وهذا معنى قول بعض السلف (١): طلبنا العلم لغير الله فأبي أن يكون إلا لله. وقول الآخر لما قيل له: إنهم يطلبون الحديث بغير نيَّة، فقال: طلبهم له نيَّة، يعنى نفس طلبه حسن ينفعهم. وهذا قيل في العلم لخصوصيته، لأن العلم هو الدليل المرشد، فإذا طلبه بالمحبة وحصَّله عرَّفه الإخلاصَ لله والعملَ له.
ولهذا قال من قال: هو من النظر الأول الذي هو مُقدمة العِرفان، فإن القصد والنية مشروط بمعرفة المقصود المنوي به، فإذا لم يعرفه بعدُ كيف يتقرب إليه؟ فإذا نظر بمحبة أو غيرها فعلم المعبود المقصود صح حينئذ أن يعبده ويقصده. وكذلك الإخلاص كيف يخلص من لم يعرف الإخلاص؟ فلو كان طلب علم الإخلاص لا يكون إلا بالإخلاص لزم الدَّوْر، فإن العلم هو قبل القصد والإرادة من إخلاص وغيره، ولا تقع الإرادة والقصد حتى يحصل العلم.
وعلى هذا فما ذكره الإمام أحمد عن نفسه هو حسن، وهو حال النفوس المحمودة المستقيمِ حالُها. ومن هذا قول خديجة ﵂ للنبي ﷺ : إنك لتَصلُ الرحمَ وتَصْدُقُ الحديثَ وتَقْرِيْ الضيفَ وتَحمِلُ الكلَّ وتكسِبُ المعدومَ وتُعِينُ على نوائب الحق.
فهذه الأمور كان يفعلها محبة لها، خُلق على ذلك وفُطر عليه، فعلمت أن النفوس المطبوعة على محبة الأمور المحمودة وفعلها لا يوقعها الله فيما يضاد ذلك من الأمور المذمومة، لما قال لها: "قد خشيتُ
стр. 1647
على نفسي". قالت: كلا والله لا يخزيك الله أبدًا .... الحديث، وهو في الصحيحين (١).
وقد تنازع الناس في النبوة: هل هي مجرد إنباء الله لعبده، أو هي راجعة إلى صفات كمالٍ فيه؟ كما تنازعوا في النبوة: هل هي مجرَّد تعلق خطاب الشارع، أو هي راجعة إلى صفات يتميز بها، ولابد من خطاب إلهي أو إنباء؟ ولهذا كانت النبوة أجزاءً، كما قال النبي ﷺ : "الهدي الصالح والسمت الصالح والاقتصاد جزء من خمسة وعشرين جُزءًا من النبوة". رواه أهل السنن (٢)، فهذا في العمل. وقال في العلم: "الرؤيا الصالحة جزءٌ من ستةٍ وأربعين جزءً من النبوة" (٣). وقال: "ثلاث من أخلاق المرسلين" (٤).
و هذا الحب والإحساس الذي خلقه الله في النفوس هو الأصل في كل حُسن وقُبح ، وكل حمدٍ وذم، فإنه لولا الإحساس الذي يُعتد به في حب حبيب وبغض بغيض لما وجدت حركة إرادية أصلاً تحرك شيئًا من الحيوان باختياره، ولَمَا كان أمرٌ ونهي وثواب وعقاب،
стр. 1648
فإن الثواب إنما هو بما تحبه النفوس وتتنعم به، والعقاب إنما هو بما تكره النفوس وتتعذب به، وذلك إنما يكون بَعْد الإحساس، فالإحساس والحب والبغض هو أصل ما يوجد في الدنيا والآخرة من أمور الحي، وبه حَسُنَ الأمر والنهي والوعد والوعيد. وذاك الأمر والنهي والوعد والوعيد هو تكميل للفطرة، وكل منهما عون على الآخر، فالشريعة تكميل للفطرة الطبيعية، والفطرة الطبيعية مبدأ وعون على الإيمان بالشرع والعمل به، والعبد من دان بالدين الذي يصلحه فيكون من أهل [العمل] الصالح في الآخرة، والشقيّ من لم يتبع الدين ويَعملِ العملَ الذي جاءت به الشريعة، فهذا هذا، والله أعلم.
стр. 1649
فصل في انتفاع الإنسان بعمل غيره
стр. 1650
قال الشيخ تقي الدين أبو العباس أحمد بن تيمية:
من اعتقد أن الإنسان لا ينتفع إلَاّ بعمله فقد خرق الإجماع ، وذلك باطل من وجوه كثيرة:
أحدها: أن الإنسان ينتفع بدعاء غيره وهو انتفاع بعمل الغير.
ثانيها: أن النبي ﷺ يشفع لأهل الموقف في الحساب ثم لأهل الجنة في دخولها.
ثالثها: لأهل الكبائر في الخروج من النار، وهذا انتفاع بسعي الغير.
رابعها: أن الملائكة يدعون ويستغفرون لمن في الأرض، وذلك منفعة بعمل الغير.
خامسها: أن الله تعالى يُخرِج من النار من لم يعمل خيرًا قط بمحض رحمته، وهذا انتفاع بغير عملهم.
سادسها: أن أولاد المؤمنين يدخلون الجنة بعمل آبائهم وذلك انتفاع بمحض عمل الغير.
سابعها: قال تعالى في قصة الغلامين اليتيمين: (وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا) (١) فانتفعا بصلاح أبيهما وليس من سعيهما.
стр. 1651
ثامنها: أن الميت ينتفع بالصدقة عنه وبالعتق بنص السنة والإجماع، وهو من عمل الغير.
تاسعها: أن الحج المفروض يسقط عن الميت بحج وليه بنص السنة، وهو انتفاع بعمل الغير.
عاشرها: أن الحج المنذور أو الصوم المنذور يسقط عن الميت بعمل غيره بنص السنة، وهو انتفاع بعمل الغير.
حادي عشرها: المدين قد امتنع ﷺ من الصلاة عليه حتى قَضى دينَه أبو قتادة (١)، وقضى دينَ الآخر عليُّ بن أبي طالب، وانتفع بصلاة النبي ﷺ ، وهو من عمل الغير.
ثاني عشرها: أن النبي ﷺ قال لمن صلى وحده: "ألا رجلٌ يتصدق على هذا فيصلي معه" (٢)، فقد حصل له فضلُ الجماعة بفعل الغير.
ثالث عشرها: أن الإنسان تبرأ ذمته من ديون الخلق إذا قضاها قاض عنه، وذلك انتفاع بعمل الغير.
رابع عشرها: أن من عليه تبعات ومظالم إذا حلل منها سقطت عنه، وهذا انتفاع بعمل الغير.
стр. 1652
خامس عشرها: أن الجار الصالح ينفع في المحيا والممات كما جاء في الأثر، وهذا انتفاع بعمل الغير.
سادس عشرها: أن جليس أهل الذكر يرحم بهم، وهو لم يكن منهم، ولم يجلس لذلك بل لحاجة عرضت له، والأعمال بالنيات، فقد انتفع بعمل غيره.
سابع عشرها: الصلاة على الميت والدعاء له في الصلاة انتفاع للميت بصلاة الحي عليه، وهو عمل غيره.
ثامن عشرها: أن الجمعة تحصل باجتماع العدد وكذلك الجماعة بكثرة العدد، وهو انتفاع للبعض بالبعض.
تاسع عشرها: أن الله تعالى قال لنبيه ﷺ : (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ) (١)، وقال تعالى: (وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ) (٢)، وقال تعالى: (وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ) (٣).
فقد رفع الله تعالى العذاب عن بعض الناس بسبب بعض، وذلك انتفاع بعمل الغير.
عشروها: أن صدقة الفطر تجب على الصغير وغيره ممن يَمونُه الرجل، فإنه ينتفع بذلك من يخرج عنه ولا سعي له فيها.
стр. 1653
حادي عشريها: أن الزكاة تجب في مال الصبي والمجنون، ويثاب على ذلك ولا سعيَ له.
ومن تأمل العلم وجد من انتفاع الإنسان بما لم يعمله ما لا يكاد يُحصى، فكيف يجوز أن نتأول الآية الكريمة على خلاف صريح الكتاب والسنة وإجماع الأمة؟
وقال ﷺ : "فُضَلْنا على الأنبياءِ بخمسٍ: جُعِلَتْ صفوفُنا كصفوفِ الملائكة، وجُعِلتْ لنا الأرضُ مسجدًا طَهورًا، وأُحِلَّتْ لنا الغنائمُ ولم تَحِلَّ لأحدٍ قبلَنا، وكان النبيُّ يبعث إلى قومِه خاصةً وبُعِثتُ إلى الناس عامةً". أخرجاه في الصحيحين (١).
وقال ﷺ : "والذي نفسي بيده لا يَسمَعُ بي في هذه الأمة يهوديّ ولا نَصرانيّ ثمَّ لا يُؤمنُ بي إلاّ دَخَلَ النارَ". رواه مسلم (٢).
وتصديقُه قوله تعالى: (وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ) (٣).
ولم يَجعَلْ لأحدٍ بلغَتْه رسالتُه وصولاً إلى الله وإلى رحمتِه إلاّ بمتابعتِه، كما قال تعالى: (قُلْ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (٨٤) وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٨٥)) (٤)، وقال في الآية الأخرى: (فَإِنْ آَمَنُوا بِمِثْلِ مَا آَمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٣٧)) (٥)، وقال تعالى: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣١)) (٦).
стр. 1657
وقال الحسن البصري وغيره (١): ادَّعتْ طائفة أنهم يُحبُّون الله على عهدِ النبي ﷺ ، فقال لهم: (إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ)، فجعلَ اتباعَ الرسول مُوجِبَ محبَّةِ العبدِ ربَّه جلَّ وعلَا، موجبًا لمحبّهِ الربِّ تعالى عبدَه ومغفرتِه ذنوبَه.
وفي الصحيح (٢) عن النبي ﷺ قال: "كلُّ الناس يَدخُلُ الجنَّةَ إلاّ من أبَى"، قالوا: يا رسولَ الله! ومن يأبَى؟ قال: "من أطاعَنِي دَخَلَ الجنَّةَ، ومن عَصَانِي فقد أبي". كقوله تعالِى: (وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٣) وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٤)) (٣)، وقوله تعالى: (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)) (٤). وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ (٥).
وهذا بابٌ واسعٌ، وهو متفقٌ عليه بين المسلمين. فافترقَ الناسُ فيما جاء به الرسولُ ثلاثَ فِرَق:
فرقة امتنعوا من اتباعِه، كاليهود والنصارى والمشركين ونحوهم، فهؤلاء كُفّارٌ تَجِبُ معاملتُهم بما أمر الله به ورسولُه.
стр. 1658
وقسم آمنوا بالله ورسوله باطنًا وظاهرًا، واتبعوا ما جاء به الرسولُ ﷺ .
وقسم أظهروا الإيمانَ بألسنتهم، ولم يَدخُلِ الإيمانُ في قلوبِهم. فهؤلاء المنافقون الذين قال الله فيهم: (إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ (١)) (١) إلى آخر السورة. وقال تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (٨) يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (٩) فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (١٠)) (٢) إلى تمام ثلاث عشرة آية.
وأنزل الله في صفاتهم سورة براءة، وذكرهم في غيرِ موضع من القرآن، وأمرَ رسولَه بجهادِهم كما أمرهُ بجهاد الكفار. وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٩)) (٣).
وأما الكفار فيجاهَدون حتى يُؤمنوا أو يُؤَدُّوا الجزيةَ إن كانوا من أهلِها، كما قال تعالى: (قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (٢٩)) (٤).
стр. 1659
وأما المنافقون فجهادُهم بإقامةِ الحدود عليهم، هكذا ذكره السلف، لأنهم يُظهِرون الإسلام بألسنتهم، فإذا خَرجوا عن موجب الدين أُقِيمَ الحدُّ عليهم، وهم قسمانِ:
قوم نافقوا في أصل الدين، وأظهروا الإيمان بالله ورسوله، وليس ذلك في قلوبهم، بل هم غافلون عما جاء به الرسولُ ومُعرِضون عنه، إلى الاشتغالِ بدينِ غيرِه، والاشتغالِ بالدنيا عن نفسِ إيمانِ القلوب، وأضمروا تكذيبَ الرسولِ أو بُغضه أو معاداتَه أو معاداة ما جاءَ به. فمتى لم يكن الإيمانُ بالله ورسوله في قلوبِهم كانوا منافقين في أصلِ الدين، سواءٌ كانوا معتقدين لِضدِّ ما جاء به الرسولُ أو خَالِينَ عن تصديقِه وتكذيبه، كما أنّ كلَّ من لم يُظْهِر الإسلامَ فهو ظاهرُ الكفر، سواء تكلَّم بَضدِّه أو لم يَتكلَّم. ولا يُنْجِي العبادَ من عذاب الله تعالى إلاّ إيمان يكون في قلوبهم، حتى إذا سُئِل أحدُهم في الَقبر فقيل له: مَن ربُّك؟ وما دينُك؟ ومن نبيُّك؟ قال: ربِّي الله، والإسلامُ ديني، ومحمد نبيِّي، فيُفتَح له باب إلى الجنَّة، وينام نومةَ العروسِ الذي قد دخلَ بامرأتِه، لا يُوقِظُه إلاّ أحبُّ أهلِه إليه.
وأما المنافقُ فيقولُ: هاه هاه، لا أدري، سمعتُ الناسَ يقولون شيئًا فقلتُ مثلَهم، فيُضْرَبُ بمِرْزَبةٍ من حديدٍ، فيَصِيح صيحةً يَسمعُها كلّ شيء إلاّ الإنسان، ولو سمعَها الإنسانُ لصَعِقَ (١). قال الله تعالى: (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (١٤٥)
стр. 1660
إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (١٤٦)) (١).
والقسم الثاني: المنافقون في بعض أمور الدين، مثل الذي يُكثِر الكَذِبَ أو نَقْضَ العهدِ أو خلافَ الوعدِ، أو يَفْجُر في الخصومة.
قال النبي ﷺ : "أربع من كُنَّ فيه كان منافقًا خالصًا، ومن كانت فيه خصلةٌ منهنَّ كانت فيه خصلةٌ من النفاق حتى يَدَعَها: إذا حَدَّثَ كَذَبَ، وإذا وَعَدَ أخلفَ، وإذا عاهَدَ غَدَر، وإذا خاصَمَ فَجَر".
أخرجاه في الصحيحين (٢).
وقد أوجبَ الله تعالى على أهلِ دينه جهادَ مَن خَرَجَ عن شيءٍ حتى يكونَ الدينُ كلُّه لله، كما قال تعالى: (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ). (٣) فمن خَرَجَ عن بعضِ الدين إن كانَ مقدورًا عليه أُمِرَ بالكلام، فإن قَبِلَ وإلاّ ضرِبَ وحُبسَ حتى يؤديَ الواجبَ ويَتركَ المحرَّم، فإن امتنعَ عن الإقرارِ بما جَاء به الرسولُ أو شيءٍ منه ضُرِبَتْ عُنُقُه.
وإن كان في طائفةٍ ممتنعةٍ قُوتِلُوا، كما قاتلَ أبو بكر ﵁ وسائرُ الصحابة مانعي الزكاةِ، مع أنهم كانوا مُقِرِّينَ بالإسلام بَاذِلينَ للصلواتِ الخمسِ، حتى قال أبو بكر الصديق ﵁: واللهِ لو مَنَعُوني عَنَاقًا كانوا يُؤدُّونَها إلى رسولِ الله ﷺ لقاتلتُهم على
стр. 1661
مَنْعِها (١). وكما قاتلَ علي بن أبي طالب ﵁ ومَن معه من الصحابة الخوارجَ، الذين قال فيهم النبي ﷺ : "يَحْقِرُ أحدُكم صلاتَه مع صلاتِهم وصيامَه مع صيامِهم وقراءتَه مع قراءتِهم، يقرأون القرآن لا يُجاوِزُ حَناجرَهم، يَمْرُقون من الإسلام كما يَمْرُقُ السَّهْمُ من الرَّمِيَّة، أينَما لَقَيتموهم فاقتلوهم، فإنّ في قَتْلِهم أجرًا عند الله لمن قَتَلَهم يومَ القيامةِ" (٢).
وهؤلاء الخوارجُ الحَرُوريةُ هم أولُ من ابتدعَ في الدين وخَرج عن السنةِ والجماعة، حتى إنّ أوَّلَهم خَرجَ عن سنة رسولِ الله ﷺ في حياتِه، وأنكرَ على النبي ﷺ قِسْمةَ المالِ، وأنزلَ الله فيهم. وفي أمثالِهم: (يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ) (٣). قال ابن عباس وغيرُه: تبيضُّ وجوهُ أهلِ السنة وتَسْوَدُّ وجوهُ أهلِ البدعةِ والفُرقة (٤).
فكلُّ من خرج عن كتابِ الله وسنةِ رسوله مِن سوائر الطَّوائِفِ فقد وجب على المسلمين أن يَدْعُوهُ إلى كتاب الله وسنّة رسوله بالكلام، فإنْ أجاب وإلا عاقبُوهُ بالجَلْدِ تارةً، وبالقتلِ أُخرى على قَدْرِ ذَنبه، وسواء كان مُنْتَسِبًا إلى الدينِ مِنَ العلماء والمشايخ أو مِن رُؤَساء الدنيا من الأمراء والوزراء، فإنَّ من هؤلاء فيهم الأبرارُ والفُجَّارُ.
стр. 1662
فأبرارُهم هم أئمَّةُ الدِّين وهداةُ المسلمين وصالحُو المجاهدين أهلُ الإيمان والقرآن؛ والحاملُ النَّاصرُ للإيمان والقرآن، هُمْ صَفْوَةُ الله من عباده وخِيَرَتُه من خلقِه، وموضعُ نظرِ اللهِ إلى الأرضِ، وورثةُ الأنبياء وخَلَفُ الرُّسُل، قال الله تعالى فيهم: (أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٦٣) لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٦٤)) (١).
والبُشْرَى قد فَسَّرَها النبيُّ ﷺ بالرؤيا الصَّالحةِ يَراها المؤمنُ أو تُرَى له (٢)، وبالثَّناءِ الحَسَنِ مِن المؤمنين (٣).
ومُرَّ على النبيّ ﷺ بجنازةٍ فأَثنوا عليها خيرًا، فقال: "وَجَبَتْ وَجَبَتْ"، ومُرَّ عليه بجنازةٍ فأثنوا عليها شَرًّا، فقال: "وَجبتْ وَجَبَتْ"، قالوا: يا رسولَ الله! ما قولك وَجَبتْ؟ قال: "هذه الجنازة أثنيتُم عليها خيرًا فقلتُ وَجَبَتْ لها الجَنَّةُ، وهذه الجنازة أثنيتُم عليها شَرًّا فقلتُ وَجَبَتْ لها النَّارُ، أنتُم شُهَدَاءُ الله في الأرض" (٤).
فمن شَهِدَ له عُمُومُ المؤمنين بالخيرِ كان مِن أهل الخير، ومَن شُهِدَ له بالشَّرِّ كان من أهل الشَّرِّ.
стр. 1663
وهؤلاء الفُجَّارُ المنتسبون إلى عِلمٍ أو دينٍ أو إِمْرَةٍ أو رِئَاسةٍ كالذين قال الله تعالى فيهم: (إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ) إلى أن قال تعالى: (وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣٤)) (١) وقد قال تعالي كتابه: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)) (٢)، قال النبي ﷺ : "المغضُوب عليهم: اليهودُ، والضَّالِّين هم: النصارى" (٣). قال الترمذي: هذا حديثٌ حسن صحيح.
قال العلماء: فمن أُوتِيَ عِلْمًا فلم يَعْمَلْ به كان فيه شَبَهٌ من اليهود الذين عرفوا الحقَّ ولم يتَبعُوه، ومَن عَبَدَ الله بلا عِلمٍ كان فيه شَبَه مِن النصارى الذين ابتدَعُوا الرَّهبانيةَ وعبدُوه بغير شريعةٍ.
وأما المؤمنونَ حقًّا فهُمُ المتمسكُونَ بالشريعة والمِنْهَاج المحمَّدِيِّ كما قال تعالى: (فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا) (٤) وقال تعالى: (ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (١٨)) (٥).
стр. 1664
ومن أعظم هؤلاء ضَلالاً: مَن انتسَبَ إلى إمام أو شيخ من شيوخ المسلمين، وابتدَعَ في دين الله ما لم يأذن به الله، أو ضَمَّ إلى ذلك أنواعًا من التكذيب والتلبيسِ، كهؤلاء المُتَوَلِّهينَ الذين يَفْتِلُونَ شُعُورَهم، ومَن وافقهم من المُظْهِرِين كمُحَرقة النَّار واللاذَنِ وماءِ الوَرْدِ والسُّكَّرِ والعسلِ والدم مِن صُدُورهم، وإمساكِ الحَياتِ زاعمينَ أنَّ ذلك كرامة لهم؛ واحتيالاً عن الصدِّ عن سبيل الله، وأكلِ أموال الناسِ بالباطلِ.
أمَّا فَتْلُ الشُّعور ولفِيفُهَا فبدعة ما أمر بها نبىٌّ ولا رجل صالح ولا فعلها مَن يُقتدى به، بل قد شَرَعَ الله ورسوُله ﷺ التَّرجُّل مِن تَسْريح الشَّعر ودَهْنِه.
ودخل عليه رجلٌ ثائرُ الشَعر فقال: "أَمَا وَجَدَ هذا ما يُسَكِّنُ به شَعْرَهُ؟ " (١).
ولعَنَ رسول الله ﷺ الواصلة والموصولةَ (٢)، ولعن المتشبهين من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال (٣).
وأمر بإحفاءِ الشارب وإعفاء اللِّحية (٤)، وقال: "مَن كان له شَعْرٌ
стр. 1665
فليُكْرِمُهُ" (١)؛ لا سيما والشَّعْرُ إذا كان لا يَدْخُلُ فيه الماءُ إلى باطنِه، لا يصحُّ الاغتسال من الجنابة، ويبقى صاحبُه لا طهارةَ له ولا صلاةَ، ومَن لا صلاة له لا دين له.
وكذلك معاشرة الرجل الأجنبي للنسوةِ ومخالطتُهنَّ مِن أعظم المنكرات التي تأباها بعضُ البهائم فضلاً عن بني آدم، قال الله تعالى: (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ) (٢)، (وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ) (٣).
وفي "الصحيح" (٤) عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: "إيَّاكم والدُّخُولَ على النِّساءِ" قالوا: يا رسول الله، أَفَرَأيْتَ الحَمْوَ؟ قال: الحَمْوُ المَوْتُ".
فإذا كان قد نهَى أن يدخُلَ على المرأة حموُها أخُو زَوْجِهَا، فكيف بالأجنبيِّ؟
وقال (٥): "لا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بامرأةٍ، فإنَّ ثالثَهُما الشَّيطَانُ".
وقال (٦): "لا تسافرِ المرأةُ مَسِيرَةَ يومين إلا مَع زوج أو ذِي مَحْرَمٍ".
стр. 1666
وكان إذا صلى في مسجده يُصلِّي الرِّجالُ خلفَه وخلفَهم النساءُ، فإذا قضَى الصلاةَ مَكَثَ هو والرجالُ حتى يَخْرُجَ النساءُ لئلَاّ تختلط النساءُ بالرجال.
وقال (١): "خيرُ صفوفِ الرجالِ أولُها، وشرُّها آخرُها، وخيرُ صفوفِ النساءِ آخرُها، وشرُّها أولُها".
وقال أيضًا (٢): "يا معشرَ النِّساءِ! لا تَرْفَعْنَ رؤوسكُنَّ حتى يَرْفَعَ الرجالُ رؤوسَهم مِن ضيقِ الأُزْرِ"، لئلَاّ تَبْدُوَ عورةُ الرجالِ فتراها المرأة.
وأَمَرَ النساء إذا مَشَيْنَ في الطريق أن يمشينَ على حافةِ الطريق ولا يَحْقُقْنَ الطريقَ (٣) -أي: لا يَكُنَّ في وَسَطِه- بل يكونُ وَسَطَه الرجالُ لئلَاّ يَمَسَّ مَنْكِبُ الرجلِ مَنْكِبَ المرأة، حتى يُروَى عن النبي ﷺ أو عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه تَرَكَ بابًا من أبواب المسجد للنساء، ونهَى الرجال عن دخوله، فكان عبد الله بن عمر لا يدخله (٤).
وقالت عائشة ﵂: "ما مَسَّتْ يَدُ رسول الله ﷺ يَدَ امرأةٍ لم يَمْلِكْها قَطُّ" (٥).
стр. 1667
ولما جاء النساء يُبايعْنَه، قال: "إنِّي لا أُصافحُ النِّساءَ، وإنَّما قولي لمِئَةِ امرأة كقولي لَامرأةٍ واحدةٍ" (١).
ويروى (٢) أنه وَضع يده في إناءٍ فيه ماءٌ، ووضعْنَ أيدِيَهُنَّ فيه، ليكون ذلك عِوَضًا عن مصافحة النساء. كل ذلك لئلا يمسَّ الأجانبَ، وهو رسولُ الله ﷺ وتزوجَ بتسع؛ وسَيدُ الخَلق وأكرمُهم عند الله تعالى، فكيف بهؤلاء الضُّلَاّل المبتدعينَ الخارجينَ عن الإسلام الذين يجمعون بين النساءِ والرجالِ في ظلمة أو غير ظلمةٍ؟
ويُوهِمُ بعضُهم للنساء أن مباشرة الشيخ والفقراء قربة وطاعة، وأنه مُسْقِطٌ للصلاة، ويتخذونَ الزِّنَا والقيادةَ عِبَادةً، ويتركون ما أمر الله تعالى به من الصلوات واجتناب الفواحش، فما أحَقَّهم بقوله تعالى: (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩)) (٣).
ثم يَعُدُّونَ التَّوَلُّهَ والتجَانُنَ وقِلةَ العقل والخروجَ عن العقل والدين قُرْبَةً وطاعةً، ويوهِمون الجُهَّالَ والأغْمَارَ من الأعراب والأتراك والفلَاّحين والنِّسوان أنَّ هؤلاء صَفْوَةُ الله تعالى، وإنَّ هؤلاء قد وَرَدَ عليهم مِن الأحوالِ ما جعلهم هكذا، فيتصرَّفُون في النفوس والأموال تَصَرُّفُ اللِّصِّ الخادع والمنافقِ المُخادع، مُوهِمِينَ حُصُولَ البركةِ
стр. 1668
لمَنْ أفسدوا عليه دِينَه ودُنْياه، كما يَفعل الرُّهبانُ والقسِّيسونَ بعَوامِّ النصارى، وهذا شيءٌ لم يَبْعَثِ الله به نبيًّا ولا قاله رجلٌ صالح قط، ومَن كان مِن الناس قد ذهب عقلُه حتى صار مجنونًا فقد رُفِعَ القلَم عنه، كما قال النبيُّ ﷺ : "رُفِعَ القلمُ عن الصبيِّ حتى يبلُغ، وعن النائِم حتى يستيقِظَ وعن المجنون حتى يُفِيقَ" (١).
وينبغي أن يُعالَجَ هذا بما يُعالَجُ به المجانين، فإنَّ الجُنُونَ مَرَض من الأمراض أو عارض من الجنّ، ومِن هؤلاء قوم لهم قلوبٌ فيها تأله وإنابةٌ إلى الله تعالى ومحبة له وإعراض عن الحياة الدنيا، قد يُسَمَّونَ "عُقَلاء المَجَانِين"، وقد يُسَمَّون "المُوَلهين" فهم كما قال فيهم بعضُ العلماء: "قومٌ أعطاهم الله عُقُولاً وأحوالاً فسلَب عُقُولَهم وأبقى أحوالَهم، فأسْقَطَ ما فَرَضَ بما سَلَبَ".
فالمجانين كالعُقَلاء فيهم مَن فيه صَلَاحٌ، وفيهم مَن لا صَلَاح له.
وسَبَبُ جُنُونِ أحدِهم: إمَّا وارِد وَردَ عليه من المحبة أو المخافة أو الحُزْنِ أو الفَرح حتى انْحَرفَ مِزَاجُه. أو خَلْط غَلَبَ عليه من السَّوداءِ. أو قَرِين قُرِنَ به من الجِنِّ.
فهؤلاء إذا صحَّ أنهم مجانينُ ومولَّهونَ كانوا في قسم المعذورين الممنوع (٢) على الفساد، ولا يحلُّ الاقتداءُ بِمَن فيه منهم صلاح؛
стр. 1669
ولا اتباعُ ما يقولُ من الأقوالِ والأفعالِ إلَاّ أن يُوافِقَ الشريعةَ.
ولا ينبغي تعظيمُهم، فإنهم منقُوصُونَ مجروحون، وصالِحُو العقلاءِ أفضلُ منهم بكثيرٍ كثير، وليس فيهم وليٌّ ولا صالحٌ مشهور، وإنما يَغْتَرُّ بهم بعضُ الجُهَّال، لأنَّ جُنُونَهم يُوجبُ أن يُظْهِرَ بعض ما في بواطنهم من كشفٍ أو زُهْدٍ أو تأثيرٍ فَيَسْتَعْظِمُ الجاهلُ ذلك.
وصالحُ العقلاء قد يكونُ معه أضعافُ ذلك، ولا يُظهرُه إلاّ حيث يراه مَصْلَحَةً، وقد يكون كِتْمَانُه أصلحَ لهم؛ فأما هؤلاء المفتلون الشَّعْرَ ونحوهم، فعامَّتُهم مُتَوَلِّهُون لا مُوَلَّهُونَ، يُظهِرُون ذلك كذبًا ومكرًا ومخادعةً للجهّال، كي يَتميَّزُوا بذلك ممَّا يُريدُونَه مِن النفوس والأموال، وحتى لا ينكَرَ عليهم ما يقولونه ويفعلونه من القبيح، فيقول الجاهلُ: هذا مُوَلَّهٌ.
وأحدُهم يميِّزُ بين الدِّرْهم والدينار، والغنيِّ والفقير، ويَعْرِفُ الخَيْرَ والشَّرَّ، وله فكرٌ طويلٌ في الحيلةِ التي يَحْتَالُ على الجُهَّال بها، ويَتَوَاجدون عند السماع المُحْدَثِ أو غيره، فيصيحون ويزعقون ويَزْبدون ويتغَاشَى أحدُهم، فبعض ذلك كذبٌ ومكرٌ وحيلة، وبعضُه عادة فاسدة وطريقةٌ سيئه.
وقد يُقْرَنُ بأحدهم قرين من الجنِّ فيُعينُه على ذلك، كما أنَّ المصروعَ يُزْبِدُ ويصيحُ كما يجري لهؤلاء؛ وشيوخُهُم يُقِرُّونَهم على ذلك [للاحتيال] على الجهال وأَكْلِ أموال الناس بهم؛ وإلاّ فقد أجمع المسلمونَ بلْ واليهود والنصارى أنَّ هؤلاء ضُلَاّلٌ وفَسَقَةٌ، وأن الواجب توبتُهم واتباعُهم لِمَا أمر الله به وتَرْكُ ما نهَى عنه، بل الواجب إذا رأينا
стр. 1670
مُوَلَّهًا أو مجنونًا أن نُعالِجَه حتى يصير عاقلاً، فهؤلاء يَعْمِدونَ إلى الصبيانِ يُرَبُّونهم على التولُهِ تربيةً، ويُعَوِّدُونهم الخروجَ عن العقل والدين عادةً كما يُعَوِّدُ الأنبياءُ والصالحونَ أتباعَهم ملازمةَ العقل والدين.
قال النبي ﷺ (١): "مروهم بالصلاة لسبعٍ، واضربوهم عليها لعشرٍ، وفرِّقُوا بينهم في المضاجع".
قال العلماءُ: يجبُ على كافلِ الصبيِّ أن يُعَلِّمَه الطهارةَ والصلاةَ، ويمنعَه اعتيادَ المُحَرَّمات.
وهؤلاء بخلاف ذلك، وعامَّةُ ما يُبْدُونَه من النار ونحوها مكر وحيلة من جنس حِيَلِ الرُّهبان، فإنهم يتوسَّلُون بالطَّلق ودهْنِ الضَّفادع وماءِ النارَنْج إلى أن يَصفُوَ ذلك، ثم يَطْلُونَ به لحومَهم وثيابَهم، فتَصْبِر على النارِ مُدَّةً طويلةً من الزمان، وكذلك يصنعونَ من دَمِ الأخوين ونَبتٍ يُقال له: أمُّ عربيل ما يُظْهِرون به أنَّ الدَّمَ يَخْرُجُ من أحدهم وقتَ الوَجْدِ، وكذلك اللاذن ونحوه، وأضعاف ذلك، كفعل الرُّهبان على عوامِّ النصارى حِيَلاً أعظمَ من هذه.
وللصالحين كرامات معروفة من تسخير السِّباع والنارِ لهم وتكثير الطعام والشراب ودفع البلاء، ومن المكاشفاتِ وأنواع الخوارق للعادات، في أبواب العلم وأبواب القدرة، لكن طريقةُ الصالحين
стр. 1671
طاعةُ الله ورسوله وملازمةُ الكتاب والسنة، وأقلُّ أحوالهم الصدقُ والبر، كما [أنّ] علامة الفاجر الكذبُ والفجور .
قال النبي ﷺ (١): "عليكم بالصدق فإنَّ الصدقَ يهدي إلى البِرِّ وإنَّ البرَّ يهدي إلى الجنة، ولا يزال الرجلُ يصدُقُ ويتحرَّى الصدق حتى يُكتب عند الله صِدِّيقًا، وإيَّاكم والكذبَ فإنَّ الكذب يهدي إلى الفجور وإنَّ الفجورَ يهدي إلى النار، ولا يزال الرجل يكذبُ ويتحرَّى الكذب حتى يُكتب عند الله كذَّابًا".
وهكذا قال الله تعالى في القرآن: (هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (٢٢١) تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (٢٢٢)) (٢).
فأخبرَ أنَّ الشياطين تنَزَّلُ على الكذَّاب في قوله، الفاجر في فعله، كما كانت تنَزَّلُ على المتنبِّئين الكذَّابين مثل الأسودِ العَنْسِيِّ ومسيلمة الكذاب والمختارِ بن أبي عبيد؛ حتى قالوا لابن عمر أو لابن عباس (٣) رضى الله عنهما: إن المختارَ يَزْعُم أنه يُنَزَّلُ عليه فقال: صَدَقَ: (هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (٢٢١) تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (٢٢٢)).
وقالوا لآخر (٤): إنه يزعُمُ أنه يوحى إليه، فقال: صَدَقَ: (وَإِنَّ
стр. 1672
الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ) (١).
فمن كان من أتباع الكذابين المتنبئين، فإنَّ أولئك كان يَظْهَرُ عليهم أشياءُ، والساحرُ والمُشَعْبذُ يَفعل أشياءَ، فإذا جاءت عَصَا الشريعةِ المحمدية ابتلعتْ ما صَنعَه الخارجون عنها من السِّحْر المُفْتَرَى، (وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى (٦٩)) (٢).
وقد يُفَضِّلُ شيخَه على رسول الله ﷺ غُلُوًّا فيه، كما غَلَتِ النصارى في المسيح بن مريم ﵇، وغلتِ الرافضةُ في عليٍّ ﵁، بل الغاليةُ من النصارى والرَّافضة أَعْذَرُ من هؤلاء الغالية في بعض المشايخ المسلمين، كبعض المنتسبين إلى الشيخ أحمد بن الرِّفاعيّ والشيخ عَدِيٍّ أو الشيخ يونُسَ (٣).
... له في الصيام وبعضُهم في الصدقة وبعضُهم في العلم وبعضهم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلى أنواع أُخَرَ، مع اتفاق قلوبِهم واجتماع كلمتِهم واعتصامهم بحبل الله تعالى، كما قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢) وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٠٣)) (٤).
стр. 1673
وقد يتنازعون في بعض أمور الدين، فإذا تنازعوا في شيءٍ من ذلك رَدُّوهُ إلى الله تعالى ورسوله، والكتاب والسنة، كما أمر الله ورسوله، وليس أحد بعد رسول الله ﷺ يتبعَ كلُّ ما يقوله ويفعلُه، بل كلُّ أحد يُؤخَذُ من قوله وفعله ويتركُ إلا رسول الله ﷺ ، فإنه الإمامُ الذي فرضَ الله طاعتَه وأوجَب متابعتَه.
وكان النبي ﷺ يقول في خطبتِه (١): "إنَّ أصدق الكلام كلام الله، وإن خير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة".
فمن اتبع رجلاً غير الرسول -صلوات الله وسلامُه عليه- في كلِّ أقوالِه وأفعالِه مُعْرضًا عن الكتاب والسنة، أو غَلا في محبَّةِ بعضهم وتعظيمه حتى جاوزَ به حدَّه، وفضَّلَه على نُظَرائه تفضيلاً كثيرًا بلا بيِّنة، فهو مُضَاهٍ للنصارى الذين قال الله في حقهم: (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ) (٢) الآية، وقال تعالى: (مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا) (٣) الآية، وقال تعالى: (قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ) (٤) الآية، وقال تعالى: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ) (٥) الآية.
стр. 1674
فإن الله تعالى ذَمَّ النصارى بكونهم غَلَوْا في الأنبياء والعلماء والعُبَّاد حتى جاوزوهُم حَدَّهم، فعبدُوهم حيث أطاعوهم فيما ابتدع (١) الأحبار والرهبان من الدين، وحللُوا لهم الحرام وحرَّموا عليهم الحلال، هكذا فسَّرَهُ النبي ﷺ ؛ واعتقدوا في المسيح نوعًا من الإلهية، وضاهاهم على ذلك مَن اعتقد في علي بن أبي طالب ﵁ وغيرِه من الأئمة أو بعض الأنبياء نوعًا من الإلهية، ومَن اعتقد في بعض الشيوخ نوعًا من الإلهية، حتى إنهم سجدوا لهم أحياءً وأمواتًا، ويَرْغَبُونَ إليهم في قبورهم في جلب المنافع ودفع المضارِّ، كما كان المشرِكون يرغبون إلى آلهتهم، ولهذا قال : (قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا (٥٦) أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا (٥٧)) (٢).
قال ابن مسعودٍ وغيرُه (٣): كان أقوام يدعون عُزَيرًا والمسيح والملائكة، فقال الله تعالى: هؤلاء الذين تدعونهم يتقرَّبون إلى الله كما تتقرَّبون إليه ويرجون الله ويخافونه.
كما قال بعضُ الفقهاء: إنَّ بعض الفقراء أوصاه عند موته: إذا كان لك حاجة أو أمر مُهِمٌّ أو ضيقٌ استوحِني أو استوحِ بي.
نعوذ بالله من الشرك والضلال، وهم لا يملكون كشف الضرِّ
стр. 1675
عنكم ولا تحويلا، وكما قال سبحانه: (قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (٢٢) وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ) (١)
وقال تعالى: (مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ) (٢) وقال تعالى: (وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى) (٣).
فهؤلاء الضُّلَاّلُ عَمَدوا إلى ما لم يشرَعْه الله تعالى من البدع والضلالات والغُلُوِّ في الصالحين، وتمسَّكوا به وعَمَدُوا إلى دين الله تعالى الذي بَعَثَ به رسولَه فأعرضوا عن بعضِه؛ وقد قال النبي ﷺ (٤): "بنيَ الإسلام على خمسٍ: شهادةِ أن لا إله إلا الله وأنَّ محمدًا رسولُ الله وإقام الصلاة وإيتاءِ الزكاة وصومِ رمضان وحَجِّ البيت".
وقال النبيُّ ﷺ لمَّا سأَله جبريلُ ﵇ عن الإسلام والإيمانِ والإحسان قال (٥): "الإسلامُ أن تشهدَ أن لا إله إلا الله وإنَّ محمدًا رسولُ الله وتُقيمَ الصلاة وتُؤتي الزَّكاة وتَصومَ رمضان وتَحُجَّ البيتَ، والإيمانُ أن تؤمن بالله وملائكته [وكتبه] ورسلِه والبَعْثِ بعد الموت
стр. 1676
وتُؤمنَ بالقدر خيرِه وشرِّه، والإحسانُ أن تعبدَ الله كأنَّك تراهُ فإنْ لم تكن تراه فإنَه يراكَ" وقال: "هذا جبريلُ أتاكمْ ليُعَلِّمَكُم".
فالمؤمنُ يدعو إلى الدين وينتسبُ إليه، وعليه أن يَدْعُوَ إلى الإسلام والإيمان والإحسان، ومِن ذلك: عِمارةُ المساجد بالصَّلوات الخمس وقراءةُ القرآن وذكرُ الله تعالى ودُعاؤه وأنواعُ العبادات وتعلُّم العِلم وتَعليمُه، كما كان النبي ﷺ وخُلَفاؤُه عليه، فإنَّه ﷺ قد أخبرَ أنَ أمتَه ستفترقُ على ثلاثٍ وسبعينَ فرقةً كُلُّها في النار إلا واحدةً، قالوا: [مَن هي يا رسول الله؟ قال:] "هي الجماعةُ" (١)، وفي رواية (٢): "مَن كان على مِثْلِ ما أنا عليه اليومَ وأصحابي".
قال الله تعالى: (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ) (٣) الآية، وقال تعالى: (وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ) (٤) الآية، وقال تعالى: (وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا) (٥).
فأمرَ الله بالصلاة والمحافظة عليها؛ والذَّمُّ لمن أضاعها أكثرُ مِن
стр. 1677
أنْ يُذكر هنا، حتى إنه أوجب الصلاةَ في الأمن والخوف، رجالاً وركبانًا في الإقامة والسفر، وفي الصحةِ والمرضِ، كما قال النبي ﷺ لعمران بن حُصين (١): "صَلِّ قائمًا فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جَنْبٍ".
وحتى إنه إذا عَدِمَ الماء أو خاف الضَّرر باستعماله أُمِرَ بأنْ يتيممَ بالصَّعيدِ الطيِّب والتمسُّحِ له، ولا يجور تأخيرُها عن وقتها بحالٍ من الأحوال، إلا أنه في حال العُذْرِ يكونُ الوقت مشتركًا بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء، فيجوز الجمعُ بين العشاءين.
وشرعَ اللهُ ورسولُه ﷺ الصلواتِ الخمسَ والجماعاتِ، حتى أمرهُم الله أنْ يُقيموها في الجماعةِ حالَ الخوف، قال الله تعالى: (وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ) (٢) الآية.
وقال النبي ﷺ (٣): "لقد هَمَمْتُ أنْ آمُرَ بالصلاة فتُقامَ، ثمَّ أنطَلِقَ مع رجالٍ معهم حُزَم مِن حَطَبٍ إلى قومٍ لا يشهدونَ الصلاةَ، فأُحَرقَ عليهم بيوتَهم بالنار".
وقال (٤): "تفضُلُ صلاةُ الجماعة على صلاة الفَذ خَمْسًا وعشرين درجةً".
стр. 1678
وقد شرع الله للمسلمين سماع كتابه في الصلاة وخارج الصلاة، لا سيَّما في صلاة الفجر، كما قال تعالى: (وَقُرْآَنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآَنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا (٧٨)) (١).
وكان أصحابُ رسول الله ﷺ إذا اجتمعوا أمروا واحدًا منهم يقرأ والباقون يستمعون، وكان عمر بن الخطاب ﵁ يقول (٢): "يا أبا موسى ذَكَرْنَا ربَّنا" فيقرأُ وهم يستمعون.
وقد رُوي عن النبي ﷺ أنه خرج على أهل الصُّفَّةِ فوجدَ فيهم رجلاً يقرأ وهم يستمعون، فجلس معهم يستمعُ (٣).
وكان أصحاب رسول الله ﷺ عند السَّماع كما ذكر الله تعالى في كتابه توجَلُ قلوبُهم وتقْشعِرُّ جلودُهم وتَدْمَعُ عيونُهم. قال الله تعالى: (اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ) (٤)، وقال تعالى: (وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ) (٥)، وقال تعالى: (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ) (٦)، وقال تعالى: (وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآَنُ فَاسْتَمِعُوا
стр. 1679
لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٢٠٤)) (١).
فلما كان التابعون فيهم مَن يموتُ أو يَصْعَقُ عند سماع القرآن فمِنَ السلف مَن أنكرَ ذلك ورآه بدعةً، وأنَّ صاحبَه متكلِّف، وأمَّا أكثرُ السَّلف والعلماء فقالوا: إنْ [كان] صاحبُه مغلوبًا، والسماع مشروعًا، فهذا لا بأس به، فقد صَعِقَ الكليمُ لما تجلَّى ربُّه للجبل، بل هو حال حَسَن محمود فاضِل بالنسبة إلى مَن يَقْسُو قلبُه.
وحالُ الصحابة ومَنْ سلك سبيلَهم أفضلُ وأكملُ، فإنَّ الغَشِيَّ والصرَاخَ والاختلاجَ إنَّما يكون لقوة الوارد على القلب، وضَعْفِ القلب عن حَمْلِهِ، فلو قَوِيَ القلبُ -كحال نبينا ﷺ وأصحابه- لكان أفضلَ وأكملَ.
ولو لم يَرِدْ على القلبِ ما يحرِّكُه لكان قاسيًا مذمومًا، كما ذمَّ الله تعالى اليهود على قسوة القلوب.
وما زال السلفُ كذلك إلى حَدِّ المئة الثالثة، صار قوم من العبَّاد يجتمعونَ لسماع القصائد المرقِّقة، وربما ضَرَبوا بالقضيب لذلك، ويُسَمُّون ذلك التَّغْبيرَ، فأنكر الأئمةُ ذلك، ورأَوا أنه بدعةٌ محدثةٌ؛ إذْ لم يفعلْه السلفَ حتى قال فيهم الشافعيُّ ﵁: خَلَّفْتُ ببغداد شيئًا أحْدَثَتْهُ الزَّنادقة يُسَمُّونَه التَّغْبِير، يَصدُّون به الناسَ عن القرآن.
стр. 1680
وكَرِهَ أحمد الجلوسَ معهم فيه، وقال: هو مُحْدَثٌ أكرهُه، ورأى أنَّهم لا يُهْجَرونَ؛ لأنهم مُتأولُون.
وحضر هذا السَّماعَ المُحْدَثَ قوم من الصالحين وكرهوه.
وتركُهُ أفضلُ من حضورِه. والذين حضروه اشترطوا له شروطًا كثيرة مثل المكان والخُلَاّن والخلوة من المفاسد.
ومع هذا فالحجَّةُ من الكتاب والسنة وإجماع السلف والأئمة مع من كرِهَهُ، ونهى عن التعبُّدِ به، وإن كان يُرَخَّصُ في الأفراح للنساء والصبيان في أنواع من الغناء وضرب الدُّف كما جاءت به السنة، فهذا نوع من اللهْو واللعِب، ليس هو من نوع العبادات والقُرب والطَّاعات، كما يفعله المبتدعون للسَّماع المحدث، وبكل حالٍ فالإكثارُ منه حتى يُفعَلَ في المساجد، وحتى يُشتَغل به عن الصلوات، وحتى يُقَدَّمَ على القراءةِ والصلاةِ، وحتى يُجعلَ شعار الشيخ وأتباعِه، وحتى يُضرب بالمعازف، لا ريبَ أنَّه مِن أعظم المنكرات، وهو مُضاهاة لعبادة المشركين الذين قال الله تعالى فيهم: (وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً) (١). قال السلف: المكاءُ: الصَّفِيرُ نحوُ الغناء، والتَّصْدِيَةُ: التَّصفِيقُ باليد.
فَمَنِ اتخذ الغناءَ والتصفيقَ قُربةً ففيه شَبَه من هؤلاء، وإذا شَغَلَهُ عمَّا أمر به وفَعَلَهُ في المسجد، فقد انْدَرج في قوله: (وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ) الآية، وفي قوله تعالى: (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا
стр. 1681
الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩)) (١)؛ وفي قوله: (وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا) (٢)، لا سيما وقد قيل: إنها نزلت في أعيادِ الجاهلية المشابهة لهذا السَّماع المشتمل على اللهو واللعب.
قال الله تعالى: (وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ) (٣)، وقيل: إنَّ هذا من الزُّور. وقد قال الله تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ) (٤). وقال الله تعالى: (وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ) (٥). وقال تعالى: (وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ (٦١)) (٦).
وقد روى الطبراني (٧) عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ : "إن الشيطان قال: يا ربِّ اجعلْ لي قرآنًا، قال: قرآنكَ الشِّعرُ، قال: اجعلْ لي مؤذنًا، قال: مؤذنك المزمار، قال: اجعلْ لي بيتًا، قال: بيتك الحمَّام".
والأحاديثُ في هذا كثيرة.
فإذا كان الشيخ يَزعُمُ أنَه يدعو إلى الله وإلى طاعته، ليس شعارُهُ إلا جمعَ الناس على مزمورِ الشيطان ومؤذِّنِه وقراءتِه، وقَلَّ أنْ يَجمعَهم
стр. 1682
على أذان الله وقراءتِه وصلاتِه، كان إمامًا من أئمة الضَّلال الذين (يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ (٤١)) (١)، وكان من اتَّبعهُ له نَصِيبٌ من قوله تعالى: (يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا (٦٦) وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا (٦٧) رَبَّنَا آَتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا (٦٨)) (٢).
وقال تعالى: (وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (٢٧) يَا وَيْلَتَا لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا (٢٨) لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا (٢٩)) (٣).
والناسُ وإن كانوا قد تكلَّموا في الغناء، هل هو حرامٌ أو مكروهٌ أو مُباحٌ؟ فما قال أحدٌ من المهتدين: إنه قربة أو طاعةٌ، ومَن قال ذلك فقد اتبع غير سبيل المؤمنين، ودخل في مشابهة النصارى والصابئين، ولهذا ذكر العلماء أنه من إحداثِ الزنادِقَة.
وكيف يتصَوَّرُ أن يكون قربةً، وقد مضت القرون الثلاثة: قرنُ الصحابة والتابعين وتابعيهم، وذلك لا يُفْعَلُ في شيءٍ من أمصار المسلمين، لا في الحجاز ولا في اليمن ولا في الشام ولا في العراق ولا في مِصر ولا في خُراسان ولا في المغرب.
فالواجب على أهل الإسلام التعاونُ على البر والتقوى، والتواصي
стр. 1683
بالحق، والتواصي بالصبر والبر، واتباعُ شرائع الإسلام، وكَبْتُ هذه الطرق الجاهلية والضَّلالات الخارجية، ورَدُّ ما تنازعَ الناسُ فيه إلى كتاب الله تعالى و [سُنَّةِ] رسوله، وهو الطريق المستقيم، صراط الذين أنعم عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وتجنُّبُ طريق المغضوب عليهم اليهود ومن شابههم في بعض أمورهم من غواة المنتسبين إلى الفقه والحكمة، ومن طريق الغالين المنتسبين إلى التَّعبُّدِ والتَّصَوُّفِ والفقر.
وعلى أهل الإسلام أن ينصَحَ بعضُهم لبعضٍ كما قال النبي ﷺ (١): "الدينُ النصيحةُ، الدينُ النصيحةُ، الدين النصيحةُ"، قالوا: [لِمَنْ؟، قال:] "لله ولرسوله ولأئمةِ المسلمين وعامَّتِهم".
وقد قال تعالى: (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤)) (٢)، وقال تعالى: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ) (٣).
فهؤلاء الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر أطِبَّاءُ الأديان، الذين تُشفَى بهم القلوب المريضة، وتهتدي بهم القلوب الضالة، وترشُدُ بهم القلوبُ الغاوية، وتستقيم بهم القلوبُ الزائغة، وهم أعلامُ الهدى ومصابيح الدُّجى.
стр. 1684
والهدى والمعروفُ اسمٌ لكل ما أُمر به من الإيمان ودعائمه وشعَبه، كالتوبة والصبر والشكر والرجاء والخوف والمحبة والإخلاص والرضَا والإنابة وذكر الله تعالى ودعائه والصدق والوفاء وصلة الأرحام وحسن الجوار وأداء الأمانة والعدل والإحسان والشجاعة والصلاة والزكاة والصيام والحج والجهاد وغير ذلك.
والمُنْكَرُ اسمٌ لكلِّ ما نهى اللهُ عنه من الكفر والكذب والخيانة والفواحش والظلم والجور والبخل والجبن والكبر والرياء والقطيعة وسوء المسألة واتباع الهوى وغير ذلك.
فإن كان الشيخُ المتبوعُ آمرًا بالمعروف، ناهيًا عن المنكر، داعيًا إلى الخير، مصلحًا لفساد القلوب، شافيًا لمرضاها، كان من دُعاة الخير وقادة الهُدى وخِيارِ هذه الأُمَّة.
نسألُ الله أن يُكثر من هؤلاء ويُقويهم، ويَدْمغَ بالحقِّ الباطلَ، ويُصلحَ هذه الأمة. والحمدُ لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم تسليمًا.
(تمَّت الرسالةُ بعون الله ومَنِّه من كلام شيخ الإسلام تقي الدين أبي العباس أحمد بن تيمية، قدَّس الله روحه وسقى ضريحه).
* * *