← Джавами‘

Джавами‘ · id 145376

جامع المسائل - ابن تيمية - ط عطاءات العلم

ابن تيمية

Полный текст (3 650 стр.). Показаны 1681–1720 · переход к 1686.

стр. 1681

الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩)) (١)؛ وفي قوله: (وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا) (٢)، لا سيما وقد قيل: إنها نزلت في أعيادِ الجاهلية المشابهة لهذا السَّماع المشتمل على اللهو واللعب. قال الله تعالى: (وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ) (٣)، وقيل: إنَّ هذا من الزُّور. وقد قال الله تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ) (٤). وقال الله تعالى: (وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ) (٥). وقال تعالى: (وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ (٦١)) (٦). وقد روى الطبراني (٧) عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ : "إن الشيطان قال: يا ربِّ اجعلْ لي قرآنًا، قال: قرآنكَ الشِّعرُ، قال: اجعلْ لي مؤذنًا، قال: مؤذنك المزمار، قال: اجعلْ لي بيتًا، قال: بيتك الحمَّام". والأحاديثُ في هذا كثيرة. فإذا كان الشيخ يَزعُمُ أنَه يدعو إلى الله وإلى طاعته، ليس شعارُهُ إلا جمعَ الناس على مزمورِ الشيطان ومؤذِّنِه وقراءتِه، وقَلَّ أنْ يَجمعَهم

стр. 1682

على أذان الله وقراءتِه وصلاتِه، كان إمامًا من أئمة الضَّلال الذين (يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ (٤١)) (١)، وكان من اتَّبعهُ له نَصِيبٌ من قوله تعالى: (يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا (٦٦) وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا (٦٧) رَبَّنَا آَتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا (٦٨)) (٢). وقال تعالى: (وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (٢٧) يَا وَيْلَتَا لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا (٢٨) لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا (٢٩)) (٣). والناسُ وإن كانوا قد تكلَّموا في الغناء، هل هو حرامٌ أو مكروهٌ أو مُباحٌ؟ فما قال أحدٌ من المهتدين: إنه قربة أو طاعةٌ، ومَن قال ذلك فقد اتبع غير سبيل المؤمنين، ودخل في مشابهة النصارى والصابئين، ولهذا ذكر العلماء أنه من إحداثِ الزنادِقَة. وكيف يتصَوَّرُ أن يكون قربةً، وقد مضت القرون الثلاثة: قرنُ الصحابة والتابعين وتابعيهم، وذلك لا يُفْعَلُ في شيءٍ من أمصار المسلمين، لا في الحجاز ولا في اليمن ولا في الشام ولا في العراق ولا في مِصر ولا في خُراسان ولا في المغرب. فالواجب على أهل الإسلام التعاونُ على البر والتقوى، والتواصي

стр. 1683

بالحق، والتواصي بالصبر والبر، واتباعُ شرائع الإسلام، وكَبْتُ هذه الطرق الجاهلية والضَّلالات الخارجية، ورَدُّ ما تنازعَ الناسُ فيه إلى كتاب الله تعالى و [سُنَّةِ] رسوله، وهو الطريق المستقيم، صراط الذين أنعم عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وتجنُّبُ طريق المغضوب عليهم اليهود ومن شابههم في بعض أمورهم من غواة المنتسبين إلى الفقه والحكمة، ومن طريق الغالين المنتسبين إلى التَّعبُّدِ والتَّصَوُّفِ والفقر. وعلى أهل الإسلام أن ينصَحَ بعضُهم لبعضٍ كما قال النبي ﷺ (١): "الدينُ النصيحةُ، الدينُ النصيحةُ، الدين النصيحةُ"، قالوا: [لِمَنْ؟، قال:] "لله ولرسوله ولأئمةِ المسلمين وعامَّتِهم". وقد قال تعالى: (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤)) (٢)، وقال تعالى: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ) (٣). فهؤلاء الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر أطِبَّاءُ الأديان، الذين تُشفَى بهم القلوب المريضة، وتهتدي بهم القلوب الضالة، وترشُدُ بهم القلوبُ الغاوية، وتستقيم بهم القلوبُ الزائغة، وهم أعلامُ الهدى ومصابيح الدُّجى.

стр. 1684

والهدى والمعروفُ اسمٌ لكل ما أُمر به من الإيمان ودعائمه وشعَبه، كالتوبة والصبر والشكر والرجاء والخوف والمحبة والإخلاص والرضَا والإنابة وذكر الله تعالى ودعائه والصدق والوفاء وصلة الأرحام وحسن الجوار وأداء الأمانة والعدل والإحسان والشجاعة والصلاة والزكاة والصيام والحج والجهاد وغير ذلك. والمُنْكَرُ اسمٌ لكلِّ ما نهى اللهُ عنه من الكفر والكذب والخيانة والفواحش والظلم والجور والبخل والجبن والكبر والرياء والقطيعة وسوء المسألة واتباع الهوى وغير ذلك. فإن كان الشيخُ المتبوعُ آمرًا بالمعروف، ناهيًا عن المنكر، داعيًا إلى الخير، مصلحًا لفساد القلوب، شافيًا لمرضاها، كان من دُعاة الخير وقادة الهُدى وخِيارِ هذه الأُمَّة. نسألُ الله أن يُكثر من هؤلاء ويُقويهم، ويَدْمغَ بالحقِّ الباطلَ، ويُصلحَ هذه الأمة. والحمدُ لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم تسليمًا. (تمَّت الرسالةُ بعون الله ومَنِّه من كلام شيخ الإسلام تقي الدين أبي العباس أحمد بن تيمية، قدَّس الله روحه وسقى ضريحه). * * *

стр. 1685

شرح حديث "لا يَزني الزاني حينَ يَزني وهو مؤمنٌ"

стр. 1686

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قال الشيخ الحافظ الإمام، شيخ الإسلام، وأستاذ العلماء الأعلام، تقي الدين أحمد بن [عبد الحليم بن] عبد السلام، الشهير بابن تيمية رحمه الله تعالى وجزاه عن المسلمين خيرًا: فصل في قوله ﷺ في الحديث الصحيح (١): "لا يَزني الزَّاني حين يَزني وهو مؤمنٌ، ولا يَشرب الخمرَ حين يَشربُها وهو مؤمن، ولايَسرِقُ السارقُ حين يسرق وهو مؤمن، ولا يَنْتَهِبُ نُهْبَةً ذاتَ شرفٍ يَرْفعُ النَّاسُ إليه فيها أبصارَهم وهو حين يَنْتَهِبُها مؤمن". وللناس في هذا وأمثاله كلام كثير مضطرب، فإن هذه من مسائل الأسماء والأحكام. فالخوارج والمعتزلة يحتجون بهذا على أن صاحب الكبيرة لم يَبْقَ معه من الإيمان بل ولا من الإسلام شيء أصلاً، بل يستحق التخليد في النار، ولا يخرج منها بشفاعة ولا غيرها. ومعلوم أن هذا القول مخالف لنصوص الكتاب والسنة الثابتة في غير موضع.

стр. 1687

والمرجئة والجهمية يقولون: إيمان الفاسق تام كامل لم ينقص منه شيء، ومثل هذا إيمان الصديقين والشهداء والصالحين. ويتأولون مثل هذا الحديث على أن المنفي موجب الإيمان، أو ثمرته، أو العمل به، ونحو ذلك من تأويلاتهم. والصحابة والتابعون لهم بإحسان، وأهل الحديث، وأئمة السنة يقولون: لا يخلد في النار من أهل التوحيد أحد، بل يخرج منها من في قلبه مثقال ذرة من إيمان كما ثبت ذلك في الأحاديث الصحيحة، بخلاف قول الخوارج والمعتزلة. ويقولون: إن الإيمان يتفاضل، وليس إيمان من نفى الشارع عنه الإيمان كإيمان أبي بكر وعمر ﵄. ومنهم من ينفي عنه إطلاق الاسم، ويقول: خرج من الإيمان إلى الإسلام، كما يُروى ذلك عن أبي جعفر الباقر وغيره. وهو قول كثير من أهل السنة من أصحاب أحمد وغيرهم، وقال بمعنى هذا القول حماد بن سلمة، وعبد الرحمن بن مهدي، وأحمد بن حنبل في غير موضع، وسهل بن عبد الله التُّسْتَرِيّ وغيرهم من أئمة السنة. فإن أصحاب المنزلة بين المنزلتين ينفون اسم الإسلام، وأولئك يقولون بالتخليد في النار، وأولئك يقولون: ليس معه من الإيمان شيء. وهم لا يقولون معه من الإيمان شيء ما يَخرج به من النار ويدخل به الجنة، وبين القولين هذه الفروق الثلاثة. وعلى هذا قول من يقول إن الأعراب الذين قالوا: (ءَامَنَّا)،

стр. 1688

وقال الله: (لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا) (١) لم يكونوا منافقين، بل كانوا دخلوا في الإسلام، ولَمَّا يدخل الإيمان في قلوبهم فيثيبهم الله على الطاعة، ويعاقبهم على المعصية، كما قال تعالى: (وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شيئًا) (٢). وهذا قول أكثر أهل الحديث. وقيل: بل هؤلاء كان إسلامهم إسلام نفاق، فلا يكون مسلمًا مثابًا على العمل إلا من هو مؤمن. والتحقيق أن نفي الإيمان وإثباته باعتبارين: فمن في قلبه مثقال ذرة من إيمانٍ لم يدخل جميع الإيمان في قلبه، وإنما دخل في قلبه شيء منه، فهذا يثاب على أعماله وهو مسلم ومعه إيمان، ولما يدخل كمال الإيمان في قلبه بل إيمانه ناقص، ولهذ كان الصحابة وجمهور السلف على أن الإيمان يزيد وينقص. فالفاسق معه إيمان ناقص نقصًا هو نقص جزء واجب، وما كان كذلك فإنه يُنفَى، وإن كان قد أُثيب على فعل ما فَعَل لكن ما تبرأ ذمته، ولا يُعاقَبُ عقوبةَ من لم يفعل شيئًا. كمن ترك بعض واجبات العبادة فيقال: صلِّ فإنك لم تُصلِّ، ولا يكون من ترك الطمأنينة كمن ترك جميع الصلاة، ولهذا تكمَل الفرائض يوم القيامة من النوافل، والعبد ينصرف من صلاته ولم يُكتب له منها إلا نصفها،

стр. 1689

إلا ثلثها، إلا ربعها، إلا خمسها، إلا سدسها، إلا سبعها، إلا ثمنها، إلا تسعها، إلا عشرها (١). ورُبَّ صائمٍ حظه من صيامِه الجوعُ والعَطَشُ (٢)؛ وليس بمنزلة المفطر، بل وإن لم يحصل له ثواب فهل يرفع عنه عقاب الترك؟ وهذه الأمور مبسوطة في غير هذا الموضع. والمقصود هنا بيان كيف يُنفَى الإيمان بفعل الكبائر . وذلك أن الإيمان الواجب لابد أن يكون الله ورسوله أحب إلى صاحبه مما سواهما، ولابد أن يخشى الله ويخافه، فمن لا يحب الله ورسوله ﷺ ولا يخشى الله تعالى فهذا ليس بمؤمن، بل قال تعالى: (لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آَبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ) (٣). وقال تعالى: (وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (٨١)) (٤). فبين سبحانه أنه لا يوجدُ مؤمن يوادُّ المحاد لله ورسوله ﷺ ، وأن المؤمنَ لا يمكنُ أن يتولى الكافر، والمودةُ والموالاةُ تتضمن المحبة، فدلَّ ذلك على أنه لابد في الإيمان من محبة الله ورسوله ﷺ مما ينافي

стр. 1690

محبة من حادَّ الله ورسوله، ولهذا لا تكون موالاة الله ورسوله إلا بمعاداة من عادى الله ورسوله ﷺ . كقول إبراهيم والذين معه: (قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآَءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ) (١). وفي الصحيحين (٢) أنه قال: "والذي نفسي بيدِه لا يؤمنُ أحدُكم حتى أكونَ أحبَّ إليه من والدِه وولدِهْ والناسِ أجمعين". وفي صحيح البخاري (٣) أن عمر بن الخطاب قال: "والله يا رسول الله لأنتَ أحبُّ إليَّ مِن كلِّ شيء إلا من نفسي! ". قال: "لا يا عمر، حتى أكون أحبَّ إليكَ من نفسِكَ". قال: "فلأنتَ أحبُّ إليَّ من نفسي". قال: "الآن يا عمر". بل أبلغ من ذلك قوله تعالى: (قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (٢٤)) (٤). فهذا وعيد لمن كان أهله الذين يحبهم وأمواله التي يحبها أحب إليه من الله ورسوله وجهاد في سبيله. فكيف إذا كان الصور المحرمة والمال المحرم ومكاره كثيرة، فكيف إذا كان هذا وهذا؟ وهو أحب إليه من الله

стр. 1691

ورسوله بدون الجهاد. فَعُلِمَ أن الزاني والشارب أبعد عن كون الله ورسوله أحبَّ إليه مما سواهما من هؤلاء التاركين للجهاد، وإن كانوا يحبون الله ورسوله، لكن لم يقل له: إنها أحب إليه مما سواهما، ولا إنه مُتَّصِف بذلك وقتَ الشّرب، فقد يتصف العبد بالأحبِّية في حال دون حال، ولابد في الإيمان مِن أنْ يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما. ومن هنا غلطت الجهمية والمرجئة؛ فإنهم جعلوا الإيمان من باب القول: إمّا قول القلب الذي هو علمه (١)، أو معنى غير العلم عند من يقول ذلك. وهذا قول الجهمية ومن تَبعهم كأكثر الأشعرية، وبعض متأخري الحنفية. وإما قول القلب واللَسان كالقول المشهور عن المرجئة؛ ولم يجعلوا عمل القلب مثل حب الله ورسوله ومثل خوف الله من الإيمان، فغلطوا في هذا الأصل. وغلطوا غلطًا آخر غَلِطَت الجهمية فيه أعظم، وهو أنهم ظنوا القلب يقوم به الإيمان قيامًا لا يظهر على الجوارح. فظنوا أن [الإنسْان] (٢) يقوم بقلبه تصديق تام للرسول، ومحبة تامة للرسول، وهو مع هذا يشتمه ويلعنه ويَضْربه من غير إكراه، فصاروا لا يجعلون شيئًا من الأعمال الظاهرة مستلزمًا للكفر الباطن، بل يقولون: نحن نحكم بكفره ظاهرًا، وقد يكون في الباطن من أولياء الله.

стр. 1692

وغلطوا غَلْطة ثالثة فقالوا: كل من حكم الشارع بكفره في الظاهر (١) فذلك دليل على أنه لم يكن مصدقًا في الباطن. وهذا مكابرة ظاهرة، فصاروا يقولون: إن إبليس وفرعون وعلماء اليهود وأمثال هؤلاء هم في الباطن جاحدون لوجود الخالق لأنه ثبت أنهم ليسوا مؤمنين في الباطن. والإيمان عندهم مجرد علم القلب، فاحتاجوا إلى نفي هذا. والتحقيق أن الإيمان الباطن المنجي من عذاب الله لابد فيه من قول القلب، وعمل القلب، فلابد فيه من حب الله ورسوله، ولهذا أطلق أكثر السلف القول بأن الإيمان قول وعمل. وإذا كان القلب فيه تصديق للرسول ﷺ ومحبة تامة له فلابد أن يظهر ذلك على الجسد، فإن الإرادة الجازمة مع وجود القدرة تستلزم وجود المقدور، والمحبة الجازمة تتضمن الإرادة الجازمة لتعظيم الرسول وتوقيره. فإذا كان قادرًا على ذلك امتنع أن يصدر منه موالاةُ من عادى الرسول ﷺ ، فكيف يصدر منه شتمه وضربه وقتله طائعًا غير مكره؟ وإذا كان كذلك فمعلوم أن الذنوب كالزنا والسرقة وشرب الخمر تتضمن شهوة ذلك ومحبته، فحب الشهوات من الصور والمطاعم والأموال يُوقِعُه في الزنا والشرب والسرقة. وقد قال النبي ﷺ (٢):

стр. 1693

"أَكْثَر ما يُدْخِلُ النَّاسَ النَّارَ الأجوفان: الفَمُ والفَرْجُ، وأكثر ما يُدخِل الناسَ الجنَّة: تقوى الله وحسنُ الخلق". والمحبوب المشتهَى يصرف عنه طلب ما هو أحب إلى المرء منه، ويصرف عنه خوف ما يكون دفعه أحب إلى النفس من ذلك المشتهى. فمن أحبَّ امرأة فأتاه من هو أحبُّ إليه منها، وقيل لا يُعطى هذه إلا بترك تلك اشتغل بها عنها، فإن أُعطي من المال ما هو أحب إليه منها، أو من الأولاد ما هو أحب إليه منها، على طريق المعاوضة، اشتغل عنها بالضدين اللذين لا يجتمعان، إذا كان أحدهما أحب إليه تَرَكَ الآخر لأجله. وكذلك إذا خاف من مقامه معها ضربًا، أو حبسًا، أو أخذ مالٍ، أو عزلاً، كان دفع هذا المكروه أحب إليه منها المغرمُ (١)، وأما المحب الذي لا يؤثر عليها شيئًا من هذه المحبوبات، ولا دفع هذه المكروهات فهذا لا يتركها لذلك. وإذا كان كذلك فالمؤمن المحب لله ورسوله الذي يحبَ الله ورسوله أعظم من كل شيء، والله ورسوله أحب إليه مما سواهما، والذي يخشى الله ويخافه إذا عصاه هو في حال حصول حبه التام وخوفه في قلبه لا يفعل شيئًا

стр. 1694

من ذلك، بل حب الله ورسوله الذي وجد حلاوته وهو أحب إليه من هذه المنهيات التي يبغضها الله ورسوله، ومتى وقع فيها نقص ذلك الحب وتلك اللذة الإيمانية. فلو كانت اللذة الإيمانية الكاملة موجودة (١) لما قَدّم عليها لذة تَنقُصها وتزيلها، ولهذا يجد العبد في قلبه إذا كان مخلصًا لله واجدًا لحلاوة العبادة والذكرِ والمعرفةِ الصارف قلبَه عن هذه المحرمات فلا يلتفت إليها، كالمشغول بالجوهر إذا لاحت له قشور البصل، بخلاف ما إذا عَدِمَ هذه الحلاوة الإيمانية، فإنه حينئذٍ يميل إلى شيءٍ من المحرمات، وكذلك إذا كان في قلبه خوف الله التام وهو مؤمن، فإن هذا المحرم سبب يفضي به إلى عذاب الله وعقابه، بل إلى سخطه وغضبه والبعد عنه، فمتى خاف زوالَ محبوب أحبَّ إليه من ذلك، أو حصول مكروه أكره إليه من ذلك لم [يعد إلى] (٢) هذه المحرمات. فالذنب تارة يُعدَم لعدم المقتضي، وتارة لوجود المانع، والثاني هو الغالب، فإنه الداعي في النفس، والأول موجود إذا حَصَلَ في القلب من حلاوة الإيمان وطيبه ما يغنيه عن الذنب لم يبق له داعِ، كالجائع الذي أكل من الطعام الطَّيب ما يُغنيه عن الرديء، فإذا شبع لم يبق له داع، بل إذا كان قادرًا على هذه كان مكتفيًا عن ذلك. وكذلك العطشان، والنفس مطلوبها ما يَسرُّها ويلذها، فإذا وجدت اللذة والسرور التام في أمر لم تشتغل عنه بما هو دونه في اللذة.

стр. 1695

والإنسان إنما يفعل السيئات القبيحة إما لجهله بقبحها، وإما لحبه الداعي له إلى ذلك، وهو يتضمن حاجته إلى ذلك، فإن المشتهي للشيء من مطعوم أو منكوح أو منظور أو غير ذلك يجد في قلبه فاقة إليه وحاجة إليه، فإذا لم يحصل له بقي في ألمٍ يؤذيه بحسب شهوته، فإذا استغنى بما يزيل عنه الشهوة والحاجة لم يبق عنده داع يدعوه إلى ذلك. ولهذا قال النبي ﷺ (١): "إذا أَعْجَبَتْ أحَدَكم امرأة فليأتِ أهلَه، فإن معها مثل ما معها". وفي الدعاء المأثور (٢): "اللهمَّ أَغْنِنَا بحلالِك عن حرامك، وبفضلِك عمَّن سواك". والناس إذا وقعوا في البدع والمعاصي نقص عليهم إيمانهم، وإلا فمن كان عالمًا بالحق قاصدًا له أغناه ذلك عن أن يعتقد الباطل ويتبعه. ولهذا كانت الصحابة رضوان الله عليهم من أبعد الناس عن الذنوب والبدع، لاستغنائهم بالعلم والإيمان بالله [وما] تلقوه عن الرسول ﷺ ، ولا تجد أحدًا وقع في بدعةٍ إلا لنَقْصِ اتباعِه للسنة علمًا وعملاً. وإلا فمن كان بها عالمًا، ولها متبعًا لم يكن عنده داع إلى البدعة، فإن البدعة يقع فيها الجُهَّال بالسنة، وكذلك الزنا والسرقة وشرب الخمر، إنما يزني من عنده شهوة يطلب قضاءها. فأما من قضى شهوته بما هو أحب إليه وفَتَرَتْ، فلا يبقى عنده داعٍ، ومن أحبَّ طلب شيء آخر فشهوته لم تُقْضَ بل قُضِيَ بعضها،

стр. 1696

وقضاء الشهوة إنما هو حصول المطلوب كله، فممتنع معه أن يطلب ما يُحصل ما قد حَصَل. وكذلك السارق إنما يسرق لِما عنده من إرادة المال، ولكن من الناس من لا يقف عند حدٍّ، بل لو حَصَلَ عنده أي شيء كان أحبَّ الزيادة، ولهذا يسرق وإن لم يكن ثَمَّ منافعُ أُخَر. وكذلك شارب الخمر يشربها لما يطلب بها من حصول اللذة وزوال الغم، فإذا كانت اللذة الحاصلة بالصلاة وذكر الله أكمل وهي تصده عن ذلك لم يكن عنده داعٍ إليها. ومما يُبيِّنُ هذا قوله تعالى: (إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ) (١)، مع قول الشيطان: (لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٨٣)) (٢)، وقال تعالى في حق يوسف الصديق: (كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ (٢٤)) (٣)، فإن عباده تعالى هم الذين عبدوه وليس المراد كل من خلقه، فإن الشياطين عباد بهذا الاعتبار، بل هذا كقوله تعالى: (وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا) (٤)، وقوله: (عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ) (٥)، وقوله: (وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ) (٦).

стр. 1697

وفي الصحيحين (١) عن النبي ﷺ : "تَعِسَ عبدُ الدرهم، تعس عبد الدينار، تعس عبد القطيفة، تعس عبد الخميصة، إن أُعطِيَ رضي، وإن مُنِعَ سخط، تَعِسَ وانْتكس، وإذا شِيكَ فلا انتقش". فعبدُ الله الذي هو عبدُه لابد أن يكون الله أحب إليه مما سواه، فإن الذين جعلوا لله أندادًا يحبونهم كحب الله مشركون لا مؤمنون، والذين آمنوا أشدُّ حبًّا لله، ولابد أن يكون الله أخوف عندهم مما سواه، ومن كان كذلك صُرِفَ عنه السوء والفحشاء كما صُرِفَ عن يوسف. بخلاف المشركين الذين جعلوا لله أندادًا يحبونهم كحُب الله، فهؤلاء ليسوا عباده، و (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آَلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا) (٢)، فالمشرك به لا يحصل له ما يقر عينه، ويغني قلبه عن الأنداد، بل هذا لا يحصل إلا بعبادة الله وحده. فإن الله سبحانه خلقَ عِبادَهُ حنفاء؛ وللسلف في "الحنيف" عبارات، قيل: المستقيم، كقول محمد بن كعب القرظي. والمتَّبع، كقول مجاهد. والمُخْلِص، كقول عطاء. وأما تفسيره بالمائل فهذا من قول بعض متأخري أهل اللغة، وهو مبسوط في موضع آخر (٣). وقد قال النبي ﷺ (٤): "كل مولود يولد على الفطرة". وفي رواية (٥):

стр. 1698

"على فطرة الإسلام". فالقلب مخلوق حنيفا مفطورًا على فطرة الإسلام، وهو الإستسلام لله دون ما سواه. فهو بفطرته لا يريد أن يعبد إلا الله، فلا يطمئن قلبه ويحصل لذته وفرحه وسروره إلا بأن يكون الله هو معبوده دون ما سواه، وكل معبود دون الله يوجبُ الفساد، لا يَحْصُل به صلاح القلب وكماله وسعادته المقتضية لسَروره ولذته وفرحه، وإذا لم يحصل هذا لا يبقى طالبًا لما يلتذ به فيقع في المحرمات من الصُّوَر والشرب وأخذ المال وغير ذلك. ولهذا لَمَّا كانت امرأة العزيز مشركة طالبةً للفاحشةِ، ويوسف شاب غريبٌ، فالداعي المطيع معه أقوى، لكن معه من الإيمان ما يَصدُّه عن ذلك، وتلك هي وقومها كانوا مشركين، ولهذا قال لهم: (إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) إلى قوله: (أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (٣٩) مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ) (١). وما نقلَه بعضُ المفسرين من أن زوجَها (٢) كان لا يصل إليها، وأن يوسف تزوَّجَها بعد ذلك فوجدَها عذراءَ، فهذا ونحوه من الإسرائيليات مما لا يجوز لمسلم أن يُصدِّقَ به، فإن هذا لم يُخبِر

стр. 1699

بنَقْلِه أحدٌ عن النبي ﷺ ، وإنما هو منقولٌ عن أهل الكتاب إن لم يكن قد افتراه غيرُهم. وقد ثبتَ في الصحيح (١) عن النبي ﷺ أنه قال: "إذا حَدَّثكم أهلُ الكتاب فلا تُصدِّقوهم ولا تكذِّبوهم". لا سيما وقد نقلوا في قصة يوسف أشياء تخالف القرآن، وتلك يجب القطع بأنها كذب، وأما ما لم يُعلم صدقه ولا كذبه يتوقف فيه. وهذه الحكاية كذب؛ فإن هذا خلاف العادة الغالبة على بني آدم، وإنما يقع مثل هذا نادرًا ولو وقع لأخبر به. والمراد لو كان الداعي لها مجرد الشهوة لِعَدَم الزوج لكان في الرجال كثرة، وإذا لم يحصل لها يوسف حصل لهَا غيرُه، ومعلوم أن الجائع والشَّبِقَ إذا طلب غلامًا يشتهيه فيتعذَّر عليه لم يصبر عن الجوع والشبق بل يتناول ما تيسَّر له، ولهذا يوجد صاحب الشبق يقضي شهوته بأخسَّ ما يمكن، فمن الرجال من يأتي بهيمةً وكلبًا وحمارًا وطيرًا، ومن النساء مَن تُمكِّن منها قردًا وحمارًا أو غير ذلك لغلبة الشهوة، ومن النساء من تتخذ آلة الرَّجلِ على صورة عضو الرجل عند تَعذر الرجال إلى أمثال ذلك، فكيف إذا حصل للمرأة رجل، وللرجل امرأة؟ فعُلِمَ أن المرأةَ هَوِيَتْ يوسف لجماله، لا لكون زوجها لا يأتيها.

стр. 1700

وكذلك ما ينقله بعضهم عن يوسف أنه حَلَّ سراويله، وأنه رأى صورة يعقوب وغير ذلك، كل ذلك من الأحاديث التي غالبها أن يكون من كَذِب اليهود. فإن الله تعالى قال: (كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ) (١). فقد أخبر أنه صرف عنه السوء والفحشاء فلم يفعل سوءًا ولا فحشاء، فإن ما صرفه الله عنه انصرف عنه. ولو كان يوسف قد أذنب لتاب، فإن الله لم يذكر ذنب نبي إلا مع التوبة، ولم يذكر عن يوسف توبة، فعُلِمَ أنه لم يُذنب في هذه القضية أصلا، والله أعلم. إنما أخبر عنه بالهمِّ وقد تركه لله فهو مما أثابه الله عليه. وفي الصحيحين (٢) عن ابن عباس عن رسول الله ﷺ فيما يروي عن ربه ﵎ قال: "إن الله كتب الحسناتِ والسيئات ثم بَيَّن ذلك، فمن هَمَّ بحسنة ولم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة، فإن هَمَّ بها فعمِلها كتبها الله عنده عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، وإن هَمَّ بسيئة فلم يعملها كتبها الله [له عنده حسنةً كاملةً، فإنْ هو هَمَّ بها فعَمِلها كتبها الله له] سيئةً واحدةً" (٣). فقد أخبر ﷺ في الحديث الصحيح أن من هم بسيئة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة. وفي الحديث الآخر (٤) قال: "يقول الله:

стр. 1701

اكتبوها له حسنة فإنما تركها من جَرَّائي". أي: من أجلي. فالعبد إذا هَمَّ بالسيئة وتركها لله كان تركها لله حسنة كاملة، ولم يكن عليه إثم بذلك الهمِّ. فيوسف الصديق لم يفعل قط سيئةً، بل هَمَّ وتَرَكَ ما هَمَّ به لَمَّا رأى برهان ربه، فكَتبَ الله له حسنة كاملة. وبرهان ربه ما تبيَّن له به ما يوجب الترك، قال الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ (٢٠١) وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ (٢٠٢)) (١). فالشيطان إذا زين المعصية يجعل في القلب ظلمة، ويضعف نور الإيمان، ولهذا سماه طائفًا، أي: يطيف بالقلب مثل ما يطيف الخيال بالنائم، ويغيب عن القلب حينئذٍ من أمرِ الله ونهيِه ووعدِه ووعيدِه ما يناقض ذلك، فإذا كان العبد متقيًا لله أمدَّه الله تعالى بنور الإيمان، فذكر ما في الذنب من عذاب الله وسخطه، وما يفوته به من كرامة الله وثوابه. والبرهان ببصيرة القلب، فيوسف الصديق أبصرَ برهانَ ربه بقلبه، فتركَ ما همَّ به كل ذلك. وأما ما يُذكر أنه تمثلَ له يعقوبُ في صورة جبريل وأنه عضَّ يده، أو أن جبريل أو يعقوب مسحَ على ظهره، أو رأى أنه مكتوب (٢) =

стр. 1702

فكل هذا لا يجوز لأحد أن يُصدقَ بشيء منه، بل هذا مما يُعلم كذبه من وجوه متعددة، فإن من لم يتنبَّه إلا بهذا يكون من أفجر الناس، فكيف يقال لمن وصفه الله بالعفة والتقوى ما لا يوصف به إلاّ من هو أفجر الناس؟ قال تعالى: (كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ (٢٤)) (١). وما ذُكر يقتضي أنه لم يُصرف عنه إلا الجماع، وإلا فقد فَعَلَ مقدماته وحرص عليه، وهذا كالفاعل، ولو حصل لمشرك دون هذا لامتنع من الفاحشة بدون ذلك، بخلاف امتناع يوسف، مع كمال الدواعي فإن هذا لا يُعرفُ لغيره، فإن التي راودته سيدته التي تملكه، وقد استعانت عليه بعد ذلك بالنساء وحبسوه على ذلك بضع سنين، وهو شاب غريب، وزوجها لم ينهها ولم يعاقبها، ولم ينصر يوسف عليها، وهو في بلد غربة ليس هناك أهله الذين يستحي منهم، بل لو أتاها لم يَعْلَم أَحَدٌ من الناس. وما يُذكر من حكاية مسلم بن يسار (٢) أنه رأى يوسف، قال: "أنا يوسف الذي هممتُ، وأَنتَ مسلم الذي لم تَهُمَّ! ". فمُسلم رآه بحسبِ حاله، وفيه دليل على صلاح مُسلم، وإلا فأين حال هذا من حال يوسف؟، تلك امرأة بدوية ظلمته في بريةٍ ولا حُكمَ لها عليه، وهو شيخ كثير العبادة، فدواعي الزنا منصرفةٌ عنه، وموانعه موجودة، بخلاف يوسف؛ فإن دواعي البشرية كانت تامةً في حقه موجودة،

стр. 1703

وصوارف السوء كانت منتفية، وإنما صُرِفَ عنه السوء والفحشاء بإخلاصه، وترك ما همَّ به لما رأى برهان ربه. وهَمُّهُ الذي تركَه كُتِبَ له به حسنات كاملة، ولو تساوت القضيتان لكان هو أفضل، فكيف وبينهما من الفرقان ما لا يخفى إلا على العُميان؟ وكثير من المؤمنين يُطلب منه الفاحشة، ويراودُه من يراوده ويمتنع، لكن لا تجتمع معه هذه الأمور ولا يكون معهودًا هذا الضمير (١)، ولا يصبر على حبس بضع سنين= يختار ذلك على فِعل ما طُلب منه في خلوة عن الوطء لم يمتنع عن مقدماته، ويوسف صرف الله عنه السوء والفحشاء فلم يفعل كبيرة ولا صغيرة، ولا أَمَرَتْهُ نفسُه بسوء، بل كان ممن رحم الله، فلم تكن نفسُه أمَّارةً بسوءٍ، بل امرأة العزيز هي التي كانت نفسها أمَّارة بالسوء؛ فإنها راودته، وقَدَّتِ القميص، وكَذَبَتْ عليه، واستعانت بالنساء ثم حبسته، ولهذا قالت: (أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٥١) ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ) (٢) أي: في مغيبته عني. وقد بُسِطَ الكلام على هذا في غير هذا الموضع وبُيِّنَ أن قوله: (وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي) هو من تمام كلام امرأة العزيز، وكما دلَّ على ذلك القرآن في غير موضع (٣).

стр. 1704

ومن قال إنه من كلام يوسف فقد قال باطلاً، والنقولات في ذلك عن ابن عباس ضعيفة بل موضوعةٌ. ولو قُدِّرَ أنه قال ذلك فبعضُ ما يُخبره هذا وعبد الله بن عمرو من الإسرائيليات كله مما سمعوه من أهل الكتاب، فلا يجوز الاحتجاج به. والصاحب والتابع فقد يَنقُلُ عنهم ما لم يَتبَيَّن [له أنه كذِبٌ، فإن تبيَّنَ] (١) لغيره أنه كَذِبٌ لم يجز نقله إلا على وجه التكذيب، كما قال كثير منهم: إن الذبيح إسحاق، ودلائل الكتاب والسنة وغير ذلك أنه إسماعيل (٢)، وأمثال ذلك. وكثير من السلف يروي أحاديث عن النبي ﷺ إما مسندة وإما مرسلة، فإن كان لم يعلم أنها كذب فيجوز له روايتها، وإن كان غيره ممن عَلِمَ أنها كذب لا يجوز له روايتها. وعامة ما ينقله سلفنا من الإسرائيليات إذا لم يكن عن نبينا ﷺ فهو دون المراسيل عن نبينا ﷺ بكثير؛ فإن أولئك النقلة من أهل الكتاب، والمدة طويلة، وقد عُلِم الكذبُ فيهم والله أعلم.

стр. 1705

فصل في قوله ﷺ : أصدقُ كلمةٍ قالها شاعر كلمة لبيد: ألَا كلُّ شَيءَ مَا خَلَا اللهَ باطِلُ

стр. 1706

فصل في قوله ﷺ : أصدقُ كلمةٍ قالَها شاعر كلمةُ لَبيد: ألَا كلُّ شَيْءٍ مَا خَلَا الله باطِلُ فقد جَعَلَ هذه الكلمةَ أصدقَ كلمةٍ قالَها شاعر، وهذا كقوله: (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ) (١)، وقال: (فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ) (٢)، ونحو ذلك يتناولُ كلَّ معبودٍ من دون الله من الملائكة والبشرِ وغَيرِهم من كل شيء، فهو باطل، وعبادتُه باطلةٌ، وعابدُه على باطلٍ، وإن كان موجودًا كالأصنام. و"الباطل" يُرادُ به: الذي لا يَنفع عابدَه، ولا ينتفع المعبودُ بعبادتِه. فكلُّ شيء سِوى اللهِ باطل بهذا الاعتبار، حتى الدرهم والدينار، كما في الدعاء المأثور: "أشهدُ أنّ كلَّ معبودٍ من لَدُنْ عرشِك إلى قرارِ أرضِك باطل إلاّ وَجْهَك الكريم" (٣)، فإنّ كلَّ نفسٍ لابُد لها أن تألَهَ إلهًا هو غايةُ مقصودِها، فكلُّ ما سِوى اللهِ باطل، وهو ضالّ عن عابِدِه، كما أخبرَ بذلك في كتابِه.

стр. 1707

و"الضلال" يُراد به الهلاك، كما قال تعالى: (وَقَالُوا أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ) (١) قالوا: معناه هَلكْنا وصِرْنَا تُرابًا. وأصلُه من قوله: ضَلَّ الماءُ في اللَّبَن، إذا هَلَكَ فيه وتَلَاشَى. فإذا كان الضَّالُّ في الشيء هالكًا فيه، فالضالُّ عنه هالك عنه. ولهذا قال: (ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) (٢) أي: هَلَكَ وذهبَ، وهو بمعنى بَطَلَ. فكلُّ معبودٍ سِوى الله فهو باطل وضالّ، يُضِلُّ عابدَه ويَضِل عنه، ويَذهبُ عنه، وهالكٌ عنه، إلا وجهَ الله. فعبادةُ ما سِواه فاسدةٌ وباطلٌ وضلال، والمعبود سواه فاسدٌ. قال مجاهد في قوله: (كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ) (٣) قال: إلاّ ما أرِيدَ به وجهُه. وقال سفيان الثوري: إلاّ ما ابتُغِيَ به وجهُه. كما يقال: ما يَبقَى إلاّ الله والعملُ الصالحُ. وفي الحديث: "الدنيا ملعونة وملعون ما فيها إلا ذِكر الله وما والاه، وعالم ومتعلم" (٤). فأيّ شيء قصدَه العبدُ وتوجَّه إليه بقلبِه أو رَجَاه أو خافَه أو أحبَّه أو توكَّل عليه أو والاه، فإنّ ذلك هالكٌ مُهلِلك، ولا ينفعُه إلاّ ما كان لله.

стр. 1708

وهذا بخلاف قوله: (كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٢٧)) (١)، فإنّه حَصرَ كلَّ مَن عليها ولم يَستثنِ، مع أنَّ هذا المعنى يَدلُّ عليه، فإنّ جميعَ الأعمال تَفنَى، ولا يَبقَى منها شيء يَنفَعُ صاحبَه إلاّ ما كانَ لوجهِ ذي الجلال والإكرام، كما قال مالك: ما كان لله فهو يبقَى، وما كانَ لغيرِ الله لا يدومُ ولا يَبقَى. وقال تعالى: (مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ) (٢)، ولهذا قيل: الناس يقولون: قيمةُ كل امرئٍ ما يُحسِنُ، وأهلُ المعرفةِ يقولون: قيمةُ كلِّ امرئ ما يطلب. ومما رُوِي عن بني إسرائيل: "يقول الله: إني لا أنظر إلى كلام الحكيم، ولكنّي إنما أنظر إلى همتِه". وقد رُوِي أنّ الله سبحانَه يقول (٣): "إنّ أدنَى ما أنا صانعٌ بالعالمِ إذا أحبَّ الدنيا أن أَمنعَ قلبَه حلاوةَ ذِكري". وتصديقُ ذلك في القرآن: (فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٢٩) ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ) (٤)، وقال: (يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآَخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ) (٥). وفي الصحيح (٦) حديثُ الثلاثة الذين أوّل ما سُعِّرتْ بهم النارُ، ذكر منهم العالم الذي يقول: تعلَّمتُ العلمَ فيك وعلمتُه فيك، فيُقال له:

стр. 1709

كذبتَ، بل أردتَ أن يقال فلانٌ عالمٌ، وقد قيل، ثمّ يُؤمر به فيُسحَب إلى النار. ومعاويةُ لمّا سمعَ هذا الحديثَ بكَى وقال: صدقَ الله وبلَّغَ رسولُه، ثمَّ قرأ قولَه: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (١٥) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٦)) (١). وكذلك في الحديث في السنن (٢): "مَن طَلَب علمًا مما يُبتغَى به وجهُ الله، لا يَطلبُه إلاّ لِيُصيبَ به عرضًا من الدنيا، لم يَرِحْ رائحةَ الجنَّة". وفي الحديث الآخر (٣): "من طَلَبَ علمًا -أو قال: من تعلَّم علمًا- ليُجارِيَ به العلماءَ ويُمارِيَ به السُّفَهاءَ، ويتأكَّلَ به الدنيا، ويَصْرِفَ به وجوهَ الناسِ إليه، لقيَ الله وهو عليه غَضبانُ". وفي رواية: "لم يَجِدْ عَرْفَ الجنةِ". وهذا باب واسعٌ قد بُسِطَ في غير هذا الموضع، وتكلَّمنا فيه على آية هود وآية سبحانَ وآية الشورى وغير ذلك من الآيات والأحاديث والآثار في ذمِّ العالمِ وغيرِه المريد للدنيا والقَالَةِ، وبَيَّنا فيه أماراتِ ذلك، وبَيَّنا أن الدينَ كلَّه لله، وأن الله أغنى الشركاء عن الشركِ، وأن الصحابة والسلف كانوا أخوفَ الخلق في هذا المقامِ الخطِر. والمقصود أن هذا العالم لمّا لم يكن مقصودُه إلاّ الدنيا بما عَلِمَه

стр. 1710

من العلم وبما يُعلِّمه، وذلك مما يُبْتَغَى به وجهُ الله، لم يكن له عند الله قيمةٌ، ولم يكن للعلم في قلبه حلاوة، ولم يَرْتَعْ في رياضِ الجنَّة في الدنيا، وهي مجالس الذكر، فلم يَرِحْ رائحة الجنة. فالأولُ طلبَ العلم لكسب الأموال والجاهِ، فكان عقوبتُه أن لا يجدَ رائحةَ الجنَّة. والثاني طَلَبه لمقاصدَ مذمومةٍ من المباهاةِ والمماراةِ وصَرْفِ وجوهِ الناس، فكان جنسُ مطلوبِه محرَّمًا، فلقيَ الله وهو عليه غَضبان. والأول جنسُ مطلوبِه مباحٌ، فلم يجد رائحةَ الجنةِ في الدنيا، فلم يَرتَعْ في رياضِها، فقلبُه محجوبٌ عنها بما فيه من طلب الدنيا. وفي حديث مكحولٍ المرسل (١): "مَن أخلصَ لله العبادةَ أربعين صباحًا تفجَّرتْ ينابيعُ الحكمةِ من قلبه على لسانه". وحُكِي عن أبي حامدٍ قال: أخلصتُ لله أربعين صباحًا فلم يُفَجَّرْ لي شيءٌ، فذكرتُ ذلك لبعضِ أهل المعرفة، فقال: إنك لم تُخلِصْ لله، وإنما أخلصتَ للحكمة. وكذلك الحكاية المشهورة عن الحسن (٢) في ذلك الرجلِ الذي كان يَتعبَّدُ ليراهُ الناسُ ولِيُقَال، فكان الناسُ يَذُمُّونَه، ثمَّ أخلصَ لله ولم يُغَيِّر عملَه الظاهر، فألقَى الله له المحبةَ في قلوب الناس، كما قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا (٩٦)) (٣).

стр. 1711

وإذا كانت العبادةُ تبقى ببقاءِ معبودِها ف كلُّ معبودٍ سوى الله باطل ، فلا تَبقَى النفسُ، بل تَضلُّ وتَشْقَى بعبادةِ غيرِ الله شقاءً أبديا، كما قال تعالى: (وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ) (١). إنما كان بقاؤها ببقاءِ معبودِها لأنها مريدةٌ بالذات، فلابُدَّ لها من مُرادٍ محبوبٍ هو إلهها الذي تَبقَى ببقائِه، فإذا بَطَلَ بَطلَتْ وتَلاشَى أمرُها، وما ثَمَّ باقٍ إلاّ الله. والأفلاكُ وما فيها كلُّه يَستحيلُ، والملائكةُ مخلوقون يَستحيلون، بل ويموتون عند جمهور العلماء. والعبدُ ينتفع بما خُلِقَ بشيء من حيث هي من آيات الله له فيها، فهي وسيلة له إلى معرفة الله وعبادته، ولو كان العلمُ هو الموجب لما يَطلُبه هؤلاءِ لكانَ هو العلم بالله، فإنه هو الحق، وما سِواه باطل، ومَن له مِن مخلوقاتِه فالعلمُ به تابع للعلم بالله، والعلمُ الأعلى هو العلم بالأعلى. كما قال: (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)) (٢)، فهو ربُّ كلِّ ما سِواه، فهو الأصلُ، فكذلك العلم به سيِّدُ جميع العلوم وهو أصلٌ لها.

стр. 1712

المسألة الخلافية في الصلاة خلف المالكية

стр. 1713

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ما تقول السادة الفقهاء أئمةُ الدين وعلماء المسلمين -وفَّقهم الله لطاعته- في رجلٍ يزعم أنه فقيه على مذهب الشافعي، قال للعامة: لا تجوز الصلاةُ خلفَ أئمة المالكية، ومَن صلَّى خلفَ إمامٍ مالكي المذهب لم تصحَّ صلاتُه، ويَلزمُه إعادةُ ما صلَّى خلفَ الإمام المالكي. فلما سمعَ العامةُ كلامَه امتنعوا من الصلاة خلفَهم لأجلِ ما سمعوه منه، وطلبوا فتاوى الأئمة، إما بصحة ما قاله المذكور أو ببطلانه. وإذا لم يصحَّ قولُه ماذا يجبُ عليه؟ وهل على ولي الأمر زَجْرُه ورَدْعُه ومَنْعُه من ذلك حتى يَتَّعِظَ به غيرُه أم لا؟ وإذا رُدع وزُجِر اتعظَ به غيره. أفتونا مأجورين. فأجاب شيخ الإسلام فريدُ عصرِه ونحريرُ زمانِه، المميَّزُ على شيوخه وأقرانِه، تقي الدين أبو العباس أحمد بن الشيخ الإمام مفتي المسلمين أبي الفضل عبد الحليم بن شيخ الإسلام مجدالدين عبد السلام بن تيمية الحراني، فسحَ الله في عمره: الحمد لله وحده. إطلاقُ هذا الكلام من أنكر المنكرات وأشنع المقالات، يستحق مُطلِقه التعزيرَ البليغ، فإن فيه من إظهار الاستخفاف بحرمة هؤلاء الأئمة السادة ما يُوجِبُ غليظَ العقوبة، ويُدخِل صاحبَه

стр. 1714

في أهل البدع المُضِلَّة. فإن مذهب الإمام الأعظم مالك بن أنس -إمام دار الهجرة ودار السنة، المدينة النبوية التي سُنَّتْ فيها السننُ، وشُرِعَتْ فيها الشريعةُ، وخرجٍ منها العلم والإيمان- هو من أعظم المذاهب قدرًا، وأجلها مرتبة. حتى تنازعت الأمَّة في إجماع أهل المدينة هل هو حجةٌ أم لا؟ ولم يختلفوا في أن إجماع أهلَ مدينةٍ غيرِها ليس بحجة. والصحيح أن إجماعهم في زمن الخلفاء الراشدين أبي بكر وعمر وعثمان، فإن أمير المؤمنين عليًّا ﵃ انتقل عنها إلى الكوفة. وفيما نقلوه عن النبي ﷺ كالصاع وتَرْكِ صدقة الخضرات ونحو ذلك حجة يجب اتباعُها. وكذلك الصحيح أن اجتهاد أهل المدينة في ذلك الزمن مُرجَّحٌ على اجتهادِ غيرِهم، فيُرَجَّح أحدُ الدليلين بموافقة عمل أهل المدينة. وهذا مذهب الشافعي، وهو المنصوص عن الإمام أحمد وقول محققي أصحابه. وكان لمالك بن أنس ﵀ من جلالة القدر عند جميع الأمة، أمرائها وعلمائها ومشايخها وملوكها وعامتها، من القدر ما لم يكن لغيره من نظرائه، ولم يكن في وقته أجلُّ عند الأمَّة منه. وقد رُوِي حديثٌ نبويٌّ (١)، وفُسر به. ومن جاء بعده من الأئمة ﵏

стр. 1715

مثل الشافعي وأحمد بن حنبل وغيرهما؛ فهم أشد الناس تعظيمًا لأصوله وقواعده، ومتابعةً له فيها. وهم متفقون على أن مذاهب أهل المدينة رأيًا ورواية أصحُّ مذاهب أهل المدائن الإسلامية في ذلك الوقت. وكيف يستجيزُ مسلم يُطلِقُ مثلَ هذه العبارة الخبيثة، وقد اتفق سلفُ الأمة من الصحابة والتابعين على صلاة بعضهم خلفَ بعض، مع تنازعهم في بعض فروع الفقه، وفي بعض واجبات الصلاة ومبطلاتها. ومَن نهى بعضَ الأمةِ عن الصلاة خلفَ بعضٍ لأجل ما يتنازعون فيه من موارد الاجتهاد؛ فهو من جنس أهل البدع والضلال الذين قال الله فيهم: (إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ) (١)، وقال الله تعالى: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا) (٢)، وقال تعالى: (لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ) (٣)، إلى غير ذلك من نصوص الكتاب والسنة التي تأمر بالجماعة والائتلاف وتنهى عن الفرقة والاختلاف. ودلَّتْ نصوصُ الكتاب والسنة وإجماع سلفِ الأمة أنّ وليَّ الأمر -إمام الصلاة، والحاكم، وأمير الحرب والفيء، وعامل الصدقة- يُطاعُ في مواضع الاجتهاد، وليس عليه أن يُطيعَ أتباعَه في مواردِ الاجتهاد، بل عليهم طاعتُه في ذلك وتَرْكُ رأيهم لرأيه، فإن مصلحة

стр. 1716

الجماعة والائتلاف ومفسدة الفرقة والاختلاف أعظمُ من أمر المسائل الجزئية. ولهذا لم يجز للحكام أن ينقض بعضُهم حكمَ بعضٍ. وشبهةُ هذا المتفقه وأمثاله، ممن قد سمع بعض غَلَطاتِ بعض الفقهاء، فيما إذا ترك الإمام ما يعتقد المأموم وجوبَه، أو فعل ما يعتقد المأمومُ فسادَها به، فإن من الناس من قد يُطلِق القولَ ببطلان صلاة المأموم مطلقًا، ومنهم من لا يصحح الصلاة خلف من لا يأتي بالواجبات حتى يعتقد وجوبها. وهذه الاطلاقاتُ خطأٌ مخالفٌ للإجماع القديم، ولنصوص الأئمة المتبوعين. مثال ذلك: أن يصلي المأموم خلفَ من ترك الوضوء من خروج النجاسات من غير السبيلين كالدم، أو خلفَ من ترك الوضوء من مسِّ الذكر، أو ترك الوضوء من القهقهة، ويكون المأموم يرى وجوبَ الوضوء من ذلك، أو يكون الإمام قد ترك قراءة البسملة، أو ترك الاستعاذة، أو ترك الاستفتاح، أو ترك تكبيرات الانتقال، أو تسبيحات الركوع والسجود، ويكون المأموم يرى وجوب ذلك. فالصواب المقطوعُ به صحةُ صلاة بعضِ هؤلاء خلف بعض، وهذا مذهب الأئمة، وإن كان قد يُحكَى عن بعضهم خلافٌ في بعض ذلك. فهذا الشافعي ﵁ كان دائمًا يصلي خلف أئمة المدينة وأئمة مصر، وكانوا إذ ذاك مالكية لا يقرأون البسملة سرًّا ولا جهرًا، ولو سمع الشافعي من يطعن في صلاته خلف مشايخه مالكٍ وأقرانه، وهو دائمًا يفعل ذلك؛ لحكمَ عليه بالضلال، وعَدَّه هو وسائر الأمة بعد ذلك خلافًا للإجماع.

стр. 1717

والإمام أحمد يرى الوضوء من الدم الكثير، فقيل [له]: فإن كان الإمام لا يتوضأ من ذلك، أَأُصلِّي خلفه؟ قال: سبحان الله! أتقول: إنه لا يُصلَّى خلف سعيد بن المسيب، وخلف مالك بن أنس، أو كما قال. يعني أن هؤلاء الأئمة الذين اجتمعت الأمةُ على الصلاة خلفهم؛ كانوا لا يتوضؤون من الدم من غير السبيلين. وكذلك أبو يوسف -فيما أظن- لما حجَّ مع هارون الرشيد، فاحتجمَ الخليفة، فأفتاه مالك أنه لا يتوضأ، وصلى بالناس، فقيل لأبي يوسف: أصليتَ خلفه؟ فقال: سبحان الله! أمير المؤمنين!؟ يريد بذلك أن تَرْكَ الصلاة خلف ولاة الأمور من فعل [أهل] البدع، كالرافضة والمعتزلة والخوارج. فهذه النصوص وأمثالها عن هؤلاء الأئمة تُخالِف من يطلق من الحنفية والشافعية والحنبلية أن الإمام إذا ترك ما يعتقد المأمومُ وجوبَه لم يَصِحَّ اقتداؤه به. يُوضِّحُ ذلك أن مذهب عامة أئمة الإسلام -مثل مالك والشافعي وأحمد- أن الإمام إذا ترك الطهارة ناسيًا، مثل أن يصلي وهو جنب أو مُحدِث ناسٍ لحَدَثِه، ثم تَذكَّر بعد صلاته؛ فإن صلاة المأموم صحيحة، ولا قضاء عليه. وهذا هو المأثور عن الخلفاء الراشدين مثل عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وغيرهما من الصحابة. ف الإمام إذا كان مُخطئًا في نفسِ الأمر كان بمنزلةِ الناسي ، وقد دلَّ الكتاب والسنة (١) أنَّ الله تجاوزَ لهذه الأمةِ عن الخطأ والنسيان. فإذا كانت

стр. 1718

صلاة المأموم تَصِحُّ خلفَ إمام تجبُ عليه الإعادة؛ فخلف إمام لا تجب عليه الإعادة أولى. وذلك أن صلاة المأموم إن لم تكن مرتبطة بصلاة الإمام، بل كلٌّ منهم يصلِّي لنفسه؛ فلا محذور. وإن كانت مرتبطة؛ فالإمام معفوٌّ عنه في موارد الاجتهاد، فصلاته أيضًا باجتهادٍ صحيحةٌ عند المأموم. وإنما غَلِطَ الغالطُ في هذا الأصل بحيث يَتوهَّمُ أن المأموم يعتقد بطلان صلاة الإمام، وليس كذلك، فإنه إذا صلى باجتهاده السائغ؛ لم يكن في هذه الحال محكومًا ببطلان عبادته، بل بصحتها، كما يُحكَم بصحة حكمه في موارد الاجتهاد حتى يُمْنَع نقضُه. فأما فعلُ المحظورات ناسيًا فأسهل، فإن أكثر الأئمة -مثل مالك والشافعي وأحمد في إحدى روايتيه- لا يرون الكلام في الصلاة ناسيًا يُبطِلُ الصلاة، ولا يوجب الإعادة، فالإمام إذا فعلَ محظورًا متأولاً؛ فالمخطئ كالناسي. وإذا لم تجب الإعادة عليه فكيف لا يصح الائتمامُ به؟

стр. 1719

وقد روى البخاري في صحيحه (١) عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "يُصلُّون لكم، فإن أصابوا فلكم، وإن أخطأوا فلكم وعليهم". وهذا نص صريح في أنّ الإمام إذا أخطأ كان خطؤُه عليه لا على المأموم، والمجتهد غايتُه أن يكون أخطأ بتَرْكِ واجب اعتقدَ أنه ليس واجبًا، أو فِعْلِ محظورٍ اعتقدَ أنه ليس محظورًا. ولا يَحِلُّ لمن يؤمن بالله واليوم الآخر أن يخالفَ هذا الحديثَ الصحيح الصريحَ بعدَ أن يَبلُغَه. وقد روى الإمام أحمد (٢) وأبو داود (٣) عن عقبة بن عامر ﵁ قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "مَنْ أمَّ الناسَ فأصابَ الوقتَ وأتمَّ الصلاةَ فله ولهم، ومن انتقصَ من ذلك شيئًا فعليه ولا عليهم". وروى ابن ماجه (٤) عن سهل بن سعد ﵁ قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "الإمام ضامنٌ، فإن أحسنَ فله ولهم، وإن أساءَ - يعني: فعليه ولا عليهم". وهذه السنة الصحيحة الصريحة قد اتصلَ بها الإجماعُ القديمُ، وعُمِلَ بها زمنَ القرون الثلاثة الفاضلة في جميع الأمصار، فإنه قد كان في عهد الصحابة من يقرأ البسملةَ سرًّا، ومن يقرأ بها جهرًا،

стр. 1720

ومن لا يَقرأ بها سرًّا ولا جهرًا، وكلٌّ منهم يُصلِّي خلفَ الآخر وإن كان يُرجِّح قولَه. ومن أجودِ ما احتجَّ به من يَرى الجهرَ بالبسملة حديثُ معاوية (١)، لما قَدِمَ المدينةَ فتَرك قراءةَ البسملة في الركعة الأولى في أولِ الفاتحة وأولِ السورة، حتى هَتَفَ به الصحابةُ فقرأها في الركعة الثانية. وقد اعتمد الشافعي على هذا الأثر في "الأم"، وفيه إجماع أولئك الصحابة على الصَّلاةِ خلفَه وإن كان قد تركَ ذلك، وإن كانوا قد أنكروا تركَه. ومن قال من المتفقهة أتباعِ المذاهب: إنه لا يَصِحُّ اقتداؤه بمن يخالفُه إذا فَعَلَ أو ترك شيئًا يقدح في الصلاة عند المأموم؛ فقَوْدُ مقالتِه يُوقِعُه في مذاهب أهل الفرقة والبدعة، من الروافض والمعتزلة والخوارج، الذين فارقوا السنة، ودخلوا في الفرقة والبدعة. ولهذا آل الأمرُ ببعض الضالّين إلى أنه لا يُصلِّي خلفَ من يَرفَعُ يديه في المواطن الثلاثة، والآخر لا يرى الصلاة خلفَ من ترك الرفعَ أول مرة، وآخر لا يصلي خلف من يتوضأ من المياه القليلة، وآخر لا يصلي خلف من لا يتحرز من يسير النجاسة المعفو عنها عنده، إلى أمثال هذه الضلالات التي توجب أيضًا أن لا يُصلِّي أهلُ
следующие страницы →