآية.

стр. 27

فإذا خاف الولي عدم العدل مع اليتيمة في المهر والنفقة، أو في وطئها (١)، أو في غير ذلك من حقوقها فليتركها إلى سواها، وفي هذا سلامه اليتامى من الظلم، والأولياء من الإثم، ولهذا قال في آخر الآية ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾. ٢ - يجب على الإنسان الاحتياط إذا خاف الوقوع في المحرم، لقوله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ﴾ (٢). فإذا كان فعل الشيء قد يؤدي إلى الوقوع في المحرم وجب ترك ذلك الفعل درءاً للمفسدة وإيثاراً للسلامة والعافية (٣). ٣ - أنه يجوز لأولياء اليتامى الزواج بهن إذا لم يخافوا عدم العدل معهن لمفهوم قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ﴾، فإذا لم يخافوا اجاز لهم الزواج بهن (٤). ٤ - جواز نكاح اليتيمة قبل بلوغها لقوله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ الآية، وجه ذلك ان الله نهى الأولياء عن نكاح اليتامى إذا خافوا عدم العدل فيهن، ومفهوم ذلك جواز نكاحهن وهن يتامى إذا لم يخافوا عدم العدل فيهن، وقد سماهن في الآية يتامى، ولا يسمين يتامى إلا قبل البلوغ. ولو أراد البالغات لما نهى عن حطهن عن صداق مثلهن، لأن البالغة لها الخيار في أن تسقط من مهرها ما شاءت، وترضى بدون صداق المثل (٥). ويدل على هذا ما جاء في حديث عائشة في سبب نزول الآية: «وإن الناس

стр. 28

استفتوا رسول الله ﷺ فأنزل الله ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ﴾ الآية. وبهذا قال أبو حنيفة (١)، ومالك (٢)، وأحمد (٣) ﵏، وأكثر السلف والفقهاء (٤) واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذة ابن القيم رحمهما الله. قال شيخ الإسلام ابن تيمية (٥): «اليتيمة يجوز تزويجهابكفء لها عند أكثر السلف والفقهاء، وهو مذهب أبي حنيفة وأحمد في ظاهر مذهبه وغيرهما. وقد دل على ذلك الكتاب والسنة كقوله تعالى: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ ..﴾ الآية. قال شيخ الإسلام ابن تيمية (٦) بعد ما ذكر دلالة قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ ..﴾ على جواز نكاح اليتيمة قبل بلوغها، وأشار إلى حديث عائشة في تفسيرها، قال: «وهو دليل في اليتيمة وزوجها من يعدل عليها في المهر». وقال أيضاً (٧): «فهذا يدل على أن الله أذن لهم أن يزوجوهن إذا فرض لهن صداق المثل، ولم يأذن لهم في تزويجهن بدونه، لأنها ليست من أهل التبرع». وهكذا استدل ابن القيم ﵀ بالآية وحديث عائشة وغيرهما على جواز نكاح اليتيمة قبل البلوغ (٨). واستدل أصحاب هذا القول أيضاً بما يلي: ما رواه أبو هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «اليتيمة تستأمر في نفسها، فإذا

стр. 29

صمتت فهو إذنها، وان أبت فلا جواز عليها» (١). ما روي عن ابن عمر ﵄ أنه قال: زوَّجني خالي قدامة بن مظعون بنت أخيه عثمان بن مظعون، فدخل المغيرة بن شعبة على أمها ورغّبها في المال وخطبها إليه، فرفع شأنها النبي ﷺ ، فقال قدامة: يا رسول الله ابنة أخي وأنا وصي أبيها، ولم أقصِّر بها، زوَّجتها من قد علمت فضله وقرابته، فقال رسول الله ﷺ : «إنها يتيمة، واليتيمة أولى بأمرها» وفي رواية «لا تنكحوا اليتامى حتى تستأمروهن، فإذا سكتت فهو إذنهن» فنزعت منه وزوجها المغيرة بن شعبة (٢). فعل هذا يجوز نكاح اليتيمة قبل ان تبلغ بإذنها، لكن قال بعضهم كأبي حنيفة: لها الخيار إذا بلغت (٣). والراجح أنه لا خيار لها إذا نكحت بإذنها للأدلة السابقة. وهو الظاهر المشهور من مذهب الإمام أحمد ﵀ (٤). قال شيخ الإسلام ابن تيمية (٥): «وقد دل على ذلك الكتاب والسنة». وقيل: لا تزوج اليتيمة إذا لم يكن لها أب ولاجد إلا بعد بلوغها وإذنها، وبه قال مالك (٦)، والشافعي (٧)، وأحمد في رواية (٨) ونسب إلى

стр. 30

الجمهور (١). قالوا: لأنه ليس لها ولي يجبرها في نفسها، ولا إذن لهاقبل البلوغ فتعذر تزويجها بإذنها وإذن وليها. واستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ﴾ الآية (٢). قالوا: فأطلق عليهن اسم النساء، وهو يطلق على الإناث البالغات، فدل على أن المراد باليتامى في قوله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ هن البالغات لأن المراد باليتامى في قوله: ﴿فِي يَتَامَى النِّسَاءِ﴾ هو المراد بقوله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ (٣). فالمراد بهذه الآية اليتيمة البالغة. فلا تنكح إلا بإذنها ولا تنكح الصغيرة إذ لا إذن لها حتى تبلغ (٤). كما استدلوا بحديث ابن عمر المتقدم: «ولا تنكحوا اليتامى حتى تستأمروهن» قالوا لأنه لا إذن لها معتبر إلا بعد البلوغ (٥). والصحيح القول الأول وهو جواز تزويج اليتيمة بإذنها (٦) قبل البلوغ، لدلالة

стр. 31

الآيتين والأحاديث السابقة، ولمصلحة اليتيمة نفسها. قال شيخ الإسلام ابن تيمية (١): «أما تخصيص لفظ اليتيم بما بعد البلوغ فلا يحتمله اللفظ بالحال، ولأن الصغير المميز يصح لفظه مع إذن وليه، كما يصح إحرامه بالحج بإذن الولي، وكما يصح تصرفه في البيع وغيره بإذن وليه عند أكثر العلماء، كما دل على ذلك القران بقوله: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إذا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾ الآية. فامر بالابتلاء قبل البلوغ». ٥ - إذا وقع الظلم لليتيمة بالنقص من مهرها يرجع إلى مهر المثل، لقوله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ فالقسط فيهن بإتيائهن مهور أمثالهن من النساء، كما جاء في سبب نزول الآية (٢). ٦ - استدل بعض أهل العلم بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ﴾ مع سبب النزول على أن للولي أن يزوج اليتيمة التي تحت ولايته من نفسه، بمعنى أن يكون هو الناكح والمنكح. وممن ذهب إلى هذا جماعة من السلف منهم (٣)، أبو حنيفة (٤)، ومالك (٥)، وأحمد في رواية عنه (٦). واستدلوا بما رواه البخاري معلقاً (٧) أن عبد الرحمن بن عوف قال لأم حكيم بنت

стр. 32

قارظ: «أتجعلين أمرك إليَّ؟ قالت نعم، فقال: قد تزوجتك». ووجه الدلالة منه أنه وجد الإيجاب من ولي هو من أهل ذلك، والقبول من زوج هو من أهل لذلك. كما استدلوا أيضاً بأنَّ النبي ﷺ «اعتق صفية، وجعل عتقها صداقها» (١). وقد أجيب عن هذا بأنه خاص بالنبي ﷺ ، وليس ظاهراً بأنه بدون ولي. وذهب بعض العلماء منهم الإمام الشافعي (٢)، وأحمد في رواية له (٣)، إلى أنه لا يجوز للولي أن يعقد لنفسه، وإنما يتولى العقد السلطان، أو أحد أقاربها الذين هم أقرب إليها منه. وفي رواية لأحمد: أو تجعل أمرها إلى رجل يزوجها منه (٤). واستدلوا بحديث «لا نكاح إلا بولي» (٥) قالوا: فالولاية شرط في النكاح (٦). كما استدلوا بما رُوي أن المغيرة بن شعبة خطب امرأة هو أولى الناس بها، فأمر

стр. 33

رجلًا فزوجه (١). وأجيب عن هذا بأن في إسناده عبد الملك بن عمير وهو مدلس (٢). كما أجيب عن حديث «لا نكاح إلا بولي» بأن الذي تزوجها هو وليها. قال ابن القيم ﵀ بعد أن ذكر القولين: «الأول أصح دليلًا (٣) والثاني أبعد عن التهمة». وقد يجاب عن هذا بأن التهمة تزول بالإشهاد على النكاح وإعلانه. وعلى هذا فيجوز للولي أن يعقد لنفسه فيأتي بشاهدين ويقول أشهدكما أني زوجت نفسي مثلًا ابنه عمي فلانه بالولاية الشرعية. وهذا إيجاب منه يتضمن القبول، فلا يحتاج أن يقول: قبلت. وقد قال ﷺ لصفية: «إني اعتقتك، وجعلت عتقك صداقك» (٤) ولم يحتج إلى إيجاب ولا قبول لظهور المعنى. لكن دلالة الآية على هذه المسألة ليست ظاهرة، وقد فرَّع بعض من استدل بالآية على الجواز مسألة أخرى، وهي جواز بيع الوكيل والوصي لنفسه والشراء منها (٥). وذهب بعض أهل العلم إلى أنه لا يجوز للوكيل والوصي الشراء من نفسه أو البيع لها، لأن متهم كما لا يجوز له أن يعطي الزكاة لنفسه إذا وكل في إخراجها - وهذا هو

стр. 34

الأظهر لأنه الأحوط وأبعد عن التهمة، وليس في الآية دليل على حواز ذلك. ٧ - سعة فضل الله تعالى ورحمته وتيسيره على الأمة المحمدية، فإذا سدّ باب حرام فتح في المقابل أبواباً كثيرة من الحلال، لقوله: ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ أي في مقابل ترك نكاح اليتامى إذا خفتم عدم العدل معهن. ٨ - أن القرآن الكريم جاء بأحسن الأساليب وأجودها في مخاطباته وأوامره ونواهيه، مما يكون له الأثر في نفوس المخاطبين، ويحملهم على الإذعان والقبول، لقوله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ﴾ الآية. حيث جاء الأمر للأولياء بنكاح ما طاب لهم من النساء، وكان المتوقع كما يوحي به السياق أن يأتي الأمر بترك نكاح اليتامى إذا خافوا عدم العدل فيهن، أو النهي عن نكاحهن في هذه الحال. والغرض من هذا إرشاد المخاطبين وتوجيههم إلى أن الأمر واسع، ولم يضيق الله عليهم، فلهم إذا خافوا عدم العدل مع اليتامى أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء (١) كيفية وكمية إلى حد الأربع. ٩ - ينبغي للرجل أن يتزوج من تطيب له من النساء ويرغب فيها وتميل نفسه إليها، فهذا أحرى أن يؤدم بينهما قال تعالى: ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ﴾ أي: ما رغبتم فيه منهن من ذوات الصفات الطيبة من الدين والخلق والجمال ونحو ذلك، وفي الحديث: «تنكح المرأة لأربع: لمالها ولحسبها ولجمالها ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك» (٢). ١٠ - الإشارة إلى أنه ينبغي للزوج أن يرى من مخطوبته ما يرغبه في نكاحها من

стр. 35

الصفات الطيبه، لقوله ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ﴾. وفي الحديث عن المغيرة بن شعبة أنه خطب امرأة فقال النبي ﷺ : «انظر اليها، فإنه أحرى أن يؤدم بينكما (١)». أي أقرب بأن يؤلف بينكما، فتستمر العشرة بينكما ويحصن كل منكما صاحبه (٢). ١١ - أنه لا ينبغي أن يكره الإنسان على الزواج بامرأة لم تطب بها نفسه (٣)، ولا أن يتزوجها وهو كاره لها، لمفهوم قوله: ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ﴾ ومثل هذا الزواج في الغالب نهايته الفشل (٤). ١٢ - أن نكاح الخبيثة منهي عنه: كالمشركة والفاجرة، لقوله: ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ﴾ فيفهم من هذا أن غير الطيب لا يجوز نكاحه، كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ (٥) وقال تعالى: ﴿الزَّانِي لَا يَنكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أو مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أو مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٦). ١٣ - جواز نكاح زوجتين أو ثلاثٍ أو أربعٍ، لقوله: ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾. لأن الله ذكر هذا مقابل النهي عن نكاح اليتامى إذا خافوا عدم العدل فيهن (٧).

стр. 36

فالأمر في قوله ﴿فانكحوا﴾ محمول على الجواز (١) والإباحة، لأنه في مقابل المنع من نكاح اليتامى. والأمر بعد الحظر يفيد الإباحة (٢). وعلى هذا فليس في الآية هنا ما يدل على فضل تعدد الزوحات (٣)، وإنما استفيد ذلك من أدلة أخرى، كقوله ﷺ في حديث ابن عباس ﵄: «فإن خير هذه الأمة أكثرها نساء» (٤). وكقوله ﷺ : «تزوجوا الودود الولود، فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة» (٥) ولا يقدح في جوازه، بل ولا في فضله كون كثير ممن يعددون الزوجات لا يعدلون بينهن أو لا يستطيعون القيام بحقوقهن وحقوق الأولاد، فإن هؤلاء لا يجوز التعدد في حقهم، أما من سواهم ممن يعدلون بين الزوجات ويستطيعون القيام بحقوقهن وحقوق الأولاد فالتعدد في حقهم أفضل، ولا يجوز تحريم ما أحل الله أو القول بأنه إنما يباح للضرورة فقط، لأجل أن فئاماً من الناس لا يقومون بما شرطه الله من العدل بين الزوجات (٦).

стр. 37

١٤ - عدم جواز الجمع بين أكثر من أربع زوجات في عصمه الرجل، لقوله تعالى: ﴿مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾، لأنه لو كان يجوز الزيادة على أربع لذكره الله تعالى في هذا المقام، لأنه مقام توسعه وامتنان وفتح للباب إلى أعلى حد يجوز ذلك في مقابل المنع من نكاح اليتامى إذا خيف عدم العدل فيهن. قال الحافظ ابن كثير (١): «قصر الله الرجال على أربع في هذه الآية كما قاله ابن عباس وجمهور العلماء، لأن المقام مقام امتنان وإباحة، فلو كان يجوز أكثر من ذلك لذكره». وعلى هذا دلت السنة وأجمعت الأمة. فعن ابن عمر- ﵄. أن غيلان بن سلمة أسلم وتحته عشر نسوة، فقال النبي ﷺ : «اختر منهن أربعاً، وفارق سائرهن» (٢). قال الحافظ ابن كثير (٣) بعد ذكر روايات حديث غيلان: «فوجه الدلالة أنه لو كان يجوز الجمع بين أكثر من أربع لسوغ له رسول الله ﷺ سائرهن في بقاء العشرة وقد أسلمن معه، فلما أمره بإمساك أربع، وفارق سائرهن دل على أنه لا يجوز الجمع بين أكثر من أربع بحال، وإذا كان هذا في الدوام ففي الإستئناف بطريق الأولى

стр. 38

والأحرى». وعن الحارث بن قيس، أو قيس بن الحارث، أسلمت وعندى ثمان نسوه، فأتيت النبي ﷺ فقلت ذلك له، فقال: «اختر منهن أربعاً» (١). وقد أجمع المسلمون على هذا. قال أبو جعفر النحاس (٢): «ولم يزل المسلمون من لدن رسول الله ﷺ إلى هذا الوقت يحرمون ما فوق الأربع بالقرآن والسنة». وقال البغوي (٣): «وهذا أجماع أن أحداً من الأمة لا يجوز له الزيادة عل أربع نسوة». وقال ابن كثير (٤): «وعلى هذا أجمعت الأمة». وقال أيضاً: «قال الشافعي: وقد دلت سنة رسول الله ﷺ المبينة عن الله أنه لا يجوز لأحد غير رسول الله ﷺ أن يجمع بين أكثر من أربع نسوة. قال ابن كثير: وهذا الذي قاله الشافعي- ﵀-مجمع عليه من العلماء». وشذ الرافضة فأباحوا نكاح تسع زوجات (٥)، واحتجوا بالآية، وقالوا إن الواو فيها للجمع، وأن معنى ﴿مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾، أي اثنتين وثلاثًا وأربعاً (٦).

стр. 39

كما احتجوا بأن النبي ﷺ اجتمع في عصمته تسع نسوة (١). وقولهم هذا باطل بدلالة الكتاب والسنة وإجماع الأمة، وبدلالة اللغة. لأنه لو كان المراد بالآية-كما يقولون - جواز الجمع بين تسع زوجات، لقال: انكحوا تسع زوجات، إذ لم يكن معروفاً عند العرب الذين نزل القرآن بلغتهم إذا أراد أحدهم أن يقول لصاحبه خذ تسعاً أن يقول: خذ اثنتين وثلاثاً وأربعًا (٢). قال القرطبي (٣) ﵀: «اعلم أن هذا العدد «مثنى وثلاث ورباع» لا يدل على إباحة تسع، كما قاله من بعد فهمه للكتاب والسنة، وأعرض عما كان عليه سلف هذه الأمة، وزعم أن الواو جامعة، وعضد ذلك أن النبي ﷺ نكح تسعاً وجمع بينهن في عصمته، والذي صار إلى هذه الجهالة وقال هذه المقالة الرافضة وبعض أهل الظاهر، فجعلوا مثنى مثل اثنتين، وكذلك ثلاث ورباع، وذهب بعض أهل الظاهر أيضاً إلى أقبح منها فقالوا بإباحة الجمع بين ثمان عشرة تمسكاً منه بأن العدل في تلك الصيغ يفيد التكرار، والواو للجمع، فحعل مثنى: بمعنى اثنتين اثنتين، وكذلك ثلاث ورباع. وهذا كله جهل باللسان والسنة ومخالفة لإجماع الأمة، إذ لم يسمع عن أحد من الصحابة ولا التابعين أنه جمع في عصمته أكثر من أربع ..» وقال أيضًا (٤): «وأما قولهم: إن الواو جامعة. فقد قيل ذلك لكن الله تعالى خاطب العرب بأفصح اللغات. والعرب لا تدع أن تقول تسعة، وتقول اثنتين وثلاثه وأربعة، وكذلك تستقبح من يقول أعط فلانًا أربعة ستة ثمانية ولا يقول: ثمانية عشر». وأما ما أحتجوا به من أن الرسول ﷺ اجتمع في عصمته تسع نسوة فلا حجة فيه، لأن هذا من خصائصه (٥) ﷺ . فقد خصه الله تعالى بذلك، ومنعه من الزواج عليهن أو

стр. 40

أن يتبدل بهن، فقصره على العدد تسع وعلى المعدود وهن هؤلاء الزوجات، قال تعالى: ﴿لَّا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِن بَعْدُ وَلَا أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنّ﴾ (١)، بينما الأمة قصرت على العدد وهو أربع، ولم تقتصر في المعدود فللرجل أن ينكح ما طاب له من النساء، وله أن يستبدل منهن ما شاء. كما حرم الله الزواج بزوجاته ﷺ بعده، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَن تَنكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾ (٢)، كما أباح له أن يتزوج بهبة، كما قال تعالى: ﴿وَامْرَأَةً مُّؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَن يَسْتَنكِحَهَا خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٣). قال ابن كثير (٤): «وقد يتمسك بعضهم بفعل النبي ﷺ في جمعه بين أكثر من أربع إلى تسع، كما ثبت في الصحيحين، وإما إحدى عشرة كما جاء في بعض ألفاظ البخاري، وقد علقه البخاري. وقد روينا عن أنس أن رسول الله ﷺ تزوج بخمس عشرة امرأة، ودخل منهن بثلاث عشرة، واجتمع عنده إحدى عشرة، ومات عن تسع، وهذا عند العلماء من خصائص رسول الله ﷺ دون غيره من الأمة، لما سنذكره من الأحاديث الدالة على الحصر في أربع» ثم ساق ﵀ حديث غيلان وغيره. وأيضاً فزواجه ﷺ بهن لحكم دينية وسياسية واجتماعية (٥). وأيضًا فإن رسول الله ﷺ قوَّاة الله على العدل بين أكثر من أربع على القول بوجوب القسم عليه، كما هو المشهور، بينما الذي يطيقه عامة الناس من العدل ينتهي غالبًا إلى أربع. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ (٦) -: «فالعدل الذي يطيقه عامة الناس
следующие страницы →