← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 14537

حقوق اليتامى كما جاءت في سورة النساء

سليمان اللاحم

Полный текст (117 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

فالأمر في قوله ﴿فانكحوا﴾ محمول على الجواز (١) والإباحة، لأنه في مقابل المنع من نكاح اليتامى. والأمر بعد الحظر يفيد الإباحة (٢). وعلى هذا فليس في الآية هنا ما يدل على فضل تعدد الزوحات (٣)، وإنما استفيد ذلك من أدلة أخرى، كقوله ﷺ في حديث ابن عباس ﵄: «فإن خير هذه الأمة أكثرها نساء» (٤). وكقوله ﷺ : «تزوجوا الودود الولود، فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة» (٥) ولا يقدح في جوازه، بل ولا في فضله كون كثير ممن يعددون الزوجات لا يعدلون بينهن أو لا يستطيعون القيام بحقوقهن وحقوق الأولاد، فإن هؤلاء لا يجوز التعدد في حقهم، أما من سواهم ممن يعدلون بين الزوجات ويستطيعون القيام بحقوقهن وحقوق الأولاد فالتعدد في حقهم أفضل، ولا يجوز تحريم ما أحل الله أو القول بأنه إنما يباح للضرورة فقط، لأجل أن فئاماً من الناس لا يقومون بما شرطه الله من العدل بين الزوجات (٦).

стр. 37

١٤ - عدم جواز الجمع بين أكثر من أربع زوجات في عصمه الرجل، لقوله تعالى: ﴿مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾، لأنه لو كان يجوز الزيادة على أربع لذكره الله تعالى في هذا المقام، لأنه مقام توسعه وامتنان وفتح للباب إلى أعلى حد يجوز ذلك في مقابل المنع من نكاح اليتامى إذا خيف عدم العدل فيهن. قال الحافظ ابن كثير (١): «قصر الله الرجال على أربع في هذه الآية كما قاله ابن عباس وجمهور العلماء، لأن المقام مقام امتنان وإباحة، فلو كان يجوز أكثر من ذلك لذكره». وعلى هذا دلت السنة وأجمعت الأمة. فعن ابن عمر- ﵄. أن غيلان بن سلمة أسلم وتحته عشر نسوة، فقال النبي ﷺ : «اختر منهن أربعاً، وفارق سائرهن» (٢). قال الحافظ ابن كثير (٣) بعد ذكر روايات حديث غيلان: «فوجه الدلالة أنه لو كان يجوز الجمع بين أكثر من أربع لسوغ له رسول الله ﷺ سائرهن في بقاء العشرة وقد أسلمن معه، فلما أمره بإمساك أربع، وفارق سائرهن دل على أنه لا يجوز الجمع بين أكثر من أربع بحال، وإذا كان هذا في الدوام ففي الإستئناف بطريق الأولى

стр. 38

والأحرى». وعن الحارث بن قيس، أو قيس بن الحارث، أسلمت وعندى ثمان نسوه، فأتيت النبي ﷺ فقلت ذلك له، فقال: «اختر منهن أربعاً» (١). وقد أجمع المسلمون على هذا. قال أبو جعفر النحاس (٢): «ولم يزل المسلمون من لدن رسول الله ﷺ إلى هذا الوقت يحرمون ما فوق الأربع بالقرآن والسنة». وقال البغوي (٣): «وهذا أجماع أن أحداً من الأمة لا يجوز له الزيادة عل أربع نسوة». وقال ابن كثير (٤): «وعلى هذا أجمعت الأمة». وقال أيضاً: «قال الشافعي: وقد دلت سنة رسول الله ﷺ المبينة عن الله أنه لا يجوز لأحد غير رسول الله ﷺ أن يجمع بين أكثر من أربع نسوة. قال ابن كثير: وهذا الذي قاله الشافعي- ﵀-مجمع عليه من العلماء». وشذ الرافضة فأباحوا نكاح تسع زوجات (٥)، واحتجوا بالآية، وقالوا إن الواو فيها للجمع، وأن معنى ﴿مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾، أي اثنتين وثلاثًا وأربعاً (٦).

стр. 39

كما احتجوا بأن النبي ﷺ اجتمع في عصمته تسع نسوة (١). وقولهم هذا باطل بدلالة الكتاب والسنة وإجماع الأمة، وبدلالة اللغة. لأنه لو كان المراد بالآية-كما يقولون - جواز الجمع بين تسع زوجات، لقال: انكحوا تسع زوجات، إذ لم يكن معروفاً عند العرب الذين نزل القرآن بلغتهم إذا أراد أحدهم أن يقول لصاحبه خذ تسعاً أن يقول: خذ اثنتين وثلاثاً وأربعًا (٢). قال القرطبي (٣) ﵀: «اعلم أن هذا العدد «مثنى وثلاث ورباع» لا يدل على إباحة تسع، كما قاله من بعد فهمه للكتاب والسنة، وأعرض عما كان عليه سلف هذه الأمة، وزعم أن الواو جامعة، وعضد ذلك أن النبي ﷺ نكح تسعاً وجمع بينهن في عصمته، والذي صار إلى هذه الجهالة وقال هذه المقالة الرافضة وبعض أهل الظاهر، فجعلوا مثنى مثل اثنتين، وكذلك ثلاث ورباع، وذهب بعض أهل الظاهر أيضاً إلى أقبح منها فقالوا بإباحة الجمع بين ثمان عشرة تمسكاً منه بأن العدل في تلك الصيغ يفيد التكرار، والواو للجمع، فحعل مثنى: بمعنى اثنتين اثنتين، وكذلك ثلاث ورباع. وهذا كله جهل باللسان والسنة ومخالفة لإجماع الأمة، إذ لم يسمع عن أحد من الصحابة ولا التابعين أنه جمع في عصمته أكثر من أربع ..» وقال أيضًا (٤): «وأما قولهم: إن الواو جامعة. فقد قيل ذلك لكن الله تعالى خاطب العرب بأفصح اللغات. والعرب لا تدع أن تقول تسعة، وتقول اثنتين وثلاثه وأربعة، وكذلك تستقبح من يقول أعط فلانًا أربعة ستة ثمانية ولا يقول: ثمانية عشر». وأما ما أحتجوا به من أن الرسول ﷺ اجتمع في عصمته تسع نسوة فلا حجة فيه، لأن هذا من خصائصه (٥) ﷺ . فقد خصه الله تعالى بذلك، ومنعه من الزواج عليهن أو

стр. 40

أن يتبدل بهن، فقصره على العدد تسع وعلى المعدود وهن هؤلاء الزوجات، قال تعالى: ﴿لَّا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِن بَعْدُ وَلَا أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنّ﴾ (١)، بينما الأمة قصرت على العدد وهو أربع، ولم تقتصر في المعدود فللرجل أن ينكح ما طاب له من النساء، وله أن يستبدل منهن ما شاء. كما حرم الله الزواج بزوجاته ﷺ بعده، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَن تَنكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾ (٢)، كما أباح له أن يتزوج بهبة، كما قال تعالى: ﴿وَامْرَأَةً مُّؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَن يَسْتَنكِحَهَا خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٣). قال ابن كثير (٤): «وقد يتمسك بعضهم بفعل النبي ﷺ في جمعه بين أكثر من أربع إلى تسع، كما ثبت في الصحيحين، وإما إحدى عشرة كما جاء في بعض ألفاظ البخاري، وقد علقه البخاري. وقد روينا عن أنس أن رسول الله ﷺ تزوج بخمس عشرة امرأة، ودخل منهن بثلاث عشرة، واجتمع عنده إحدى عشرة، ومات عن تسع، وهذا عند العلماء من خصائص رسول الله ﷺ دون غيره من الأمة، لما سنذكره من الأحاديث الدالة على الحصر في أربع» ثم ساق ﵀ حديث غيلان وغيره. وأيضاً فزواجه ﷺ بهن لحكم دينية وسياسية واجتماعية (٥). وأيضًا فإن رسول الله ﷺ قوَّاة الله على العدل بين أكثر من أربع على القول بوجوب القسم عليه، كما هو المشهور، بينما الذي يطيقه عامة الناس من العدل ينتهي غالبًا إلى أربع. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ (٦) -: «فالعدل الذي يطيقه عامة الناس

стр. 41

ينتهي إلى الأربعة. وأما رسول الله ﷺ فإن الله قوّاه على العدل فيما هو أكثر من ذلك - على القول المشهور- وهو وجوب القسم عليه، وسقوط القسم عنه على القول الآخر، كما أنه لما كان أحق بالمؤمنين من أنفسهم أحل له التزوج، بلا مهر». وعلى هذا فالقول بجواز الزيادة على أربع زوجات باطل بدلالة الكتاب، والسنة، وإجماع الأمة، واللغة. لكن اختلف العلماء في حكم من تزوج خامسة بعد إتفاقهم على أنه يفرق بينهما. فذهب طائفة من أهل العلم منهم مالك، والشافعي، وأبو ثور والزهري (١)، إلى أنه يرجم وقيل: عليه التعزيز. والصحيح الأول، لأنه أقدم على هذا النكاح وهو يعلم أنه محرم. ١٥ - إذا طلق الرجل امراته طلاقًا رجعيًّا فلا يجوز له أن يتزوج رابعة ما دامت في العدة بالإجماع (٢) لأن الرجعية بحكم الزوجة ما دامت في العدة، وقد قال الله تعالى: ﴿مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾، فلو تزوج والرابعة مازالت في عدتها من طلاق رجعي فالنكاح باطل. فإذا كان الفراق بائنًا كفرقه لعانٍ أو طلاق ثلاثٍ، أو فسخٍ أو طلاقٍ على عوض فذهب أكثر أهل العلم منهم مالك، والشافعي (٣)، وأبو ثور وأبو عبيد وابن المنذر (٤)، وغيرهم إلى أن له أن يتزوج رابعه وإن كانت المفارقة ما زالت في العدة، لأنها قد بانت منه فليست بزوجة له الآن. وذهب طائفة من أهل العلم منهم أبو حنيفة (٥)، وأحمد (٦)، والثوري (٧)،

стр. 42

وغيرهم إلى أنه لا يجوز أن يتزوج رابعة ما دامت المفارقة في العدة، وإن كان الفراق بائناً لأن المفارقة مازالت مشغولة بحق الزوج، وقد قال تعالى ﴿وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ (١). ١٦ - بعد القرآن الكريم في تعبيره عما يوجب الإيهام، لقوله ﴿مَّثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ حيث جاء بصيغة العدل، لأنه لو قال: (اثنتين وثلاثًا وأربعاً) لأوهم جواز الجمع بين هذه الأعداد، وحيث جاء العطف بالواو بدل «أو» لئلا يتوهم أنه لا يجوز إلا أحد هذه الأعداد. ١٧ - وجوب العدل بين الزوجات في حقوق النكاح من القسم والمبيت (٢) والنفقة والمسكن والعشرة ونحو ذلك (٣) مما يدخل تحت الاستطاعة، لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾ دون مالا يقدر عليه كالمحبة القلبية والجماع قال تعالى: ﴿وَلَن تَسْتَطِيعُوا أَن تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ (٤). وفي الحديث عن عائشة ﵂ قالت: «كان رسول الله ﷺ يقسم فيعدل، ويقول: «اللهم إن هذا قسمي فيما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك» (٥). قال

стр. 43

أبو داود: «يعني القلب». وهذا الحديث وإن تكلم فيه وضعف، فمعناه صحيح، فإن القسم واجب فيما يملك الإنسان، أم مالا يملك فلا مؤاخذة فيه: كالمحبة والجماع، لكن لا يجوز أن يجمع نفسه لزوجة دون أخرى كما قال الفقهاء ﵏. قال ابن القيم (١) أثناء ذكره لفوائد أحاديث قسمه ﷺ بين زوجاته فيما يملك، قال: «ومنها أنه لا تجب التسوية بين النساء في المحبة، فإنها لاتملك، وكانت عائشة ﵂ أحب نسائه إليه، وأخذ من هذا أنه لا تجب التسويه بينهن في الوطء، لأنه موقوف على المحبة والميل، وهو بيد مقلب القلوب. وفي هذا تفصيل وهو: أن تركه لعدم الداعي إليه، وعدم الانتشار فيه معذور، وإن تركه مع الداعي إليه، ولكن داعيه إلى الضرة أقوى، فهذا مما يدخل تحت قدرته وملكه، فإن أدى الواجب عليه منه لم يبق لها حق ولم يلزمه التسوية، وإن ترك الواجب منه فلها المطالبة به». ١٨ - وجوب الاقتصار على زوجه واحدة، وترك التعدد، إذا خاف ألا يعدل بين الزوجات لقوله: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾. ١٩ - إباحة الاستمتاع بما شاء من ملك اليمين، وأنه لا يجب القسم بينهن، وليس لهن من الحقوق مثل ما للحرائر (٢)، ولهذا جعلهن الله بمثابة الواحدة فقال: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أو مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ (٣): «أباح مما ملكت اليمين ما شاء

стр. 44

الإنسان بغير عدد، لأن المملوكات لا يجب لهن قسم ولا يستحققن على الرجل وطئاً ولهذا يملك من لا يحل له وطؤها كأم امرأته وبنتها، وأخته وابنته من الرضاع». ٢٠ - جواز وطء الأمة كتابية أو مجوسية أو وثنية، لقوله ﴿أو مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ وهذا مطلق. وقد اختلف أهل العلم إلى وطء الأمة الكتابية لعموم قوله ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أو مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ (١)، ولأن الله أباح حرائرهم بقوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ (٢). وأما إن كانت الأمة مجوسية أو عابدة وثن فجمهور العلماء على منع وطئها بملك اليمين، وظاهر الكتاب والسنة جواز ذلك، قال ابن القيم في ذكر فوائد حديث أبي سعيد في سبي أوطاس. «ودل هذا القضاء النبوى على جواز وطء الإماء الوثنيات بملك اليمين فإن سبايا

стр. 45

أوطاس لم يكن كتابيات، ولم يشترط رسول الله ﷺ في وطئهن إسلامهن، ولم يجعل المانع منه إلا الاستبراء فقط، وهذا مذهب طاوس، وقوّاه صاحب المغني ورجّح أدلته». وقال الشنقيطي: «والذي يظهر من جهة الدليل- والله تعالى أعلم-جواز وطء الأمة بملك اليمين، وإن كانت عابدة وثن أو مجوسية ..» (١). ٢١ - إثبات ملك اليمين وهو «الرق» لقوله: ﴿أو مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾، وهو كما قال الفقهاء «عجز حكمي يقوم بالإنسان سببه الكفر» فإذا وجد سببه بأن قاتل المسلمن الكفار، وسبوا منهم سبايا فهؤلاء السبايا أرقاء وملك للمسلمين حتى يعتقوا. أما ما يوجد الآن في بعض البلاد من سرقة بعض الولاد وبيعهم، أو بيع بعض الناس أولادهم بسبب الحاجة، فهذا كله ليس من ملك اليمين في شيء، وإنما هؤلاء أحرار. وقد قال الله في الحديث القدسي: «ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة: رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حرًّا فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيراً فاستوفى منه ولم يعطه أجره» (٢). ٢٢ - إثبات الملكية الفردية الخاصة (٣) للإنسان. وأنه يملك وله التصرف في ملكه حسب ما أذن به الشرع، لقوله: ﴿أو مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ وفي هذا رد على الشيوعية الاشتراكية الملحدة. ٢٣ - فضل اليمين على الشمال لأن الله أضاف الملك إلى اليمين، فقال: ﴿أو مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ وفي الحديث: «أنه كان ﷺ يعجبه التيمن في تنعله وترجله

стр. 46

وطهوره وفي شأنه كله» (١). ٢٤ - إطلاق البعض على الكل لقوله ﴿أيمانكم﴾، لأن الأيمان جمع يمين وهي اليد والملك إنما للإنسان كله، وإنما يعبر باليمين لأن الأخذ والإعطاء بها. ٢٥ - أن الخطاب في قوله: ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ للأحرار لقوله: ﴿مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ فهم الذين يملكون، وهم الذين يجوز للواحد منهم الزواج بأربع زوجات. وعليه جمهور أهل العلم (٢). وقد قيل: إن الخطاب في الآية عام للأحرار والعبيد، فيجوز للعبد أن يتزوج أربع زوجات بهذا قال مالك في المشهور عنه (٣)، والظاهرية (٤). والصحيح أن الخطاب في الآية خاص بالأحرار. وأن العبد له أن يتزوج اثنتين فقط لما صح عن عمر بن الخطاب ﵁ قال «ينكح العبد امرأتين ويطلق تطليقتين، وتعتد الأمة حيضتين» (٥). وهو قول جمهور أهل العلم منهم عمر بن الخطاب وعلي ابن أبي طالب ﵄ وعبد الرحمن بن عوف، ولا مخالف لهم من الصحابة. قال ابن القيم (٦): «بعد ذكر الرواية عن عمر وعلي وعبد الرحمن بن عوف:

стр. 47

«ولم يعرف لهم مخالف من الصحابة مع انتشار هذا القول وظهوره، وموافقته للقياس». ٢٦ - أن ترك تعدد الزوجات إذا خاف عدم العدل معهن والاقتصار على نكاح واحدة والاستمتاع بملك اليمين أقرب ألا يقع المرء في الجور والظلم، لقوله: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أو مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾ وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «من كان له امرأتان يميل لإحداهما على الأخرى جاء يوم القيامة وأحد شقيه مائل» (١) وفي بعض الروايات «وشقه ساقط» (٢). ٢٧ - الإشارة إلى أن الإنسان قد لايسلم من الظلم والجور حتى لو ترك نكاح اليتامى، ولو لم يعدد الزوجات، لقوله: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾ ولم يقل: ذلك ألا تعولوا. لكن حنانيك بعض الشر أهون من بعض. ٢٨ - تحريم الوسائل المؤدية إلى فعل المحرم، وأن الوسائل لها أحكام المقاصد (٣) وقد دلت الآية على هذا المعنى في موضعين منها: الأول في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النساء﴾، فأوجبت الآية العدول عن اليتامى إذا خيف عدم العدل فيهن، ووجهت إلى نكاح ما طاب لهم من النساء سواهن. والثاني في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أو مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُو﴾. فأوجبت الآية ترك تعدد الزوجات إذا خيف عدم العدل معهن، ووجهت إلى الاقتصار على واحدة والاستمتاع بملك اليمين. ****

стр. 48

الحكمة التشريعية في إباحة الإسلام تعدد الزوجات تظهر الحكمة التشريعية في إباحة تعدد الزوجات في مراعاة التشريع الإسلامي قدرات الناس الجسمانية والمالية فأباح لهم التعدد ولم يحصرهم في عدد معين، بل جعل لهم الخيار في ذلك، فمن أحب أن ينكح اثنتين فله ذلك، ومن أحب أن ينكح ثلاثًا أو أربعاً فله ذلك، وبالأربع غنية لكل أحد إلا ماندر. كما تظهر الحكمة التشريعية في إباحة الإسلام تعدد الزوجات في حل مشكلة من أكبر المشاكل الاجتماعية، وهي كثرة عدد النساء مقابل عدد الرجال إذ تبلغ نسبة عدد النساء في بعض المجتمعات إلى نحو ٦٠ %. ويقال: إن في تايلاند يقابل الواحد من الرجال عشراً من النساء، وفي المانيا بعد الحرب العالمية الثانية يقابل كل شاب ثلاث فتيات (١)، وفي أمريكا نسبة عدد النساء ١٦٠% إلى الرجال. وهكذا حالات اختلال التوازن بين الجنسين في أيام الحروب والأوبئة، التي يتعرض لها الرجال أكثر. وإن جلوس كثير من الفتيات بلا زواج ومجاهدتهن داعية الزواج والنسل في طبيعتهن يسبب لهن أمراضاً بدنية وعقلية كثيرة إضافة إلى حاجة المرأة إلى كفالة الرجل وقيامه عليها. يضاف إلى هذا أن المرأة قد تكون مريضة فلا تعف زوجها، أو عقيماً لا تنجب، وأيضاً فإن الرجل لديه القدرة على الإنجاب والنسل أي نحو مائة سنة، بينما المرأة تقف عند حد الخمسين، فإذا قصر على زوجة واحدة تعطل بقية عمره عن الإنجاب والنسل، الذي هو المقصود الشرعي الأول من الزواج (٢) ولهذا قال ﷺ : «تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة» (٣).

стр. 49

كما أن في ذلك تقليل الطلاق الذي هو أبغض الحلال إلى الله، لأن الرجل إذا كانت امرأته مريضة أو عقيماً يمسكها ويتزوج عليها، وإذا منع من التعدد طلقها وتزوج غيرها. وأخيراً فإن الإسلام لما أباح التعدد حده بحد وهو الأربع، وجعل من شرطه العدل بين الزوجات، خلاف ما كان عليه أهل الجاهلية حيث كان التعدد عندهم موجوداً بلا حد ولا قيد، بل خاضعاً للهوى والشهوة، فكان في إباحة الإسلام للتعدد على هذه الكيفية بهذا الحد وذلك الشرط مفخرة من مفاخر الإسلام، وهو بهذا الحد وذلك الشرط في مصلحة الرجال والنساء، بل في مصلحة الأمة كلها (١). الحكمة كلها في كونه ﷺ جمع في عصمته بين تسع زوجات . وأما كونه ﷺ جمع في عصمته بين تسع زوجات من خصائصه ﷺ ، وقد تزوج بهن لحكم دينية وعلمية وسياسية واجتماعية ونحو ذلك، فمن الحكمة في زواجه ﷺ بسودة بنت زمعة، وهي أول زوجة تزوجها بعد وفاة خديجة ﵄، أن سودة كانت من المهاجرات الهجرة الثانية إلى الحبشه خوف الفتنة فلو عادت إلى أهلها بعد وفاة زوجها ابن عمها لعذبوها وفتنوها عن دينها فكفلها ﷺ

стр. 50

وكافأها بهذه المنة العظيمة بأن تزوجها. ومن الحكمه في زواجه ﷺ من عائشة وحفصة ﵄ إكرام صاحبيه ﷺ ووزيريه أبي بكر وعمر ﵄، وإقرار أعينهما بهذا الشرف العظيم. كما أكرم عليًا وعثمان ﵄ ببناته ﷺ . ومن الحكمة في زواجه ﷺ بزينب بنت جحش ظاهرة وفوق كل حكمة، وهي إبطال دعوى حرمة زوجة المتبنى على من تبناه، وفي القصه بكاملها إبطال بدعة التبني الذي كان في الجاهلية كلية. ومن الحكمة من زواجه ﷺ بجويرية بنت الحارث سيد بني المصطلق أن المسلمين أسروا من قومها مائتي بيت بنسائهم وذراريهم فأراد ﷺ أن يعتقهم المسلمون وأن يتألفهم للإسلام، فتزوج جويرية، فقال أصحابه رضوان الله عليهم: أصهار رسول الله ﷺ لا ينبغي أسرهم وأعتقوا، فأسلم بنو المصطلق جميعاً، ودخلوا في دين الله. وهكذا كان من حكمة زواجه بأم حبيبة بنت أبي سفيان وهي تأليف قلوب قومها للإسلام ومكافأة لها على ثباتها على الإسلام بعد أن هاجرت مع زوجها عبيد الله بن جحش إلى الحبشة وتنصر هناك. ومن الحكمة بزواجه ﷺ بزينب بنت خزيمة بعد قتل زوجها عبد الله ابن جحش في «أحد» أنها كانت من فضليات النساء في الجاهلية، وكانت تدعى أم المساكين لبرها بهم وعنايتها بشأنهم، فلما قتل زوجها كافأها ﷺ بزواجه بها، فلم يدعها أرملة تقاسي الذل والحاجة الذي كانت تجير الناس منه، وقد ماتت في حياته ﷺ . ومن الحكمة بزواجه ﷺ بأم سلمة «هند» أنه لما توفي زوجها عبد الله أبو سلمة، وكان أول من هاجر إلى الحبشة، وكانت تحب زوجها محبة عظيمة، حتى إن أبا بكر وعمر خطباها بعد وفاته فلم تقبل. ولما رأى النبي ﷺ ما بها على زوجها قال لها النبي ﷺ : قولي: «اللهم آجرني في مصيبتي واخلف لي خيراً منها» قالت: ومن يكون خيراً

стр. 51

من أبي سلمة؟ فرق لها النبي ﷺ وتزوجها (١). وكانت امرأة فاضلة عرفت يوم الحديبية بجودة رأيها، وذلك حين أمر الرسول ﷺ أصحابه بالتحلل لما منعهم المشركون من دخول الحرم فامتنع الصحابة فدخل عليها ﷺ مغضباً، فقالت: احلق واخرج إليهم. فحلق وخرج إليهم فتسارعوا إلى الحلق والتحلل (٢). ومن حكمة زواجه بصفية بنت حيي بن أخطب سيد بني النضير، وقد قتل أبوها مع بني قريظة، وقتل زوجها يوم خيبر، فقال الصحابة يا رسول الله إنها سيدة بني قريظة والنضير. فاستحسن ﷺ رأيهم، وهو الذي ينزل الناس منازلهم، وأعتقها وتزوجها، وحعل عتقها صداقها. ولعل من حكمة زواجه ﷺ بميمونة بنت الحارث الهلالية، تشعب قرابتها في بني هاشم وبني مخزوم، فهي خالة عبد الله بن عباس وخالد بن الوليد. وكان زوجها الثاني أبورهم بن عبد العزى قد توفي فجعلت أمرها للعباس فزوجها رسول الله ﷺ (٣). قال محمد رشيد رضا (٤) - بعد تفصيل الحكمه في تعدد زوجاته ﷺ : «وجملة الحكمة في الجواب أنه ﷺ راعى المصلحة في اختيار كل زوج من أزواجه عليهن الرضوان في التشريع والتأديب، فجذب إليه كبار القبائل بمصاهرتهم، وعلم أتباعه احترام النساء، وإكرام كرائمهن، والعدل بينهن، وقررالأحكام بذلك وترك من بعده تسع أمهات للمؤمنين يعلمن نساءهم من الأحكام ما يليق بهن مما ينبغي أن يتعلمنه

стр. 52

من النساء دون الرجال ولو ترك واحدة فقط لما كانت تغني في الأمة غناء التسع، ولو كان ﵇ أراد بتعدد الزواج ما يريده الملوك والأمراء من التمتع بالحلال فقط لاختار حسان الأبكار على أولئك الثيبات المكتهلات، كما قال لمن اختار ثيباً: «هلا بكراً تلاعبها وتلاعبك» هذا ما ظهر لنا في حكمة التعدد، وإن أسرار سيرته ﷺ أعلى من ان تحيط بها أفكار مثلنا». من لطائف التفسير قال القرطبي (١): «ذكر الزبير بن بكار حدثني إبراهيم الحزامي عن محمد بن معبد الغفاري، قال أتت امرأة إلى عمر بن الخطاب ﵁ وعنده كعب بن سوار الأسدي، فقالت: يا أمير المؤمنين إن زوجي يصوم النهار ويقوم الليل، فأنا أكره أن أشكوه، وهو يعمل في طاعة الله ، فقال لها: نعم الزوج زوجك. فأخذت تكرر عليه، وهو يكرر عليها الجواب، فقال كعب الأسدي: يا أمير المؤمنين هذه المرأة تشكو زوجها في مباعدته إياها عن فراشه. فقال عمر: كما فهمت كلامها فاقض بينهما. فقال كعب: عليَّ بزوجها، فأتي به، فقال: أن امرأتك هذه تشكوك. قال: أفي طعام أم شراب؟ قال: لا، فقالت المرأة: يا أيها القاضي الحكيم رشده ... ألهى خليلي عن فراشي مسجده زهَّده في مضجعي تعبده ... فاقض القضاء كعب لا تردده نهاره وليله ما يرقده ... فلست في أمر النساء أحمده قال زوجها: زهدني في فرشها وفي الحجل (٢) ... أني امرؤ أذهلني ما قد نزل في سورة النحل وفي السبع الطول ... وفي كتاب الله تخويف جلل

стр. 53

قال كعب: إن لها حقًّا عليك يا رجل ... نصيبها في أربع لمن عقل فأعطها ذاك ودع عنك العلل (١) ثم قال أن الله أحل لك من النساء مثنى وثلاث ورباع فلك ثلاثة أيام ولياليهن تعبد فيهن ربك. فقال عمر: والله ما أدري من أي أمريك أعجب، أمن فهمك أمرها، أم من حكمك بينهما، اذهب فقد وليتك قضاء البصرة». فقد استنبط كعب هذا من الآية، وهو استنباط مليح، لكن ليس في الآية ما يدل على هذا التحديد. والأمر في هذا واسع، إذ الواجب على الزوج أداء حق الزوجة كيفما كان، ولهذا لم يتفق العلماء على المدة التي يسافر فيها الرجل عن زوجته. وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية (٢) اختلاف العلماء في الواجب من الوطء، فقيل: «يجب في كل أربعة أشهر، وقيل: بقدر حاجتها وقدرته، كما يطعمها بقدر حاجتها وقدرته، قال ابن تيمية: وهذا هو الصحيح». ****

стр. 54

الحجر على السفهاء في أموالهم قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أموالكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَّعْرُوفًا * وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إذا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ ءآنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أموالهُمْ وَلَا تَأكلوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَن يَكْبَرُوا وَمَن كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَن كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأكل بِالْمَعْرُوفِ فَإذا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أموالهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾. صله الآيتين بما قبلهما: لما بين الله في الآيات السابقة وجوب حفظ أموال اليتامى والعدل بين النساء وإيتائهن مهورهن أتبع ذلك ببيان أنه لا يجوز ترك الأموال بأيدي السفهاء عامة من اليتامى والصبيان والنساء وغيرهم لعدم إدراكهم وجوه المصالح والمضار غالباً، ثم أتبع ذلك بالأمر برد المال إليهم إذا بلغوا وزال عنهم السفه (١). معاني المفردات والجمل: قوله تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أموالكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾. قرأ ابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي: ﴿السُّفَهَاءَ أموالكُمُ﴾ بهمزتين محققتين كما هو في الأصل، وقرأ أبو عمرو، وقالون عن نافع، والبزي عن ابن كثير بإسقاط الهمزة الأولى: (السفها أموالكم) وروي عن نافع تسهيل الهمزة الثانية مع تحقيق الأولى، وروي عنه إبدال الهمزة الثانية ألفاً (٢). قوله تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا﴾ أي: ولا تعطوا، والخطاب للأولياء عامة. قوله ﴿السُّفَهَاءَ﴾: مفعول أول لـ «تؤتوا» والسفهاء: جمع سفيه، مأخوذ من السفه، وهي في الأصل الحركة، يقال: تسفهت الريح الشجر إذا أمالته، قال الشاعر:

стр. 55

رويداً كما اهتزت رماح تسفهت ... أعليها مر الرياح النواسم (١) قالوا: والسفه خفة وطيش، ينشأ عنه سوء تصرف في الأقوال والأعمال والأموال. قال الماوردي (٢): «وأصل السفه خفة الحلم فلذلك وصف به الناقص العقل، ووصف به المفسد لماله لنقصان تدبيره، ووصف به الفاسق لنقصانه عند أهل الدين والعلم». والسفيه من لا يحسن التصرف. لقصور في عقله: إما لكونه مجنونًا، أو لكونه صغيراً، أو لكونه غير رشيد (٣). والسفه يكون في الدين، كما قال تعالى: ﴿وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ (٤)، وقال تعالى: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ﴾ (٥)، وقال تعالى: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أولَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ (٦)، وقال تعالى عن الجن أنهم قالوا: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا﴾ (٧). ويكون في التصرف في الأموال وهو المراد في قوله هنا: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أموالكُمُ﴾ بقرينه قوله (أموالكم). قال الطبري (٨): «والسفيه الذي لا يجوز لوليه أن يؤتيه ماله هو المستحق الحجر

стр. 56

بتضييعه ماله وفساده وإفساده وسوء تدبيره ذلك». ومن السفه صرف المال فيما يضر ولا ينفع: كآلات اللهو وشرب الخمر، والدخان ونحو ذلك مما لا فائدة فيه تعود على الإنسان، بل هو ضرر محض. قوله ﴿أموالكُمُ﴾ مفعول ثانٍ لـ «تؤتوا». والأموال جمع مال، وهو كل ما يتمول من أثمان وأعيان وغير ذلك، والخطاب للأولياء عامة. والأموال هنا يحتمل أن المراد بها أموال اليتامى والسفهاء، لا أموال المخاطبين، وإنما أضيفت إلى المخاطبين بقوله ﴿أموالكُمُ﴾، لأنها تحت ولايتهم وتصرفهم، وللتنبيه على أنه يجب عليهم حفظها كما يجب عليهم حفظ أموالهم الخاصة بهم. وفي هذا توكيد على حفظ أموال هؤلاء السفهاء وتنميتها لهم. ويحتمل أن المراد بالأموال أموال المخاطبين أنفسهم، نهوا أن يعطوها للسفهاء من أولادهم ونسائهم وغيرهم خشيه إتلافها وإفسادها. والآية تشمل القولين (١). قوله ﴿الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾. التي: اسم موصول في محل نصب صفة لـ «أموالكم»، وما بعدها صلة الموصول. جعل: بمعنى صير، تنصب مفعولين، الأول «ها» مقدرة التقدير: جعلها- يعني الأموال. والثاني «قيامًا». قوله: (لكم) الخطاب للأولياء؛ ويحتمل أن المراد به أصحاب الأموال أنفسهم، فالأموال قيام لهم ولأولادهم وأهليهم. ويحتمل أن المراد به أولياء اليتامى والسفهاء، لأن الأموال قيام للناس جميعًا.

стр. 57

قوله (قياماً) قرأ نافع المدني وابن عامر الدمشقي: «قيماً» بغير ألف، وقرأ بقيه العشرة: «قياماً» بالألف (١). وهي على القراءتين منصوبة مفعول ثانٍ لجعل (٢)، وقيل على المصدرية (٣)، وقيل على الحال (٤). ومعنى القراءتين واحد، فالأموال جعلها الله قياماً وقيماً، بمعنى أنها تقوم بها مصالح العباد الدينية والدنيوية، فالمال قوام الحياة والمعاش، وبه تقوم الأبدان وبقيام الأبدان يوحد الله ويعبد ويحصل للكون العمران (٥). كما قال تعالى: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِّلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ﴾ (٦) لأنه بسبب الكعبة وحرمة الحرم والإحرام حصل الأمن، وبحصول الأمن تقوم أمور الناس الدينية والنيوية وتصلح أحوالهم، وبهذا صارت قياماً للناس. قوله تعالى: ﴿وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا﴾ الرزق بمعنى العطاء أي أعطوهم منها طعاماً وشراباً وسكناً وفراشاً ومركباً وغير ذلك مما يعطى لغيرهم حسب العرف. قوله (واكسوهم): الكسوة ما يكسى به البدن من ثوب وقميص وسراويلات وإزار ورداء ونحو ذلك، مما يحتاجونه كسوة لأبدانهم حسب العرف. والضمير في قوله ﴿وَارْزُقُوهُمْ﴾ وفي ﴿وَاكْسُوهُمْ﴾ كما سبق، يحتمل أن يكون

стр. 58

لأولاد المخاطبين وأهليهم، ويحتمل أن يكون يكون لمن تحت ولا يتهم من السفهاء من اليتامى وغيرهم ممن ليسوا من أولادهم (١). وقال في هذا الموضع «فيها» ولم يقل «منها» إشارة إلى أنه ينبغي للأولياء أن ينمُّوا أموال السفهاء، كما ينمُّوا أموالهم، وأن تكون النفقة عليهم من ربح الأموال لا من أصولها، فيكون الرزق فيها لا منها. قال الزمخشري (٢): «أي اجعلوها مكاناً لرزقهم بأن تتجروا فيها وتتربحوا، حتى تكون نفقتهم من الأرباح، لا من صلب المال، فلا يأكلها الإنفاق». قوله تعالى: ﴿وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَّعْرُوفًا﴾. قولًا: مفعول مطلق، وبينه وبين «قولوا» جناس اشتقاق. أي قولو لمن تحت ولايتكم قولًا طيباً جميلًا لا غلظة فيه، مما يعرف ولا ينكره الشرع، مما يكون فيه خير وعدة جميلة وتطييب لخواطرهم (٣) كأن يقول الولي لمن تحت ولايته من اليتامى ونحوهم: المال لكم وسنحفظه لكم، ونعمل فيه لصالحكم، ثم نرده إليكم، ويقول لمن تحت ولايته من أولاده وأهله: المال لنا ولكم، وسينتقل بعدنا إليكم، ونحو هذا. وما أحسن هذا بأن يجمع الولي بين الإحسانين: الإحسان الفعلي بإعطائهم وكسوتهم والإحسان القولي بالقول الطيب. قال الحافظ ابن كثير- ﵀ (٤): «وهذه الآية انتظمت الإحسان إلى العائلة، ومن تحت الحجر بالفعل من الإنفاق في الكساوي والأرزاق والكلام الطيب وتحسين الأخلاق».

стр. 59

قال الله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إذا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ ءآنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أموالهُمْ وَلَا تَأكلوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَن يَكْبَرُوا وَمَن كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَن كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأكل بِالْمَعْرُوفِ فَإذا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أموالهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾. صله الآية بما قبلها: لما أمر الله تعالى في الآيات السابقة بحفظ أموال اليتامى ورعايتها وعدم ترك الأموال بأيدي السفهاء من اليتامى وغيرهم أتبع ذلك بالأمر باختبارهم ورد أموالهم إليهم إذا بلغوا النكاح ورشدوا (١). معاني المفردات والجمل: قوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾ الخطاب لمن عهد إليهم أمر اليتامى من الأوصياء، ولمن تولى كفالتهم من الأولياء بأمر الوالي الشرعي، أو من أقاربهم أو من عامة الناس (٢). والإبتلاء: الاختبار، ويكون في الخير والشر، قال تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ (٣). والمعنى: اختبروا اليتامى وذلك عند البلوغ أو قبله بيسير وعند مقاربتهم للرشد وكونه ممكناً منهم، وذلك بالتعرف على حسن تصرف اليتيم في ماله وحفظه وإصلاحه له (٤) كأن يعطى شيئًا من المال فينظر هل يحسن التصرف فيه، أو توكل إليه نفقة البيت وتدبيره، فينظر كيف تصرفه في ذلك، أو نحو ذلك (٥). قوله تعالى: ﴿حَتَّى إذا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾.

стр. 60

«حتى»: لابتداء الغاية (١). أي: اختبروهم واستمروا في اختبارهم ﴿حَتَّى إذا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أموالهُمْ﴾. قوله: ﴿إذا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾. إذا: ظرفية شرطية غير جازمة. بلغوا النكاح: أي: بلغوا سن النكاح، وذلك بالاحتلام (٢)، كما قال تعالى: ﴿وَإذا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنكُمُ الْحُلُمَ﴾ (٣). وقال ﷺ : «لا يتم بعد احتلام» (٤). وذلك أنه بالاحتلام يبلغ مبلغ الرجال، وتجب عليه التكاليف، كما قال ﷺ «رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يعقل» (٥)، وقال ﷺ لمعاذ حين بعثه إلى اليمن: «خذ من كل حالم ديناراً» (٦)، أو بالإنزال يقظة (٧)، أو ببلوغ خمسة عشر عاماً (٨). لما رواه عبد الله بن عمر- ﵄ قال: «عرضت على النبي ﷺ يوم

стр. 61

أحد وأنا ابن أربع عشرة فلم يجزني وعرضت عليه يوم الخندق وأنا ابن خمس عشرة فأجازني». قال أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز لما بلغه هذا الحديث: إن هذا الفرق بين الصغير والكبير» (١). وإلى هذا ذهب جمهور أهل العلم أن البلوغ يعتبر ببلوغ خمس عشرة سنة (٢). وقال أبو حنيفة: يعتبر ببلوغ الجارية سبع عشرة سنة، وبلوغ الغلام ثمان عشرة سنة وروي عنه ببلوغ الغلام تسع عشرة سنة (٣) وهو قول لمالك (٤). أو بإنبات الشعر الخشن حول الفرج، وهو يعتبر بالنسبة لأولاد المشركين بلوغاً بدليل ما رواه عطية القرظي قال: عرضنا على النبي ﷺ يوم قريظة، فكان من أنبت قتل، ومن لم ينبت خلي سبيله، فكنت ممن لم ينبت فخلي سبيلي» (٥) وكتب عمر بن الخطاب ﵁ لأمراء الأجناد: «ألا تضربوا الجزية إلا على من جرت عليه المواسي» (٦). واختلف هل يعتبر بلوغاً بالنسبة لأولاد المسلمين على قولين (٧) أظهرهما أنه يعتبر بلوغاً، وهو قول أحمد (٨)، وإسحاق (٩).

стр. 62

قال الحافظ ابن كثير (١): «واختلفوا في إنبات الشعر الخشن حول الفرج، وهي الشعرة، هل تدل على البلوغ أم لا؟ على ثلاثة أقوال يفرق في الثالث بين الصبيان المسلمين، فلا يدل على ذلك لاحتمال المعالجة، وبين صبيان أهل الذمة فيكون بلوغاً في حقهم، لأنه لا يتعجل بها إلا ضرب الجزية عليه فلا يعالجها، والصحيح أنها بلوغ في حق الجميع، لأن هذا أمر جبلي يستوي فيه الناس واحتمال المعالجة بعيد» ثم ذكر حديث عطية القرظي الذي تقدم. ومن علامات البلوغ عند النساء زياده ما تقدم: الحيض، والحبل (٢). فهذه خمس علامات منها ثلاث مشتركة بين الذكور والإناث، وهي الاحتلام، والسن المخصوص، ونبات الشعر الخشن حول الفرج واثنتان مختصتان بالنساء، وهما الحيض والحبل (٣). قوله تعالى: ﴿فَإِنْ ءآنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أموالهُمْ﴾ الخطاب للأوصياء والأولياء على أموال السفهاء من اليتامى وغيرهم. الفاء رابطة لجواب الشرط «إذا» وهي حرف مبني على الفتح لا محل له من الإعراب، و «إن» شرطية و «آنستم» فعل الشرط، وجوابه «فادفعوا إليهم أموالهم». وهذا الشرط وجوابه جواب الشرط في قوله: ﴿إذا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾. ومعنى (آنستم): أبصرتم ورأيتم، ومنه قوله تعالى ﴿ءآنَسَ مِن جَانِبِ الطُّورِ نَاراً﴾ (٤)، أي أبصر ورأى (٥). (منهم رشداً) أي: من اليتامى. والرشد: حسن التصرف، ضد السفه، وهو في كل شيء بحسبه، فالرشد في الدين صلاح المرء في دينه بأداء ما أوجب الله واجتناب

стр. 63

ما نهى الله عنه. قال تعالى: ﴿أولَائِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾ (١). وقال تعالى: ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ (٢). والرشد في الولاية أن يكون الولي يحسن التصرف فيما ولي عليه، سواء كانت ولاية عامة على أمر من أمور المسلمين، أو ولاية خاصة كالولاية على اليتيم والسفيه، وكولاية النكاح على من تحت يده من الإناث. والرشد في المال: حسن التصرف فيه، وهو المراد بقوله هنا ﴿فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْداً﴾ أي تصرفاً صحيحاً في أموالهم (٣). ونكر «رشداً» لأن المراد به «رشداً» بعينه أي مطلق الرشد (٤)، لا الرشد المطلق من جمع هذا كله، فأصلح دينه وماله، وأحسن التصرف فيمن تحت ولايته، وأحسن تعامله مع الناس وغير ذلك. وبهذا تجتمع الأقوال التي حكيت عن السلف في معنى الرشد، فمن قائل: هو الصلاح في العقل. ومن قائل: هو الصلاح في الدين، ومن قائل: هو الصلاح في العقل والدين. ومن قائل: هو الصلاح في العقل والمال، ومن قائل: هو الصلاح في الدين والمال، ومن قائل: هو الصلاح في المال (٥). قوله: ﴿فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أموالهُمْ﴾.

стр. 64

جواب الشرط لقوله ﴿فَإِنْ آنَسْتُم﴾ واقترن بالفاء لأنه جملة طلبية. أي: أعطوا أيها الأوصياء والأولياء اليتامى أموالهم ولا تحبسوها عنهم (١)، وبادروا بإيصالها إليهم إبرء للذمة، ولا تكلفوهم البحث عنها أو طلبها، ولا تماطلوا في ردها إليهم، ولهذا عبر بقوله ﴿فَادْفَعُوا﴾. قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأكلوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَن يَكْبَرُوا﴾. قوله: ﴿وَلَا تَأكلوهَا﴾: الواو عاطفة. و «لا» ناهية، «تأكلوها» مجزوم بها، وعلامه جزمه حذف النون إذ الأصل «تأكلونها». وذكر الأكل خاصة - وإن كان الانتفاع بأموال اليتامى بأي وجه منهياً عنه -لأن الأكل أهم أوجه الانتفاع، ومن أجله يجمع المال وهو كسوة الباطن التي لا حياة بدونها. قوله: ﴿إِسْرَافاً وَبِدَاراً أَن يَكْبَرُوا﴾. إسرافاً وبداراً: منصوبان على الحال، أي مسرفين ومبادرين. أو على المفعول المطلق. أو على أنهما صفتان لمصدر محذوف، التقدير: أكل إسراف وبدار (٢). والإسراف: مجاوز الحد (٣). قال تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾ (٤). وهو في كل شيء بحسبه.

стр. 65

فالإسراف في المعاصي: تعدي حدود الله بارتكاب ما نهى الله عنه قال تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ﴾ (١) وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِن بِآيَاتِ رَبِّهِ﴾ (٢). والإسراف في أكل المال: مجاوزة الحد في تبديده واستنزافه في المباحات أو في المعاصي (٣). والمراد هنا الإسراف في أكل المال لقوله ﴿وَلَا تَأكلوهَا﴾. وضده البخل والتقتير كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إذا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ (٤) (٥). وقوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ (٦)، وقال تعالى: ﴿كُلُوا مِن ثَمَرِهِ إذا أَثْمَرَ وَءاتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ (٧). قوله ﴿وَبِدَارا﴾. أي: مبادرة ومسارعة واستعجالاً. قوله: ﴿أَن يَكْبَرُوا﴾. و «أن» حرف مصدري ونصب، يكبروا: منصوب بها وعلامة نصبه حذف النون. و «أن» والفعل «يكبروا» في تأويل مصدر في محل نصب مفعول «بدارا» (٨) والتقدير: بدار كبرهم، أي تبادرون كبرهم، لأنهم إذا كبروا في الغالب وبلغوا زال عنهم

стр. 66

السفه، فزالت الولاية عليهم، ووجب رد أموالهم إليهم. قوله تعالى: ﴿وَمَن كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾ الواو استئنافية، و «من» شرطية «كان» فعل الشرط، وجوابه (فليستعفف) واقترن الجواب بالفاءلأنه جملة طلبية. أي: ومن كان من الأولياء أو الأوصياء على السفهاء من اليتامى وغيرهم غنيًّا. أي عنده من المال ما يكفيه ولا يحتاج إلى مال من تحت ولايته. فليستعفف: اللام لام الأمر، واستعف عن الشيء بمعنى كفّ عنه وتركه واستغنى عنه (١). واستعفّ: أبلغ من عفّ (٢) لأن زيادة المبنى تدل - غالباً (٣) - على زيادة المعنى. أي: ومن كان عنده ما يكفيه من المال فليكف عن مال اليتيم وليستغن عنه. قوله تعالى: ﴿وَمَن كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأكل بِالْمَعْرُوفِ﴾ معطوف على ما قبله، مشتمل على شرط وجوابه. وبين قوله: ﴿وَمَن كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾ وقوله: ﴿وَمَن كَانَ فَقِيراً فَلْيَأكل بِالْمَعْرُوفِ﴾ مقابلة بديعة بين قوله ﴿غنيًّا﴾ و ﴿فقيراً﴾ وبين قوله ﴿فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾ وقوله ﴿فَلْيَأكل﴾. أي: ومن كان من الأولياء أو الأوصياء على السفهاء من اليتامى وغيرهم فقيراً، أي: معدماً ليس عنه شيء، أو عنده شيء يسير لا يكفي لحاجته (٤)؛ مأخوذ من فقار الظهر، كأنه انقطعت فقار ظهره فلم يستطع الاعتماد على حاله (٥).

стр. 67

قال الراعي يمدح عبد الملك بن مروان ويشكو إليه سعاته: أما الفقير الذي كانت حلوبته ... وفق العيال فلم يترك له سبد (١) فليأكل: اللام لام الأمر، وهو للإباحة، لأنه أمر بعد حظر، فبعد أن نهى عن أكل أموال اليتامى قال: ﴿وَمَن كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأكل بِالْمَعْرُوفِ﴾ والأمر بعد الحظر يفيد الإباحة، أو يعود لما كان عليه الحال قبل النهي وهو الإباحة هنا كقوله تعالى: ﴿وَإذا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ (٢) فالأمر بالاصطياد هنا للإباحة، لأنه جاء بعد الحظر في قوله قبل هذا ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنتُمْ حُرُمُ﴾ (٣). بالمعروف: أي: فليأكل أكلاً بالمعروف. والمعروف ما جرى به العرف أن يأكل الولي الفقير من مال السفيه أكل مثله من الفقراء، سواء كان المولَّى عليه غنيًّا أو فقيراً. قالت عائشة ﵂: «نزلت هذه الآية في والي اليتيم ﴿وَمَن كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَن كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأكل بِالْمَعْرُوفِ﴾ بقدر قيامه عليه» (٤). قوله تعالى: ﴿فَإذا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أموالهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾. الفاء: عاطفة. وإذا: ظرفية شرطية غار جازمة. «دفعتم» فعل الشرط. أي: إذا أعطيتم أيها الوصياء، أو الأولياء من تحت ولايتكم من اليتامى وغيرهم أموالهم ورددتموها إليهم بدون ممانعة منكم أو مماطلة، وبدون تكليفهم

стр. 68

المطالبة بها (فأشهدوا عليهم). وقال: ﴿فَإذا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أموالهُمْ﴾ بالإطناب ولم يقل (فإذا دفعتموها إليهم) مع أنه قال قبل هذا (فادفعوا إليهم أموالهم) والغرض من هذا كله تأكيد وجوب حفظ أموال اليتامى، ودفعها إليهم كامله سالمة. قوله: ﴿فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾ جواب الشرط، واقترن بالفاء لأنه جملة طلبية. أي: فأشهدوا عليهم أي على أنكم دفعتم ورددتم أموالهم إليهم، لئلا يقع منهم جحود أو إنكار لما قبضوه (١)، وإزاله للتهمة (٢)، وتفادياً للخلاف، وتحصيناً للأموال وضبطاً للأمور (٣). قوله تعالى: ﴿وَكَفى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾. كفى: تأتي متعدية كما في قوله تعالى: ﴿وَكَفى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾ (٤)، وتأتي لازمة، وعلامة لزومها جر فاعلها بالباء الزائدة (٥) إعراباً لتحسين اللفظ كما في هذه الآية، والأصل: كفى الله حسيباً. ومعنى ﴿وَكَفى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ أي: ما أعظم كفاية الله في محاسبته لعباده، فهو جل وعلا يكفي عن كل أحد، وهي بمعنى حسب: أي حسب هؤلاء وجميع الخلق، ويكفيهم أن الله حسيب عليهم. حسيباً: تمييز، أو حال (٦).

стр. 69

ومعنى حسيباً: «أي محاسباً وشهيداً ورقيباً على العباد وأعمالهم، مجازياً لهم عليها (١) قال ابن القيم (٢): وهو الحسيب كفاية وحماية ... والحسب كافي العبد كل أوان قال الحافظ ابن كثير (٣): «وكفى بالله محاسباً وشهيداً ورقيباً على الأولياء في حال نظرهم للأيتام، وحال تسليمهم للأموال: هل هي كامله موفرة، أو منقوصة مبخوسة مدخلة، مروج حسابها، مدلس أمورها، الله أعلم بذلك كله». وفي قوله: ﴿وَكَفى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ تهديد للأولياء والأوصياء على أموال اليتامى والسفهاء وتحذير لهم من الخيانة فيما ولاهم الله، وتهديد أيضاً وتحذير لليتامى وغيرهم من السفهاء من الإنكار بعد رد المال إليهم. الفوائد والأحكام: ١ - تحريم إعطاء السفهاء الأموال، لأنهم لا يحسنون التصرف فيها، سواء كانت أموالهم أو أموال أوليائهم، لقوله: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أموالكُمُ﴾. ٢ - ثبوت الحجر على السفهاء من الأيتام وغيرهم، لقوله: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أموالكُمُ﴾ وقال تعالى: ﴿فَإِن كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أو ضَعِيفًا أو لَا يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾ (٤) (٥). ٣ - وجوب الحجر على السفيه في ماله (٦)، لقوله: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ

стр. 70

أموالكم﴾ والمراد بالسفهاء كما سبق من لا يحسنون التصرف في المال، ولا يعرفون وجوه المصالح والمضار في ذلك (١). ٤ - أن السفه مذموم، لأن الله نهى عن إيتاء السفهاء الأموال، فقال: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أموالكُمُ﴾ (٢). ٥ - حرص الإسلام على حفظ الأموال وعدم إضاعتها، لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أموالكم﴾. ٦ - عناية الإسلام بمن لا يحسن التصرف في ماله، لأن الأمر بعدم إيتائه ماله والحجر عليه هنا لحظ نفسه ومصلحته هو، وحتى الحجر عليه لحظ غيره هو راجع في ثاني الحال لمصلحته هو، لأنه لتسديد ديون كانت عليه. ٧ - ينبغي للوصي والولي أن يحفظ مال السفيه فيما يحفظ فيه ماله، وينمِّيه كما ينمِّي ماله لقوله تعالى: ﴿أموالكُمُ﴾ حيث أضاف أموال السفهاء إلى المخاطبين على أحد الاحتمالين في الآية. ٨ - أن المال قوام الحياة والمعاش، به تقوم مصالح الدين والدنيا، لقوله: ﴿الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ وفي الحديث: «قال الله : «إنا أنزلنا المال لإقام الصلاة وإيتاء الزكاة» (٣) فيجب العناية به كسباً وإنفاقاً وحفظه، وتحرم إضاعته أو صرفه في غير ما جعل له من مصالح الدين والدنيا.

стр. 71

ولا يجوز للمسلم أن يكون عالة على غيره، ولا للأمة الإسلامية أن تحتاج لغير المسلمين ولا في إبرة المخيط، بل يجب عليها أن تكون هي الرائدة في التجارة والصناعة وغير ذلك. ٩ - مشروعية طلب المال بالطرق الحلال، لأن مصالح الناس في دينهم ودنياهم لا تقوم إلا بالمال، لقوله ﴿الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ وهكذا كان شأن رسولنا ﷺ وأسوتنا، فقد رعى ﷺ الغنم، فعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «ما بعث الله نبيًّا إلا رعى الغنم» فقال أصحابه وأنت؟ فقال: «نعم كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة» (١). واستغل ﷺ بالتجارة في مال خديجة (٢). وقال ﷺ : «ما أكل أحد طعاماً قط خيراً من أن يأكل من عمل يده وإن نبي الله داود ﵇ كان يأكل من عمل يده» (٣). وقد روي أن عمر بن الخطاب ﵁ دخل المسجد فإذا شباب أصحاء أقوياء، فقال: من ينفق عليكم؟ فقالوا جيراننا، فقال انتظروا حتى آتيكم فخرج ثم جاء ومعه الدرة، فضربهم حتى أوجعهم وقال: «اخرجوا في طلب الرزق، فإن السماء لا تمطر ذهباً ولا فضةً». وروي عنه أنه دخل المسجد، فوجد فيه رجلاً معتكفاً للعبادة، فسأله عمن يعوله؟ فقال: أخي يعمل ويسعى لرزقه ورزقي ورزق عياله، فقال له عمر ﵁: «أخوك أعبد منك». فطلب الرزق والمال مشروع إذا لم يشغل عن طاعة الله، بل هو من طاعة الله إذا اكتسب المال من حلال، وأنفق في الحلال، وأديت حقوقه تعالى: ﴿رِجَالٌ لَّا

стр. 72

تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعُ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾ (١). وقد ذكر المفسرون أن هؤلاء الرجال كانوا يشتغلون بالتجارة، لكن إذا سمع الواحد منهم منادي الله «حي على الصلاة. حي على الفلاح» بادر بالإجابة حتى ولو كان الميزان بيداه ألقاه وذهب إلى الصلاة (٢). وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كلِّ خير» (٣). أي القوي في دينه وبدنه وكل شيء. ولا شك أن المؤمن ذا المال أنفع لنفسه وللمسلمين إذا وفق لمعرفة حقوق المال عليه وأدّاها. ففي الحديث الآخر «ذهب أهل الدثور بالأجور» (٤). والدثور هي الأموال. وإنما ذهبوا بالأجور لإنفاقها في سبيل الله. بل إن العمل في طلب الرزق يقدم على طلب العلم إذا كان من يطلب العلم سيعيش عالة على غيره. وقد ذكر بعض أهل العلم قصة طريفة في هذا المعنى، وهي أنه كان هناك أخوان: أحدهما يشتغل بالتجارة، والآخر متفرغ لطلب العلم على أحد المشائخ، فبينما كان هذا الذي يشتغل بالتجارة في سفره لطلب التجارة اشتد به الحر، فأوى إلى غار في أحد الجبال، واستلقى فيه ليستريح فرفع بصره، فإذا طائر كسيح مقطع الأجنحة، فتعجب: كيف يعيش هذا الطائر بهذه المفازة وهو بهذه الحال؟ فبينما هو في تفكيره وتعجبه إذ جاء طائر قوي فوضع الماء والطعام في فم هذا الطائر الكسيح،

стр. 73

فاندهش هذا الرجل وأخذ يفكر ويتأمل، فقال في نفسه: أنا معرّض نفسي للتعب والأخطار في طلب التجارة، فلماذا لا أرجع لطلب العلم مع أخي، والذي تكفل برزق هذا الطائر الكسيح في هذه المفازة سيرزقني، وعاد أدراجه إلى بلده، وجلس في الحلقة مع أخيه، ولما انتهت القراءة إليه سأله الشيخ-وكان عارفاً بحاله وحال أخيه - قائلاً: ما الذي أتى بك؟! فذكر له ما رأى في الغار من حال ذينك الطائرين، وما جال في فكره من أن من كفل رزق ذلك الطائر الكسيح سيكفل رزقه، فقال له الشيخ بمنطق العالم العارف بقيمة السعي في طلب الرزق في الإسلام: عجباً لك كيف رضيت لنفسك أن تكون بمنزلة الطائر الكسيح، ولم ترض لها أن تكو بمنزلة الطائر القوي الذي يقوم على نفسه وعلى غيره. فقام هذا الرجل ولبس نعليه، وعاد في تجارته. وحسبي أن أكون قد أطلت في التعليق عل هذه المسألة، لأن كثيراً من شباب الأمة أصبحوا عالة على الآخرين، وهمم يعيشون الفراغ، وحياة الضياع، دأبهم الرحلات والنزهات، وهمهم تزجية الأوقات، انشغلوا بما يعدونه من المباحات، وقد أدى ذلك بكثير منهم إلى التقصير في الواجبات وانتهاك الحرمات والتخلي عن المسؤوليات، فقصّر الواحد منهم من أجل ذلك في حق ربه، وفي حق نفسه، وفي حق والديه وزوجته وأولاده وأقاربه وجيرانه وإخوانه وأمته. يقضي الواحد منهم الليالي والأيام بل والأسابيع والشهور خارج منزله، وأهله وأولاده ووالداه ينتظرونه بفارغ الصبر، يتمنى والداه وأولاده أن يجلس معهم على مائدة الإفطار أو الغداء أو العشاء، فلا يتحقق لهم ذلك، منشغل بدون شغل إلا تزجية الأوقات، أثقلته الديون فلا يفكر في عمل لكي يسدد هذه الديون، وليس في ديننا مكان للكسل والبطالة، فأمتنا بحاجة إلى العالم المحقق، والتاجر الأمين، والصانع الماهر، والزارع الخبير والطبيب الحاذق، والمهندس الدقيق. وديننا الإسلامي دين ودنيا، علم وعمل. قال الشاعر: الجد بالجد والحرمان بالكسل ... فانصب تصب عن قريب غاية الأمل (١)

стр. 74

وقال ابن هانئ (١): ولم أجد الإنسان إلا ابن سعيه ... فمن كان أسعى كان بالمجد أجدرا فلم يتأخر من أراد تقدماً ... ولم يتقدم من أراد تأخرا ١٠ - أنه يجب على الإنسان في ماله نفقة من تلزمه نفقتهم ممن تحت يده أزواج وأولاد وغيرهم، لقوله: ﴿وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا﴾ وفي الحديث عن حكيم بن حزام أن النبي ﷺ قال: «اليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول» (٢). ١١ - أن نفقة السفهاء تكون في أموالهم إذا كان لهم مال، لقوله: ﴿وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ﴾ ويكون ذلك على قدر ماله وحاله (٣). ١٢ - ينبغي للولي أن ينمي مال السفيه ويتّجر به، ليكون ما يعطيه من النفقة والكسوة ونحو ذلك من الربح، لا من أصل المال، لقوله ﴿وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا﴾ أي: فيها لا منها. والأمر للوجوب. ولأن مال السفيه إذا لم ينمَّ ويحرك طلباً للفائدة أكلته الزكاة، والنفقة عليه، وعلى من تجب عليه نفقته من أقاربه. وفي الأثر: «تاجروا بأموال اليتامى، لا تتركوها تأكلها الصدقة» (٤).

стр. 75

قال القرطبي (١): «ويجوز للوصي أن يصنع في مال اليتيم ما كان للأب أن يصنعه من تجارة، وإبضاع، وشراء وبيع، وعليه أن يؤدي الزكاة من سائر أمواله (٢)، عين وحرث وماشية وفطرة ويؤدي عنه أروش الجنايات، وقيم المتلفات، ونفقة الوالدين وسائر الحقوق اللازمة، ويجوز أن يزوجه ويؤدي عنه الصداق، ويفي ما عليه من الديون». وقال شيخ الإسلام ابن تيميه (٣): «يجوز لوصي اليتيم، بل ينبغي له أن يتصرف بماله في التجارة، ولا يفتقر إلى إذن الحاكم إن كان وصيًّا وإن غير وصي، وكان الناظر في أموال اليتامى الحاكم العادل يحفظه، ويأمر فيه بالمصلحة وجب استئذانه في ذلك». وقال أيضاً (٤): «وإذا ضارب الولي وفرط ضمن، وأما إذا فعل ما ظاهره المصلحة فلا ضمان عليه». ١٣ - أن قول الولي مقبول فيما يدعيه من النفقة الممكنة والكسوة، لأنه جعل مؤتمنا على مالهم والإنفاق عليهم منه والكسوة لهم، ولم يؤمر بالإشهاد على ذلك، فلزم قبول قول الأمين (٥). ١٤ - يجب على الولي والوصي أن يقول لمن تحت ولايته من السفهاء قولاً معروفاً طيباً جميلاً حسناً، لقوله: ﴿وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً﴾. وبهذا يجمع بين الإحسان الفعلي والإحسان القولي، وإذا كان العطاء قليلاً نظراً لقلة المال، أو منعه عنهم في بعض الأحوال لمصلحتهم، ولما هو أهم وأنفع لهم فلا يجمع بين هذا وبين جفاء القول (٦) وعلى الأقل لا يعدم القول الجميل.
следующие страницы →